أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - احمد صالح سلوم - محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج















المزيد.....


محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 16:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الموت كمنعطف تحليلي

رحل جسد الرجل، لكن ظله الطويل ما يزال يمتد عبر عقول جيلٍ عاش على حروفه، وأجيالٍ تلت تتعلم من إرثه المتناقض. موت محمد حسنين هيكل لم يكن نهايةً لخطابه، بل تحوّله إلى حالةٍ من التمثيلات التي تتنازعها القوى التي حللها ذات يوم. ها هو اليوم، بعد غيابه، تُختَبر صحة تحليلاته في مختبرات الدمار السوري، وفي ورشات إعادة التشكيل الإقليمي، حيث تتحالف "أموال محمية قطر" مع "مقازل الناتو بالباطن أردوغان" لتحويل سورية إلى نموذجٍ حيٍّ للنظرية الهيكلية حول تحالفات القوى الهامشية في خدمة المشاريع الكبرى.

النموذج القطري – من الصحافة إلى السياسة

لطالما حذّر هيكل من تحويل الإعلام إلى أداةٍ طيّعة في خدمة أجندات خارجية. لكن نموذج "الجزيرة" الذي انتقده تحوّل إلى نموذجٍ أشمل: لم يعد مجرد قناة إخبارية، بل أصبح منهجاً لصناعة الواقع عبر تشكيل الوعي وإدارة الصراعات. قطر، تلك "المحمية" كما وصفها، لم تكتفِ بامتلاك المنصة الإعلامية، بل انتقلت إلى امتلاك الأدوات السياسية والعسكرية غير المباشرة.

في سورية، تحوّلت الأموال القطرية من داعمٍ إعلامي لثوار الناتو والموساد إلى شريكٍ في هندسة الحرب الاستعمارية على الدولة السورية وتدمير منجزات الديمقراطية الاجتماعية خلال أكثر من خمسة عقود ، ليس كقوة تحرير وطني، بل كأداةٍ في مشروع إقليمي أوسع. هذا التحوّل الجوهري من "ثوار الريال القطري " إلى "الأداة" هو ما كان هيكل يحذر منه حينما تحدث عن تحويل القضايا الوطنية إلى عملاتٍ في سوق السياسة الدولية.

أردوغان والمفارقة التاريخية – من العلمانية إلى الإسلام السياسي الجديد

"مقاول الناتو بالباطن أردوغان" – هذه العبارة تحتاج إلى تفكيك. كيف لزعيمٍ يرفع شعارات الإسلام السياسي أن يكون أداةً لحلف شمال الأطلسي؟ هنا تكمن المفارقة التي كان المفكرين التقدميين كسمير امين يخشاها: تحويل الدين إلى غطاءٍ للمشاريع الجيوسياسية.

أردوغان، الذي بدأ كظاهرةٍ وطنية محافظة، تحوّل بالتدريج إلى شريكٍ في لعبةٍ كبرى تتجاوزه. دوره في سورية لم يكن خلاصاً للمسلمين المضطهدين، بل كان جزءاً من إستراتيجية أعمق لإعادة رسم حدود النفوذ، واحتواء إيران، وخدمة الرؤية الأمريكية للإقليم. "المقازل" كمرادف سياسي للمقاول هنا ليست مجرّد أدوات حفر، بل هي استعارةٌ عن الحفر في جسد الأمة تحت ذرائع دينية وأخلاقية.

سورية – مختبر النظريات الهيكلية

خراب سورية اليوم ليس حادثاً عابراً، بل هو النتيجة المتوقعة للنموذج الذي حذّر منه هيكل: تحالف القوى الهامشية (قطر، تركيا، جماعات الإسلام السياسي) في خدمة إستراتيجيات القوى الكبرى (الولايات المتحدة وحلفاؤها). سورية أصبحت النموذج العملي لـ"التبادل اللامتكافئ" على مستوى الدول: تدمير دولة وطنية مقابل تعزيز نفوذ قوى إقليمية تابعة.

