|
|
من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 09:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد – تطور الفكر الجيوسياسي في مرحلة التحول الحضاري دراسة مقارنة
(مقدمة: الحوار المستمر عبر عقود)
لا يشكل الفكر الجيوسياسي سلسلةً من النظريات المنفصلة تُخيطها حقبٌ زمنية، بل هو حوارٌ صاخبٌ، متواصل، تدور رحاه في قاعات النقاش الخالدة للتاريخ. صوتٌ يعلو فوق صوت، حجّةٌ ترد على أخرى، رؤيةٌ تُقوّض أُسسَ رؤية سابقة. إنه حوار البشرية مع قدرها الجماعي، محاولةً لفهم قانون الجاذبية الذي يحرك الكواكب السياسية في فلك القوة، ويسقط بعضها على بعض. وفي هذا الحوار الدائم، تبرز لحظات صمتٍ مهيبة، لحظاتٌ يتوقف فيها الضجيج، ويجتمع المشاركون -عن قصد أو عن غير قصد- حول صوتٍ واحدٍ جَلْجل، يقدم حجةً تبدو، في وهلتها، فاصلةً نهائية. هذه اللحظات هي الكتب الكبرى، تلك التي تصبح معالم في خرائط الفهم البشري، توقيعات فكرية على عقدٍ زمني.
نحن هنا، على أعتاب هذا الحوار، نستمع إلى أربع لحظات صمت من هذه اللحظات المهيبة، أربع مرايا كُبرى رُفعت في وجه تيار التاريخ العاتي، فلم تعكس فقط ملامح عصرها، بل حاولت أن ترسم مصيره. إنها نصوصٌ ولدت من رحم لحظات محورية، كل منها يشبه نبضةً قويةً في نَظْمِ قلب العالم النابض:
1. نهاية التاريخ والإنسان الأخير (فرانسيس فوكوياما، 1992) – لحظة الانتصار المطلق، والفرح الفلسفي الغامر. لحظةٌ حيث بدا التاريخ وكأنه أُسدل عليه ستارٌ من حرير الليبرالية الديمقراطية، بعد أن أنهكته صراعات الأيديولوجيات العظمى. إنه الصوت المُنبري من فوق أنقاض جدار برلين، يعلن خلاص الإنسانية المُحرَّر باقتصاد السوق والديمقراطية التمثيلية، وكأنما الأقدار قد استنفدت ألعابها واختارت بطلها الأخير. 2. صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي (صامويل هنتنغتون، 1996) – لحظة القلق الحاد بعد السُّكْر. صوتٌ جادٌ وقورٌ، يكسر أغنية الانتصار ليذكّر بطبائع البشر الأزلية. إنه يرسم خريطةً جديدة للعالم، لا تقوم على الأيديولوجيات التي تهاوت، بل على الصفائح التكتونية للهويات الحضارية المتصارعة. هنا، يتحول التاريخ من مارشٍ نهائي إلى تراجيديا قديمة، حيث تتصادم القيم والمقدسات، وتعود خطوط التماس إلى حيث كانت دوماً: على حدود الثقافات والأديان. 3. الإمبراطورية الأمريكية (نعوم تشومسكي، 2003) – لحظة النقد اللاذع، والغضب الأخلاقي المُشتعَل. صرخةٌ تأتي من قلب المختبر ذاته، من أكاديمي أمريكي يسبر أغوار هيكل القوة الذي بناه بلاده. إنه لا يرى انتصاراً ولا صراعاً بين متساوين، بل يرى آلة إمبراطورية عاتية، تُدار من "الدولة الراعية" في واشنطن، تعيد تشكيل العالم بقوة السلاح والاقتصاد لتخدم مصالح نخبة ضيقة. هو تشريحٌ للانتصار ذاته، يكشف عن شرايين الاستغلال والأعصاب المُشلولة للإرادة الشعبية. 4. نزيف تحت الجلد: تشريح أفول الإمبراطورية الأمريكية (هذا العمل، 2024) – لحظة التحول والشك الوجودي. إنه الصوت الذي ينبعث من صميم العاصفة المتعددة الاتجاهات: وباء عالمي، حرب أوروبية دامية، صراع جيوسياسي شرس، واهتزاز أسس النظام الليبرالي الدولي من داخله. هذا الكتاب لا يأتي لينظر إلى لحظة انتصار أو لحظة صراع معلن، بل لينظر إلى لحظة التمزق الداخلي، إلى "النزيف" الذي لا يظهر على الجلد، بل ينخر في الأعضاء الحيوية للمشروع الإمبراطوري ذاته.
هذه النصوص الأربعة ليست مجرد كتب، بل هي نقاط مراقبة، قمم جبلية شاهقة رُكِعت على قممها عيونٌ ثاقبة لترى العالم. كل منها يمثل قمة تاريخية مختلفة:
· فوكوياما وقف على قمة انتصار 1991، حيث امتدت أمامه سهول المستقبل الخالية من المنافسين، مضاءة بنور "فكرة" اعتقد أنها أصبحت عالمية لا تقهر. · هنتنغتون تسلق قمة قلق ما بعد الحرب الباردة، فرأى من علوها أن تلك السهول ليست خالية، بل تعج بجيوش الهويات النائمة التي بدأت تستيقظ وتتحشد على حدودها. · تشومسكي أخذ مكانه على قمة الغضب بعد 11 سبتمبر وغزو العراق 2003، فأبصر جبروت الدولة الأميركية وهي تعمل بلا قيود، ويرى الدخان المتصاعد من أطلال دولٍ وُلدت من رحم القنابل. · وأخيراً، هذا الكتاب، "نزيف تحت الجلد"، يحاول الصعود إلى قمة أزمة 2024 متعددة الأبعاد، وهي قمة وعرة، تهزها رياح التغير المناخي، وزلازل التحول التكنولوجي، وانقسامات سياسية داخلية عميقة. إنه ينظر من أعلى قمة حتى الآن، مما قد يمنحه منظوراً أوسع لمسار الرحلة، وربما لمآلاتها.
لكن، وكما يعرف كل متسلق جبال، النظر من القمة له ثمنه الباهظ ومحدوديته القاسية. فالبُعد يطمس التفاصيل، والارتفاع يخلق شعوراً زائفاً بالسيطرة. النظر من قمة فوكوياما جعله يرى نهاية الطريق، لكنه لم يرَ الحفر والشقوق التي ستظهر في الأسفل. وهنتنغتون رأى خطوط الصدع بين الحضارات، لكن ضباب التفاصيل التاريخية والتداخل الثقافي حال دون رؤية الجسور الخفية التي تصل بينها. وتشومسكي، في غضبه النبيل، رأى آلة القهر بوضوح، لكن وهجها الحاد ربما حال بينه وبين رؤية القوى المضادة الناشئة داخلياً وخارجياً، والتي تعمل ببطء ولكن بثبات.
وهكذا يأتي "نزيف تحت الجلد" من أعلى قمة حتى الآن، وهو يحمل في جعبته هذا التناقض الأساسي: رؤية بانورامية أوسع لانهيار نموذج، معرضةٌ أكثر من أي وقت مضى لعواصف النقد، ولعواصف الواقع نفسه الذي قد يغير اتجاهاته فجأة. إنه يحاول رؤية ما لم يُرَ من القمم السابقة: لا لحظة الانتصار، ولا لحظة الصراع الخارجي، ولا لحظة الغطرسة المكشوفة، بل لحظة الضعف المستتر، والوهن البنيوي، والصراع الداخلي الذي قد يكون أقوى من أي عدو خارجي. إنه يشخص مرض الإمبراطورية في مرحلته الأكثر خداعاً: عندما يبدو الجلد سليماً، بينما النزيف يحصد قواها من الداخل. وهذا الحوار بين هذه المنظورات الأربعة – الانتصار، القلق، النقد، التحول – هو ما ستسبر أغواره الصفحات القادمة، في رحلة ننتقل فيها من نهاية التاريخ المُتخيلة، إلى نزيف تحت الجلد الملموس.
…….
( فوكوياما ونهاية التاريخ: نظرة من قمة الانتصار)
إن رؤية فرانسيس فوكوياما، كما بلورتها مقالته الشهيرة ثم كتابه الموسع "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، لم تكن مجرد تحليل سياسي عابر، بل كانت لحظةً فلسفيةً وجودية تنفست هواء انتصار مادي ملموس. لقد كتب نصه في برهةٍ زمنية أشبه بفجوةٍ في نسيج الزمن، حيث انفتح أفقٌ بدا خالياً من الغيوم، بعد عواصف القرن العشرين الطويلة. كان السياق التاريخي آنذاك يشبه مسرحاً أُسدلت فيه الستارة على الفصل الأكثر دمويةً وتعقيداً، بينما بدا الفصل التالي يحمل عنواناً واحداً بسيطاً: الوفاق الليبرالي.
السياق التاريخي: لحظة الانفراج الكوني لم يولد كتاب فوكوياما من فراغ، بل وُلِد من رحم ثلاث هزات كبرى هزت أركان النظام العالمي القديم حتى انهار:
· سقوط جدار برلين (1989): لم يكن مجرد حطام إسمنتي، بل كان انهياراً رمزياً لأعظم خط فاصل أيديولوجي في التاريخ الحديث، لينفتح جرح ألمانيا وأوروبا على أملٍ لم يكد الخيال يستوعبه. · تفكك الاتحاد السوفييتي (1991): لم يكن مجرد زوال دولة عظمى، بل كان الانزياح النهائي لأحد قطبي الجاذبية في النظام الدولي، تاركاً القطب الآخر وحيداً في فلكٍ بدا أحادياً. · انتصار التحالف في حرب الخليج (1991): لم يكن مجرد حملة عسكرية، بل كان عرضاً مسرحياً عالي التكاليف للقدرة الأمريكية على قيادة العالم وتوجيهه وفقاً لرؤيتها، تحت مظلةٍ أممية بدت متجانسة.
في هذا المشهد، لم يعد النموذج الليبرالي مجرد خيار بين خيارات، بل تحول إلى ما يشبه "الحتمية المرئية". كان العالم يشهد، كما ظن كثيرون، لحظة "النهاية السعيدة" للملحمة البشرية السياسية.
الأطروحة المركزية: اللوغاريتم النهائي للتاريخ لم يقترح فوكوياما توقفاً للأحداث اليومية، أو غياباً للصراعات الإقليمية. ما اقترحه كان أكثر جرأةً واتساعاً: أن التاريخ بوصفه صراعاً كبيراً على الأفكار الكبرى حول تنظيم المجتمع الإنساني قد بلغ خاتمته. بعبارةٍ هيغلية، وصلت الروح العالمية (Geist) إلى وعيها النهائي بالحرية متجسدةً في الدولة الليبرالية الديمقراطية القائمة على اقتصاد السوق. لقد كان المسار، وفق هذه القراءة، تقدمياً حتمياً: من صراع العبيد مع الأسياد (هيغل)، إلى صراع الطبقات (ماركس)، وصولاً إلى انتصار النموذج الذي يحقق الاعتراف المتساوي للإنسان كفردٍ حر (كوجيف). كانت الشيوعية، الخصم الأخير والأكثر جدية، قد انهارت، ولم يعد ثمة منافس على مستوى الفكرة. لقد وصلت البشرية إلى "نقطة النهاية الأيديولوجية للتطور الإنساني".
المنهجية: الثالوث المؤسس للرؤية
· الفلسفة الهيغلية-الكوجيفية: كانت عدسة القراءة الأساسية، حيث يُقرأ التاريخ كسيرورة ديالكتيكية تقدمية نحو تحقيق الحرية والاعتراف المتبادل. كان فوكوياما فيلسوفاً يحاول إسقاط إطارٍ ميتافيزيقي على واقعٍ سياسي فج. · تاريخ الأفكار السياسية: تتبع المسارات المتوازية والمتصادمة للنظم السياسية (الملكية، الفاشية، الشيوعية، الليبرالية) وكأنها كائنات حية تخضع للانتخاب الطبيعي، حيث بقي الأنسب -الليبرالية- في النهاية. · التفاؤل التبشيري: لم تكن منهجيةً أكاديمية محضة، بل حملت نبرةً وعظية. كان هناك إيمان بأن المستقبل سيكون امتداداً خطياً وموسعاً للحاضر الليبرالي، عبر عملية "التحديث" الحتمية التي ستجذب جميع الأمم نحو هذا النموذج.
النظر إلى الوراء من 2024: فجوة الرؤية من قمة الزوال من علو قمة عام 2024، حيث تتناثر صخور الأزمات تحت أقدامنا، يظهر بوضوح أن فوكوياما كان واقفاً على حافة نافذة زمنية قصيرة جداً (1989-1991)، أخطأ تفسير ضوئها الساطع على أنه فجر دائم.
· ما رآه: انتصاراً مادياً وفكرياً للنموذج الليبرالي الديمقراطي، وبداية "التسليم العام" به كصيغة عالمية. · ما فاته عن بكرة أبيه: صعود التنين الصيني. لقد غاب عن بصيرته النموذج الأكثر تحدياً: دولة غير ليبرالية، بل سلطوية، تمكنت من تحقيق نمو اقتصادي مذهل واستقرار اجتماعي، مقدمةً نفسها كبديل ناجع –بل وأحياناً متفوق– في "تسليم السلع" الأساسية للناس: الأمن، الازدهار، النظام. كما غاب عنه استعداد روسيا للانبعاث كقوة مضادة للنظام الليبرالي، وإن بأدوات مختلفة. · ما تجاوزه أو قلل من شأنه: المرونة الهائلة للأنظمة غير الديمقراطية في التكيف والبقاء. لقد افترض أن "التحديث" الاقتصادي والتكنولوجي يقود حتماً إلى التحرير السياسي، وهو ما دحضته نماذج مثل سنغافورة سابقاً والصين حالياً. كما قلل من شأن قدرة الهويات الثقافية والدينية على مقاومة عملية التجانس الليبرالي، وهو ما سيلقي بهنتنغتون بكامل ثقله في الحلقة التالية من الحوار.
المقارنة مع "نزيف تحت الجلد": طرفا معادلة الزمن يقف الكتابان على طرفي نقيض من معادلة الوعي التاريخي:
· فوكوياما ينظر إلى الأمام من لحظة الانتصار، متخيلاً مساراً صاعداً بلا عوائق. كتابه ينضح بتفاؤل المؤسس الذي يرى النظام وقد اكتمل. · "نزيف تحت الجلد" ينظر إلى الوراء من لحظة التحدي والضعف، محللاً مساراً قد يكون هابطاً أو متعرجاً. كتابنا ينضح بتحذير الطبيب الذي يشخص الأعراض الداخلية لمرضٍ ينخر في جسد يبدو سليماً من الخارج. الأول يرى التاريخ وقد بلغ محطته النهائية، والثاني يراه وقد خرج عن قضبانه، يعيد اختراع نفسه في مختبرات بكين وموسكو وفي شوارع العواصم الغربية المنقسمة، وأكثر من ذلك، في الصراعات الداخلية التي تمزق نسيج المجتمعات التي اعتقدت أنها انتصرت. إن الانتقال من "نهاية التاريخ" إلى "نزيف تحت الجلد" هو انتقال من يقين الفلسفة إلى قلق السوسيولوجيا، من انتصار الفكرة إلى أزمة التجسيد.
( هنتنغتون وصدام الحضارات: نظرة من قمة القلق)
إذا كان فوكوياما قد أشعل الأضواء على مسرح العالم معلناً نهاية المسرحية، فإن صامويل هنتنغتون دخل إلى نفس المسرح حاملاً مصباحاً كاشفاً ليُظهر أن ما اعتُقد أنه ديكور خلفي هو في الواقع كواليس أساسية، وأن الشخصيات الرئيسية لم تغادر بعد، بل هي تستعد لدخول جديد، ولكن بأزياء مختلفة وبسرديات قديمة-جديدة.
