أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - احمد صالح سلوم - الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة الإعلامية- ونظرة مقارنة مع سمير أمين















المزيد.....


الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة الإعلامية- ونظرة مقارنة مع سمير أمين


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 10:38
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


الإمبريالية والإعلام في منظور النقد الجذري

لا يزال الإعلام في المجتمعات الرأسمالية الغربية يقدم نفسه، في خطابه المهيمن، بوصفه حارسًا للديمقراطية ومرآةً للواقع ومدافعًا عن الحقيقة وحقوق المواطن. إلا أن هذا الخطاب يتعرض، منذ عقود، لنقد جذري من قبل مفكرين ماركسيين وتقدميين كشفوا البنى الطبقية والهيمنية الكامنة خلف واجهة الحياد والموضوعية. يعد المفكر الأمريكي مايكل بارينتي (مواليد 1933) أحد أبرز هؤلاء النقاد، حيث خصص جانبًا كبيرًا من عمله لتفكيك آليات عمل ما يسميه "السلطة الإعلامية" أو "وسائل الإعلام-الشركات"، مُظهرًا دورها كـ "جهاز طبقي بامتياز" في خدمة النخب المالية-العسكرية والإمبريالية الأمريكية. وفي السياق الفكري ذاته، يبرز المفكر المصري-الفرنسي سمير أمين (1931-2018) كأحد أبرز منظري نظرية التبعية والتطور اللامتكافئ، الذي تناول الإعلام كجزء من "البنية الفوقية الثقافية-الإيديولوجية" للإمبريالية الجماعية. تهدف هذه الدراسة المعمقة إلى تحليل رؤية بارينتي للإعلام الإمبريالي ودوره الطبقي، ثم إجراء مقارنة نقدية مع منظور سمير أمين، للكشف عن نقاط التقاطع والتباين بين المدرستين الفكريتين في تشريحهم لعلاقة الإعلام بالرأسمالية والإمبريالية.


الإطار النظري والنشأة الفكرية: بارينتي وأمين بين الماركسية والنقد الأمريكي الجذري

1. مايكل بارينتي: الماركسية في قلب الوحش. ينطلق بارينتي من تقليد "اليسار الجديد" الأمريكي والنقد الماركسي للمؤسسات، متأثرًا بكتابات سي. رايت ميلز عن "نخبة السلطة"، وببول باران وبول سويزي حول "رأسمالية الاحتكار". عاش بارينتي في بيئة عمل وسطية (كان أبوه عامل رصف طرق) وشهد عن قرب الفوارق الطبقية. كتبه، مثل "الديمقراطية للقلة" و "السلطة الإعلامية: كيف تعمل وسائل الإعلام-الشركات"، تُترجم الماركسية إلى لغة تحليلية مباشرة موجهة للجمهور الأمريكي والعالمي. مركز اهتمامه هو الدولة والإعلام في المركز الإمبريالي (الولايات المتحدة)، وكيفية صناعة الإجماع والقبول بالهيمنة داخليًا وخارجيًا.
2. سمير أمين: منظور المنظومة العالمية والمركز-الأطراف. ينتمي أمين إلى مدرسة نظرية التبعية و "المركز-الأطراف"، متأثرًا بتراث الماركسية وإضافة أبعاد عالمية عليها. كان مديرًا لمعهد الأمم المتحدة للتنمية والتخطيط (IDEP) في داكار. كتبه الأساسية، مثل "الإمبريالية والتنمية اللامتاسبة" و "الانزياح نحو الشمال"، تركّز على البنية الاقتصادية العالمية ودور "الإمبريالية الجماعية" (الترويكا: الولايات المتحدة، أوروبا، اليابان) في استدامة التخلف في الأطراف. الإعلام لدى أمين هو أحد أدوات "القيمة الإيديولوجية" التي تعزز الاختراق الثقافي وتشوه وعي شعوب الأطراف.