هذا الدمار لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تحالف غير مقدس بين:

1. رأس المال الطفيلي الريعي (القطري)
2. الإسلام السياسي الصهيوني الوهابي المؤدلج (الإخوان وحلفاؤهم داعش والقاعدة )
3. القومية التوسعية المُقنعة بدوافع دينية (التركية)
4. المصالح الغربية في إضعاف محور الممانعة

هيكل بين التحليل والتنبؤ

كان هيكل يرى أن السلام مع إسرائيل وصفة للخراب. لكن النموذج السوري يظهر أن الحرب بالوكالة وصفةٌ للخراب أيضاً، عندما تكون أداةً لمشاريع خارجية. الفرق أن السلام ينتج خراباً بطيئاً عبر التبعية الاقتصادية والثقافية، بينما تنتج الحربُ بالوكالة خراباً سريعاً عبر الدمار المادي والتمزيق الاجتماعي.

في سورية، تحققت نبوءة هيكل ولكن بصورة معكوسة: لم يكن الخراب نتيجة للسلام مع العدو الصهيوني، بل نتيجة للحرب المُدعومة من حلفاءٍ ظاهريين. لكن النتيجة واحدة: دولةٌ محطمة، وشعبٌ مشتت، وثرواتٌ منهوبة.

من فائض القيمة إلى فائض الدمار

إذا كان سمير أمين قد طور نظرية فائض القيمة على المستوى العالمي، فإن النموذج السوري يقدم نظرية "فائض الدمار": كيف تتحول الدول الهشة إلى مسارح لتصفية الحسابات الدولية، حيث يُصدَّر الدمار إليها كما تُصدَّر السلع، مقابل مكاسب سياسية واقتصادية للقوى الفاعلة.

الأموال القطرية التي مولت الحرب، والمقاولات التركية الايتعمارية التي حفرت في الأرض السورية، كلها استثمارات في سوق الدمار. والعائد ليس مالياً فحسب، بل جيوسياسياً: إضعاف الخصوم، وتعزيز النفوذ، وإعادة رسم الخرائط.

الإعلام كسلاح – من التحليل إلى التصنيع

كان هيكل صحفياً يؤمن بدور الإعلام في التحليل والتفسير. لكن النموذج الذي خرج من تحت عباءته (الجزيرة) تحول إلى آلة لتصنيع الروايات بدلاً من تحليلها. في الحرب السورية، أصبح الإعلام جزءاً من ترسانة السلاح، يصنع الوقائع قبل أن يرويها، ويخلق الحقائق بدلاً من بحثها.

هذا التحول من "الإعلام كمرآة" إلى "الإعلام كخالق للواقع" هو أحد أخطر التطورات التي شهدها العصر. لقد مات هيكل الصحفي، ولكن نموذج "هيكل-الجزيرة" ما يزال حياً، لكنه تحول من نموذج للمعرفة إلى نموذج للهندسة الاجتماعية.

العرب بين مطرقة المحميات وسندان المقاول

اليوم، يواجه العالم العربي خياراتٍ صعبة بين نماذج الهيمنة المختلفة. من جهة، "محميات" النفط التي تشتري الولاءات وتصدر الأيديولوجيات الاستعماري لفرق تسد . ومن جهة أخرى، "مقاولات" القوى الإقليمية الطامعة التي تحفر في جسد الأمة تحت شعاراتٍ براقة.

سورية ليست حالة استثنائية، بل هي نموذجٌ قد يتكرر. لبنان يعاني من نموذج مشابه، واليمن يقدم نموذجاً آخر، وليبيا ثالثاً. القاسم المشترك هو تحالف القوى الهامشية (محميات ومقاولات تركية اطلسية ) لتحقيق أهداف القوى الاستعمارية الغربية الكبرى.

هيكل وما بعد الهيكل

الآن، بعد موت هيكل، نحن أمام سؤالٍ مصيري: هل نموذج التحليل الذي قدمه كافٍ لفهم تعقيدات المرحلة؟ الواقع السوري يقول: لا. نحن بحاجة إلى أدوات تحليلية أكثر حدّة، تأخذ في الاعتبار:

1. تحول رأس المال إلى قوةٍ عسكرية غير مباشرة
2. تحول الدين إلى أيديولوجيا توسعية
3. تحول الإعلام إلى سلاحٍ في حرب الهويات
4. تحول الدول الوطنية إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات الدولية

من التاريخ إلى المصير

رحل هيكل، ولكن أسئلته ما تزال حية. النموذج السوري يثبت صحة مخاوفه من تحالف القوى الهامشية في خدمة المشاريع الكبرى، ولكنه يضيف بعداً جديداً: أن هذه القوى الهامشية لم تعد مجرد أدواتٍ سلبية، بل أصبحت فاعلاً مستقلاً له مصالحه الخاصة، يتقاطع مع مصالح القوى الكبرى حيناً، وينفصل عنها حيناً آخر.