السياق التاريخي: صحوة ما بعد السُّكْر كتب هنتنغتون "صدام الحضارات" في منتصف العقد الذي تلا انتصارات فوكوياما المزعومة. كانت لحظة "القَلَق المُتأخِّر". لقد تبخرت نشوة عام 1991 سريعاً ليحل محلها واقعٌ عنيف ومُربِك: حرب البوسنة والهرسك (1992-1995) حيث عادت المذابح العرقية والدينية إلى قلب أوروبا، والإبادة الجماعية في رواندا (1994) التي كشفت عن هشاشة النظام الدولي الجديد، وصعود الإسلام السياسي كقوة معارضة جيوسياسية، والتوترات المتزايدة عبر مضيق تايوان. كان العالم لا يندمج في نظام ليبرالي واحد، بل يبدو وكأنه يتشظى إلى كتلٍ صلبة. كتب هنتنغتون في لحظة الإحساس بأن التاريخ لم ينتهِ، بل عاد، ولكن بلباسٍ مختلف.
الأطروحة المركزية: الجغرافيا السياسية للهوية رفض هنتنغتون فكرة أن الأيديولوجيا ستكون المحرك الرئيسي للصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة. بل طرح حجته الأكثر إثارة للجدل: أن الاختلافات الثقافية والحضارية، وخاصة الدين، ستكون الخط الفاصل الرئيسي للصراع في المستقبل. لم تعد السياسة تقوم على ما يملكه الإنسان (رأسمالي مقابل شيوعي) بل على ما هو عليه (مسيحي، مسلم، كونفوشيوسي، الخ). العالم، وفق هنتنغتون، مقسّم إلى سبع أو ثمان "حضارات" كبرى (الغربية، الكونفوشيوسية، اليابانية، الإسلامية، الهندوسية، السلافية-الأرثوذكسية، أمريكا اللاتينية، وربما الإفريقية). وسيكون الصراع المستقبلي ناتجاً عن:
1. احتكاك الحضارات على طول "خطوط الصدع". 2. تحدي الحضارات غير الغربية لهيمنة الغرب وقيمه. 3. الاستقطاب حول الحضارات الأساسية (الإسلام والكونفوشيوسية) في مواجهة الغرب.
المنهجية: انزياح البوصلة التحليلية
· الحتمية الثقافية: نقل هنتنغتون مركز الثقل التحليلي من الاقتصاد والأيديولوجيا إلى الثقافة والدين باعتبارهما القوتين الأساسيتين المكونتين للهوية والمحركتين للسلوك الجماعي على المدى الطويل. · الجيوسياسة الحضارية: رسم خريطة للعالم تختلف جذرياً عن خرائط الحرب الباردة. لم تعد الحدود بين الشرق والغرب، بل بين الإسلام وأوروبا المسيحية، بين العالم الصيني والهندي، إلخ. · التشاؤم الواقعي: جاءت رؤيته كرد فعل على تفاؤل فوكوياما. كانت منهجيته تحذيرية، تقوم على قراءة تاريخية طويلة المدى تظهر أن الصراع بين "نحن" و"هم" هو السمة الدائمة للعلاقات الدولية، حتى لو تغيرت أشكال "النحن" و"الهم".
النظر إلى الوراء من 2024: النبوءة ذات الحدين من منظور اليوم، يظهر عمل هنتنغتون كأحد أكثر النصوص نبويةً وإشكاليةً في آنٍ واحد.
· ما أصاب كبد الحقيقة: لقد تنبأ بدقة مذهلة بأهمية الهوية كقوة جيوسياسية أساسية. نرى هذا في صعود القوميات والشعبويات في الغرب نفسه، وفي سياسات "الحلم الصيني" و "روسيا العالمية"، وفي الخطاب السياسي المشحون دينياً وثقافياً من الشرق الأوسط إلى الهند. لقد رأى أن "إعادة التغريب" (Re-Westernization) لن تمر بسلام، وأن الحضارات الأخرى ستدافع عن خصائصها وهو ما نراه في مفاهيم مثل "القيم الآسيوية" أو "الديمقراطية ذات الخصائص الصينية". · ما بالغ فيه أو اختزله: انتقاده الرئيس هو الاختزال والتعميم. لقد عامل الحضارات كوحدات متجانسة صلبة، متناسياً الصراعات الهائلة داخل الحضارة الواحدة (السنة والشيعة، العرب وغير العرب داخل العالم الإسلامي؛ الصين واليابان وكوريا داخل العالم الكونفوشيوسي). كما قلل من أهمية العوامل الأخرى مثل المصالح الاقتصادية، وديناميكيات العولمة التي تخلق تحالفات عبر الحضارية (مثل تحالف الهند مع الولايات المتحدة رغم الاختلاف الحضاري). · ما لم يتوقعه بالكامل: القدرة التدميرية للفوضى داخل الحضارات (كما في حالة "الدولة الإسلامية" التي حاربت العالم الإسلامي أكثر مما حاربت الغرب)، وصعود قوى غير حكومية (شركات التكنولوجيا العملاقة) التي تشكل هويات وولاءات جديدة تتجاوز الحضارات.
المقارنة مع "نزيف تحت الجلد": من خطوط الصدع إلى الشقوق الداخلية يكمل هنتنغتون ما بدأه فوكوياما، ويضع "نزيف تحت الجلد" أمام تحدٍ جديد:
· هنتنغتون حوّل الانتباه من الصراع الأفقي على الأفكار (الذي أعلن فوكوياما نهايته) إلى الصراع العمودي بين الهويات الجماعية المتجذرة. رؤيته خارجية التمركز، تنظر إلى العالم من فوق، ترى كتلاً تتصادم. · "نزيف تحت الجلد" يحاول أن ينظر إلى الداخل، وخاصة داخل الحضارة الغربية ذاتها. إنه يسأل: ماذا لو كان التحدي الأكبر ليس "صدام الحضارات"، بل "انحلال الحضارة" من الداخل؟ ماذا لو كانت خطوط الصدع التي تخشاها هنتنغتون قد انتقلت إلى داخل جسد الحضارة الغربية، متمثلةً في الاستقطاب السياسي الحاد، وأزمة الشرعية المؤسسية، وتآكل الطبقة الوسطى، وفقدان الثقة في السردية التقدمية ذاتها؟ الكتاب لا ينفي صراع الهويات، بل يشير إلى أنه أصبح سلاحاً يستخدم في المعارك الداخلية قبل الخارجية، مما يؤدي إلى "نزيف" يستنزف طاقة الحضارة وقدرتها على الحفاظ على تماسكها وقيادتها. إنه انتقال من مرحلة القلق من "الآخر" إلى مرحلة القلق من "الذات".
…….
( هنتنغتون وصدام الحضارات: نظرة من قمة القلق - تطوير)
السياق التاريخي: صحوة في ظلال الخراب لم يكتب صامويل هنتنغتون "صدام الحضارات" في فراغ فلسفي، بل كتبه من قلب غرفة عمليات تاريخية كانت تذبل فيها زهور التفاؤل الليبرالي. بينما كان الغبار لم يستقر بعد على أنقاض جدار برلين، كانت الحرب البوسنوية (1992-1995) تعيد رسم خرائط أوروبا بمداد الدم والذاكرة الجمعية. لم تكن تلك حرباً أيديولوجية بين رأسمالية وشيوعية، بل كانت حمم هويات قديمة تتفجر: صرب أرثوذكس، وكروات كاثوليك، ومسلمين بوسنيين. وفي قلب إفريقيا، كانت الإبادة الجماعية في رواندا (1994) تُقدم درساً مروعاً في سرعة تحول الجيران إلى جلادين، مدفوعةً بنيران كراهية عرقية متأججة. على التوازي، كان صعود الإسلام السياسي، من الجزائر إلى أفغانستان، يقدم تحدياً مزدوجاً: داخلياً للأنظمة العلمانية، وخارجياً للنموذج الغربي. لقد كانت القرية العالمية التي بشّر بها فوكوياما تتحول أمام أعين هنتنغتون إلى "ساحة معركة كونية"، حيث لم تعد الأسلحة أفكاراً مجردة، بل هويات متجذرة في اللحم والدم والتراب والمقدس.
الأطروحة المركزية: الجغرافيا السياسية للروح في مواجهة هذا المشهد، طرح هنتنغتون حجته التي هزت عرش التفكير الاستراتيجي: إن محرك الصراع الجوهري في عالم ما بعد الحرب الباردة لن يكون اقتصادياً أو أيديولوجياً، بل سيكون ثقافياً-حضارياً. لقد عاد التاريخ، لكن ليس كصراع على وسائل الإنتاج، بل كصراع على الروح والهوية. لم يعد السؤال "ماذا تملك؟" بل "من أنت؟". قسّم هنتنغتون العالم إلى سبع أو ثماني كتل حضارية كبرى، كل منها يشكل كياناً ثقافياً وسياسياً متماسكاً له رؤيته الخاصة للعالم:
1. الغربية (أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية) – مركز الفردانية والعلمانية والتقدم الخطي. 2. الإسلامية – حيث الدين هو القانون والنظام الاجتماعي والسياسي. 3. الصينية الكونفوشيوسية (الصين، كوريا، فيتنام) – مركزية الدولة والانضباط الجماعي. 4. الهندوسية (الهند) – مع تنوعها الواسع لكن مع نواة دينية-ثقافية مميزة. 5. الأرثوذكسية (روسيا، أوروبا الشرقية) – حيث التداخل بين الكنيسة والأمة. 6. اليابانية – كحضارة فريدة ومنفردة. 7. أمريكا اللاتينية – خليط بين الغرب والثقافات الأصلية. 8. الإفريقية (ربما) – في مرحلة التبلور.
الصراع، حسب هنتنغتون، سيدور على "خطوط الصدع" الفاصلة بين هذه الكتل، وستكون نقطة الاحتكاك الأكثر سخونة هي تلك بين الغرب الإسلامي والإسلام، وبين الغرب والعالم الكونفوشيوسي.
المنهجية: تشريح الكتل الثقافية اعتمد هنتنغتون منهجية ثلاثية الأبعاد:
· المنظور الجيوسياسي الحضاري: نقل وحدة التحليل من الدولة-الأمة إلى الحضارة ككتلة تاريخية-ثقافية ضخمة. لقد نظر إلى العالم من علٍ، فرأى تكتلات كبرى تتحرك كصفائح تكتونية ثقافية. · الدراسات المقارنة للحضارات: قام بمقارنة جوهرية بين الحضارات في مفاهيمها الأساسية: العلاقة بين الدين والدولة، مفهوم الفرد مقابل الجماعة، نظرة إلى الوقت والتاريخ (خطية أم دورية)، مفهوم القانون. · التنبؤ الاستراتيجي القائم على الأنماط: استقرأ من التاريخ والثقافة أنماطاً للسلوك الحضاري، وتوقع منها مناطق التوتر المستقبلية، مثل البلقان، القوقاز، الشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا.
النظر إلى الوراء من 2024: الثاقب والضبابي في رؤية النبوءة من برج مراقبة عام 2024، يظهر هنتنغتون كان أكثر واقعيةً بكثير من فوكوياما، ولكنه وقع في فخ التجسيد المفرط.
· ما رآه بحدة الثاقب: لقد أدرك عودة المكبوت الهوياتي بقوة. رأى أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم نحو العلمانية والليبرالية العالمية، بل إن الهويات الثقافية والدينية ستعود لتشكل الإطار الأقوى للولاء والصراع. هذا ما نراه في صعود الشعبويات القومية في الغرب نفسه، وفي السياسات الخارجية لروسيا ("العالم الروسي") والصين ("الحلم الصيني") القائمة على إعادة إحياء الحضارة، وفي الخطابات السياسية المشحونة دينياً عبر العالم. · ما فاته أو قلل من شأنه: ديناميكية التحالفات العابرة للحضارات. لقد افترض أن التحالفات ستكون داخل الكتل الحضارية. ولكن عالم 2024 يشهد تحالفات استراتيجية تخترق هذه الحدود: روسيا (أرثوذكسية/سلافية) مع الصين (كونفوشيوسية) في مواجهة الغرب، وإيران (إسلامية شيعية) مع فنزويلا (لاتينية) في تحدي النظام الأمريكي. كما قلل من تأثير العولمة الرأسمالية التي خلقت تحالفات مصلحية بين نخب مختلفة حضارياً. · ما بالغ فيه بشكل جوهري: وهم التجانس الداخلي للحضارات. لقد عامل الحضارات كوحدات متماسكة، وهذا كان أحد أضعف نقاط نظريته. فالغرب اليوم أكثر انقساماً داخلياً من أي وقت مضى، ممزق بين ليبراليين ومحافظين، عالميين وقوميين، نخب وطبقات شعبية. والعالم الإسلامي يعاني من انقسامات طائفية (سنة/شيعة) وقومية (عرب/فرس/أتراك) عميقة تجعل من "الحضارة الإسلامية" وحدة تحليل مشوشة. لقد تجاهل الصراعات داخل الحضارة الواحدة، والتي غالباً ما تكون أشد عنفاً من الصراعات بين الحضارات.
المقارنة مع "نزيف تحت الجلد": من الفسيفساء إلى السائل، ومن الكتل إلى الشبكات يكشف الحوار بين هنتنغتون و"نزيف تحت الجلد" عن تحول جذري في الإدراك الجيوسياسي:
· هنتنغتون نظر إلى العالم على أنه فسيفساء ثابتة، مكونة من قطع حجرية كبيرة (حضارات) ملونة ومحددة الحدود. الصراع في نموذجه هو اصطدام بين كتل صلبة، يمكن توقع أماكن احتكاكها. · "نزيف تحت الجلد" ينظر إلى العالم على أنه سائل ديناميكي، متدفق، غير ثابت، حيث تذوب الحدود وتتشكل كيانات جديدة. الصراع في نموذجه ليس اصطداماً، بل هو عملية استنزاف مستمرة تحدث عبر شبكات مرنة ومتغيرة: شبكات التجسس الإلكتروني، شبكات التمويل العالمي، شبكات الدعاية الرقمية، شبكات الجريمة المنظمة العابرة للقارات. · هنتنغتون جعل الحضارة هي وحدة التحليل الأساسية تقريباً. · "نزيف تحت الجلد" يوسع دائرة التحليل ليشمل دولاً مهترئة (فاشلة أو هشة)، ومنظمات غير حكومية قوية (مثل شركات التكنولوجيا العملاقة التي تمتلك سيادة رقمية)، وجماعات مسلحة غير تابعة لدولة، وحركات شعبوية عابرة للحدود. إنه يرى أن القوة تنتقل من الكتل الصلبة إلى الشبكات المرنة، وأن الضعف قد يظهر ليس من خلال هزيمة عسكرية، بل من خلال استنزاف بطيء للشرعية، والاقتصاد، والتماسك الاجتماعي، والثقة بالنفس الحضارية. إنه انتقال من نموذج "الصدام" إلى نموذج "التسرب" و"التآكل".
…… ( تشومسكي والإمبراطورية الأمريكية: نظرة من قمة الغضب)
إذا مثّل فوكوياما صوتَ التفاؤل الفلسفي، وهنتنغتون صوتَ القلق الواقعي، فإن نعوم تشومسكي يقف كـ صوت الضمير الثائر، والناقد الذي لا يكلّ. لم يأتِ من خارج المنظومة الغربية لينتقدها، بل انطلق من أقدس قداسها الفكري: العقل التنويري النقدي نفسه، ليجعل منه سيفاً مصلتاً على رقبة مؤسساتها السياسية. كتب في لحظة بدت فيها أمريكا وكأنها تجلس على عرش العالم وحيدة، غير أنّ تشومسكي أصرّ على كشف أن هذا العرش مبني على أرضية من الرمال الدموية.
