|
|
أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 16:07
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
عندما يصير الدين سوقاً والمتدينون عملةً
لم تكن الأديان يوماً، في جوهرها النقي، سوى بوصلة أخلاقية توجه الإنسان الفقير والمحاصر من طغم قليلة حاكمة نحو سماء القيم، لكن التاريخ البشري، بدهائه السياسي ومكره الاقتصادي، استطاع أن يحوّل هذه البوصلة إلى إبرة مغناطيسية تشير دائماً إلى خزائن الذهب. ها نحن اليوم إزاء ظاهرة فريدة في انحطاطها: "علماء" بمظاهر دينية، وأكاديميات بمسوح بحثية، لكن قلوبهم قلوب ذئاب، وعقولهم حواسيب تحسب الربح والخسارة في سوق التمويه الأيديولوجي. إنها صناعة الوعي المزيف، حيث تُسلع العقائد، وتُستباح المقدسات، وتُختزل الشعوب إلى قطعان تُقاد إلى حظائر الاستهلاك والخضوع.
هذا التحقيق المعمق، يحفر في طبقات هذه الظاهرة، من جذورها التاريخية إلى فروعها المعاصرة، من حلقات تمويلها الخفية إلى آليات تشغيلها اليومي، ومن تأثيراتها الثقافية إلى آثارها الاقتصادية المدمرة. نحن هنا لا نقدم نظرية مؤامرة، بل نكشف عن "نظرية مصلحة" منظمة، تعمل في وضح النهار أحياناً، وفي دهاليز المخابرات أحياناً أخرى، لتحويل الدين من روح جماعة إلى أداة لنهب ثرواتها.
علماء الظل البترودولاري الخليجي .. عندما تلبس المخابرات ثوب الدين
ليست "السي آي إيه" مجرد وكالة استخبارات، بل هي، في كثير من تحركاتها، "كنيسة" حديثة تنتج "لاهوتاً" سياسياً يخدم إمبراطورية الدولار. وهذا اللاهوت يحتاج إلى "قديسين" و"علماء" و"مفكرين" يقدّمونه للجماهير بلغة الإيمان والخلاص. هنا تبدأ الحكاية التي لا يعرفها الكثيرون: كيف استحدثت دوائر صنع القرار الغربي، وخاصة الأمريكية، فئة جديدة من "رجال الدين" و"المثقفين" الذين لا ولاء لهم إلا للعقود السريّة والتحويلات البنكية المرقمة.
ظهر هؤلاء في كل الميادين: في الإعلام، في المساجد والكنائس، في مراكز الأبحاث، في قنوات اليوتيوب والفضائيات. بعضهم يرفع المصحف، وبعضهم يلوّح بالإنجيل، وبعضهم يفسر التوراة، لكنهم جميعاً يقرأون من نفس المخطوطة: "عليك أن تجعل الفقير يبحث عن الجنة، وليس عن حقوقه. عليك أن تحوّل غضب المظلوم من النظام الطاغي إلى غضب من الآخر المختلف. عليك أن تروّج لفكرة القدر و القضاء لتثبيت الوضع القائم. وعليك، فوق كل هذا، أن تجعل إسرائيل جزءاً من المخطط الإلهي ".
إنهم ليسوا دجالين بسطاء، بل "مهندسون اجتماعيون" تخرجوا من أرقى جامعات الغرب، وعادوا إلى مجتمعاتهم بلقب "الدكتور" أو "المفكر" أو "المفتي"، حاملين معهم "الفيروس" الأيديولوجي الذي سيدمر النسيج المجتمعي من الداخل. إنهم "طابور خامس" ثقافي، مهمته تفكيك العقل النقدي، وتفريغ الدين من محتواه التحرري كما ملاحظه في إيران و المقاومة اللبنانية في الضاحية والجنوب والمقاومة الفلسطينية المسلحة في غزة ، وتحويله إلى أفيون جديد، لكنه هذه المرة مصنوع في مختبرات "لانغلي".
البترودولار والوعي.. تشريح تحالف النفط والدين
لا يمكن فهم ظاهرة "علماء السلطة" أو "المرتزقة الفكريين"لمحميات الخليج والمقاول التركي للسي اي ايه بمعزل عن الجغرافيا السياسية للنفط. لقد ولدت "الوهابية"، كحركة دينية، في أحضان تحالف تاريخي بين آل سعود وآل الشيخ، ولكنها تحولت إلى "ماركة مسجلة" عالمية بفضل الطفرة النفطية في سبعينيات القرن المشرق. هنا تحول البترودولار من عملة لشراء النفط إلى عملة لشراء الوعي.