المهمة اليوم ليست مجرد تحليل الواقع، بل تحريره من النماذج الجاهزة. نماذج "المحميات" و"المقاولات التركية للسي اي ايه " ليست قدراً محتوماً، بل هي صناعة بشرية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها. لكن هذا يتطلب شجاعةً فكرية تفوق شجاعة هيكل، لأنها تتطلب نقد الذات قبل نقد الآخر، ونقد الحليف قبل نقد العدو.

هيكل مات، لكن المعركة الفكرية التي بدأها ما تزال مستمرة. والمعركة الحقيقية ليست حول من يملك تفسير الماضي، بل من يصنع المستقبل. والسؤال الذي يطرحه النموذج السوري هو: هل يمكن بناء مستقبلٍ عربي خارج نماذج المحميات الخليجية والمقاولات التركية ؟ الإجابة ليست عند هيكل، بل عند الأحياء الذين يقرأون تراثه لا ككتابٍ مغلق، بل كنقطة انطلاق لأسئلة جديدة في زمنٍ جديد.


……..


المادة الساخرة :


تقديم: كوميديا التراجيديا... أو عندما يصبح الظل أطول من صاحبه

أقدم لكم بين يديكم محاولة لفك الضحك – أو ما تبقى منه – من قبضة الدم. نحن هنا لا نتحدث عن "سخرية" بالمعنى الهش، بل عن ذلك النوع من الكوميديا السوداء الثقيلة التي تطفو على سطح بحر من التناقضات، كالزبد، ولكن زبداً قاتلاً. إنها كوميديا المشاهد الذي يجد نفسه فجأة داخل المسرحية، غير قادر على تمييز الممثلين من الجمهور، أو البطل من الشرير، أو النهاية السعيدة من الكارثة. المسرح هو عالمنا العربي، والنص مكتوب بلغات متعددة: لغة الريال، ولغة الدولار، ولغة الجنيه الاسترليني، ولغة "الأخوة" التي تذوب كالملح في مياه الخليج الدافئة.

ومحور هذه المهزلة – أو المأساة – هو "الظل". ظل راحل ترك بصمة لا تمحى: محمد حسنين هيكل. لكننا لسنا في استعراض لتراث الرجل، بل في مشاهدة كيف تحول هذا التراث نفسه إلى ديكور في مسرحية أكبر، وكيف استُخدم اسمه و"مدرسته" و"منهجه" كطعمٍ لاصطياد العقول، بينما تُنفذ على الأرض خططٌ كان هو – ربما – أول من حذر من شبيهاتها، لكن بأسماء وشعارات جديدة.

اللاعبون الجدد على هذا المسرح المشؤوم يرفعون نفس الشعارات القديمة: التحرير، الصحوة، الأمة، المقاومة! ولكن بلهجاتٍ غريبة: لهجة الدوحة الممزوجة بلغة واشنطن السياسية، ولهجة إسطنبول العثمانية المطعمة بلغة حلف الناتو العسكرية. إنهم "محميات" الخليج الواهية التي تتصرف كإمبراطوريات، و"مقاولو" الأناضول الذين يحفرون في جيرانهم كما يحفرون في الأرض، وكلاهما يزعم أنه يحمل مشروعاً "تحررياً" بينما يحمل في جيبه الخلفي عقداً مع الشيطان الأمريكي الأكبر والشيطان الصهيوني الأصغر .

هذه المادة تحاول، بعينٍ لا تخلو من دموع مختنقة بالضحك، تتبع خيوط هذه اللعبة. كيف تحول الإعلام من "سلطة رابعة" إلى "سلطة استعمارية رابعة"؟ كيف صار "الدين" غطاءً لعمليات النهب الجيوسياسي؟ وكيف أصبح "الظل" – ظل هيكل وغيره – سلعةً في سوق النخاسة الفكرية؟

فلنبدأ الجولة. واحذروا من الانزلاق على زبد الكلام.


الولادة الثانية للجزيرة... في حاضنة الـ CIA

(مشهد: غرفة عمليات، ليست في الدوحة، بل في لانغلي، فرجينيا. على الشاشة: شعار الجزيرة. خبير استراتيجي أمريكي يتكلم بصوت متهدج من الفرح)

الخبير: "سادة، لقد وجدناها! السلاح السري! ليس الصاروخ الخارق، ولا الطائرة الشبح... إنها الكاميرا! نعم، الكاميرا والمذيع الذي يتكلم بلغة هيكل! لقد استغرقنا سنوات لفهم معادلة الهيمنة في القرن الحادي والعشرين. لم تعد تكفي القاعدة العسكرية (العديد، إنجرليك، السيلية). نحتاج إلى قاعدة إعلامية ! قاعدة تنشر الحرية بقنابل الدعاية، بدلاً من نشر الديمقراطية بقنابل TNT".

