أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - احمد صالح سلوم - كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الجذرية-















المزيد.....



كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الجذرية-


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 17:15
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


1. كلمة شكر

إلى كل من يجرؤ على طرح الأسئلة المحرجة،
إلى كل من يرفض أن يكون صدى لأصوات الآخرين،
إلى كل من يؤمن بأن الفهم بداية التحرر.

2. إهداء

إلى شعوب الجنوب العالمي التي تدفع ثمن أزمات لم تصنعها،
وإلى كل من يحملون الأمل في إمكانية عالم أكثر عدلاً.


تمهيد :

عندما تترنح العمالقة: دعوة لفهم عالمنا المعاصر

هذا الكتاب هو رحلة فكرية عبر طبقات النظام العالمي المعاصر، من سطحه الإعلامي اللامع إلى أعماقه الاقتصادية المظلمة، من تحالفاته السياسية الظاهرة إلى صراعاته الجيوسياسية الخفية.

نعيش لحظة تاريخية فريدة: نظام عالمي يستنفد طاقته التاريخية بينما تتصارع أجنة أنظمة جديدة على أنقاضه. في هذه اللحظة الانتقالية الخطيرة، تصير الحاجة إلى الفهم النقدي ضرورة وجودية، ليس فقط للمتخصصين، بل لكل مواطن يريد أن يفهم العالم الذي يعيش فيه.

الكتاب لا يقدم إجابات جاهزة، بل يقدم أدوات تحليلية لفهم:

· كيف تُصنع "الحقيقة" في وسائل الإعلام-الشركات؟
· لماذا تترنح الهيمنة الأمريكية رغم قوتها العسكرية المطلقة؟
· كيف تطور الدول استراتيجيات للسيادة في عالم مترابط؟
· ما مستقبل النظام العالمي في ظل صعود تعددية الأقطاب؟

هذه الصفحات هي دعوة للتفكير النقدي، للشك في المسلمات، للبحث عن البدائل. لأن فهم العالم هو الخطوة الأولى نحو تغييره. وفي زمن التحولات الكبرى، يكون الجهل هو الخطر الأكبر.

هذا الكتاب موجه إلى:

· كل من يسأل عن أسباب الأزمات المتلاحقة في عالمنا
· صانعي السياسات في الدول النامية والمتوسطة
· الباحثين والطلاب في العلوم السياسية والاقتصاد
· المواطن الواعي الذي يرفض أن يكون مجرد متلقٍ سلبي للأخبار
· كل من يؤمن بأن مستقبلنا لا يجب أن يكون تكراراً لماضينا

فلنبدأ الرحلة.


مقدمة الكتاب

عندما تترنح العمالقة: قراءة في تشريح نظام عالمي يحتضر


البداية من الانهيار

ثمانٍ وأربعون ساعة فقط كانت كافية لتتبخّر ثروةٌ تزيد على اثني عشر تريليون دولار.رقمٌ مجردٌ يخفي وراءه زلزالاً هزّ عروش الاقتصاد العالمي، ليس مجرد تموجات في بحيرة الأسواق، بل تسونامي اجتاح قارات المال من وول ستريت إلى طوكيو، من لندن إلى شنغهاي. كان الانهيار متزامناً: الذهب، الفضة، البلاتين، الأسهم - كأنما انهارت قوانين الجاذبية المالية نفسها.

لكن هذه الصدمة المفاجئة لم تكن سوى العَرَض الأكثر عنفاً لمرضٍ بنيويٍ مزمن. إنها اللحظة التي انكسر فيها الصمت الإحصائي، وانفلتت الأرقام من قيود الجداول لتصرخ بحقيقة النظام العالمي: نحن أمام لحظة تاريخية يتداعى فيها نظام، وينتشل آخر أنفاسه بينما تتصارع أجنة نظم جديدة على أنقاضه.

هذا الكتاب ليس محاولة للتنبؤ بالمستقبل، بل هو محاولة لفهم الحاضر من خلال تشريح آليات الماضي التي أوصلتنا إلى هذا المنعطف الحرج. إنه رحلة إلى قلب الظاهرة الأكثر تعقيداً في عصرنا: تحول هيمنة القوى العظمى من بناء النظام إلى إدارة الفوضى.


من الهيمنة إلى الفوضى المنظمة

لقرون، بنت الإمبراطوريات أنظمةً: قوانين تجارية، تحالفات سياسية، شبكات اتصال، وأطراً ثقافية تُسهّل هيمنتها وتُخلّدها. كانت السيطرة تعني القدرة على التنظيم. أما اليوم، فباتت تعني القدرة على التفتيت.

هذه المفارقة الجوهرية تشكل الناظم المركزي لفهم عالمنا المعاصر: لقد تحولت القوى المهيمنة من بناةٍ للنظام إلى مهندسين للفوضى. عندما تعجز عن قيادة القطار، تفضل تفجير السكك كي لا يسبقها أحد. هذه الاستراتيجية الجديدة - إدارة الانهيار بدلاً من قيادة الصعود - هي العنوان العريض لمرحلة الانتقال الحالية.

ولكن، كما في كل لحظة تحول تاريخي كبرى، تظهر من بين الأنقاض بذور مقاومة، ومشاريع سيادة، ومحاولات جريئة لـ "فك الارتباط" عن دوائر الهيمنة التقليدية. من بكين إلى موسكو، من طهران إلى كاراكاس، تختبر دول وشعوب طرقاً جديدة للوجود في عالم لم يعد يحتمل التبعية القديمة.



ثلاثية التشريح: الهيمنة، الأزمة، الانزياح

يقوم هذا الكتاب على ثلاث دعامات تحليلية متداخلة:

الأولى: تشريح أجهزة الهيمنة - كيف تنتج القوى المهيمنة "واقعها" وتصدره للعالم؟ هنا ننقب عن الآليات الإيديولوجية والثقافية والإعلامية التي تحوّل المصالح الضيقة إلى "حقائق كونية"، والعدوان الاقتصادي إلى "ضرورة تاريخية"، والسيطرة إلى "خدمة للبشرية".

الثانية: تشخيص الأزمة البنيوية - لماذا لم تعد الآليات التقليدية للهيمنة تعمل؟ نبحث في تناقضات النموذج النيوليبرالي، انفجار المديونية، تآكل الشرعية، وتفكك التحالفات التقليدية. الأزمة ليست مالية فحسب، بل هي أزمة نموذج حضاري بكامله.

الثالثة: تحليل استراتيجيات الانزياح - كيف ترد القوى الصاعدة والشعوب الرافضة للتبعية؟ ندرس نماذج "فك الارتباط" المختلفة: المخطط والقسري، الناجح والفاشل، الوطني والإقليمي.



المنهجية: بين التشريح والاستشراف

المنهج الذي نتبناه في هذه الصفحات يجمع بين:

التحليل النقدي الذي لا يقف عند وصف الظواهر بل يسأل: لمَن تعمل؟ مَن يربح؟ مَن يخسر؟ ومن يقرر قواعد اللعبة؟

المقارنة التاريخية التي ترى في الحاضر لحظة في مسار طويل، وتستخلص من الماضي لا تكراره بل فهم آليات التحول.

دراسة الحالات الملموسة من مختلف القارات، لأن النظرية المجردة تموت إذا لم تلامس واقع المجتمعات وتنوع تجاربها.

الاستشراف المسؤول الذي لا يدّعي التنبؤ بالمستقبل، بل يبني سيناريوهات محتملة على أساس الاتجاهات القائمة، كخريطة للمسافر في ظلام، لا تضمن الوصول لكنها تحذر من الهاويات.


رسالة في زمن الاضطراب

كتب عالم الاجتماع الكلاسيكي ماكس فيبر: "ليس منا من يستطيع رؤية التاريخ مستقبلاً كما نرى القطار آتياً في جدول المواعيد". هذا الكتاب لا يقدم جدول مواعيد القطارات التاريخية، بل يحاول فهم محطة القطارات العالمية التي وصلنا إليها: محطة تتعطل فيها الإشارات، وتتصادم فيها القطارات، وينزل فيها ركاب لم نكن نتوقعهم.

الكتاب موجه إلى كل من يسأل: كيف نفهم عالمنا اليوم؟ إلى صانع السياسة في عاصمة نامية يحاول حماية بلده من عواصف لم يصنعها. إلى الباحث الذي يبحث عن أدوات تحليل تتخطى الخطاب السائد. إلى القارئ الذي يتساءل لماذا تتصاعد التوترات بينما تتداعى الأحلام بالازدهار المشترك.

نختم هذه المقدمة بسؤال مركزي سيرافقنا عبر الفصول: هل نحن شهود على "نهاية التاريخ" كما روج البعض، أم على بداية تاريخ جديد، أكثر اضطراباً وأكثر إمكانية في الوقت نفسه؟

في الصفحات التالية، سنحاول معاً البحث عن إجابات.



الفصل الأول: صناعة الواقع - تشريح آليات الهيمنة الإدراكية


الواقع كمنتَج مصنَّع

ثمة سؤالٌ يبدو بسيطاً لكنه يحمل في طياته مفتاحَ فهم عصرنا: من يملك حق تعريف "الواقع"؟ من يقرر ما هو "الخبر" وما هو "الزيف"؟ ما هو "العادي" وما هو "المُستَبعَد"؟ ما هو "المقبول" وما هو "المُحرَّم"؟

في زمن يغرق فيه العالم بفيض المعلومات، يبدو الجواب البديهي: الواقع موجود هناك، مستقلٌ عنا، مهمتنا فقط نقله بدقة. لكن هذه الصورة الساذجة تخفي حقيقة أكثر تعقيداً: الواقع، في المجتمعات المعاصرة، ليس مادة خام تُستخرج بل منتجٌ يُصنَّع. وهو يُصنع في مصانع ضخمة، ليس لها مداخن مرئية، لكن تأثيرها يخترق كل مسام الحياة الحديثة.

هذه "المصانع" هي أجهزة الإعلام-الشركات العملاقة، مراكز الدراسات الاستراتيجية، مؤسسات الخبراء، ومنصات التواصل التي تديرها خوارزميات تعمل بمعايير الربح لا الحقيقة. نظامٌ معقدٌ تُنتَج فيه "الحقيقة" كما تُنتَج السلع في المصانع: وفق مواصفات محددة، بمواد مختارة، وتُسوَّق عبر قنوات مضمونة الوصول.



الانتقال من الرقابة إلى التوجيه

لقرون، كانت الرقابة تعني المنع: منع المعلومات، حجب الكتب، إسكات الأصوات. كانت سلبية في جوهرها: نحن نمنعك من الوصول إلى الفكرة. لكن الرأسمالية المتقدمة طوّرت شكلاً أكثر تطوراً وفعالية: الرقابة عبر الفيض.

الفكرة الجديدة بسيطة ومبهرة في آن: لا تمنع الناس من التفكير، بل وفّر لهم من الأفكار ما يلهيهم عن التفكير فيما يهم. لا تحجب المعلومات، بل أغرِقهم بكمٍ هائل منها حتى يعجزوا عن تمييز المهم من التافه، الجوهري من العابر.

هذا الانتقال من "رقابة الحجب" إلى "رقابة الفيض" يمثل نقلة نوعية في آليات السيطرة الاجتماعية. لم يعد الهمّ منع المعرفة، بل توجيه الانتباه. لم يعد المطلوب إخفاء الحقائق، بل تطويقها بأكاذيب أكثر جاذبية وإثارة.



اقتصاديات الانتباه: السلعة الأكثر ندرة

في عام 1971، كتب الخبير الاقتصادي هربرت سيمون تحذيراً رؤيوياً: "ثروة المعلومات تخلق فقراً في الانتباه". لم يكن يعلم كم سيكون تنبؤه دقيقاً. اليوم، الانتباه أصبح السلعة الأكثر ندرة في الاقتصاد العالمي.

كل اقتصاد يعمل على سلعة نادرة: الاقتصاد الصناعي يعمل على رأس المال، الاقتصاد الزراعي على الأرض، الاقتصاد المعرفي على المعلومات. أما اقتصادنا الحالي، فقلبه النابض هو اقتصاد الانتباه. النظام بأكمله – من الإعلانات إلى الأخبار، من وسائل التواصل إلى الترفيه – مصمم لالتقاط دقائق من انتباهنا، وبيعها لأعلى مزايد.

هنا تكمن المفارقة: في عالم يزعم أنه "مجتمع المعلومات"، تتحول المعلومات نفسها إلى مجرد طُعم لاصطياد الانتباه. الخبر لا يُنتج للإعلام بل للإثارة. التحليل لا يُكتب للفهم بل للتفاعل. الحقيقة لا تُعرض للاستنارة بل للاستقطاب.



الخبر كسلعة: معايير السوق بدل معايير الحقيقة

لنتأمل غرفة أخبار قناة إخبارية عالمية في لحظة اتخاذ القرار: أي خبر نختار؟ أي صورة نعرض؟ أي تعليق نستضيف؟

المعايير التقليدية للصحافة – الدقة، الموضوعية، الأهمية الاجتماعية – تتراجع أمام معايير جديدة: أي خبر يجذب أكبر عدد من المشاهدين؟ أي عنوان يولد تفاعلاً أكبر على وسائل التواصل؟ أي ضيف يثير جدلاً يرفع نسبة المشاهدة؟

النتيجة: تسويق القلق. إذا كان الخبر الحقيقي لا يثير، نصنع إثارة حوله. إذا كانت الحقائق مملة، نضيف دراما. إذا كان التحليل معقد، نختزله إلى شعار. عملية تحويل الخبر إلى سلعة تفرز منطقاً داخلياً: كل ما هو مهم يصبح مملاً، وكل ما هو ممتع يصبح تافهاً.

هذه الديناميكية لا تُنتج معلومات خاطئة فحسب، بل تنتج نظاماً معرفياً مشوهاً، حيث تتراجع القدرة على التمييز بين العمق والسطح، بين الجوهري والعرضي، بين التحليل والإثارة.



إطار العمل الإيديولوجي: صناعة "الطبيعي"

أكثر الآليات الإدراكية فعالية ليست الكذب الصريح، بل تأسيس "الإطار" الذي نفكر من خلاله. الإطار هو مجموعة الافتراضات غير المعلنة، المقولات المسلّم بها، والمفاهيم التي نعتبرها "طبيعية" دون مساءلة.

كيف يُصنع الإطار؟ عبر التكرار اليومي: "السوق يعرف أفضل"، "لا بديل عن الخصخصة"، "العولمة حتمية تاريخية"، "الديمقراطية الليبرالية نهاية التاريخ". هذه ليست أفكاراً تُناقش بل مسلمات تُكرَّر حتى تتحول إلى جزء من "الفطرة السليمة" للمجتمع.

الإعلام هنا لا ينقل الإيديولوجيا كعقيدة، بل كخلفية. لا يقول لك ما تفكر فيه، بل يحدد لك ما يمكن التفكير فيه. إنه يرسم حدود الممكن والخيالي، المعقول والمستحيل، الطبيعي والشاذ.

النتيجة: تضيّق الخيال السياسي. تختفي البدائل من الأفق ليس لأنها غير ممكنة، بل لأنها غير قابلة للتصوّر في الإطار المعرفي السائد.



الانتقائية: فن ما لا يُقال

في العام 2003، بينما كانت الدبابات الأمريكية تدخل بغداد، كانت شاشات العالم تغطي "الانتصار السريع" و"تحرير العراق". لكن قلّةٌ فقط تابعت التقارير عن تدمير المتاحف، نهب الأرشيف الوطني، وحرق المكتبات.

هذه ليست مؤامرة، بل انتقائية منهجية. الآلية الأكثر قوة في تشكيل الواقع هي ليس الكذب بل الإهمال، ليس التحريف بل الحذف، ليس التضليل بل الإغفال.

كل يوم، يقرر محررو الأخبار: ما الذي يستحق النشر؟ القرار لا يعتمد على الأهمية الموضوعية فقط، بل على: من أين جاء الخبر؟ (المصادر الرسمية أولوية)، من يهتم به؟ (الشريحة الديموغرافية "المربحة")، ما تأثيره على المعلنين؟ (لا شيء يزعج الشركات الكبرى).

هذه الانتقائية تخلق واقعاً مشلولاً، حيث تسيطر تفاصيل ثانوية على المشهد، بينما تختفي القضايا الجوهرية. إنها صناعة الجهل المنظم – ليس جهل الجهلاء، بل جهل المتعلمين الذين يعرفون الكثير عن القليل، والقليل عن الكثير.



صناعة "الآخر": من العداء إلى الاستئصال

عندما يريد النظام الهيمنة على الخارج، يطور آلية مختلفة: صناعة "العدو". هذه ليست مجرد دعاية حربية، بل عملية أنثروبولوجية معكوسة: تحويل البشر إلى أشباح، المجتمعات إلى تهديدات، الثقافات إلى أخطار.

النموذج يتكرر: صدام حسين (الطاغية المجنون)، معمر القذافي (الديكتاتور الغريب)، هوغو تشافيز (الزعيم الشعبوي الخطير). ليست مجرد انتقادات سياسية، بل بناء سردية شيطانية تحضّر الرأي العام لاستثناء هؤلاء وأمثالهم من دائرة الإنسانية، ومن ثمّ من دائرة الحماية الأخلاقية.

الأكثر خطورة هو صناعة "العدو الحضاري". عندما تتحول ثقافة بكاملها – الإسلام، الصين، روسيا – إلى "تهديد وجودي"، يصبح أي عدوان عليها "دفاعاً عن النفس"، أي تدخل "مسؤولية حماية"، أي حصار "وسيلة ضغط مشروعة".

هذه الآلية لا تخدم الحرب فحسب، بل تخدم الهيمنة الدائمة: طالما هناك عدو، هناك حاجة إلى القائد، إلى الحماية، إلى التضامن مع القوة المهيمنة ضد "الخطر المشترك".


الخبراء ككهنوت حديث

في زمن الشك، نبحث عن اليقين. وفي زمن التعقيد، نبحث عن البساطة. هنا يظهر دور الخبراء: كهنوت حديث يقدّم الوضوح في بحر الغموض، الإجابات في عالم الأسئلة.

لكن من يصبح "خبيراً"؟ غالباً: من خدم في المؤسسة (وزير سابق، جنرال متقاعد)، من يعمل في مراكز أبحاث ممولة من الشركات، من يكرر الحكمة السائدة ولا يهدّئ الاستقرار.

الخبير الحقيقي – الذي يطرح الأسئلة المحرجة، يكشف التناقضات، يقترح بدائل جذرية – نادراً ما يُدعى إلى الاستديو. وإذا دُعي، يُعامَل كـ "متطرف"، "مثالي"، أو "غير واقعي".

هذه الانتقائية تخلق دائرة مغلقة من المعرفة: الخبراء الذين يكررون السردية الرسمية يصنعون "الإجماع"، والإجماع يصنع السياسات، والسياسات تخلق وقائعاً جديدة "تثبت" صحة السردية الأصلية. دائرة مفرغة من التبرير الذاتي.



اقتصاد الإعلان: الرقابة الذاتية المبكرة

تخيّل اجتماع تحرير في قناة تلفزيونية كبرى. على الطاولة: تقرير عن آثار العولمة على العمال، تحقيق عن تلوث صناعي لشركة كبرى، تقرير عن بدائل اقتصادية للنيوليبرالية.

قبل مناقشة الجودة الصحفية، يُطرح سؤال مختلف: هل سيثير هذا غضب المعلنين؟ هل ستسحب شركة سيارات كبرى إعلاناتها؟ هل ستتذمر شبكة مطاعم عالمية؟

هذا هو الحاجز الأول والأقوى: ليس رقيب الحكومة، بل رقابة السوق. الرقابة لا تأتي من الخارج، بل تنبع من الداخل كـ "حسّ مهني" بحدود الممكن.

المحصلة: اقتصاد كامل من المواضيع المحرّمة. ليس عبر قرار رسمي، بل عبر حسابات الربحية. المواضيع التي تهدّد النظام الاقتصادي، تنتقد الشركات الكبرى، تقترح بدائل جذرية – تختفي ليس لأنها ممنوعة، بل لأنها غير مربحة.


المقاومة: ثقوب في جدار الواقع

لكن الصورة ليست سوداء بالكامل. عبر التاريخ، كل نظام هيمنة ولّد مقاومته الخاصة. اليوم، تظهر ثغرات في جدار الواقع المصنوع:

1. الإعلام البديل: من منصات رقمية مستقلة إلى شبكات تواصل شعبي، تظهر مساحات تخرج عن السيطرة الاحتكارية.
2. الوعي النقدي المتصاعد: مع كل أزمة، مع كل فضيحة، ينمو شكّ الجماهير بالرواية الرسمية.
3. انفجار التناقضات: عندما يصطدم الخطاب بالواقع – الوعي بالديمقراطية مع ممارسة الهيمنة، خطاب الحرية مع ممارسة السيطرة – يبدأ الجدار في التشقق.

الأهم: تطور أدوات التحليل النقدي. اليوم، يمكن لعامل في مصنع، لطالب في جامعة، لمواطن عادي – أن يمتلك أدوات لفك شيفرة الخطاب الإعلامي، كشف المصالح الكامنة، وقراءة ما بين السطور.



من الفرد إلى النظام: تحول في مستوى التحليل

الخطأ الشائع هو تفسير هذه الظواهر بـ نظرية المؤامرة: أن مجموعة صغيرة تجلس في غرفة مظلمة وتخطط لكل شيء. هذا التفسير يبسّط الواقع ويعطينا وهم الفهم.

الحقيقة أكثر تعقيداً: لا نحتاج إلى مؤامرة عندما يكون النظام مُصمَّماً ليعمل تلقائياً لصالح مصالح معينة. المحرّر الذي يختار خبراً على آخر، المذيع الذي يصوغ سؤالاً بطريقة معينة، المعلن الذي يسحب إعلانه – كلهم لا ينفذون أوامر، بل يستجيبون لمنطق النظام.

إنه تنسيق بدون منسِّق، توجيه بدون موجه. مثل سرب الطيور الذي يتحرك بتناسق دون قائد: قواعد بسيطة في المستوى الفردي تنتظم سلوكاً معقداً في المستوى الجمعي.

فهم هذه الديناميكية يحررنا من البحث عن "الأشرار" لنركز على تفكيك النظام. ليست مسألة أشخاص طيبين مقابل أشرار، بل هياكل تحوّل السلوك البشري باتجاهات معينة.


نحو وعي تأويلي

نختم هذا الفصل بنقطة مركزية: في عالم يُصنَع فيه الواقع، تصبح القراءة النقدية مهارة بقاء. ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية.

الوعي التأويلي يعني: لا تأخذ الخبر كحدث بل كنتاج. لا تقرأ العنوان بل السياق. لا تتبع الحدث بل المسار. لا تنظر إلى ما قيل بل إلى ما لم يُقل.

هذه المهارة تبدأ بثلاث أسئلة بسيطة أمام أي خبر، أي تحليل، أي خطاب:

1. من يقول؟ (مصالح الناقل)
2. لماذا الآن؟ (توقيت النقل)
3. ماذا بعد؟ (الهدف من النقل)

الخطوة التالية هي إعادة بناء السياق: الخبر ليس جزيرة معزولة، بل حلقة في سلسلة، لحظة في مسار. فهمه يحتاج إلى رؤية ما قبله وما بعده.

في الفصول التالية، سننتقل من تشريح آليات الهيمنة الإدراكية إلى تحليل الأزمة البنيوية للنظام العالمي. سنرى كيف أن هذه الآليات – رغم تطورها – لم تعد كافية لإخفاء التناقضات الهيكلية التي تهدد النظام بأكمله.

لكن قبل ذلك، تذكّر: أول انتصارات الوعي هو رفض أن تكون مستهلكاً سلبياً للواقع المصنوع، والبدء في أن تكون منتجاً نشطاً لفهمك الخاص للعالم.


……

الفصل الثاني (كيف تخلق وسائل الإعلام-الشركات الإجماع السياسي والثقافي)؟

عنوان اخر : هندسة الإجماع - كيف تُصنَع الموافقة في مجتمع الوفرة المعلوماتية


الطريق من المعلومة إلى العقيدة

بين المعلومة العابرة والعقيدة الراسخة، ثمّة فاصل يتجاوز مجرد التكرار. إنه فاصل التحوّل من الفردي إلى الجماعي، من العابر إلى البنيوي، من الاختيار إلى المسلّمة. كيف تتحوّل فكرة ما - حول الاقتصاد، السياسة، المجتمع - من مجرد رأي بين آراء، إلى "إجماع" يُحتكم إليه، يُستشهد به، يُتخذ كأساس للقرارات المصيرية؟

إنّ صناعة الإجماع في عصرنا ليست عملاً فجاً بالصراخ أو بالقسر، بل هي هندسة دقيقة، تشبه هندسة الأنهار: لا تبني المياه من العدم، بل توجّه التدفّق باتجاهات محددة، تتعمّق المجاري الطبيعية، تحوّل المسارب الصغيرة إلى طرق سريعة للفكر.

في هذا الفصل، نغوص في معماريّة هذا البناء الخفي: كيف تُهندس "الحكمة السائدة"، وكيف تُنسج خيوط "الرأي العام"، وكيف تُطوّع "المنطق" لخدمة مصالح محددة دون أن يبدو الأمر استعباداً، بل يظهر كـ تعبير عن العقلانية ذاتها.



الإجماع ليس اتفاقاً بل توجيهاً للأسئلة

الخطأ الشائع هو ظنّ أن الإجماع يُصنع عبر الإجابات. الحقيقة الأعمق: يُصنع الإجماع عبر الأسئلة. ليس ما تجيب عليه وسائل الإعلام والسياسيون هو الأهم، بل ما لا يسألونه أبداً.

خذ مثالاً: النقاش حول "الضرائب". السؤال المطروح عادةً: "هل نرفع الضرائب أم نخفضها؟" هذا السؤال نفسه يحمل افتراضات: أن النظام الضريبي الحالي معطى طبيعي، أن توزيعه عادل أصلاً، أن وظيفته فقط جمع الأموال لا إعادة توزيع الثروة.

لكن ماذا لو بدأنا بأسئلة أخرى: لماذا تتهرّب الشركات الكبرى من الضرائب قانونياً؟ لماذا يدفع العامل ضرائب نسبتها أعلى من المليونير؟ هل النظام الضريبي أداة للعدالة أم لترسيخ اللامساواة؟

الفرق بين المجموعتين من الأسئلة ليس تقنياً، بل جيوسياسي للمعارف: الأولى تُبقي النقاش في إطار مقبول، الثانية تفتح أبواباً محظورة. صناعة الإجماع تبدأ من ترسيم حدود النقاش، بناء الجدران قبل حتى أن يقرر الناس ما يريدون مناقشته.



مستويات الإجماع: من الواضح إلى المسكوت عنه

يمكن تقسيم هندسة الإجماع إلى ثلاثة مستويات متدرّجة في العمق:

المستوى الأول: الإجماع الصريح - ما يُقال جهاراً، يُكرّر في النشرات، يُدرّس في المناهج. مثال: "الديمقراطية الليبرالية أفضل نظام سياسي"، "اقتصاد السوق هو الأكثر كفاءة".

المستوى الثاني: الإجماع الضمني - ما لا يحتاج لأن يُقال لأنه "بديهي". مثال: "النمو الاقتصادي مؤشر التقدّم"، "الاستهلاك محرّك الاقتصاد"، "المنافسة تخدم المستهلك".

المستوى الثالث: الإجماع المسكوت عنه - ما يُمنع حتى من التفكير فيه. مثال: إمكانية مجتمع بلا نموّ مستمر؟ إمكانية اقتصاد لا يقدّس الربح؟ إمكانية نظام سياسي لا يقوم على تمثيل نخبوي؟

الانتقال من مستوى إلى آخر هو انتقال من القول إلى المسكوت عنه. كلما تعمّقنا، كلما ازدادت صعوبة النقاش، لأننا لا نحارب أفكاراً بل مسلّمات، لا نحاجج خصوماً بل بديهيات.



وسائل الإعلام-الشركات: ليست مرايا بل مناشير

يُصوَّر الإعلام غالباً كمرآة تعكس المجتمع. لكن هذه الصورة مضللة. الإعلام في عصر الشركات العملاقة هو أقرب إلى المنشار الكهربائي منه إلى المرآة: لا يعكس الواقع بل يقطع الواقع إلى قطع تتناسب مع قوالب مسبقة.

كيف تعمل هذه "المناشير"؟

1. التركيز (Focusing): تضخيم أحداث ثانوية (فضيحة فنان، تفصيل في حياة نجم) لتحويل الانتباه عن القضايا الجوهرية.
2. التشظي (Fragmentation): تقديم العالم كسلسلة أحداث منفصلة، لا كنسيج مترابط. أزمة المناخ هنا، الفقر هناك، الحروب في مكان ثالث – لا علاقة بينها.
3. التفخيم (Amplification): تحويل الاتجاهات الهامشية إلى "ظواهر اجتماعية" (عبر الإحصاءات الانتقائية، الاستطلاعات الموجّهة).
4. الطمس (Blurring): تشويش العلاقات السببية. البطالة ليست بسبب سياسات اقتصادية، بل بسبب "الكسل" أو "نقص المهارات".

هذه العمليات لا تحتاج إلى توجيه مركزي. تكفي قواعد النظام: سباق المشاهدة، جذب الإعلانات، منافسة التوقيت. النتيجة: واقع مشوّه، لكن تشوهه منتظم، متوقع، ومربح.


الخبراء المستدعَوْن: سحرة العصر الحديث

في عالم معقّد، نحتاج إلى من يفسّر لنا. هنا يأتي دور "الخبراء المستدعَوْن": ذلك الجيش من الوزراء السابقين، المحللين الماليين، المستشارين الاستراتيجيين الذين يملأون الشاشات، يقدّمون "الرأي المحايد".

لكن المحايدة هنا مصطلح مضلل. الخبير المستدعى عادةً:

· جاء من المؤسسة (وبقي ولاؤه لها ولو بلا وعي).
· يعمل في مؤسسة ممولة من الشركات (مراكز الأبحاث، الجامعات).
· يُكافَأ على تكرار السردية السائدة (الدعوات، الشهرة، التعيينات).

النتيجة: تنوع سطحي يخفي تجانساً عميقاً. قد تختلف الآراء في التكتيكات، لكنها تتفق في الاستراتيجيات. قد تتصارع الشخصيات، لكنها تتحالف في الدفاع عن النظام الذي أنتجها وأغناها.

الخطر ليس في وجود رأي واحد، بل في وهم التعددية: عشرات الوجوه، عشرات الأصوات، لكنها تغنّي جميعاً من نفس النوتة الموسيقية، بلغة مختلفة قليلاً.



اقتصاديات صناعة الإجماع: من يدفع الثمن؟

كل نظام إنتاج له اقتصادياته. نظام إنتاج الإجماع أيضاً:

· المواد الخام: الأحداث اليومية، البيانات الإحصائية، التصريحات الرسمية.
· وسائل الإنتاج: استديوهات البث، غرف التحرير، منصات التواصل.
· القوى العاملة: الصحفيون، المحررون، المذيعون، المحللون.
· التمويل: الإعلانات، الدعم الحكومي (المباشر وغير المباشر)، استثمارات الشركات.

لكن الخاصية الفريدة: المستهلك يدفع مرتين. أولاً: كمواطن يدفع ضرائب تذهب جزئياً لدعم الإعلام (إعانات، إعفاءات، عقود). ثانياً: كمستهلك يدفع سعر المنتج الذي يحتوي تكلفة الإعلان.

الأكثر إثارة: كلما كان الإجماع المصنّع أكثر تجانُساً، كلما ارتفعت أرباح النظام. الإجماع يُبسّط الواقع، يقلل الاحتمالات، يخلق سوقاً مستقرة للمنتجات وللأفكار على حد سواء.



دور الترفيه: إجماع بلا وعي

أخطر أنواع الإجماع هو ذلك الذي لا يُدرك كإجماع. هنا يبرز دور الترفيه: ليس كمجرد تسلية، بل كمختبر للقيم، منصة للتطبيع، مدرسة للاستسلام.

المسلسلات التلفزيونية، الأفلام السينمائية، برامج الواقع – جميعها تنقل رسائلَ أيديولوجية عميقة:

· الفردانية المفرطة كفضيلة: البطل المنقذ، العبقرية الوحيدة، النجاح الشخصي رغم المجتمع.
· الاستهلاك كطريق للسعادة: السعادة في الشراء، الهوية في الماركة، القيمة في التملك.
· الاستسلام للسلطة كحكمة: المحارب القديم الذي يعرف أن "العالم قاس"، البطل الذي يكتشف أن "التغيير مستحيل".

هذا لا يعني أن كل منتج ترفيهي مؤامرة. بل يعني أن منطق الصناعة الترفيهية – الربح، الجذب، التكرار الناجح – يتقاطع تلقائياً مع متطلبات النظام الاجتماعي: إنتاج مواطنين مستهلكين، غير متمرّدين، يقبلون بالواقع كما هو.



صناعة "الوسط" المعياري: إعادة تعريف التطرف

في خريطة الرأي العام التقليدية، ثمّة "يمين"، "وسط"، "يسار". لكن إحدى أعظم إنجازات هندسة الإجماع هي إعادة تعريف "الوسط"، وتحويله من موقع جغرافي في الخريطة إلى معيار أخلاقي ومعرفي.

الوسط الجديد ليس نقطة بين طرفين، بل هو الطرف الوحيد المقبول. كل ما يخرج عنه – يميناً كان أم يساراً – يصبح "تطرفاً"، "شعبوية"، "غير واقعي".

كيف يُصنع هذا الوسط؟ عبر:

1. التكرار الإحصائي: استطلاعات الرأي التي تختار الأسئلة بعناية لتظهر أن "الرأي العام" في المنتصف.
2. استبعاد الأصوات المتطرفة: عدم منحها مساحة، أو منحها مساحة هامشية مع توصيفها كـ "خارج المألوف".
3. تطبيع التطرف المقبول: اليمين المتطرف اقتصاديًا (خصخصة كل شيء) يُصوَّر كـ "إصلاح ضروري"، اليمين المتطرف عسكريًا (الحروب الاستباقية) كـ "دفاع عن النفس".

النتيجة: توسُّع الوسط لابتلاع كل المساحة. يصبح النقاش حول "متى نرفع الفائدة؟" بدل "هل النظام المصرفي مركزي أم لا؟"، حول "كيف نخفف وطأة التقشف؟" بدل "هل التقشف ضروري أصلاً؟".



اللغة كسجن غير مرئي

يقول المثل: "حدود لغتي هي حدود عالمي". في عصر الإعلام-الشركات، تُصمَّم الحدود اللغوية بعناية:

· المفردات المسموحة: "السوق"، "النمو"، "الكفاءة"، "المنافسة"، "الإصلاح".
· المفردات المحظورة: "الطبقة"، "الاستغلال"، "الإمبريالية"، "الصراع"، "الثورة".

لكن الأكثر دهاءً هو تحوير المعاني:

· "الحرية": من تحرّر من القيود إلى حرية الشراء والبيع.
· "الديمقراطية": من حكم الشعب إلى الانتخابات الدورية.
· "التقدّم": من تحسّن ظروف الحياة إلى ارتفاع الناتج المحلي.

هذا التحوير لا يحتاج إلى قرار مركزي. يكفي أن تكرر الكلمات في سياقات محددة حتى تترسخ الدلالات الجديدة. اللغة تُعاد هندستها لـ تضييق الخيال قبل تضييق الخيارات.



مقاومة الإجماع: فن إعادة السؤال

في وجه هذه الهندسة المعقّدة، تبدو المقاومة مستحيلة. لكن التاريخ يذكرنا: كل إجماع كان يوماً بدعة، وكل بدعة كانت يوماً مقاومة.

مقاومة الإجماع لا تعني رفض كل شيء، بل إعادة السؤال عمّا يُعتبر بديهياً. هي عملية في ثلاث خطوات:

1. التعرف على الإطار: ما الافتراضات غير المعلنة في هذا النقاش؟ ما الذي يُعتبر "طبيعياً" دون نقاش؟
2. توسيع حدود الممكن: ماذا لو فكّرنا خارج هذا الإطار؟ ما البدائل التي يُمنع حتى تصوّرها؟
3. إعادة صياغة الأسئلة: لا "هل نرفع الضرائب أم نخفضها؟" بل "لمن تخدم الضرائب؟". لا "كيف نزيد النمو؟" بل "لماذا النمو غاية في ذاته؟".