لم تكن مليارات الدولارات التي ضختها المحمية العربية السعودية و محميات الخليج كقطر والإمارات و من لف لفها لبناء المساجد والمدارس والمعاهد الدينية في كل أنحاء العالم الإسلامي – وفي الغرب أيضاً – عملاً خيرياً بريئاً. لقد كانت جزءاً من "عقد غير مكتوب" مع الإدارة الأمريكية: نحن نضمن لك تدفق النفط بأسعار مستقرة، وأنت تسمح لنا بنشر نسختنا من الإسلام الوهابي الإخوانجي الصهيوني ، التي تضمن بدورها استقرار أنظمتنا، عبر تكريس الطاعة العمياء للحاكم، وتبرير الثروات الفاحشة، وترويج خطاب يكفّر المعارض ويقدّس الوضع القائم.
تحت هذه المظلة الواسعة، انتشرت كوكبة من "النجوم" الدينيين. كان الشيخ محمد متولي الشعراوي، ببرامجه التلفزيونية التي وصلت إلى ملايين المشاهدين، يقدّم تفسيراً للقرآن يخلو تماماً من أي بعد اجتماعي أو اقتصادي نقدي. وكان الشيخ محمد الغزالي، رغم بعض مواقفه المخالفة، جزءاً من المنظومة التي حوّلت "الإسلام السياسي" من حركة احتجاج إلى أداة للتوازنات الإقليمية. أما يوسف القرضاوي الذي أقام في قاعدة العيديد الامريكية ، فكان هو الآخر، عبر برنامجه "الشريعة والحياة" على قناة الجزيرة القطرية، يعيد إنتاج الخطاب الديني في قالب إعلامي جذاب، يلامس هموم الناس، لكنه يحرص ألا يتجاوز الخطوط الحمراء للدوائر الاستعماريةالممولة.
وما قطر، "المحمية" الإعلامية، إلا نموذج مصغر لاستخدام الدين كأداة نفوذ. فقناة الجزيرة، بتمويلها القطري الضخم، استطاعت أن تصنع "نجوماً" دينيين وفكريين، تارة باسم "الإسلام الوسطي الصهيوني "، وتارة باسم "الربيع العبري"، لكن الهدف كان دائماً خدمة أجندة تتعلق بصراعات النفوذ في المنطقة، وفي القلب منها العلاقة مع إسرائيل، التي تحولت من عدو يجب محاربته إلى "حقيقة واقعية" يجب التعامل معها.
أما المغامر الفكري ياسين الحاج صالح، فقد مثّل الوجه "التقدمي" لنفس العملة. فباسم "النقد العلماني" و"محاربة الاستبداد الديني"، قدّم خطاباً يهاجم كل أشكال المقاومة والممانعة في المنطقة، ويروج لرواية تخدم، في النهاية، المشروع الأمريكي الصهيوني تحت شعار "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية". إنه نفس الدور الذي لعبه زغلول النجار تحت خرافاته التي اسمها معجزات القران التي لها مرادفات معجزات الانجيل عند المسيحية الصهيونية الإنجيلية النسخة الأصلية للوهابية والاخوانجبة والصهيونية ، ولكن من الجهة المقابلة: فباسم "الإعجاز العلمي في القرآن"، حوّل الخطاب الديني إلى عروض سحرية تقدم "إثباتات" علمية زائفة، تلهي الجماهير عن العلوم الحقيقية وعن البحث الجدي في أسباب التخلف، وتقدّم بديلاً وهمياً عن الفخر الحضاري المنشود.
الصهيونية الدينية.. الوجه الآخر لنفس العملة
لا يكتمل المشهد إلا بالنظر إلى الطرف الثالث في هذه "الثلاثية المقدسة" المزيفة: الصهيونية الدينية. فكما استخدمت الوهابية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، استخدمت الصهيونية الدينية لتغطية المشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين. إن "الحاخامات" المتطرفين في إسرائيل، الذين يروجون لفكرة "أرض الميعاد" و"شعب الله المختار"، ليسوا سوى وجه آخر لعملة "علماء السلطة". هم أيضاً يقبضون رواتبهم، لكن من المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، ومن الداعمين في الولايات المتحدة، خاصة في أوساط اليمين المسيحي الإنجيلي.