(يدخل مستشار متهكم)

المستشار: "لكن سيدي، العرب ليسوا بلهاء إلى هذه الدرجة".

الخبير: (يضحك بشماتة) "بالطبع لا! ولهذا لن نرسل لهم سي إن إن بلغة عربية فصيحة. هذا مكشوف. سنخلق لهم جزيرتهم الخاصة. سنعطيهم هيكلهم الخاص! مذيعاً جاداً، يربط ربطة العنق بإحكام، يتكلم عن الكبار و المصالح و اللعبة الدولية ، تماماً كما كان يفعل الراحل. لكن مع اختلاف بسيط: الإطار. إطار التمرد و الأصوات المهمشة و الربيع . سنبيع لهم ثورتهم نحن! وبأقساط شهرية من الإعلانات وبرامج التوك شو".

المستشار: "عبقري! ولكن من سيمول هذا المشروع الضخم؟ نحن في أزمة مالية".

الخبير: (يومئ بذهول) "يا صديقي! أين عقلك؟ المحميات ! تلك الإمارات النفطية الصغيرة التي تخاف على عروشها من جارتها الكبيرة (ويقصد بذلك إيران بالتأكيد). سندفعهم هم للتمويل! سنخوفهم بشيعة، وبعرب، وبأفكار! وسنخبرهم أن هذه القناة هي درعهم الناعم، وسيفهم اللين. سيدفعون هم الثمن، ونحن نوجه المحتوى. ستكون محمية إعلامية بتمويل محلي، وتوجيه مركزي (يعني نحن). مثل فرانشايز! ماكدونالدز الحرية والديمقراطية".

(يبدأ الجميع بالتصفيق. على الشاشة، تظهر خريطة العالم العربي تتشكل عليها شعارات قنوات: "الجزيرة"، "العربية"، "الحدث"... كعلامات تجارية لمنتج واحد).


أردوغان... من بائع البسطار والبطيخ إلى "مقاول" الإمبراطورية

(مشهد: مكتب فخم في أنقرة. على الحائط صورة لأتاتورك، ولكنها مائلة قليلاً. أردوغان يتصفح كتالوهاً ضخماً بعنوان: "مشاريع مقاولات القرن العثماني الجديد". مساعد يقف بجانبه)

أردوغان: (بلهجة مقاول بناء) "يا أخي، انظر إلى هذه الفرص! سوريا... جدار فاصل بين الأخوة الجيدين و الأخوة الأقل جودة . ليبيا... مشروع إسكاني ضخم على البحر المتوسط. العراق... طريق سريع يربط الأناضول بالخليج، وربما نمر من فوق بعض القرى الكردية، لا بأس. العمل كثير!"

المساعد: "لكن سيدي الرئيس، هذا يحتاج إلى جيوش، وليس عمال بناء فقط".

أردوغان: (يغمز) "ومن قال إننا لا نملك جيشاً؟ جيش الناتو! أنا ما عنديش عقد مع الناتو؟ أنا المقاول الرئيسي للمشروع الإقليمي. هم يريدون إعادة رسم الخرائط، نحن نريد استعادة المجد. التقاء المصالح! أنا مقاول الباطن للسي آي إيه في المنطقة. أعطيهم خدمة إدارة الفوضى بدقة عثمانية. هم يقدمون الغطاء الجوي (أحياناً)، والمعلومات، والإذن الدولي. وأنا أقدم الأرضي و الدم و... الخطابات الحماسية من على منابر المساجد".

المساعد: "خطير! وماذا عن الشعارات الإسلامية؟"

أردوغان: (يمسك بيده مطرقة ومسامير وهمية) "أساسات المشروع! الخرسانة المسلحة لأي بناء سياسي في الشرق الأوسط هي الدمغة الإسلامية . بدونها، البناء هش. أنا أخلط الإسمنت العثماني بالرمل الوهابي (القطري) والمياه الأمريكية، وأبني به جدار الفصل الجديد. ويا ريت، لو يصير في سوريا كانتون صغير نسميه ولاية حلب العثمانية... حلم العمر!"