تشريح بارينتي لـ "السلطة الإعلامية": الآليات والوظائف الطبقية

يرى بارينتي أن وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة ليست "وسائل إعلام حرة" بل "وسائل إعلام-شركات" تابعة لـ "الطبقة الأوليغارشية الحاكمة". تحليلُه ميكانيكي دقيق لكيفية عمل هذا الجهاز:

1. ملكية طبقية واحتكارية: تتركز الملكية في أيدي عدد قليل من التكتلات العملاقة (مثل ديزني، وورنر براذرز ديسكفري، كومكاست، نيوز كورب) التي تندمج فيها المصالح مع القطاعات المالية والعسكرية والصناعية. الملكية الخاصة هي الحاجز الأول أمام التعددية.
2. اقتصاديات الإعلان كرقابة بنيوية: الممول الحقيقي للإعلام ليس المشاهد بل المعلن، الذي يمثل الشركات الكبرى. هذا يخلق تحيزًا بنيويًا ضد المحتوى الناقد للرأسمالية أو الاستهلاكية، ويُهمش البرامج التي لا تجذب الشريحة الديموغرافية "المربحة".
3. المصادر كأداة للهيمنة: اعتماد وسائل الإعلام بشكل شبه كلي على مصادر رسمية (البيت الأبيض، البنتاغون، وزارة الخزانة، الشركات الكبرى) يخلق تحيزًا منهجيًا لصالح رواية النخبة. "الخبراء" المستدعون هم غالبًا من مراكز الأبحاث الممولة من الشركات أو من المسؤولين السابقين.
4. الانتقائية والتركيز والتهميش (الرقابة عبر الانتقاء): الآلية الأكثر فعالية حسب بارينتي ليست الكذب الصريح، بل "الانتقائية": اختيار ما يُغطى وما يُهمل، وما يُبرز وما يُطمس، ومن يُستضاف ومن يُستبعد. تُهمش أصوات اليسار والنقابات والحركات الاجتماعية المناهضة للحرب بشكل منهجي.
5. الهجوم والوصم (Flak): تُوجه هجمات منظمة من قبل مجموعات ضغط يمينية (مثل Accuracy in Media) أو من قبل الشركات نفسها ضد الصحفيين أو البرامج التي تخرج عن الخط، مما يخلق مناخًا من الترهيب الذاتي.
6. الإيديولوجيا كإطار طبيعي: ينتج الإعلام إيديولوجيا مهيمنة تقدم الرأسمالية على أنها النظام الطبيعي الوحيد، والتدخل العسكري على أنه دفاع عن الحرية، والنقابات على أنها معوقات، والاشتراكية على أنها شمولية. يُعاد تعريف "الوسط" ليكون اليمين المحافظ، ويُعرِّف "التطرف" ليشمل أي نقد جذري للنظام.
7. الدور الإمبريالي: صناعة "الشيطان". في السياسة الخارجية، يتحول الإعلام إلى "جهاز دعاية حربي". يشرعن بارينتي كيف تُصنع "الشياطين" (من قادة معادين مثل صدام حسين أو معمر القذافي أو هوغو تشافيز) عبر حملات إعلامية تُجهز الرأي العام للحرب والعقوبات. تُقدم شعوب العالم الثالث كـ "همج" أو "إرهابيين" أو غير قادرين على حكم أنفسهم، مما يبرر التدخل الإمبريالي.

خلاصة بارينتي: الإعلام هو "صناعة الوعي"، وهو "جهاز الدولة الأيديولوجي" (بتعبير ألتوسير) في أبهى صوره الرأسمالية، يعمل على "تضليل الأغلبية لصالح أقلية طفيلية".