السياق التاريخي: ذروة الجبروت والغضب المقموع ولِد كتاب "الإمبراطورية الأمريكية" في رحم صدمةٍ وتحولٍ جيوسياسي هائل: هجمات 11 سبتمبر 2001. لم تكن هذه الهجمات مجرد عمل إرهابي، بل كانت الصدمة الوجودية التي أعطت الإدارة الأمريكية ذريعةً أخلاقيةً وسياسيةً غير مسبوقة لإعادة تشكيل العالم وفقاً لرؤيتها الأمنية المطلقة. في ظلّ شعار "إما معنا أو ضدنا"، انطلقت الآلة:
· غزو أفغانستان (2001): كرد فعلٍ مباشر، تحت مظلة "الحرب على الإرهاب" التي بدت آنذاك مشروعةً لعيون كثيرة. · غزو العراق (2003): وهو القفزة النوعية، حيث تحولت السياسة الخارجية الأمريكية إلى مشروعٍ استباقيٍ تغييريٍ بناء على ادعاءات (أسلحة الدمار الشامل) ثبت زيفها لاحقاً. كانت هذه هي لحظة تجسيد "الحق القائم على القوة" بكل وضوح. في هذا المناخ، ساد خطابٌ وطنيٌ منغلق، ووصلت الثقة بالنفس الأمريكية إلى قمّة نرجسية خطيرة. كان تشومسكي هو الصوت الناقض الوحيد الذي يحمل صدقيةً أكاديمية هائلة، والذي تجرأ على تفكيك أسطورة "الشرطي العالمي" الطيّب، ليظهرها كقوة إمبريالية عارية.
الأطروحة المركزية: تشريح آلة الهيمنة رفض تشومسكي التبشير الليبرالي لفوكوياما والتصنيف الحضاري لهنتنغتون، ليركز على الميكانيزمات المادية للسلطة. أطروحته المركزية: الولايات المتحدة ليست قوة استثنائية خيرة، بل هي إمبراطورية استعمارية حديثة (نيو-إمبريالية) تعمل وفق منطق ثابت:
1. استخدام القوة العسكرية المباشرة وغير المباشرة: ليس للدفاع، بل لفرض النظام الذي يخدم مصالح النخب الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، وللتحكم بالموارد والطرق التجارية الحيوية. 2. الانتقائية السيادية والتقويض المنهجي للقانون الدولي: تتبنى أمريكا القانون الدولي عندما يخدمها (كما في محاكمات نورمبرغ) وتتجاهله أو تقوضه عندما يعيقها (كما في غزو العراق أو معتقل غوانتانامو). 3. خلق الدوامة الاستبدادية: تتدخل أمريكا لدعم ديكتاتوريات تناسب مصالحها قصيرة الأمد (كصدّام حسين سابقاً، أو النظام السعودي)، مما يولد ردود فعل شعبوية وغضباً يؤدي لصعود أعداء جدد (كالقاعدة)، لتستخدم أمريكا هذا التهديد الجديد كمبرر لتعميق تدخلها وهيمنتها، وهكذا دواليك.
المنهجية: أسلحة الناقد المثقف لم يكن تشومسكي يقدم نظريات معقدة جديدة، بل استخدم أدوات تنويرية كلاسيكية بقوة لا مثيل لها:
· النقد الأيديولوجي اللاذع: تخصص في كشف الهوة السحيقة بين الخطاب الرسمي الأمريكي (الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان) وبين الممارسة الفعلية (الدعم الديكتاتوريات، الانقلابات، الحروب العدوانية). جعل من التناقض ذاته دليلاً إدانة. · التوثيق التاريخي الدقيق والسرد المضاد: لم يترك ادعاءً أمريكياً دون أن يقابله بتسجيلات تاريخية. قام ببناء سردية مضادة للتاريخ الرسمي، تربط بين سلسلة طويلة من التدخلات الأمريكية، من فيتنام إلى أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، ليبين أنها ليست أخطاءً متفرقة بل نمطاً مترسخاً. · الدفاع الأخلاقي عن الضحايا وإعطاؤهم صوتاً: نقل منظور الصراع من قادة البنتاغون والبيت الأبيض إلى ضحايا القنابل في العراق، والمعتقلين في سجون سرية، والمهمشين في دول "الفناء الخلفي" لأمريكا. حوّل الإحصاءات المجردة إلى قصص إنسانية مؤلمة.
النظر إلى الوراء من 2024: النبوءة الأخلاقية وعمى الضوء الساطع من منظور اليوم، يبدو تشومسكي كـ نبي الرفض الذي وقف في معبد الهيمنة وهو يصرخ بأن الأصنام وهمية. لكن رؤيته، رغم قوتها الأخلاقية، كانت تحمل عمى الضوء الساطع نفسه.
· ما رآه بوضوح لا يلين: الوجه القبيح والمنافق للقوة الأمريكية في ذروتها. لقد كشف العصب الاستعماري المتواصل في السياسة الأمريكية، وفكك أسطورة الاستثنائية. معظم انتقاداته للغزو العراقي، والتعذيب، وازدواجية المعايير، ثبتت صحتها لاحقاً بأشكال مؤلمة. · ما فاته أو قلل من شأنه بشكل جوهري: الدور المنظم والمستقر (ولو كان ظالماً) الذي لعبته الهيمنة الأمريكية الأحادية. لقد ركز على فظائع "Pax Americana" وتجاهل "السلام" النسبي الذي فرضته – حتى لو كان سلاماً إمبريالياً. نظام التجارة العالمية المفتوحة، حرية الملاحة، شبكات التحاللات الأمنية التي حمت العديد من الدول الصغيرة من جيرانها الطامعين – كل هذه كانت مزايا جانبية للهيمنة الأمريكية، سقطت في المنطقة العمياء لدى تشومسكي لأنها لم تكن جزءاً من سردية المقاومة والاضطهاد. · ما بالغ فيه إلى حد التبسيط: رؤية أمريكا كمصدر وحيد أو رئيسي لكل الشرور في النظام الدولي. هذا التمركز على أمريكا (Ameri-centrism) جعله يقلل من أهمية وكالة الفاعلين الآخرين وشرورهم الذاتية. فظائع النظام السوري، أو التوسع الروسي، أو القمع الصيني، غالباً ما كانت تُعرض في سياق ردة الفعل على الهيمنة الأمريكية، وليس كشرور قائمة بذاتها. لقد رأى الظل الأمريكي في كل مكان، حتى عندما كانت هناك أشجار أخرى تلقي بظلالها.
المقارنة مع "نزيف تحت الجلد": من خطاب الوعظ إلى خريطة الأفول يكشف التباين بين تشومسكي و"نزيف تحت الجلد" عن تحول من مرحلة النقد الأخلاقي الخارجي إلى مرحلة التحليل الاستراتيجي الداخلي للتغير التاريخي:
· تشومسكي ينتقد الإمبراطورية من الخارج، من موقع المثقف الناقض الذي يقيس الفعل الأمريكي بمقاييس القانون الدولي والأخلاق الكونية. كتابه هو خطاب أخلاقي وسياسي عن "ما ينبغي أن يكون"، متوجهاً بالدرجة الأولى إلى الضمير العام الأمريكي والعالمي. · "نزيف تحت الجلد" يحلل أفول الإمبراطورية من الداخل، من خلال تفكيك ديناميكيات القوة والضعف البنيوية. كتابنا هو تحليل استراتيجي وتاريخي لـ "ما هو كائن، ولماذا يتغير، وإلى أين قد يؤدي"، متوجهاً لفهم الآليات وليس إصدار الأحكام الأخلاقية فحسب. · تشومسكي يصور أمريكا كـ قوة شيطانية مطلقة، فاعلة بلا قيود، مسؤولة عن كل شيء. إنها ثابتة في شرها. · "نزيف تحت الجلد" يصور أمريكا كـ قوة تاريخية تخضع لدورة حياة طبيعية (الصعود، الذروة، الأفول). إنها تواجه محدودية القوة، وتآكل الأسس المادية والمعنوية لسيادتها، وتصاعد منافسة القوى المنبثقة. الشر هنا ليس سمة مطلقة، بل هو جزء من الفوضى والصراع الذي يصاحب انتقال القوة بين الإمبراطوريات. بتعبير آخر، ينتقل التركيز من سؤال تشومسكي "هل تستحق هذه الإمبراطورية أن تسقط بسبب فظاعتها؟" إلى سؤال "نزيف تحت الجلد" "كيف ومن خلال أي آليات تَسقط هذه الإمبراطورية، وماذا يعني سقوطها بالنسبة للعالم؟". إنه انتقال من فلسفة الأخلاق إلى تشريح التاريخ.
…..
(البعد الأول: العمق التاريخي غير المسبوق)
إذا كانت عظمة النص الجيوسياسي تكمن في قدرته على توسيع أفق الإدراك، فإن أولى مفاتيح تفرد "نزيف تحت الجلد" تنبع من عمقه الزمني الذي لا سابق له في هذه السلسلة من الحوار. فبينما وقف فوكوياما وهنتنغتون وتشومسكي على تلال قرنهم العشرين المحدودة، يرتفع هذا العمل ليستلقي على هضبة التاريخ الطويل، حيث تمتد النظرة عبر قرون بل ألفيات، لا لترى حدثاً، بل لترى نمطاً؛ لا لترى شجرة، بل لترى الغابة الكاملة لدورة الحياة الحضارية.
مقارنة الأطر الزمنية: من الومضة إلى الشريط السينمائي لقد تعاملت النصوص السابقة مع التاريخ بوصفه سلسلة من اللقطات الثابتة (ستيل-فوتوجراف) ذات الدلالة العالية:
· فوكوياما: التقط صورةً مذهلة للحظة 1989-1991، حيث بدا التاريخ وكأنه يتجمد في قالب النصر النهائي. كانت رؤيته تشبه صورة فوتوغرافية لعداء يعبر خط النهاية، يخلو الإطار من أي منافسين آخرين. · هنتنغتون: قدم صورة بانورامية أكثر اتساعاً، لكنها ظلت محصورة في تسعينيات القرن العشرين وما قبله بقليل. كانت لقطة لساحة معركة تتبلور فيها التشكيلات الجديدة بعد انتهاء المعركة الكبرى. · تشومسكي: ركز عدسته على فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001، وخاصة سنوات الغضب والغزو 2001-2003. كانت لقطة مقرّبة عالية الدقة لليد الإمبريالية وهي تتحرك بقسوة وعنف. أما "نزيف تحت الجلد"، فيرفض هذا التقطيع الزمني الاختصاري. إنه لا يقدم لقطة، بل يقدم فيماً سينمائياً طويلاً (بِلْيْ). إطاره الزمني يمتد من صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية، مروراً بتقلبات القوة في العصور الوسطى والإمبراطوريات الاستعمارية، وصولاً إلى بريطانيا القرن التاسع عشر والاتحاد السوفييتي في العشرين، وختاماً بأمريكا في القرن الحادي والعشرين. إنه يضع الحاضر في سياق المسار، وليس في سياق اللحظة.
العمق الحضاري: تشريح فكرة الإمبراطورية نفسها ينطلق هذا الكتاب من فرضية جوهرية: لفهم أمريكا اليوم، لا يكفي تحليل سياساتها أو اقتصادها، بل يجب فهمها كظاهرة من ظواهر التاريخ الكبرى: كإمبراطورية. وهذا يستدعي دراسة النماذج السابقة لا كتاريخ منفصل، بل كمعمل لتجارب مكتملة نستطيع من خلالها استخلاص القوانين.
· روما: ليست مجرد دولة قديمة، بل هي النموذج الأولي للانهيار البطيء. كيف يمكن لإمبراطورية أن تبدأ بالتآكل من الداخل عبر ثلاثة قرون؟ عبر تضخم المؤسسات العسكرية والبيروقراطية، وترهل النخب، وهجرة الثروة من الأطراف إلى المركز ثم تكتلها فيه، وفقدان الروح المدنية لصالح الولاءات المحلية والمنافع الخاصة. إنها حالة "النزيف" الأطول والأعمق. · بريطانيا: هي نموذج الانسحاب الاستراتيجي الذكي (وإن لم يكن غير مؤلم). كيف تعلمت إمبراطورية أن تتخلى عن شكل الهيمنة المباشرة (الاستعمار) لتحافظ على نفوذها عبر آليات غير مباشرة (الكومنولث، الهيمنة المالية والثقافية، التحالف مع القوة الصاعدة الجديدة -أمريكا)؟ إنها درس في المرونة وقراءة تحولات موازين القوة قبل فوات الأوان. · الاتحاد السوفييتي: هو نموذج الانهيار السريع والمفاجئ من الداخل. كيف تنهار إمبراطورية أيديولوجية تبدو صلبة كالصخر، ليس بسبب هزيمة عسكرية كبرى، بل بسبب استنزاف اقتصادي، وفقدان شرعية الفكرة الحاكمة، وتصلب النخبة الحاكمة، وثورة التوقعات المحبطة لدى شعوبها وحلفائها؟ إنه الانهيار الناجم عن "النزيف تحت الجلد" للثقة والاقتصاد والمعنى. · أمريكا: السؤال المركزي للكتاب: أين تقف على هذه الخريطة النمطية؟ هل هي روما المتصلبة في قرونها الأخيرة؟ أم بريطانيا في لحظة إدراكها الحاجة إلى التحول الاستراتيجي؟ أم الاتحاد السوفييتي في عقديه الأخيرين؟ الكتاب يرفض التماثل السطحي، ويبحث عن التشابهات العميقة في الديناميكيات.
نظرية دورة حياة الإمبراطوريات: من السكون إلى الحركة الديناميكية هنا يكمن التحول المنهجي الحاسم. لقد قدم فوكوياما وهنتنغتون وتشومسكي تحليلاتهم بمنطق سكوني (Static)، كصور تشريحية لجثة سياسية في لحظة زمنية معينة (لحظة النصر، القلق، الغضب). "نزيف تحت الجلد" يقدم تحليله بمنطق ديناميكي (Dynamic) وحِقَبي (Cyclical). إنه لا يصور جثة، بل يرصد كائناً حياً في حركته عبر مراحل وجوده. إنه يطرح نظرية دورة حياة الإمبراطوريات، التي تمر بمراحل متمايزة يمكن تشخيصها:
1. مرحلة الصعود: تتميز بطاقة شبابية هائلة، وروح ابتكارية جريئة (تكنولوجية، عسكرية، تنظيمية)، وجاذبية أيديولوجية أو ثقافية تُقْبِل عليها الشعوب الأخرى طوعاً. القوة هنا ليست مفروضة بل مُغْرِية. 2. مرحلة الذروة: حيث تبلغ القوة المادية ذروتها، وتصبح الهيمنة واقعاً ملموساً. لكن هنا تبدأ بذور الغطرسة (Hubris) في الإنبات: الإيمان بأن القوة الحالية أبدية، وأن النموذج نهائي، وأن القواعد لا تنطبق على صاحبها. تتحول الجاذبية إلى إكراه. 3. مرحلة التصلب المؤسسي: تبدأ المؤسسات التي كانت أدوات للصعود (الجيش، البيروقراطية، النظام القانوني) في التصلب والتضخم. تتحول من أدوات لخدمة رسالة الإمبراطورة إلى أهداف قائمة بذاتها تحافظ على امتيازاتها وتقاوم أي تغيير يهددها. يتحول الابتكار إلى تقليد، والمرونة إلى جمود. 4. مرحلة التآكل والاستنزاف متعدد الجبهات: هنا يبدأ "النزيف تحت الجلد". تظهر التحديات ليس كعدو واحد كبير، بل كسلسلة من النزيفات الصغيرة: استنزاف اقتصادي في حروب لا تنتهي، استنزاف ديمغرافي بسبب شيخوخة السكان، استنزاف معنوي بسبب فقدان الثقة في النخب والنموذج ذاته، استنزاف جيوسياسي بظهور منافسين جدد. القوة لا تنهار فجأة، بل تتسرب. 5. مرحلة التحول أو الانهيار: النهاية المحتملة. إما أن تدرك الإمبراطورة أزمتها وتخضع لـ "تحول استراتيجي عميق" (كإصلاحات جذرية، أو انسحاب منظم من مواقع المسؤولية المفرطة، أو إعادة تعريف لدورها) – وهذا نادر وقريب من المعجزة التاريخية. أو أنها تستمر في الإنكار، حتى يصل التآكل إلى عظمها، فيحدث "الانهيار"، إما بشكل تدريجي عبر التفتت، أو بشكل مفاجئ عبر أزمة عنيفة.