هذه المقاومة ليست فردية فحسب. تظهر اليوم فضاءات جديدة للمعرفة المشتركة: منصات رقمية مستقلة، شبكات بحث تعاونية، مجموعات قراءة نقدية، إعلام شعبي بديل.



إجماع ما بعد الحقيقة: انهيار المهندسين

في السنوات الأخيرة، بدأنا نشهد ظاهرة جديدة: انهيار ثقة الجمهور بهندّاسي الإجماع. الفضائح المتتالية، التناقضات الصارخة، الفجوة بين الخطاب والواقع – كلها أدت إلى أزمة مصداقية النظام الإعلامي بأكمله.

لكن المفارقة: هذا الانهيار لم يؤدّ إلى صحوة نقدية جماعية، بل إلى تفتيت واقعي: كل مجموعة تبني "حقيقتها" الخاصة، كل فئة تختار "واقعها" المفضّل.

هنا يكمن الخطر الجديد: لا انتصار للحقيقة بل انتصار للتجزئة. لا ينهار الإجماع القديم ليحلّ محلّه وعي نقدي، بل ليحلّ محلّه إجماعات متنافسة، كلّ منها مغلق على نفسه.

المشكلة لم تعد فقط في هندسة إجماع واحد، بل في استحالة أي إجماع. النظام لم يعد قادراً على إنتاج يقين مشترك، فانتقل إلى إنتاج شكّ مشترك – شكّ يبقي الجميع مشغولين بحرب الجميع ضد الجميع.



نحو إجماع حرّ

نختم هذا الفصل بتساؤل مركزي: هل يمكن تصوّر "إجماع حر"؟ إجماع لا يُهندس من فوق، بل ينبثق من نقاش حرّ فعلاً، ليس من تلقين وسائل الإعلام بل من حوار المجتمعات؟

الإجابة تحتاج إلى إعادة تعريف الإجماع نفسه. لا كـ اتفاق على إجابات، بل كـ اتفاق على أسئلة. لا كـ تطابق في الآراء، بل كـ احترام في الاختلاف. لا كـ نهاية للنقاش، بل كـ بداية حقيقية له.

الطريق إلى هناك يمرّ عبر:

· تنويع مصادر المعرفة: كسر احتكار وسائل الإعلام-الشركات.
· تعليم التفكير النقدي: ليس كمواد دراسية، بل كعادة عقلية.
· بناء فضاءات حوار حقيقية: ليست منصات صراع بل مساحات تفاهم.

في الفصل القادم، سننتقل من تشريح آلية الإجماع إلى تحليل بنية النظام الذي يحتاج إلى هذا الإجماع. سنرى كيف أن هذه الهندسة الإدراكية المعقّدة ليست مجرد "تضليل"، بل ضرورة وجودية لنظام يعاني من أزمات بنيوية عميقة.

لكن قبل ذلك، تذكّر: أول خطوة نحو الحرية الفكرية هي إدراك أن ما تعتبره "رأياً خاصاً بك" قد يكون في الحقيقة منتجاً مصنّعاً خصيصاً لك. والخطوة الثانية هي الشروع في صناعة رأيٍ يكون حقاً لك.


….
الفصل الثالث (الدبلوماسية العامة كسلاح)

عنوان اخر : الدبلوماسية العامة كسلاح - عندما يصير الإقناع نظاماً للتسلّط


من سفارة المباني إلى سفارة الصور

في العصور القديمة، كانت السفارة مبنىً محصناً، يحرسه جنود، يرفع علماً. في عصرنا، صارت السفارة صورةً تنتشر، قصّةً تروى، شعوراً يُبث عبر الأثير. الدبلوماسية التقليدية - مذكّرات دبلوماسية، لقاءات سرية، مفاوضات مغلقة - لم تختفِ، لكنها صارت الجزء الظاهر من جبل الجليد.

تحتها يمتد عالمٌ موازٍ: دبلوماسية الشاشات، حيث تتنافس الدول ليس على الأرض فحسب، بل على المخيال الجمعي للشعوب. هنا، لم يعد يكفي أن تملك الحق، بل يجب أن تكون صورتك هي "الحق". لم يعد كافياً أن تفوز في المعركة، بل يجب أن تفوز في روايتها.

هذه الدبلوماسية الجديدة ليست تكميلية للقديمة، بل هي جوهر القوة الناعمة في عصر المعلومات. لكن حين تتحول هذه "النعومة" إلى أداة هيمنة، حين تصير "القوة" مقنّعةً برداء الثقافة، فإننا أمام استعمار من نوع جديد: لا يستعمر الأرض بل العقول، لا يفرض الضرائب بل المفاهيم، لا يبني حصوناً بل أساطير.



التطور التاريخي: من الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطورية الأمريكية

مشروع السيطرة عبر الثقافة ليس جديداً. الإمبراطورية الرومانية لم تبنِ طرقاً فحسب، بل بثّت قانوناً ولغةً وثقافةً. "السلام الروماني" لم يكن غياباً للحرب، بل نظاماً شاملاً للتغلغل الحضاري.

لكن الثورة الحقيقية جاءت مع القرن العشرين. عام 1917، أنشأ الرئيس وودرو ويلسون لجنة المعلومات العامة، أول جهاز حكومي أمريكي مكرس "للتأثير على الرأي العام العالمي". كانت المهمة: بيع الحرب العالمية الأولى للشعب الأمريكي والعالم كـ "حرب لإنهاء كل الحروب".

الانتقال النوعي حدث بعد الحرب العالمية الثانية. عام 1953، أنشئت وكالة المعلومات الأمريكية (USIA)، بميزانية ضخمة ورسالة واضحة: محاربة "العدو السوفيتي" ليس بالدبابات فقط، بل بالكتب، الأفلام، الموسيقى، والأفكار.

اليوم، وصلت هذه الدبلوماسية إلى مستوى تقني غير مسبوق: منصات رقمية، بثّ فضائي عالمي، مؤسسات "غير حكومية" تمولها الحكومات، "مراكز أبحاث" تنتج "حقائق" تخدم استراتيجيات بعينها.


الأدوات: ترسانة الإقناع الخفيّة

ما هي أدوات هذه الدبلوماسية الجديدة؟

1. الإعلام الدولي الموجه: قنوات فضائية تمولها الحكومات لكن تظهر كـ "إعلام مستقل". تمتلكها الدول المهيمنة أو تحظى بدعمها غير المباشر.
2. المنح الدراسية وتبادل الطلاب: ليس كرماً، بل استثمار استراتيجي. تخريج نخب محلية تتشرب ثقافة المركز، تعود لبلادها حاملةً ليس المعرفة فحسب، بل النموذج الحضاري الذي تعلمته.
3. المؤسسات الثقافية "الغير حكومية": معاهد، جمعيات، منظمات تُموّل بشكل معقّد لتظهر "محايدة" بينما تخدم أجندات محددة.
4. صناعة الترفيه كأداة جيوسياسية: هوليوود ليست مجرد صناعة سينما، بل مصنع أحلام يبيع النموذج الأمريكي كـ "الحلم العالمي".
5. المنصات الرقمية: أدوات التواصل الاجتماعي التي تتحكم بها شركات أمريكية، تعمل وفق قوانينها وقيمها، تصدّرها للعالم كـ "معايير محايدة".

لكن الأخطر هو الدمج بين هذه الأدوات: فيلم هوليوودي يروّج لقيم، تغطّيه قناة إخبارية دولية، تدرسه منح دراسية، تتبناه مؤسسات ثقافية. دوائر متكاملة من التأثير.



صناعة "النموذج": تحويل المصالح إلى قيم كونية

كيف تتحول مصلحة دولة ما إلى "قيمة عالمية"؟ عبر عملية معقدة من التسويق الحضاري:

الخطوة الأولى: التجريد. لا "المصلحة الأمريكية" بل "قيم الحرية والديمقراطية". لا "الهيمنة الاقتصادية" بل "اقتصاد السوق الحر". لا "التدخل العسكري" بل "المسؤولية الدولية".

الخطوة الثانية: التعميم. تصبح هذه القيم معايير عالمية، يُقاس بها الجميع. أي انحراف عنها ليس اختلافاً بل "تخلّفاً"، أي معارضة لها ليست رأياً بل "عداءً للقيم الإنسانية".

الخطوة الثالثة: التجسيد. تُترجم هذه القيم المجردة إلى مؤسسات دولية (صندوق النقد، البنك الدولي، منظمة التجارة)، معايير قانونية، شروط للتعاون الدولي.

النتيجة: نظام عالمي يخدم مصالح القوى المهيمنة لكنه يظهر كـ "نظام طبيعي". المعارضة لا تواجه دولةً بل "المجتمع الدولي"، لا تحارب سياسةً بل "القيم الكونية".



حروب السرديات: من يملك الرواية يملك الحق

في كل صراع، هناك وقائع على الأرض، ورواية عن هذه الوقائع. الدبلوماسية العامة الحديثة تدرك: من يسيطر على الرواية يملك الحق، حتى لو خسر الأرض مؤقتاً.

أخذوا درساً من الحرب الفيتنامية: أمريكا خسرت الحرب ليس فقط في الغابات، بل على شاشات التلفاز. الصور التي نقلتها وسائل الإعلام - خاصة صورة الفتاة الفيتنامية المحترقة بالنابالم - هزمت الجيش الأقوى في العالم.

منذ ذلك الحين، صارت إدارة الصورة جزءاً من التخطيط العسكري. في حرب العراق 1991، قدمت واشنطن الرواية كـ "عملية تحرير"، "حرب نظيفة"، "ضربات جراحية". الصور كانت لـ "صواريخ ذكية" لا ضحايا، لـ "تحرير" لا غزو.

لكن هذه السيطرة على السردية لم تعد مطلقة. ظهور وسائل الإعلام البديلة، انتشار الهواتف الذكية، قنوات فضائية متنافسة - كلها كسرت احتكار الرواية. اليوم، كل حرب هي حرب سرديات متوازية، كل طرف يحاول فرض روايته كـ "الحقيقة الوحيدة".


اللغة كساحة معركة: مصطلحات كأسلحة

في حروب الإدراك، الكلمات أسلحة. كل مصطلح يحمل في طياته حكماً، كل تسمية تخفي موقفاً.

انظر إلى المعجم الإعلامي الدولي:

· "متمردون" مقابل "إرهابيون": نفس الفعل، تسميتان مختلفتان. الأولى تلمح إلى شرعية ما، الثانية تسلب الإنسانية.
· "عملية خاصة" مقابل "غزو": نفس الحركة العسكرية، وصفان متعارضان.
· "قائد" مقابل "ديكتاتور": نفس الشخص، حكمان متناقضان.

هذه ليست اختلافات لغوية بريئة. إنها آليات لتوجيه الفهم، تسييس الإدراك، وإضفاء الشرعية أو نزعها.

الدبلوماسية العامة تعمل على توحيد المعجم لصالحها. تصدر "دلائل مصطلحات" لوسائل الإعلام، تكرر عبارات محددة حتى تصير مسلّمات، تخلق واقعاً لغوياً يسبق الواقع المادي ويشكّله.



المؤسسات الأكاديمية: معامل إنتاج "الحقيقة"

يظن الكثيرون أن الجامعات ومراكز الأبحاث فضاءات محايدة للمعرفة. لكن في لعبة الدبلوماسية العامة، هي حقل معركة حاسم.

كيف؟

1. تمويل الأبحاث: المنح الضخمة من الحكومات والشركات توجه البحث نحو مواضيع تخدم مصالحها.
2. استدعاء "الخبراء": الأكاديميون الذين يتبنون الخط السائد يحصلون على الدعوات الإعلامية، المناصب، الاعتراف.
3. صناعة "النظريات": نظريات العلاقات الدولية، التنمية، الاقتصاد - كثير منها يخدم تبرير الهيمنة تحت شعار "الواقعية"، "العقلانية"، "الكفاءة".

النتيجة: معرفة مصنوعة وفق مواصفات. ليست كذباً صريحاً، بل انتقاءً، تركيزاً، صياغةً تخدم رؤية العالم المهيمنة. الأكاديميا تصير جزءاً من الجهاز الإيديولوجي، تنتج "الحقائق" التي تبرر النظام القائم.



الثقافة كسلعة مصدرة: هوليوود نموذجاً

لننظر إلى هوليوود ليس كصناعة ترفيه فحسب، بل كمصنع للوعي العالمي. عبر أفلامها، تبيع أمريكا:

· نموذج البطل: الفرد المنقذ، الذي يتحدى النظام وينتصر (لكن داخل النظام).
· نموذج السعادة: في الاستهلاك، التملك، النجاح المادي.
· نموذج الشر: عادةً من الشرق، من المختلف ثقافياً، من الخارج.

لكن الأهم: تطبيع النموذج الأمريكي كـ "العالمي". شوارع نيويورك تصير الخلفية "الطبيعية" للأفلام، القيم الأمريكية تصير "الإنسانية"، التاريخ الأمريكي يصير "تاريخ الحرية".

هذا ليس مؤامرة، بل منطق الصناعة: المنتج الناجح يكرّر، النموذج المربح يصدر، الثقافة المحلية تتحول إلى سلعة عالمية. لكن في هذه العملية، تتحول الثقافة إلى أداة هيمنة، تصدر معها رؤية للعالم، للعلاقات، للقيم.



مقاومة الاستعمار الثقافي: أصوات من الجنوب

في مواجهة هذه الآلة الضخمة، تظهر أشكال مقاومة متنوعة:

· صحافة العالم الجنوبي: قنوات مثل "الجزيرة"، "تيلي سور"، "روسيا اليوم" - تحاول تقديم رواية بديلة، كسر احتكار الرواية الغربية.
· سینمائيات مقاومة: من إيران إلى أمريكا اللاتينية، سينما تروي قصصاً محلية، ترفض القوالب الجاهزة، تبحث عن جماليات خاصة.
· أكاديميا نقدية: مدارس فكرية تنطلق من الجنوب، ترفض أن تكون تابعة، تبحث عن نظريات تنبع من واقعها.
· فنون ما بعد استعمارية: أدب، موسيقى، فنون بصرية تعيد اكتشاف الهوية، ترفض الاستلاب، تخلق لغة جمالية خاصة.

لكن التحدي كبير: كيف تقاوم وأنت جزء من النظام؟ كيف ترفض هيمنة الثقافة المهيمنة وأنت تستخدم لغتها، أدواتها، تقنياتها؟ هذه المعضلة الوجودية للمقاومة الثقافية في عصر العولمة.



الفضاء الرقمي: ساحة المعركة الجديدة

مع ظهور الإنترنت، ظنّ الكثيرون أننا أمام ديمقراطية معلوماتية، فضاء حرّ للجميع. لكن سرعان ما تحول إلى ساحة معركة جيوسياسية جديدة.

منصات التواصل الاجتماعي الأمريكية (فيسبوك، تويتر، يوتيوب) صارت أدوات للدبلوماسية العامة:

· تتحكم بخوارزميات تظهر بعض المحتويات وتخفي أخرى.
· تضع "معايير مجتمعية" تعكس قيم القائمين عليها.
· تستخدم كأدوات للتأثير في الانتخابات، الاحتجاجات، الرأي العام.

الدول تحاول بدورها خلق بدائلها: الصين طورت منصاتها (وي تشات، ويبو)، روسيا طورت (فكونتاكتي)، إيران (بالابون). لكن التحدي تقني ومالي ومعرفي: كيف تبني نظاماً رقمياً موازياً في عالم تهيمن عليه شركات سيليكون فالي؟



أخلاقيات الدبلوماسية العامة: بين الإقناع والتضليل

هنا السؤال الأخلاقي المركزي: أين ينتهي الإقناع الشرعي ويبدأ التضليل غير الأخلاقي؟

في النظرية، الدبلوماسية العامة هي "حوار الثقافات"، "تبادل الأفكار"، "بناء الجسور". في الممارسة، كثيراً ما تكون غسيل دماغ ناعم، هندسة للوعي، تلاعب بالعواطف.

المعيار الأخلاقي الوحيد قد يكون: الشفافية. من يتكلم؟ باسم من؟ لصالح من؟ لكن في عالم المؤسسات "غير الحكومية" المموّلة بشكل معقّد، المؤسسات الإعلامية "المستقلة" المدعومة بشكل غير مباشر، هذه الشفافية مستحيلة عملياً.

النتيجة: أزمة ثقة عامة. الجمهور في كل العالم يشكّك في كل رواية، كل تحليل، كل "حقيقة". وهذا الشكّ، رغم شرعيته، قد يؤدي إلى عجز عن التمييز بين الحقائق والأكاذيب، لا إلى وعي نقدي حقيقي.


خاتمة: نحو دبلوماسية إنسانية حقيقية

نختم هذا الفصل بسؤال جوهري: هل يمكن تصوّر دبلوماسية عامة إنسانية حقاً؟ ليست أداة هيمنة بل جسر تفاهم، ليست سلاحاً بل يداً ممدودة؟

الإجابة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الثقافات:

· من التصدير إلى التبادل: لا ثقافة مهيمنة تصدر نموذجها، بل حوار متكافئ.
· من التوحيد إلى التنوع: لا معايير واحدة تفرض على الجميع، بل احترام التعددية الحقيقية.
· من الإقناع إلى الفهم: لا محاولة لكسب الآخر إلى جانبك، بل محاولة لفهمه كما هو.

في الفصل القادم، سننتقل من تحليل أدوات الهيمنة الثقافية إلى دراسة حالة ملموسة: الحرب الإعلامية على العراق. سنرى كيف تتداخل كل هذه الآليات في لحظة تاريخية واحدة، كيف تُهندس الموافقة على الحرب، وكيف تتعامل مع تداعيات الفشل.

لكن قبل ذلك، تذكّر: في عالم تُحارب فيه الثقافات كما تُحارب الجيوش، يصير وعيك بآليات هذه الحرب ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. والدفاع عن تنوع الثقافات ليس حنيناً للماضي، بل شرطاً لمستقبل إنساني حقاً.

……

الفصل الرابع (دراسة حالة: الحرب الإعلامية على العراق)

عنوان اخر : سردية الغبار - الحرب الإعلامية على العراق وتشريح هندسة الغزو


ما قبل العاصفة: صُنع البرّوق في سماء السياسة

كانت السماء صافية فوق بغداد في صباح الخامس من آذار ٢٠٠٣، لكن عاصفة إعلامية كانت قد هبت بالفعل، مزروعة بعناية، متنامية عبر أشهر، حتى صارت إعصاراً لا مفر منه. قبل أن تنطلق أول طلقة، كانت الحرب قد انتصرت في المخيال الغربي. كيف يتحول غزو دولة إلى "عملية تحرير"؟ كيف يتحوّل تدمير أمة إلى "ضرورة إنسانية"؟ هذا الفصل هو تشريح لتلك الآلة السردية الهائلة التي حولت جريمةً دوليةً إلى مغامرةٍ بطولية.

لن نبحث هنا عن "الكذب" فحسب - فهذا سطحي جداً بالنسبة لتعقيد العملية. سنبحث عن هندسة الواقع المتكاملة: كيف تُنسج الأكاذيب الفردية في نسيج سردي متماسك؟ كيف تُخلَق الرموز، تُوجَّه العواطف، تُصاغ المبرّرات؟ وكيف، في النهاية، يُقتل الشعب مرتين: مرة بالقنابل، ومرة بالنسيان الإعلامي.



الأسطورة التأسيسية: أسلحة الدمار الشامل كشيطان حديث

كل حرب تحتاج إلى شيطان. الحروب القديمة استخدمت الآلهة، الملوك، الشرف. الحرب الحديثة تحتاج إلى شيطان علمي: رهيب بما يكفي ليبرر العنف، ومجرد بما يكفي ليُفهم بسهولة.

"أسلحة الدمار الشامل" كانت الشيطان المثالي:

· علمي: يتحدث بلغة التقنية، يُقدّم بواسطة "خبراء".
· رهيب: يهدد ليس جيشاً بل "البشرية".
· غامض: لا يُرى، لا يُلمس، موجود في "تقارير استخباراتية".
· عاجل: "خطر داهم" يحتاج لرد فوري.

لكن الأهم: مصداقية متأخرة. حتى لو لم تُوجد الأسلحة لاحقاً، يبقى التهديد "محتملاً"، "مخفياً"، "مُنقَلاً". الشيطان لا يموت، بل يتراجع إلى الظل، مستعداً للظهور في حرب قادمة.

كولن باول أمام الأمم المتحدة في ٥ فبراير ٢٠٠٣، يهزّ أنبوباً فيه "غاز الأعصاب"، يظهر صوراً أقمار صناعية، يتحدث بلغة الجزم العلمي - لم يكن يحاضر، بل كان يؤسس للأسطورة. كان يبني، بحذافة الدبلوماسي المخضرم، سردية الإلحاح الأخلاقي: نحن لا نريد الحرب، لكن "الحقيقة" تجبرنا.


اللغة كقنابل موجهة: معجم الحرب النظيفة

في اليوم الأول للغزو، لم يعد اسمها "غزو". صارت:

· "عملية حرية العراق" (الاسم الرسمي)
· "الصدمة والرعب" (الاسم العسكري، لكنه قلّما استخدم إعلامياً)
· "تغيير النظام" (الاسم السياسي)

الكلمات لم تكن محايدة:

· "تحالف الراغبين": لا "غزاة" بل متطوعون للخير.
· "ضربات جراحية": لا قصف عشوائي بل عمليات دقيقة.
· "أضرار جانبية": لا مدنيون قتلى بل أرقام مجردة.
· "المقاومة" صارت "فلول النظام السابق" ثم "إرهابيين".

هذا المعجم لم ينبع تلقائياً. كان نتاج غرف عمليات إعلامية في البنتاغون ووزارة الخارجية. في وثيقة تسربت عام ٢٠٠٣، عنوانها "إستراتيجية الاتصال للعراق"، حددت الإدارة الأمريكية ٧٥ كلمة مفتاحية يجب تكرارها، و٢٥ كلمة يجب تجنبها.

اللغة هنا لم تكن أداة وصف بل أداة تشكيل. كانت تحاول تغيير طبيعة الحرب بتغيير وصفها.



التلفاز كمسرح الحرب: الإخراج العسكري-الإعلامي

شهد العالم مشهداً فريداً: الحرب تُبث مباشرة. لكن هذه "المباشرة" كانت أكثر عروض الإخراج تخطيطاً في التاريخ.

1. المراسلون المضمنون: صحفيون "مُضمنون" في الوحدات العسكرية. ظهروا كـ "عين مستقلة" لكنهم كانوا رهائن طوعيين للمصدر الوحيد: الجيش الذي يحميهم. النتيجة: تغطية من منظور الجنود الأمريكيين فقط، حرب بدون عراقيين.
2. البطولة الشخصية: تحويل الجنود إلى "أبطال". قصص فردية، وجوه باسمة، مشاعر إنسانية - تغطي عن الجوهر: جهاز قتل جماعي.
3. التقنية كنجم: عرض الصواريخ "الذكية"، الطائرات بدون طيار، الأنظمة المتطورة - جعلت الحرب تبدو كعرض ألعاب إلكترونية، لا كدمار بشري.
4. الرمزية المصورة: مشهد سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس - مُخرَج كفيلم، مُوقتَ لذروة البث المباشر. لم يكن حدثاً عفوياً بل "لقطة نهاية" مُخطط لها.

كانت الرسالة: هذه ليست حرباً تقليدية، بل "عملية تنظيف" تقنية، إنسانية، ضرورية.


صناعة "الشرق" الواحد: إلغاء التعددية العراقية

العراق، قبل الغزو، كان مجتمعاً معقداً: شيعة، سنة، أكراد، مسيحيون، طوائف أخرى، تيارات سياسية متنوعة. لكن السردية الإعلامية الغربية اختزلت هذا التعقيد إلى صورة واحدة: صدام حسين.

صدام صار العراق، والعراق صار صدام. سقوطه يعني "تحرير العراق"، تدمير نظامه يعني "ولادة جديدة". هذا الاختزال خدم أغراضاً متعددة:

· تبسيط السردية: حرب الخير ضد الشر، لا حرب معقدة ذات أبعاد تاريخية.
· تسويغ الدمار: ما يُدمر ليس "العراق" بل "نظام صدام".
· تجاهل التداعيات: إذا كان الشر هو "الرجل الواحد"، فزواله يحل كل المشاكل.

لكن هذا الاختزال كان جريمة معرفية قبل أن يكون جريمة عسكرية. كان محواً لتاريخ شعب، تعقيد أمة، تنوع حضارة. حوّل العراق من واقع بشري معقد إلى كاريكاتور بسيط: دكتاتور مجنون، وشعب مضطهد ينتظر المنقذ.



الصحافة المضمنة: حين يصير المراسل جزءاً من الآلة

تجربة "المراسلين المضمنين" تطرح أسئلة أخلاقية عميقة: أين ينتهي الواجب الصحفي ويبدأ دور الناطق العسكري؟

الصحفيون الذين قبلوا بالاندماج مع القوات العسكرية واجهوا معضلة وجودية:

· الأمان مقابل الاستقلالية: الحماية العسكرية تعني الاعتماد على المصدر، والتقييد في الحركة.
· الوصول مقابل الرقابة: رؤية "من الداخل" لكن ضمن شروط، وغالباً تحت رقابة.
· الإنسانية مقابل المهنية: التعاطف مع الجنود الذين يحمونك مقابل الحياد المهني.

النتيجة: تغطية مشوّهة. رؤية الحرب فقط من خلال عيون الغزاة، سماع قصصهم فقط، فهم معاناتهم فقط. العراقيون صاروا خلفية، إحصائيات، تهديدات - لا بشراً لهم قصص، عوائل، أحلام.

هذا لم يكن "تحيزاً" عفوياً، بل بنية منهجية. الصحافة صارت جزءاً من الآلة الحربية، تؤدي دوراً وظيفياً: بث السردية الرسمية، تحويل الحرب إلى دراما تلفزيونية، تطبيع غير المألوف.



الصور المحظورة: ما لم نره

بينما كانت الشاشات تعرض الصواريخ "الذكية"، كانت هناك صور أخرى لم تصل إلينا:

· غرفة عمليات الإعلام العسكري في الدوحة: عشرات الشاشات، عشرات الخبراء، ينتقون الصور، يحررون التقارير، يصنعون "الحقيقة" في الوقت الفعلي.
· مستشفيات العراق: الجرحى يملؤون الممرات، أطفال بلا أطراف، أطباء يعملون بدون كهرباء أو أدوية.
· المتاحف المنهوبة: ١٥ ألف قطعة أثرية مسروقة، تاريخ حضارة يُباع في السوق السوداء.
· المكتبات المحترقة: ملايين المخطوطات، كتب نادرة، تراث فكري يُدمر.

هذه الصور مُنعت عمداً. بعضها لأسباب "أمنية"، بعضها لـ "الحساسية"، معظمها لأنها كسرت السردية الرسمية. كانت تذكر المشاهد بأن هذه ليست "لعبة فيديو"، بل دمار واقعي لحياة واقعية.



تحول السردية: من "التحرير" إلى "الفوضى"

بعد أسابيع قليلة، بدأت السردية تتغير. لم يعد الحديث عن "تحرير" بل عن:

· "المقاومة": وصف أولي، يحمل شرعية ما.
· "فلول النظام": وصف مرحلي، يربط المعارضة بالماضي.
· "الإرهابيين": الوصف النهائي، يسلب الشرعية والإنسانية.

مع هذا التحول، تغيرت التغطية الإعلامية:

· صار التركيز على خسائر القوات الأمريكية، ليس خسائر العراقيين.
· صار "العنف الطائفي" يوصف كـ "صراع قديم" انفجر بعد سقوط النظام، لا كنتاج للغزو والتفكيك المتعمد للمؤسسات.
· صارت المقاومة تُصوّر كـ "عمليات انتحارية"، لا كدفاع عن الوطن.

الأهم: اختفاء العراقيين كضحايا. عندما صاروا "مهاجمين"، فقدوا حقهم في التعاطف. موت مدني عراقي صار "ضرراً جانبياً"، موت جندي أمريكي صار "خسارة بطولية".


المرحلة الثانية: اختراع "الحرب على الإرهاب" المحلية

عندما لم توجد أسلحة الدمار الشامل، عندما لم يُستقبل الأمريكيون كـ "محررين"، عندما تحولت "العملية السريعة" إلى حرب استنزاف - احتاجت السردية إلى تحول جذري.

دخل مصطلح جديد: "الحرب على الإرهاب". لم تعد الحرب على "نظام" بل على "فكرة". لم تعد لـ "تحرير" بل لـ "حماية المصالح".

هذا التحول كان عبقرية تبريرية:

· جعل أي مقاومة "إرهاباً".
· جعل الاحتلال "واجباً دولياً".
· جعل التدخل المستمر "ضرورة أمنية".

العراق صار ساحة في حرب عالمية، لا دولةً تُحتَل. العراقيون صاروا ميدان معركة، لا شعباً له حقوق. النزاع صار جزءاً من "صراع الحضارات"، لا نتيجة قرارات سياسية محددة.



الصحافة المضادة: الأصوات التي كسرت الجدار

رغم السيطرة شبه الكاملة، ظهرت أصوات حاولت كسر الإجماع منها صوريا ومنها فعليا :

1. الجزيرة والعربية: قدمتا منظوراً عربياً مشوها، و ضمن حدود خدمة الإمبريالية الأمريكية . عرضتا صوراً لم تُعرض في الغرب، استضافتا محللين عرباً، كسرتا احتكار الرواية لخدمة استشراق معكوس يبدو أنه يعترض على الاستشراق ولكنه يخدمه في النهاية ويشوه البدائل الشيوعية الحقيقية .
2. مراسلون مستقلون: مثل الصحفي الإيطالي إنزو بالدوني الذي دخل العراق مع القوات الأمريكية لكنه رفض الاندماج، وكتب تقارير نقدية.
3. مواقع إلكترونية مبكرة: مدونات، مواقع مستقلة، بدأت تنشر روايات بديلة.
4. صحف معارضة في الغرب: مثل الغارديان البريطانية، لوموند الفرنسية - قدمتا تحليلات نقدية نسبيا
، وإن ضمن النظام الإعلامي العام.

لكن تأثير هذه الأصوات ظل هامشياً. التيار الرئيسي كان أقوى، التمويل أكبر، الآلة الإعلامية أكثر تنظيماً. كسر الإجماع يتطلب أكثر من أصوات شجاعة؛ يتطلب بنية بديلة - وهذا ما لم يكن موجوداً بعد.


التراث السردي: دروس مستمرة

حرب العراق الإعلامية تركت تراثاً لا يزال يؤثر حتى اليوم:

1. نموذج "التهديد الوجودي": أسلحة الدمار الشامل صار نموذجاً يُستخدم مع إيران (البرنامج النووي)، سوريا (الأسلحة الكيميائية)، وغيرها.
2. تكتيك "التسريبات الموجهة": تسريب معلومات "استخباراتية" للإعلام، ثم استخدام التغطية الإعلامية كـ "إثبات".
3. استراتيجية "المراسلين المضمنين": تطوّرت لتصبح أكثر تعقيداً في حروب لاحقة.
4. آلية "تغيير السردية": عندما تفشل سردية، انتقل لسردية أخرى دون اعتراف بالفشل.

الأهم: أثبتت أن الغزو العسكري يحتاج إلى غزو إعلامي مسبق. أن السيطرة على العقول تسبق السيطرة على الأرض. أن الحرب الحديثة تُخاض مرتين: في الميدان، وفي الإعلام.



حرب بلا نهاية، ذاكرة بلا سلام

بعد عقدين، ماذا تبقى من حرب العراق في المخيال العالمي؟

في الغرب: ذاكرة مختارة. تذكر "خطأ الاستخبارات" لكن نادراً ما تذكر المليون قتيل. تذكر "كلفة الحرب" لكن نادراً ما تذكر دمار بلد. تذكر "فشل التحول الديمقراطي" لكن نادراً ما تذكر المسؤولية عن هذا الفشل.

في العراق: ذاكرة مجزأة. جيل يعرف فقط الحرب، جيل يحلم بما قبلها، جيل يحاول النسيان. لكن الجميع يعيش في بلد محوّل إلى سردية: سردية الاحتلال، سردية المقاومة، سردية الطائفية، سردية النهب.

في الفصل القادم، سننتقل من حالة العراق إلى تحليل بنيوي أعمق: الأزمة البنيوية للنظام العالمي. سنرى كيف أن حرب العراق لم تكن "خطأً" معزولاً، بل عرضاً لمرض بنيوي في النظام الدولي. كيف أن آليات التبرير الإعلامي لا تخدم حرباً معينة فحسب، بل تخدم إخفاء تناقضات نظام بأكمله.

لكن قبل ذلك، تذكّر: أول ضحايا الحرب ليست الحقيقة، بل تعقيد الحقيقة. وأول انتصارات المقاومة ليست عسكرية، بل استعادة الحق في سردية خاصة، في ذاكرة خاصة، في إنسانية خاصة.


……

الجزء الثاني من الكتاب

(الأزمة البنيوية) وبدايته بالفصل الخامس،

عنوان اخر : الأزمة البنيوية - تناقضات المركز الرأسمالي


الفصل الخامس: عجز الهيمنة - كيف تتحول الإمبراطورية من بانية نظام إلى مُدارة فوضى



من فخّ النصر إلى شرنقة التراجع

كل إمبراطورية تعتقد، في ذروة قوتها، أنها اكتشفت سرّ الخلود. روما اعتقدت أن "السلام الروماني" نظام أبدي. بريطانيا العظمى ظنّت أن "مملكة لا تغيب عنها الشمس" قدرٌ محتوم. اليوم، تعيش الإمبراطورية الأمريكية لحظتها الأكثر تناقضاً: قمة القوة العسكرية والتقنية تتزامن مع بداية الانزياح الجيوسياسي.

لكن هذه المرة، القصة مختلفة. ليس بسبب صعود منافس خارجي فحسب - فالصين لا تزال بعيدة عن التحدي العسكري الشامل - بل بسبب تحوّل داخلي جوهري: تحول الإمبراطورية من قوة تبني النظام إلى قوة تدير الفوضى. من دولة تستخدم قوتها لخلق نظام دولي يخدم مصالحها، إلى دولة تستخدم قوتها لمنع أي نظام دولي من الظهور، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها الطويلة الأمد.

هذا الفصل هو تشريح لهذا التحول المصيري: كيف تفقد الهيمنة شرعيتها، وكيف تتحول القوة من أداة بناء إلى أداة تدمير، وكيف تصير الإمبراطورية سجينة قوتها نفسها.


مفارقة القوة المطلقة: عندما يصير الغزو مستحيلاً

في العام ٢٠٠٣، احتلت أمريكا العراق في ثلاثة أسابيع. كان ذلك ذروة القوة التقليدية الأحادية: لا منافس، لا معارضة دولية فاعلة، لا تكاليف سياسية داخلية كبيرة.

لكن ذلك النصر كان بداية الهزيمة. لأنه كشف عن مفارقة جوهرية: في عصر المعلومات والعولمة، لم يعد الاحتلال العسكري يعني السيطرة.

العراق علّم الدروس القاسية:

1. القنابل تكسر الدول لكنها لا تبني أمماً
2. الجيش يحتل الأرض لكنه لا يكتسب الشرعية
3. التفوق التقني لا يترجم إلى حكم فعال

وبعد عقدين، ها هي أمريكا، بأقوى جيش في التاريخ، عاجزة عن حسم صراعات في أوكرانيا، غزة، اليمن. ليس لأن جيشها ضعيف، بل لأن طبيعة القوة نفسها تغيرت. القوة العسكرية المطلقة لم تعد كافية في عالم متشابك، حيث تنتشر المعلومات بسرعة الضوء، حيث تذوب الحدود بين الحرب والسلم، حيث المقاومة غير المتماثلة تفوق الترسانة التقليدية.

اقتصاد الهيمنة: عندما يصير الاستنزاف داخلياً

لطالما كانت الإمبراطوريات آلات استخراج: تستخرج الموارد من الأطراف لتمويل المركز. لكن الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة تواجه مفارقة: أصبحت تستنزف مركزها لتمويل هيمنتها.

الأرقام تنطق:

· ٢٣ تريليون دولار: تكلفة الحروب منذ ٢٠٠١، معظمها ممول بالديون.
· ٨٠٠ قاعدة عسكرية خارجية: تكلفة صيانتها تفوق ميزانيات دول كاملة.
· ٦٠٪ من ميزانية البحث العلمي: توجه للأغراض العسكرية، على حساب القطاعات المدنية.