وهنا تكمن المفارقة العبقرية للمشروع: فاليمين المسيحي المتطرف في أمريكا، بقيادة شخصيات مثل بات روبرتسون وجيري فالويل، يروج لفكرة أن إسرائيل هي تحقيق لنبوءات الإنجيل، وأن دعمها واجب ديني. هذا التحالف الغريب بين اليهودية المتصهينة والمسيحية الإنجيلية، الذي تجسّد في دعم جمهور الحزب الجمهوري الأمريكي الأعمى لإسرائيل، هو أحد أقوى محركات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. إنه تحالف مصالح، مموّه بلغة دينية، يهدف في النهاية إلى السيطرة على المنطقة وثرواتها.
لقد نجح هذا التحالف في خلق "حزام أيديولوجي" يحيط بالمنطقة: وهابية من الداخل، تقول للناس: "اطيعوا ولاة أمركم وادعوا لهم"، وصهيونية من الخارج، تقول: "هذه أرضنا الموعودة"، ويمين مسيحي متطرف في واشنطن، يصرخ: "هذه إرادة الرب". وبين هذه الأصوات جميعاً، يُختطف صوت المظلوم، ويُدفن حقه، ويُسرق مستقبله.
اختراق العلم.. عندما يصير الإعجاز بديلاً عن البحث
وصلت الحملة إلى أقدس مقدسات العصر الحديث: العلم نفسه. فبعد أن نجح "مهندسو الوعي الزائف" في ترويض الدين وتحويله إلى سمسار للاستبداد، انتقلوا إلى خطوة أكثر خطورة: اختراق مفهوم العلم وتقديم بدائل وهمية عنه. لقد قدّموا "الإعجاز العلمي" المزيف كبديل عن البحث العلمي الحقيقي، و"النظريات المؤامراتية" كبديل عن التحليل السياسي الرصين.
إن الظاهرة التي قادها أمثال زغلول النجار ليست سوى محاولة لخلق "علم ديني" هش، يقدّم إجابات جاهزة على أسئلة الكون المعقدة، مما يغني عن السؤال والبحث والتجربة. وهو بذلك يشبه، في جوهره، "عبادة الشمس" التي مارسها الإنسان البدائي لأنه لم يفهمها. الفارق اليوم أن "الشمس" أصبحت أكثر تعقيداً: إنها شاشة التلفزيون التي يطل منها "العالم" ليخبرك بأن كل شيء موجود في النصوص المقدسة، وأن مهمتك الوحيدة هي التفسير والتبرير، لا الاكتشاف والاختراع.
هذا الخطاب يخدم النظام العالمي المهيمن بامتياز، لأنه يبقي الأمم في دائرة التخلف العلمي والتقني، ويضمن بقاءها سوقاً استهلاكية لمنتجات الآخرين، ومصدراً للمواد الخام الرخيصة. إنه ينتج "مستهلكين للدين" و"مستهلكين للسلع"، بدلاً من "منتجين للمعرفة" و"صانعين للحضارة".
سورية.. المختبر والمشرحة
لم تكن سورية ، كما ليبيا ،ساحة للحرب فحسب، بل كانت – وما زالت – مختبراً حياً لتطبيق نظريات "إدارة الفوضى" و"الحروب الهجينة". فبعد عام 2011، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لكل التيارات المدعومة إقليمياً ودولياً: " الجيش الحر " "القاعدة"، "الإخوان المسلمون"، "داعش"... كلها أسماء مختلفة لظاهرة واحدة: تحويل السخط الشعبي إلى حرب أهلية طائفية، تخدم في النهاية إضعاف الدولة الوطنية، وتمهيد الطريق لتفكيك المنطقة ونهب ثرواتها خدمة للامبريالية.
إن مشهد – تسلّم عصابات القاعدة والإخوان وداعش السلطة في سورية عام 2025 – هو بالطبع خادم للإمبريالية وكيانها الصهيوني الوكيل ، لكنه يعبر عن حقيقة جوهرية: وهي أن هذه الجماعات، رغم خطابها "المعارض" و"الجهادي"، كانت في كثير من الأحيان أداة طيعة في يد أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية. لقد تم تمويلها وتسليحها وتدريبها لتحقيق أهداف جيوسياسية، أهمها إسقاط نظام المقاومة مهما كانت الملاحظات عليه، وفتح الباب لإعادة رسم خرائط المنطقة بما يخدم إسرائيل والمصالح النفطية.