بهذا البعد التاريخي، لا يكتفي "نزيف تحت الجلد" بوصف ما هو كائن، بل يحدد المرحلة التاريخية التي تمر بها الإمبراطورية الأمريكية، ويكتشف النمط الذي تسير وفقه، ويلمح – بحذر المنهج التاريخي لا بجرأة العراف – إلى الاتجاهات المحتملة لمستقبلها. إنه يرفع الحوار من مستوى النقاش السياسي الآني إلى مستوى التأمل الحضاري الشامل.
……
( البعد الثاني: فهم ديناميكيات الاستنزاف)
لو كان الإسهام الأكبر لـ"نزيف تحت الجلد" مقتصراً على توسيع الإطار الزمني، لظل كتاباً تأملياً رفيعاً في التاريخ المقارن. لكن خُطوته الثورية تكمن في اقتراحه لنموذج تحليلي جديد لفهم آليات القوة والضعف في القرن الحادي والعشرين، وهو نموذج يقطع مع الاستعارات السائدة ليقدم لغةً أكثر دقةً لوصف عالمنا المتشابك.
من صدام الحضارات إلى استنزاف القوة: التحول في الاستعارة الجيوسياسية لقد استبدل الكتاب الاستعارة المركزية التي هيمنت منذ هنتنغتون. فبدلاً من استعارة "الصدام" (Clash) بين الكتل الصلبة، التي تذكرنا باصطدام الصفائح التكتونية أو تحطم السفن الحربية الضخمة، يقدم استعارةً أكثر مراوغةً وحدّةً: "الاستنزاف" (Bleeding Out). إنه ينتقل من نموذج النزاع الكلاسيكي إلى نموذج المرض الخفي، من الصراحة الميدانية إلى اللّوعة الداخلية.
· نموذج هنتنغتون: يتصور العالم كمجموعة من الكتل الحضارية الصلبة (الغرب، الإسلام، الكونفوشيوسية...). الصراع هنا يكون منظماً، متمركزاً، ويمكن تحديد خطوط تماسه مسبقاً. إنه صراع الهويات الكبرى، والذي ينفجر في لحظات تاريخية محددة. · نموذج "نزيف تحت الجلد": يتصور القوة كجسد حي، والسيادة كحالة من التكامل الوظيفي. التهديدات لا تأتي كعدو واحد متماسك، بل كـ شبكات مرنة ومتفرقة ومتعددة (منظمات إرهابية، جماعات مسلحة غير تابعة لدولة، قراصنة، ميليشيات وكيلية، شبكات تهريب، حملات تضليل رقمي). هذه الشبكات لا تصطدم بالجسد، بل تُحدث فيه جروحاً صغيرة متناثرة (punctures) تستنزف طاقته وقدرته على التجدد. الصراع هنا مبعثر، غير مركزي، ومستمر على مدار الساعة.
مقارنة نماذج الصراع: من معركة واترلو إلى حمى التيفوئيد لتوضيح هذا التحول، يمكننا مقارنة نموذجي التحليل:
البُعد نموذج هنتنغتون (صدام الحضارات) نموذج "نزيف تحت الجلد" (استنزاف القوة) الوحدة الأساسية للتحليل الحضارة (كتلة ثقافية-تاريخية كبرى) الشبكة (تحالف مرن، سائل، من الأفراد أو الجماعات أو الدول حول هدف تكتيكي) شكل الصراع السائد صدام كتل كبرى (مواجهات ميدانية، حروب بالوكالة بين دول) استنزاف متعدد الجبهات (عمليات غير متماثلة، حروب هجينة، حروب اقتصادية، حروب معلومات) الزمن المميز للصراع زمن متوسط (حروب تقليدية، فترات توتر متقطعة) زمن طويل ومستمر (حرب دائمة منخفضة الحدة، لا هدنة فيها، تُدار في الفضاءات الرمادية) الهدف الهزيمة، أو السيطرة، أو إثبات التفوق الإرهاق، والتآكل البطيء، وإفقاد الشرعية، وإثبات العجز الاستعارة المناسبة اصطدام سفن حربية (Battleship clash) حمى تصيب الجسد وتستنزف قواه (A prolonged fever)
نظرية الاستنزاف المتعدد الجبهات: تشريح الآلية هذا الكتاب لا يكتفي بالاستعارة، بل يطور نظرية منهجية لفهم هذه الديناميكية، يمكن تلخيصها في ثلاثة مبادئ:
1. مبدأ التعددية الجبهوية (The Multi-Frontality Principle): لم يعد التحدي يأتي من جبهة واحدة واضحة (كالكتلة السوفييتية سابقاً). بل يتعرض مركز القوة لاستنزاف متزامن على عشرات الجبهات المتنافرة: جبهة عسكرية في أوكرانيا، جبهة اقتصادية-تكنولوجية مع الصين، جبهة أمنية في البحر الأحمر مع الحوثيين، جبهة استقرار داخلي مع الاستقطاب السياسي الحاد، جبهة ديمغرافية مع شيخوخة السكان، جبهة مالية مع الدين العام المتصاعد، جبهة معلوماتية مع حروب التضليل. لا يمكن هزيمة عدو بهذا الشكل في معركة فاصلة. 2. مبدأ التفاعل غير الخطي (The Non-Linear Interaction Principle): لا تعمل هذه الجبهات بمعزل عن بعضها. بل هناك تضخيم متبادل (amplification). فاستنزاف القوة العسكرية في جبهة ما (أوكرانيا) يضعف القدرة الردعية في جبهة أخرى (تايوان). واستنزاف الموارد المالية في دعم حرب بالوكالة يقلص الاستثمار في تحديث البنية التحتية الداخلية، مما يزيد من الاستياء الشعبي. وتصاعد الخطاب القومي لمواجهة منافس خارجي يزيد من الاستقطاب الداخلي، فيغذي بدوره العجز السياسي. الاستنزاف في مكان يولد استنزافاً في مكان آخر، في دوامة هابطة. 3. مبدأ التأثير التراكمي (The Cumulative Effect Principle): النقاط الصغيرة تتراكم. كل هجوم حوثي على سفينة، كل عقوبة اقتصادية تدفع دولة نحو معسكر الخصوم، كل تصريح استقطابي يهز ثقة الحلفاء، كل تقرير عن بنية تحتية متداعية – كلها تبدو أحداثاً منفصلة. لكنها، عبر الزمن، تتراكم مثل قطرات الماء التي تحفر الصخر. لا توجد "ضربة قاضية" واحدة، بل هناك تراكم كمي للنكسات الصغيرة يؤدي إلى تحول نوعي في ميزان القوى وطبيعة النظام الدولي.
تطبيق النظرية على الحالة الأمريكية: دوامة الاستنزاف الذاتي يُجسّد الكتاب نظريته من خلال تشريح دقيق للحالة الأمريكية، ليُظهر كيف أن قمة الهيمنة قد تحولت إلى مركز لدوامة استنزاف:
· استنزاف القوة البحرية: الاضطرار لتحويل حاملات طائرات وأساطيل لمواجهة تهديدات منخفضة التكلفة (كالمسيّرات الحوثية) في البحر الأحمر يعني إضعاف الوجود والردع في المسرح الحيوي الأهم: المحيط الهادئ، حيث يكمن التحدي الاستراتيجي الأكبر من الصين. · استنزاف الرصيد المالي والصناعي: الإنفاق الهائل على المساعدة العسكرية لأوكرانيا، رغم أهميته الجيوسياسية، يأتي على حساب تسريع تحديث الترسانة العسكرية وتكديس الذخيرة اللازمة لمواجهة احتمال صراع في مضيق تايوان. إنه مقايضة بين أولوية آنية (أوروبا) وأولوية وجودية (آسيا). · استنزاف الدبلوماسية وإيجاد الخصوم: العقوبات القصوى على روسيا، بدلاً من عزلتها بالكامل، دفعتها إلى تحالف استراتيجي أعمق وأكثر خطورة مع الصين، وخلقت حوافز لبناء نظام مالي بديل. لقد حوّلت خصماً إقليمياً إلى شريك استراتيجي لمنافس رئيسي. · دوامة الاستنزاف الذاتي: كل نقطة من هذه النقاط لا تعمل وحدها. استنزاف البحرية في الشرق الأوسط يعزز شعور الصين بالفرصة في المحيط الهادئ. الإنفاق في أوكرانيا يعزز الضغط على المالية الأمريكية، مما يزيد من حدة الجدال الداخلي ويُضعف صورة القرار الموحد. التحالف الروسي الصيني يعزز تحديات أمريكا على الجبهتين الأوراسيتين معاً. وهكذا تدور الدائرة المفرغة: كل محاولة لاحتواء نزيف في جبهة، تفتح جرحاً أو تزيد من نزيف في جبهة أخرى. وهذا هو جوهر "النزيف تحت الجلد": المرض الذي يغذي نفسه بنفسه، والجسد الذي يستهلك موارده في محاولات علاج جزئية تفاقم من علته الشاملة.
…….
(صفحة 19-21: البعد الثالث: التحليل متعدد المستويات)
يمثل "نزيف تحت الجلد" انزياحاً منهجياً آخر يتجاوز به سابقيه، وهو الانتقال من النظرة الأحادية إلى النظرة المركّبة، من العدسة الواحدة إلى المنظار متعدد العيون. ففي حين انشغل كل من أقطاب الحوار السابقين ببُعدٍ واحد مفتاحي، أصرّ هذا العمل على أن تشخيص حالة الإمبراطورية لا يمكن أن يتم إلا من خلال رؤية شمولية تتقاطع فيها حقول المعرفة وتتكامل.
المقارنة المنهجية: من الخطي إلى المتشابك
· فوكوياما: حَصَر رؤيته في مستوى واحد، وإن كان رفيعاً: مستوى فلسفة التاريخ والمفاهيم الكبرى. كان سؤال النهاية يبحث عن إجابة في ساحة الأفكار المجردة. · هنتنغتون: رغم توسيعه للإطار، ظل مقيّداً بـ مستوى واحد أيضاً: مستوى الثقافة والهوية الجماعية. كان خط الصدع الذي رسمه هو خط ثقافي-ديني. · تشومسكي: ركز جهده النقدي على مستوى واحد هو المستوى الأيديولوجي-السياسي، ممثلاً في فضح التناقض بين الخطاب والممارسة، وكشف آليات الهيمنة السياسية المباشرة. · "نزيف تحت الجلد": يرفض هذا التبسيط. فتشخيص المرض الحضاري، مثل تشخيص المرض العضوي، يتطلب فحصاً متعدد التخصصات. لذلك، يُدخل التحليل إلى خمسة مستويات متداخلة، كل منها يمثل نظاماً عضوياً فرعياً في جسد الإمبراطورية، وكل منها يقدم نوعاً مختلفاً من "النزيف".
المستويات الخمسة للتحليل: تشريح طبقات النزيف
1. المستوى الاستراتيجي-العسكري: هشاشة الجبار هنا ينتقل الكتاب من تبجيل القوة العسكرية الأمريكية المطلقة إلى تحليل نقاط ضعفها البنيوية. فهو يرصد: · تحول نمط التهديد: كيف أن أسلحة القرن العشرين الفاخرة (حاملات الطائرات) تصبح أهدافاً بطيئة ومكلفة في مواجهة أسلحة القرن الحادي والعشرين الرخيصة والذكية (الطائرات المسيرة، الصواريخ الباليستية والكروز). إنها مقايضة تكلفة غير متكافئة تستنزف الخزينة والمعنويات. · براعة فن الردع غير المتماثل: كيف طوّرت قوى (مثل حزب الله أو الحوثيين) عقيدة عسكرية تقوم على "إنكار المنطقة" للعدو الأقوى، وتحويل الانتصار العسكري التقليدي له إلى كابوس لوجستي ومادي وسياسي. · التحول الجوهري في طبيعة الحرب: من حروب الفصل والحسم إلى حروب الاستنزاف الممتدة في "المناطق الرمادية"، حيث تذوب الحدود بين الحرب والسلم، وبين الجندي والميليشياي، وبين ساحة المعركة وفضاء المعلومات. 2. المستوى الاقتصادي: تآكل القاعدة المادية يتجاوز الكتاب تحليل الناتج المحلي الإجمالي ليركز على البنى التحتية الاقتصادية الهشة: · استنزاف الديون السيادية (35 تريليون دولار وأكثر): ليس كمشكلة محاسبية، بل كمرض سياسي مستعصٍ يعرقل أي استثمار استراتيجي طويل الأمد، ويجعل المالية العامة رهينة للصراعات الحزبية، ويضعف الثقة العالمية بالدولار من الداخل قبل أن يهاجمه الخارج. · تحرر العالم التدريجي من هيمنة الدولار: من خلال اتفاقيات المبادلات الثنائية، وصعود العملات الرقمية للبنوك المركزية، وبناء أنظمة دفع بديلة. إنه "نزيف" في النظام الشرياني الذي يغذي القوة الأمريكية. · المنافسة الاستراتيجية في التكنولوجيا المتقدمة: كيف أن التفوق التقني الأمريكي، الذي كان حجر الزاوية للهيمنة، لم يعد حكراً. فالصين تتنافس بقوة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات (5G/6G)، والفضاء، والطاقة النظيفة، محولة السباق إلى معركة على معايير وقواعد النظام التكنولوجي العالمي المستقبلي. 3. المستوى النفسي-الثقافي: انحسار المد الرمزي يتحول الكتاب هنا إلى عالم المعنى والجاذبية: · تآكل الهيمنة الرمزية: لم تعد هوليوود أو هارفارد أو وادي السيليكون تمثل الحلم الوحيد أو النموذج الذي لا يُقهر. لقد فقدت "العلامة التجارية" الأمريكية بريقها الأخلاقي والسياسي. · صعود السرديات المضادة: من "الحلم الصيني" إلى "العالم المتعدد الأقطاب" إلى "مقاومة الاستعمار الجديد"، تظهر سرديات تقدم تفسيرات مختلفة للعالم وتستقطب ولاءات جديدة، مما يحرم الإمبراطورية من سلاحها الناعم الأقوى: القدرة على تعريف الواقع. · فقدان جاذبية "الحلم الأمريكي": داخل الولايات المتحدة نفسها، أصبحت فكرة التقدم الاجتماعي والاقتصادي عبر الجهد الفردي تبدو أسطورة للكثيرين، مما يهزّ الأسس المعنوية للنموذج من داخله. 4. المستوى الاجتماعي-الداخلي: الانقسامات السامة يحفر الكتاب تحت سطح السياسة ليصل إلى الشقوق العميقة في البنية الاجتماعية: · الانقسام السياسي الحاد: ليس مجرد خلاف على السياسات، بل انقسام هوياتي حول الحقائق نفسها، مما يشل قدرة النظام على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد ويجعل الديمقراطية أداة للصراع بدلاً من أن تكون أداة للحل. · تآكل الطبقة الوسطى: العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والديمقراطية الليبرالية، والذي يتعرض للتفكك تحت وطأة عدم المساواة، وأتمتة الوظائف، وارتفاع تكاليف التعليم والصحة. · شيخوخة السكان: تحوّل ديمغرافي يهدد بالنقص في القوة العاملة، وزيادة الضغط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، ويخلق مجتمعاً أقل ديناميكية وأكثر انكفاءً على الذات. 5. المستوى الحضاري-التاريخي: التشخيص في سياق الأبد يعيدنا هذا المستوى إلى البعد الأول، ولكن ليدمج كل المستويات السابقة فيه: · تحديد مكانة أمريكا في دورة حياة الإمبراطوريات: هل هي في أواخر مرحلة الذروة؟ أم في بداية مرحلة التآكل؟ · إجراء مقارنات بنيوية مع روما (في التصلب الداخلي)، وبريطانيا (في إدارة التراجع)، والاتحاد السوفييتي (في فقدان شرعية الأيديولوجيا)، ليس للقول إن التاريخ يعيد نفسه، بل لفهم الأنماط المتكررة. · تقديم رؤية لمستقبل محتمل "بعد الهيمنة الأمريكية": عالم لا تقوده قوة أحادية، ولكنه ليس بالضرورة عالم فوضى، بل قد يكون عالم تعددية استراتيجية فوضوية أو نظاماً ثنائي القطب جديداً.