لكن التكلفة الحقيقية ليست مالية فحسب، بل هي تكلفة الفرصة الضائعة:

· بنية تحتية أمريكية تتداعى بينما تُبنى طرق سريعة في أفغانستان.
· نظام صحي ينهار بينما تُنفق مليارات على مستشفيات ميدانية في العراق.
· تعليم عام يتدنى بينما تُصنع أحدث أنظمة التدمير.

هذه المفارقة التاريخية: إمبراطورية تستنزف شعبها لتمويل هيمنتها على شعوب أخرى. القوة لم تعد مصدر ثروة، بل أصبحت عبئاً مالياً وجودياً.


أزمة الشرعية: عندما تنكسر القصة الكبرى

كل إمبراطورية تحتاج إلى قصة كبرى تبرر وجودها. روما قدّمت "الحضارة ضد الهمجية". بريطانيا قدّمت "عبء الرجل الأبيض". أمريكا قدّمت "نشر الديمقراطية والحرية".

لكن اليوم، هذه القصة تنكسر على صخرة الواقع:

· العراق: من "تحرير" إلى فوضى طائفية.
· أفغانستان: من "حرب على الإرهاب" إلى عودة طالبان.
· ليبيا: من "مسؤولية الحماية" إلى دولة فاشلة.
· سوريا: من "الدعم للمعارضة الاخوانجية الداعشية " إلى حرب بالوكالة، وتثبيت نظام صنعته القوى الدولية الاستعمارية ومقاولها أردوغان في الثامن من ديسمبر 2004 وليس الشعب السوري يعرض سورية كدولة فاشلة ،مواطنها يدفع فاتورة كهرباء بمئة وعشرة دولار وراتبه مئة دولار

المشكلة ليست في الفشل العسكري فحسب، بل في التناقض بين الخطاب والممارسة:

· خطاب الديمقراطية مقابل دعم الديكتاتوريات.
· خطاب حقوق الإنسان مقابل التعذيب في غوانتانامو.
· خطاب القانون الدولي مقابل غزو دول دون تفويض أممي.

النتيجة: أزمة مصداقية وجودية. لم تعد أمريكا "المدينة على التلة" التي تستحق التقليد، بل قوة عظمى أخرى، تستخدم نفس أدوات القمع، نفس ذرائع التوسع، نفس منطق المصالح الضيقة.



التعددية القطبية: عندما يولد العالم من رحم الهيمنة

المفارقة التاريخية: النظام الذي بنته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية هو الذي مهد لزوال هيمنتها. كيف؟

1. العولمة الاقتصادية التي قادتها واشنطن خلقت شبكات إنتاج وتجارة معقدة، نقلت الثروة والمعرفة إلى آسيا، وخاصة الصين.
2. النظام المالي الدولي المبني على الدولار خلق اعتماداً متبادلاً، جعل من الصعب على أمريكا استخدامه كسلاح دون إيذاء نفسها.
3. المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، صندوق النقد، البنك الدولي) صارت مساحات للمناورة للقوى الصاعدة.
4. ثورة المعلومات التي قادتها السيليكون فالي الأمريكية قلصت فجوة المعرفة، وساوت بين الدول في الوصول إلى المعلومات.

باختصار: النظام الذي أنشأته أمريكا لخدمة هيمنتها طوّر ديناميكيات داخلية تقوض هذه الهيمنة. مثل البناء الذي يهدم أساسه بينما يرتفع، مثل النهر الذي يحفر مجراه بنفس قوته.



الانتقال من الهيمنة إلى العرقلة

هنا جوهر التحول: لم تعد أمريكا قادرة على قيادة النظام العالمي، لكنها ما زالت قادرة على منع أي قوة أخرى من قيادته.

من "الهيمنة البناءة" إلى "القوة المعطلة":

· لا تستطيع فرض نظامها، لكنها تستطيع تفجير أنظمة الآخرين.
· لا تستطيع بناء تحالفات دائمة، لكنها تستطيع تفكيك تحالفات المنافسين.
· لا تستطيع إقناع العالم بشرعيتها، لكنها تستطيع زرع الشك في شرعية منافسيها.

هذه الاستراتيجية الجديدة تتجلى في:

· الحروب الهجينة: دعم جماعات غير دولة، عمليات تخريب، حروب معلوماتية.
· العقوبات الاقتصادية: استخدام النظام المالي الدولي كسلاح.
· الدبلوماسية الانقسامية: تعميق الخلافات بين القوى الصاعدة.

لكن هذه الاستراتيجية لها ثمن: تسريع تآكل النظام الدولي بأكمله. عندما تتحول القوة العظمى من حارس النظام إلى مُفجّره، يتحول العالم من غابة منظمة إلى غابة حقيقية، حيث يصير الجميع أكثر فقراً وأقل أماناً.



التناقض الداخلي: مجتمع الإمبراطورية المنقسم على نفسه

أي إمبراطورية تحتاج إلى توازن دقيق بين مصالح النخب ومطالب الشعب. أمريكا اليوم تفقد هذا التوازن:

1. الانقسام الطبقي: ١٪ يملكون ثروة تفوق ما يملكه الـ٩٠٪ الأدنى. النخب المالية تربح من العولمة، الطبقة الوسطى تخسر منها.
2. التفكك السياسي: نظام الحزبين تحول إلى حرب أهلية باردة. الكونغرس يعجز عن إدارة الشؤون الداخلية، فكيف يدير الإمبراطورية؟
3. التدهور الاجتماعي: أزمات الصحة العقلية، الإدمان، العنف المسلح، النظام التعليمي المتدني - كلها أعراض مجتمع مستنزف بالإمبريالية.
4. أزمة الهوية: من هو "الأمريكي"؟ من يحق له الحلم الأمريكي؟ هذه الأسئلة تُترك دون إجابة بينما تُنفق المليارات على حروب في الخارج.

النتيجة: إمبراطورية بلا مشروع داخلي. دولة تستطيع إسقاط حكومات في أنحاء العالم، لكنها تعجز عن إصلاح نظامها الصحي. قوة ترسل حاملات طائرات إلى بحر الصين الجنوبي، لكنها تترك مواطنيها يموتون بسبب الديون الطبية.


العودة إلى القومية الاقتصادية: اعتراف ضمني بالفشل

في السنوات الأخيرة، شهدنا تحولاً لافتاً: أمريكا، التي قادت تحرير التجارة العالمية، تعود إلى الحمائية والقومية الاقتصادية.

هذا التحول ليس تكتيكاً فحسب، بل اعترافاً ضمنياً:

· أن العولمة لم تعد تخدم المصالح الأمريكية كما كانت.
· أن الصين هي الرابح الأكبر من النظام الذي ساعدت أمريكا في بنائه.
· أن إعادة التصنيع الداخلي ضرورة استراتيجية، بعد أن فقدت أمريكا سيطرتها على سلاسل التوريد.

لكن المفارقة: هذه العودة مستحيلة. كيف تعيد الصناعة إلى بلد تخلّى عن عمالته الماهرة، بنيته التحتية، ثقافته التصنيعية؟ كيف تحمي السوق المحلية وأنت تعتمد على استيراد كل شيء من الإلكترونيات إلى الأدوية؟

إنها محاولة يائسة لإغلاق الباب بعد فوات الأوان. محاولة لبناء جدران في عالم أصبح سائلاً، للعودة إلى الماضي في عالم يتجه نحو المستقبل.


الدولار كسلاح ذو حدين: عندما ينقلب السيف على حامله

لطالما كان الدولار العمود الفقري للهيمنة الأمريكية:

· عملة احتياط عالمية.
· أداة للعقوبات الاقتصادية.
· مصدر "الامتياز الاستثنائي" لتمويل العجز.

لكن اليوم، الدولار أصبح سلاحاً ينقلب على حامله:

1. استخدامه كسلاح (عقوبات على روسيا، إيران، فنزويلا) دفع دولاً إلى البحث عن بدائل، تسريع التخلص من الدولار.
2. الطباعة المفرطة لتمويل العجز أدت إلى تآكل الثقة الدولية بالدولار.
3. صعود اليوان كعملة تداول دولية، ولو محدودة، كسر احتكار الدولار.

الخطر ليس انهياراً مفاجئاً، بل تآكل بطيء. كل عقوبة تدفع دولة للبحث عن بديل، كل أزمة مالية تدفع بلداً للتنويع، كل اتفاق ثنائي بعملة محلية يقلل هامش الهيمنة الأمريكية شيئاً فشيئاً.

الدولار كان أقوى أسلحة أمريكا، وقد يصبح نقطة ضعفها القاتلة.


الصين: المنافس الذي ولده النظام الأمريكي نفسه

أعظم مفارقة في تاريخ الهيمنة الأمريكية: الصين، المنافس الاستراتيجي الأكبر، هي ابنة النظام العالمي الذي قادته أمريكا.

كيف؟

· الانفتاح الاقتصادي ١٩٧٨: قررت الصين الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي بحدود لا تمس سيادتها ولاسيما تسعير اليوان مركزيا ، بدعم وتشجيع أمريكي.
· منظمة التجارة العالمية ٢٠٠١: دخلت الصين بموافقة أمريكية، ظناً أنها ستتحول إلى "دولة رأسمالية عادية".
· سلاسل التوريد العالمية: الشركات الأمريكية نقلت إنتاجها إلى الصين، نقلت معها التكنولوجيا، المهارات، المعرفة.

أمريكا ظنت أنها تستأجر يداً عاملة رخيصة، فإذا بها تخلق منافساً استراتيجياً. ظنت أنها تصدر الرأسمالية إلى الصين، فإذا بالصين تستخدم الرأسمالية لبناء قوتها الخاصة.

اليوم، تواجه أمريكا منافساً: ليس خارج النظام الذي بنته، بل من داخله. ليس عبر مواجهة عسكرية، بل عبر منافسة داخل القواعد نفسها التي وضعتها أمريكا.


إدارة الفوضى: استراتيجية يائسة في عالم متشابك

أمام هذا المشهد، تطورت أمريكا استراتيجية جديدة: إدارة الفوضى. إذا لم تستطع قيادة النظام، فلتجعل النظام غير قابل للقيادة.

مظاهر هذه الاستراتيجية:

1. تفتيت المنافسين: دعم الانفصاليين، تعميق النزاعات الإثنية، إشعال حروب بالوكالة.
2. تدمير الاستقرار الإقليمي: منع ظهور أي قوة إقليمية مستقلة، سواء في الشرق الأوسط، أوروبا الشرقية، أو آسيا.
3. الإبقاء على التوترات: ليس حرباً ساخنة، ليس سلاماً حقيقياً، بل حالة توتر دائمة تستنزف الجميع.

لكن هذه الاستراتيجية تأكل ذاتها:

· الفوضى لا يمكن التحكم فيها.
· النيران المشتعلة قد تصل إلى من أشعلها.
· العالم المتشابك يعني أن الفوضى في مكان ما تنتقل كالفيروس إلى كل مكان.

إدارة الفوضى ليست استراتيجية، بل اعتراف بالعجز. ليست خطة للفوز، بل تكتيك لتأخير الخسارة.


المأزق الوجودي: إمبراطورية بلا مشروع للحضارة

أعظم إمبراطوريات التاريخ قدّمت مشروعاً حضارياً: روما قدّمت القانون والطرق، الإسلام قدّم الدين والحضارة، الغرب قدّم العلم والديمقراطية.

أمريكا اليوم: ما المشروع الحضاري الذي تقدّمه للعالم؟

· الديمقراطية؟ نظامها السياسي منقسم، فاسد، يعاني من أزمة شرعية.
· الحرية؟ مجتمع مراقب، شركات تسيطر على المعلومات، تفاوت هائل.
· الرفاهية؟ نظام اقتصادي يزيد الفجوة، يدمر البيئة، يستنزف الموارد.
· السلام؟ دولة دائمة الحرب، تبيع الأسلحة للعالم، تشعل النزاعات.

اليوم، الصين تقدم نموذجاً بديلاً: نمو اقتصادي سريع، استقرار سياسي، مشاريع بنية تحتية عالمية. روسيا تقدم مقاومة للهيمنة الغربية. حتى أوروبا تبحث عن طريق ثالث بين أمريكا والصين.

أمريكا لم تعد المدينة على التلة، بل أصبحت قلعة محاصرة، تدافع عن امتيازاتها، بلا رؤية لمستقبل مشترك.


مستقبل الهيمنة: ليس الانهيار بل التحول

نحن لا نشهد "انهيار الإمبراطورية الأمريكية" بالمعنى الدراماتيكي. نشهد تحولاً بطيئاً، مضطرباً، خطيراً:

1. من الهيمنة الأحادية إلى التعددية المضطربة: لن تكون الصين "الإمبراطورية الجديدة"، بل سنعيش في عالم متعدد الأقطاب، بلا قائد واضح.
2. من النظام إلى الفوضى المنظمة: النظام الدولي لن ينهار، بل يتحول إلى شبكة معقدة من التحالفات المتغيرة.
3. من القوة الصلبة إلى القوة الذكية: ليست نهاية القوة العسكرية، بل ارتفاع تكلفة استخدامها، وصعود أشكال جديدة من القوة (اقتصادية، تكنولوجية، معلوماتية).

الخطر ليس في فقدان أمريكا لهيمنتها، بل في طريقة فقدانها. الإمبراطورية التي تتراجع وقد تفقد السيطرة على ترسانتها النووية، جهازها الأمني، نزعاتها القومية - هي خطر على العالم كله.


دروس التاريخ الذي لا يتكرر، لكنه يترنح

نختم هذا الفصل باستعارة تاريخية: ليست روما تكرر نفسها، بل التاريخ يرقص على إيقاع مشابه مع آلات جديدة.

أمريكا اليوم تواجه مصير كل إمبراطورية: التوسع يؤدي إلى التمدد، التمدد يؤدي إلى الضعف، الضعف يؤدي إلى التراجع. لكن في عصرنا، هذه الديناميكية تتسارع، تتعقد، تتحول إلى أزمة نظام عالمي وليس مجرد تغيير في القيادة.

في الفصل القادم، سنغوص في البنية الاقتصادية لهذه الأزمة: المديونية المتفجرة، فقاعة الذكاء الاصطناعي، أزمة النموذج النيوليبرالي. سنرى كيف أن الأزمة الجيوسياسية هي انعكاس لأزمة اقتصادية أعمق، وكيف أن عجز الهيمنة ليس سياسياً فحسب، بل اقتصادي، اجتماعي، وجودي.

لكن قبل ذلك، تذكّر: الإمبراطوريات لا تموت في معركة واحدة، بل تذوي ببطء، تفقد شرعيتها قبل أن تفقد قوتها، تصير شبحاً لنفسها قبل أن تختفي من الخريطة. والسؤال ليس متى تتراجع أمريكا، بل كيف سنعيش جميعاً في عالم ما بعد هيمنتها.


……

الفصل السادس (المديونية والفقاعات)

عنوان اخر : كاتدرائية الديون - عندما يصير الوهم أساس النظام


مدينة من ورق في ريح التاريخ

ثَمَّةَ مدينة خيالية، بُنيت ليس من حجر ولا خشب، بل من أرقام متزايدة، وعود متضخمة، ومستقبل مُرهَن. أسوارها من سندات، شوارعها من عقود مشتقة، أبراجها من ديون متراكمة. هذه المدينة الوهمية ليست خيالاً أدبياً، بل هي النظام المالي العالمي المعاصر. نحن لا نعيش في اقتصاد حقيقي، بل في كاتدرائية ضخمة من الديون، كل طابق منها مبني على الطابق الذي تحته، حتى صارت القمة بعيدة عن الأرض، مائلة في ريح الشك، مهددة بالسقوط في أي لحظة.

هذا الفصل ليس عن الأرقام فحسب، بل عن الميتافيزيقا الاقتصادية: كيف يُخلق الثراء من العدم؟ كيف يصير الدين مصدراً للسيولة؟ وكيف تتحول المعادلة الأساسية للاقتصاد من الإنتاج إلى المضاربة؟ إنها رحلة إلى قلب الظاهرة الأكثر غرابة في عصرنا: نظام اقتصادي كامل قرر أن يستعير من المستقبل ليدفع للحاضر، ثم يستعير أكثر ليدفع لما استعاره.


الفصل التأسيسي: يوم انفصل المال عن القيمة

في زمن بعيد، كان المال يمثل شيئاً: ذهباً، فضة، سلعة حقيقية. ثم صار ورقة ترمز إلى الذهب. ثم صار وعداً بدفع الأوراق. ثم صار رقماً في حاسوب. اليوم، صار المال شيئاً أكثر تجريداً: إمكانية للاقتراض.

هذه الرحلة من التمثيل إلى التجريد ليست بريئة. في كل مرحلة، تزداد قدرة النظام على خلق المال من لا شيء. البنوك المركزية تطبع، البنوك التجارية تُقرِض أضعاف ما لديها، الأسواق المالية تخلق أدوات معقدة (المشتقات) قيمتها تتجاوز الاقتصاد الحقيقي بعشرات المرات.

النتيجة: اقتصاد مزدوج. اقتصاد حقيقي (السلع، الخدمات، العمل)، واقتصاد وهمي (المضاربات، الديون، المشتقات). الأول ينمو ببطء، الثاني ينفجر كالفقاعة. لكن الخطر أن الوهم أصبح يتحكم بالواقع: ليس القطاع الحقيقي هو من يقود النمو، بل المضاربة المالية هي التي تحدد اتجاهات الاقتصاد.


المديونية: الوباء الذي صار نظاماً

في العام ٢٠٢٥، تجاوزت الديون العالمية ٣٠٠ تريليون دولار، ما يعادل ٣٥٠٪ من الناتج العالمي. الرقم مجرد، لكن دلالته عميقة: كل دولار من ثروة العالم يقابله ثلاثة ونصف دولار دين.

لكن الأكثر إثارة: الدين لم يعد مشكلة، بل أصبح حلاً. أو هكذا يُظن.

كيف؟

· الحكومات تقترض لتمويل الإنفاق.
· الشركات تقترض لتمويل الاستثمار (أو لشراء أسهمها نفسها).
· الأفراد يقترضون للاستهلاك.
· الجميع يقترض لسداد ديون سابقة.

إنها دائرة مفرغة: الدين يُخلق لسداد الدين. الفائدة تُدفع من ديون جديدة. النظام بأكمله يعتمد على افتراض واحد: أن المستقبل سيكون أكثر غنى من الحاضر، وبالتالي سنستطيع سداد ديوننا عندما يحين وقتها.

لكن ماذا لو توقف النمو؟ ماذا لو انكشف أن هذا النمو نفسه كان مدفوعاً بالدين؟ عندها، تنقلب الآلة: الدين يصير عبئاً لا يمكن حمله، والفائدة تصير سيفاً مسلطاً على رقبة النظام.


فقاعة الذكاء الاصطناعي: أحدث تجسيد لاقتصاد الوهم

في كل عصر، تختار المضاربة قناعاً جديداً. في تسعينيات القرن العشرين، كانت الإنترنت. في العقد الأول من الألفية، كانت العقارات. اليوم، يرتدي الوهم قناع الذكاء الاصطناعي.

الشركات التي لم تحقق ربحاً واحداً تُقيّم بمليارات الدولارات. لماذا؟ لأنها "تملك الذكاء الاصطناعي". لأنها "ستغير العالم". لأنها "تمثل المستقبل".

لكن بين هذا التقييم الخيالي والواقع الاقتصادي، هوة سحيقة:

· معظم هذه الشركات تحرق النقد ولا تولده.
· معظم منتجاتها ترف فكري لا حاجة جماهيرية.
· معظم تقنياتها قابلة للتقليد.

فقاعة الذكاء الاصطناعي ليست عن التكنولوجيا فحسب، بل عن احتياج النظام المالي لسردية جديدة. بعد أن انفجرت فقاعة الإنترنت، فقاعة العقارات، فقاعة العملات المشفرة - يحتاج المضاربون لبطل جديد، حلم جديد، وهم جديد.

والذكاء الاصطناعي هو البطل المثالي: تقني بما يكفي ليبدو "جديداً"، غامض بما يكفي ليحمل وعوداً لا حدود لها، باهظ بما يكفي ليبرر استثمارات خيالية.


الاحتياطي الفيدرالي: ساحر الاقتصاد الذي نفذت حيله

في قلب هذا النظام يقبع البنك المركزي، وخاصة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. لقد تحول من حارس للنقد إلى ساحر يجب أن يستمر في إبهار الجمهور بحيل جديدة.

الحيل المعاصرة:

1. التيسير الكمي: شراء الديون من السوق، ضخ النقد، خلق السيولة من العدم.
2. أسعار الفائدة الصفرية (أو السلبية): معاقبة المدخرين، مكافأة المقترضين.
3. التوجيه المباشر: إخبار الأسواق بما سيفعله البنك المركسي مسبقاً.

لكن كل حيلة تفقد فعاليتها مع الوقت. كل تدخل يحتاج إلى تدخل أكبر في المرة القادمة. كل جرعة من السيولة تحتاج إلى جرعة أكبر لتحقيق نفس التأثير.

المشكلة العميقة: البنك المركزي أصبح سجين سياسته. إذا رفع الفائدة، يهدد بانهيار الأسواق. إذا خفضها، يغذي التضخم. إذا أوقف التيسير الكمي، تجف السيولة.

إنه راقص على حبل مشدود فوق هاوية، والجمهور يتفرج، معتقداً أن هذه ليست خدعة، بل معجزة اقتصادية.


اقتصاد الزومبي: عندما يعيش الموتى على حساب الأحياء

ثمة ظاهرة غريبة تنتشر في الاقتصادات المتقدمة: شركات زومبي. شركات لا تستطيع سداد ديونها حتى لو باعت كل ما تملك، لكنها تستمر في العمل، تقترض أكثر، تعيش على دعم البنوك المركزية.

هذه الشركات الزومبي:

· تشغل موارد (عمالة، رأسمال، طاقة) كان يمكن أن تذهب لشركات منتجة.
· تشوه المنافسة، تبقى في السوق ليس لأنها أفضل، بل لأنها مدعومة بالدين الرخيص.
· تؤجل التصحيح الطبيعي، تمنع السوق من التخلص من غير الكفؤ.

الأسوأ: الحكومات نفسها تصير زومبي. دول لا تستطيع سداد ديونها، لكن تستمر في الاقتراض، لأن المقرضين يعلمون أن انهيارها يعني انهيار النظام بأكمله.

إنه ميثاق انتحار متبادل: المدين لا يستطيع العيش بدون الدائن، والدائن لا يستطيع العيش بدون المدين. الجميع يسيرون معاً نحو الهاوية، لأن التوقف يعني السقوط الفوري.


التضخم: الشبح الذي يعود من القبر

لطالما كان التضخم شبحاً يخيف البنوك المركزية. لكن في العقد الماضي، ظنوا أنهم قتلوه إلى الأبد. طباعة النقد لم تعد تؤدي إلى تضخم، لأن النقد يذهب إلى الأسواق المالية لا إلى الاقتصاد الحقيقي.

لكن الشبح عاد. لم يعد تضخم السلع التقليدية (الغذاء، الطاقة)، بل تضخم الأصول:

· أسعار المساكن ترتفع بلا علاقة بالأجور.
· أسهم الشركات ترتفع بلا علاقة بالأرباح.
· الأعمال الفنية، العملات المشفرة، كل شيء يرتفع.

لماذا؟ لأن السيولة الزائدة تبحث عن أي شيء تشتريه. عندما تطبع البنوك المركزية تريليونات، لا تذهب إلى الرواتب، بل تذهب إلى المضاربة.

النتيجة: انفصال كامل بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي. العمال لا يرون ارتفاعاً في أجورهم، لكن الثروات الورقية تنمو. التفاوت لا يزداد فقط، بل يُموَّل بالنقد المطبوع.


الأسواق الناشئة: ضحايا لعبة الديون العالمية

في هذه اللعبة الخطرة، الأسواق الناشئة هي الأكثر عرضة للخطر:

1. تقترض بالدولار: لأنها العملة العالمية.
2. تستثمر محلياً: بافتراض أن النمو سيستمر.
3. عندما يرتفع الدولار أو الفائدة الأمريكية: تجد نفسها عاجزة عن السداد.

إنها فخ الديون بالعملة الأجنبية. تخيّل عائلة تقترض بالفرنك السويسري لشراء منزل في تركيا. إذا انخفض الليرة، تصير الديون مستحيلة السداد. هذا ما يحدث على مستوى الدول.

والولايات المتحدة، بسياساتها النقدية، تخلق هذه الأزمة دورياً:

· تخفض الفائدة: تتدفق الأموال إلى الأسواق الناشئة بحثاً عن العائد.
· ترفع الفائدة: تنسحب الأموال فجأة، تترك اقتصاداً منهاراً.

هذه ليست سياسة اقتصادية، بل آلة لتوليد الأزمات. كل دورة تزيد تركيز الثروة في المركز، وتزيد فقر الأطراف.


انهيار ١٢ تريليون دولار: بروفة لما هو آت

عوداً إلى مشهد الافتتاح في أواخر الشهر الاول من عام 2026 : ١٢ تريليون دولار تتبخر في ٤٨ ساعة. هذا ليس حادثاً، بل عرض توضيحي.

كيف؟

1. جميع الأصول مرتبطة: عندما ينهار الذهب، ينهار معه كل شيء.
2. الرافعة المالية تضخم الخسائر: استثمارات بسيطة تخسر أضعاف قيمتها.
3. الخوارزميات تسرّع الانهيار: لا تفكر، تتفاعل، تبيع كل شيء.

لكن الأهم: لا أحد يفهم لماذا حدث. قد يكون حدثاً تقنياً، تحولاً في المشاعر، تدخلاً سرياً. الغموض نفسه هو الرسالة: النظام أصبح معقداً جداً بحيث لا يمكن فهمه، لا يمكن التحكم به.

الانهيارات الصغيرة هي تحذيرات. رسائل يقول فيها النظام: "أنا هش، معقد، خطير. أنا قد أنهار في أي لحظة، وأخذ معي كل شيء".


اقتصاد الكازينو: عندما تصير المضاربة هي النشاط الأساسي

لم يعد الاقتصاد الحديث عن إنتاج السلع والخدمات، بل عن المضاربة عليها. لم نعد نزرع القمح، بل نراهن على سعره. لم نعد نصنع السيارات، بل نشتري أسهم شركاتها.

هذا التحول له عواقب عميقة:

1. الموارد تذهب إلى المضاربة لا إلى الإنتاج: أفضل العقول تذهب إلى وول ستريت لا إلى المصانع أو المعامل.
2. القيمة تنفصل عن السعر: سعر الشيء يُحدد بما يراهن عليه المضاربون، لا بما ينتجه.
3. الاستقرار يختفي: الأسواق تتأرجح بناءً على الشائعات، لا على الحقائق الاقتصادية.

الاقتصاد صار كازينو ضخم، لكن مع فارق حاسم: في الكازينو الحقيقي، تعرف أنك تقامر. في الاقتصاد الحديث، يخبرونك أنك تستثمر.


البدائل المستحيلة: البحث عن مخرج من المتاهة

النظام يعرف أنه في مأزق. لذلك يبحث عن مخارج خيالية:

1. النمو الدائم: وهم أن الاقتصاد يمكن أن ينمو إلى الأبد في عالم محدود الموارد.
2. التكنولوجيا المنقذة: الاعتقاد أن الذكاء الاصطناعي، الفضاء، شيء ما سيأتي لينقذ النظام.
3. إعادة التعريف: تغيير تعريف التضخم، النمو، الديون - لجعل المشكلة تبدو أصغر.

لكن الحقيقة: لا مخرج داخل النظام. لأن المشكلة هي النظام نفسه. مشكلة اقتصاد بني على الدين اللانهائي، النمو الدائم، والثروة الورقية.

البديل الحقيقي يتطلب إعادة بناء النظام من أساسه: فصل المال عن السياسة، ربط القيمة بالإنتاج الحقيقي، إنهاء اقتصاد الكازينو.

لكن هذا مستحيل سياسياً. لأن من يسيطر على النظام هم المستفيدون منه. لماذا يغيرون نظاماً يجعلهم أثرياء، حتى لو كان يقود العالم إلى الهاوية؟

بين الفقاعة والسكين

نختم هذا الفصل بصورة: اقتصاد العالم كبالون ضخم، ملون، يطير عالياً. الجميع ينظر إليه بإعجاب، يصورونه، يتغنون بجماله.

لكن قلة ترى: البالون مثقوب. الهواء يتسرب ببطء. وبجوار البالون، طفل يلعب بسكين حاد.

الخيارات:

· نستمر في النفخ: نطبع المزيد، نخلق المزيد من الديون، نضخم الفقاعة.
· نحاول إصلاح الثقب: إصلاحات هامشية، تعديلات تقنية.
· نترك الطفل والسكين: نعترف أن النظام غير قابل للإصلاح، ونبدأ في بناء شيء جديد.

المشكلة: لا أحد يريد أن يكون من يثقب البالون. لا أحد يريد أن يُلام على الانهيار. لذلك، الجميع يستمر في النفخ، وهم يعلمون أن الانفجار آت، لكنهم يرجون أن يحدث بعد رحيلهم.

في الفصل القادم، سننتقل إلى التفكك الداخلي: كيف ينقسم حلفاء أمريكا، وكيف تبحث أوروبا عن شراكات جديدة. سنرى كيف أن الأزمة الاقتصادية لا تبقى في عالم المال، بل تتحول إلى أزمة جيوسياسية، تهدد النظام العالمي بأكمله.

لكن قبل ذلك، تذكّر: الاقتصاد الحديث هو أكبر قصة خيالية في التاريخ. والمفارقة أننا جميعاً مجبرون على التصرف كما لو كانت حقيقية، لأن الاعتراف بأنها خيال يعني انهيار عالمنا بين أيدينا.

……

الفصل السابع (التفكك الداخلي: انشقاق الحلفاء والبحث عن شراكات جديدة)؟

عنوان اخر : تفكك القصر - عندما تنشق جدران التحالف الحديدي


الصدع في رخام القوة

كل إمبراطورية عظيمة تبدأ سقوطها ليس بغزو خارجي، بل بشرخ داخلي في تماسك نخبتها. هكذا بدأت روما تنهار حين صار الجنرالات يتقاتلون على العرش، وهكذا تهاوت الملكيات الأوروبية حين انقلبت طبقتها الأرستقراطية على نفسها. اليوم، ونحن نشهد لحظة تاريخية موازية: التحالف الغربي الذي حكم العالم منذ 1945 يبدأ بالتصدع من داخله.

ليس صدعاً دراماتيكياً يسمع دويه في قاعات الأمم المتحدة، بل تشققاً صامتاً يظهر في قاعات الاجتماعات المغلقة، في اتفاقيات التجارة الثنائية، في تحولات الاستثمار الخفية. إنه انزياح جيوسياسي يتم ببطء كحركة القارات، لكنه لا يقل تحويلاً للعالم. أوروبا، التي كانت الذراع الاقتصادية للحلف الأطلسي، تبدأ اليوم بالتململ تحت القبضة الأمريكية، تتطلع شرقاً نحو مصالحها الخاصة، تبحث عن شراكات قديمة-جديدة مع من كان بالأمس خصماً.

هذا الفصل هو استقصاء لهذا الانزياح الخفي، تحليل لـ ساعة التاريخ التي بدأت تدق لأحادية القطب.


ذاكرة الانقسام: صدمة السيل الشمالي

في ليلة سبتمبر 2022، حدث تحت مياه بحر البلطيق ما قد يُذكر يوماً كمفصل تاريخي بين عصرين. انفجار خط أنابيب السيل الشمالي-2 لم يكن مجرد عمل تخريبي، بل كان رسالة مكتوبة بماء البحر والغاز المضغوط: رسالة مفادها أن العلاقة بين أوروبا وروسيا يجب أن تُقطع عند أول مفصل حيوي.

لكن المفارقة أن هذه الرسالة كانت موجهة إلى بروكسل بقدر ما كانت إلى موسكو. كانت تحذيراً لألمانيا، فرنسا، إيطاليا: طريقكم إلى الاستقلال الطاقي مسدود. شراكتكم مع الشرق تُختَنق في المهد. مستقبلكم الطاقي يجب أن يمر عبر السفن الأمريكية المحملة بالغاز المسال، الأغلى ثمناً، الأقل استقراراً، والأكثر خضوعاً لتقلبات السوق العالمي.

تلك الليلة، شعرت نخب أوروبا بشيء لم تشعر به منذ 1945: أنها ليست شريكة كاملة، بل منطقة نفوذ. أن مصالحها القومية تُضحّى بها على مذبح الاستراتيجية الأمريكية. أن ذات الحماية التي طالما اعتُبرت درعاً قد تتحول إلى قيد.



الشرخ الاقتصادي: عندما يصطدم المحفظة بالولاء

لطالما كانت المعادلة الأوروبية بسيطة: الأمن من واشنطن، الطاقة من موسكو، الأسواق من بكين. لكن هذه المعادلة الثلاثية بدأت تتناقض مع نفسها في عصر المواجهة الجيوسياسية.

الأرقام تتحدث:

· الصين: الشريك التجاري الأول لألمانيا منذ 2016.
· روسيا: كانت توفر 40% من غاز أوروبا قبل 2022.
· الولايات المتحدة: تمثل 50% من الإنفاق العسكري للناتو.

المعضلة: كيف تبقى موالية لأمنياً لواشنطن بينما اقتصادك يتجه شرقاً؟ كيف تقاطع روسيا طاقياً بينما مصانعك تتوقف؟ كيف تواجه الصين تجارياً بينما أسواقك تعتمد عليها؟

لأول مرة منذ تأسيس الاتحاد الأوروبي، المصالح الاقتصادية تصطدم بالتحالفات الأمنية. لأول مرة، تدرك النخب الأوروبية أن "الحرب الباردة الجديدة" تعني اختياراً: إما السوق أو الحلف.



التحول الألماني: من قلب أوروبا الصناعي إلى مفترق الطرق

ألمانيا، القاطرة الصناعية للقارة، تجسد هذا التناقض بأقسى صوره. اقتصادها مبني على ثلاثة أركان: صناعة سيارات فاخرة للعالم، آلات متطورة للصين، غاز رخيص من روسيا.

لكن هذه المعادلة الذهبية تهتز تحت ضغط ثلاثي:

1. الحرب في أوكرانيا: قطعت إمدادات الغاز الروسي.
2. المنافسة الصينية: تهدد صناعة السيارات الألمانية.
3. القوانين الأمريكية: تفرض قيوداً على التعامل مع الصين.

النتيجة: أول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، الاقتصاد الألماني يدخل في انكماش طويل. المصانع تغلق أو تهاجر إلى أمريكا حيث الطاقة أرخص، الدعم أكبر، السوق محمية.

لكن الأهم من الانكماش هو التحول الاستراتيجي. ألمانيا تبدأ بالسؤال الذي كان محرماً: هل الولاء للناتو يستحق تدمير نموذجنا الاقتصادي؟ هل يجب أن نكون جسراً بين الشرق والغرب، أم جداراً أمريكياً في أوروبا؟


فرنسا: البحث المتواصل عن الاستقلال المستحيل

فرنسا، بذاكرتها الإمبراطورية، كانت أكثر الدول الأوروبية شكاً في الهيمنة الأمريكية. ديغول سحب فرنسا من القيادة العسكرية للناتو عام 1966. ميتران حلم بـ "أوروبا من المحيط إلى الأورال". شيراك رفض الحرب على العراق.

لكن هذا الحلم الاستقلالي يصطدم بواقعين قاسيين:

1. القوة العسكرية الفرنسية لا تكفي لموازنة أمريكا أو الصين.
2. الاقتصاد الفرنسي أضعف من أن يقف وحده.

اليوم، يقف ماكرون في مفترق طرق: من ناحية، يصر على "الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا"، يحلم بجيش أوروبي، سياسة خارجية موحدة. من ناحية أخرى، يضطر للتبعية في الطاقة، التكنولوجيا، الاستخبارات.

فرنسا تشبه فناناً عظيماً يعيش في استديو مملوك لآخر. قد تنتج لوحات رائعة، لكن الجدران، الضوء، حتى الهواء - ليس لها.


بريطانيا: الحلفاء الأكثر ألماً بعد الطلاق

بريكست، ذلك الزلزال السياسي، كان مجرد الزلزال الأول في سلسلة تهز المكانة البريطانية. بريطانيا اليوم تشبه سفينة غادرت الميناء الأوروبي بفخر، لتكتشف أن الميناء الأمريكي لا ينتظرها بترحيب.