(يبدأ بالغناء بلغة تركية قديمة بينما على الشاشة تظهر صور لدبابات تركية في إدلب، وفي الخلفية شعارات للإخوان المسلمين).


هيكل في علبة السردين الفكرية – عملية التغليف والبيع

(مشهد: سوق النخاسة الفكرية في الدوحة. على المنصة: تمثال شمعي لهيكل. بائع منبهر يتكلم)

البائع: "سادتي الكرام! تشرفونا! اليوم معنا تحفة فريدة: النموذج الهيكلي المُعلّب ! نقدم لكم فكر الراحل، ولكن مُهذَّباً، مُصفَّى، وخالياً من الشوائب الخطيرة مثل الوطنية المصرية الضيقة أو النقد المباشر للمال الخليجي ! لقد أزلنا كل ما يعكّر صفو علاقتنا مع الممولين الكرام ".

زبون: (من الجمهور) "ماذا بقي منه؟"

البائع: "بقي الأسلوب! الرنة الصوتية! الجمل المعقدة! الإحالة إلى الكبار ! وبتفضل، نضيف لها لمسات عصرية: دمقرطة الخطاب ، تمكين المجتمع المدني ، محاربة الاستبداد ! نفس العبوات القديمة، بس بوسترات جديدة. احنا ما بنبيعش فكر، بنبيع شكل الفكر. زي علبة السردين الفاخرة، الشكل تحفة، والجوهر... ملح وزيت. ولكن المهم أن المذيع يقولها وهو يرفع حاجبه كأنه يعرف سر الكون!"

زبون آخر: "وهل يصمد هذا النموذج أمام اختبار سوريا؟"

البائع: (يخفض صوته) "أخي الكريم! النموذج الهيكلي الأصلي كان يقول: احذر أن تكون أداة في يد القوى الكبرى. نموذجنا المُحسَّن يقول: يمكنك أن تكون أداة ناجحة ومربحة، طالما ترفع شعار الحرية ! الفرق شعاراتي بحت! في سوريا، النموذج المحسن يعمل بنجاح: قناة تموّلها محمية ، تدعم ثواراً يوجههم مقاول إقليمي، كلهم في خدمة مشروع الشراكة الأمريكية للشرق الأوسط الكبير . وهيكل – النسخة الأصلية – كان سيقول: هذه هي الصفقة ذاتها التي حذرت منها، ولكن بأسماء جديدة. ونحن نقول: بالضبط! ولكننا نبيعها على أنها البديل الثوري ! الكوميديا تكمن في أن الجميع يعرف الحقيقة، ولكن الجميع يتظاهر بأن هذه اللعبة الدولية هي معركة المصير ".

(يصفق الجمهور. يُباع التمثال الشمعي لقناة إخبارية ناشئة).


سوريا – ستوديو التصوير المفتوح لأكبر فيلم كوارث (من إنتاج مشترك)

(مشهد: لوحة تحكم عملاقة كتب عليها: إنتاج سوريا: الفوضى الخلاقة . يجلس حولها: منتج أمريكي (يمثل الإدارة الأمريكية)، مخرج قطري (يمثل المال)، مقاول تركي (يمثل التنفيذ الأرضي)، وممثلون من فريق العمل السوري (جماعات مسلحة متنوعة). الجميع يتشاجر على نص الربع ساعة الأخير).

المنتج الأمريكي: "السادة! الفيلم يجب أن يخدم فكرة النموذج البديل . إسقاط النظام، وإقامة... شيء ما. المهم هو المشاهد التدميرية المؤثرة".

المخرج القطري: "أنا موافق، ولكن بشرط أن البطل الرئيسي (ويشير إلى جماعة الإخوان) يكون له المشهد الأكبر في النهاية. وأنا مستعد أدفع أكثر لمشاهد السيطرة على القصر الجمهوري ".

المقاول التركي: "طيب، وأنا؟ أنا اللي بعت الجيش والدبابات والمخبرين! بدي يكون في مشهد العودة إلى حلب كولاية عثمانية. وبدي دخول تجاري حر لشركاتي في كل المحافظات!"