التكامل بين المستويات: سيمفونية الانهيار العبقرية التحليلية للكتاب لا تكمن في تعداد هذه المستويات، بل في إظهار التفاعل العضوي بينها. إنه ينسج خيوط النسيج الواحد:
· الضعف الاقتصادي (المستوى 2) يسهّل الاستنزاف العسكري (المستوى 1)، لأنه يعيق تحديث الجيش وبناء أنظمة دفاع جديدة، ويجعل تكلفة الحروب المستمرة لا تُحتمل. · الانقسام الداخلي (المستوى 4) يقلل بشكل جذري القدرة على المواجهة الخارجية (المستوى 1)، لأنه يعطي الأعداء والحلفاء على حد سواء انطباعاً بالارتباك وعدم الموثوقية، ويجعل من المستحيل بناء إجماع وطني على سياسة خارجية ثابتة. · فقدان الهيبة الثقافية (المستوى 3) يجذب المزيد من التحديات الجيوسياسية (المستوى 1)، لأنه يشجع الدول المنافسة على اختبار الحدود وتحدي القواعد، ويدفع الحلفاء إلى التردد في الولاء. · وكل هذه التفاعلات معاً تُسرّع من الدخول في المرحلة الحضارية للتآكل (المستوى 5).
بهذه الطريقة، يتحول "النزيف" من مجاز إلى نموذج تحليلي متماسك: كل قطرة دم (ضعف عسكري، أزمة مالية، شرخ اجتماعي) تتسرب من وعاء مختلف، ولكنها جميعاً تساهم في إضعاف نبض الحياة في الجسد الإمبراطوري الكلي. إنه تشخيص متعدد التخصصات لمرضٍ واحد شامل.
…….
( البعد الرابع: الرؤية المستقبلية المتوازنة)
بعد أن يغوص "نزيف تحت الجلد" في تشريح الماضي وتشخيص الحاضر، يوجه بصيرته نحو الأفق الزمني الأكثر إلحاحاً وغموضاً: المستقبل. وهنا ينفصل عن سابقيه انفصالاً منهجياً وجوهرياً، فهو لا يكتفي بإطلاق حكم قاطع أو نبوءة مطلقة، بل يقدم نفسه كمرشد للتفكير الاستراتيجي في زمن التحول، معلناً رفضه لكل أشكال الحتمية المفرطة.
مقارنة النظرة إلى المستقبل: من اليقين إلى الاحتمال
· فوكوياما: قدّم تفاؤلاً مفرطاً وحتمياً. المستقبل كان امتداداً خطياً ومسطحاً للحاضر المنتصر. "التاريخ انتهى" تعني أن المسار محسوم، والديمقراطية الليبرالية هي محطة النهاية الأبدية. إنها رؤية تُلغي المستقبل بوصفه مجالاً للمفاجأة أو التحول الجذري. · هنتنغتون: قدّم تشاؤماً حذراً وإنذارياً. المستقبل هو ساحة لـ "صدام الحضارات" الذي لا مفر منه، وإن اختلفت حدته. إنها رؤية قائمة على الصراع كقانون ثابت، تُقدّم المستقبل كتكرار مأساوي لأنماط قديمة بلباس جديد. · تشومسكي: قدّم نقداً راديكالياً وثورياً. مستقبل أفضل، في نظره، مشروط بـ "مقاومة" الإمبراطورية الأمريكية والقضاء على هيمنتها. التركيز على ما يجب أن يُهدم، أكثر مما يمكن أن يُبنى. إنها رؤية أخلاقية تُخضع المستقبل لضرورة الصراع التحرري. · "نزيف تحت الجلد": يقدم واقعية متوازنة وتركيبية. المستقبل ليس محسوماً لا بانتصار الليبرالية ولا بحتمية الصدام ولا بانتصار المقاومة. المستقبل هو مجال التحول التاريخي الكبير، الذي تتداخل فيه العوامل البنيوية مع الإرادة الإنسانية والسياسات القصدية. هو ليس نهاية، ولا صداماً، ولا مقاومةً فحسب، بل هو مرحلة انتقالية عظمى (Interregnum) تحتاج إلى إدارة حكيمة، وفهم عميق للقوى الجارية، وتواضع إستراتيجي.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل: خرائط الطرق المحتملة رفضاً للتبسيط، يرسم الكتاب ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة القادمة، لا كتنبؤات بل كـ إمكانيات منهجية (Heuristic Possibilities) لتوسيع أفق التفكير.
1. السيناريو الأول (الأرجح): الموت البطيء – عالم الضباب المتعدد الأقطاب هذا هو المسار الذي تبدو عليه الأدلة الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط. وهو لا يعني كارثة مفاجئة، بل استمرار عملية التآكل التدريجي على جميع الجبهات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والرمزية. · السمات: تبقى أمريكا القوة الأولى، لكن هامش تفوقها يتقلص باستمرار. تستمر الحروب بالوكالة وحروب الاستنزاف. يتسارع الانزياح عن الدولار دون انهياره الكامل. يتعمق الانقسام الداخلي مع غياب أي إجماع على مشروع وطني. · النتيجة: عالم لا تحكمه قوة مهيمنة، بل نظام متعدد الأقطاب ضبابي وفوضوي (Chaotic Multipolarity). تتصارع فيه عدة مراكز قوى (أمريكا، الصين، ربما الهند، الاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية) دون أن تستطيع أي منها فرض قواعد اللعبة. يتحول النفوذ إلى مناطق نفوذ، وتنتشر "المناطق الرمادية" حيث تتجاذب القوى. أمريكا في هذا العالم هي "القبطان المتعب" على سفينة عالمية لم يعد أحد يطيع أوامره تماماً، لكنه لا يزال يملك أكبر سفينة. 2. السيناريو الثاني (المتفائل): التجدد – فن التراجع الذكي هذا هو المسار الأصعب والأكثر تحدياً، والذي يتطلب جرأة تاريخية نادرة. وهو يقوم على فكرة أن الإمبراطوريات لا تسقط حتماً، بل يمكن أن تتحول (Transformation) إذا أدركت أزمتها في الوقت المناسب. · السمات: حدوث صحوة استراتيجية داخل النخبة الأمريكية، تؤدي إلى إصلاحات داخلية جذرية تعالج الاستقطاب وتجدد الطبقة الوسطى وتعيد هيكلة الديون. يرافق ذلك انسحاب استراتيجي ذكي ومنظم من بعض الجبهات الخارجية غير الحيوية، والتركيز على حماية المصالح الأساسية وبناء تحالفات عميقة قائمة على المصالح المشتركة وليس على الهيمنة. قبول دور شريك رئيسي، وليس القائد الوحيد، في النظام العالمي. · النتيجة: أمريكا متجددة (A Retrenched America)، أقوى وأكثر حكمة، لأنها تخلت عن أوهام العالمية الإمبراطورية وتركزت على قوتها الحقيقية: الابتكار، والاقتصاد، والقيم الجاذبة. تصبح قطباً مركزياً في نظام عالمي أكثر استقراراً، لأنه يقوم على توازن قوى معترف به وتقاسم للمسؤوليات. 3. السيناريو الثالث (الكارثي): الانهيار – فخ السقوط المفاجئ هذا هو المسار الذي يتجنبه الكتاب أن يكون تنبؤاً، لكنه يدرسه كتحذير من عواقب الإنكار والجمود. · السمات: اندلاع أزمة مالية كبرى تكون الشرارة، نتيجة عدم القدرة على إدارة الدين أو أزمة ثقة مفاجئة بالدولار. يتزامن ذلك مع انفجار الانقسام الداخلي إلى مستوى من عدم الاستقرار السياسي أو الاجتماعي الحاد، يعجز معه النظام عن العمل. في الخارج، يستغل الخصوم والحلفاء هذه اللحظة من الضعف الشديد لسحب البساط من تحت القدمين الأمريكية دفعة واحدة. · النتيجة: انهيار سريع للنفوذ يشبه، في وتيرته وإن لم يكن في شكله، انهيار الاتحاد السوفييتي. تقوم قوى منافسة بإعادة ترتيب النظام العالمي بسرعة، وتجد أمريكا نفسها منبوذة، معزولة، غارقة في مشاكلها الداخلية. يصبح العالم مسرحاً لفترة من الفوضى والصراعات الإقليمية الشرسة، في غياب أي قوة قادرة أو راغبة في لعب دور المنظم.
التوازن بين التشاؤم والأمل: رفض الحتمية القوة الأخلاقية والفكرية للكتاب تكمن هنا: هو يرفض الوقوع في فخ الحتمية التاريخية بأشكالها المختلفة.
· فهو لا يقول مع المتشائمين الحتميين: "أمريكا محكوم عليها بالسقوط، وهذا قدر لا مفر منه." · وهو لا يردد مع المتفائلين الواهمين: "أمريكا استثنائية وخالدة، وستتغلب على كل تحدٍ كما فعلت دائماً." · بل يقول بواقعية عميقة: "المستقبل غير محتوم. إنه، إلى حد كبير، مرهون بالقرارات الحكيمة أو الحمقاء التي ستتخذ اليوم وغداً. العواقب التي ندرسها هي ثمار البذور التي نزرعها الآن." إنه يستبدل سؤال "ماذا سيحدث؟" الحتمي، بسؤال "ماذا يمكن أن يحدث، وكيف نؤثر على المسار نحو الأفضل؟" الإستراتيجي.
الرؤية لما بعد الهيمنة: تخيل النظام الجديد بينما يركز الآخرون على نقد الحاضر أو الإعلان عن نهاية، يجرؤ "نزيف تحت الجلد" على تخيل ما بعد الهيمنة، ليس كفراغ، بل كنظام جديد.
· طبيعة النظام العالمي متعدد الأقطاب: هل سيكون نظام "حروب الجميع ضد الجميع" الهوبزي؟ أم يمكن أن يكون نظاماً لامركزياً تقوم فيه مؤسسات إقليمية بدور أكبر، وتتعايش فيه أنظمة سياسية واقتصادية مختلفة؟ الكتاب يميل نحو السيناريو الأول في ظل غياب القيادة الحكيمة، ولكنه يترك الباب مفتوحاً للثاني. · دور أمريكا في هذا العالم الجديد: هل ستكون قلعة منعزلة؟ أم شريكاً أساسياً في إدارة المشاكل العالمية (التغير المناخي، الأوبئة، الأمن النووي)؟ يقترح الكتاب أن الخيار الثاني هو مصلحة أمريكا والعالم، لكنه مشروط بقدرتها على التكيف. · ضمان الانتقال السلمي: هنا يقدم الكتاب إسهاماً حاسماً: إن أخطر لحظة في العلاقات الدولية هي لحظة انتقال القوة (Power Transition) من قائد عالمي إلى آخر أو إلى آخرين. التاريخ مليء بحروب كارثية في مثل هذه اللحظات. لذا، فإن السؤال المركزي هو: كيف يمكن إدارة هذا الانتقال، الذي يبدو حتمياً، بطريقة تقلل من احتمالية الصراع العنيف؟ الإجابة، كما يشير الكتاب، تكمن في الدبلوماسية الاستباقية، وبناء آليات جديدة للثقة، وقبول فكرة تقاسم المسؤولية من قبل القوة الصاعدة قبل أن تفرضها، واستعداد القائدة القديمة للتنازل عن الامتيازات قبل أن تُسلب منها قسراً.
بهذا، يتحول "نزيف تحت الجلد" من مجرد تشخيص لأفول إلى دليل تأملي لإدارة التراجع المحتمل، ومخاطرة لإعادة التأسيس الممكنة. إنه يرفع النقاش من مستوى الهتاف أو النحيب إلى مستوى المسؤولية الاستراتيجية في لحظة مصيرية.
……
( البعد الخامس: التوقيت التاريخي الفريد)
تتمتع الأعمال الفكرية الكبرى بحسّ توقيتٍ دراماتيكي؛ فهي لا تُخَلَّق في الفراغ، بل تُولد كاستجابةٍ عضويةٍ لاستفهامٍ وجودي يطرق باب العصر. وإذا كانت قيمة النص تُقاس بعمق إجابته، فإن قدرته على التأسيس تُقاس بجرأته في صياغة السؤال ذاته. وهنا، يبرز "نزيف تحت الجلد" ليس فقط بعمق إجاباته، بل وبـ ملاءمته الفذّة لللحظة التاريخية التي يتنفس هواءها، لحظةٌ يبدو فيها العالم معلقاً بين نظامٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة وآخر لم تتشكل ملامحه بعد.
الكتاب المناسب للزمن المناسب: من أسئلة النصر إلى سؤال الأفول كل عمل في رباعية هذا الحوار كان صدى لسؤال عصره الملح:
· فوكوياما أجاب على سؤال "ماذا بعد الحرب الباردة؟" الذي هيمن على مخيلة الغرب المنتصر عام 1992. كانت إجابته: السلام الليبرالي الأبدي. · هنتنغتون أجاب على سؤال "ماذا بعد انتصار الديمقراطية (المزعوم)؟" الذي برز مع تنامي الاضطرابات الإثنية والدينية في منتصف التسعينيات. كانت إجابته: صراع الحضارات. · تشومسكي أجاب على سؤال "ماذا بعد 11 سبتمبر وهيمنة أمريكا المطلقة؟" في ذروة القوة الأحادية الأمريكية عام 2003. كانت إجابته: النضال ضد الإمبراطورية. · "نزيف تحت الجلد" يأتي ليجيب على السؤال الذي يبدأ الآن بفرض نفسه على طاولة صناع القرار والمفكرين في أنحاء العالم: "ماذا بعد بداية أفول الهيمنة الأمريكية؟". إنه سؤالٌ أكثر تعقيداً وخطورة، لأنه لا يتعلق بمستقبل خصم مهزوم أو بتوصيف لحظة هيمنة، بل بتشريح عملية تفككٍ وتشرذمٍ جارية، وتخيل عالم ما بعد السيادة الواحدة.