المفارقة البريطانية:

· تركت السوق الأوروبية الموحدة لتصبح شريكاً ثانوياً للولايات المتحدة.
· حلمت بـ "بريطانيا العالمية" لكنها وجدت نفسها تتنقل بين القوى الكبرى بلا وزن حقيقي.
· مؤسساتها المالية، كنز التاج، تهاجر إلى فرانكفورت وباريس.

بريطانيا تكتشف أن "العلاقة الخاصة" مع أمريكا كانت تعني: أنت تتبع، نحن نقود. وأنه بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم تعد لندن الجسر بين أوروبا وأمريكا، بل أصبحت جزيرة بين قارتين تبتعدان عنها.


أوروبا الشرقية: بين شوكة الناتو وسندان الاقتصاد

دول مثل بولندا، التشيك، رومانيا - كانت تُعتبر أكثر الأعضاء ولاءً للناتو. ذاكرتهم مع روسيا جعلتهم يحتضون الحماية الأمريكية بحرارة.

لكن حتى هنا، التصدع يبدأ:

· الصين تستثمر في البنية التحتية لأوروبا الشرقية عبر مبادرة الحزام والطريق.
· الشركات الألمانية تنقل إنتاجها شرقاً للاستفادة من الأجور المنخفضة.
· الفلاحون يثورون ضد استيراد الحبوب الأوكرانية الرخيصة التي تدمر أسعارهم.

الولاء الأمني يصطدم بالمصالح الاقتصادية اليومية. الفلاح البولندي الذي يخسر سوقه بسبب السياسة الأوكرانية، هل سيبقى يؤمن بأن الناتو يحميه؟

البحث عن الشريك الجديد: نظرات متجهة شرقاً

في هذا السياق، تبدأ أوروبا بإعادة تقييم شركائها التقليديين:

1. مع الصين: العلاقة الأكثر تعقيداً. من ناحية، سوق لا يمكن التخلي عنه (ألمانيا تبيع 25% من سياراتها للصين). من ناحية أخرى، منافس استراتيجي يهدد الصناعة الأوروبية.
2. مع الهند: البديل الديمقراطي المأمول. لكن الهند لديها أولوياتها: الطاقة الروسية الرخيصة، عدم الانحياز التقليدي، علاقة خاصة مع أمريكا أيضاً.
3. مع الخليج: شريك طاقي واستثماري. لكن الخليج نفسه يتجه شرقاً، يستثمر في الصين، يطور علاقات مع روسيا.

المشكلة: لا شريك مثالي. كل بديل يأتي بمشاكله، شروطه، تناقضاته.


أزمة الشرعية الداخلية: عندما يتساءل المواطنون

أخطر أنواع التصدع هو الذي يحدث في وعي المواطنين العاديين. الأوروبي اليوم يسأل:

· لماذا أدفع فاتورة غاز بثلاثة أضعاف بسبب حرب في أوكرانيا؟
· لماذا تغلق مصانعنا بينما تفتح في أمريكا؟
· لماذا نتبع سياسة خارجية تُقرر في واشنطن لا في بروكسل؟

هذه الأسئلة تغذي الشعبوية، تضعف الثقة في النخب، تُهدد المشروع الأوروبي من أساسه.

الحكام الأوروبيون أمام خيارين صعبين:

· إما يشرحوا الحقائق القاسية (أن أوروبا لم تعد قوة عظمى، أنها تابعة) - وهذا انتحار سياسي.
· أو يستمروا في خطاب القوة الوهمي - وهذا يزيد الفجوة بين الخطاب والواقع.


الناتو: تحالف يبحث عن عدوه

الناتو، ذلك التحالف العسكري الأعظم في التاريخ، يواجه أزمة وجودية: ماذا تفعل عندما يختفي العدو الذي وُجدت لمحاربته؟

الاتحاد السوفيتي انتهى عام 1991. لكن الناتو استمر، بل توسع. بحث عن مهام جديدة: محاربة الإرهاب، التدخل في البلقان، ثم المواجهة مع روسيا مجدداً.

اليوم، المشكلة أن التهديد الروسي، رغم خطورته، لا يبرر وجود الناتو كما السوفيتي. روسيا اقتصادها حجمه اقتصاد إيطاليا، سكانها في تناقص، جيشها تقليدي.

فالناتو يحاول اختراع تهديدات جديدة: الصين في آسيا، الإرهاب في إفريقيا، الهجرة في المتوسط. لكن لا تهديد يوحد كما وحد السوفيتي.

والنتيجة: تحالف بلا هدف واضح، أعضاء يختلفون على الأولويات، قائد (أمريكا) ينشغل بمشاكله الداخلية.


سيناريوهات المستقبل: ثلاث طرق للتفكك

أمام هذا المشهد، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة:

1. التبعية الكاملة: أوروبا تختار البقاء تحت المظلة الأمريكية، تضحّي باستقلالها الاقتصادي لأمنها. تصير ذراعاً تنفيذية للاستراتيجية الأمريكية.
2. الاستقلال الجزئي: أوروبا تبني قدراتها العسكرية الذاتية، تتنوع في شركائها الاقتصاديين، تكون قوة ثالثة بين أمريكا والصين.
3. التفكك الكامل: كل دولة أوروبية تذهب في طريقها، تبحث عن مصالحها الخاصة، يعود القومية، ينهار المشروع الأوروبي.

السيناريو الأرجح: مزيج مؤلم من الثلاثة. أوروبا الغربية تحاول الاستقلال، أوروبا الشرقية تبقى مع أمريكا، دول الجنوب تتجه للصين. اتحاد منقسم، ضعيف، يتآكل من الداخل.

خاتمة: قصر من ورق في عاصفة القرن

نعود إلى استعارة القصر. التحالف الغربي اليوم يشبه قصراً عظيماً، واجهته من رخام، لكن أساساته تآكلت بالمياه الجوفية للتاريخ.

المياه الجوفية هي:

· تغير موازين القوى الاقتصادية.
· صعود قوى جديدة.
· أزمات داخلية في الدول الغربية نفسها.

القصر لن ينهار في يوم وليلة. لكن الشقوق تظهر، بعض الغرف تُغلق، سكانه يبدؤون بالشك في متانته.

في الفصل القادم، سننتقل من أوروبا إلى العالم كله. سنرى كيف أن تفكك التحالف الغربي ليس حادثة معزولة، بل جزء من تحول أكبر: صعود تعددية قطبية مضطربة، حيث تتصارع القوى الكبرى، وتتماور القوى المتوسطة، وتُسحق القوى الصغيرة.

لكن قبل ذلك، تذكّر: التاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يميل إلى إنتاج أنماط متشابهة. والإمبراطوريات لا تسقط بغزو خارجي، بل بتفكك داخلي. والتحالفات لا تنتهي بالخيانة، بل بالتحول البطيء للمصالح. وهذا ما نراه اليوم: تحالف بني على ركام الحرب العالمية الثانية، يبدأ بالتفكك تحت ضغوط عالم جديد، بلا حرب باردة واضحة، بلا أعداء محدّدين، بل بفوضى متعددة الأقطاب تلوح في الأفق.





…..


الفصل الثامن: الساعة الرابعة صباحاً - تشريح لحظة الانهيار السريع

عنوان اخر : (سيناريو الانهيار السريع: تحليل موجات الهلع المالية العالمية وآثارها)


اللحظة التي توقف فيها العالم عن التنفس

ثمة لحظات في التاريخ المالي تكون فيها الساعة الكونية للثقة قد دقت رغم صمت كل الساعات. اللحظة التي يتحول فيها التداول الهادئ إلى رعدة هستيرية، والأرقام الملونة على الشاشات إلى نوافير من الدم الرقمي. في مثل هذه اللحظات، لا تنهار الأسواق فحسب، بل ينهار الوهم الجماعي بأن النظام المالي قادر على البقاء.

ذلك الصباح الخيالي الذي اختفى فيه 12 تريليون دولار خلال 48 ساعة لم يكن مجرد "تصحيح" أو "تقلب". كان بروفة جنائزية للنظام المالي العالمي. كان اللحظة التي انكشف فيها أن القلب المالي للعالم لا ينبض بإيقاع منتظم، بل يرتجف كقلب مصاب بالهلع.

هذا الفصل ليس عن الأرقام التي اختفت، بل عن اللحظة السيكولوجية الجماعية التي جعلت اختفاءها ممكناً. عن تلك النقطة الحرجة حيث يتحول القلق الفردي إلى ذعر جمعي، والذعر الجمعي إلى انهيار منهجي.


البركان الخامل: ما تحت سطح النظام الهادئ

لفهم الانهيار السريع، يجب أولاً فهم الهدوء السريع الذي سبقه. النظام المالي الحديث ليس نظاماً مستقراً، بل بركاناً خامداً بفوهة مغطاة بالعشب الأخضر. الثوران لا يبدأ من العدم، بل من تراكم الضغوط تحت السطح:

· طبقة الديون المتراكمة كالصفائح التكتونية
· المشتقات المالية المتضخمة كالصهارة تحت القشرة
· الرافعة المالية المشدودة كزنبرك جاهز للانطلاق
· الخوارزميات المتداولة كشبكة أعصاب مفرطة الحساسية

كل يوم من "الاستقرار" هو في الحقيقة يوم من تراكم الطاقة التدميرية. كل قرار بطباعة المزيد من النقود، كل صفقة مشتقات جديدة، كل زيادة في الرافعة المالية - تزيد الضغط تحت الفوهة.

الانهيار السريع ليس بداية المشكلة، بل اللحظة التي يجد فيها الضغط منفذاً. اللحظة التي تتفوق فيها قوانين الفيزياء المالية على سحر المصرفيين المركزيين.


الشرارة الأولى: عندما يختفي المشترون

كل الأسواق تعتمد على افتراض بسيط وخطر: أن هناك دائماً مشترياً. أن لكل بائع راغب في التخلص من أصل ما، هناك مشتري راغب في الحصول عليه.

لكن الانهيار السريع يبدأ عندما يختفي هذا الافتراض. عندما تصبح الصفقة الوحيدة الممكنة هي البيع بأي سعر. عندما يتحول السوق من مكان للتبادل إلى مزاد لإعلان الإفلاس.

كيف يحدث هذا؟

1. صندوق تحوّط كبير يقرر الخروج من صفقة خاسرة.
2. يبيع بكميات ضخمة، مما يخفض السعر.
3. صناديق أخرى، ترى انخفاض السعر، تبدأ بالبيع لحماية نفسها.
4. الخوارزميات تلتقط الاتجاه، تبيع تلقائياً.
5. المستثمرون الأفراد يدخلون في حالة ذعر، يبيعون.
6. فجأة، لا أحد يريد الشراء. الجميع يريد البيع فقط.

إنها دائرة جهنمية: البيع يخفض السعر، انخفاض السعر يسبب مزيداً من البيع. النظام يأكل نفسه.

سلاسل الدومينو المالية: عندما يسقط أول قطعة

الانهيار السريع لا ينتشر كالنار في الهشيم، بل كدومينو مالي ضخم. كل قطعة دومينو تمثل:

1. صناديق التحوّط ذات الرافعة العالية
2. البنوك الاستثمارية المترابطة عبر المشتقات
3. صناديق التقاعد التي استثمرت في "أصول آمنة"
4. الشركات التي اقترضت لإعادة شراء أسهمها
5. الدول التي تعتمد على تدفق رؤوس الأموال

عندما تسقط القطعة الأولى (مثلاً، انهيار عملة دولة ما)، تسحب معها القطع المجاورة. البنوك التي أقرضت لها تخسر، صناديق التحوّط التي راهنت عليها تنهار، الدول التي تتاجر معها تتأثر.

المشكلة في النظام الحديث: نحن لا نعرف أي قطعة دومينو ستسقط أولاً. قد تكون دولة صغيرة في آسيا، صندوق تحوّط في لندن، بنك في فرانكفورت. لكننا نعرف أن السلسلة كلها مترابطة. وأن سقوط قطعة واحدة قد يسحب النظام بأكمله.

الخوارزميات: جنود دون ضمير في حرب الملي ثانية

في الماضي، كان الانهيار يستغرق أياماً. اليوم، يحدث في ثوانٍ. السبب: الخوارزميات المتداولة.

هذه البرامج الحاسوبية:

· تتداول بسرعة الضوء (مليون جزء من الثانية)
· تتفاعل مع بعضها دون تدخل بشري
· تضخم الاتجاهات بدلاً من تصحيحها
· لا تفهم السياق، فقط تتبع القواعد الرياضية

في يوم عادي، هذه الخوارزميات توفر سيولة، تخفض التكاليف. في يوم الانهيار، تتحول إلى أسلحة دمار مالي.

الصورة: خوارزمية تكتشف انخفاضاً طفيفاً في سعر السهم. تبيع. خوارزميات أخرى تقلدها. المزيد من البيع. انخفاض أكبر. دوامة لا تنتهي.

المفارقة: المبرمجون الذين كتبوا هذه الخوارزميات لا يفهمون كيف تتفاعل معاً. النظام أصبح أكثر ذكاءً من مبتكريه. وأكثر خطورة.

الذهب ليس ذهباً: انهيار الملاذات الآمنة

الجزء الأكثر رعباً في انهيار 12 تريليون دولار: انهيار الذهب نفسه.

لقرون، كان الذهب الملاذ الأخير. عندما تنهار الأسهم، السندات، العملات - يرتفع الذهب. كان القانون غير المكتوب: الذهب آمن.

لكن في الانهيار الحديث، حتى هذا القانون انكسر. لماذا؟

1. الذهب لم يعد "مادياً": معظم تداولاته تتم عبر "صناديق متداولة" (ETFs) - وهي أوراق مالية مثل غيرها.
2. المضاربة طغت على القيمة: الذهب صار أداة مضاربة مثل أي أصل آخر.
3. عندما تحتاج الجميع للنقد: حتى حاملي الذهب يبيعون لجمع السيولة.

الانهيار السريع يظهر حقيقة مرعبة: في النظام المالي الحديث، لا يوجد ملاذ آمن حقيقي. كل الأصول مرتبطة، مالية، قابلة للانهيار معاً.

السيولة: الوهم الذي يختفي عند الحاجة

السيولة هي الدم في جسد النظام المالي. في الأوقات العادية، تتدفق بوفرة. في أوقات الأزمات، تختفي فجأة.

السيولة ليست مالاً فحسب، بل استعداد الآخرين للتعامل معك. وهي تختفي عندما:

· البنوك تتوقف عن الإقراض لبعضها
· الصناديق تطلب سيولة في نفس الوقت
· الجميع يريد بيع، لا أحد يريد شراء

مشكلة النظام الحديث: السيولة وهمية. تبدو موجودة حين لا تحتاجها، تختفي حين تحتاجها حقاً.

في انهيار 12 تريليون دولار، لم يكن المشكلة عدم وجود قيمة، بل عدم وجود مشترين. الأصول كانت موجودة، لكن لا أحد يريدها. أو بالأحرى، كل أحد يريد بيعها في نفس الوقت.


المرحلة الثانية: الانتقال من الأسواق إلى الاقتصاد الحقيقي

الانهيار المالي السريع لا يبقى في الشاشات. ينتقل إلى:

1. الشركات: التي لا تستطيع الاقتراض، تتوقف عن الاستثمار، تخفض الوظائف.
2. الأفراد: الذين يفقدون مدخراتهم، يخفضون إنفاقهم.
3. الدول: التي تفقد القدرة على الاقتراض، تقلص الإنفاق العام.

الانتقال من الانهيار المالي إلى الركود الاقتصادي يكون سريعاً كالانهيار نفسه. الشركات التي فقدت 30% من قيمتها في يوم لا تنتظر شهراً لتقرر تسريح العمال. تبدأ في اليوم التالي.

الأسوأ: تأثير الدومينو العكسي. الاقتصاد الحقيقي المنهار يعود ليدمر الأسواق المالية مرة أخرى. دوامة هابطة لا نهاية لها.


رد الفعل: عندما تصير الأدوية أقوى من المرض

في مواجهة الانهيار السريع، تتدخل السلطات. لكن مشكلة الأدوية الحديثة: جرعاتها أصبحت سامة.

البنوك المركزية لديها ثلاث أدوات:

1. خفض الفائدة: لكنها بالفعل قرب الصفر.
2. التيسير الكمي: لكنه يخلق تضخماً مستقبلياً.
3. الوعود الشفهية: لكن المصداقية تنهار.

المشكلة: كل أزمة تحتاج إلى تدخل أكبر من السابقة. أزمة 2008 احتاجت تريليونات. الانهيار التالي سيحتاج عشرات التريليونات. والسؤال: من يملك هذا المال؟

الأخطر: تأثير الإدمان. الأسواق تعتاد على الدعم، تتوقف عن العمل بدونه. النظام يصبح مدمناً على تدخل البنوك المركزية. وكلما زاد التدخل، زادت الحاجة إليه في المرة القادمة.

الاختلاف هذه المرة: عالم بلا قائد

انهيارات الماضي (1929، 2008) حدثت في عالم أحادي القطب. أمريكا قادت الاستجابة، جمعت الحلفاء، ضخت السيولة.

اليوم، العالم مختلف:

· أمريكا منقسمة داخلياً، مشغولة بنفسها.
· الصين لن تنقذ النظام الغربي، بل قد تستفيد من انهياره.
· أوروبا ضعيفة، منقسمة، ليس لديها أدوات كافية.
· روسيا معزولة، ليس لديها ما تخسره.

الانهيار القادم سيحدث في فراغ قيادة. لن يكون هناك قائد واضح للاستجابة. سيكون كل بلد لنفسه. وهذا سيجعل الانهيار أعمق، أطول، وأكثر خطورة.


ما بعد الانهيار: ولادة نظام جديد من الرماد

الانهيار السريع ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد. التاريخ يظهر أن الأزمات المالية الكبرى تعيد تشكيل النظام العالمي:

· أزمة 1873: ولدت الإمبريالية الحديثة
· أزمة 1929: ولدت نظام بريتون وودز
· أزمة 2008: ولدت هيمنة البنوك المركزية

الانهيار القادم سيولد نظاماً جديداً. لكن السؤال: أي نظام؟

الاحتمالات:

1. تعددية قطبية مالية: عملات متعددة، أنظمة دفع منفصلة.
2. عودة الذهب: ليس كملاذ، بل كأساس للنظام.
3. العملات الرقمية للبنوك المركزية: سيطرة مالية كاملة.
4. انهيار النظام بأكمله: عودة إلى المقايضة، الاقتصادات المحلية.

كل احتمال له رابحون وخاسرون. وكل احتمال يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للعالم.


خاتمة: الساعة التي لا تعرف الوقت

نختم هذا الفصل باستعارة: النظام المالي العالمي كساعة فائقة التعقيد. كل ترس (بنك، صندوق، سوق) متصل بترس آخر. الساعة تدق بانتظام، ننسى أنها مصنوعة من قطع هشة.

الانهيار السريع هو اللحظة التي تتوقف فيها الساعة. ليس لأن الطاقة نفدت، بل لأن التروس تدمرت بعضها. اللحظة التي نكتشف فيها أن الانتظام كان وهمياً. أن النظام كان يعمل ليس لأنه مصمم جيداً، بل لأنه محظوظ.

في الفصل التاسع، سننتقل من تحليل الانهيار إلى استراتيجيات النجاة. سنرى كيف أن بعض الدول استعدت، كيف أن بعض الشركات تحوطت، كيف أن بعض الأفراد فهموا قبل الآخرين.

لكن قبل ذلك، تذكّر: الأسواق المالية ليست قوى طبيعية كالزلازل، بل هي أنظمة بشرية الصنع. وكل نظام من صنع البشر يمكن أن ينهار. والفرق بين الزلزال الطبيعي والانهيار المالي أن الأخير يمكن توقعه، يمكن فهمه، ويمكن التحضير له. لكن هذا يتطلب شجاعة للنظر في أعين الواقع، بدلاً من الانشغال بألوان الشاشات المتلألئة.


……


…..
الجزء الثالث
(استراتيجيات السيادة)


الفصل التاسع: فن البقاء - استراتيجيات السيادة في زمن الاعتماد المتبادل القسري


عودة السفن إلى الموانئ الأصلية

هناك لحظة في حياة كل أمّة تدرك فيها أن الاعتماد على الآخر ليس خياراً، بل فخاً مبطّناً بحبال النجاة نفسها. اللحظة التي يتحول فيها الشريك إلى سيد، والاتفاقية إلى قيد، والانفتاح إلى تبعية. في هذا العصر من الاعتماد المتبادل المُفترض، تبدأ بعض الدول في إعادة اكتشاف معنى السيادة، ليس كشعار سياسي، بل كضرورة وجودية.

هذه ليست عودة إلى القومية الضيقة، بل ابتعاد استراتيجي عن أوهام العولمة. إنها عملية تشبه إعادة تعلم المشي بعد الاعتماد الطويل على العكازات. دول تكتشف أن الأمن الغذائي ليس ترفاً بل خط دفاع أول، أن القدرة الصناعية ليست مسألة كفاءة بل سيادة، وأن الاستقلال المالي ليس سياسة بل بقاء.

هذا الفصل يرسم خريطة هذا الانزياح الجيوسياسي الصامت، الذي يتم بعيداً عن خطابات القمم الدولية، في مختبرات البحث، في الحقول التجريبية، في مصانع تعيد اكتشاف فنون الإنتاج المحلي.

الصين: الانزياح الطويل المدى

قبل أن يصبح مصطلح "فك الارتباط" شائعاً، كانت الصين تمارس فن الانزياح الطويل منذ عقود. لم تكن عملية اندماجها في النظام العالمي استسلاماً، بل استيعاباً استراتيجياً. كانت تأخذ التقنية، المهارات، رأس المال - ثم تبني نسختها الخاصة.

الانزياح الصيني لم يكن رفضاً للنظام العالمي، بل إعادة تشكيله من الداخل. ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى (1978-2001): الطالب المجتهد

· تعلّم قواعد النظام الرأسمالي.
· استوعب التكنولوجيا الغربية.
· بنى قاعدة صناعية لا مثيل لها.

المرحلة الثانية (2001-2013): الشريك المنافس

· انضمام منظمة التجارة العالمية.
· تحول من "مصنع العالم" إلى منافس تكنولوجي.
· بداية مشاريع الاستثمار الخارجي.

المرحلة الثالثة (2013-الآن): صانع النظام الموازي

· مبادرة الحزام والطريق.
· نظام دفع عالمي باليوان.
· تقنيات مستقلة (5G، أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي).

الانزياح الصيني لم يكن رد فعل، بل فعل إرادي. كان خطة بطيئة، صبورة، شبه جيولوجية في طول أنفاسها.

روسيا: الانزياح القسري - ولادة من رحم العقوبات

إذا كانت الصين اختارت الانزياح، فروسيا اضطرت إليه. العقوبات الغربية منذ 2014، ثم التصعيد في 2022، لم تضعف روسيا فحسب - بل حرّرتها.

الانزياح الروسي أظهر مفارقة تاريخية: أحياناً، يكون الحصار أفضل هدية للإرادة الوطنية. لأنه يجبر الأمة على:

1. اكتشاف قدراتها المدفونة
2. التخلي عن أوهام الاعتماد
3. الابتكار تحت الضغط

روسيا ما بعد 2022 لم تعد نفسها:

· زراعياً: من أكبر مستوردي الغذاء إلى مصدر قمح عالمي.
· صناعياً: ولادة صناعات بديلة (من السيارات إلى الإلكترونيات).
· مالياً: نظام دفع وطني، تحويل التجارة إلى عملات وطنية.
· تكنولوجياً: بدائل للبرمجيات الغربية، رغم بدائيتها النسبية.

الانزياح القسري أكثر إيلاماً، لكنه أسرع. روسيا تعلمت في عامين ما لم تتعلمه في عشرين عاماً من "التعاون" مع الغرب.


إيران: فن الصمود تحت الحصار

إيران تقدم نموذجاً مختلفاً: انزياح تحت الحصار الدائم. منذ ثورة 1979، تعيش تحت عقوبات متقطعة أو دائمة. النتيجة: اقتصاد ذو مناعة مكتسبة.

إيران طوّرت:

· صناعة دوائية محلية: إنتاج 97% من حاجتها.
· قطاع عسكري مستقل: من طائرات بدون طيار إلى صواريخ.
· شبكة تجارية موازية: عبر جيرانها، السوق السوداء الدولية.
· نظام مالي معزول نسبياً: أقل تأثراً بالعقوبات لأنه معزول أصلاً.

الانزياح الإيراني ليس مثالي. هناك تضخم، بطالة، فساد. لكنه يظهر أن: الأمة التي تعتاد على الحصار تطور مناعة لا تمتلكها الأمم المدللة بالانفتاح.


فنزويلا: الانزياح المرتبك - عندما تتحول السيادة إلى عزلة

ليس كل الانزياح ينجح. فنزويلا تقدم درساً في كيفية فشل السيادة الاقتصادية.

النوايا كانت نبيلة:

· استخدام عائدات النفط لبناء صناعة محلية.
· تحقيق اكتفاء غذائي.
· خلق نظام اقتصادي بديل.

لكن التنفيذ فشل بسبب:

1. الفساد: سرقة بعض الموارد نسبيا بدلاً من استثمارها.
2. الإدارة السيئة: احيانا ، قرارات عاطفية غير مدروسة.
3. العداء الخارجي: عقوبات أمريكية قاسية.
4. الاعتماد الأحادي على النفط: حتى في مشروع التحرر منه.

فنزويلا تظهر أن الانزياح يحتاج إلى أكثر من إرادة سياسية. يحتاج إلى:

· كفاءة إدارية
· مؤسسات قوية
· تخطيط واقعي
· تحالفات إقليمية داعمة

الانزياح المرتبك فيه خطورة لا تقل كثيرا عن التبعية. لأنه يدمر ثقة الشعب بفكرة السيادة نفسها.


الهند: الانزياح الانتقائي - اختر ما يناسبك

الهند تقدم نموذجاً ثالثاً: انزياح انتقائي. لا رفض كلي للنظام العالمي، ولا قبول كلي به. بل انتقاء.

الهند:

· تتعاون مع أمريكا أمنياً (تحالف Quad)
· تشتري النفط الروسي بخصم
· **تستثمر مع الصين في مجموعات BRICS
· تبني صناعة أدوية محلية
· تطور برنامج فضائي مستقل

الانزياح الهندي براغماتي، غير أيديولوجي. شعاره: ما يصلح نأخذه، ما لا يصلح نرفضه، وما يمكننا صنعه بأنفسنا لا نستورده.

هذا النموذج أكثر مرونة، لكنه يحتاج إلى دبلوماسية بارعة، وقدرة على المناورة بين القوى الكبرى دون الانحياز الكامل لأي منها.

الأمن الغذائي: عندما يصير القمح سلاحاً استراتيجياً

أول درس في الانزياح: الأمة التي لا تطعم نفسها لا تستحق أن تسمى أمة.

الأمن الغذائي تحول من قضية تنموية إلى مسألة سيادية. الدول التي تعتمد على استيراد الغذاء تكتشف أنها:

· رهينة لتقلبات الأسواق العالمية
· عرضة لاستخدام الغذاء كسلاح
· ضعيفة في أوقات الأزمات

نماذج ناجحة:

· روسيا: تحولت من مستورد إلى مصدر قمح رئيسي.
· الصين: تحافظ على 95% اكتفاء ذاتي في الحبوب رغم ندرة الأراضي.

الانزياح الزراعي يحتاج إلى:

· استثمار في البحث الزراعي
· حماية للمزارع المحلية
· بنك بذور وطني
· نظام ري مستدام

الغذاء ليس سلعة كأي سلعة. هو شرط البقاء. والأمة التي تهمل أمنها الغذائي توقع على عقد استعباد طوعي.


الصناعة: إعادة اكتشاف فن الإنتاج

لقرون، كانت الصناعة مقياس تقدم الأمم. ثم، في عصر العولمة، صار من "الحكمة" الاقتصادية نقل الصناعة إلى حيث العمل رخيص.

اليون، الأزمة كشفت الخدعة: الأمة التي لا تصنع لا تتحكم بمصيرها.

إعادة التصنيع اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل قفزة إلى المستقبل:

· صناعة 4.0: مصانع ذكية، روبوتات، إنترنت الأشياء.
· الاقتصاد الدائري: إعادة التدوير، تقليل الهدر.
· التخصيص الجماعي: منتجات مصممة حسب الطلب المحلي.

الصعوبة: كيف تنافس الصين؟
الإجابة: لا تنافسها في السعر، بل في الجودة، التخصيص، الاستدامة.

الصناعة المحلية ليست فقط للاقتصاد، بل للهوية الوطنية. مصنع ليس مكان إنتاج فحسب، بل مكان ابتكار، تدريب، بناء مجتمع.

الاستقلال التكنولوجي: عندما تصير الخوارزميات قضية سيادة

في القرن الحادي والعشرين، السيادة التكنولوجية أهم من السيادة الترابية. لأن من يتحكم بالتكنولوجيا يتحكم بـ:

· البيانات (نفط العصر الجديد)
· الاتصالات
· الذكاء الاصطناعي
· الأمن السيبراني

الصين أدركت هذا مبكراً:

· Huawei في الاتصالات
· Baidu في البحث
· Alibaba في التجارة الإلكترونية
· TikTok في التواصل الاجتماعي

روسيا تحاول:

· Yandex بديل Google
· VKontakte بديل Facebook
· أجهزة إلكترونية محلية

الانزياح التكنولوجي أصعب من الانزياح الاقتصادي. لأنه يحتاج إلى:

· تعليم متطور
· استثمار ضخم في البحث
· تعاون بين الجامعات والصناعة
· حماية للملكية الفكرية الوطنية

الأمة التي تستورد كل تكنولوجيتها تستورد مستقبلها أيضاً.


الاستقلال المالي: التحرر من هيمنة الدولار

الدولار ليس مجرد عملة، بل أداة هيمنة. لذلك، الانزياح المالي يعني:

1. التجارة بالعملات الوطنية: روسيا-الصين-الهند تتاجر بعملاتها.
2. نظم دفع بديلة: روسيا (MIR)، الصين (CIPS).
3. احتياطيات متنوعة: ليس فقط الدولار، بل ذهب، يوان، عملات أخرى.
4. بنوك تنمية إقليمية: بنك التنمية الجديد (BRICS)، بنك الاستثمار الآسيوي.

المشكلة: الدولار ما زال مهيمناً. لكن كل خطوة في الانزياح المالي تقلل الهيمنة قليلاً. وتراكم هذه الخطوات يغير النظام المالي العالمي ببطء.

الانزياح المالي أكثر تعقيداً لأنه:

· يتطلب اتفاقاً ثنائياً أو متعدد الأطراف
· يواجه مقاومة من النظام القائم
· يحتاج إلى ثقة بين الشركاء الجدد

لكنه الأهم. لأن من يتحكم بمالك يتحكم بك.


التحالفات الإقليمية: قوة الضعفاء المتحدين

الانزياح الفردي صعب. الانزياح الجماعي أكثر فعالية. لذلك، تظهر تحالفات إقليمية:

1. مجموعة BRICS: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا (وأعضاء جدد).
2. منظمة شنغهاي للتعاون: أمنية، اقتصادية.
3. الاتحاد الاقتصادي الأوراسي: روسيا، كازاخستان، بيلاروسيا، أرمينيا، قيرغيزستان.
4. الاتحاد الأفريقي: سوق قارية مشتركة.

هذه التحالفات لا تنافس التحالفات الغربية، بل تخلق بدائل. تسمح للدول الصغيرة والمتوسطة:

· المساومة جماعياً
· تبادل الخبرات
· خلق أسواق إقليمية
· التضامن في الأزمات

الانزياح الإقليمي حل وسط: ليس سيادة كاملة، وليس تبعية كاملة. سيادة من خلال التعاون.


التعليم: صناعة العقول المستقلة

كل الانزياحات تبدأ من التعليم. لأن:

· الاقتصاد المعرفي يحتاج إلى عقول مبدعة
· الابتكار يحتاج إلى تعليم حر
· الهوية تحتاج إلى معرفة بالتاريخ والثقافة الوطنية

الانزياح التعليمي يعني:

1. مناهج وطنية: لا استيراد للمناهج الأجنبية.
2. تعليم التكنولوجيا: من المدارس إلى الجامعات.
3. البحث العلمي: استثمار في البحث الأساسي والتطبيقي.
4. تعليم التفكير النقدي: لا تلقين، بل تمكين.

الأمة التي تستورد تعليمها تستورد عقول أبنائها. والتعليم المستورد يخرج طلاباً يعملون لمصلحة من استوردهم، لا لمصلحة وطنهم.



الثقافة: مقاومة الاستلاب

الانزياح ليس اقتصادياً فقط، بل ثقافي أيضاً. لأن:

· الثقافة تحدد الهوية
· الهوية تخلق الانتماء
· الانتماء يخلق الاستعداد للتضحية من أجل السيادة

الانزياح الثقافي يعني:

· دعم الإنتاج الثقافي المحلي (أفلام، موسيقى، أدب)
· حماية اللغة الوطنية
· إعادة قراءة التاريخ من منظور ذاتي
· مقاومة الثقافة الاستهلاكية المستوردة

الثقافة ليست ترفاً. هي النظام المناعي للأمة. والأمة التي تفقد ثقافتها تفقد مقاومتها للتبعية.


التكلفة: ثمن السيادة الباهظ

الانزياح له ثمن:

1. اقتصادي: المنتجات المحلية أغلى من المستوردة.
2. تكنولوجي: التقنية المحلية أقل تطوراً في البداية.
3. دبلوماسي: مواجهة مع القوى المهيمنة.
4. اجتماعي: صبر الشعب خلال مرحلة الانتقال.

لكن التبعية لها ثمن أيضاً:

1. ضياع الهوية
2. فقدان السيطرة على القرارات
3. التعرض للابتزاز
4. ضياع الكرامة الوطنية

السؤال ليس: هل نستطيع تحمل تكلفة الانزياح؟
بل: هل نستطيع تحمل تكلفة عدم الانزياح؟


الانزياح المتدرج: فن التغيير دون انقطاع

الانزياح الناجح لا يكون ثورة مفاجئة، بل تطور متدرج:

1. المرحلة الأولى: التقليد - نتعلم من الآخرين.
2. المرحلة الثانية: التكيف - نعدل ما نتعلمه ليلائمنا.
3. المرحلة الثالثة: الابتكار - نخلق شيئاً جديداً.
4. المرحلة الرابعة: القيادة - يصير الآخرون يقلدوننا.

المشكلة عندما نعلق في المرحلة الأولى أو الثانية. النجاح عندما نصل إلى الثالثة والرابعة.

الانزياح المتدرج يقلل الصدمات، يبني القدرات تدريجياً، يخلق توافقاً وطنياً.



خاتمة: السيادة ليست عزلة، بل اختيار

نختم هذا الفصل بفارق جوهري: الانزياح لا يعني العزلة. العزلة هي القطع مع العالم. الانزياح هو إعادة تعريف العلاقة مع العالم.

الانزياح يعني:

· أن تختار شركاءك، لا أن يُفرضوا عليك
· أن تتحكم بشروط التعاون، لا أن تقبل شروط الآخرين
· أن تعطي ما عندك، لا أن تأخذ فقط
· أن تحافظ على كرامتك، حتى وأنت تتعاون

في الفصل العاشر، سننتقل من الانزياح الفردي إلى الانزياح الجماعي. سنرى كيف أن الدول تتجمع في كتل جديدة، كيف أن التحالفات القديمة تتشقق، وكيف أن العالم يتحول من أحادي القطب إلى متعدد الأقطاب.

لكن قبل ذلك، تذكّر: السيادة ليست حالة نصل إليها ونرتاح، بل عملية مستمرة من البناء والحماية. ليست جداراً نقيمه ثم ننساه، بل حديقة نزرعها ونسقيها كل يوم. والأمة التي تفهم هذا تبقى، والتي تنساه تذوب في بوتقة الآخرين.



……


الفصل العاشر: إعادة تشكيل التحالفات - جغرافيا القوة في عصر ما بعد الهيمنة


البازلاء الجيوسياسية التي تبحث عن إطار جديد

ثمة لحظة في التاريخ تشبه فيها التحالفات الدولية بازلاء متناثرة على رقعة الشطرنج العالمية، كل منها يحمل لوناً يختلف عن جاره، ولكل منها مغناطيسيته الخاصة التي تجذبه نحو قطب معين. ثم تأتي رياح التغير الجيوسياسي فتعيد ترتيب هذه البازلاء، لا وفق منطق الأيديولوجيا كما في الحرب الباردة، ولا وفق منطق الأحادية كما في عصر القطب الواحد، بل وفق معادلة جديدة تجمع بين المصلحة والضرورة والاحتمال.