والنتيجة كانت الخراب الذي نراه اليوم: اقتصاد منهار، بنية تحتية مدمرة، نزوح ملايين البشر. لكن الوجه الآخر للخراب هو الوجه الاقتصادي الاستعماري الجديد. فبينما يدفع المواطن السوري، الذي راتبه لا يتجاوز مئة دولار، فاتورة كهرباء ب١٥٠ دولار، تستفيد الشركات متعددة الجنسيات من "إعادة الإعمار"، وتستفيد شركات الطاقة من التحكم بموارد البلاد. إنه "النهب المنظم" تحت غطاء "التحرير" و"الديمقراطية" و"الحرب على الإرهاب".
هذا المشهد السوري هو النموذج الأكثر وضوحاً لنتائج سياسات "نهب الثروات عبر الدين". لقد تم استغلال المشاعر الدينية للجماهير، وتوظيف خطاب "الجهاد" و"الخلافة"، لتحقيق أهداف استعمارية كلاسيكية: السيطرة على الأرض والثروات، وتفتيت المجتمعات، وإدامة التبعية.
الصحوة السورية.. من تحت الركام يولد الوعي
لكن التاريخ لا ينتهي عند جدار الخيانة. فمن بين أنقاض المدن السورية، ومن تحت ركام الخطابات المزيفة، بدأت تظهر بوادر "صحوة" جديدة. إنها صحوة مريرة، تولدت من معاناة شعب رأى بأم عينه كيف يُستغل دينه لتحقيق مآرب الآخرين، وكيف تُسلع قضيته في سوق النفوذ الإقليمي.
هذه الصحوة تبدأ بسؤال بسيط ومزلزل في نفس الوقت: لماذا ندفع فاتورة الكهرباء من جيوبنا الفارغة، بينما تتدفق ثروات أرضنا إلى خزائن الشركات الأجنبية وحسابات الميليشيات؟ لماذا نقتتل نحن على هوياتنا الطائفية، بينما يسرقون نفطنا وغلتنا؟ إنه السؤال الذي يعيد ربط الدين بالحياة، وبالعدالة الاجتماعية، وبالكرامة الإنسانية.
هذه الصحوة هي التي ترفض أن تكون "الإسلام" أو "المسيحية" أو "اليهودية" مجرد أسماء تُستخدم لتبرير الاستبداد والنهب. إنها تبحث عن جوهر الدين الذي تمثله الشيوعية : العدل، والحرية، والمقاومة. وهي تدرك أن المعركة الحقيقية ليست بين "مسلم" و"مسيحي" أو بين "سني" و"شيعي"، بل بين المستغلين والمستغلين، بين الناهبين والمنهوبين، بين من يسرقون ثروات الأمة باسم الدين، ومن يدافعون عن كرامة الأمة باسم الدين أيضاً.
نحو وعي اجتماعي علمي طبقي..
ليس الدين، في أصله، أفيوناً للشعوب، الا اذا كان خلاصا وهميا يخدم الطبقة الوكيلة للغزاة والنهب كما قال ماركس. فالدين، عندما يكون تعبيراً حقيقياً عن توق الإنسان إلى العدل والتحرر، يمكن أن يكون أقوى محرك للثورة والتغيير. الأفيون الحقيقي هو "تجار الدين"، هم "السماسرة" الذين يقفون بين الإنسان وربه، ليبيعوا له وهم الخلاص الفردي، ويصرفوه عن طلب الخلاص الجماعي.
لذلك، فإن المواجهة الحقيقية ليست مع الدين، بل مع هذه "الطغم" المزيفة التي تلبس ثوبه. وهي مواجهة فكرية واقتصادية وسياسية معقدة، تحتاج إلى بناء وعي جديد: وعي علمي ينظر إلى الأمور بمنهجية التحليل المادي التاريخي، ووعي طبقي يدرك أن مصالح الفقراء في كل الأديان واحدة، ووعي وطني وقومي يربط بين التحرر من الاستعمار الخارجي والتحرر من الاستبداد الداخلي.