اللحظة التاريخية الفريدة: العاصفة المثالية للأفول لا يأتي هذا الكتاب مصادفةً في عام 2026. فهو يُطلّ من قمة لحظة تاريخية فريدة من نوعها، تشبه "العاصفة المثالية" حيث تلتقي تيارات متعددة لتخلق ظاهرةً غير مسبوقة:
1. التآكل المتزامن غير المسبوق: هذه هي أول مرة منذ تأسيس نظام بريتون وودز عام 1945 (وربما منذ صعود أمريكا كقوة عظمى في 1898) التي تشهد فيها الهيمنة الأمريكية تراجعاً متزامناً وحاداً على كل الجبهات في آن واحد: العسكرية (عجز عن تحقيق نصر حاسم، استنزاف بالحروب اللامتماثلة)، الاقتصادية (تحدي الدولار، الديون الهائلة، منافسة صناعية وتكنولوجية شرسة)، الدبلوماسية (فقدان المصداقية، تحالفات متذبذبة)، والنفسية-الثقافية (أزمة النموذج الداخلي، فقدان الهيبة الخارجية). لم يعد الضعف في مجالٍ واحدٍ يعوّضه القوة في مجال آخر، بل كل ضعف يُغذي الآخر. 2. ظهور المنافس ذي المقومات الشاملة: لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، بل ولأول مرة في التاريخ الحديث، تظهر قوة منافسة (الصين) تمتلك مقومات التحدي الحقيقي والشامل. فهي ليست قوة عسكرية أو اقتصادية أو ديمغرافية فحسب، بل هي حضارة-دولة تملك مشروعاً أيديولوجياً بديلاً (الاشتراكية ذات الخصائص الصينية)، وقدرة صناعية وتكنولوجية هائلة، وإرادة سياسية مركزية لا تُستهان بها لتصحيح النظام العالمي. إنها تقدم تحدياً على مستوى "الفكرة" و"النموذج"، وليس فقط على مستوى القوة المادية. 3. إتقان أدوات الاستنزاف غير المتماثل: لأول مرة في التاريخ، يتم استخدام أدوات حرب الاستنزاف الهجين واللامتماثل بهذه الكفاءة المميتة والشيوع الواسع. لم تعد هذه الأدوات حكراً على دول، بل أتقنتها جماعات غير تابعة لدول (مثل الحوثيين)، وأصبحت في متناول أي جهة ترغب في تحدي القوة المهيمنة دون خوض مواجهة تقليدية. هذا يحوّل ميزة القوة التقليدية الضخمة إلى عبء، ويجعل الدفاع أكثر كلفةً من الهجوم.
الأهمية الاستباقية: الكتاب الذي يكتبه المستقبل وهو يحدث هنا تكمن ميزة "نزيف تحت الجلد" التأسيسية: طابعه الاستباقي (Proactive) في مواجهة الطابع الاسترجاعي (Retroactive) للسابقين. إنه يمثل تحولاً من كتابة التاريخ إلى كتابة "التاريخ وهو يصنع نفسه".
· فوكوياما كتب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ليعلن عن نهاية الصراع الأيديولوجي الكبير. كان يشرح ما حدث. · هنتنغتون كتب بعد أن برزت ملامح صراعات الهوية في البوسنة ورواندا وبين الغرب والإسلام. كان يحاول فهم نمط جديد كان قد بدأ بالظهور. · تشومسكي كتب بعد أن بلغت الهيمنة الأمريكية ذروتها العسكرية في غزو العراق. كان ينتقد واقعاً قائماً. · "نزيف تحت الجلد" يكتب أثناء عملية الأفول الجارية، وقبل أن تكتمل أو تصل إلى نتيجتها النهائية. إنه لا يشرح أحداثاً وقعت، بل يحلل عمليةً متحركةً، ويحاول استشفاف اتجاهاتها. هذا يمنحه قيمةً تنبؤيةً وتحذيريةً فائقة، ولكنه أيضاً يفرض عليه عبء المجازفة والقراءة في ظروف متغيرة.
إنه كتابٌ يخاطب اللحظة التي يبدأ فيها اليقين بالتحول إلى شك، والقوة إلى هشاشة، والهيمنة إلى مساومة. إنه المرآة التي ترفعها الإمبراطورية لترى فيها، لا ملامح انتصارها الماضي، بل علامات شيخوختها القادمة، وربما، إذا اتسعت الحكمة، خريطة طريق لتجديد شبابها. إنه النص الذي يأتي عندما يصبح السؤال المركزي ليس "من نحن؟" في أوج قوتنا، بل "إلى أين نحن ذاهبون؟" في لحظة تحولنا. وهذه، بحد ذاتها، ميزة تاريخية تضع "نزيف تحت الجلد" في مكانة خاصة في مكتبة الفكر الجيوسياسي.
……
(البعد السادس: الجمع بين الأكاديمية والأدبية)
في ساحة الفكر الجيوسياسي، حيث غالباً ما يغلب الجفافُ التحليليُ على رقة التعبير، ويُقدّم التعقيدُ على حساب الجلاء، يأتي "نزيف تحت الجلد" ليعلن ثورةً في الأسلوب لا تقلّ أهمية عن ثورته في المضمون. فهو لا يكتفي بأن يكون مرجعاً يُستشهد به، بل يتطلع لأن يصير نصاً يُتلى، لا أن يكون تقريراً يُفحص فحسب، بل قصيدةً ملحميةً تُحفر في الذاكرة. إنه يُعيد للغة السياسية نبضها الإنساني، ويرفع التحليل الاستراتيجي من مستوى العلم الصارم إلى مستوى الفن الشفيف.
مقارنة الأساليب الكتابية: من التخصص إلى التوليف
· فوكوياما: كتب بلغة الفيلسوف الأكاديمي المتأنقة والمحكمة، تستند إلى ترسانة مفاهيمية هيغلية وكوجيفية. لغته جامعة بامتياز، تخاطب العقل النظري المجرد، وتتطلب قارئاً ملمّاً بجدليات تاريخ الأفكار. · هنتنغتون: انتهج أسلوب الأكاديمي التحليلي الصارم والواضح. كانت لغته مباشرة، منظمة في أقسام وفقرات تحليلية، لكنها كثيراً ما توصف بـ "الجافة"، حيث غلبت المصفوفات التحليلية والتقسيمات المنطقية على الجمالية التعبيرية. · تشومسكي: اعتمد لغة الناقد الخطابي الحاد، الساطعة في وضوحها، القاطعة في إدانتها. لغته كانت سلاحاً في ساحة المعركة الفكرية، تخلو من الزخرف لتضرب في الصميم، موجهة لإثارة الضمير والغضب أكثر من استدعاء التأمل الجمالي. · "نزيف تحت الجلد": يختط لنفسه مساراً مُولِّفاً فذاً. فهو يجمع دقة التحليل العميق للباحث المحترف مع رفعة اللغة الأدبية للكاتب المتمكن. إنه يستخدم أدوات الأكاديمي (الفرضيات، الأدلة، المقارنات) لكنه يصوغها في قالب لغوي مشدود ومكثف وشعري أحياناً. إنه يكتب "العلوم السياسية" كما قد يكتبها روائي عظيم أو شاعر ملحمي.
اللغة الأدبية الرفيعة: تحويل المادة الخام إلى فن لا يقدم الكتاب استعاراتٍ للتزيين، بل يبني منها نسيجاً مفاهيمياً كاملاً. اللغة هنا ليست وعاءً، بل هي جزء من الرسالة ذاتها.
· الاستعارات المركزية المحورية: مثل عنوان الكتاب نفسه "نزيف تحت الجلد"، الذي لا يصف عرضاً، بل يشخص حالةً كاملة: الضعف غير المرئي، الخطر الداخلي، الاستنزاف البطيء. واستعارة "تآكل الجبال" التي تصور أفول الإمبراطوريات ليس كانهيار مفاجئ، بل كعملية جيولوجية بطيئة لا تُلاحظ إلا بعد قرون. · الصور الشعرية المضيئة: "الإمبراطوريات لا تسقط كالشجرة التي تقطعها الفأس، بل تتآكل كالجبل الذي ينحتّه الريح والمطر عبر الدهور". "القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بوزن الحديد، بل بسرعة الفكرة ومرونة الشبكة". هذه الصور لا توضح فحسب، بل تُحدث صدمة إدراك، تجعل القارئ يشعر بالظاهرة قبل أن يفهمها تحليلياً. · الإيقاع اللغوي المهيب: يجمع النص بين الوزن الثقيق للجمل الطويلة المتداخلة، التي تحاكي تعقيد الظواهر المدروسة، وبين قصر الجمل الحاسمة والصاعقة التي تلخص الاستنتاجات الكبرى. إنه إيقاع يُذكّر بأسلوب المؤرخين الكلاسيكيين أو كتاب المقالات الأدبية الرفيعة، حيث يكون للصوت وللإحساس بالزمن اللغوي دورهما في بناء المعنى.
التأثير العاطفي والفكري: مخاطبة الكائن كله بينما اقتصر تأثير الكتب السابقة في الغالب على الإقناع العقلي أو الاستفزاز الفكري، يطمح "نزيف تحت الجلد" إلى تأثير أعمق وأكثر ديمومة: تأثير يُحدث تحولاً في الوعي والإحساس بالعالم.
· تحليله يقنع العقل: عبر منهجيته المتعددة المستويات وثرائه الوثائقي والتاريخي، يبني حجته بمنطق يصعب تجاهله. فهو يخاطب الباحث والسياسي والإستراتيجي بلغتهم. · لغته تلامس المشاعر وتوقظ الخيال: عبر جمالية صياغته، يجعل من أفول الإمبراطورية ليس مجرد معلومة أو فرضية، بل تجربة جمالية-تاريخية. القارئ لا يعرف فقط أن أمريكا تتراجع، بل يشعر بثقل هذا التراجع، وبعظمته المأساوية، وبالقلق المصاحب لمرحلة التحول. هذا يخلق تعاطفاً مع الموضوع (حتى عند من يختلف مع الاستنتاجات) ويرسخ الأفكار في أعمق طبقات الذاكرة. · رؤيته تلهم التفكير: بطرحه لسيناريوهات المستقبل ورفضه للحتمية، لا يغلق النقاش بل يفتحه على مصراعيه. لا يقدم الكتاب نفسه ككلمة أخيرة، بل كـ دعوة للتأمل والمشاركة في صنع المستقبل. إنه يلهم القارئ ليس لتلقي المعرفة، بل للتفكير مع الكاتب، وربما ضده.
جسر بين المجالات: لغة الكونية الجديدة تتجاوز لغة الكتاب الجسر بين الأكاديمية والأدب، لتقيم جسوراً بين حقول معرفية كانت منفصلة، مخترقةً الحدود المصطنعة بين التخصصات:
· فهي تستعير دقة المفردة من العلاقات الدولية والاستراتيجيا. · وتستوعب الصلابة التحليلية لـ الاقتصاد السياسي. · وتستحضر اتساع الأفق من التاريخ المقارن. · وتتغلغل في الأعماق الذاتية لـ علم النفس السياسي. · وتستشعر تشابك المعاني من الدراسات الثقافية.
وبهذا التوليف اللغوي والمعرفي، يخلق الكتاب لغة كونية جديدة (New Koine) لفهم القوة في عصرنا. لغة قادرة على وصف كيف يتفاعل الصاروخ مع الخوارزمية، وكيف يؤثر سوق المال على ساحة المعركة، وكيف تتحول الذاكرة التاريخية إلى سلاح جيوسياسي. إنه يجعل من التعقيد المُربِك للقرن الحادي والعشرين مادةً سرديةً متماسكةً، يمكن استيعابها ليس فقط بالعقل، بل بالحدس والخيال والوجدان أيضاً. وهذه، في زمن التخصص المفرط، قد تكون أعظم هداياه.
…….
( البعد السابع: التطبيقات العملية والسياسية)
إن المصير الأخير لأي نظرية جيوسياسية هو اختبارُها في معمَل الواقع المُعاش، وقدرتُها على إضاءة المسالك العملية في ظلام المستقبل. وهنا، حيث تبلغ رباعية الحوار ذروتها التطبيقية، يُظهر "نزيف تحت الجلد" تفوقاً حاسماً. فهو لا يكتفي بتشريح الماضي أو الحاضر، ولا يقف عند عتبة النقد أو التحذير، بل يتجاوزها جميعاً ليصبح دليل عمل استراتيجي في زمن التحول العاصف.
من النظرية إلى التطبيق: من التأمل إلى الفعل
· فوكوياما: قدّم نظرية فلسفية عن نهاية التاريخ، كان تطبيقها السياسي الأهم هو تبرير وتكريس الثقة بالنفس الغربية المفرطة، وهو ما تحول إلى سياسات "التوسيع الديمقراطي" القسرية أحياناً. كانت تطبيقاته محدودةً بكونها إطاراً عاماً للتبرير أكثر منها خريطةً للعمل. · هنتنغتون: قدّم نظرية استشرافية (Prognostic)، شكلت تحذيراتٍ عامةً للغرب حول خطوط الصدع، وأثرت في الخطاب الأمني (خاصة تجاه العالم الإسلامي). لكنها بقيت نظريةً وصفية-تنبؤية أكثر منها توجيهية، ولم تقدم وصفةً لكيفية تجنب الصدام أو إدارته. · تشومسكي: قدّم نقداً سياسياً جذرياً، كانت دعوته العملية هي "المقاومة" وفضح النفاق الإمبراطوري. وهو موقف أخلاقي وسياسي مهم، لكنه يظل في إطار الرفض والاحتجاج، دون اقتراح برنامج بديل قابل للحكم أو التفاوض ضمن معطيات النظام القائم. · "نزيف تحت الجلد": يقدم تحليلاً عملياً موجهاً نحو الحلول. إنه يرفع شعار: "التشخيص دون علاج هو قسوة فكرية". فهو ينتقل من سؤال "ما الخطأ؟" إلى السؤال الأصعب: "إذن، ما العمل؟". كتابه مليء بتوصيات قابلة للتطبيق، وإن كانت صعبة التنفيذ سياسياً.