فريق العمل السوري (يتشاجرون داخلياً):

· ممثل 1 (يمثل جبهة النصرة): "أنا ما بدي تمثيل! أنا الحقيقة! بدي أدخل مشاهد تطبيق الشريعة من أول الفيلم!"
· ممثل 2 (يمثل الجيش الحر السابق): "إحنا كنا النجوم في الجزء الأول! وين حقوقنا؟"
· ممثل 3 (يمتنع عن الكلام، يمثل الأكراد، لكنه يرسم حدوداً على خريطة صغيرة).

المنتج الأمريكي: (يصرخ) "كفى! السيناريو واضح. نحن نصور ثورة شعبية ضد ديكتاتور . هذا هو النص. التفاصيل الفقهية والحدود تأتي لاحقاً... أو لا تأتي أبداً. المهم أن التصوير يستمر. المشاهد العنيفة ترفع السقف! والجمهور العالمي (ويقصد المشاهدين في الغرب) يجب أن يظل مقتنعاً أننا نصور فيلماً وثائقياً، وليس فيلماً روائياً!"

المخرج القطري: "والإعلام؟"
المنتج الأمريكي: "مشغول! لدينا قواعدنا الإعلامية (يقصد القنوات) التي ستقطع المشاهد وتركبها كما نريد. ستظهر شجاعة ثوار الناتو و وحشية النظام . ولن تظهر أبداً اجتماعنا هذا. هذه هي الحرفة!"

(يبدأ التصوير. خارج الاستوديو، الشعب السوري هو "الكومبارس" الذي يدفع ثمن تذكرة دخول العرض، وثمن الفيلم نفسه، وثمن الدم والدمار).


اللغة الجديدة – معجم الهيمنة الطري

(مشهد: ورشة لصناعة المصطلحات. لغويون يخلطون الكلمات في خلاط كبير).

لجنة المصطلحات:

· "المحمية": كانت تعني أرضاً تحت الحماية. أصبحت تعني: "بنك تمويل الثورات المضادة (حسب المزاج)".
· "المقاول": كان يعمل في البناء. أصبح: "مهندس الدمار العابر للحدود، المتخصص في حفر قبور الدول تحت شعارات دينية أو قومية".
· "القاعدة الإعلامية": ليست مكاناً لطائرات، بل لمذيعين. مهمتها: "قصف الوعي، وإنزال مظلات من الشك على فكرة الدولة الوطنية، وإطلاق صواريخ التضليل نحو الجمهور".
· "الربيع العربي": لم يعد موسماً، بل أصبح "علامة تجارية مسجلة" لفرنشايز الفوضى، يُطبق حسب الوصفة الأمريكية-الخليجية-التركية.
· "الأخوة": مصطلح ديني عاطفي، تم تحويله إلى "عقود شراكة استراتيجية مؤقتة، قابلة للإلغاء عند أول خلاف على تقاسم الغنائم".
· "العدو الصهيوني": لا يزال هو العدو، ولكن! أصبح من المسموح التعاون معه (سراً أو علناً) ضد عدوٍ آخر اسمه "محور الممانعة"، وفق اتفاقية "عدو عدوي صديقي، حتى إشعار آخر".
· "الراحل هيكل": لم يعد مؤرخاً، بل "شعاراً" يُرفع لتلميع الذوات، و "غطاءً" يُستخدم لتبرير الخيارات، و "ظلاً" يُستدعى عندما نحتاج إلى لمحة مصداقية، ثم يُطوى عندما يعيق العمل.

(الخلاط يدور بسرعة، تخرج منه مصطلحات لزجة تلتصق بالعقل وتشل القدرة على النقد).


استمرارية النماذج – من حلقات هيكل إلى "تويتر" الشيخ تميم

(مشهد: مقارنة بين مشهدين عبر الزمن).

المشهد الأول (التاريخي): هيكل جالس في مكتبه بجريدة الأهرام، يكتب مقال "بصراحة". يتحدث عن تورط أمريكا في فيتنام، أو عن لعبة الكبار. الخطاب موجه للنخبة العربية، بلهجة الأب الحكيم، أحياناً المتواطئ، ولكن ضمن إطار مشروع "الاستقلال الوطني" و "اللعبة الدولية".

المشهد الثاني (الحالي): شيخ دولة "محمية" (قطر) يكتب تغريدة على تويتر. 280 حرفاً. يمدح فيها "ثوار" سوريا، أو يهاجم "الحصار" المفروض على بلاده. الخطاب موجه للشارع العربي مباشرة، بلغة عاطفية شعبوية. لا تحليل معقد، فقط شحن عاطفي. لكن خلف هذه التغريدة: تمويل بمليارات الدولارات لقنوات إعلامية وأجنحة عسكرية وجماعات سياسية تنفذ سياسة دولة كبرى.