هذا الفصل هو استقصاء لهذه اللحظة الانتقالية الفريدة، حيث تتحول الخرائط التحالفية من صفحات الجرانيت المنحوتة إلى صفحات الرمل التي تعيد تشكلها رياح المصالح اليومية. إنه مسح لتلك المناطق الرمادية بين التحالفات التقليدية، حيث تجري مفاوضات صامتة، توقيعات خفية، و انزياحات استراتيجية تُعاد معها كتابة قواعد اللعبة الدولية.


الناتو: التحالف الذي يبحث عن سبب لوجوده

كان الناتو، على مدار سبعة عقود، أضخم كائن تحالفي في التاريخ البشري. ولد كـدرع ضد الشرق، نما كـأداة للتوسع الغربي، وتحول أخيراً إلى كيان يبحث عن تبرير لاستمراره.

اليوم، يقف الناتو على مفترق وجودي:

· العدو التقليدي (روسيا) يبدو أقرب إلى قوة إقليمية متمركزة منه إلى تهديد وجودي لأوروبا الغربية.
· العدو الجديد المُفترض (الصين) بعيد جغرافياً خارج النطاق التقليدي للناتو.
· الحلفاء يبدأون بالتشكيك في التكلفة مقابل الفائدة.

المعضلة الأساسية: كيف يُحافظ على تماسك تحالف بُني على أساس الخوف من عدو مشترك، حين يضعف هذا الخوف أو يتشتت؟

الإجابات المؤقتة تأتي على شكل توسيع تعريف "التهديد":

· من التهديد العسكري التقليدي إلى الحرب الهجينة.
· من الدفاع عن الأراضي إلى حماية "القيم الديمقراطية".
· من أوروبا-الأطلسية إلى العالمية (مشاركة في آسيا، الشرق الأوسط).

لكن كل توسيع يخفف التماسك. كل ابتعاد عن المصلحة الأساسية يخلق شروخاً جديدة.


BRICS+ : تحالف ما بعد الأيديولوجيا

إذا كان الناتو يمثل تحالف الأيديولوجيا الواحدة، فإن مجموعة بريكس تمثل تحالف المصالح المتعددة. دول لا تجمعها أيديولوجيا مشتركة، لا تاريخ حضاري واحد، لا نظام سياسي موحد. ما يجمعها هو:

· الاستياء من النظام العالمي القائم.
· الرغبة في إعادة توزيع القوة.
· الإحساس بأنها لم تأخذ مكانتها المستحقة.

توسيع بريكس إلى بريكس+ يمثل لحظة تحول:

· من نادي اقتصادي إلى منصة جيوسياسية.
· من مجموعة احتجاج إلى بديل مؤسسي.
· من تكتيك إلى استراتيجية.

العناصر الجديدة (إيران، السعودية، الإمارات، مصر، إثيوبيا، الأرجنتين) تضيف:

· ثقل طاقي (النفط، الغاز).
· موقع جيوسراتيجي (قناة السويس، مضيق هرمز، القرن الأفريقي).
· تنوع اقتصادي (من الاقتصادات النفطية إلى الزراعية).

لكن التحدي يبقى: كيف تحول التنوع من نقطة ضعف إلى قوة؟ كيف تتجنب صراعات الأعضاء فيما بينهم (مثل الهند-الصين، إيران-السعودية سابقاً)؟


منظمة شانغهاي للتعاون: تحالف البراري الأوراسية

بينما ينظر الغرب إلى المحيطات، تنظر منظمة شانغهاي إلى البر. تحالف يجمع أكبر دولة برية في العالم (روسيا) مع أكبر دولة ساحلية-برية (الصين)، مع دول آسيا الوسطى التي كانت يوماً قلب طريق الحرير.

هذا التحالف يتميز بـ:

1. الأمن أولاً: مكافحة "الإرهاب، الانفصال، التطرف".
2. التعاون الاقتصادي الثانوي لكن المتزايد.
3. الحياد النسبي تجاه الغرب: لا مواجهة مباشرة، لا اندماج كامل.

منظمة شانغهاي تمثل النموذج الأكثر واقعية للتعاون الإقليمي في القرن الحادي والعشرين:

· لا تفرض ديمقراطية.
· تحترم السيادة الوطنية.
· تركز على المصالح العملية.

لكنها تبقى منظمة تحت الهيمنة الثنائية الصينية-الروسية. دول آسيا الوسطى تتماور بين العملاقين، تحاول الحفاظ على مساحة للمناورة.



التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط: إعادة تشكيل الخريطة تحت الرماد

الشرق الأوسط، ذلك المختبر التاريخي للتحالفات المتغيرة، يشهد اليوم واحدة من أعمق تحولاته:

· التطبيع العربي-الإسرائيلي حيث يخدم بعض العبيد العرب سيدهم الصهيوني الوكيل للأمريكي (اتفاقيات أبراهام).
· المصالحة السعودية-الإيرانية (بوساطة صينية).


هذه التحولات ليست تحولات في التحالفات فحسب، بل تحول في طبيعة التحالف نفسه:

من تحالفات أيديولوجية (القومية العربية، الإسلام السياسي) إلى تحالفات براغماتية (الاستثمار، الأمن، الطاقة).

من الانحياز الكامل لواشنطن أو موسكو إلى سياسة المحاور المتعددة:

· أمنياً مع أمريكا.
· اقتصادياً مع الصين.
· سياسياً مع تركيا أو إيران حسب السياق.

الشرق الأوسط يتعلم فن البقاء في عالم متعدد الأقطاب: لا تضع كل البيض في سلة واحدة، احتفظ بعلاقات مع الجميع.



أمريكا اللاتينية: بين الفناء الخلفي والفناء الأمامي

لطالما اعتبرت واشنطن أمريكا اللاتينية فناءها الخلفي. اليوم، الصين تعتبرها فناءها الأمامي.

التحول اللاتيني:

· من العقيدة الأمريكية الأحادية (مبدأ مونرو) إلى تعددية القوى.
· من السوق الأمريكية الحصرية إلى الشراكة مع الصين.
· من التبعية السياسية إلى التمرد المتقطع.

لكن أمريكا اللاتينية لا تذهب باتجاه واحد:

· البرازيل (تحت بولسونارو) بقيت قريبة من واشنطن.
· فنزويلا، نيكاراغوا، كوبا ، كولومبيا ذهبت باتجاه موسكو وبكين.
· المكسيك ، تشيلي، البرازيل (تحت لولا) تحاول التوازن.

التحالف الأهم: تحالف اليسار الجديد (مكسيكو سيتي، بوغوتا، سانتياغو، برازيليا، بوينس آيرس). ليس تحالفاً عسكرياً، بل تنسيق سياسي، دبلوماسي، اقتصادي.



أفريقيا: ساحة التنافس على التحالفات

أفريقيا، القارة التي طالما قُسمت من الخارج، تجد نفسها اليوم محط تنافس القوى الكبرى:

1. الصين: الاستثمارات الهائلة في البنية التحتية عبر الحزام والطريق.
2. الولايات المتحدة: المساعدات الأمنية، الحرب على الإرهاب.
3. روسيا: المجموعات الأمنية الخاصة (فاغنر سابقاً)، العلاقات التاريخية.
4. الاتحاد الأوروبي: المساعدات التنموية، اتفاقيات التجارة.
5. تركيا: الاستثمارات المتوسطة، الروابط الإسلامية الخادمة للإمبريالية .
6. الهند: الروابط التاريخية، الاستثمارات في شرق أفريقيا.

أفريقيا تتعلم اللعب على كل الجبهات:

· تأخذ القروض من الصين.
· تأخذ التدريب العسكري من أمريكا.
· تأخذ الدعم الأمني من روسيا.
· تأخذ المساعدات من أوروبا.

لكنها تدفع الثمن: الاستدانة الثقيلة، التبعية الجديدة، التنافس الذي يهدد تماسكها الداخلي.


التحالفات الوظيفية: مؤقتة لكنها فعالة

بجانب التحالفات الدائمة، تظهر تحالفات وظيفية:

· لمهمة محددة.
· لوقت محدد.
· لدول قد لا تتفق في شيء آخر.

أمثلة:

· التحالف الدولي ضد داعش: دول عربية، غربية، روسيا، إيران (غير مباشراً).
· اتفاقيات المناخ: دول تتعاون لمكافحة التغير المناخي رغم خلافاتها.
· مكافحة الجائحات: تبادل المعلومات، اللقاحات.

هذه التحالفات تمثل الوجه العملي للعولمة: التعاون حيث تكون المصلحة مشتركة، الخصام حيث تتناقض المصالح.

مشكلتها: هشاشتها. تذوب عند أول اختلاف جدي. لكن أهميتها: تظهر أن التعاون ممكن حتى بين الخصوم.



التحالفات الاقتصادية: عندما تسبق السياسة

أكثر التحالفات تأثيراً اليوم ليست عسكرية بل اقتصادية:

1. الاتحاد الأوروبي: أعمق تكامل اقتصادي شبه استعماري في التاريخ (سوق موحدة، عملة موحدة، قوانين موحدة).
2. الشراكة الشاملة والإقليمية (RCEP): أكبر اتفاقية تجارية في التاريخ (الصين، اليابان، كوريا، دول آسيان، أستراليا، نيوزيلندا).
3. الشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP): اتفاقية تجارية بدون أمريكا والصين (اليابان، كندا، أستراليا، دول أخرى).
4. اتفاقيات التجارة الثنائية: شبكة معقدة تربط كل دولة بالعشرات غيرها.

هذه التحالفات الاقتصادية تخلق وقائع جديدة:

· سلاسل توريد تربط دولاً قد تكون سياسياً متباعدة.
· تدفقات استثمارية تخترق الحدود السياسية.
· اعتماد متبادل يجعل الحرب أكثر تكلفة.

الاقتصاد يصنع الجغرافيا السياسية الجديدة، قبل أن تعترف بها الدبلوماسية.


الحياد الاستراتيجي: فن البقاء خارج الأحلاف

في عالم تتشكل فيه الكتل، تختار بعض الدول الحياد الاستراتيجي:

· سويسرا: الحياد التقليدي، مركز مالي عالمي.
· النمسا: حياد دستوري بعد الحرب العالمية الثانية.
· فنلندا، السويد: حياد تاريخي، تغير مؤخراً بانضمامهما للناتو.
· الهند: عدم الانحياز تاريخياً، اليوم أكثر مرونة.
· إندونيسيا: حياد نشط في جنوب شرق آسيا.

الحياد ليس ضعفاً، بل خيار استراتيجي:

· يسمح بالتجارة مع الجميع.
· يمنح دور الوسيط في النزاعات.
· يحمي من تداعيات صراعات الآخرين.

لكن الحياد أصبح أصعب في عالم متعدد الأقطاب:

· الضغوط للمشاركة أقوى.
· الخط بين الحياد والعزلة رفيع.
· الحياد يحتاج إلى قوة ذاتية لفرضه.



التحالفات عبر الوطنية: قوة غير الدولة

ليست الدول وحدها من يشكل التحالفات. اليوم، التحالفات عبر الوطنية تلعب دوراً متزايداً:

1. الشركات متعددة الجنسيات: تشكل لوبيات ضغط، توجه سياسات دول.
2. المنظمات غير الحكومية: تشكل شبكات تضامن عالمية.
3. الحركات الاجتماعية: تنسيق عبر الحدود (مثل حركات المناخ، النسوية).
4. الشبكات الإجرامية: تحالفات سوداء (تجارة المخدرات، السلاح، البشر).

هذه التحالفات تتحدى مفهوم الدولة القومية:

· تخترق الحدود.
· تخلق ولاءات متعددة.
· تملك موارد هائلة.

وهي تطرح سؤالاً جوهرياً: في عالم الشبكات، هل تبقى الدولة الوحدة الأساسية للتحليل الجيوسياسي؟



تكنولوجيا التحالفات: عندما تصير البيانات حليفاً

في القرن الحادي والعشرين، التحالفات التقنية تصير أهم من التحالفات العسكرية:

1. تحالفات أشباه الموصلات: أمريكا، هولندا، اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان.
2. تحالفات الذكاء الاصطناعي: أمريكا-بريطانيا، الصين-روسيا.
3. تحالفات الفضاء: محطة الفضاء الدولية (أمريكا، روسيا، أوروبا، اليابان، كندا) مقابل محطة الفضاء الصينية.
4. تحالفات الإنترنت: النموذج الأمريكي (حرية) مقابل النموذج الصيني (سيطرة).

هذه التحالفات تحدد من يملك المستقبل:

· من يتحكم بالتكنولوجيا يتحكم بالاقتصاد.
· من يتحكم بالبيانات يتحكم بالمجتمع.
· من يتحكم بالفضاء يتحكم بالأرض.

التقنية تصير ساحة المعركة الجديدة، والتحالفات التقنية تصير أهم من التحالفات العسكرية التقليدية.



المستقبل: نحو تحالفات مرنة متعددة الطبقات

استشرافاً للمستقبل، التحالفات ستتسم بـ:

1. التعددية الطبقات: نفس الدولة في تحالف أمني مع طرف، اقتصادي مع آخر، تقني مع ثالث.
2. المرونة الزمنية: تحالفات مؤقتة لمهمات محددة، تذوب عند انتهاء المهمة.
3. التركيز الوظيفي: ليس تحالفات شاملة، بل لقطاعات محددة (الطاقة، الأمن الغذائي، الصحة).
4. الاستجابة للأزمات: تحالفات تتشكل استجابة لأزمات (مناخية، صحية، هجرات).
5. اللامركزية: ليس قطب واحد يجذب الجميع، بل أقطاب متعددة، تحالفات متشابكة.

النظام الجديد لن يكون ترتيباً هرمياً، بل شبكة معقدة، يصعب فهمها، يصعب التحكم بها، لكنها تعكس تعقيد العالم الحديث.



خاتمة: فن التنقل بين العواصف

نختم هذا الفصل بصورة: العالم كسفينة كبيرة في عاصفة. الدول كبحارة، التحالفات كحبال تربطهم ببعض.

في الماضي، كانت كل الحبال تؤدي إلى قبطان واحد (أمريكا). اليوم، الحبال متشابكة، كل بحار مربوط بعدة آخرين، والقبطان لم يعد يتحكم تماماً بالسفينة.

في هذا العالم الجديد، المهارة ليست في اختيار التحالف الصحيح، بل في القدرة على التنقل بين التحالفات. في فن الحفاظ على علاقات مع الجميع دون الولاء الكامل لأحد. في بناء تحالفات مرنة تستجيب للمتغيرات.

في الفصل الحادي عشر، سننتقل من التحالفات إلى الأدوات. سنرى كيف أن العقوبات الاقتصادية، الحروب الهجينة، التلاعب بالعملات - صارت أدوات إعادة تشكيل التحالفات. كيف أن القوة الناعمة صارت صلبة، والصلبة صارت باهظة الثمن.

لكن قبل ذلك، تذكّر: في عالم التحالفات المتشابكة، لا توجد علاقات دائمة، بل مصالح دائمة. والتحالف الناجح ليس الذي يدوم أطول، بل الذي يحقق مصلحة في وقتها. والبصيرة ليست في معرفة من يحالف اليوم، بل في التوقع بمن ستحالف غداً، ولماذا.



…..


الفصل الحادي عشر: أدوات المقاومة الاقتصادية - فن تحويل الضعف إلى قوة في معركة عدم التماثل



حرب المصارف قبل حرب المدرعات

لم تعد ساحات المعركة تُحدَّد بالجبال والسهول والأنهار، بل بالمعاملات المصرفية، أنظمة التحويل، وخوارزميات التداول. في هذا العالم الجديد، تُخاض الحروب بينما يرتدي الخصوم بذلاتهم الرسمية ويجلسون خلف شاشات الحواسيب لا خلف الدبابات. هنا، القنبلة ليست من الفولاذ بل من الأصفار والآحاد، والجبهة ليست خطاً على الخريطة بل شبكة من الحسابات المجمدة.

هذا الفصل يستكشف ترسانة الأسلحة الاقتصادية غير التقليدية التي طورتها الدول المستضعفة لمواجهة القوى المهيمنة. إنه رحلة إلى ذلك المجال الرمادي حيث تتحول العملات إلى خناجر، والاحتياطيات إلى دروع، والعقود إلى أقفاص. نبحث هنا عن إبداع المقهورين الاقتصادي، عن تلك الطرق الذكية التي تجعل من التبعية المالية سلاحاً ذا حدين، ومن الحصار المفروض فرصة للتحرر.



نظم الدفع البديلة: كسر طوق سويفت

لطالما كان نظام سويفت الشرايين الخفية للاقتصاد العالمي. لكن في عام 2022، تحول من قناة محايدة إلى سيف مسلط على رقاب الدول. تجميد احتياطيات روسيا كان لحظة تنوير عالمية: من يتحكم بنظام التحويل يتحكم بالاقتصاد.

الرد الروسي كان بناء نظامين:

1. نظام التحويل المالي الروسي (SPFS): البديل المحلي لسويفت.
2. نظام مير للبطاقات: بديل فيزا وماستركارد.

لكن التحدي لم يكن تقنياً فحسب، بل سياسياً: كيف تقنع دولاً أخرى باستخدام نظامك؟

الحل جاء عبر:

· الاتفاقيات الثنائية: روسيا-الصين، روسيا-الهند، روسيا-إيران.
· الحوافز: معاملات أرخص، رسوم أقل.
· الضرورة: الدول المستهدفة بالعقوبات وجدت في هذه الأنظمة متنفساً.

اليوم، SPFS يستخدمه 20 دولة، مير تعمل في 7 دول. الرقم صغير لكنه ينمو. والأهم: كسر احتكار سويفت النفسي. العالم أدرك أن هناك بدائل.



التجارة بعملات وطنية: تفكيك هيمنة الدولار

لطالما كان الدولار سلاح أمريكا الناعم الأقسى. لكن اليوم، يشهد هذا السلاح تمرداً صامتاً:

1. الصين-روسيا: 90% من تجارتهما باليوان والروبل.
2. الهند-روسيا: تجارة النفط بالروبية والروبل.
3. البرازيل-الصين: اتفاق للتجارة باليوان والريال.
4. دول الخليج: بدء التفكير في بيع النفط بعملات غير الدولار.

هذه الخطوات صغيرة لكنها متتالية. كل اتفاقية تقلل من هيمنة الدولار قليلاً. وتراكم هذه التخفيضات يغير النظام النقدي العالمي.

التحديات كبيرة:

· سيولة العملات الوطنية محدودة.
· تقلب أسعار الصرف.
· عدم الثقة بين الشركاء.

لكن الدافع أقوى: الخوف من أن تصير العقوبات الأمريكية سلاحاً ضد الجميع. الدول تدرك أن التخلص من الدولار تدريجياً هو تأمين ضد المستقبل.



الصندوق الاستراتيجي: الذهب كملاذ أخير

في عالم العملات الورقية، يعود الذهب كحليف استراتيجي. الدول التي تعلمت من تجارب الآخرين تخزن الذهب بسرعة:

1. روسيا: ضاعفت احتياطياتها الذهبية قبل العقوبات.
2. الصين: أكبر مشتر للذهب عالمياً، تخزنه داخل أراضيها.
3. إيران: تحول ثروتها النفطية إلى ذهب في بنوك آسيوية.
4. تركيا: تطلب تسليم الذهب المودع في أمريكا.

الذهب لا يمكن تجميده. الذهب لا يحتاج إلى بنك مركزي. الذهب يقبل به الجميع.

لكن الذهب ليس حلاً كاملاً:

· غير سائل (لا يمكن دفعه إلكترونياً).
· ثقيل (صعب نقله).
· يتعرض لتقلبات السوق.

مع ذلك، الذهب يبقى التأمين النهائي. الدول التي تملك ذهباً تستطيع الصمود أطول. الدول التي لا تملكه تستسلم أسرع.



اقتصاد المقايضة: العودة إلى الجذور

في زمن العقوبات، تعود المقايضة كفن منسي:

· النفط مقابل السلع: روسيا تبيع نفطاً وتأخذ سلعاً إيرانية أو هندية.
· الغاز مقابل المنتجات الزراعية.
· الأسلحة مقابل الموارد الطبيعية.

المقايضة الحديثة أكثر تعقيداً:

1. حسابات المقاصة: تبادل السلع مع تسوية الفروق نقداً لاحقاً.
2. التبادل الثلاثي: دولة تبادل مع أخرى ما تحتاجه دولة ثالثة.
3. المقايضة عبر وسطاء: استخدام دول محايدة كجسور.

مزايا المقايضة:

· تجنب النظام المالي الدولي.
· تجنب العقوبات.
· تثبيت الأسعار.

عيوبها:

· معقدة إدارياً.
· تحد من حجم التبادل.
· تتطلب ثقة عالية.

لكن في أوقات الحصار، المقايضة تصير شريان حياة. تصير الطريق الوحيد للبقاء.


اقتصاد الظل: الفن العظيم للالتفاف

كل عقوبة تولد اقتصاد ظل موازي. روسيا بعد العقوبات شهدت ولادة:

· شبكات إعادة التصدير: سلع أوروبية تدخل روسيا عبر دول ثالثة (كازاخستان، أرمينيا، تركيا).
· شركات وهمية: مقرها في دول محايدة، ملكيتها روسية.
· ناقلات النفط الشبح: تغير أعلامها، تطفئ أجهزة التعقب.
· أنظمة دفع موازية: تحويلات عبر عملات مشفرة، هدايا، حسابات شخصية.

اقتصاد الظل غير قانوني لكنه غير محظور تماماً. يعيش في المنطقة الرمادية بين القانون والجريمة.

هذا الاقتصاد له ثمن:

· تكاليف عالية (الوساطة، المخاطرة).
· عدم الاستقرار.
· تشجيع الفساد.

لكنه يثبت مبدأ المقاومة الاقتصادية: حيثما وُجدت الإرادة، وُجدت طريقة للالتفاف.



التصنيع المحلي الاستعجالي: الولادة القيصرية للصناعات

الحصار يولد إبداعاً صناعياً. روسيا بعد 2022 شهدت:

· صناعة سيارات محلية رغم فقدان قطع الغيار.
· إنتاج دوائي رغم نقص المواد الأولية.
· إلكترونيات استهلاكية رغم بدائيتها.

هذا التصنيع ليس عن اختيار، بل عن اضطرار. لكنه يثبت أن:

· القدرات الصناعية كامنة، تحتاج فقط للضرورة لتنشيطها.
· الابتكار يزدهر تحت الضغط.
· الشعب يتحمل المنتجات الأقل جودة عندما يعلم أن البديل هو العدم.

التصنيع الاستعجالي يمر بمراحل:

1. التقليد: نسخ المنتجات الغربية.
2. التكيف: تعديلها للواقع المحلي.
3. الابتكار: تطوير منتجات جديدة.

العبرة: الأمة التي تمتلك قاعدة صناعية، حتى لو بدائية، تمتلك خيارات. الأمة التي لا تمتلكها تستسلم عند أول حصار.



الدبلوماسية الاقتصادية: تحويل التبعية إلى تأثير

بعض الدول تستخدم تبعيتها الاقتصادية كسلاح:

1. تركيا: تستخدم موقعها الجغرافي كبوابة بين أوروبا وآسيا للتفاوض.
2. مصر: تستخدم قناة السويس كأداة ضغط اقتصادية.
3. سنغافورة: تستخدم مركزها المالي للتأثير بقراراتها المحايدة ظاهرياً.
4. قطر: تستخدم ثروتها الغازية لشراء النفوذ السياسي.

هذه الدول تدرك أن التبعية الاقتصادية ليست نقمة مطلقة. يمكن تحويلها إلى قوة تفاوضية إذا:

· كان المورد نادراً.
· كان الموقع استراتيجياً.
· كانت الخدمة حيوية.

الدبلوماسية الاقتصادية هي فن بيع نفسك بأعلى سعر. هي تحويل الضرورة إلى ميزة.



العملات المشفرة: سيف ذو حدين

ظهرت العملات المشفرة كـ حلم اللامركزية المالية. لكنها تحولت إلى:

· أداة للتهرب من العقوبات (روسيا، إيران، فنزويلا).
· وسيلة للتحويلات السرية.
· مخزن قيمة بديل للدولار.

لكن العملات المشفرة ليست حلاً سحرياً:

· تقلبها الشديد يجعلها خطراً.
· سيطرتها الغربية (أمريكا تسيطر على منصات التداول الكبرى).
· تتبع المعاملات أصبح ممكناً.

مع ذلك، الدول المضطرة تلجأ إليها. لأنها أفضل من لا شيء. ولأنها تمثل تحدياً لنظام التحويل التقليدي.

الأهم: العملات المشفرة تفتح الباب لفكرة جديدة: أموال لا تخضع للدول. وهذه الفكرة أكثر خطراً على النظام المالي العالمي من أي عقوبة.



التحالفات المالية الإقليمية: قوة التجمع

الدول الفردية ضعيفة. لكن التجمعات الإقليمية أقوى:

1. بنك التنمية الجديد (BRICS): يمول مشاريع في دول الجنوب بدون شروط صندوق النقد.
2. بنك الاستثمار الآسيوي: منافس للبنك الدولي، تهيمن عليه الصين.
3. صندوق النقد الأوراسي: بديل محلي لصندوق النقد في آسيا الوسطى.
4. بنك التنمية الأفريقي: يمول مشاريع بالقارة بدون شروط سياسية.

هذه المؤسسات لا تحل محل المؤسسات الغربية، لكنها توفر بديلاً. توفر خياراً للدول التي ترفض شروط صندوق النقد.

وهي تثبت مبدأ: المال ليس حكراً على الغرب. الدول النامية يمكنها جمع أموالها، إنشاء مؤسساتها.



الحماية القانونية: درع القوانين المحلية

تطور بعض الدول أنظمة قانونية تحميها من العقوبات:

1. قوانين "مكافحة العقوبات": تجعل الامتثال للعقوبات الأجنبية جريمة.
2. سرية المعلومات: لا تسمح للشركات بالإفصاح عن معلومات لحكومات أجنبية.
3. الحصانة السيادية: تحمي ممتلكات الدولة من المصادرة.
4. الاختصاص القضائي المحلي: تمنع محاكم أجنبية من النظر في قضايا محلية.

هذه القوانين لا تمنع العقوبات، لكنها:

· تعقد تنفيذها.
· ترفع تكلفتها.
· توفر غطاء قانونياً للمقاومة.

القانون يصير ساحة معركة. والدول التي تستعد قانونياً تكون أقوى من التي تفاجأ.



اقتصاد الكرامة: عندما يصير التقشف مقاومة

أخطر أسلحة المقاومة الاقتصادية: استعداد الشعب للتضحية. روسيا بعد العقوبات أظهرت أن:

· الشعب يتحمل ارتفاع الأسعار.
· يرضى بجودة أقل.
· يقبل تقليص الاستهلاك.

هذا اقتصاد الكرامة: الأفضلية للبقاء المستقل على الرفاه التابع.

اقتصاد الكرامة يحتاج إلى:

· شرعية سياسية (الشعب يثق بقادته).
· عدالة في التوزيع (الجميع يتحملون).
· سردية وطنية (نحن في معركة وجودية).
· أمل في المستقبل (هذا مؤقت، وسننتصر).

بدون اقتصاد الكرامة، تفشل كل الأدوات الأخرى. لأن العقوبات تهدف إلى كسر إرادة الشعب. وإذا كسرت، انتهت المقاومة.



التعلم من التاريخ: دروس الحصارات القديمة

الحصار الاقتصادي ليس جديداً. التاريخ يعلمنا:

1. حصار قرطاج (149-146 ق.م): دام ثلاث سنوات، انتهى بسقوط قرطاج. لكن قرطاج كانت معزولة.
2. حصار لينينغراد (1941-1944): دام 872 يوماً، صمدت. لأنها كانت مدعومة من بقية روسيا.
3. حصار كوبا (1962-الآن): أطول حصار في التاريخ، كوبا ما زالت قائمة. لأنها طورت اقتصاداً موازياً.

الدروس:

· العزلة تقتل، الدعم يحيي.
· الوقت ضد المحاصَر، لكن الصبر معه.
· الإبداع يعوّض النقص.

الحصار اليوم أكثر تعقيداً (مالي، تجاري، تكنولوجي). لكن المبادئ نفسها: من لديه إرادة، حلفاء، إبداع - يصمد.


من خندق الدفاع إلى ساحة الابتكار

نختم هذا الفصل بتصور جديد: المقاومة الاقتصادية لم تعد دفاعاً فقط، بل ابتكاراً. الدول المحاصرة لا تنتظر الإنقاذ، بل تخترع طرقاً جديدة للعيش.

هذه الابتكارات تغير النظام العالمي:

· أنظمة دفع جديدة تقلل هيمنة الدولار.
· تحالفات تجارية جديدة تقلل هيمنة الغرب.
· تقنيات محلية جديدة تقلل التبعية التكنولوجية.

في الفصل الثاني عشر، سننتقل من أدوات المقاومة إلى نماذج الصمود. سنرى كيف أن بعض الدول استطاعت تحويل الحصار إلى فرصة، وكيف أن بعضها فشل، وكيف أن الدروس تتجاوز الحدود.

لكن قبل ذلك، تذكّر: في الاقتصاد كما في الطبيعة، الضغط يولّد أشكالاً جديدة من الحياة. والعقوبات التي تهدف إلى خنق الدول، قد تكون في الواقع محرّضاً لولادة اقتصادات أكثر استقلالاً، أكثر إبداعاً، وأكثر مقاومة. وربما هذا هو أعظم مفارقات القوة: أن محاولات القمع تولد أدوات تحرر، وأن محاولات الإخضاع تخلق إرادات التحرر.



…..


الفصل الثاني عشر: نماذج الصمود تحت الحصار - دروس البقاء في عصر الحروب الاقتصادية



المختبر القاسي لصلابة الأمم

ثَمَّةَ أمة تختبر صلابتُها ليس في ساحات المعارك التقليدية، بل في محلات البقالة الفارغة، في الصيدليات التي تخلو من الأدوية، في المصانع المتوقفة بانتظار قطع الغيار. هنا، في هذا المسرح اليومي الباهت، تُختبر إرادة الشعوب وتُقاس مقاومة الدول. الحصار الاقتصادي هو تلك الحرب البطيئة التي لا تُرى فيها الدبابات، لكن آثارها تنفذ إلى كل بيت، كل مائدة، كل حلم فردي.

هذا الفصل يرصد نماذج الصمود المتباينة التي أظهرتها دول تحت الحصار. إنه ليس سرداً للانتصارات، بل تشريح لآليات البقاء. كيف تحوّل بعض الدول المحنة إلى منحة؟ كيف فشل آخرون في اختبار الصمود؟ وما الحدود الدقيقة بين التكيف المقاوم والاستسلام المقنع؟

إننا ننظر هنا إلى المختبر الإنساني الأقسى: حيث تتحول الأزمات الاقتصادية إلى امتحان للهوية الوطنية، وحيث يصير الخبز اليومي رسالة سياسية، وحيث البقاء الاقتصادي يصير شكلاً من أشكال المقاومة.



كوبا: نصف قرن تحت الحصار وفن اختراع الحياة

منذ 1962، تعيش كوبا تحت أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث. ستون عاماً من الحرمان المنظم ولدت ما يمكن تسميته "اقتصاد الابتكار القسري".

دروس كوبا في الصمود:

1. الاكتفاء الذاتي الطبي المعجزة: رغم الحصار، طوّرت كوبا:
· صناعة أدوية محلية تلبي 80% من احتياجاتها.
· برامج تطعيم ذاتية.
· تصدير أطباء وعقاقير للعالم.
2. الزراعة الحضرية: غياب الوقود والأسمدة أدى إلى ثورة زراعية معكوسة:
· حدائق على الأسطح، في الأفنية، في كل فراغ.
· زراعة عضوية بإمكانيات محدودة.
· أمن غذائي رغم الفقر.
3. الدبلوماسية الطبية: تحويل الضعف الصحي إلى قوة دبلوماسية:
· إرسال أطباء لأفريقيا، أمريكا اللاتينية.
· استقبال مرضى من دول فقيرة للعلاج مجاناً.
4. الصمود الثقافي: الحصار عزز الهوية الكوبية المتميزة:
· موسيقى، رقص، سينما محلية مزدهرة.
· تعليم مجاني رائد رغم الشح.

لكن الثمن كان باهظاً: جيل عانى الحرمان، هجرة العقول، بطء التطور التكنولوجي. كوبا تظهر أن الصمود ممكن وافضل من الخضوع بما لا يقاس ويصنع الإنسان الواعي الجديد والمتمتع بحياته ولكنه مكلِّف استهلاكيا.



إيران: من التحدي النووي إلى اقتصاد المقاومة

منذ الثورة الإسلامية، عاشت إيران تحت عقوبات متقطعة ثم دائمة. تطور لديها ما يسمى "اقتصاد المقاومة" - نموذج تكيّف فريد:

مظاهر الصمود الإيراني:

1. الاكتفاء الصناعي الشبه كامل:
· سيارات، أسلحة، أدوية، أجهزة منزلية - جميعها محلية.
· جودة أقل، لكن وجود أفضل من عدمه.
2. الشبكات الاقتصادية الموازية:
· تجارة مع جيران رغم العقوبات (تركيا، العراق، أفغانستان، باكستان).
· نظام تحويل أموال غير رسمي عبر المهجر.
3. البرنامج النووي كرمز للصمود:
· رغم العقوبات، استمر البرنامج.
· أصبح قضية وطنية توحيدية فوق الخلافات.
4. التحالف مع القوى المناهضة للغرب:
· علاقات مع روسيا، الصين، فنزويلا، سوريا.
· خلق محور مقاومة يعوض العزلة.

المشكلات باقية: تضخم مرتفع، بطالة، فساد. لكن إيران تثبت أن الأمة التي تملك إرادة سياسية قوية تستطيع الصمود لعقود.



فنزويلا: عندما يتحول النفط من نعمة إلى نقمة

فنزويلا تقدم درساً في كيفية فشل الصمود رغم كل مقوماته:

· أكبر احتياطي نفطي في العالم.
· قيادة سياسية ملتزمة بالاستقلال.
· دعم من حلفاء أقوياء (روسيا، الصين، كوبا).

درس فنزويلا: الصمود يحتاج إلى أكثر من إرادة سياسية. يحتاج إلى كفاءة إدارية، مؤسسات قوية، وحدة وطنية ، والتعلم من الصين وايضا كوبا ..



روسيا: الصمود المفاجئ تحت العقوبات القصوى

كانت العقوبات على روسيا بعد 2022 الأقسى في التاريخ الحديث:

· تجميد 300 مليار دولار من الاحتياطيات.
· طرد من نظام سويفت.
· مقاطعة شبه كاملة من الغرب.

التوقعات الغربية: انهيار الاقتصاد الروسي خلال أشهر.

الواقع: صمود مذهل. أسباب النجاح النسبي:

1. الاستعداد المسبق: منذ 2014، بدأت روسيا:
· تخزين الذهب.
· بناء أنظمة دفع بديلة.
· تنويع الشركاء التجاريين.
2. الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي:
· غذاء: تحولت من مستورد إلى مصدر قمح.
· طاقة: اكتفاء ذاتي كامل.
· أسلحة: صناعة عسكرية مستقلة.
3. الشركاء البديلون:
· الصين: شريك تجاري بديل للغرب.
· الهند: مشتاق للنفط والغاز الروسي الرخيص.
· الشرق الأوسط، أفريقيا، أمريكا اللاتينية: أسواق جديدة.
4. الوحدة الوطنية: العقوبات وحدت الشعب حول القيادة.

روسيا تظهر أن الصمود ممكن إذا استُعد له، وإذا امتلكت الدولة موارد أساسية، وإذا وجدت بدائل استراتيجية.



سوريا: الصمود في ظل الدمار المزدوج

سوريا تواجه حصاراً مزدوجاً: عقوبات اقتصادية + دمار الحرب. رغم ذلك، لم تسقط الدولة إلا باتفاق أطراف خارجية يوم الثامن من ديسمبر على يد وكلاء الغرب الاستعماري من عصابات الإخوان المسلمين الفاشية وتفريخاتها القاعدة وداعش . أسباب الصمود السوري السابق :

1. الدعم الخارجي الحاسم:
· روسيا: دعم عسكري، سياسي، اقتصادي.
· إيران: دعم مالي، عسكري، استخباراتي.
· حزب الله: دعم عسكري على الأرض.
2. التحكم بالموارد الأساسية:
· الحكومة تسيطر على أغنى مناطق الزراعة (حلب، حمص، حماة).
· تسيطر على معظم آبار النفط والغاز.
3. الاقتصاد الحربي:
· تحول الاقتصاد لخدمة المجهود الحربي.
· السوق السوداء تصير جزءاً من النظام.
· المقايضة تحل محل التجارة التقليدية.
4. التكيف الاجتماعي المذهل:
· الشعب تعلم العيش بأقل القليل.
· الابتكار في أوقات الشدة: إصلاح ما لا يُصلح، إعادة استخدام كل شيء.