إنها معركة لإعادة تعريف "العالم" و"العلم": فالعالم الحقيقي ليس من يروّج لخرافات تخدم السلطان، بل من يكتشف الحقيقة ولو كانت مرّة. والعلم الحقيقي ليس "الإعجاز" الوهمي، بل البحث المجهد الذي يكشف قوانين الطبيعة والمجتمع، لتمكين الإنسان من تغيير واقعه.
إن شعوب المنطقة، بعد كل ما عانته، تبدأ اليوم بفك شيفرة اللعبة. إنها تدرك أن "علماء" التلفاز الذين يباركون الغزو و"المفكرين" الذين يبررون النهب هم مجرد وجوه لآلة استعمارية ضخمة. والإدراك، كما يقولون، هو بداية التحرر. فليبدأ التحرر من هنا، من كشف أقنعة من يسرقون دين الناس وثرواتهم، باسم الدين نفسه.
...
المادة الساخرة :
أوراق التمويه: عندما يصير الفقه "فِقْهًا" والوعي "وعْيًا"
(مقدمة بنكهة كاري ساخن)
أيها السادة والسيدات، أبناء الأمة التي لا تعرف هل تصدق الشيخ على اليوتيوب أم تشكك في جدته، ها نحن نقدم لكم التحقيق الأكثر سخافةً - أقصد جديةً - في عصرنا الحديث. نحن لا نقدم نظرية مؤامرة، بل نكشف عن "نظرية مصلحة" منظمة، تعمل في وضح النهار، وربما أثناء بث مباشر على فيسبوك مع خلفية خضراء وختم "مُجاز من كبار العلماء".
عندما تتحول العمامة إلى "ترماك"
في زمن كان فيه الشيخ يتحدث في المسجد وينصرف الناس لشؤونهم، جاء عصر الفضائيات ليجعل من كل شيخ "نجمًا" ومن كل فتوى "براندًا". دخلنا عصر "الدين الرأسمالي"، حيث العمامة تُقاس بثمنها، والفتوى تُسعر حسب راعي البرنامج.
متولي الشعراوي: أسطورة التفسير الذي لا يفسر شيئًا!
يا له من رجل! جاء بالطربوش والنظارات السميكة ليخبرنا أن كل شيء في القرآن "معجزة"، حتى طريقة نومنا معكوسة كعلامة على عظمة الخالق. كان بإمكانه أن يقول لنا كيف نطالب بحقوقنا أو نصنع حضارة، لكنه فضل أن يخبرنا أن الذبابة لها جناحان: أحدهما للعلاج والآخر للمرض! يا سيدي، نحن نعيش في بلاد الذباب، نريد منك تفسيرًا لغلاء المعيشة، لا لسلوك الحشرات!
لقد حوّل الشعراوي - ببراعة ساحرة - الدين إلى استعراض بلاغي، حيث تصبح القضية الاجتماعية "إشارة لطيفة" والإمبريالية "اختبارًا إلهيًا". كان رائعًا في جعل الناس تشعر بأن الفقر نوع من "الزهد الاختياري" والظلم "قدرٌ محتوم". الدين عنده أصبح مثل "مستحضر تجميل" للواقع المرير، بدلاً من أن يكون محركًا لتغييره.
يوسف القرضاوي: ماكينة الفتاوى السريعة!
الشيخ الذي أتقن فن "التموضع الجغرافي-السياسي-الفتوائي". يقيم في قطر، بقاعدة العيديد الأمريكية و يفتي للعالم، ويدير شبكة علاقات معقدة كأنه رئيس وزراء ظل. لقد حوّل الفتوى من جواب شرعي إلى "بيان صحفي" ذي أبعاد جيوسياسية.
يتحدث عن الجهاد في مكان، ويحذر منه في آخر. يبارك الثورات هنا، ويعتذر عنها هناك. إنه "سويفت بيكون" الفتاوى، ينتجها حسب الطلب والحاجة. الأدهى أنه قدم نفسه كـ"وسطي"، والوسطية عنده تشبه "اللحم المفروم" - خليط من كل شيء ولا شيء!
محمد الغزالي: المفكر الذي فكر كثيرًا فوصل إلى الحائط!