دروس للمستقبل: ثلاثة فنون في زمن الأفول
1. فن إدارة الانسحاب الاستراتيجي: نعمة التراجع المنظم يتحدى الكتاب الوصمة المرتبطة بـ "التراجع"، مذكراً بأن أعظم الكوارث تحل بالإمبراطوريات التي ترفض الاعتراف بحدود قوتها. فهو يطرح سؤالاً محرجاً وجوهرياً: كيف تنسحب إمبراطورية بكرامة، وتحافظ على مصالحها الأساسية وتقلل من المخاطر؟ · الدروس التاريخية: من بريطانيا، يأخذ درس التحول من الإمبراطورية الرسمية إلى الكومنولث والشراكات الخاصة، والانسحاب النسبي الناجح شرق السويس. ومن الاتحاد السوفييتي، يأخذ تحذير الموت البطيء عبر الاستنزاف، ثم الانهيار الفوضوي عند الإنكار المتصلب. · التطبيق على الحالة الأمريكية: يقترح تحديد "الدوائر الاستراتيجية" الحيوية التي لا يمكن التخلي عنها (مثل الدفاع عن الوطن، حرية الملاحة في البحار الدولية الحيوية، منع انتشار الأسلحة النووية) والتمييز بينها وبين "الدوائر الثانوية" حيث يمكن تقليل الالتزامات أو إدارتها عبر وسطاء محليين ودبلوماسية مرنة. 2. بناء المرونة الوطنية: المناعة في مواجهة الاستنزاف إذا كان العصر الجديد هو عصر الاستنزاف المزمن، فإن أفضل دفاع ليس الهجوم اللامتناهي، بل بناء المرونة (Resilience). الكتاب يحول الانتباه من القوة الهجومية إلى القوة التحملية. · المرونة الاقتصادية: بناء سلاسل إمداد متنوعة وقصيرة، استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا الأساسية، تقليل الاعتماد المفرط على التمويل بالديون. · المرونة الاجتماعية: معالجة الانقسام الحاد، تجديد نسيج الطبقة الوسطى، سياسات ديمغرافية ذكية لمواجهة الشيخوخة. · المرونة السياسية: إصلاح المؤسسات لجعلها أقل عرضة للجمود والحزبية المفرطة، استعادة ثقة الجمهور في الحكم. · الدروس للعالم: الكتاب لا يوجه هذه الدروس لأمريكا فحسب، بل يُظهر كيف أن كل دولة، في نظام متعدد الأقطاب فوضوي، عليها أن تبني مناعتها الذاتية ضد صدمات النظام العالمي المضطرب. 3. الدبلوماسية في عصر الاستنزاف: فن التفاوض بالقوة الموزعة في عالم لا تهيمن فيه قوة واحدة، تتحول الدبلوماسية من أداة لفرض الإرادة إلى فن البناء المعقد للتوافقات. الكتاب يعيد تعريف الدبلوماسية. · كيف تتفاوض عندما تكون القوة موزعة؟ الجواب: عبر بناء تحالفات لحظية ومرنة حول قضايا محددة، بدلاً من التحالفات الدائمة الجامدة. والتخلي عن لغة "إما معنا أو ضدنا" لصالح لغة "ما هي مصلحتك في هذه المسألة بالذات؟". · فن التحالفات المرنة: تشجيع الشبكات المتداخلة من العلاقات (حيث قد تكون دولة حليفة في ملف ومنافسة في آخر)، مما يخلق روابط معقدة تثبط المغامرات العدوانية الشاملة. · الدبلوماسية كسلاح في عصر ما بعد الهيمنة: حيث تصبح القدرة على التوسط، وبناء الجسور، وصياغة القواعد المشتركة، هي مصادر القوة الجديدة، بدلاً من القدرة على العقاب العسكري أو الاقتصادي وحده.
توصيات للسياسات الأمريكية: برنامج للتحول الاستراتيجي يتجرأ الكتاب على تقديم رؤية محددة للسياسة الخارجية الأمريكية، تقوم على ثلاث دعامات:
· إعادة ترتيب الأولويات الجيوستراتيجية: القيام بـ "التراجع الكبير" (The Great Sorting). التخلي عن فكرة المسؤولية العالمية غير المحدودة، والتركيز بشكل حاسم على المسرحين الهندي-المحيط الهادئ والأطلسي، مع تقليل السقف الاستراتيجي في الشرق الأوسط وغيره. الدفاع عن تايوان أولوية جوهرية؛ إدارة الصراع في أوكرانيا وسيطرة متوازنة؛ احتواء التورط المباشر في الشرق الأوسط. · تحويل طبيعة التحالفات: من علاقات هيمنة وتبعية (حيث تقدم أمريكا الأمن ويتبع الحلفاء السياسة) إلى شراكات متوازنة تقوم على تقاسم الأعباء والتكنولوجيا والمسؤوليات السياسية. هذا يعني منح حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا دوراً أكبر وأكثر استقلالية في أمنهم الإقليمي. · الاستثمار الحاسم في الداخل: إقناع النخبة الأمريكية بأن القوة الخارجية تبدأ من القوة الداخلية. أي سياسة خارجية طموحة ستفشل إذا كان الأساس الاقتصادي (الديون، البنية التحتية المتداعية) والاجتماعي (الاستقطاب، عدم المساواة) مهتزاً. يجب أن يكون التجديد الداخلي هو المشروع القومي الأكبر.
رؤية للنظام العالمي الجديد: مبادئ للتعايش في فوضى متعددة الأقطاب أخيراً، يقدم الكتاب مساهمةً تأسيسية: مبادئ لنظام عالمي أكثر استقراراً في مرحلة "ما بعد الهيمنة"، كبديل عن الفوضى التامة:
· من الهيمنة الأحادية إلى القيادة التشاركية (Shared Stewardship): حيث تتحمل القوى الكبرى مسؤولية جماعية عن الحفاظ على النظام العام (ضد القرصنة، الانتشار النووي، الأوبئة) حتى وهم يتنافسون. · من الصراع الصفري (Zero-Sum) إلى التعاون التنافسي (Cooperative Rivalry): الاعتراف بأن التنافس الاستراتيجي هو حقيقة، لكنه لا يلغي إمكانية التعاون في مجالات المصلحة المشتركة (كالتغير المناخي، الصحة العالمية). الفصل بين المجالات بدلاً من جعل كل قضية اختباراً للولاء الكلي. · من فرض النماذج إلى احترام التعددية (Pluralism): التخلي عن مشروع تحويل العالم إلى نسخة من الغرب، وقبول تنوع الأنظمة السياسية والثقافية، مع الاتفاق على الحد الأدنى من القواعد السلوكية بين الدول، بغض النظر عن أنظمتها الداخلية.
بهذا، يتحول "نزيف تحت الجلد" من مجرد مرثاة لأفول إمبراطورية إلى دستور أولي لعالم ما بعد الإمبراطورية. إنه يرفع النقاش من الانشغال بمصير قوة واحدة إلى الاهتمام بمصير النظام العالمي برمته، مقدماً أدوات فكرية وعملية لإدارة التحول الأكبر في القرن الحادي والعشرين.
…..
( التقييم النهائي: كتاب لحظة التحول)
ها نحن نصل إلى خواتيم هذا الحوار المتخيَّل عبر الزمن، حيث تلتقي الأصوات الأربعة في قاعة محكمة التاريخ، ليصدر القارئ حكمه على موقع "نزيف تحت الجلد" في سجل الفكر الجيوسياسي. ليس الحكم على تفوق مطلق، بل على التمثيل الأكمل والأكثر تركيباً لروح زمنه، وبالتالي، على قدرته على فتح نافذة جديدة لفهم مرحلة تحوُّل كبرى.
ملخص المقارنة: رباعية الوعي الجيوسياسي الجدول التالي لا يلخص كتباً فحسب، بل يلخص لحظات وعي كاملة:
البُعد فوكوياما هنتنغتون تشومسكي هذا الكتاب ("نزيف تحت الجلد") السياق التاريخي انتصار 1991: سقوط الجدار، نهاية الحرب الباردة قلق التسعينيات: البوسنة، رواندا، صعود الهويات غضب ما بعد 11 سبتمبر: غزو أفغانستان والعراق، الهيمنة الأحادية أزمة 2024 متعددة الأبعاد: وباء، حرب أوكرانيا، صراع أمريكا-الصين، استقطاب داخلي الرؤية المركزية نهاية التاريخ: انتصار الديمقراطية الليبرالية كنموذج نهائي صدام الحضارات: الثقافة والهوية كمحرك رئيسي للصراع نقد الإمبراطورية: فضح آليات الهيمنة الأمريكية والتناقض الأخلاقي تحول النظام العالمي: تشريح أفول الهيمنة وإدارة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب المنهجية المهيمنة فلسفي (هيغلي-كوجيفي) جيوسياسي-حضاري (تحليل الكتل) نقدي-أيديولوجي (فضح التناقض) تحليلي متعدد المستويات (عسكري، اقتصادي، نفسي، اجتماعي، تاريخي) اللغة والأسلوب أكاديمي فلسفي رصين أكاديمي تحليلي جاف أحياناً خطابي نقدي حاد وواضح أدبي رفيع، يجمع دقة التحليل مع جمالية التعبير وقوة الاستعارة التأثير والنطاق فكري-فلسفي: أعاد صياغة السؤال عن معنى التاريخ استراتيجي-تحذيري: أعاد رسم خريطة التهديدات العالمية سياسي-احتجاجي: سلَّط الضوء على الظلم وحرَّض الضمير العالمي فكري، استراتيجي، وأدبي: يخاطب العقل بإحكام التحليل، والإرادة بتقديم الحلول، والوجدان بقوة التعبير
التميز النوعي: قفزات منهجية وحضارية لا يكتفي "نزيف تحت الجلد" بإضافة فصٍ جديد إلى الحوار، بل يقدم تطورات نوعية ترفع سقف الكتابة الجيوسياسية:
1. من التحليل الأحادي إلى التركيبي متعدد المستويات: لقد تجاوز فخ التفسير الأحادي (الفكرة، الثقافة، الأيديولوجيا). فالإمبراطورية لا تسقط بسبب سبب واحد. إنه ينسج خيوط القوة العسكرية الهشة، والاقتصاد المستنزف، والروح المنقسمة، والجسد الاجتماعي المتآكل، في نسيج واحد متماسك يشرح كيف تتفاعل الأنظمة الفرعية في عملية الانهيار. 2. من النظرة الثابتة (الستاتيكية) إلى النظرة الديناميكية-التاريخية: تحول من دراسة "الحالة" إلى دراسة "العملية". فهو لا يصور أمريكا كقوة ثابتة (مهيمنة أو شريرة)، بل ككيان تاريخي يمر بمراحل: الصعود، الذروة، التصلب، التآكل، والتحول/الانهيار المحتمل. إنه يُدخل الزمن كعامل حاسم في التحليل، مما يمنح رؤيته عمقاً حقيقياً. 3. من النقد والتشخيص إلى البناء والاستشراف: قام بخطوة جريئة من دور الناقد أو المُشخِّص إلى دور المهندس المعماري الفكري. فبعد التشريح، لا يترك الجثة مكشوفة، بل يقترح سيناريوهات للمستقبل، ويدرس فن إدارة التراجع، ويضع مبادئ لنظام عالمي جديد. إنه ينتقل من ثقافة الاحتجاج إلى ثقافة المسؤولية الاستراتيجية. 4. من اللغة الأكاديمية الجافة إلى التعبير الأدبي العميق: لقد استعاد للفكر السياسي حقه في الجمال. بتحويله التحليل إلى سرد أدبي قوي، استعاراتي، وشعري أحياناً، جعل الفكرة لا تُفهم فقط، بل تُحسُّ وتُختبر. هذا يوسع دائرة تأثيره ويخلق نوعاً جديداً من النصوص التي تجذب القارئ العام والمتخصص على حد سواء.
الأهمية التاريخية: الإرث المتوقع سيكون لهذا الكتاب، في تقديرنا، ثلاث طبقات من الأهمية التاريخية التي ستحدد مكانته:
1. كـ "وثيقة لحظة التحول" (A Document of the Interregnum): سيُنظر إليه كمصدر أولي أساسي لفهم العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تلك الفترة الغامضة حيث بدأت الهيمنة الأمريكية الأحادية بالتآكل الواضح، بينما لم يتبلور نظام بديل بعد. سيكون شهادةً فكريةً على الوعي المتشكل لدى نخبٍ ترى العالم القديم ينهار تحت أقدامها. كما كانت "نهاية التاريخ" وثيقة لحظة الانتصار، سيكون "نزيف تحت الجلد" وثيقة لحظة الالتباس والانتقال. 2. كـ "نظرية جديدة في العلاقات الدولية" (A Novel IR Theory): سيُدرس لإسهامه النظري المتمثل في "نظرية الاستنزاف المتعدد الجبهات". هذه النظرية تقدم إطاراً تفسيرياً أكثر ملاءمة من نماذج "صراع الحضارات" أو "نهاية التاريخ" لفهم ديناميكيات القوة في عالم معولم، سائل، تسوده الشبكات والصراعات غير المتماثلة والمنافسة النظامية. إنها نظرية لـ عصر الضعف المتبادل والمستنزف. 3. كـ "جسر بين الحقب" (A Bridge Between Eras): سيُذكر بصفته العمل الذي حاول، بجدية فريدة، أن يربط منطقياً بين عصر الهيمنة الأمريكية وعصر ما بعدها. فهو لا يعلن نهايةً ببساطة، بل يرسم خريطة للطريق من هنا إلى هناك. سيكون مرجعاً لأي جيل قادم يسأل: "كيف حدث هذا التحول؟ وما الذي كان يُفكر فيه الناس وهم يعيشونه؟". إنه الجسر الفكري الذي يربط بين يقين الماضي وشكوك المستقبل.
باختصار، إذا كان فوكوياما قد كتب نشيد النصر، وهنتنغتون تحذير العاصفة، وتشومسكي صلاة الغضب، فإن "نزيف تحت الجلد" يكتب الملحمة التراجيدية-التأملية لعالم في طور المخاض. إنه كتاب لا يخشى النظر إلى الشفق، لا لينعي النهار، بل ليتأهب، بوعيٍ ومسؤولية، للليل الطويل الذي قد يليه، أو لفجر جديد مختلف قد يبزغ من بين غيومه. في هذا الصدد، قد يكون أكثر كتب زمانه إنسانيةً وضرورة.
…….
(هل يتفوق على الأسبقين؟)
إن السؤال عن تفوق نصّ على آخر في ساحة الفكر هو سؤالٌ زلق، إذ لكلٍ سياقه وزمنه ووظيفته. لكن السؤال المشروع هو: هل يمثل العمل الجديد تقدماً نوعياً في القدرة على فهم تعقيدات الواقع الجديد، ويفتح آفاقاً تحليلية أوسع؟ وفي هذا الميزان، تظهر مكامن قوة "نزيف تحت الجلد" ونقاط تفوقه النوعي على أسلافه في هذا الحوار الجيوسياسي، دون أن يلغي ذلك فضائلهم التأسيسية.