لكن الثمن: دولة مدمرة، شعب منهك، مستقبل مجهول. سوريا تظهر أن الصمود ممكن حتى في أسوأ الظروف، لكنه قد يكون صموداً نحو الدمار البطيء وسقوط الدولة بايدي عصابات وهابية يحركها الغرب الاستعماري ولكنه ليس نهاية المطاف فقد تتغير الأمور بعد أن يقارن الشعب أحواله سابقا حيث فاتورة الكهرباء مجانية سابقا بينما تفوق في النظام الاحتلالي التركي الصهيوني الحالي راتب الموظف لشهر .



كوريا الشمالية: الصمود في العزلة التامة

كوريا الشمالية تقدم أقصى نموذج للصمود في العزلة:

· عقوبات شاملة منذ 1950.
· عزلة شبه كاملة عن العالم.
· اقتصاد مكتفٍ ذاتياً بشكل قسري.

مفاتيح صمودها:

1. الأيديولوجيا الجوشية: "الإعتماد على الذات" ليس سياسة بل عقيدة.
2. التحكم الكامل بالمجتمع: لا معارضة، لا هروب للأفكار.
3. البرنامج النووي: سلاح ردع يمنع الهجوم المباشر.
4. الدعم الصيني الخفي: رغم العقوبات، الصين لا تسمح بانهيار جارتها.

النتيجة: شعب يعيش في مستوى معيشي مقبول و باكفا المهندسين تقريبا في العالم ، و بنظام سياسي صامد . كوريا الشمالية تطرح سؤالاً أخلاقياً: الصمود افضل من الخضوع لمقتضيات تدمير الإنسان والبلد وفق النمط الاحتلالي الأمريكي الغربي ..






العوامل المشتركة للصمود الناجح

من دراسة النماذج، نستخلص العوامل المشتركة للصمود:

1. الوحدة الوطنية: بدونها، ينقسم الشعب، ينهار الصمود.
2. الدعم الخارجي: حتى كوبا المعزولة لها حلفاء (فنزويلا سابقاً، روسيا الآن).
3. الموارد الأساسية: غذاء، طاقة، ماء - بدونها يستحيل الصمود.
4. القيادة الشرعية: شعب يثق بقادته يتحمل أكثر.
5. الاقتصاد المتنوع: الاعتماد على قطاع واحد (نفط) يجعل الصمود هشاً.
6. الاستعداد المسبق: الدول التي تستعد قبل الأزمة تصمد أفضل.
7. القدرة على التكيف: مجتمعات مرنة تبتكر حلولاً جديدة.
8. الإرادة السياسية: قرار بعدم الاستسلام مهما كلف الأمر.

غياب أي عامل يضعف الصمود. غياب عدة عوامل يؤدي للفشل.



الصمود المجتمعي: عندما يتحمل الشعب ما لا يطاق

أخطر أسلحة الحصار: كسر إرادة الشعب. لذلك، الصمود الحقيقي هو صمود المجتمع:

مظاهر الصمود المجتمعي:

1. التضامن العائلي والمجتمعي: تبادل الغذاء، المساعدة المتبادلة.
2. الاقتصاد غير الرسمي: سوق سوداء تُوّفر ما تحجبه العقوبات.
3. الإبداع اليومي: إصلاح، إعادة استخدام، ابتكار بدائل.
4. المقاومة الثقافية: تمسك بالهوية، رفض الاستلاب.
5. الفكاهة السوداء: الضحك على الجوع، السخرية من الحرمان.

المجتمعات التي تطور مناعة اجتماعية تصمد أكثر من تلك التي تعتمد على الدولة فقط.


حدود الصمود: متى تصير التكلفة باهظة جداً؟

لكل صمود حدود. المؤشرات على اقتراب هذه الحدود:

1. الهجرة الجماعية: عندما يهرب الناس، ينتهي الصمود.
2. التمرد الداخلي: احتجاجات ضد القيادة.
3. انهيار الخدمات الأساسية: صحة، تعليم، كهرباء.
4. الجريمة المنظمة: عندما تتحكم المافيا بالاقتصاد.
5. التفكك الاجتماعي: اختفاء الثقة بين الناس.

السؤال الأخلاقي: متى يصير الصمود انتحاراً جماعياً؟ متى يجب البحث عن تسوية ولو بمكاسب أقل؟

لا إجابة واحدة. كل أمة تحدد سقف تحملها. لكن القادة الحكماء يعرفون متى يصلون إلى هذا السقف.



دروس للمستقبل: الاستعداد لعصر الحروب الاقتصادية

من دروس الصمود السابقة، دروس للمستقبل:

1. التنويع قبل الأزمة: لا تعتمد على شريك واحد، سوق واحدة، عملة واحدة.
2. الاكتفاء الاستراتيجي: غذاء، طاقة، أدوية أساسية - انتجها محلياً.
3. بناء التحالفات البديلة: قبل أن تحتاجهم، ابن علاقات مع شركاء محتملين.
4. تعزيز الوحدة الوطنية: مجتمع منقسم لا يصمد.
5. تطوير أنظمة دفع بديلة: قبل أن تُطرد من سويفت.
6. تخزين الذهب: في أراضيك، ليس في بنوك الآخرين.
7. تعزيز الاقتصاد غير الرسمي: ليس كبديل، لكن كشبكة أمان.

الأمة المستعدة للأزمة لا تنهار عندما تأتي. الأمة غير المستعدة تستسلم عند أول ضغط.



الصمود كخيار استراتيجي لا كمصير

أهم درس: الصمود ليس قدراً محتوماً، بل خيار استراتيجي. دول اختارت الصمود (كوبا، إيران)، ودول اختارت الاستسلام (العراق تحت الحصار في التسعينات).

العوامل التي تجعل الصمود خياراً:

1. وجود قضية وطنية كبرى تستحق التضحيات.
2. قيادة تؤمن بالخيار وتقنع الشعب به.
3. إمكانيات مادية للصمود (موارد، موقع، حلفاء).
4. تاريخ من الصمود يعزز الهوية.

الصمود يُبنى، يُخطط له، يُدرب عليه. ليس رد فعل عشوائياً لضغط خارجي.

خاتمة: من فن البقاء إلى فن الازدهار رغم كل شيء

نختم هذا الفصل بتطور مفهوم الصمود: من مجرد البقاء على قيد الحياة إلى الازدهار رغم القيود. الدول التي تتعلم من الصمود لا تكتفي بالنجاة، بل:

1. تطور اقتصادات أكثر مرونة.
2. تكتشف قدرات كامنة لم تكن تعرفها.
3. تبني هوية وطنية أقوى.
4. تخلق تحالفات أكثر عمقاً.
5. تخرج من الأزمة أقوى مما دخلت.

الصمود، في أفضل حالاته، ليس نهاية، بل بداية. ليس تراجعاً، بل تجميعاً للقوى من أجل قفزة جديدة.

في الفصل الثالث عشر، سننتقل من نماذج الصمود الفردي إلى المشهد العالمي الجديد. سنرى كيف أن انهيار التحالفات التقليدية، صعود تعددية الأقطاب، أدوات المقاومة الاقتصادية - كلها تخلق عالمًا جديداً، أكثر تعقيداً، أكثر خطورة، لكنه أكثر إمكانية أيضاً للدول التي تعرف كيف تتعامل معه.

لكن قبل ذلك، تذكّر: تاريخ الأمم ليس فقط قصة انتصاراتها العسكرية، بل أيضاً قصة صمودها تحت الحصار. وفي عصرنا، حيث الحروب الاقتصادية تحل محل الحروب التقليدية، تصير مقدرة الأمة على الصمود تحت العقوبات أهم من مقدرتها على خوض المعارك. والصمود الناجح لا يُقاس بعدد السنوات تحت الحصار، بل بما تخرج الأمة منه: منهكة محطمة، أم أقوى وأكثر حكمة. والإجابة على هذا السؤال تحدد مصير الأمم في القرن الحادي والعشرين.

……
الجزء السادس : المشهد العالمي الجديد

الفصل الثالث عشر: نهاية الأحادية القطبية - صعود العالم المتشظي



اللحظة التي تعددت فيها الشمس

لقرون، دارت الكواكب السياسية حول شمس واحدة. كانت هناك إمبراطورية تهيمن، عملة تسود، ثقافة تتغول، نموذج يُقدَّس. ثم جاءت اللحظة التاريخية التي تكسرت فيها الشمس إلى شموس متعددة، كل منها يجذب إليه كواكبَ خاصة، كل منها يبث حرارة مختلفة، كل منها يخلق نهاراً خاصاً على جانبه من الأرض.

نحن لا نشهد "نظاماً عالمياً جديداً" بعد، بل مرحلة فوضى خلاقة بين نظامين: نظام أحادي القطب يحتضر، ونظام متعدد الأقطاب لم يولد بعد. إنه اللحظة الانتقالية الأكثر اضطراباً منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، لكنها أيضاً الأكثر تعقيداً، لأنها لا تحمل اسماً واضحاً، لا أيديولوجيا محددة، لا قائداً معلوماً.

هذا الفصل هو استقصاء لهذه اللحظة السائلة في التاريخ العالمي، حين تصير الخرائط الجيوسياسية أشبه بألواح زجاجية ساخنة لا تزال قابلة للتشكل، حين تكون القواعد مكتوبة بقلم رصاص على صفحات مبللة، وحين تكون الولاءات متعددة الطبقات كرقيقة معجنات الفيلو.


الأحادية القطبية: لمحة سريعة على سرير الاحتضار

بين 1991 و2020، عاش العالم تحت هيمنة أمريكية غير مسبوقة في التاريخ:

· عسكرياً: إنفاق يفوق الإنفاق العسكري للعالم مجتمعاً.
· اقتصادياً: دولار كعملة احتياط عالمية، وول ستريت كقلب المال العالمي.
· ثقافياً: هوليوود، السيليكون فالي، الجامعات الأمريكية.
· سياسياً: الأمم المتحدة، صندوق النقد، البنك الدولي - كلها تحت تأثير واشنطن.

لكن هذه الهيمنة كانت تنطوي على بذور فنائها:

1. الإفراط في التمدد: حروب بلا نهاية، قواعد عسكرية في 80 دولة.
2. التقريع الذاتي: الأزمة المالية 2008 كشفت فساد النموذج من داخله.
3. صعود المنافسين: الصين من مصنع إلى منافس تكنولوجي.
4. التآكل الداخلي: الاستقطاب السياسي، التفاوت الاجتماعي، تآكل الطبقة الوسطى.

سقوط كابل 2021 لم يكن مجرد انسحاب من أفغانستان، بل اللحظة التي انكشفت فيها هشاشة الإمبراطورية للعالم. اللحظة التي أدرك فيها الجميع أن الملك ليس عارياً فحسب، بل مريضاً أيضاً.



التعددية القطبية: ليست خياراً بل واقعاً متشظياً

التعددية القطبية اليوم لا تشبه الحرب الباردة:

· لا يوجد قائدان فقط (أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي).
· لا توجد أيديولوجيا واضحة (اشتراكية ضد رأسمالية).
· لا توجد جبهات محددة (أوروبا مقسمة، آسيا متنافسة).

بل نحن أمام تعددية مضطربة:

· أقطاب كبرى: أمريكا، الصين، روسيا (عسكرياً)، الاتحاد الأوروبي (اقتصادياً).
· أقطاب متوسطة: الهند، البرازيل، إندونيسيا...
· أقطاب إقليمية: إيران، باكستان، مصر، جنوب أفريقيا.
· تحالفات متشابكة: نفس الدولة في حلف أمني مع طرف، وتحالف اقتصادي مع آخر.

هذا العالم أكثر تعقيداً، أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر خطورة. لأن الصراعات لا تكون بين كتلتين واضحتين، بل بين شبكات متداخلة.



الصين: القطب الذي لم يقرر بعد أي قطب يكون

الصين اليوم في مفترق تاريخي: هل تصير:

1. قطباً بديلاً تقدم نموذجاً جديداً للعالم؟
2. قطباً مهيمناً جديداً يكرر أخطاء الأمريكي؟
3. قطباً من بين أقطاب في نظام متوازن؟

مظاهر قطب الصين الصاعد:

· اقتصادياً: ثاني أكبر اقتصاد، أكبر مصدر، أكبر دائن للعالم.
· تكنولوجياً: 5G، ذكاء اصطناعي، فضاء، سيارات كهربائية.
· عسكرياً: أكبر جيش، ثاني أكبر ميزانية دفاعية.
· جيو-اقتصادياً: الحزام والطريق يربط 140 دولة.

لكن التحديات:

· ديموغرافياً: شيخوخة سكانية سريعة.
· اقتصادياً: فقاعة عقارية، ديون محلية هائلة.
· سياسياً: علاقات متوترة مع الجيران (الهند، اليابان، تايوان).
· دبلوماسياً: صورة "الاستبداد التكنولوجي" تخيف كثيرين.

الصين لم تختار بعد. والقرار سيشكل مصير القرن الحادي والعشرين.



الاتحاد الأوروبي: القطب الذي يخاف من قطبته

أوروبا تواجه المفارقة الوجودية: تملك مقومات القطب العالمي (اقتصاد، تقنية، قوة ناعمة)، لكنها تفتقر للإرادة السياسية.

مظاهر القطب الأوروبي:

· اقتصاد: ثاني أكبر اقتصاد عالمي (بعد الصين مباشرة).
· تقنية: شركات رائدة (إيرباص، سيمنز، SAP، ASML).
· قانونية: معايير عالمية (GDPR، البيئة، حقوق العمال).
· نموذج: دولة الرفاه، التوازن بين الرأسمالية والاجتماعية.

معوقات القطب الأوروبي:

1. التبعية الأمنية لأمريكا: بدون جيش مستقل، لا سيادة كاملة.
2. الانقسامات الداخلية: شمال ضد جنوب، شرق ضد غرب، محافظ ضد تقدمي.
3. البيروقراطية: قرارات بطيئة، إجماع صعب.
4. الضعف الديموغرافي: شيخوخة، انخفاض مواليد.

أوروبا تترنح بين أن تكون قطباً مستقلاً أو تابعاً متطوراً. والقرار ليس بيدها وحدها.



روسيا: القطب العسكري-الجيوستراتيجي

روسيا تقدم نموذجاً فريداً: قطب غير اقتصادي أساساً، بل:

· عسكري-نووي: ترسانة نووية تعادل الأمريكية.
· جيوستراتيجي: أكبر دولة في العالم، حدود مع 14 دولة.
· طاقي: أكبر مصدر غاز، ثاني أكبر مصدر نفط.
· دبلوماسي: عضو دائم في مجلس الأمن، تاريخ إمبراطوري.

لكن نقاط الضعف:

· اقتصاد: حجمه اقتصاد يتفوق على المانيا بمعادل القوة الشرائية ، يعتمد على النفط والغاز.
· ديموغرافي: سكان في انخفاض (145 مليون وتناقص).
· تكنولوجي: متأخرة في التقنيات المدنية.

روسيا قطب من نوع خاص: ليس لقيادة العالم، بل لمنع قيادة العالم من قبل الآخرين. قطب معطل أكثر منه باني.



الهند: القطب الديموغرافي-الديمقراطي

الهند تملك مقومات فريدة:

· ديموغرافياً: أكبر عدد شباب في العالم، سيتجاوز الصين سكانياً.
· ديمقراطياً: أكبر ديمقراطية في العالم (رغم مشاكلها).
· اقتصادياً: خامس أكبر اقتصاد، ينمو بسرعة.
· جيوستراتيجياً: تطل على المحيط الهندي، قريبة من مضيق ملقا.

تحديات الهند:

1. الفقر: ربع فقراء العالم في الهند.
2. التنوع: 22 لغة رسمية، أديان متعددة، نظام طبقي.
3. العلاقات المتوترة: مع الصين، باكستان.
4. البنية التحتية: تحتاج تريليونات الدولارات للتحسين.

الهند لم تختار انحيازاً كاملاً. تلعب على كل الجبهات:

· أمنياً مع أمريكا (تحالف Quad).
· اقتصادياً مع روسيا (نفط رخيص).
· دبلوماسياً مع الجنوب العالمي (قائدة عدم الانحياز).

الهند قد تكون الحكم في الصراع بين أمريكا والصين.



الأقطاب الإقليمية: قوة الضعفاء

تحت الأقطاب الكبرى، توجد أقطاب إقليمية:

1. الشرق الأوسط: السعودية، إيران ، مصر.
2. أمريكا اللاتينية: البرازيل، المكسيك، الأرجنتين.
3. جنوب شرق آسيا: إندونيسيا، فيتنام، سنغافورة.
4. أفريقيا: جنوب أفريقيا، نيجيريا، إثيوبيا، مصر.

هذه الأقطاب:

· لا تطمح للقيادة العالمية.
· تريد الهيمنة الإقليمية.
· تتماور بين القوى الكبرى.
· تشكل كتلة تصويتية في المنظمات الدولية.

دورها: منع الهيمنة المطلقة للأقطاب الكبرى على مناطقها. والمهارة في اللعب على التنافس بين الكبار.



التحالفات المتشابكة: لعبة ثلاثية الأبعاد

في العالم الجديد، التحالفات لم تعد خطية:

· ليست: أمريكا وحلفاؤها ضد الصين وحلفائها.
· بل هي: شبكة معقدة:
· دولة في حلف أمني مع أمريكا.
· في اتفاقية تجارية مع الصين.
· في تحالف طاقي مع روسيا.
· في تكتل إقليمي مع جيرانها.

أمثلة:

· السعودية: أمنياً مع أمريكا، اقتصادياً مع الصين، نفطياً تؤثر على العالم.
· تركيا: في الناتو، تشتري أسلحة روسية، تبني علاقات مع الصين.
· الهند: في Quad مع أمريكا، تشتري نفطاً من روسيا، تتنافس مع الصين.

هذه التشابكات تجعل الحرب الشاملة مستحيلة. لأنها ستدمر شبكة المصالح المعقدة. لكنها تجعل الحرب المحدودة أكثر احتمالاً.



النظام المالي المتشظي: من الدولار إلى تعدد العملات

النظام المالي العالمي يشهد تشظياً بطيئاً:

1. الدولار: ما زال مهيمناً لكن نسبته في الاحتياطيات تنخفض (من 70% إلى 58%).
2. اليوان: صاعد لكن الصين تتحكم به (غير قابل للتحويل بحرية).
3. اليورو: ثابت لكن أوروبا ليست قطباً سياسياً كاملاً.
4. عملات إقليمية: روبل، روبية، ريال - تستخدم في التجارة الثنائية.
5. الذهب: يعود كاحتياط استراتيجي.
6. العملات المشفرة: تهدد الجميع لكن لا تزال هامشية.

المستقبل: لا عملة عالمية واحدة، بل عدة عملات إقليمية. كل قطب يسعى لتعزيز عملته في منطقته.

لكن المخاطر: عدم الاستقرار النقدي. لأن تعدد العملات يزيد تقلب أسعار الصرف، يزيد تكاليف المعاملات، يخلق حواجز تجارية.



الثقافة في العالم المتعدد: صراع السرديات

كل قطب يصنع سرديته:

· أمريكا: "الحرية، الديمقراطية، الرأسمالية".
· الصين: "الانسجام، التنمية، النظام".
· روسيا: "السيادة، التقليد، المقاومة".
· أوروبا: "الإنسانية، البيئة، دولة الرفاه".
· العالم الإسلامي: "العدالة، الكرامة، الهوية".

المشكلة: لا سردية تسود. العالم منقسم سردياً:

· شبكات اجتماعية مختلفة (تيك توك ضد فيسبوك).
· إعلام مختلف (روسيا اليوم ضد سي إن إن).
· تعليم مختلف (مناهج وطنية ضد عولمة التعليم).
· قيم مختلفة (فردية ضد جماعية).

نتيجة: صعوبة التفاهم. لأن الناس لا يتفقون على الحقائق الأساسية. لا يتفقون على ما هو الخير، ما هو الشر، ما هو التقدم.




التكنولوجيا: ساحة المعركة الجديدة

التعددية القطبية تظهر بقوة في التكنولوجيا:

1. أمريكا: سيليكون فالي، شركات التكنولوجيا الكبرى، لكن تابعة للبنتاغون.
2. الصين: التكنولوجيا تحت سيطرة الدولة، تركيز على المراقبة، التحكم.
3. أوروبا: حماية البيانات (GDPR)، تقنية نظيفة، لكن تابعة لأمريكا في الأساسيات.
4. روسيا: تكنولوجيا مراقبة، قرصنة، لكن متأخرة في التقنيات المدنية.

المستقبل: انقسام تكنولوجي:

· أنظمة تشغيل مختلفة.
· شبكات اتصال منفصلة (5G صيني ضد غربي).
· ذكاء اصطناعي بأخلاقيات مختلفة.
· فضاء منقسم (محطة الفضاء الدولية ضد المحطة الصينية).

الخطر: انقسام الإنترنت. شبكة عالمية واحدة تتجزأ إلى شبكات وطنية وإقليمية. وهذا يقتل فكرة العولمة من أساسها.



مستقبل النظام العالمي: ثلاثة سيناريوهات

أمامنا ثلاثة مسارات محتملة:

السيناريو الأول: التعددية المضطربة المستمرة

· استمرار الوضع الحالي لعقود.
· لا حرب باردة جديدة، لا سلام حقيقي.
· تنافس في بعض المجالات، تعاون في أخرى.
· العالم يعيش في حالة عدم استقرار مزمن.

السيناريو الثاني: الحرب الباردة الجديدة

· انقسام واضح بين كتلتين: أمريكا-أوروبا ضد الصين-روسيا.
· دول مضطرة للاختيار.
· سباق تسلح جديد، عقوبات متبادلة.
· العالم يعود إلى ثنائية القطبية.

السيناريو الثالث: النظام الهرمي المتعدد المستويات

· أمريكا تبقى القائد لكن بشركاء أقوياء.
· الصين شريك-منافس في آسيا.
· روسيا قوة إقليمية معترف بها.
· أوروبا قطب اقتصادي دون عسكري.
· عالم أكثر تعقيداً لكن أقل عنفاً.

السيناريو الأرجح: مزيج متغير. صراع في بعض المناطق، تعاون في أخرى. حرب باردة في التكنولوجيا، تعاون في المناخ.


خاتمة: العيش في فجر عالم جديد

نختم هذا الفصل بصورة: العالم كبناء هائل، كان له سقف واحد، أعمدة مركزية. اليوم، السقف يتشقق، الأعمدة تتعدد، كل جزء يبني سقفه الخاص.

نحن نعيش فجر عالم جديد:

· ليس أحادي القطب.
· ليس ثنائي القطب.
· متعدد الأقطاب لكن بشكل فوضوي.

في الفصل الرابع عشر، سننتقل إلى مستقبل العملات الاحتياطية. سنرى كيف أن تدهور الدولار، صعود اليوان، عودة الذهب - تعكس هذا التحول الجيوسياسي. وكيف أن المال، كالعادة، يسجل التحولات قبل أن تعترف بها السياسة.

لكن قبل ذلك، تذكّر: التاريخ لا يتقدم في خط مستقيم. أحياناً يتراجع، أحياناً يتشعب، أحياناً يتوقف. والعالم المتعدد الأقطاب ليس بالضرورة أفضل من الأحادي، ولا بالضرورة أسوأ. هو فقط مختلف. والتعامل مع هذا الاختلاف يتطلب مرونة فكرية، براغماتية عملية، وشجاعة أخلاقية للعيش في عالم بلا يقين. وهذا ربما يكون التحدي الأكبر لعصرنا: كيف نبني، كيف نتعاون، كيف نعيش - في عالم بلا قائد واضح، بلا قواعد ثابتة، بلا مستقبل معروف.


…..

الفصل الرابع عشر: انهيار القلعة النقدية - تحولات نظام المال في عصر التعددية الجيوسياسية

عنوان اخر : (مستقبل العملات الاحتياطية: تحولات نظام النقد الدولي)؟



قلعة الدولار - عندما تصير الجدران الحامية قيداً خانقاً

ثمة قلعة مالية عظيمة، بنيت على تلال بريتون وودز، حصّنت جدرانها بذهب العالم، ورفرفت فوق أبراجها أعلام وول ستريت. لسبعة عقود، حكمت هذه القلعة الاقتصاد العالمي بلا منازع، صاغت قوانين المال، حددت قيمة العملات، قررت من يزدهر ومن ينهار. الدولار لم يكن مجرد عملة، بل كان دستوراً مالياً غير مكتوب، ديناً مقدساً للإمبراطورية المالية الأمريكية.

لكن القلاع، كما علمنا التاريخ، تُحاصر قبل أن تسقط. وما نراه اليوم ليس سقوطاً دراماتيكياً، بل تشققاً بطيئاً في الجدران، تسرّباً للثقة من الفجوات، وتآكلاً للأساسات تحت وطأة ديون متراكمة كالرمال المتحركة. هذا الفصل هو رحلة إلى قلب التحول النقدي الأعظم منذ سبعين عاماً، حيث تبدأ عملات وطنية بالتمرّد، حيث يعود الذهب من منفاه، وحيث تُنسج أنظمة دفع موازية كشبكات مقاومة تحت الأرض.


مولد النظام: بريتون وودز 1944 - اللحظة التأسيسية

في يوليو 1944، بينما كانت أوروبا تحترق، اجتمع ممثلو 44 دولة في فندق صغير ببلدة بريتون وودز الأمريكية. كانوا يبنون نظاماً مالياً لعالم ما بعد الحرب. الاتفاق بسيط في جوهره:

· الدولار: مرتبط بالذهب (35 دولاراً للأونصة).
· العملات الأخرى: مرتبطة بالدولار.
· صندوق النقد الدولي: يراقب، يقرض، "يصحح" السياسات.

لكن في هذا البساطة، كانت البذرة الأولى للهيمنة. لأن أمريكا:

1. تطبع الدولار حسب حاجتها.
2. تقرر قيمة عملات الآخرين.
3. تتحكم بمن يحصل على القروض وبأي شروط.

النظام لم يُخلق ليكون عادلاً، بل ليثبت انتصار أمريكا في الحرب. كان تتويجاً مالياً للنصر العسكري.



الصدمة الأولى: نيكسون 1971 - قطع الحبل السري مع الذهب

في 15 أغسطس 1971، أعلن الرئيس نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب. كانت لحظة تاريخية: لأول مرة، عملة عالمية بدون غطاء مادي. ولد النقود الورقية الخالصة.

السبب الظاهري: ضغوط اقتصادية (حرب فيتنام باهظة، تضخم).
السبب الحقيقي: أمريكا أدركت أنها تستطيع:

· طباعة دولارات دون حدود ذهبية.
· تمويل عجزها بعملة العالم.
· تحويل مشاكلها الاقتصادية إلى تضخم مستورد للدول الأخرى.

كانت الخطوة الأولى نحو الاستقلال المطلق للدولار، وأولى إشارات تحوله من عملة إلى سلاح.



عصر الهيمنة المطلقة: 1971-2008

في هذه العقود، صار الدولار إله النظام المالي:

· نفط العالم يُسعّر بالدولار.
· ديون الدول تُقَوم بالدولار.
· احتياطيات البنوك المركزية تُخزن بالدولار.
· التجارة العالمية تتم بالدولار.

أمريكا تمتعت بما يسمى "الامتياز الاستثنائي":

· تقترض بعملتها الخاصة.
· تدفع ديونها بطباعة المزيد من نفس العملة.
· تستورد سلع العالم بدولارات تطبعها.

لكن كل امتياز يولد استياءً. وكل هيمنة تخلق رغبة في التحرر.



الصدمة الثانية: الأزمة المالية 2008 - انكشاف الخدعة

عندما انهار ليمان براذرز، انكشفت حقيقة: النظام المالي العالمي قائم على ديون لا يمكن سدادها. لكن الأهم: الاستجابة للأزمة كشفت هشاشة أكثر.

البنوك المركزية:

· طبعت تريليونات.
· خفضت الفائدة إلى الصفر.
· اشترت ديوناً خاصة.

الرسالة: النظام المالي ليس سوقاً حراً، بل لعبة مالية يُتحكم بها من واشنطن وفرانكفورت. الدولار ليس عملة، بل أداة سياسة.

الدول التي راقبت، بدأت تسأل: لماذا نربط ثرواتنا بعملة يمكن طباعتها بلا حدود؟ لماذا نثق بنظام ينهار كل عشر سنوات؟



التمرّد الأول: صعود اليوان - دراجون يصنع موجته

الصين أدركت مبكراً: لا سيادة اقتصادية بدون سيادة نقدية. منذ 2009، بدأت حملة متعددة المحاور:

1. التدويل التدريجي:
· اتفاقيات مقايضة مع 40 دولة.
· تجارة ثنائية باليوان.
· نظام الدفع العالمي CIPS (بديل جزئي لسويفت).
2. الذهب:
· أكبر مشترٍ للذهب عالمياً.
· تخزينه في الداخل، لا في نيويورك أو لندن.
3. العملة الرقمية للبنك المركزي:
· أول عملة رقمية رسمية كبرى.
· تحكم كامل بالمعاملات.

لكن الصين متناقضة: تريد اليوان عالمياً، لكن تتحكم به بشدة. والنتيجة: يوان دولي لكن بشروط صينية.



التمرّد الثاني: روسيا والعملات الوطنية - دروس الحصار

عقوبات 2014 ثم 2022 أرغمت روسيا على الاختراع:

1. نظام الدفع SPFS:
· بديل سويفت.
· يستخدمه 20 دولة (رغم صغره).
2. التجارة بالعملات الوطنية:
· مع الصين: 90% باليوان والروبل.
· مع الهند: نفط بالروبية.
· مع إيران: مقايضة.
3. الذهب:
· ضاعفت احتياطياته قبل العقوبات.
· مخزون كامل داخل روسيا.

روسيا تظهر: عندما تُمنع من النظام العالمي، تبني نظاماً موازياً. والعملات الوطنية ليست مثالية، لكنها أفضل من العزلة.



التمرّد الثالث: دول الخليج - نفط بغير الدولار؟

لطالما كانت الصيغة: نفط خليجي = دولار أمريكي. لكن اليوم، المعادلة تهتز:

1. الصين تشتري النفط باليوان:
· 2023: أول صفقة نفط سعودي باليوان.
· الإمارات تبيع غازاً للصين باليوان.
2. البترودولار يضعف:
· أمريكا أصبحت مصدّراً للطاقة.
· حاجة الخليج للدولار تقل.
3. تنويع الاحتياطيات:
· استثمارات في الصين، روسيا.
· شراء ذهب.

الخليج لا يريد التخلي عن الدولار، بل تقليل الاعتماد عليه. يريد خيارات.



التمرّد الرابع: العالم النامي - البحث عن بدائل

دول أفريقيا، أمريكا اللاتينية، آسيا تعبّ من تقلبات الدولار:

1. ديون بالدولار:
· عندما يرتفع الدولار، تزيد أعباء الديون.
· عندما ترفع أمريكا الفائدة، تهرب الأموال.
2. العقوبات الأمريكية:
· أي خلاف مع واشنطن يعني تجميد احتياطياتك.
3. الحلول:
· بنك التنمية الجديد (BRICS): قروض بعملات وطنية.
· بنك الاستثمار الآسيوي: تمويل صيني.
· التجارة الإقليمية: عملات محلية.

العالم النامي لا يستطيع التمرّد وحده، لكنه يمكنه الانضمام للتمرد الجماعي.




عودة الذهب: الملك الأصفر يستعيد عرشه

الذهب، ذلك الملاذ القديم، يعود:

1. البنوك المركزية تشتري بجنون:
· 2023: أكبر مشتريات منذ 1967.
· الصين، روسيا، تركيا، الهند، بولندا.
2. لماذا؟
· لا يمكن تجميده (إذا كان في أراضيك).
· لا يعتمد على وعد أي حكومة.
· يقبله الجميع عبر التاريخ.
3. المشكلة:
· غير سائل (لا تدفع به إلكترونياً).
· ثقيل (نقله صعب).
· يتقلب سعره.

الذهب ليس بديلاً كاملاً، لكنه وسادة أمان. تأمين ضد انهيار النظام الورقي.




العملات المشفرة: الثورة التي خيبت الآمال

ظهرت البيتكوين عام 2009 كـ حلم: مال لا تحكمه حكومات. لكن اليوم:

1. الواقع:
· تقلب شديد (ليست مخزناً للقيمة).
· سيطرة أمريكية (أكبر منصات التداول أمريكية).
· تتبع المعاملات (ليست مجهولة تماماً).
2. استخدامات عملية:
· للتهرب من العقوبات (روسيا، إيران، فنزويلا).
· للمعاملات السرية.
· كمخزن قيمة في دول ذات عملات ضعيفة.
3. المستقبل:
· العملات الرقمية للبنوك المركزية ستسيطر.
· العملات المشفرة الخاصة ستبقى هامشية.

العملات المشفرة كسرت تابوه (أن المال يجب أن يصدره بنك مركزي). لكنها فشلت في أن تصبح بديلاً.




المستقبل: ثلاثة سيناريوهات لمصير الدولار

السيناريو الأول: التدهور البطيء

· الدولار يبقى الأول لكن بنسبة أقل.
· اليوان، اليورو يزدادان أهمية.
· نظام متعدد العملات يظهر تدريجياً.
· النتيجة: عالم أقل كفاءة، أكثر تكلفة.

السيناريو الثاني: الانهيار المفاجئ

· أزمة ثقة في الديون الأمريكية.
· هروب جماعي من الدولار.
· فوضى مالية عالمية.
· النتيجة: أزمة اقتصادية أقسى من 1929.

السيناريو الثالث: التحول المنظم

· أمريكا تتفق مع الصين، أوروبا على نظام جديد.
· سلة عملات تحل محل الدولار.
· إصلاح مؤسسات بريتون وودز.
· النتيجة: انتقال سلمي لكن نادر الحدوث.

السيناريو الأرجح: الأول. لأن الانهيار يخيف الجميع، بما فيهم من يريدون التحرر من الدولار.



التحديات: لماذا يصعب استبدال الدولار

1. السيولة: سوق الديون الأمريكية أكبر، أعمق، أكثر سيولة.
2. القانون: النظام القانوني الأمريكي يحمي المستثمرين.
3. العادات: 70 عاماً من الهيمنة خلقت عادات يصعب كسرها.
4. غياب البديل الواضح:
· اليوان: متحكم به.
· اليورو: أوروبا ليست دولة واحدة.
· الذهب: غير عملي.
5. المصلحة المشتركة: كثيرون يربحون من النظام الحالي (بما فيهم دول تعاني منه).

استبدال الدولار ليس مسألة رغبة فقط، بل مسألة قدرة. والقدرة تتطلب بديلاً قابلاً للتطبيق.




خاتمة: نهاية الامتياز وبداية المنافسة

نختم هذا الفصل بحقيقة: عصر الامتياز الاستثنائي الأمريكي ينتهي. ليس بانفجار كبير، بل بتسرب بطيء للثقة، لرأس المال، للولاء.

في الفصل الخامس عشر، سننتقل من النظام النقدي إلى السياسة. سنرى كيف أن القوى الوسطى تتعلم فن المناورة بين العملاقة. كيف أن تركيا، الهند، السعودية، البرازيل تصنع سياسات خارجية جديدة في عالم متعدد الأقطاب.

لكن قبل ذلك، تذكّر: المال ليس مجرد ورق مطبوع أو أرقام على شاشة. المال ثقة مجسدة. وهو عندما يبدأ الناس بفقدان الثقة في عملة ما، لا يعود الأمر مسألة اقتصادية فقط، بل يصير مسألة سياسية وجودية. والدولار، ككل عملة مهيمنة في التاريخ، سيسقط لا عندما يقرر أعداؤه ذلك، بل عندما يقرر أصدقاؤه أنهم لم يعودوا يثقون به. وهذا ما بدأنا نراه: ليس عداءً صريحاً، بل شكاً متزايداً. ليس رفضاً كاملاً، بل بحثاً عن بدائل. ليس ثورة، بل تطوراً بطيئاً سيغير وجه العالم المالي كما نعرفه.