كتب وكتب وكتب، وحاور وناقش وجادل، وفي النهاية، بقي في الدائرة نفسها: الإسلام هو الحل، ولكن أي إسلام؟ وأي حل؟ لقد كان جزءًا من منظومة أنتجت ملايين الكتب عن "أزمة الأمة" دون أن تقدم خريطة للخروج من هذه الأزمة.
العرعور ومدرسة "الكاميرا الخفية" الدينية
أدولف هتلر؟ لا! عدنان إبراهيم؟ لا! إنه عدنان العرعور - النجم الصاعد في سماء الفتنة، والمخرج العبقري لأعمال "الدراما السنية" على مقاس تل أبيب والبيت الأبيض !
لقد اكتشف العرعور قانونًا فيزيائيًا جديدًا: "كلما زاد صراخك أمام الكاميرا، زادت نسبة المشاهدات". حوّل الخطاب الديني إلى "مصارعة حرة" كلامية، حيث يرمي خصومه بـ"التكفير" كما يرمي المصارع خصمه خارج الحلبة.
ما يحتاجه العرعور هو برنامج تلفزيوني بعنوان "شيخ في المطبخ" أو "داعية على الجليد"، لأنه أتقن تحويل الجدال الديني إلى "سبايدرمان" لفظي يتسلق جدران الخلافات الطائفية.
اشيوخ المحميات.. عندما يصير النفط "زيتًا مقدسًا"
ظاهرة الشيخ "المحمي"
في دول الخليج، حيث النفط يتدفق كالنهر، والدولار ينهمر كالمطر، ولدت فئة جديدة من المشايخ: "شيوخ البترودولار". هم رجال دين بمواصفات خاصة:
1. شهادة مزيفة في "فن الإيماء والمواربة" 2. دبلوم في "كيفية تحويل النص الديني إلى تأييد للسلطان" 3. ماجستير في "فقه الطاعة العمياء"
لقد اكتشفت هذه المحميات معادلة سحرية: نفط + شيوخ = استقرار أو بالأحرى: بترودولار + فتاوى = بقاء العروش
أسرار المهنة:
· الخليجي الحكيم: دائمًا يبدأ كلامه بـ"الحمد لله" وينهيه بـ"والله أعلم"، وفي المنتصف لا يقول شيئًا. · التخصص الدقيق: شيخ للزواج، شيخ للطلاق، شيخ للاستثمارات، شيخ للسيارات الفارهة (يباركها لأنها "نعمة من الله"). · المرونة الفائقة: اليوم يفتي بحرمة الخروج على الحاكم، وغدًا يبارك الثورات إذا تغيرت الرياح لخدمة الإمبريالية الغربية والصهيونية !
الإعجاز العلمي.. عندما تبحث عن الطائرة في سورة الطارق
لقد ولدت مدرسة "الإعجاز العلمي" التي حوّلت القرآن إلى "كتاب فيزياء وفلك وطب". اكتشفوا أن كل شيء موجود في القرآن: النسبية، الثقوب السوداء، حتى "الواي فاي" يمكن أن تجده في قصة النمل!
الشيخ زغلول النجار - أستاذ "الإعجاز المرن" - كان يقدم عروضًا سحرية: يجد الإعجاز في كل آية، حتى في كيفية نزول المطر! المشكلة أنه بينما كان يبحث عن النظريات في القرآن، تقدم الآخرون واخترعوا النظريات في المختبرات
الفضائيات الدينية.. سوق التنافس على "البركة الإلكترونية"
قنوات لا تعد ولا تحصى، كلها تقدم نفس الوصفة:
1. شيخ يبتسم ابتسامة متكلفة 2. خلفية خضراء أو ذهبية 3. موسيقى تصويرية عاطفية 4. فقرات متكررة: فتاوى، تفسير، علاج بالرقية، استشارات أسرية 5. دعوة للتبرع على الرقم كذا وكذا
لقد تحول الدين إلى "باقة قنوات" يمكنك الاشتراك فيها، والحصول على "بركة مباشرة" إلى بيتك!
الأكاديميات الوهمية.. دكتوراه في "فن التلفيق"
ظهرت جامعات "خيرية" تمنح شهادات دكتوراه في العلوم الإسلامية الوهابية الإخوانجية خلال ستة أشهر! اشترط أن تدفع وتصبح "دكتور". لقد ولدت فئة "الدكاترة المشايخ" الذين يحملون ألقابًا كـ"أستاذ الدعوة والإعلام" أو "بروفيسور الفقه المقارن".