سمير أمين والإعلام في إطار الإمبريالية الثقافية والتنمية اللامتكافئة

ينظر أمين للإعلام من زاوية أشمل، كعنصر في "الإمبريالية الثقافية" المرتبطة عضوياً بالإمبريالية الاقتصادية والسياسية:

1. الإعلام وأيديولوجيا النظام العالمي: الإعلام الغربي هو الناقل الرئيسي لـ "قيم المركز" – الفردية المتطرفة، والاستهلاكية، والثقافة البراغماتية – التي تُقدم على أنها قيم كونية. هذه القيم تعمل على "تشييء" العلاقات الاجتماعية وتفكيك الروايات الوطنية والتقدمية في الأطراف.
2. التشويه الإعلامي لشعوب الأطراف: يصور الإعلام الغربي شعوب الجنوب على أنها مسرح للكوارث والحروب والتخلف والفساد، مع تجاهل الأسباب الهيكلية لهذه المشاكل (النهب الاستعماري، التبادل غير المتكافئ، الديون). هذا التشويه "يُعلمن" التخلف ويُبرر الاستمرار في علاقات التبعية.
3. دور الإعلام في "إدارة العولمة الليبرالية": الإعلام، عبر شبكاته العالمية (CNN، BBC، إلخ)، هو الأداة التي تروج لـ "فريسة العولمة" – خصخصة الخدمات العامة، تحرير الأسواق، تقليص دور الدولة – كنظام حتمي لا بديل عنه. يحارب أي نموذج تنموي مستقل.
4. التبعية الإعلامية والتلقين الثقافي: تؤدي هيمنة المنتج الإعلامي الغربي (الأفلام، المسلسلات، الأخبار، البرامج الترفيهية) إلى "تبعية ثقافية" في الأطراف. تتبنى النخب المحلية في الجنوب قيم المركز وتصبح هي نفسها مُرسلة للإيديولوجيا المهيمنة عبر وسائل إعلامها الخاصة، مما يعمق الشرخ بينها وبين جماهيرها.
5. الإعلام كعامل في "انزياح المركز": مع صعود الصين كقوة منافسة، لاحظ أمين تحولًا في الخطاب الإعلامي الغربي نحو "صنع العدو" الجديد (الصين، روسيا) للحفاظ على تماسك الكتلة الإمبريالية الداخلية وتبرير ميزانياتها العسكرية.

خلاصة أمين: الإعلام هو "أحد أذرع احتكار المراكز الإمبريالية للقيمة الإيديولوجية"، وهو ضروري لاستمرار "التطور اللامتكافئ" على مستوى المنظومة العالمية بأكملها.