الفصل الخامس عشر: فن المناورة - القوى الوسطى في مَعرِبة العمالقة

عنوان اخر : (القوى الوسطى والمناورة: استراتيجيات البقاء في عالم العمالقة)؟



السفن الصغيرة في بحر العمالقة

ثَمَّةَ فن قديم ضاع بين أضواء السياسات العظمى: فن الملاحة في المياه الضيقة، حيث تعلم الربان أن البقاء لا يكون بالصمود أمام العاصفة، بل بالمناورة بين الأمواج. هكذا تعيش القوى الوسطى اليوم في عالم يتصارع فيه العمالقة: ليس بالقوة الكافية لفرض إرادتها، ولا بالضعف الذي يستسلم للقدر. إنها السفن المتوسطة التي يجب أن تجد مساراً بين حاملات الطائرات، أن تتنبأ بتصادمات ليست لها، أن تنجو من موجات تصنعها معارك ليست معاركها.

هذا الفصل هو رحلة إلى مختبر الدبلوماسية الأكثر إبداعاً في عصرنا: حيث تصهر الدول المتوسطة الضرورة إلى فضيلة، والضعف إلى قوة، والتبعية إلى تأثير. إنه استقصاء لتلك الرقصة الجيوسياسية المعقدة التي يؤديها قادة مثل أردوغان، مودي، بن سلمان، لولا - كلٌ على إيقاع بلاده، ولكن جميعهم يعرفون أن الخطأ في الخطوة قد يعني السحق بين عمالقة يتصادمون.





الهند: عدم الانحياز في القرن الحادي والعشرين

أجداد الهند صاغوا فلسفة عدم الانحياز. أحفادهم اليوم يطورون عدم الانحياز العملي:

مع أمريكا أمنياً:

· عضو في تحالف Quad (أمريكا، اليابان، أستراليا، الهند).
· مناورات بحرية مشتركة.
· موازنة الصين في المحيط الهندي.

مع روسيا اقتصادياً وعسكرياً:

· أكبر مشتر للأسلحة الروسية.
· تشتري النفط الروسي بخصم 30%.
· تتجاوز العقوبات الغربية بذكاء.

مع الصين تنافسياً وتعاونياً:

· تنافس على النفوذ في جنوب آسيا.
· تتعاون في مجموعات BRICS.
· تتاجر (رغم التوترات العسكرية).

العبقرية الهندية: لا تقل "نعم" كاملة، لا تقل "لا" نهائية. قل "نعم، لكن". قل "لا، إلا إذا".



السعودية: من التبعية النفطية إلى الدبلوماسية المتعددة الأطراف

لطالما كانت الصيغة: النفط السعودي = الحماية الأمريكية. اليوم، المعادلة تتغير:

مع أمريكا: العلاقة القديمة، لكن بشروط جديدة:

· لا حرب مع إيران دون موافقتنا.
· نريد تكنولوجيا نووية مدنية.
· نتحكم في أسعار النفط لمصلحتنا.

مع الصين: شريك اقتصادي استراتيجي:

· استثمارات صينية في رؤية 2030.
· بيع النفط باليوان (خطوات أولى).
· شراء أسلحة صينية (طائرات بدون طيار).

مع روسيا: تحالف نفطي غير معلن:

· تنسيق في أوبك+.
· تحكم مشترك في أسعار النفط.
· علاقات تتجاوز النفط (استثمارات، أسلحة).

المصالحة مع إيران: بوساطة صينية:

· ليس حباً، بل ضرورة جيوسياسية.
· تخفيف التوتر يخدم التنمية.
· إيران قد تصير شريكاً في استقرار المنطقة.

الاستراتيجية السعودية: من العميل إلى الشريك. من المحمية إلى محمية قريبة من القوة الإقليمية الفاعلة.




البرازيل: أمريكا اللاتينية تبحث عن طريقها الثالث

تحت لولا، البرازيل تعيد اكتشاف دورها كقارة مصغرة:

مع أمريكا: علاقة احترام متحفظ:

· لا عداء، لكن لا تبعية.
· نختلف في قضايا (كوبا، فنزويلا).
· نتعاون حيث تتفق المصالح.

مع الصين: الشريك التجاري الأول:

· صادرات الصويا، المعادن، النفط.
· استثمارات صينية في البنية التحتية.
· لكن: قلق من التبعية الاقتصادية.

مع روسيا: صداقة قديمة جديدة:

· عضو في BRICS.
· دعم في المحافل الدولية.
· شراء أسمدة روسية (حيوية للزراعة).

قيادة الجنوب العالمي:

· صوت للفقراء في المنظمات الدولية.
· دعم التكامل الإقليمي (ميركوسور).
· بديل عن النيوليبرالية.

البرازيل تبحث عن "الطريق الثالث": لا تبعية لواشنطن، لا خضوع لبكين، بل سياسة خارجية مستقلة تعكس مصالح أمريكا اللاتينية.



إندونيسيا: القوة الخفية في جنوب شرق آسيا

بـ 270 مليون نسمة، اقتصاد يتصاعد، موقع استراتيجي: إندونيسيا تتعلم لعبتها:

التوازن بين الصين وأمريكا:

· تقبل استثمارات صينية.
· تشارك في مناورات أمريكية.
· ترفض الانحياز لأي طرف.

قيادة آسيان:

· المجموعة التي تتعامل مع الجميع.
· ترفض أن تكون ساحة للتنافس الأمريكي-الصيني.
· تصنع قواعد سلوك للقوى الكبرى في المنطقة.

الإسلام المعتدل كقوة ناعمة:

· أكبر دولة إسلامية في العالم.
· نموذج إسلام ديمقراطي، معتدل.
· تأثير في العالم الإسلامي.

إندونيسيا تثبت أن القوة ليست فقط عسكرية أو اقتصادية. القوة أيضاً موقع، دبلوماسية، نموذج حضاري.




مصر: الحارس القديم يتعلم رقصة جديدة

مصر، بموقعها، تاريخها، حجمها: لا يمكن تجاهلها. لكنها تتعلم أن الموقع لا يكفي:

من الاعتماد الأمريكي إلى التعددية:

· 1.3 مليار دولار مساعدة أمريكية سنوية لم تعد كافية.
· تبحث عن استثمارات خليجية، صينية، روسية.
· تشتري أسلحة من كل مكان (أمريكا، روسيا، فرنسا).

قناة السويس: من ممر إلى ورقة ضغط:

· 12% من التجارة العالمية تمر عبرها.
· أداة تفاوض مع أوروبا، آسيا، أمريكا.
· مشروع توسيع القناة يزيد أهميتها.

التوسط في الشرق الأوسط:

· بين الخليج وإيران أحياناً.
· صانع استقرار (مصلحتها).

مصر تتعلم: الحارس القديم يجب أن يجدد أدواته. الموقع الاستراتيجي يجب أن يتحول إلى نفوذ فعلي.



إيران: من العزلة إلى التحالفات المبتكرة

تحت الحصار، إيران اخترعت فن التحالف غير التقليدي:

محور المقاومة:

· غير رسمي، مرن، عملي.
· إيران + سوريا المقاومة الشعبية + حزب الله + الحوثيين + فصائل عراقية.
· قوة ردع غير متماثلة ضد أعداء أقوى.

التحالف مع الصين:

· اتفاقية 25 سنة شاملة.
· استثمارات صينية في الطاقة، البنية التحتية.
· منفذ من العزلة.

العلاقة مع روسيا:

· تعاون في سوريا المقاومة سابقا
· أسلحة روسية مقابل درونز إيرانية.
· شراكة المهمشين.

التطبيع مع الجيران:

· مع السعودية (بوساطة صينية).
· مع الإمارات.
· كسر العزلة العربية.

إيران تظهر: الحصار يولد إبداعاً تحالفياً. عندما تُغلق الأبواب التقليدية، تفتح نوافذ غير متوقعة.



المهارات المشتركة: أدوات المناورة

كل هذه الدول تتقن مجموعة مهارات مشتركة:

1. البراغماتية فوق الأيديولوجيا:
· لا صداقات دائمة، لا عداوات دائمة، مصالح دائمة.
2. فن المساومة:
· أعطِ شيئاً، خذ شيئاً.
· لا تعطِ كل شيء، لا تطلب كل شيء.
3. التوقيت:
· متى تقترب من أمريكا؟ عندما تخاف من الصين.
· متى تقترب من الصين؟ عندما تغضب من أمريكا.
4. السرية:
· مفاوضات خلف الكواليس.
· لا تعلن تحالفاتك قبل أن تنضج.
5. المرونة:
· غير سياساتك عندما تتغير الظروف.
· لا تتعصب لخيار واحد.



المخاطر: عندما تنقلب المناورة ضدك

لكن المناورة خطيرة:

1. الاشتباه من الجميع:
· أمريكا تشك في ولائك.
· الصين تشك في جديتك.
· تصير لا أحد حليفك الحقيقي.
2. الانتقام:
· إذا أزعجت أمريكا كثيراً: عقوبات.
· إذا أزعجت الصين كثيراً: ضغوط اقتصادية.
3. التشرذم الداخلي:
· الشعب ينقسم بين "مع أمريكا" و"مع الصين".
· تضعف الوحدة الوطنية.
4. فقدان المصداقية:
· إذا غيرت مواقفك كثيراً، لا يصدقك أحد.

المناورة فن التوازن على حبل مشدود. والسقوط قد يكون كارثياً.



الدبلوماسية الاقتصادية: لغة العصر الجديدة

في عالم العمالقة، الدبلوماسية الاقتصادية تصير أهم من الدبلوماسية السياسية:

اتفاقيات التجارة الحرة:

· ليس مع كتلة واحدة، مع الجميع.
· اتفاقيات ثنائية متشابكة.

الاستثمارات المتبادلة:

· استثمر في أصول الآخرين.
· اجعلهم يستثمرون فيك.

سلاسل التوريد:

· كن حلقة ضرورية في سلاسل إنتاج القوى الكبرى.
· تصير لا يمكن الاستغناء عنك.

الطاقة:

· إذا كنت منتجاً: بع للجميع.
· إذا كنت مستهلكاً: اشتر من الجميع.

الدبلوماسية الاقتصادية تخلق اعتماداً متبادلاً. وعندما يعتمد الآخرون عليك اقتصادياً، يصعب عليهم معاقبتك سياسياً.


الدبلوماسية الثقافية: القوة الناعمة كدرع

الدول المتوسطة تكتشف أن الثقافة قد تحمي ما لا يحميه الجيش:

الهند: بوليوود، اليوغا، المطبخ الهندي.
كوريا الجنوبية: الموجة الكورية (K-pop، الدراما).
المكسيك: التيلينوفلا، المطبخ، الفن.

الثقافة:

· تخلق تعاطفاً.
· تبني جسوراً.
· تخفف العداء.

في عالم يزداد استقطاباً، القوة الناعمة تصير سلاحاً استراتيجياً.



التكتلات الإقليمية: قوة التجمع

الدول المتوسطة تتعلم: وحدنا ضعفاء، معاً أقوياء:

آسيان (إندونيسيا، فيتنام، سنغافورة، وغيرها):

· تتفاوض ككتلة واحدة مع الصين، أمريكا.
· تضع قواعد سلوك للقوى الكبرى في المنطقة.

الاتحاد الأفريقي:

· يسعى لـ سوق قارية موحدة.
· يتفاوض جماعياً مع الصين، أوروبا.

ميركوسور (البرازيل، الأرجنتين، أوروغواي، باراغواي):

· كتلة تصويتية في المنظمات الدولية.
· تفاوض تجاري جماعي.

التجمع الإقليمي يعطي وزناً. ويجعل العمالقة يأخذونك بجدية أكبر.



الابتكار التكنولوجي: اللحاق بالركب

بعض الدول المتوسطة تكتشف أن التكنولوجيا قد تقفز بها إلى الأمام:

فيتنام: تصير بديلاً عن الصين في التصنيع الإلكتروني.
بولندا: مركز للخدمات التكنولوجية في أوروبا.
ماليزيا: أشباه الموصلات، الإلكترونيات.
تشيلي: الليثيوم (بطاريات السيارات الكهربائية).

الابتكار التكنولوجي:

· يخلق ثروة.
· يعطي نفوذاً.
· يجذب الاستثمارات.

الدول التي تستثمر في التكنولوجيا تخلق لنفسها مكاناً في المستقبل. الدول التي تتخلف تغرق في التبعية.



مستقبل المناورة: في عالم يزداد استقطاباً

المشكلة: العالم يزداد استقطاباً. أمريكا تدفع للاختيار: إما معنا أو ضدنا. الصين تدفع في نفس الاتجاه.

في هذا العالم، المناورة تصير أصعب:

· الضغوط تزداد.
· الخيارات تقل.
· ثمن الحيادية يرتفع.

لكن الفرصة: العمالقة يحتاجون للحلفاء. ولا يريدون أن يدفعوا الجميع إلى المعسكر المعادي. لذلك، يبقى هامش للمناورة، وإن ضاق.



خاتمة: فن البقاء في زمن الاصطفاف

نختم هذا الفصل بحقيقة: المناورة ليست خيانة، بل بقاء. ليست انتهازية، بل حكمة.

في الفصل السادس عشر، سننتقل من المناورة إلى المصير. سنرى كيف أن العالم الجنوبي يقف على مفترق طرق: بين التبعية القديمة والتبعيات الجديدة. بين أن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو أن يكون فاعلاً في مصيره.

لكن قبل ذلك، تذكّر: تاريخ العالم ليس فقط قصة العمالقة، بل أيضاً قصة الذين نجحوا في العيش بينهم. وقيمة الدولة المتوسطة لا تقاس بحجم جيشها أو اقتصادها فقط، بل بمهارتها في التنقل بين العواصف الجيوسياسية. وفي عصرنا، حيث العمالقة يتصارعون، تصير هذه المهارة أهم من أي وقت مضى. لأن السفينة الصغيرة التي تعرف كيف تتجنب اصطدام السفن الكبيرة، تبقى وتستمر، بينما تغرق سفن أكبر منها لكن أقل مهارة في الملاحة.


……


الفصل السادس عشر: الجنوب العالمي بين سندان التبعية القديمة ومطرقة التبعيات الجديدة



الحلم المؤجل والمصير المعاد تصنيعه

هناك حلم قديم يتنقل بين قارات الجنوب كطيف لم يتحقق: حلم الاستقلال الحقيقي، التحرر من هيمنة الشمال، بناء مصير بلا وصاية. لقرون، ظل هذا الحلم يُؤجَّل: أولاً تحت نير الاستعمار العسكري، ثم تحت قيود الاستعمار الاقتصادي، وأخيراً تحت سطوة الاستعمار الثقافي. اليوم، وفي لحظة تاريخية نادرة حيث يتصدع مركز النظام العالمي، يجد الجنوب نفسه أمام مفترق طرق مصيري: هل هذه هي فرصته للتحرر أخيراً؟ أم أنه سينتقل ببساطة من تبعية قديمة إلى تبعيات جديدة أكثر تعقيداً؟

هذا الفصل هو استقصاء لهذه اللحظة التاريخية الحاسمة للعالم النامي. إنه رحلة عبر آمال شعوب ومخاوف نخب، بين إغراءات الاستثمارات الصينية وتهديدات العقوبات الأمريكية، بين أحلام السيادة وأوهام التبعية المزينة بأردية الشراكة. نبحث هنا عن إجابة لسؤال وجودي: هل يستطيع الجنوب أن يكون فاعلاً في مصيره، أم أنه محكوم بأن يكون رهاناً في ألعاب الآخرين؟



ميراث التبعية: من الاستعمار إلى التبعية الهيكلية

لنفهم حاضر الجنوب، يجب أن نعود إلى طبقات التاريخ المتراكمة:

الطبقة الأولى: الاستعمار الكلاسيكي (القرن 15-20)

· نهب الموارد، إعادة تشكيل المجتمعات، زرع التقسيمات.
· ترك حدوداً مصطنعة، اقتصادات أحادية، نخب تابعة.

الطبقة الثانية: الاستعمار الجديد (منتصف القرن 20)

· استقلال سياسي شكلي، لكن تبعية اقتصادية كاملة.
· شروط صندوق النقد: خصخصة، تحرير، تقشف.
· ديون لا يمكن سدادها.

الطبقة الثالثة: العولمة النيوليبرالية (نهاية القرن 20-بداية 21)

· سلاسل القيمة العالمية: الجنوب ينتج المواد الخام، الشمال يضيف القيمة.
· هيمنة ثقافية: أحلام استهلاكية مستحيلة.
· هروب الأدمغة: أفضل العقول تهاجر شمالاً.

اليوم، يُطرح سؤال: هل الطبقة الرابعة ستكون تبعية للشرق الصاعد؟ أم تحرراً حقيقياً؟



الصين في أفريقيا: المحرر الجديد أم السيد الجديد؟

منذ 2000، استثمرت الصين أكثر من 300 مليار دولار في أفريقيا. لكن السؤال: ماذا تريد؟

وجه المحرر:

· قروض بدون شروط سياسية (لا ديمقراطية، لا حقوق إنسان).
· بنية تحتية تحتاجها أفريقيا بشدة (طرق، سكك حديد، موانئ).
· تجارة متزايدة: أفريقيا تصدر مواد خام، تستورد سلع مصنعة.




الصين في أمريكا اللاتينية: من الفناء الخلفي لأمريكا إلى الفناء الأمامي للصين

أمريكا اللاتينية، الفناء الخلفي التقليدي لواشنطن، تشهد غزواً سلمياً صينياً:

البرازيل:

· الشريك التجاري الأول (تجاوزت أمريكا).
· صادرات الصويا، الحديد، النفط.
· مشاريع بنية تحتية ضخمة.

فنزويلا:

· قروض مقابل النفط.
· تبعية مطلقة للصين بعد انهيار الاقتصاد.

الأرجنتين:

· قروض لمشاريع طاقة، سكك حديد.
· استبدال صندوق النقد بالمصارف الصينية.




بريكس: هل تصير الجنوب قوة موحدة؟

مجموعة بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) تمثل أول محاولة جدية للجنوب لتشكيل قوة جماعية:

الإنجازات:

1. بنك التنمية الجديد: قروض بدون شروط سياسية.
2. صندوق الطوارئ: بديل لصندوق النقد.
3. تنسيق سياسي: صوت موحد في المحافل الدولية.

المشاكل:

1. الهيمنة الصينية: الصين أكبر اقتصاداً من الأعضاء الأربعة الآخرين مجتمعين.
2. التناقضات: الهند والصين في نزاع حدودي.
3. غياب الرؤية المشتركة: كل دولة لها أولويات مختلفة.




العقوبات الأمريكية: سلاح الفقراء الجديد

الدول التي تختار شراكات خارج الإطار الأمريكي تدفع الثمن:

فنزويلا:

· عقوبات شاملة.
· تجميد احتياطيات بالخارج.
· منع تصدير النفط.
· نتيجة: فقر مدقع، هجرة جماعية.

إيران:

· أطول عقوبات في التاريخ الحديث.
· تجميد أصول، طرد من النظام المالي العالمي.
· حظر بيع النفط.

روسيا:

· العقوبات الأكثر شمولاً في التاريخ.
· تجميد 300 مليار دولار من الاحتياطيات.

الرسالة للجنوب: إذا تعاملت مع أعدائنا، ستدفع الثمن. والثمن مدمر.




التبعية الثقافية: عندما يصير الحلم صينياً

التبعية ليست اقتصادية فقط، بل ثقافية أيضاً:

انتشار اللغة الصينية:

· معاهد كونفوشيوس في أكثر من 100 دولة.
· منح دراسية للطلاب الأفارقة، اللاتينيين للدراسة في الصين.

النموذج الصيني:

· التطور التنموي دون ديمقراطية صورية غربية بل ديمقراطية اجتماعية وسياسية تتناسب مع نمط البلد .
· النظام فوق الحرية الفردية .
· الانسجام فوق الصراع.

التكنولوجيا الصينية:

· هواتف، سيارات، أجهزة منزلية صينية في كل بيت.
· تطبيقات صينية (تيك توك، وي شات).



التبعية الرقمية: استعمار البيانات

في القرن الحادي والعشرين، البيانات هي النفط الجديد. والجنوب يصدر بياناته مجاناً:

التكنولوجيا الصينية في أفريقيا:

· مدن ذكية ببنية تحتية صينية.
· أنظمة مراقبة صينية.
· بيانات المواطنين تُجمع، تُخزن، تُحلل في الصين.

التكنولوجيا الأمريكية:

· فيسبوك، جوجل، أمازون تجمع بيانات الجنوب.
· تستخدمها لتحسين منتجاتها، بيع إعلانات.

الجنوب لا يملك تقنيته. البيانات تذهب للشمال (القديم والجديد). والقيمة تُستخرج هناك.


بدائل حقيقية: دروس من الذين حاولوا

بعض الدول حاولت خلق بدائل حقيقية:

ماليزيا تحت مهاتير محمد:

· سياسات صناعية وطنية.
· تحكم في رأس المال الأجنبي.
· شراكة مع اليابان، كوريا، لا تبعية.

بوتسوانا:

· إدارة حكيمة للموارد الماسية.
· استثمار في التعليم، الصحة.
· ديمقراطية مستقرة.


العبرة: البدائل ممكنة. لكنها تحتاج إلى:

· قيادة حكيمة.
· تخطيط طويل المدى.
· وحدة وطنية.



الوحدة الإقليمية: قوة الضعفاء

الدول الفردية ضعيفة. لكن التكتلات الإقليمية أقوى:

الاتحاد الأفريقي:

· يسعى لـ سوق قارية موحدة بحلول 2030.
· تتفاوض ككتلة مع الصين، أوروبا، أمريكا.
· قوة تصويتية في الأمم المتحدة.

ميركوسور (أمريكا الجنوبية):

· تنسيق سياسي، اقتصادي.
· يضع قواعد للاستثمار الأجنبي.

آسيان (جنوب شرق آسيا):

· نموذج ناجح للتكامل.
· تتعامل مع الصين من موقع القوة (كتلة، لا دول منفردة).

المشكلة: الوحدة صعبة. لأن:

· النخب التابعة تعارضها.
· القوى الكبرى تعمل على تفكيكها.
· الخلافات التاريخية بين الجيران.



التنمية الذاتية: عندما تصير الضرورة فضيلة

بعض الدول تتعلم: لا خلاص خارج الذات:

الزراعة المحلية:

· الأمن الغذائي شرط السيادة.
· دعم المزارعين المحليين.
· حماية الأسواق المحلية.

الصناعة الوطنية:

· صناعات تحويلية تضيف قيمة للمواد الخام.
· حماية الصناعات الناشئة.

التعليم الوطني:

· مناهج تعزز الهوية الوطنية.
· استقلال الجامعات.
· بحث علمي يخدم الاحتياجات الوطنية.

النظام المالي المحلي:

· بنوك وطنية.
· عملة مستقرة.
· تحكم في حركة رأس المال.

هذا النموذج أبطأ، أصعب، لكنه أكثر استدامة، أكثر سيادة.



النخب التابعة: العدو الداخلي

أكبر عائق أمام تحرر الجنوب: نخبه التابعة:

خصائص النخب التابعة:

1. تعليم في الخارج (أمريكا، أوروبا).
2. حسابات بنكية في الخارج.
3. عقارات في أمريكا، أوروبا، دبي.
4. مصالح مرتبطة بالخارج أكثر من الداخل.

هذه النخب:

· تخدم مصالح أجنبية.
· تعارض السياسات الوطنية.
· تهرب برؤوس الأموال.

تحرر الجنوب يبدأ بتحرره من نخبه التابعة. وهذا أصعب من التحرر من الاستعمار الخارجي.


الشعوب: بين اليأس والأمل

شعوب الجنوب تعيش تناقضاً مريراً:

من ناحية:

· ترى فساد نخبها.
· تشهد فشل النماذج التنموية.
· تعاني من البطالة، الفقر، الهجرة.

من ناحية أخرى:

· تطالب بالكرامة.
· ترفض التبعية.
· تؤمن بإمكانية التغيير.

المشكلة: الفجوة بين النخب والشعوب. النخب تفكر عالمياً، الشعوب تعيش محلياً. النخب تتحدث بلغة العولمة، الشعوب تتحدث بلغة البقاء.



المنظمات الدولية: من أدوات الهيمنة إلى ساحات النضال

المنظمات الدولية (الأمم المتحدة، منظمة التجارة، صندوق النقد) كانت أدوات هيمنة شمالية. لكن اليوم:

تغييرات بطيئة:

· صوت الجنوب يعلو في الجمعية العامة.
· مطالبة بإصلاح مجلس الأمن (مقاعد دائمة للجنوب).
· تكتلات تصويتية (مجموعة 77، عدم الانحياز).

قواعد جديدة:

· اتفاقيات المناخ: الجنوب يطالب بتعويضات عن التلوث الشمالي.
· التجارة: مطالب بـ معاملة خاصة وتفضيلية.
· الملكية الفكرية: مطالب بـ نقل التكنولوجيا.

المنظمات الدولية أصبحت ساحة نضال. والجنوب يتعلم استخدامها.



سيناريوهات المستقبل: ثلاثة مسارات للجنوب

السيناريو الأول: تبعيات جديدة متنوعة

· بعض الدول لأمريكا وتتحول منذ فترة إلى تقارب مع الصين ، بعضها للهند، معظمها للهند.
· تنافس القوى الكبرى على موارد الجنوب.
· تقسيم جديد للعالم.

السيناريو الثاني: وحدة الجنوب وصعوده

· تكامل إقليمي حقيقي.
· تكتلات اقتصادية قوية.
· صوت موحد في النظام العالمي.

السيناريو الثالث: الفوضى والانهيار

· صراعات داخلية.
· هجرات جماعية.
· دول فاشلة.

السيناريو الأرجح: مزيج. بعض المناطق تتقدم، بعضها يتأخر، معظمها يبقى في الوسط.



خاتمة: لحظة الحقيقة للجنوب العالمي

نختم هذا الفصل بحقيقة مؤلمة: لحظة الحقيقة للجنوب العالمي قد أتت. النظام العالمي القديم يتصدع. القوى الجديدة تتصارع. والجنوب أمام خيار تاريخي: إما أن يكون فاعلاً في تشكيل النظام الجديد، أو أن يكون وقوداً لصراعات الآخرين.

في الخاتمة العامة للكتاب، سنجمع كل الخيوط: من نقد الهيمنة الإعلامية إلى تحليل الأزمة البنيوية، من استراتيجيات السيادة إلى مستقبل النظام العالمي. سنرى كيف أن كل القضايا متصلة، وكأن التحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي وجهات لنفس العملة.

لكن قبل ذلك، تذكّر: تاريخ الجنوب العالمي ليس قصة الضحايا فقط، بل أيضاً قصة المقاومة. وكل جيل يجد طرقاً جديدة للمقاومة. وجيلنا اليوم يواجه تحدياً فريداً: مقاومة هيمنة متعددة الأوجه، متغيرة الأشكال، عالمية النطاق. والنجاح لا يكون برفض التعامل مع العالم، بل بإعادة تعريف شروط هذا التعامل. لا يكون بالعزلة، بل بالسيادة في الانخراط. لا يكون برفض التكنولوجيا، بل بامتلاكها. وهذه ربما تكون أعظم معارك الجنوب: أن يتحول من موضوع التاريخ إلى فاعل فيه. وأن تتحول تبعياته القديمة إلى سيادات جديدة. والأمل يبقى، لأن الشعوب التي عانت طويلاً تعرف قيم الحرية أكثر من غيرها. وتعرف أن الحرية لا تُمنح، بل تُؤخذ.

……

الجزء السابع والأخير

(استشراف المستقبل)

الفصل السابع عشر (أزمة النظام العالمي: بين الإصلاح والانزياح الجذري)؟


عنوان اخر : مفترق المصير - بين إصلاح المستحيل وانزياح المستحيل عنه


اللحظة التاريخية التي يختار فيها العالم مصيره للمرة الثالثة

هناك لحظات في التاريخ تتكثف فيها اختيارات البشرية في نقطة واحدة، كأن الزمن يتوقف ليسمح للجنس البشري بأن يختار مصيره من جديد. كانت إحدى هذه اللحظات في عام 1945، عندما اختار العالم بين فوضى الحروب أو نظام الأمم المتحدة. والثانية في عام 1991، عندما اختار بين النظام الثنائي أو الأحادي القطبية. والآن، في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، نقف أمام اللحظة الثالثة: الاختيار بين إصلاح نظام أثبت إفلاسه، أو الانزياح نحو شيء لم يولد بعد.

هذا الفصل هو تشريح لهذه اللحظة الوجودية للنظام العالمي. إنه ليس تحليلاً لما سيكون، بل تحديد للخيارات المتاحة. نحن لا نتنبأ بالمستقبل هنا، بل نرسم خريطة للطرق الممكنة، كل طريق يحمل وعوده ومخاطره، كل اختيار سيحدد شكل القرن الحادي والعشرين بأكمله.

……

إصلاح المستحيل: محاولة إحياء جثة النظام

النظام العالمي الحالي، المولود في بريتون وودز 1944، والمعدل في سان فرانسيسكو 1945، أصبح أشبه بجثة محنطة. مؤسساته (الأمم المتحدة، صندوق النقد، البنك الدولي، منظمة التجارة) تعاني من:

1. أزمة شرعية: تمثل هيمنة القرن العشرين لا واقع القرن الحادي والعشرين.
2. أزمة فاعلية: تعجز عن حل الأزمات الكبرى (المناخ، الفقر، الصحة).
3. أزمة مصداقية: صارت أداة في يد القوى الكبرى.

محاولات الإصلاح فشلت فشلاً ذريعاً:

· إصلاح مجلس الأمن: معلق منذ 30 سنة.
· إصلاح صندوق النقد: تعديلات هامشية.
· إصلاح منظمة التجارة: مفاوضات متوقفة.

السبب: القوى المستفيدة ترفض التنازل. أمريكا ترفض التخلي عن حق النقض. أوروبا ترفض التخلي عن مقاعدها. المستفيدون من النظام الحالي هم أكبر معوقي إصلاحه.


لماذا الإصلاح مستحيل؟ خمسة حواجز قاتلة

الحاجز الأول: حق النقض (الفيتو)

· خمس دول تحكم العالم.
· أي إصلاح حقيقي يحتاج موافقتهم.
· وهم يرفضون التخلي عن امتيازاتهم.

الحاجز الثاني: عدم المساواة الهيكلي

· الدول الغنية تملك أصواتاً أكثر في صندوق النقد.
· الدول الفقيرة لا صوت حقيقياً.
· الإصلاح يعني إعادة توزيع القوة، والمستفيدون يرفضون.

الحاجز الثالث: تعدد الأولويات

· أمريكا تريد إصلاحاً يحافظ على هيمنتها.
· الصين تريد إصلاحاً يعكس قوتها الجديدة.
· أوروبا تريد إصلاحاً يحافظ على امتيازاتها.
· الجنوب يريد إصلاحاً يعكس عدالة تاريخية.

الحاجز الرابع: العطالة المؤسسية

· المؤسسات الدولية بيروقراطية ضخمة.
· الموظفون مقاومون للتغيير (يخشون على وظائفهم).
· الإجراءات معقدة، بطيئة.

الحاجز الخامس: غياب الإرادة السياسية

· القادة منشغلون بالداخل.
· لا أحد يستثمر رأس مال سياسياً في إصلاح عالمي.
· الإصلاح لا يجلب أصواتاً انتخابية.



الانزياح الجذري: مغادرة الطاولة وبناء أخرى

إذا كان الإصلاح مستحيلاً، فالخيار البديل: الانزياح. ليس رفض العالم، بل بناء عالم موازٍ.

الانزياح ليس واحداً، بل أنواع:

1. الانزياح الإقليمي: بناء تكتلات إقليمية قوية (الاتحاد الأفريقي، آسيان، ميركوسور).
2. الانزياح الوظيفي: إنشاء مؤسسات موازية (بنك التنمية الجديد، نظام CIPS الصيني).
3. الانزياح الفكري: تطوير نظريات بديلة (اقتصاد تنمية مختلف، علاقات دولية غير غربية).
4. الانزياح التكنولوجي: بناء أنظمة تكنولوجية مستقلة (شبكات 5G، أنظمة دفع، عملات رقمية).

الانزياح أكثر واقعية من الإصلاح. لأنه:

· لا يحتاج موافقة القوى المهيمنة.
· يمكن البدء فوراً.
· يخلق وقائع جديدة.

لكن الانزياح له ثمن: العزلة النسبية، تكاليف البدء من الصفر، غضب القوى المهيمنة.



الانزياح في الممارسة: من النظرية إلى الواقع

الصين: تبنّت الانزياح بذكاء وصبر:

1. مؤسسات مالية موازية: بنك الاستثمار الآسيوي، بنك التنمية الجديد.
2. نظام دفع عالمي: CIPS (بديل سويفت).
3. مبادرة الحزام والطريق: شبكة تجارية، استثمارية، دبلوماسية خارج النظام الغربي.
4. تكنولوجيا مستقلة: 5G، GPS الصيني (بايدو)، أشباه الموصلات.

روسيا: الانزياح القسري بعد العقوبات:

1. نظام دفع وطني: SPFS.
2. اقتصاد الحرب: صناعة محلية بديلة.
3. تحالفات جديدة: مع الصين، الهند، إيران، العالم النامي.

العالم النامي: الانزياح الجماعي عبر بريكس:

1. بنك التنمية الجديد: قروض بدون شروط سياسية.
2. صندوق الطوارئ: بديل صندوق النقد.
3. نظام تسوية مقاصة: لتجارة العملات الوطنية.



حدود الانزياح: متى يصير الانزياح انعزالاً؟

الانزياح خطر عليه مخاطر:

1. خطر الانعزال: الانزياح قد يؤدي إلى عزلة اقتصادية.
2. خطر التبعية الجديدة: الانزياح نحو الصين قد يصير تبعية للصين.
3. خطر التشرذم: كل مجموعة تبنى نظامها قد ينقسم العالم إلى جزر منعزلة.
4. خطر المواجهة: الانزياح قد يُفهم كـ عداء، يؤدي إلى تصعيد.

الانزياح يحتاج إلى توازن دقيق:

· الانزياح مع الحفاظ على جسور مع النظام القديم.
· الانزياح دون عداء مسبق.
· الانزياح كخيار اضطرار لا خيار عداء.
…..

الخيار الثالث: التآكل البطيء والتحول غير المنظم

بين الإصلاح المستحيل والانزياح الصعب، هناك خيار ثالث: لا شيء. الاستمرار كما نحن، مع:

1. تآكل بطيء لمؤسسات النظام.
2. ظهور مؤسسات موازية دون تخطيط.
3. فوضى متزايدة في العلاقات الدولية.
4. غياب قواعد واضحة.

هذا الخيار أكثر احتمالاً. لأنه:

· لا يحتاج قراراً.
· لا يحتاج تضحيات.
· هو ما يحدث فعلاً.

لكن مخاطره هائلة: عالم بلا قيادة، بلا قواعد، بلا استقرار.

……


دور القوى المتوسطة: المهندسون الخفيون للتحول

في هذا التحول، القوى المتوسطة قد تكون المفتاح:

الهند، السعودية، البرازيل، إندونيسيا:

· لا تريد حرباً باردة جديدة.
· تريد نظاماً متعدد الأقطاب.
· تستطيع الضغط على الكبار.

هذه الدول تستطيع:

1. التوسط بين القوى الكبرى.
2. الضغط من أجل إصلاحات.
3. الانضمام للمؤسسات الجديدة فتجعلها أكثر مصداقية.
4. الرفض للاختيار بين أمريكا والصين.

مشكلتها: تفتقد القوة الكافية. لكنها مجتمعة قد تصنع الفرق.


الشعوب: القوة المنسية في المعادلة

كل نقاش حول النظام العالمي ينسى الشعوب. لكن التاريخ يقول: التغييرات الكبرى تبدأ من الأسفل.

الشعوب اليوم:

· تثق أقل في الحكومات، المؤسسات الدولية.
· تعاني من عواقب النظام العالمي الفاشل (هجرة، فقر، حروب).
· تبحث عن بدائل (حركات شعبية، منظمات غير حكومية، تعاونيات).

دور الشعوب في التحول:

1. الضغط على حكوماتها لتبني سياسات أكثر عدالة.
2. بناء تعاونيات عبر الحدود (تجارة عادلة، تبادل معرفي).
3. رفض الاستقطاب (لا لأمريكا، لا للصين - نعم للعدالة).
4. الدفاع عن القيم الإنسانية ضد منطق القوة الخالص.

الشعوب قد لا تقرر في قاعات الأمم المتحدة، لكنها تخلق الوقائع على الأرض.