السوق السورية.. عندما تصبح الحرب "فرصة عمل"
دخلت سوريا في دوامة، وصار كل شيخ يتحدث عنها حسب مصلحة راعيه:
· شيخ الخليج: "الشعب السوري يطالب بالحرية" · شيخ الفضائيات المحايدة: "ندعو لأهلنا في سوريا بالثبات" (من غير تحديد على ماذا يثبتون!)
صناعة العدو.. فن تقسيم الأمة إلى "أقساط"
اكتشف "مهندسو الوعي الزائف" أن أفضل طريقة لتحقيق السيطرة هي صناعة أعداء وهميين:
· الطائفة الأخرى · المذهب المختلف · الدولة المجاورة · الشرق، الجنوب، الشمال
وبينما ينشغل الناس بلعبة "من العدو؟"، يسرقون النفط والغاز والثروات!
العلاج.. كيف نتعافى من "تسمم الفتاوى"؟
1. الحجر الصحي الفكري: عزل أنفسنا لمدة أسبوع عن كل القنوات الدينية 2. التطهير الذهني: مسح ذاكرتنا من كل الفتاوى المتناقضة 3. إعادة التأهيل: العودة إلى القرآن مباشرة بتفسير ضد الإمبريالية الأمريكية الغربية والصهيونية ومحمياتها الخليجية ، دون وسطاء 4. المناعة المجتمعية: تعليم الأطفال التفكير النقدي 5. الجرعة التنشيطية: تذكير أنفسنا أن الدين علاقة بين الإنسان وربه، وليس بين الإنسان والشيخ على التلفاز
نحو دين بدون "سماسرة"
لقد تحول الدين في عصرنا إلى "سوق مالية":
· الشيوخ: وسطاء · الفضائيات: بورصة التداول · الفتاوى: أسهم متقلبة · الجمهور: مستثمرون خاسرون
حان الوقت لنعيد الدين إلى مكانه الحقيقي: قلب الإنسان وضميره، لا شاشة التلفاز وحساب البنك. الدين ليس سلعة، والدنيا ليست سوقًا، والآخرة ليست "عرضًا ترويجيًا".
فلنضحك على هذا المسخ الذي صنعناه، فلعل الضحكة تكون بداية اليقظة!
……
(ملاحظة: هذا التحقيق الساخر كتب بأقلام مبللة بدموع الضحك، ومراجعة من لجنة من المهرجين الجادين. أي تشابه بينه وبين الواقع هو محض صدفة، أو ربما ليس صدفة!)
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
-
نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
-
كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج
...
-
الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا
...
-
سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا
...
-
إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
-
خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
-
من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
-
نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر
...
-
نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري
...
-
نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر
...
-
صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
-
كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية
...
-
سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
-
الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات
...
-
كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية
...
-
غرينلاند والاقطاب على ضوء أطروحات سمير أمين : العبور نحو الش
...
-
كتاب : ما بعد الغرب: القطب، المعادن، والنظام العالمي الجديد
-
قراءة في تَشَكُّل نظام دولي جديد عبر بوابة غرينلاند
-
سورية وتدوير بوصلة الخيانة: تأملات في أرشيف الانهيار
المزيد.....
-
المنفي يأسف لمقتل سيف الإسلام ويُحذّر من ضرب جهود المصالحة
-
المجلس الرئاسي الليبي ينعى سيف الإسلام القذافي: الدم الليبي
...
-
تسليم جثمان سيف الإسلام القذافي إلى قبيلته في الزنتان تمهيدا
...
-
-فرقة كوماندوز- قتلت سيف الإسلام القذافي
-
اغتيال سيف الإسلام القذافي في الزنتان والنائب العام الليبي ي
...
-
ما دوافع عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي وكيف نفسر توقيتها؟
...
-
ليبيا.. غموض يلف مقتل سيف الإسلام القذافي
-
مقتل سيف الإسلام القذافي على يد مسلحين.. ماذا نعرف عنه وعن د
...
-
كوماندوز وتعطيل كاميرات ورصاص.. كيف قُتل سيف الإسلام القذافي
...
-
النائب العام الليبي يعلن بدء التحقيق باغتيال سيف الإسلام الق
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|