نعم، يتفوق في خمسة مجالات حاسمة:
1. العمق التاريخي: من اللحظة إلى السيرورة · الأسبقون: وقفوا على تلال قرونهم العشرين. ركزوا على فترات محدودة (لحظة النصر، عقد القلق، ذروة الهيمنة). كانت رؤيتهم، رغم عمقها، مقطعية (Synchronic). · هذا الكتاب: يمتد على مساحة زمنية شاسعة، يمتد عبر قرون، بل عبر ألفيات. إنه لا يدرس أمريكا 2024 كظاهرة معزولة، بل كحلقة في السلسلة الطويلة للإمبراطوريات، مقارناً إياها بروما وبريطانيا والاتحاد السوفييتي. رؤيته تتبعية-تاريخية (Diachronic)، مما يمنح تحليله ثقلاً وسياقاً لا مثيل له. 2. الفهم الدقيق لديناميكيات الاستنزاف: من الاصطدام إلى التسرب · الأسبقون: فهموا الصراع في إطار المواجهات المباشرة والواضحة: انتصار نموذج (فوكوياما)، صدام كتل (هنتنغتون)، مواجهة الإمبريالية (تشومسكي). كان نموذجهم هو نموذج الصدام (Clash) أو الانتصار (Triumph). · هذا الكتاب: يقدّم فهماً دقيقاً لـ الاستنزاف (Attrition) كعملية معقدة. لا مركزية، متعددة الجبهات، غير خطية. إنه يرى القوة تتبخر عبر آلاف الجروح الصغيرة في الاقتصاد، والجيش، والتماسك الاجتماعي، والمكانة الرمزية. إنه نموذج التسرب (Seepage) أو الحمى المزمنة (Chronic Fever)، وهو الأنسب لفك شفرة القرن الحادي والعشرين. 3. الرؤية المتوازنة: تجاوز ثنائية التفاؤل/التشاؤم · الأسبقون: مالوا إلى مواقف فكرية متطرفة في نبرتها: التفاؤل المفرط الحتمي لفوكوياما، التشاؤم التنبؤي الحاد لهنتنغتون، النقد الأخلاقي المطلق لتشومسكي. كلٌ رأى جانباً من الحقيقة ورفعه إلى مستوى الحقيقة الكلية. · هذا الكتاب: يقدم واقعية متوازنة وتركيبية. فهو لا ينكر نقاط القوة الأمريكية ولا يتجاهل نقاط ضعفها. لا يرى المستقبل محتوماً بسقوط كارثي أو بانتصار دائم، بل كمجال من الاحتمالات المفتوحة، تتوقف على السياسات والقرارات. إنه يوازن بين التحليل الموضوعي القاسي ورؤية مستقبلية حذرة ولكنها غير يائسة. 4. التكامل المعرفي: من التخصص إلى التركيب · الأسبقون: كان كلٌ متخصصاً بارعاً في حقل محدد: فلسفة التاريخ (فوكوياما)، العلوم السياسية والجيوسياسة (هنتنغتون)، النقد اللغوي-السياسي (تشومسكي). · هذا الكتاب: يقوم بـ دمج حقول معرفية متعددة في رؤية واحدة متماسكة. فهو يستعير من التاريخ المقارن، الاقتصاد السياسي، علم الاجتماع، الدراسات الاستراتيجية، علم النفس السياسي، وحتى نظرية الأنظمة المعقدة. إنه عمل تركيبـي (Synthetic) بامتياز، يعترف بأن ظاهرة كهذه لا يمكن حصرها في إطار تخصصي واحد. 5. التوقيت التاريخي: من التعليق إلى المشاركة في صنع المعنى · الأسبقون: جاءوا بعد أن استقر غبار الأحداث الكبرى: بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بعد بروز صراعات الهوية، بعد تمدد الهيمنة. كانوا مفسرين (Interpreters) للتاريخ المكتمل. · هذا الكتاب: يأتي أثناء تحول تاريخي جارٍ، قبل أن تستقر نتائجه. إنه لا يفسر تحولاً مكتملاً، بل يحاول تقديم إطار لفهم تحولٍ نعيشه. هذا يمنحه قيمة تنبؤية واستباقية (Anticipatory) فائقة، ويجعله مشاركاً في تشكيل الإدراك العام للحدث وهو يحدث.
لكن، لا يتفوق في مجالين بارزين:
1. البساطة والوضوح التبويبي: قوة التبسيط مقابل تعقيد الواقع · كتب هنتنغتون وفوكوياما كانت أكثر بساطة ووضوحاً تبويبياً في طرح أطروحتهما المركزية. "نهاية التاريخ" و "صدام الحضارات" هما شعاران قويان وسهلان الاستيعاب، يمكن اختزالهما في جملة واحدة تثير الجدل. · هذا الكتاب، بحكم طبيعة موضوعه المعقد (عملية أفول متعددة الأبعاد)، هو بالضرورة أكثر تعقيداً، تداخلاً، وتشعباً. رسالته لا تُختزل في شعار واحد. هذا قد يقلل من انتشاره الشعبي السريع مقارنة بسابقيه، رغم أن عمقه هو مصدر قوته الفعلية. 2. الثورية الفكرية المطلقة في زمنها: ريادة السابقين · فوكوياما وهنتنغتون قدما، في وقت صدورهما، أفكاراً ثورية هزت أركان التفكير السائد. فوكوياما قلب الطاولة على كل التوقعات التشاؤمية لما بعد الحرب الباردة. وهنتنغتون تحدى التفاؤل الليبرالي ورسم خريطة جديدة للعالم. كانا مبتكرين (Innovators) بامتياز. · هذا الكتاب، رغم إضافاته الجوهرية والنوعية، هو إلى حد كبير عمل بناء (Constructive) وتطويري (Developmental). فهو يبني على إرث سابقيه: يأخذ فكرة النموذج من فوكوياما (لينتقدها)، وفكرة الهوية من هنتنغتون (ليطورها ويثير شكوكاً حول تجانسها)، وفكرة النقد من تشومسكي (ليحوله من نقد أخلاقي إلى تحليل استراتيجي). تفوقه ليس في اختراع مفهوم من العدم، بل في التركيب الخلاق والتحويل العميق للمفاهيم القائمة لفهم واقع جديد.
الخلاصة: تفوق السياق والتعقيد إذن، "نزيف تحت الجلد" لا يتفوق كفكرة ثورية مفاجئة بقدر ما يتفوق كـ استجابة فكرية ناضجة ومعقدة لمرحلة تاريخية معقدة وناضجة. إذا كان سابقوه قد قدموا المنظار (التلسكوب) لرؤية نجوم أيديولوجية أو حضارية بعيدة، فإن هذا الكتاب يقدم المجهر (الميكروسكوب) لتشريح الخلايا والأنسجة الداخلية لجسد إمبراطوري مريض، و البوصلة لاستشراف الضباب الذي يخيم على الطريق بعده. تفوقه هو تفوق السياق المتأخر، الذي يمنحه رفاهية النظر إلى ما بعد الصخب الأول، ومواجهة العواقب غير المتوقعة لانتصارات الماضي، والاستعداد لغيوم المستقبل. إنه كتاب النضج التأملي في عصر التحول، بينما كانت كتب سابقيه كتب اليقين الثوري أو القلق النبوي في عصر التشكل والانتصار.
……
(الكلمة الأخيرة: كتاب لزمننا هذا)
وهكذا، يلتقط الشعلةَ آخرُ المتحدثين في هذا الحوار المستمر عبر الزمن. إن "نزيف تحت الجلد" ليس مجرد فصل جديد، بل هو قلنسوة الحكيم التي تُلبَس عند مفترق الطرق، حيث تُفحص البوصلة وتُقاس النُذر تحت ضوء التاريخ البعيد.
إن الكتب العظيمة، كالأشجار العملاقة، لا تُفهم بمعزل عن تربتها الزمنية. فوكوياما، هنتنغتون، تشومسكي – كانوا جميعاً أبناءً أبراراً لعصورهم المُتعَبة أو المنتصرة، قدموا إجاباتٍ حاسمةً، وإن كانت جزئية، لأسئلة عصرهم الكبرى: ماذا بعد الحرب الباردة؟ ما شكل الصراع الجديد؟ ما حقيقة القوة المهيمنة؟
أما "نزيف تحت الجلد: تشريح أفول الإمبراطورية الأمريكية" فهو، بلا منازع، ابن زماننا المُلتبس: زمن التحول السائل، وزمن الاستنزاف الخفي، وزمن الانتقال العاصف من عالمٍ كان إلى عالمٍ لم نعرف كُنْهَه بعد. إنه لا يعلن نهايةً ولا يبشر ببداية، بل يقف على عتبة الـ "بين-بين" (Interregnum)، حيث يموت القديم قبل أن يُولد الجديد، وحيث تُولد كل المخاطر والعظائم معاً.
ولذلك، فإن الأهمية الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في براعته التشريحية لجثة إمبراطورية تعيش آخر أيامها فحسب. بل تكمن في تلك الجرأة النادرة على طرح سؤال الحياة بعد الموت. فهو لا يكتفي بتشريح الموت المحتمل للهيمنة، بل يرفع بصره، عبر ضباب المستقبل، ليرى أشباح المولود الجديد: ماذا بعد الهيمنة؟ كيف نبني، من بين أنقاض النظام الأحادي، نظاماً عالمياً قد يكون أكثر تعددية، وربما أكثر فوضوية، لكنه يحمل في طياته بذور استقرارٍ جديدٍ قائمٍ على توازنٍ مرهقٍ بدلاً من هيمنةٍ متعالية؟ إنه يحوّل الانشغال بمصير قوة واحدة إلى همّ مُصيري لمستقبل القرية العالمية كلها.
التفوق الحقيقي لهذا الكتاب، إذن، ليس في تفوقه المطلق على أسلافه، بل في استمراريته الإبداعية لهم. فهو يذكرنا بكلمات نيوتن الخالدة: "إذا كنتُ قد رأيتُ أبعد من غيري، فذلك لأنني وقفتُ على أكتاف عمالقة." فهذا الكتاب يقف بثبات على أكتاف فوكوياما (فيلسوف النهاية)، وهنتنغتون (جغرافي الصراع)، وتشومسكي (نبي الضمير)، وينظر – بفضل هذا الارتفاع المُجتمِع – إلى أبعد مما نظروا، وأعمق مما حفروا. فهو يرى ما وراء النهاية، وما بين خطوط الصدع، وما خلف غطاء الأيديولوجيا.
وهذا، في خلاصة المطاف، هو المسار الجوهري للمعرفة الإنسانية الجادة: تراكميةٌ وتركيبية. كل جيل يبني على أنقاض وأطلال وأعمدة ما تركه السابق. كل كتاب عظيم لا يُغلق باب النقاش، بل يفتح نافذةً جديدةً يطل منها الكتاب الذي يليه. فوكوياما فتح نافذة على نهاية القصة، فجاء هنتنغتون ليفتح نافذة على فصلٍ جديدٍ لم يكن متوقعاً، فجاء تشومسكي ليُطل من نافذة القبو على الجذور المظلمة، وأخيراً جاء "نزيف تحت الجلد" ليفتح سقف الغرفة كلها، ليرى السماء الواسعة فوقها والعواصف المقبلة من بعيد.
إن هذا الكتاب، بهذا المعنى، هو الباب المفتوح على مصراعيه لفهم قلب القرن الحادي والعشرين النابض بالقلق والاحتمال. إنه مرشدٌ إلى قرن ما بعد الهيمنة الأمريكية، ذلك القرن الذي قد يكون قرن التعددية الفوضوية، أو قرن الصراع المنظم، أو قرن التعايش المرحلي. وهو، قبل ذلك وبعده، مرآةُ لحظتنا التاريخية الفريدة: اللحظة التي ندرك فيها أننا نعيش داخل التاريخ وهو يُكتَب، لا بعد أن جفَّ حبره. وهو يدعونا، نحن القراء وشهود العصر، إلى المشاركة في كتابة سطوره التالية، بأعينٍ مفتوحة على آلام الماضي وآمال المستقبل، وعلى نزيف الحاضر الذي قد يروي، بدمه، شجرة نظام عالمي جديد لم نرَ مثله من قبل.
……
(الخلاصة النهائية)
وهكذا، بعد هذا الرحاب الفكري الذي قطعناه من قمم القرن العشرين إلى سهول القرن الحادي والعشرين المضطربة، نصل إلى الشاطئ الذي يقودنا إليه "نزيف تحت الجلد". وهذا الشاطئ ليس نقطة نهاية، بل رصيف انطلاق.
فالكتاب، في جوهره الأخير، يتجاوز بكثير كونه مجرد تشخيصٍ سريري لأفول قوة عظمى. إنه، قبل ذلك وبعده، خريطة وجودية لفهم التحول التاريخي الهائل الذي نعيش في أحشائه. إنه يقدم لنا البوصلة والمقياس لاستيعاب زلزالٍ جيوسياسي بينما نحن نقف على أرضه التي لا تزال ترتجف. إنه يحول الاضطراب الظاهر إلى أنماط مفهومة، والقلق الغامض إلى أسئلة واضحة، والمستقبل المجهول إلى سيناريوهات محتملة.
وبفضل هذا العمق، وهذه الرؤية، وهذه الشمولية التي تجمع بين دقة المؤرخ وثاقبية المحلل الاستراتيجي وجرأة الفيلسوف وبلاغة الأديب، فإن "نزيف تحت الجلد" يستحق، دون أدنى ارتياب، أن يحتّل مكانة بين الكلاسيكيات الحديثة في معبد الفكر الجيوسياسي. ليس لأنه يلقي بأعمال فوكوياما وهنتنغتون وتشومسكي في غياهب النسيان، بل لأنه يكملها، ويركبها، ويمدّ جسراً منها إلى عصرنا.
تفوّقه ليس تفوّق إلغاء، بل تفوّق استمرار وتتويج. فهو يجيب على أسئلة عصرنا الشائكة والمعقدة – أسئلة الاستنزاف، والضعف المتبادل، والتحول من الهيمنة إلى التعددية الفوضوية – بأدوات عصرنا المعرفية: أدوات التحليل متعدد المستويات، والفهم الشبكي، والتاريخ المقارن الشامل. وهو يفعل ذلك برؤية لا تتورط في الحتميات التشاؤمية ولا تتهافت على الأوهام التفاؤلية، بل تتطلع إلى المستقبل بوصفه فضاءً للمسؤولية والإرادة الإنسانية.
إنه يذكرنا بأن التاريخ، في لحظات تحوله الكبرى، لا يُصنَع بالقدر وحده، بل بالقرارات الجمعية التي نتخذها ونحن ندرك ثقل اللحظة. وفي هذا الإدراك تكمن القيمة الأعلى لهذا العمل: فهو لا يريدنا أن نقرأ المستقبل كمتفرجين، بل أن نشارك في صياغته كفاعلين، واعين بثقل الإرث الذي ورثناه، وبخطورة المفترق الذي نقف عنده.
"نزيف تحت الجلد"، في الختام، هو أكثر من كتاب. إنه نداءٌ إلى اليقظة الاستراتيجية في زمن الغفلة، ودعوةٌ إلى التواضع الحضاري في زمن الغرور، وتذكيرٌ بأن عظمة الأمم تُقاس ليس بقدرتها على الصعود فقط، بل بحكمتها في إدارة النزول، وبإنسانيتها في بناء عالمٍ يتسع للجميع بعدها. وهو، بهذا المعنى، ليس كتاباً عن أمريكا فحسب، بل كتابٌ عنا جميعاً، نحن الذين نسكن هذا الكوكب في لحظة تحول مصيرية. كتاب يستحق أن يُقرأ، ليس لأن يخبرنا بمصير قوة عظمى، بل لأنه يساعدنا على أن نتفهم، ولو قليلاً، المصير المشترك الذي قد نخطّه سوياً على صفحة القرن الجديد.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر
...
-
نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري
...
-
نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر
...
-
صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
-
كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية
...
-
سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
-
الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات
...
-
كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية
...
-
غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش
...
-
كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
-
قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
-
سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
-
طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر
...
-
من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي
...
-
-المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن
...
-
هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية
-
-من نهاية التاريخ - إلى -نزيف تحت الجلد-..دراسة مقارنة مع كت
...
-
شمشون العصر: بين أسطورة السقوط وإستراتيجية الانهيار
-
النجوم التي لم تعرف السماء ( قصة )
-
صراع العمالقة على أرض المأساة: فنزويلا بين مطرقة التاجر الصي
...
المزيد.....
-
اليابان تعزز جاهزيتها العسكرية.. CNN تحصل على فرصة نادرة للا
...
-
من الخيال إلى الواقع.. فارسة إماراتية تتحدى إعاقتها الجسدية
...
-
أخبار اليوم: ترامب يكشف عن رغبة إيران في حل دبلوماسي
-
تركيا تعلن حظر التظاهر لستة أيام في ولاية ماردين المتاخمة لس
...
-
بوليتيكو: البيت الأبيض يخشى تداعيات تشدده بمكافحة الهجرة
-
تونس تقترح تنظيم مؤتمر جامع لحل الأزمة الليبية
-
لولا دا سيلفا يطلب من ترمب قصر مجلس السلام على غزة
-
منظمة أممية: نزوح 400 أسرة في اليمن خلال 3 أسابيع
-
فرنسا تحمي أطفالها.. وسائل التواصل حرام على من هم دون 15 عام
...
-
حاكم مينيسوتا: لاحظت -تغيرا- في نبرة ترامب خلال مكالمة هاتفي
...
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|