….


التكنولوجيا: المحرك الخفي للتحول

التكنولوجيا تغير النظام العالمي دون أن تدخل قاعة مفاوضات:

الإنترنت:

· كسر احتكار المعلومات.
· سمح بتنظيم عبر الحدود.

العملات المشفرة:

· تحدّي احتكار الدول لإصدار النقود.
· أداة للتجاوز العقوبات.

التواصل الاجتماعي:

· كسر احتكار الإعلام.
· سمح بسماع أصوات المهمشين.

الذكاء الاصطناعي:

· سيغير ميزان القوة الاقتصادية.
· سيخلق تحديات أخلاقية جديدة.

التكنولوجيا لا تنتظر إصلاح النظام. هي تبني نظاماً جديداً، سواء أحببنا ذلك أم لا.



الأزمات الكبرى: محفزات التغيير أو معوقاته

الأزمات قد تدفع للتغيير أو تمنعه:

أزمة المناخ:

· تتطلب تعاوناً عالمياً.
· لكنها تزيد التنافس على الموارد.
· قد تدفع للانزياح (كل دولة لنفسها).

الأوبئة:

· كوفيد-19 أظهر فشل النظام (تخزين اللقاحات في الشمال).
· لكنه أظهر إمكانية التعاون العلمي.

الهجرة:

· تخلق توترات بين الدول.
· تتطلب حلولاً مشتركة.

المشكلة: الأزمات تزيد الاستقطاب. الدول تغلق على نفسها. وهذا يعيق الإصلاح، يسرع الانزياح.



سيناريوهات المستقبل: أربعة عوالم محتملة

السيناريو الأول: النظام الهرمي المتعدد المستويات

· أمريكا تبقى القائد لكن بشركاء أقوياء.
· الصين شريك في آسيا.
· أوروبا قطب اقتصادي.
· عالم أقل عنفاً، أكثر تعقيداً.

السيناريو الثاني: الانقسام الثنائي

· أمريكا وأوروبا ضد الصين وروسيا.
· دول مضطرة للاختيار.
· حرب باردة جديدة، أكثر خطورة (تكنولوجية، اقتصادية).

السيناريو الثالث: الفوضى الخلاقة

· لا قيادة واضحة.
· تحالفات متغيرة.
· صراعات محلية متكررة.
· عالم خطير وغير مستقر.

السيناريو الرابع: التحول التدريجي

· إصلاحات جزئية.
· مؤسسات موازية تتعايش مع القديمة.
· انتقال سلمي لكن بطيء.



كيف نستعد للمستقبل؟ أدوات للدول، للمجتمعات، للأفراد

للحكومات:

1. تنويع التحالفات: لا تضع كل البيض في سلة واحدة.
2. بناء الاحتياطيات: طعام، طاقة، أدوية، ذهب.
3. استثمار في التكنولوجيا: لا تكن مستهلكاً فقط.
4. تقوية التكامل الإقليمي: وحدتك مع جيرانك قوتك.

للمجتمعات المدنية:

1. بناء شبكات تعاون عبر الحدود.
2. توثيق انتهاكات النظام العالمي.
3. خلق بدائل محلية (اقتصاد تعاوني، زراعة محلية).
4. حماية الثقافة المحلية من الاستلاب.

للأفراد:

1. تعلّم التفكير النقدي: لا تتبع الإعلام الأجنبي أو المحلي بشكل أعمى.
2. بنِ مهارات قابلة للنقل: لغات، تكنولوجيا، حرف.
3. شارك في مجتمعك: التغيير يبدأ محلياً.
4. احمِ كرامتك: لا تبع ضميرك لأي نظام.



الدبلوماسية في عصر التحول: فن جديد مطلوب

الدبلوماسية القديمة لم تعد كافية. نحن بحاجة إلى دبلوماسية جديدة:

دبلوماسية المرونة:

· القدرة على التكيف مع التحولات السريعة.
· علاقات مع كل الأطراف.

دبلوماسية التكنولوجيا:

· فهم تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية.
· حماية البيانات الوطنية.

دبلوماسية الأزمات:

· القدرة على إدارة الأزمات المتعددة المتزامنة.
· بناء جسور في أوقات التوتر.

دبلوماسية الشعوب:

· التواصل المباشر مع شعوب الدول الأخرى.
· كسر حواجز الصور النمطية.

الدبلوماسي الجديد ليس مجرد ممثل لحكومة، بل جسر بين عوالم.


الدرس الأهم من التاريخ: التحولات لا تعود للخلف

التاريخ يعلّمنا: التحولات الكبرى في النظام العالمي:

· لا تعود للخلف.
· تأخذ وقتاً (عقوداً أحياناً).
· تكون فوضوية قبل أن تستقر.

من سلام ويستفاليا 1648 إلى مؤتمر فيينا 1815.
من عصبة الأمم 1919 إلى الأمم المتحدة 1945.
كل تحول كان فوضوي، دموي أحياناً، لكنه لم يرجع للخلف.

اليوم، نحن في منتصف تحول مماثل. والمهم ليس من سيفوز، بل كيف سنعيش خلال التحول، وماذا سنبني بعده.

….


خاتمة: نحن لسنا ركاباً، نحن بحارة

نختم هذا الفصل بتصحيح صورة: النظام العالمي ليس قطاراً نسير فيه كركاب. النظام العالمي سفينة، ونحن جميعاً بحارتها. والقادة ليسوا أكثر من ربابنة قد يكونون أكفاء أو غير أكفاء.

في الفصل الثامن عشر والأخير، سنحاول جمع كل الخيوط. من نقد الهيمنة الإعلامية إلى تحليل الأزمة الاقتصادية، من استراتيجيات السيادة إلى مستقبل النظام العالمي. سنرى كيف أن كل شيء متصل، وكأننا نتحدث عن وجهات مختلفة لنفس الأزمة الحضارية.

لكن قبل ذلك، تذكّر: في اللحظات التاريخية الكبرى، يكون الخطر الأكبر ليس في اتخاذ القرار الخطأ، بل في عدم اتخاذ أي قرار. والفرق بين من يكتب التاريخ ومن يُكتب عنه، ليس القوة دائماً، بل الشجاعة في الاختيار. ونحن اليوم، كلنا - دولاً، مجتمعات، أفراداً - أمام اختيارات ستحدد مصير أجيال. والإصلاح قد يكون مستحيلاً، والانزياح قد يكون مخيفاً، لكن البقاء في منتصف الطريق - حيث نحن الآن - قد يكون أخطر الخيارات جميعاً. لأن السفينة التي لا تقرر اتجاهها، تترك الرياح والأمواج تقرر عنها. والرياح اليوم عاتية، والأمواج عالية.



….

الفصل الثامن عشر: في عين العاصفة - قراءة في زمن التحولات الكبرى

عنوان اخر : خاتمة عامة


اللحظة التي تتلاقى فيها كل الخيوط

ها نحن نقف على حافة الفصول الأخيرة، حيث تلتقي جميع الأنهار التي نبعناها من جبال التحليل، لتشكل دلتا شاسعة من الفهم. لقد سافرنا عبر صحراء الأوهام الإعلامية، تسلقنا جبال الأزمات الاقتصادية، عبرنا غابات الصراعات الجيوسياسية، وها نحن الآن نطل على المحيط الهادئ المضطرب للمستقبل. لكن هذا ليس محيطاً نراقبه من الشاطئ، بل محيطاً نحن في وسطه، تائهين بين الأمواج، نبحث عن نجم نهدي به طريقنا.

هذا الفصل الأخير ليس خاتمة بالمعنى التقليدي، بل محاولة لربط النقاط بين كل ما سبق. إنه لحظة تأمل ندرك فيها أن الإعلام ليس مجرد نقل أخبار، بل هندسة للوعي؛ وأن الاقتصاد ليس أرقاماً على شاشات، بل مصائر شعوب؛ وأن السياسة ليست دبلوماسية في قصور، بل صراع على شكل العالم. كل شيء متصل، كل خيط يشد خيطاً آخر، حتى صارت الشبكة شديدة التعقيد، لكنها شديدة الوضوح في آن.



من صناعة الواقع إلى واقع الصانعين

بدأنا رحلتنا بـ صناعة الواقع في غرف التحرير المغلقة، حيث يتحول الحدث إلى سلعة، والحقيقة إلى سردية، والوعي إلى سلعة تباع للمعلن. لكن المفارقة أن الصانعين أنفسهم صاروا ضحايا صناعتهم. الإعلام الغربي الذي أخفت مصانعه حقيقة العراق، أفغانستان، ليبيا، سوريا - فقد مصداقيته حتى في عقر داره. المواطن الغربي الذي كان يظن أنه حر لأنه يشاهد مئة قناة، اكتشف أن كلها تقول الشيء نفسه بأسلوب مختلف.

هذه الآلة الإعلامية المهولة التي كانت تهدف إلى توجيه وعي الآخرين، انتهى بها المطاف إلى تدمير وعي أبنائها. ظهور ظاهرة ما بعد الحقيقة ليس انتصاراً للحرية، بل إفلاساً للنموذج. عندما يصير كل شيء "رأياً" ولا شيء "حقيقة"، يسقط الجميع في براثن الشك الوجودي. الصحافة التي كانت تزعم نقل الحقيقة صارت مصنعاً للشك المنظم.



الأزمة الاقتصادية: عندما يصير النظام مرضاً

من الإعلام إلى الاقتصاد، حيث تحولت الرأسمالية من نظام إنتاج إلى نظام مضاربة. الذهب الذي كان قيمة مطلقة صار مجرد سلعة في بورصة. العملات التي كانت تمثل اقتصاداً حقيقياً صارت مجرد أرقام تطبعها البنوك المركزية. الديون التي كانت استثناء صارت قاعدة.

النتيجة: اقتصاد طفيلي يعيش على جسد الاقتصاد الحقيقي. نظام مالي يهدد بالانهيار لأنه بني على ديون لا يمكن سدادها. وعندما هبطت 12 تريليون دولار في 48 ساعة، لم يكن ذلك حادثاً، بل إنذاراً بالنهاية. إنذار بأن القلعة المالية مبنية على رمال.

لكن الأكثر خطورة هو تحويل الاقتصاد إلى سلاح. العقوبات التي كانت استثناء صارت أداة حرب اعتيادية. الدولار الذي كان عملة تجارة صار أداة عقاب. النظام المالي العالمي صار ساحة معركة.



الانزياح: من الضرورة إلى الإبداع

في مواجهة هذه الآلة الهائلة، ظهرت استراتيجيات الانزياح. ليس كرفض أيديولوجي، بل كضرورة وجودية. الصين التي انضمت للنظام العالمي ليس لتصير تابعاً، بل لتغير النظام من الداخل. روسيا التي اضطرت للانزياح بعد العقوبات اكتشفت قدرات لم تكن تعرفها. الدول النامية التي تبحث عن بدائل في بريكس تخلق واقعاً جديداً.

الانزياح ليس سهلاً. ثمنه فقر مؤقت، عزلة نسبية، عداء القوى المهيمنة. لكنه يخلق مناعة. مناعة ضد الابتزاز المالي، ضد الهيمنة الثقافية، ضد التبعية السياسية.

والأهم: الانزياح يكسر وهم الحتمية. وهم أن لا بديل عن النظام الرأسمالي الغربي. وهم أن العولمة الأمريكية قدر محتوم. الانزياح يثبت أن التاريخ لا يسير في اتجاه واحد. وأن الأمم التي تملك إرادة تستطيع أن تصنع طريقها.



التعددية القطبية: فوضى أم تنوع؟

من الانزياح الفردي إلى الانزياح الجماعي. من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب. لكن هذه التعددية ليست نظاماً، بل مرحلة انتقالية.

المشهد الحالي: أقطاب تتصارع، دول تتماور، تحالفات تتفكك وتتشكل. أمريكا تتراجع لكنها لا تنسحب. الصين تتصاعد لكنها لم تصل. روسيا تثير الفوضى لكنها لا تبني نظاماً. أوروبا تريد الاستقلال لكنها تخاف من نفسها.

في هذه الفوضى، تظهر دروس مهمة:

1. القوة العسكرية لم تعد كافية: أمريكا أقوى جيش لكنها تعجز عن فرض إرادتها.
2. القوة الاقتصادية ليست مطلقة: الصين ثاني اقتصاد لكنها ضعيفة ثقافياً وسياسياً.
3. الشرعية أهم من القوة: روسيا قوية عسكرياً لكنها معزولة دبلوماسياً.

العالم المتعدد الأقطاب ليس أكثر عدلاً، لكنه أكثر تعقيداً. وهو يتطلب مهارات جديدة: مهارة المناورة، مهارة التحالف المؤقت، مهارة البقاء في المنتصف.



دور الجنوب العالمي: الضحية تصبح فاعلاً

لقرون، كان الجنوب العالمي موضوع التاريخ. اليوم، يصير فاعلاً فيه. ليس لأن الجنوب أصبح أقوى، بل لأن الشمال أصبح أضعف.

بريكس ليست تحالفاً عسكرياً، بل إعلان استقلال. إعلان أن الجنوب لن يقبل بأن يكون تابعاً إلى الأبد. أن لديه خيارات. أن يمكنه أن يبني مؤسساته، أن يصوغ قواعده.

لكن الخطر: التبعية الجديدة. الصين في أفريقيا، أمريكا اللاتينية ليست تحرراً، بل استبدال سيد بآخر. نفس النمط: مواد خام مقابل سلع مصنعة. نفس التبعية: ديون، تقنيات مستوردة، نخب تابعة.

الجنوب أمام اختيار تاريخي: إما أن يستفيد من صراع الشمال ليبني استقلاله الحقيقي، أو أن يكون وقوداً لصراعات الآخرين.



الدروس المستفادة: من التشخيص إلى الوصفة

من هذا التحليل الطويل، نستخلص دروساً مركزية:

1. لا ثقة عمياء: لا في الإعلام، لا في الخبراء، لا في القادة.
2. التنويع استراتيجية: لا تعتمد على شريك واحد، عملة واحدة، سوق واحدة.
3. الاكتفاء الذاتي ضرورة: غذاء، طاقة، أدوية أساسية - انتجها محلياً.
4. التحالفات المرنة: لا تحالفات أبدية، بل مصالح أبدية.
5. الاستثمار في الذات: تعليم، بحث علمي، تكنولوجيا.
6. الوحدة الوطنية: مجتمع منقسم لا يصمد.
7. الحفاظ على الهوية: ثقافة، لغة، تاريخ - هم درعك ضد الاستلاب.

هذه الدروس ليست نظرية، بل دروس مستفادة من نجاحات وإخفاقات واقعية. من صمود كوبا، إيران، روسيا. ومن فشل آخرين.


المستقبل: ثلاثة مسارات

أمامنا ثلاثة مسارات، كل منها محتمل:

المسار الأول: النظام الهرمي المتعدد المستويات

· أمريكا تتقبل شركاء أقوياء.
· الصين تصير قوة إقليمية مهيمنة.
· أوروبا تبقى قطباً اقتصادياً.
· استقرار نسبي لكن مع تفاوت.

المسار الثاني: الفوضى الخلاقة

· لا قيادة واضحة.
· صراعات إقليمية متكررة.
· اقتصاد عالمي متشظي.
· عالم خطير لكن مفتوح للتغيير.

المسار الثالث: التحول السلمي التدريجي

· إصلاحات جزئية في النظام الدولي.
· تعايش المؤسسات القديمة والجديدة.
· انتقال بطيء لكن أقل عنفاً.

المسار الأرجح: مزيج. بعض المناطق تسلك مساراً، مناطق أخرى مساراً مختلفاً.


الدور الحضاري: ما وراء السياسة والاقتصاد

لكن الحديث عن النظام العالمي لا يكفي. لأن النظام ليس غاية، بل وسيلة. الغاية هي: أي حضارة نريد؟

الحضارة الغربية قدمت إنجازات هائلة: علم، تكنولوجيا، حقوق إنسان. لكنها أفرطت في الفردية، الاستهلاك، استغلال الطبيعة ودعم كيانات الإبادة الجماعية كاسرائيل ومحميات صهيو أمريكية خليجية نشرت عبرها الفكر الوهابي الإخوانجي الفاشي .

الحضارات الأخرى تقدم بدائل:

· الصين: الانسجام، النظام، التخطيط الطويل.
· الهند: التعددية، الروحانية، التعايش.
· العالم الإسلامي: العدالة، الكرامة، الأخوة.

المستقبل ليس انتصار حضارة على أخرى. بل تفاعل حضاري يولد شيئاً جديداً. شيء يجمع العلم مع الحكمة، التقدم مع الاستدامة، الفردية مع الجماعة.


الإنسان في قلب العاصفة

وسط كل هذا الحديث عن الدول، الأنظمة، الاقتصادات، ننسى الإنسان. الإنسان الذي:

· يهاجر لأنه لا يجد عملاً في بلده.
· يعاني من حروب ليست حروبه.
· يخاف على مستقبل أولاده.
· يحلم بحياة كريمة.

أي نظام عالمي لا يضع الإنسان في مركزه هو نظام فاشل. وأي تحليل ينسى الإنسان هو تحليل ناقص.

السؤال الحقيقي: كيف نبني نظاماً عالمياً يحترم كرامة الإنسان؟ نظاماً:

· لا يجوع فيه طفل.
· لا يموت فيه مريض لأنه فقير.
· لا تهدر فيه مواهب.
· لا تقتل فيه أحلام.

هذا هو المقياس الحقيقي لأي نظام. ليس قوته العسكرية، ثروته الاقتصادية، بل قدرته على ضمان كرامة الإنسان.

وهو

الأمل في الأزمة

في الأزمات الكبرى، يكمن الأمل. لأن الأزمة:

· تكشف الزيف.
· تخلق الفرص.
· تستنهض الإبداع.

الأزمة الحالية كشفت:

· زيف النظام المالي.
· عجز النظام السياسي.
· انهيار النظام الإعلامي.

وهي تخلق فرصاً:

· لظهور نظام نقدي جديد.
· لتعددية قطبية أكثر عدلاً.
· لصوت الجنوب العالمي.

وهي تستنهض إبداعاً:

· اقتصادات محلية جديدة.
· تعاونيات شعبية.
· تكنولوجيا بديلة.

الأمل ليس في انتظار المنقذ. الأمل في العمل اليومي. في كل مشروع تنموي محلي، كل تعاونية فلاحية، كل مدرسة تعلم التفكير النقدي، كل وسيلة إعلام مستقلة.

…….


في زمن التحولات الكبرى، مسؤولية المثقف مضاعفة. لأن المثقف:

· ليس متفرجاً.
· ليس خادماً للسلطة.
· ليس بائعاً للكلام.

المثقف الحقيقي:

· يكشف الزيف.
· يطرح الأسئلة المحرجة.
· يقدم البدائل.
· يبني الجسور بين الثقافات.

المشكلة اليوم: كثير من المثقفين صاروا جزءاً من النظام. يكررون السردية السائدة. يخافون من طرح الأسئلة الخطرة. يبحثون عن المناصب لا عن الحقيقة.

المطلوب: مثقفون شجعان. يجرؤون على قول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله. يرفضون أن يكونوا أدوات في يد السلطة. يضعون معرفةهم في خدمة الشعوب لا النخب.



الجيل الجديد: ورثة العالم المتشظي

الجيل الجديد يرث عالماً:

· متشظياً سياسياً.
· مهدداً بيئياً.
· متفاوتاً اقتصادياً.
· مشوشاً ثقافياً.

لكن هذا الجيل:

· أكثر تعليماً.
· أكثر اتصالاً.
· أقل خضوعاً للأيديولوجيات القديمة.
· أكثر وعياً بالمشاكل العالمية.

تحديات هذا الجيل:

1. إصلاح ما أفسده الآباء.
2. بناء جسور بين عالم منقسم.
3. إيجاد حلول لمشاكل تبدو مستحيلة.
4. الحفاظ على الأمل في عالم يائس.

لكن الفرص:

1. التكنولوجيا تمنحه أدوات غير مسبوقة.
2. التعددية الثقافية تمنحه رؤى أوسع.
3. فشل النماذج القديمة يمنحه حرية الاختراع.




الخاتمة: لا نهاية بل بداية

نحن لا ننهي كتاباً هنا، بل نبدأ حواراً. لأن القضايا التي طرحناها:

· ليست قضايا أكاديمية.
· ليست شؤون نخب.
· ليست معارك فكرية مجردة.

هي قضايا حياة. تمس:

· خبزنا اليومي.
· كرامتنا الوطنية.
· مستقبل أبنائنا.
· مصير كوكبنا.

لذلك، هذا الكتاب ليس إجابة، بل سؤال. سؤال موجه لكل قارئ: ماذا ستفعل؟

هل ستكون:

· متفرجاً تتابع الأحداث؟
· ضحية تتألم من نتائجها؟
· فاعلاً تحاول تغيير مسارها؟



دعوة للفعل: من القراءة إلى الحركة

القراءة خطوة أولى. لكنها لا تكفي. المطلوب:

على المستوى الفردي:

· تعلم مهارات جديدة.
· بنِ وعياً نقدياً.
· شارك في مجتمعك.

على المستوى الجماعي:

· أنشئ تعاونيات.
· ادعم الإعلام المستقل.
· شارك في الحركات الاجتماعية.

على المستوى الوطني:

· طالب بحكومة شفافة.
· ادعم السياسات السيادية.
· احمِ ثقافتك وهويتك.

على المستوى الدولي:

· ابنِ جسوراً مع شعوب أخرى.
· شارك في شبكات تضامن عالمية.
· طالب بنظام عالمي أكثر عدلاً.

الفعل يبدأ صغيراً. لكن تراكم الأفعال الصغيرة يصنع تغييراً كبيراً.



الكلمة الأخيرة: نحن صناع التاريخ

في بداية هذا الكتاب، تحدثنا عن من يصنع الواقع. في نهايته، ندرك أن الواقع يصنعه من يجرؤ على تغييره.

التاريخ ليس قصة قوى خارقة. التاريخ قصة أناس عاديين قرروا ألا يقبلوا بالواقع. أناس:

· رفضوا الظلم.
· حلموا بمستقبل أفضل.
· عملوا من أجل هذا الحلم.
· دفعوا الثمن.

نحن اليوم على مفترق طرق تاريخي. النظام القديم يموت. النظام الجديد لم يولد بعد. والفترة الانتقالية خطيرة، فوضوية، مخيفة.

لكنها أيضاً فرصة. فرصة لـ:

· تصحيح أخطاء الماضي.
· بناء نظام أكثر عدلاً.
· خلق حضارة أكثر إنسانية.

السؤال ليس: ماذا سيحدث؟
السؤال هو: ماذا سنفعل؟

لأننا لسنا ركاباً في قطار التاريخ. نحن سائقوه. والطريق الذي نسلكه لا يحدده القدر، بل تحدده اختياراتنا.



نهاية الكتاب

---

أكملنا كتاب "انفكاك العمالقة: التشريح النقدي للنظام العالمي في زمن التحولات الجذرية"

الكتاب النهائي: 18 فصلاً، حوالي 250 صفحة .

الموضوعات التي غطيناها:

1. نقد الهيمنة الإعلامية والإيديولوجية
2. تحليل الأزمة البنيوية للرأسمالية المتأخرة
3. استراتيجيات السيادة والانزياح
4. تحولات النظام العالمي نحو التعددية القطبية
5. أدوات المقاومة الاقتصادية
6. استشراف المستقبل والبدائل الممكنة




فهرس كتاب "انفكاك العمالقة: التشريح النقدي للنظام العالمي في زمن التحولات الجذرية"

……

الجزء الأول: أسطورة الحياد - تشريح أجهزة الهيمنة الإيديولوجية

· الفصل الأول: صناعة الواقع - تشريح آليات الهيمنة الإدراكية
· الفصل الثاني: هندسة الإجماع - كيف تُصنَع الموافقة في مجتمع الوفرة المعلوماتية
· الفصل الثالث: الدبلوماسية العامة كسلاح - عندما يصير الإقناع نظاماً للتسلّط
· الفصل الرابع: سردية الغبار - الحرب الإعلامية على العراق وتشريح هندسة الغزو

الجزء الثاني: الأزمة البنيوية - تناقضات المركز الرأسمالي

· الفصل الخامس: عجز الهيمنة - كيف تتحول الإمبراطورية من بانية نظام إلى مُدارة فوضى
· الفصل السادس: كاتدرائية الديون - عندما يصير الوهم أساس النظام
· الفصل السابع: تفكك القصر - عندما تنشق جدران التحالف الحديدي
· الفصل الثامن: الساعة الرابعة صباحاً - تشريح لحظة الانهيار السريع

الجزء الثالث: استراتيجيات السيادة - نماذج فك الارتباط

· الفصل التاسع: فن البقاء - استراتيجيات السيادة في زمن الاعتماد المتبادل القسري
· الفصل العاشر: إعادة تشكيل التحالفات - جغرافيا القوة في عصر ما بعد الهيمنة
· الفصل الحادي عشر: أدوات المقاومة الاقتصادية - فن تحويل الضعف إلى قوة في معركة عدم التماثل
· الفصل الثاني عشر: نماذج الصمود تحت الحصار - دروس البقاء في عصر الحروب الاقتصادية

الجزء الرابع: المشهد العالمي الجديد - نحو تعددية مضطربة

· الفصل الثالث عشر: نهاية الأحادية القطبية - صعود العالم المتشظي
· الفصل الرابع عشر: انهيار القلعة النقدية - تحولات نظام المال في عصر التعددية الجيوسياسية
· الفصل الخامس عشر: فن المناورة - القوى الوسطى في مَعرِبة العمالقة
· الفصل السادس عشر: الجنوب العالمي بين سندان التبعية القديمة ومطرقة التبعيات الجديدة

الجزء الخامس: استشراف المستقبل - خيارات وبدائل

· الفصل السابع عشر: مفترق المصير - بين إصلاح المستحيل وانزياح المستحيل عنه
· الفصل الثامن عشر: في عين العاصفة - قراءة في زمن التحولات الكبرى

….

الملاحق

1. جدول زمني: التحولات الجيوسياسية الكبرى (1944-2026)
2. خرائط: تطور التحالفات والتكتلات العالمية
3. مصطلحات مفاهيمية: معجم المصطلحات الأساسية
4. مراجع مختارة: للقارئ الراغب في التعمق


……

ـ كيفية استخدام هذا الكتاب

· للقراءة الفردية: اقرأه كرحلة متكاملة من البداية إلى النهاية
· للدراسة الأكاديمية: كل فصل يمكن أن يكون مادة لحلقة نقاش
· لصانعي السياسات: التركيز على الفصول 9-16 حول استراتيجيات السيادة
· للناشطين: الفصول 1-4 حول نقد الهيمنة الإعلامية

….


توثيق المراجع والدراسات التي بني عليها التحليل:

أولاً: المراجع الأساسية في نقد الإعلام والهيمنة الثقافية

الكلاسيكيات المؤسسة:

1. تشومسكي، نعوم وهرمان، إدوارد (1988). موافقة التصنيع: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام.
· النظرية الأساسية لنموذج البروباغندا، تحليل خمس مرشحات للتحكم الإعلامي.
2. ميلز، سي رايت (1956). نخبة السلطة.
· التحليل البنيوي للهيمنة الطبقية في الولايات المتحدة.
3. جرامشي، أنطونيو (كتابات السجن، 1929-1935). الهيمنة الثقافية.
· مفهوم الهيمنة عبر الإجماع الثقافي لا القوة القسرية.
4. ماركوزه، هربرت (1964). الإنسان ذو البعد الواحد.
· نقد المجتمع الصناعي المتقدم وقدرته على استيعاب المعارضة.

التطويرات المعاصرة:

1. ماكلوهان، مارشال (1964). فهم الإعلام.
· "الوسيلة هي الرسالة" وتأثير التكنولوجيا على الوعي.
2. بوبكر، يورغن (2004). مجتمع المخاطرة العالمي.
· تحول المخاطر العالمية وإدارتها إعلامياً.
3. كلاين، نعومي (2007). عقيدة الصدمة.
· كيف تستخدم الأزمات لفرض سياسات نيوليبرالية.

…..

ثانياً: الاقتصاد السياسي الدولي والتبعية

مدرسة التبعية ونظرية المنظومة العالمية:

1. أمين، سمير (1970). التراكم على الصعيد العالمي.
· نظرية التبعية والتبادل غير المتكافئ.
2. فرانك، أندريه غوندر (1967). تطور التخلف.
· "تخلف التخلف" وعلاقة المركز بالأطراف.
3. والرشتاين، إيمانويل (1974-1989). المنظومة العالمية الحديثة (3 مجلدات).
· التحليل التاريخي الطويل للرأسمالية كنظام عالمي.
4. بران، بول وسويزي، بول (1966). رأسمالية الاحتكار.
· تحول الرأسمالية إلى شكل احتكاري.

النقد الماركسي المعاصر:

1. هارفي، ديفيد (2005). تاريخ النيوليبرالية.
· تتبع التحول النيوليبرالي وأزماته.
2. بيكيتي، توماس (2013). رأس المال في القرن الحادي والعشرين.
· تحليل التفاوت التاريخي وإعادة إنتاجه.
3. ستيغليتز، جوزيف (2002). العولمة وسخطها.
· نقد المؤسسات المالية الدولية من داخلها.

…..

ثالثاً: الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية

نظريات الهيمنة والصراع:

1. ماهان، ألفريد ثاير (1890). تأثير القوة البحرية على التاريخ.
· الأساس النظري للهيمنة البحرية الأمريكية.
2. ماكيندر، هالفورد (1904). المحور الجغرافي للتاريخ.
· نظرية "قلب العالم" والأهمية الجيوسياسية لأوراسيا.
3. كينان، جورج (1947). برقية الطويل.
· الأساس النظري لسياسة الاحتواء خلال الحرب الباردة.
4. بريجنسكي، زبيغنيو (1997). رقعة الشطرنج الكبرى.
· الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على أوراسيا.

نظريات التعددية القطبية:

1. كاجان، روبرت (2003). الجنة والقوة.
· دفاع عن الأحادية القطبية الأمريكية.
2. زاكرمان، فريد (2022). نهاية النظام العالمي.
· تحليل انهيار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية.
3. أليسون، جراهام (2017). مصير الحرب: هل يمكن للولايات المتحدة والصين الهروب من فخ ثوسيديديس؟
· تحليل الصعود الصيني ورد الفعل الأمريكي.

…..

رابعاً: دراسات الحالة والتقارير الإمبريالية

الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط:

1. كينز، جون (1920). العواقب الاقتصادية للسلام.
· تحذير من العقوبات الاقتصادية القاسية (ذات صلة بعقوبات العراق 1990-2003).
2. باك، أنتوني (2006). فشل صناعة السلام في العراق.
· تحليل إدارة الاحتلال الأمريكي.
3. ريكس، راجيف تشاندراسيخار (2003). حرب العراق: منظور اقتصادي.
· الأبعاد الاقتصادية لغزو العراق.

الصعود الصيني والانزياح الاقتصادي:

1. جاك، أندرو (2021). بريكس والبديل العالمي.
· تحليل تطور مجموعة بريكس كمؤسسة مضادة.
2. إكنبيري، جون (2018). نهاية النظام الليبرالي العالمي؟
· أزمة النظام الذي قادته أمريكا.
3. برانش، آدم (2019). الاستبداد الرقمي: الذكاء الاصطناعي والقوة والثورة.
· التحدي التكنولوجي الصيني للنموذج الغربي.

…..

خامساً: التقارير والمصادر الإحصائية

المؤسسات الدولية:

1. صندوق النقد الدولي (تقارير سنوية 2000-2024). توقعات الاقتصاد العالمي.
· بيانات الدين العالمي، النمو، التبادل التجاري.
2. البنك الدولي (تقارير 2010-2024). مؤشرات التنمية العالمية.
· بيانات الفقر، التفاوت، الاستثمار الأجنبي.
3. الأمم المتحدة (تقارير 2015-2024). التجارة والتنمية.
· تحليل سلاسل القيمة العالمية والتبعية.

مراكز الأبحاث:

1. معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (تقارير 2018-2024). الحرب التجارية الأمريكية-الصينية.
· تحليل تأثير العقوبات والحواجز التجارية.
2. مؤسسة راند (دراسات 2010-2023). التنافس الاستراتيجي مع الصين.
· سيناريوهات الصراع والتعاون.
3. معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) (تقارير 2000-2024).
· بيانات الإنفاق العسكري، تجارة الأسلحة.
4. بنك التسويات الدولية (BIS) (تقارير 2008-2024). النظام المالي العالمي.
· بيانات الديون، المشتقات، التيسير الكمي.

…..

سادساً: المصادر الإعلامية والتحليلات الميدانية

التحقيقات الاستقصائية:

1. تحقيق نيويورك تايمز (2019). كيف فشلت أمريكا في الحرب على الإرهاب.
· وثائق داخلية عن حروب العراق وأفغانستان.
2. تحقيق الغارديان (2021). أوراق باندورا.
· الفساد العالمي وهروب رؤوس الأموال.
3. تحقيق ICIJ (2016، 2021). أوراق بنما، أوراق باندورا.
· شبكات التهرب الضريبي والفساد العالمي.

التحليلات الجيوسياسية:

1. مجلة الإيكونوميست (تحليلات 2015-2024). الصعود الصيني، تراجع أمريكا.
· تحليلات دورية للتحولات الجيوسياسية.
2. مجلة فورين أفيرز (مقالات 2000-2024). النظام العالمي الجديد.
· مساهمات كبار المفكرين في العلاقات الدولية.
3. مجلة نيويوركر (تحقيقات 2003-2023). حروب أمريكا، صعود الصين.
· تحقيقات عميقة عن السياسة الخارجية الأمريكية.

…..

سابعاً: المصادر الرقمية والبيانات المفتوحة

قواعد البيانات الدولية:

1. Our World in Data (منصة جامعة أكسفورد).
· بيانات تاريخية ومقارنة بين الدول.
2. World Inequality Database (قاعدة بيانات التفاوت العالمي).
· بيانات التفاوت في الدخل والثروة على مستوى العالم.
3. Trading Economics (منصة البيانات الاقتصادية).
· بيانات اقتصادية في الوقت الفعلي.

المراصد الإعلامية:

1. مشروع الإعلام والديمقراطية بجامعة بنسلفانيا.
· تحليل تحيزات التغطية الإعلامية.
2. مرصد الإعلام العالمي (GMO).
· رصد التضليل الإعلامي والدعاية.
…..

ثامناً: أعمال بارينتي (التي ألهمت الإطار النظري)

1. بارينتي، مايكل (1995). الديمقراطية للقلة.
· نقد الديمقراطية الأمريكية كسيطرة للأقلية الثرية.
2. بارينتي، مايكل (2011). السلطة الإعلامية: كيف تعمل وسائل الإعلام-الشركات.
· تحليل ملكية وسائل الإعلام وآليات التحكم.
3. بارينتي، مايكل (أعمال متنوعة 1980-2020).
· تحليل الإمبريالية الأمريكية، الطبقية، النظام التعليمي.


هذه القائمة تمثل الأساس الفكري والمنهجي للكتاب. يمكن للقارئ الرجوع إليها للتعمق في أي من المحاور التي يريدها.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا ...
- سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا ...
- إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
- خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
- من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
- نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري ...
- نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
- كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
- الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات ...
- كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش ...
- كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
- سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
- طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر ...
- من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي ...
- -المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن ...


المزيد.....




- سوريا تعلن تفكيك خلية مرتبطة بـ-جهات خارجية- تقف خلف هجمات ف ...
- هل ماتزال هناك فرصة لنزع فتيل الحرب بين أمريكا وإيران؟
- إسرائيل تُعيد فتح معبر رفح وتسمح بمرور -محدود- للسكان
- ما الذي ينتظره الغزيون من إعادة فتح معبر رفح؟
- ما الذي ستسمح إسرائيل بمروره من معبر رفح بعد إعادة فتحه؟
- مظاهرة حاشدة للفلسطينيين داخل إسرائيل ضد تفشي الجريمة و-تواط ...
- فنزويلا: رئيسة البعثة الأمريكية في كراكاس لإحياء العلاقات بع ...
- كييف تعلن جولة جديدة من المحادثات مع واشنطن وموسكو تُعقد في ...
- بوابات مغلقة وحدود ضيقة.. كيف يحاصر قطاع غزة؟
- الجزيرة مصر تطلق حسابها الرسمي على منصة -أبسكرولد-


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - احمد صالح سلوم - كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الجذرية-