مقارنة نقدية بين منظور بارينتي ومنظور أمين

محور المقارنة مايكل بارينتي سمير أمين تحليل الفروق
الوحدة الأساسية للتحليل الدولة القومية (الولايات المتحدة) والطبقة الحاكمة داخلها. يركز على الآليات الداخلية لإنتاج الإجماع. المنظومة الرأسمالية العالمية (المركز-الأطراف). يركز على العلاقات البنيوية بين الكتل الجغرافية-الاقتصادية. بارينتي "من الداخل إلى الخارج" (من تحليل الطبقة الأمريكية إلى دورها الإمبريالي)، بينما أمين "من الخارج إلى الداخل" (من تحليل النظام العالمي إلى تأثيراته على الداخل والخارج).
التركيز الطبقي الطبقة الأوليغارشية أو الرأسمالية الاحتكارية في المركز الإمبريالي. الصراع الرئيسي داخل المركز. البرجوازية الإمبريالية الجماعية (الترويكا) مقابل شعوب الأطراف (البرجوازية التابعة، البروليتاريا، الفلاحين). الصراع الرئيسي بين المركز والأطراف. بارينتي يركز على الاستغلال والهيمنة الداخلية من قبل نخبة أمريكية. أمين يركز على الاستغلال والهيمنة الخارجية من قبل كتلة إمبريالية ضد شعوب كاملة. كلا المنظورين مكملان: هيمنة النخبة الداخلية (بارينتي) شرط لتنفيذ المشروع الإمبريالي الخارجي (أمين).
آليات عمل الإعلام تحليل مؤسسي-ميكانيكي دقيق: الملكية، الإعلان، المصادر، الانتقائية، الوصم. (نموذج "البروباغندا" الوظيفي). تحليل بنيوي-ثقافي أوسع: الإعلام كحامل للقيم الإمبريالية، كأداة للتلقين الثقافي، وكعامل في إعادة إنتاج التبعية. بارينتي يُجيب على "كيف" يعمل الإعلام يوميًا. أمين يُجيب على "لماذا" يعمل بهذا الشكل في إطار المنظومة العالمية. تحليل بارينتي أكثر عملية وتفصيلاً في آلية صناعة الخبر، بينما تحليل أمين أكثر شمولية في ربطه بالاقتصاد السياسي الدولي.
الدور الإمبريالي "صناعة الشيطان" وتبرير الحرب والعدوان. التركيز على استخدام الإعلام في حملات عسكرية محددة. الإمبريالية الثقافية وإدارة العولمة. التركيز على دور الإعلام في تشكيل الوعي طويل المدى لصالح هيمنة المركز. بارينتي يحلل "الحروب الإعلامية" المباشرة. أمين يحلل "حرب المواقع" الثقافية الطويلة. الأول يعالج الأعراض الحادة (تجهيز الرأي العام للحرب)، والثاني يعالج المرض المزمن (تشويه الوعي لصالح التبعية).
المخرج والمقاومة التوعية الطبقية، الإعلام البديل، النقابات الإعلامية، الحركات الاجتماعية. يرى أملاً في الصحافة المستقلة والضغط الشعبي. "الانزياح" (Delinking) الثقافي والاقتصادي، بناء مشروع وطني شعبي تقدمي. الحل جذري ويتطلب خروج الأطراف من المنظومة العالمية الرأسمالية. بارينتي إصلاحي-جذري داخلي: يبحث عن إصلاحات وتغيير من داخل المجتمع الأمريكي (رغم نقده الجذري). أمين قطعي-جذري عالمي: يدعو إلى قطع الصلة بالمركز وبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. مقاومة بارينتي هي في كشف الزيف اليومي، ومقاومة أمين هي في بناء مشروع حضاري بديل.
نظرة إلى "الجمهور" جمهور مُضلل لكنه قابل للاستنارة. يخاطب بارينتي "المواطن العادي" بأمل إيقاظ وعيه الطبيقي المكبوت. جمهور في الأطراف مُستَلب ثقافيًا. النخب تابعة، والجماهير مُهمشة ومُشوه وعيها. التركيز على ضرورة قيادة مثقفين عضويين لتصحيح الوعي. بارينتي أكثر تفاؤلاً بقدرة الأفراد في المركز على مقاومة التضليل عبر المعرفة. أمين أكثر تركيزًا على ضرورة التحول الجمعي والتنظيمي في الأطراف لمواجهة الهيمنة الثقافية.

نقاط التقاطع الأساسية:

· الاتفاق على الطبيعة الطبقية والاحتوائية للإعلام الرأسمالي.
· الاتفاق على دوره كـ أداة إيديولوجية رئيسية للإمبريالية.
· الاتفاق على أن "الحرية الإعلامية" في الغرب هي حرية للرأسمال، وليست حرية للمواطنين.
· الرفض المشترك لفكرة "الحياد" و "الموضوعية" كما تُروج في الخطاب السائد.


نقد وتقييم: حدود وإسهامات الرؤيتين

1. نقد منظور بارينتي:
· قد يتهم بـ "نظرية المؤامرة" المبسطة، رغم أنه يقدم تحليلًا بنيويًا وليس مؤامراتيًا.
· تحليله يركز بشدة على الولايات المتحدة، مما قد يهمل الفروقات بين وسائل إعلام الغرب الأوروبي (مثلاً، وجود إعلام عمومي أقوى).
· يقلل من دور المقاومة والتأويل النشط للجمهور (كما في دراسات الثقافة)، حيث يراه سلبيًا إلى حد ما.
· إصلاحيته المحدودة (الدعوة لإعلام بديل) قد تبدو غير كافية في مواجهة طغيان التكتلات الإعلامية.
2. نقد منظور أمين:
· تحليله للإعلام أكثر عمومية وأقل تجسيدًا، مما قد يفقد التفاصيل التشغيلية المهمة.
· فكرة "الانزياح" (Delinking) الثقافي تبدو صعبة التحقيق في عصر الإنترنت والتدفق المعلوماتي الهائل.
· قد يتهم بـ "الحتمية الاقتصادية"، حيث يبدو الإعلام كمجرد انعكاس للهيمنة الاقتصادية، مع تقليل نسبي لاستقلاليته النسبية وتعقيداته.
· نظرته للجمهور في الأطراف قد تبدو "أبوية" بعض الشيء، حيث تحتاج الجماهير إلى "تصحيح وعيها" من قبل النخب الثورية.
3. الإسهامات المشتركة والحالية:
· قدم كلاهما أدوات تحليلية لا غنى عنها لفهم أزمة الخطاب الإعلامي السائد في عصرنا.
· يساعدان في تفسير ظواهر مثل: التغطية المتحيزة للحروب (أفغانستان، العراق، سوريا، أوكرانيا)، التهميش المنهجي للحركات التقدمية (مثل بيرني ساندرز في أمريكا)، الهجوم الإعلامي على أي نموذج مناهض للإمبريالية (فنزويلا، كوبا، سابقًا ليبيا).
· نظرياتهما أكثر راهنية من أي وقت مضى في عصر التكتلات الإعلامية العملاقة (مثل ملكية إيلون ماسك لـ تويتر/إكس) وانتشار الدعاية عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تعمل بنفس القواعد التجارية.

….

نحو فهم مركب للإعلام كجهاز طبيعي في عصر الإمبريالية المعولمة

يكشف التحليل المعمق لرؤية مايكل بارينتي و سمير أمين أن الإعلام في المجتمعات الرأسمالية ليس مجرد ناقل محايد للأخبار، بل هو ساحة صراع طبقية وجيوسياسية حاسمة. إذا كان بارينتي قد زودنا بـ "ميكروسكوب" دقيق لرؤية الخلايا السرطانية في جسد الإعلام الأمريكي (الآليات اليومية للتحيز)، فإن أمين منحنا "تلسكوبًا" واسعًا لرؤية موقع هذا الجسد في مجرة النظام الإمبريالي العالمي (الوظيفة البنيوية الشاملة).

الفرق بينهما هو في الدرجة والتركيز وليس في الجوهر. كلاهما ينطلق من أساس ماركسي، وكلاهما يرى في الإعلام "جهازًا طبيعيًا بامتياز"، لكن بارينتي يحلله من داخل مركز هذا الجهاز، بينما يحلله أمين من خارج أطرافه وبتأثيراته العالمية. الرؤية المركبة التي تجمع بين تحليل بارينتي المؤسسي-الداخلي وتحليل أمين البنيوي-العالمي تقدم الإطار الأقوى لفهم كيفية عمل الإعلام كأداة لهيمنة مزدوجة: هيمنة طبقية داخلية (لصالح الأوليغارشية المالية) و هيمنة إمبريالية خارجية (لصالح مركز النظام العالمي).

في عصرنا الحالي، حيث تذوب الحدود بين الإعلام التقليدي والرقمي، وتتوسع قدرات التضليل والتلاعب، تبقى أدوات التحليل التي قدمها هذان المفكران ضرورية لأي مشروع تحرري يسعى إلى كسر احتكار القصة الواحدة، وإلى بناء إعلام بديل يكون حقًا في خدمة الشعوب وليس في خدمة الرأسمال والإمبريالية. مقاومة الجهاز الإعلامي الطائفي تبدأ أولاً بفهم كيف يعمل، وفي هذا المضمار، يظل تراث بارينتي وأمين منارة لا غنى عنها.

….

المادة الساخرة :


سلسلة وثائقية كوميدية: "أنا وسائل الإعلام.. وأنا كمان!"

[مشهد الافتتاح: استوديو فخم. مذيع بشعر فضي مثالي يبتسم ابتسامة تلمع أكثر من شاشة التليفزيون.]

المذيع: (بنبرة ملائكية) مساؤكم حرية.. مساؤكم ديمقراطية.. وأهلاً بكم في "مرآة الواقع"! البرنامج الذي، وبكل تواضع، نحن الواقع فيه. قبل أن نبدأ جولتنا الإخبارية اليوم، والتي ستتضمن بالطبع تنديدًا ببلد ما، وبكاءً على ديمقراطية ما، وتهليلًا لشركة أدوية ما، تذكروا: نحن هنا فقط لنعكس لكم الحقيقة المجردة النقية الشفافة غير الملونة! حرفيًا، نحن مرآة. مرآة بثمن 80 مليار دولار وتُدار من قبل 6 أشخاص، لكنها مرآة!

[تتر الموسيقى البطولي]

مشهد 1: لغز الـ "نحن"!

راوي بصوت غامض: منذ فجر التاريخ.. أو بالأحرى منذ فجر أول إعلان تلفزيوني لسجائر "الرجولة"، والإعلام الغربي يتساءل: من نحن؟ هل نحن حراس الديمقراطية؟ أم حراس أسهم الشركات؟ الإجابة المذهلة: لماذا لا نكون الاثنين معًا؟!

[مونتاج سريع: شعارات قنوات إخبارية تتطاير مع أصوات قرع طبول]

· شعار CNN: "الحقيقة أولًا!" (حاشية صغيرة: بعد موافقة قسم العلاقات مع البنتاغون).
· شعار FOX: "نقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله!" (بشرط أن يكون ما نقوله متوافقًا مع أجندة مالكنا ومعلنينا، تحياتي).
· شعار BBC: "محايدون ونبلاء مثل الشاي الإنجليزي!" (يُقدم في كوب مصنوع في مستعمرة سابقة، مع بصمة استعمارية خفيفة).

مشهد 2: بطلا我们的 (قصتنا) – بارينتي وأمين يدخلان الحلبة!

صوت معلق مصارعة: وفي الزاوية اليسرى.. من خلف ستار من الأكاديمية والغضب الأنيق.. إنه مايكل بارينتي! الرجل الذي ينظر إلى شبكة CNN فيرى "جهازًا طبقياً للإلهاء الجماهيري"! مشاهدوه يقولون: "لقد فتح عيوننا!".. النخبة الحاكمة تقول: "عشان إيه كده؟!"

[بارينتي (ممثل) يرتدي سترة عمالية على كرسي أكاديمي، يشير بإصبعه للكاميرا]

بارينتي (كوميدي): اسمعوا يا ناس! هؤلاء ليسوا "وسائل إعلام".. هذه "وسائل إعلام-شركات"! تخيلوا أن سندريلا كانت مدفوعة الأجر من قبل الشركات المصنعة للعربات اليقطينية ومن جمعية مصنعي الأحذية الزجاجية! هذا هو بالضبط ما يحدث! إنهم لا يبيعون لكم الأخبار، بل يبيعون لكم حالة نفسية اسمها: "اقتنع بأنك حر بينما نحن ندير كل شيء".

[المذيع الرئيسي يظهر فجأة على شاشة جانبية مبتسمًا]

المذيع: وجهة نظر مثيرة للاهتمام! والآن، دعونا نستضيف خبيرنا من معهد دراسات "الليبرالية المتحررة جدًا ولكن ليس كثيرًا"، ليخبرنا لماذا يعتبر نقد بارينتي.. "نظرية مؤامرة غير عملية"!

[يختفي بارينتي من الشاشة وكأن أحدًا ضغط على زر "Delete"]

صوت المعلق: وفي الزاوية الأخرى.. القادم من أطراف العالم بمنظور كوني.. إنه سمير أمين! الرجل الذي ينظر إلى هوليوود فيرى "مصنع قيم إمبريالي"! يُعرف بقولته الشهيرة: "عندما تشاهد أفنجرز، أنت لا تشاهد فيلمًا، بل تشاهد تبريرًا لسياسة التدخل الخارجي بواسطة كابتن أمريكا المسعور!"

[أمين (ممثل) يرتدي نظارات طبية، جالس أمام خريطة العالم، يحدق في أفريقيا بحزن كوميدي]

أمين (كوميدي): المشكلة أكبر من مجرد تضليل! إنها تشييء! يتحول الإنسان عندهم إلى مستهلك، والوطن إلى سوق، والثقافة إلى براند. إنهم يغزونكم بـ "الديمقراطية" و"حرية الاختيار".. والاختيار الوحيد هو بين كوكا كولا وبيبسي! إنها إمبريالية ثقافية! خططها أخطر من أي جيش!

المذيع (يظهر مجددًا): كلام عميق! والآن، دعونا ننتقل مباشرة إلى إعلان تجاري عن مشروبات كوكا كولا الغازية، التي تجمع العالم في لحظات من السعادة الخالصة غير السياسية!

مشهد 3: دورة حياة الخبر في الغرب – العرض خلف الكواليس!

راوي: كيف يصنع الخبر الحر المستقل؟ هيا نتابع!

1. الولادة: يتكون الخبر في رحم مصادر رسمية! البنتاغون، وول ستريت، داونينج ستريت. أي صوت خارج هذا الرحم يعتبر "ضجيجًا غير موثوق". عالم البيئة الذي يحذر من تغير المناخ؟ "متطرف". نقابة العمال المطالبة بزيادة الأجور؟ "معرقلة للتقدم". انتظر، هل سمعتم شيئًا؟ لا؟ أحسنت.
2. التربية: ثم يُربى الخبر في حضانة الاقتصاد الإعلاني. البرنامج الذي يتحدث عن أضرار الرأسمالية لن يجد ممولًا. تخيلوا برنامجًا اسمه "تجنبوا الشراء" يُعرض بين إعلانين لـ "اشتري الآن وادفع على 12 قسطًا"! مستحيل! لذا، البرامج الوحيدة عن الفقر هي تلك التي تظهر كيف يمكن لأحد الفقراء الناجحين (بعد ظهورة في البرنامج) أن يشتري سيارة جديدة! إلهام بالمستهلكية!
3. البلوغ: الخبر البالغ يجب أن يخدم الإطار الطبيعي. ما هو الإطار الطبيعي؟ هو أن الرأسمالية مثل الهواء، لا نراه لكنه ضروري للحياة. وأن أي حرب نشنها هي "عملية إحلال للديمقراطية". وأن أي دولة تعترض على ذلك هي "دولة مارقة" أو "محور شر". تصنيف الشيطان مجاني مع كل عملية قصف!

[مونتاج كوميدي: لقطات لمذيعين جادين]

· مذيع 1: "القوات المتحضرة تسقط قنابل ذكية على منشآت إرهابية!" (اللقطة: أنقاض سوق شعبي).
· مذيع 2: "الغرب يفرض عقوبات لحث النظام على احترام حقوق الإنسان!" (اللقطة: أطفال يمرضون بسبب نقص الدواء).
· مذيع 1: "نحن في صراع حضاري!" (اللقطة: مقطع دعائي لفيلم الرامبو).

مشهد 4: "الحرية".. حسب القاموس الإمبريالي!

ضيف برنامج حواري (بلهجة نخبوية): الحرية هي أن تمتلك 500 قناة وتختار أي واحدة تشاهد! إنه وفرة الاختيار!
بارينتي (يظهر كشبح على الشاشة): ولكن كل الـ 500 قناة مملوكة لـ 5 شركات، وتقول نفس الشيء بأسلوب مختلف قليلًا! هذه ليست حرية، هذه وهم الاختيار! مثل أن تختار بين أن تُصفع باليد اليمنى أو اليسرى!
أمين (يظهر كشبح آخر): وهي حرية تدفعها شعوب الأطراف ثمنًا! حريتكم في استهلاك أخبارنا، هي عبوديتنا في استهلاك واقعكم المُصنَّع!

[المذيع الرئيسي، منزعج قليلاً، يشرب جرعة كبيرة من ماء مُعلّب]

المذيع: مشاعر قوية! والآن، فقرة "الأبطال المجهولون".. حيث نسلط الضوء على شركة أدوية كبرى تبتكر دواءً جديدًا بثمن باهظ ينقذ حياة المليونيرات! لا تفوتوها!

مشهد الخاتمة: ما الفرق بين بطليْنا؟

راوي: إذن.. ما الفرق بين بارينتي وأمين؟

· بارينتي هو ذلك الصديق الذي يمسك بك ويقول: "انظر! الرائي ليس مجرد صندوق، إنه صندوق يخدعك! دعني أريك الأسلاك!" إنه فني الصيانة الغاضب للإعلام الأمريكي.
· أمين هو ذلك العم الحكيم الذي يجلس مع خرائط العالم ويقول: "هذا الصندوق الصغير في بيتك، مرتبط بأسلاك تمتد لآلاف الأميال لتخنق قرى بأكملها في قارات أخرى." إنه جغرافي الغضب الكوني.

الخلاصة الكوميدية الساخرة:

إنهم يقدمان لنا عالمًا مقلوبًا:

· التدخل العسكري = "مسؤولية الحماية".
· النهب الاقتصادي = "الشراكة من أجل النمو".
· الإعلام المملوك للشركات = "حرية التعبير".
· أي معارضة جذرية = "تطرف" أو "نظرية مؤامرة".

وظيفتهم ليست إخباركم بالحقيقة، بل إخباركم بما يجب أن تظنوه حقيقة، بينما يملأون الشاشة بإعلانات السيارات الفاخرة والأدوية المضادة للاكتئاب.

[المذيع الرئيسي يختتم، مبتسمًا ابتسامته التلفزيونية المثالية]

المذيع: وهكذا نصل إلى نهاية برنامجنا اليوم. تذكروا: نحن هنا من أجلكم. وأنتم، أيها المشاهدون الأحرار، لديكم القوة.. قوة التحكم عن بعد! غيّروا القناة إذا لم تعجبكم! لديكم 499 بديلًا! هذه هي الديمقراطية بعينها!
[يلمع شعار القناة، ويبدأ إعلان طويل عن شركة أسلحة تروج لنظام دفاع "لحماية الأسر".]

-[ظهرت على الشاشة كتابة: تم إنتاج هذا البرنامج الساخر بدعم غير مباشر من جميع الشركات المذكورة، وبدون أي وعي طبقي من طاقم العمل. نحن نضحك فقط، لا ننقد. فهذا أيضًا حرية.-]



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا ...
- إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
- خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
- من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
- نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري ...
- نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
- كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
- الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات ...
- كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش ...
- كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
- قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
- سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
- طياف الانهيار في هشاشة الامبراطورية .. قراءة في تحذيرات جيفر ...
- من وهن الزعيم إلى تصدُّع الحامي.. تشريح لحظة التحوُّل في مصي ...
- -المعركة لم تنتهِ بعد-: تشريحٌ لجسد الحرب الدائمة.. بين وهَن ...
- هندسة العبودية الطوعية: الهيمنة في عصر الأزمات الهيكلية


المزيد.....




- مركز الفلك يحدد أول أيام رمضان 2026.. هل هو 17 أم 18 أم 19 ف ...
- ساعات دامية في غزة: قصف بري وجوي وبحري يحصد أرواح 32 فلسطيني ...
- تركيا - هل هي شريك لأوروبا أم خطر لا يمكن التنبؤ به؟
- صناعة النسيج التركية على حافة الانهيار: خسائر وظائف وتراجع ح ...
- اللحوم هي الأولى: كيف تقلب الولايات المتحدة هرم الغذاء رأسا ...
- ترامب يحذّر كندا من اتفاق تجاري مع الصين ويهدد برد أمريكي -ق ...
- تحت رقابة مشددة...إسرائيل تعيد فتح معبر رفح جزئيا أمام الأفر ...
- شاهد.. فيضانات عارمة تحول أحياء القصر الكبير بالمغرب إلى بحي ...
- ترمب: الهند ستشتري النفط الفنزويلي بدل الإيراني ونشجع الصين ...
- قاضية فدرالية تنتصر لإدارة ترمب وترفض وقف عمليات مكافحة الهج ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - احمد صالح سلوم - الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة الإعلامية- ونظرة مقارنة مع سمير أمين