المفارقة الكوميدية: الخطاب "الهيكلي" (المعقد، التحليلي، الذي يحذر من التبعية) تم اختزاله واستغلال شكله من قبل من هم في جوهرهم أدوات للتبعية. لقد مات هيكل الجسد، وتم اختطاف "هيكل الرمز" ليكون دمية في يد من كان ليحذّر منهم لو كان حياً.


العرب – بين حنين الماضي وفخ المستقبل

المشاهد العربي اليوم، منهك. يرى "قواعد إعلامية" (قنوات) تقصفه ليل نهار بنماذج جاهزة: إما "نموذج المحمية الديمقراطي الزائف" (الذي يسبح في المال وينكر السياسة)، أو "نموذج المقاول الإمبراطوري الوهمي" (الذي يتحدث عن الأمجاد ويسير في ركاب الناتو).

في الماضي، كانت الهيمنة تأتي بالدبابات والغزو المباشر. اليوم، تأتي ببزّة المذيع الجذاب، وبخطاب "الأخوة" الدافئ، وبتمويل "المشاريع الثورية". إنها هيمنة "البيجاما" – مريحة، ناعمة، وتدخل بيتك كل يوم عبر الشاشة.

العربي المحاصر بين هذين النموذجين يسأل: أين الخيار الثالث؟ أين نموذج الدولة الوطنية المستقلة القادرة على الفعل لا رد الفعل؟ الإجابة – في الكوميديا السوداء – هي: ذلك النموذج هو البطل السلبي في المسرحية. موجود، لكنه مُحاصر، مُشوّه السمعة، يُصور على أنه "ديكتاتورية" أو "نظام فاشل"، بينما من يحاصرونه هم من يسرقون ثرواته ويدمرون نسيجه تحت أنظار العالم.

…..

دعوة للضحك... كي لا نبكي

سادة القوم،
هذه هي الصورة: محميات تتصرف كإمبراطوريات، و مقاولون يتصرفون كقادة تحرير، و قواعد إعلامية تطلق نيرانها من استوديوهات مكيفة، و ظل راحل يتم استدعاؤه كشاهد زور في محاكمة التاريخ.

في مواجهة هذه المهزلة الكونية، ليس لدينا سوى سلاح واحد: الضحك. الضحك على التناقض الصارخ، على الادعاء الفاضح، على بيع الوهم في علب مذهبة. الضحك كي لا نُصاب بالجنون، وكي نستمر في رؤية الحقيقة خلف الدخان.

لقد مات هيكل، وظله يُساء استخدامه. ولكن الأمل – إن وجد – لا يكمن في استعادة الظل، بل في إشعال نور جديد. نور لا يأتي من "محمية" ولا من "مقاول"، بل من إرادة الشعوب التي تبدأ – ربما – بالضحك على من يسرقون تاريخها ويستعمرون مستقبلها بأدوات جديدة... لكن بنفس النوايا القديمة.

فليضحك من يستطيع. فربما تكون تلك هي البداية الحقيقية للمقاومة.

……



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
- كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج ...
- الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا ...
- سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا ...
- إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
- خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
- من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
- نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري ...
- نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
- كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
- الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات ...
- كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش ...
- كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
- سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
- طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر ...


المزيد.....




- المنفي يأسف لمقتل سيف الإسلام ويُحذّر من ضرب جهود المصالحة
- المجلس الرئاسي الليبي ينعى سيف الإسلام القذافي: الدم الليبي ...
- تسليم جثمان سيف الإسلام القذافي إلى قبيلته في الزنتان تمهيدا ...
- -فرقة كوماندوز- قتلت سيف الإسلام القذافي
- اغتيال سيف الإسلام القذافي في الزنتان والنائب العام الليبي ي ...
- ما دوافع عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي وكيف نفسر توقيتها؟ ...
- ليبيا.. غموض يلف مقتل سيف الإسلام القذافي
- مقتل سيف الإسلام القذافي على يد مسلحين.. ماذا نعرف عنه وعن د ...
- كوماندوز وتعطيل كاميرات ورصاص.. كيف قُتل سيف الإسلام القذافي ...
- النائب العام الليبي يعلن بدء التحقيق باغتيال سيف الإسلام الق ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - احمد صالح سلوم - محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج