أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - احمد صالح سلوم - روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبراطورية المنحطة















المزيد.....



روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبراطورية المنحطة


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 14:15
المحور: القضية الفلسطينية
    


(تقديم: عندما يَغضبُ السُّلطان)

في حَرَكَةِ العالمِ القَلِقَةِ، حيث تَصطخِبُ المُصطلحاتُ وتَتَدافعُ المبادئُ على مَذَابحِ المصلحةِ العُليا، تَبرُزُ وَاقِعَةٌ تَكثِفُ الجَوهَرَ كُلَّهُ. وَاقِعَةٌ ليست مُجرَّدَ خَبَرٍ عابِرٍ في زَحامِ الأخبار، بل هي فَصلٌ تَشريحيٌّ مُكْتَمِلٌ لجَسَدِ العالَمِ الذي نَعيشُ فيه. هُنا، في مَوقفِ رَجلٍ كان الأَقْدَرَ في أَقوى دَولة، يَنتَصِبُ بِوُضوحٍ تامٍّ مَشهدٌ مُفزِعٌ: الإمبراطوريةُ وهي تَرفَعُ يَدَها القَضائيةَ بِوَقاحَةٍ لِتَصُدَّ سَيْفَ العَدالةِ عَن عُنُقِها، وعَن أعناقِ حُلَفائِها.

خَبَرُ عُقوباتِ "تَرامِب" على مُقَرِّرَةِ الأممِ المُتَّحِدة "فَرانشيسكا ألبانيز" وعلى المُحكمةِ الجُنائِيةِ الدَّوْليةِ نَفْسِها، لَيسَ حادِثَةً استثنائِيةً. إنَّهُ تَتْوِيجٌ مَنْطِقِيٌّ لِعَقيدَةٍ راسِخةٍ تَسيرُ عليها دَولةُ المَرْكَزِ المهَيْمِنِ: "سَيادَتُنا تَعلو كُلَّ سِيادَة، وقانونُنا يَسمو على كُلِّ قانُون". إنَّ تَجميدَ الأصولِ، وتعطيلَ التَّحقيقاتِ في جَرائِمِ الحرب، وإرهابَ المُوظَّفِ الدَّوليِّ بِتَجميدِ حِسابِه البَنكيِّ وإلغاءِ بَطاقتِه الائتمانيَّة، هو لُغةٌ لا تُفَسَّرُ إلا في إطارِ حَرْبٍ شامِلةٍ على الفِكْرَةِ نَفْسِها: فِكْرَةِ أنَّ ثَمَّةَ مُرْجِعِيَّةً أخلاقيةً أو قانونيةً تَعلو قُوَّةَ سلطة رأس المال الأمريكي الروتشيلدي الابستيني لأعتى الدُّوَل. إنَّها تَذكيرٌ صارِخٌ بأنَّ الأُطُرَ الدَّوْليةَ، بِمُنظَّماتِها ومَحاكِمِها، ما هي إلا أَدَواتٌ مَشروطةٌ بقُدْرَتِها على خِدْمَةِ السَّيادةِ الغالِبَةِ أو عَدَمِ تَهديدِها.

وَهَذِهِ الحَرْبُ على "العَدالةِ العالَميَّة" لا تَقعُ في فَضاءٍ مُجرَّد. إنَّها تَتَشابَكُ بِشَكلٍ عُضويٍّ مَعَ مَشْهَدَينِ كَبيرَينِ يُمَثِّلانِ أَقْصى دَرَجاتِ الإفلاتِ مِنَ العِقابِ في عَصرِنا: مَشْهَدُ الإبادةِ الجَماعيَّةِ المُستمِرَّةِ في غَزَّةَ، حَيثُ تُستَخدمُ أَدَوَاتُ الحَديثِ والتَّقانَةِ مِن شَرِكاتٍ عالَميَّةٍ كُبْرى ("غوغل"، "أمازون"، "لوكهيد مارتن"، "مايكروسوفت") لِتَسهيلِ القَتْلِ وَتَمويلِهِ وَتَبريرِهِ. وَمَشْهَدُ الجَريمةِ الجِنْسيَّةِ المُنَظَّمَةِ في جَزيرةِ "أبستين" وَمِثلِها، حَيثُ تَختَفِي الشَّبَكاتُ الخَبيثَةُ وَراءَ سُيُوفِ المالِ والنُّفُوذِ السِّياسيِّ. الخَيطُ الرَّفيعُ الوَاهيُّ الذي يَربُطُ بَينَ تَهديدِ مُقَرِّرَةٍ أُمَمِيَّةٍ لأنَّها كَتَبَتْ رَسائلَ إلى شَرِكاتٍ تُشارِكُ في مَجزَرَة، وَبَينَ مَنعِ مَحاكَمَةِ سِياسيٍّ كَبيرٍ في قَضِيَّةِ جِزيرةِ الفُضِيحَة، هو نَفْسُهُ الخَيطُ الذي يُغَلِّفُ أيديَ الجُناةِ في غَزَّة. إنَّهُ خَيطُ الحَصانةِ البنيَوِيَّة.

لِنَنْظُرْ إِلى هَذِهِ الواقِعةِ، لا كَحَدَثٍ إعلاميٍّ مُنعَزِل، بل كَمِحْوَرٍ تَدورُ حَولَهُ أَقْمارٌ مِنَ التَّحليلِ النَّظَريِّ العَمِيق. إنَّها نَموذَجٌ حَيٌّ يُجَسِّدُ مَفاهيمَ مَدرَسةِ التَّبَعِيَّة في أَبْشَعِ صُوَرِها: تَبَعِيَّةِ القانُونِ لِلسُّلْطة، وَتَبَعِيَّةِ الضَّحيَّةِ لِلقَاتِل، وَتَبَعِيَّةِ المَبْدَأِ لِلْمَصْلَحَة.


الإمبراطوريَّةُ وَأَدَواتُها: هَيْمنَةُ المَركَزِ وَإِدارةُ الأَطرافِ

يَقُولُ التَّحليلُ البُنيَوِيُّ إنَّ النِّظامَ العالَمِيَّ لَيسَ فُسَيْفَساءَ دُوَلٍ مُتَساوِيَة، بَلْ هُوَ تَرتيبٌ هَرَمِيٌّ صارِمٌ، تَقِفُ في قِمَّتِهِ مَراكِزُ رَأسماليَّةٌ مهَيْمِنَةٌ تَسُوسُ العالَمَ بِمَعاييرَ مُزدَوِجَةٍ. في هَذا الهَرَمِ، يَتمتَّعُ المَرْكَزُ بِحَقِّ وَضْعِ القَواعدِ وَتَصدِيرِها. القانُونُ الدَّوْلِيُّ، بِمُؤسَّساتِهِ، هُوَ أَحَدُ أَهمِّ هَذِهِ القَواعد. وَلكِنَّهُ لَيسَ قانُوناً مُحايِداً؛ إنَّهُ قانُونٌ مُوَجَّهٌ لِحِفْظِ النِّظامِ الذي يُؤمِّنُ هَيْمَنَةَ المَركَزِ الإمبريالي الأمريكي وَاسْتِمرارَ تَصريفِ فَضْلَتِه الرَّأسماليَّةِ في الأَطْراف.

الدَّورُ المُفْتَرَضُ لِمُؤسَّساتٍ كَالأُمَمِ المُتَّحِدةِ وَالمُحكمةِ الجُنائِيَّةِ الدَّوْليةِ هُوَ تَجسيدُ هَذا النِّظامِ القانُونِيِّ "العالمي". وَلَكِنَّ مُفارَقَتَهُ العُظمَى تَكْمُنُ هُنا: فَعِندَما تَتَجاسَرُ هَذِهِ المُؤسَّساتُ على مُمارَسَةِ سُلطَتِها بِحَسبِ القَواعدِ الَّتي وَضَعَها المَرْكَزُ نَفْسُهُ، ضِدَّ مَصالحِ المَرْكَزِ أَوْ حُلَفائِهِ الاِستِراتيجِيِّينَ، تُواجِهُ بِأَشَدِّ العُقوبات. لَقَدْ تَحَوَّلَتِ العَدالةُ الدَّوْليةُ مِن أُفُقٍ مَطلوبٍ إِلى سِلاحٍ مَشروط. مَشروطٌ بِأَلَّا يَمَسَّ جَوْهَرَ الهَيْمَنَة.

خَبَرُ العُقوباتِ على "ألبانيز" يُجَسِّدُ هَذا المَأزَقَ بِبَراعَةٍ قاتِلَة:

1. اِكتِشافُ الخَطَر: لَمَّا أَرسَلَتِ المُقَرِّرَةُ رَسائلَها "السِّرِّيَّةَ" إِلى الشَّرِكاتِ الأَمريكيَّةِ الكُبْرى، كانَتْ تَفْعَلُ ما وَظَّفَها النِّظامُ الدَّوْلِيُّ لِفِعلِه: التَّحقيقُ في انتِهاكاتِ حُقوقِ الإِنسانِ وَإِعدادُ التَّقارير. وَلَكِنَّها اِكتَشَفَتْ خَطَاً أَحمَر: لَيسَ الانتِهاكُ نَفْسَهُ هُوَ الخَطَر، بَلِ كَشْفُ آليَّةِ الانتِهاك. إِذْ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكاتَ لَيسَتْ كِياناتٍ مُنعَزِلَة، بَلْ هِيَ أَذرُعٌ عضويَّةٌ لِلقُوَّةِ الاقتِصاديَّةِ وَالعَسكَريَّةِ لِلمَرْكَز. إِدراجُها في تَقْريرٍ أُمَمِيٍّ لَيسَ إِدانَةً أَخلاقِيَّةً فَحَسْب، بَلْ هُوَ تَهْديدٌ لِشَبَكَةِ المَصلَحَةِ المادِّيَّةِ التي تَربُطُ بَينَ الصِّناعةِ وَالسِّياسةِ وَالحَرب. لَقَدْ مَسَّتْ "ألبانيز" العَصَبَ المَكشوفَ لِلهَيْمَنَة: التَّواطُؤَ المُؤسَّساتِيَّ المُقَنَّع.
2. اِستِنفارُ الجِهاز: رَدُّ الإِدارَةِ الأَمريكيَّةِ كانَ سَريعاً وَعَنيفاً: "لَن نَتسامَحَ مَعَ هَذِهِ الحَملاتِ مِنَ الحَربِ السِّياسيَّةِ وَالاقتِصاديَّة". لاحِظُوا اللُّغَة. فِعْلُ "التَّسامُح" هُوَ فِعْلُ السُّلطانِ الَّذي يُمنِّنُ بِالعَفْو. وَوَصفُ عَمَلِ المُقَرِّرَةِ بِـ"الحَرب" يُحَوِّلُها مِن مُوظَّفَةٍ دَوليَّةٍ مُحايِدَةٍ إِلى عَدُوٍّ مُحارِب. هَكَذا تَقُومُ دَولةُ المَرْكَزِ بِ تَجْريدِ المُؤسَّسةِ الدَّوْليَّةِ مِن حِيادِها، وَتَحميلِ الفَرْدِ وَزْرَ مُؤسَّسَتِهِ إِذا خَرَجَتْ عَنِ الطَّاعَة.
3. العُقوبَةُ المُثْلَى: تَجريدُ الإِنسانِ مِن أَدَواتِ الحَياةِ الحَديثَة: لَيسَ مِنَ العَبَثِ أَن تَكُونَ العُقوبَةُ تَجميدَ الأَصولِ وَإِغلاقَ الحِساباتِ البَنكيَّةِ وَإِلغاءَ البِطاقاتِ الائتِمَانِيَّة. فِي العالَمِ الرَّأسمالِيِّ العالَمِيِّ، هَذِهِ هِيَ أَدَواتُ الوجودِ نَفْسِهِ. مُنْعُ الإِنسانِ مِنَ الحِسابِ البَنكيِّ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الطَّرْدِ مِنَ الحَضارَة. هُوَ تَذْكيرٌ بِأَنَّ حِمايَةَ الدَّوْلَةِ القومِيَّةِ (الجُنْسِيَّة، الحِسابُ البَنكُّي، الجَواز) هِيَ الَّتي تُؤمِّنُ الحَياةَ، وَأَنَّ سَحْبَها هُوَ نَوْعٌ مِنَ الإِعْدامِ الاِجتماعِيِّ. هَذِهِ العُقوبَةُ تُرْسِلُ رِسالةً مَروِّعَةً لِكُلِّ مُوظَّفٍ دَولِيٍّ طَموح: "اُنْظُرُوا إِلى مَآلِ مَنْ يَتَجاسَرُ. سَنَجْعَلُكُمْ طَريدِينَ، بِلا مَالٍ وَلا حَرَكَة".

هَكَذا تَتحَوَّلُ المُؤسَّسةُ الدَّوْليةُ، عِندَ الضَّرورَة، مِن أُطُرٍ لِتَطبيقِ القانُونِ إِلى مَيدانٍ لِتطبيقِ القُوَّة. فَالحَربُ لَيسَتْ عَلَى "ألبانيز" شَخْصِياً، بَلْ عَلَى المَبْدَأِ الَّذي تَمَثَّلَتْهُ: مَبْدَأِ أَنَّ ثَمَّةَ مَعاييرَ عالَمِيَّةً تَعلو المَصلَحَةَ القومِيَّةَ لِدَولةِ المَرْكَز.


مِن غَزَّةَ إِلى الجَزيرَة: وَحْدَةُ حَلَقَةِ الإفلات

لِكَي نَفهمَ عُمقَ هَذِهِ العُقوبات، يَجِبُ أَنْ نَراها لَيسَتْ وَحدَها، بَلْ كَحَلَقَةٍ في سِلْسِلَةٍ طَوِيلةٍ مِنَ الإفلاتِ المُنَظَّم. وَهَنا تَبرُزُ الوَحْدَةُ العُضْوِيَّةُ بَينَ ثَلاثَةِ مَشاهِدَ يَبدو أَنَّ لا عَلاقَةَ لِبَعضِها بِبَعْض:

المَشْهَدُ الأَوَّل: الإبادةُ الجَماعِيَّةُ وَشَبَكَةُ التَّوَاطُؤِ العالَمِيَّة.
رَسائلُ "ألبانيز" كَشَفَتْ غِطاءً ضَخْماً: فَشَرِكاتُ التِّكنولوجيا العالَمِيَّةُ ("ألفابت/غوغل"، "أمازون"، "مايكروسوفت") وَشَرِكاتُ السِّلاحِ ("لوكهيد مارتن" و بوينغ ) تُشارِكُ بِشَكلٍ فاعِلٍ في تَمْكِينِ الآلةِ العَسكَريَّةِ الَّتي تُنَفِّذُ إِبادَةً جَماعِيَّة. هَذِهِ المُشارَكَةُ لَيسَتْ "تَجارَة" عادِيَّة، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِن شَبَكَةِ الإمدادِ المادِّيِّ وَالمَعْرِفِيِّ لِجَريمةٍ دَولِيَّة. "غوغل" وَ"مايكروسوفت" تُقَدِّمانِ البُنْيَةَ التَّحتيَّةَ السَّحابِيَّةَ وَالبَياناتِ وَالذَّكاءَ الاصطِناعيَّ الَّذي قَد يُستَخدَمُ في تَحْديدِ الأَهْداف. "لوكهيد مارتن" تُقَدِّمُ السَّلاحَ نَفْسَهُ. مُحاوَلَةُ تَعرِيفِ هَذِهِ الشَّرِكاتِ كَمُساهِمَةٍ في انتِهاكاتٍ جَسِيمةٍ هُوَ نَوْعٌ مِنَ كَسْرِ طوقِ الحَصانَةِ الاِقتِصادِيَّةِ الَّتي تَتمتَّعُ بِها. وَهُوَ مَا دَفَعَ شَرِكتَينِ لِلاِستِنجادِ بِالبيتِ الأَبْيَض. لَقَد اِستَنجَدَ رَأسمالُ المَرْكَزِ بِسُلطانِ المَرْكَز الفاسد الذي يمثل طبيعة الانحطاط العالمي بتعبير تشومسكي .

المَشْهَدُ الثَّاني: جَزيرَةُ الفُضِيحَةِ وَسِياجُ النُّفُوذ.
في الجَزيرَةِ الخاصَّةِ (جَزيرَةِ "أبستين")، يَختَلِطُ رَأسمالُ المَرْكَزِ الإمبريالي الغربي بِشَكْلٍ آخَرَ مَعَ الجَريمة: جَريمةِ الاِستِغلالِ الجِنْسِيِّ المُنَظَّم. هُنا يَكونُ الإفلاتُ مُكَفَّلاً بِ شَبَكَةِ النُّفُوذِ السِّياسيِّ وَالاقتِصادِي. المُتَّهَمونَ مِن نُخْبَةِ المَرْكَزِ يَتمتَّعونَ بِحِمايَةٍ قَضائيَّةٍ مُفْضِلَة، وَتَماطُلٍ مُؤسَّسِي، وَتَهدِيدٍ لِلضَّحايا، وَحَتَّى تَعطيلٍ لِسَيْرِ العَدالَةِ عِندَ الضَّرورَة. مُحاوَلَةُ مَنْعِ أَو عَرقلَةِ المَحاكَماتِ في قَضايا تَمسُّ شَخصِيَّاتٍ كُبْرى هُوَ نَفْسُهُ عَمَلِيَّةُ "تَجميدِ الأَصول" القَضائِيَّة. بَدَلَ تَجميدِ الحِسابِ البَنكِيِّ، هُناكَ تَجميدٌ لِمَسارِ العَدالَة. الرِّسالةُ وَاحِدَة: "مَنْ يَكونُ في دائرَةِ النُّخْبَةِ الهَيْمِنَةِ، فَقَدْ يَخرُجُ مِن مَأزِقِ الجَريمَةِ، حَتى وَإِنْ كانَتْ فَضِيحَةً دَوليَّة".

المَشْهَدُ الثَّالِث: حَربُ المَرْكَزِ عَلى المَحكَمةِ الجُنائِيَّةِ الدَّوْليَّة.
العُقوباتُ لَم تَكُنْ عَلَى "ألبانيز" فَحَسْب، بَلْ امتَدَّتْ إِلى المُحكمةِ الجُنائِيَّةِ نَفْسِها. أَمْرٌ تَنفيذيٌّ ضِدَّها، ثُمَّ عُقوباتٌ على ثَمَانِيَةٍ مِن قُضاتِها. هَذا هُوَ المُواجهَةُ المُباشَرَة. الإمبراطوريَّةُ لا تُحارِبُ مُوَظَّفَةً فَقَط، بَلْ تُحارِبُ الفِكْرَةَ بِأَكْمَلِها: فِكْرَةَ وُجودِ مَحكَمةٍ تَستَطيعُ مَحاكَمَةُ أَيِّ كان. لَقَد أَعلَنَتْ وَاشِنطَن بِوَضُوح: "سَيادَتُنا غَيرُ قابِلَةٍ للتَّفويض، وَحُكّامُنا غَيرُ قابِلينَ للمُحاكَمَة". هَذَا هُوَ نِهايَةُ أيِّ وَهْمٍ بِقِيامِ نِظامٍ دَولِيٍّ مُتعدِّدِ الأَقطاب. فَعِندَما يُواجِهُ المَرْكَزُ تَهديداً لِسَيادَتِهِ المُطلَقَة، فَإِنَّهُ يَسْتَخِدِمُ أَدَواتِ العُقوباتِ الاِقتِصادِيَّةِ لِتَحْطيمِ تِلْكَ المُؤسَّسة.

الرَّابِطُ المُشْتَرَك: حَصانَةُ الجانِي وَتَجريدُ الضَّحيَّة.
بَينَ هَذِهِ المَشاهِدِ الثَّلاثَةِ يَبرُزُ رابِطٌ واحِد: إِنْتاجُ وَإِدارَةُ الإفلات. فِي غَزَّة، الإفلاتُ يُنتَجُ عبرَ تَبريرِ الجَريمةِ بِخطابِ "الحَقِّ في الدِّفاعِ عَنِ النَّفْس" وَ"مُحارَبَةِ الإرهاب"، وَعَبرَ دَعْمٍ مُطلَقٍ دِبلوماسيٍّ وَعَسكَريٍّ وَمِنيٍّ. وَيُدارُ الإفلاتُ عَبرَ تَعطيلِ أَيِّ مَسارٍ قَضائِيٍّ دَولِيٍّ جادٍّ. فِي الجَزيرَة، الإفلاتُ يُنتَجُ عَبرَ شَبَكاتِ المالِ وَالوُصولِ السِّياسي، وَيُدارُ عَبرَ تَرهِيبِ الضَّحايا وَتَعقيدِ الإِجراءاتِ القَضائِيَّة. وَفي حَربِ الإِدارَةِ الأَمريكيَّةِ عَلى المُحكمةِ الجُنائِيَّة، الإفلاتُ يُنتَجُ وَيُدارُ بِأَشْكَالٍ مُباشَرَة: تَهديدُ القُضاةِ، عُقوباتُ المُوظَّفين، وَشَلْلُ المُؤسَّسَةِ نَفْسِها.

الخَيطُ النَّاحِتُ هُوَ أَنَّ هَذِهِ الحَلَقاتِ كُلَّها تَخدِمُ نَفْسَ الغَرَض: حِفظُ الاِسْتِقْلالِيَّةِ السِّياسِيَّةِ وَالقَضائِيَّةِ لِنُخْبَةِ المَرْكَزِ وَحُلَفائِها. فَكُلُّ مَحاولَةٍ لِكَسْرِ هَذِهِ الحَلَقَةِ تُواجَهُ بِالعُنْفِ الاِقتِصادِيِّ أَو السِّياسيِّ أَو القَضائِي.


بِناءُ القَلْعَةِ وَهَدْمُ الجِسْرِ: اِستراتيجِيَّةُ تَدميرِ العَدالَةِ العالَمِيَّة

خَبرُ العُقوباتِ يَكشِفُ لَنا، بِوَضُوحٍ جُرَاحِي، الاِستِراتيجِيَّةَ الَّتي تَتَّبِعُها دَولةُ المَرْكَزِ الإمبريالي الغربي لِضَمانِ اِستِمرارِ الهَيْمَنَة:

1. تَفْريدُ الصِّراعِ وَتَجْرِيدُ المُؤسَّسَة: بِمُهاجَمَةِ "ألبانيز" شَخصِياً (تَجميدُ أَصولِها، تَهديدُ عائِلَتِها في تُونس) بَدَلَ مُهاجَمَةِ المَانْدَتِ الأُمَمِيِّ نَفْسِهِ، تَقومُ الإِدارَةُ بِ تَحويلِ القَضِيَّةِ مِن مَبْدَئِيَّةٍ إِلى شَخْصِيَّة. الرِّسالةُ: "لَسنا ضِدَّ الأُمَمِ المُتَّحِدة، بَلْ ضِدَّ مُوَظَّفَةٍ مُتطَرِّفَة". هَذا يُضْعِفُ التَّضامُنَ الدَّاخِلِيَّ في المُؤسَّسَةِ وَيُشَجِّعُ عَلَى الصَّمْتِ خَوْفاً مِنَ المَصيرِ نَفْسِه.
2. اِستِخدامُ الأَدَواتِ الاِقتِصادِيَّةِ كَسِلاحٍ قَذِر: العُقوباتُ الاِقتِصادِيَّةُ هِيَ سِلاحُ الفُقَراءِ عادَةً. وَلَكِنَّها هُنا تُستَخدَمُ ضِدَّ فَرْدٍ لَيسَ لَدَيهِ دَولةٌ عُظمى تَحمِيه. إِغلاقُ الحِسابِ البَنكِيِّ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الحَصارِ المَالِيِّ الفَرْدِي. وَهُوَ يُذَكِّرُ كُلَّ مَنْ يُفَكِّرُ في مُواجهَةِ المَصلَحَةِ العُليا بِأَنَّهُ سَيُترَكُ عارِياً أَمامَ آلةِ الرَّأسمالِ العالَمِي.
3. خَلْقُ ثَقافَةِ الخَوْفِ داخِلَ البُنيَةِ الدَّوْليَّة: عِندَما يَرى المُوَظَّفُونَ الدَّوْلِيُّونَ زَميلَةً لَهُمْ تُعامَلُ بِهَذِهِ الوَحشِيَّةِ الاِقتِصادِيَّة، فَإِنَّ خَياراتِهِمْ المُستَقبَلِيَّةِ سَتَكونُ حَتْماً مُحَذَّرَة. سَيَبدَأُونَ بِتَقْدِيرِ التَّكْلِفَةِ الشَّخْصِيَّةِ لِلكَثيرِ مِن تَقاريرِ الحَقوق. هَذا يُؤَدِّي إِلى تَراجُعٍ داخِلِيٍّ تَدْريجِيٍّ في جُرأةِ المُؤسَّساتِ الدَّوْليَّة. تَتحَوَّلُ المُؤسَّسَةُ مَعَ الزَّمنِ إِلى جِسْمٍ بُيروقَراطِيٍّ يَخْشَى صَوتَهُ نَفْسَهُ.
4. تَأْكِيدُ أَوْلَوِيَّةِ المَصلَحَةِ القَوْمِيَّةِ عَلَى القانُونِ الدَّوْلِي: البَيانُ الرَّسمِيُّ لَخَجَل: "لَن نَتسامَحَ مَعَ هَذِهِ الحَملات". الكَلِمَةُ المُفتاحُ هِيَ "نَتسامَح". فَالقانُونُ الدَّوْلِيُّ يُعامَلُ كَمِنَّةٍ مِنَ الدَّوْلَةِ القَوْمِيَّةِ، يُمكنُ سَحْبُها عِندَ الحاجَة. هَذا يُعَزِّزُ رِوايَةَ "المَصلَحَةِ القَوْمِيَّةِ أَوَّلاً" كَمِعْيارٍ أَعلى مِنَ الحَقِّ وَالمَبْدَأ. وَهِيَ رِوايَةٌ تَخْدِمُ مَصلَحَةَ القُوَّةِ الهَيْمِنَةِ فَقَط.
5. اِستِعراضُ القُوَّةِ لِإِرهابِ الحُلَفاءِ وَالأَعْداء: العُقوباتُ لَيسَتْ مُوجَّهَةً لِـ"ألبانيز" فَقَط، بَلْ هِيَ رِسالةٌ لِكُلِّ الحُكوماتِ وَالمُؤسَّساتِ الَّتي قَد تُفَكِّرُ في مُحاسَبَةِ وَاشِنطَن أَو حُلَفائِها: "اُنْظُروا إِلى ما نَستَطيعُ فِعلَهُ. اِحْذَروا".

فِي النِّهايَة، تَبدو الإمبراطوريَّةُ كَبَنَّاءٍ مَاهرٍ لِقَلْعَةِ الإفلات. تَبني جُدرانَها مِن:

· جِدارُ المالِ وَالعُقوباتِ الاِقتِصادِيَّة.
· جِدارُ الاِستِثناءِ القَضائِيِّ لِنُخْبَتِها.
· جِدارُ الدَّعْمِ العَسكَريِّ وَالسِّياسيِّ المُطلَقِ لِحُلَفائِها.
وَفي المُقابِل، تَهْدِمُ كُلَّ جِسْرٍ يَمُدُّهُ الآخَرُونَ لِعَبْرِ هَذِهِ الجُدران: جِسْرَ المَحكَمةِ الجُنائِيَّة، جِسْرَ التَّقاريرِ الأُمَمِيَّة، جِسْرَ الحِمايةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلضَّحايا.


العَدالَةُ المُتَخَيَّلَةُ وَالحَقِيقَةُ المُفْزِعَة

ماذا تَبْقَى مِنْ فِكْرَةِ "العَدالَةِ العالَمِيَّة" بَعْدَ هَذَا المَشْهَد؟
تَبْقَى كَ أُفُقٍ مُتَخَيَّلٍ، أَملٍ يُحرِّكُ الضَّحايا وَالمُدافِعِينَ عَن الحَق. وَلكِنَّ حَقيقَتَها المُؤسَّسِيَّةَ تَتَعَرَّضُ لِلهَزِيمَةِ اليَوْمِيَّة. فَالخَبَرُ يُرِينَا أَنَّ العَدالةَ العالَمِيَّةَ لَيسَتْ مُؤسَّسَةً فَوْقَ الدُّوَل، بَلْ هِيَ أَدَاةٌ داخِلَ حَرْبِ المَوْقِعِ بَينَ الدُّوَل. وَفِي هَذِهِ الحَرْب، تَملِكُ دَولةُ المَرْكَزِ أَقْوى الأَسْلِحَة.

وَلَكِنَّ هَزِيمَةَ المَؤسَّسَةِ لا تَعني هَزِيمَةَ الفِكْرَة. بَلْ إِنَّ هَذِهِ العُنْفَةَ في الرَّدِّ تُظْهِرُ خَوْفَ الإمبراطوريَّة. خَوْفَها مِن يَوْمٍ تَصيرُ فِيهِ القَواعدُ الَّتي وَضَعَتْها نَفْسُها سَيْفاً عَلَى أَعناقِها. خَوْفَها مِن اِنْكِشافِ زَيْفِ شِعارِ "القانُونِ الدَّوْلِيِّ" الَّذي تَرْفَعُهُ عِندَما يُناسِبُها. مُهاجَمَةُ مُقَرِّرَةٍ أُمَمِيَّةٍ لِأَنَّها كَتَبَتْ رَسائِل، هُوَ اِعْتِرافٌ ضِمنِيٌّ بِأَنَّ الحَقِيقَةَ نَفْسَها خَطيرَة. وَأَنَّ مُجَرَّدَ كَشْفِ العَلاقَةِ بَينَ الشَّرِكاتِ الكُبْرى وَجَرائِمِ الحَربِ هُوَ فِعْلٌ يُعادِلُ الحَرب.

لِذَا، يَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ إِلى هَذَا الخَبَرِ لَيسَ كِنِهايَةٍ، بَلْ كَدَلِيل. دَلِيلٍ عَلى أَنَّ النِّضالَ مِن أَجْلِ العَدالَةِ هُوَ نِضالٌ ضِدَّ بُنْيَةٍ كامِلَة، وَلَيسَ ضِدَّ أَشْخاصٍ فَحَسْب. نِضالٌ يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَ بَينَ:

· مُقاوَمَةِ الإِبادَةِ في غَزَّة.
· مُطالَبَةِ الضَّحايا في جَزيرَةِ الفُضِيحَةِ بِالحَق.
· دَعْمِ المُوظَّفِينَ الدَّوْلِيِّينَ الشُّجْعانِ مِثْلَ "ألبانيز".
· وَتَعرِيةِ الآليَّةِ البُنيَوِيَّةِ الَّتي تَجْعَلُ مِن رَأسِ المالِ العالَمِيِّ شَرِيكاً في الجَريمَة وعلى رأسه بنوك ال روتشيلد الذين صنعوا الهولوكوست الفلسطيني .

فَالتَّبَعِيَّةُ الَّتي نَعيشُها لَيسَتْ قَدَراً. وَإفلاتُ الجُناةِ لَيسَ طَبِيعِياً. إِنَّهُما نِتاجُ نِظام. وَالنُّظُمُ، وَإِنْ طالَ أَمَدُها، فَقابِلَةٌ لِلزَّوال. العُقوباتُ عَلى مُقَرِّرَةٍ أُمَمِيَّةٍ هِيَ صَرْخَةُ ضَعْفٍ في ثَوْبِ القُوَّة. صَرْخَةٌ تَقُولُ: "نَحْنُ نَخافُ حَتَّى مِن رَسائِلِكُم". فَلْنَكُن




……

المادة الساخرة :


المحضر الرسمي الساخر رقم 666/ع.س: عندما يلتقي ترامب، روتشيلد، وإبستين في حانة "العدالة الانتقائية" للفساد والإبادة والاجرام الجنسي ضد الأطفال

(نسخة معدلة للتاريخ من قبل كوميدي غامض)


المشهد الأول: البيت الأبيض – غرفة الحرب المضحكة

(المشهد: دونالد ترامب جالس على كرسي ذهبي، يرتدي رداءً قضائياً فوق بذلة "ماكينة القوة". على الحائط، صورة ضخمة لختم "ترامب للمحاكمة العادلة (المحدودة)". يدخل مستشار يرتشف قهوة من كوب مكتوب عليه "أنا العدالة ذاتها").

المستشار: سيدي الرئيس، القضاة والمقررون الأمميون يعيثون فساداً!
ترامب: (ينظر من فوق نظارته الذهبية): مَن؟ هؤلاء المملون؟ أخبرهم أنني سأفرض عليهم عقوبات... عقوبات رهيبة... سأمنعهم من استخدام تويتر! نعم!
المستشار: لا، سيدي... الأمر أكبر. فرانشيسكا ألبانيز كتبت رسائل!
ترامب: رسائل؟ مثل رسائل الحب؟ أنا أعرف الكثير عن الرسائل. "أحبك، أقتلك، إنه مثلك". لكن هذه... هذه خطيرة!
المستشار: إنها تتهم شركاتنا العظيمة – غوغل، أمازون – بمساعدة جرائم حرب!
ترامب: (يقف فجأة): هذا كفر! هؤلاء شركات وطنية عظيمة! مثل أبنائي! سأجمد... سأجمد حسابها البنكي! سأجعلها تدفع نقداً من محفظتها! دعوها تعاني مثل من لا يملك بطاقة ائتمان ذهبية!

(يدخل مساعد ثان، مرتجفاً):
سيدي، هناك مشكلة أخرى... الناس يتحدثون عن... جيفري إبستين.
ترامب: (يتجمد، ثم يبتسم ابتسامة غامضة): آه، جيفري الراحل! كان رجلاً رائعاً! أحبب الحفلات في جزيرته! ولكن لماذا يذكرونه الآن؟
المستشار: يقولون إنه كان "ممثلكم".. ممثلك أنت وعائلة روتشيلد!
ترامب: (يضحك بعنف): روتشيلد؟ هؤلاء الرجال الطيبون الذين يمتلكون البنوك والذهب والكون؟ أنا أحبهم! هم يدفعون... أقصد، هم شركاء عظماء! ولكن إبستين؟ ممثلنا؟ كان ممثلاً مستقلاً! مثل وكيل عقارات في جحيم!


المشهد الثاني: جزيرة روتشيلد السرية – اجتماع مجلس "العدالة المرنة"

(المشهد: غرفة مظلمة، طاولة طويلة من الذهب الخالص. حولها، ظلال أشخاص يرتدون أردية عليها شعار "البنك المركزي الكوني". على رأس الطاولة، لوحة إلكترونية تعرض أسعار الذهب وأسماء الضحايا الجدد.)

رئيس المجلس (صوت آلي معدني): السادة، لقد وصلتنا شكوى من فرانشيسكا ألبانيز. إنها تهدد شبكتنا المباركة.
عضو 1: هل تمتلك أسهمًا في بنوكنا؟
عضو 2: لا.
عضو 3: إذن، المشكلة بسيطة. دعوا ترامب الصديق يتعامل معها. نحن نفضل البقاء في الظل... مثل فراشات الليل التي تتحكم في اقتصاد العالم.
رئيس المجلس: لكن إبستين... لقد ذكر اسمنا.
العضو 1: كان مقاولاً خارجياً! مثل شركة تنظيف... لكن للفضائح. لسنا مسؤولين عن سلوك المقاولين!
العضو 2: (يضحك خافتاً): لقد وفر لنا خدمات اجتماعية ممتازة... أقصد، خدمات تواصل!
العضو 3: العدالة الانتقائية؟ نحن لا ننتقي! نحن ببساطة نختار من نحميه بناءً على... مساهماتهم في النظام المالي العالمي. إنها عدالة مبنية على الجدارة! جدارة الرصيد البنكي!

(يظهر شاب يحمل ملفاً): سادتي، تقرير جديد: ضحايا إبستين يطالبون بمحاكمة "الزبائن الكبار".
رئيس المجلس: (بهدوء): أرسلوا لهم قسائم هدايا من أمازون. ودعوا البنتاغون يبتكر نظرية جديدة: "الضحايا كانوا جواسيس".
الجميع: (يضحكون في تناغم): هاهاهاهاها!


المشهد الثالث: الأمم المتحدة – قاعة "الكوميديا المأساوية"

(المشهد: فرانشيسكا ألبانيز واقفة أمام قاعة فارغة. المندوبون يغطون في نوم عميق. فقط حارس الأمن يصغي.

ألبانيز: أيها السادة، لقد أرسلت رسائل إلى شركاتكم...
جهاز التسجيل: (صوت ترامب مسجلاً): عقوبات! عقوبات! عقوبات!
ألبانيز: إنهم يتواطؤون في جرائم حرب!
الحارس: (يهمس): يا سيدتي، هل تمتلكين حساباً في بنك روتشيلد؟
ألبانيز: لا...
الحارس: إذن، لا يمكنني مساعدتك. القواعد واضحة: "العدالة للذين يملكون بطاقة ائتمان بلاتينية".
ألبانيز: لكنني ممثلة الأمم المتحدة!
الحارس: (يتثاءب): الأمم المتحدة؟ هذه نكتة قديمة! الرئيس ترامب قال إنها نادٍ اجتماعي للملتين!
ألبانيز: (تصرخ): أين العدالة؟!
صوت من السماء: (يشبه صوت ترامب مختلطاً بصوت محقق تلفزيوني): العدالة في عطلة! في جزيرة خاصة! ادعُ أصدقاءك الأغنياء!


المشهد الرابع: المحكمة الجنائية الدولية – جلسة "المهزلة العالمية"

(المشهد: قضاة المحكمة يجلسون على كراسي مهتزة. على الحائط، لافتة: "ممنوع محاكمة الأقوياء – هذه قاعدة غير مكتوبة".)

القاضي الأول: اليوم، نحن هنا لمحاكمة... (ينظر إلى القائمة) ... قروي من بلدة نائية!
القاضي الثاني: ممتاز! هؤلاء لا يملكون محامين جيدين.
القاضي الثالث: ماذا عن جرائم الحرب للقوى العظمى؟
القاضي الأول: (يمسك رأسه): أوه، لا! لقد تلقيت بريداً إلكترونياً من ترامب: "إذا حاكمتموني، سأجمد بطاقاتكم الائتمانية!"
القاضي الثاني: ولدي رسالة من بنك روتشيلد: "وديعتكم البنكية... قد تتبخر".
القاضي الثالث: إذن، لنحاكم القروي! هذا هو العدل!
الجميع: (يصفقون): العدل انتصر!

(فجأة، يدخل جيفري إبستين كشبح):
إبستين: أنا لست ميتاً! أنا في مكان آمن... مثل ملف بنكي في سويسرا!
القضاة: (يهربون من القاعة): الشبح! الشبح!
إبستين: (يضحك): لا تخافوا! أنا فقط هنا لأذكركم: أنا كنت ممثل الجميع! الجميع! حتى ذلك الكلب الذي يملك حساباً بنكياً!


المشهد الخامس: الخاتمة – أغنية "العدالة الانتقائية"

(المشهد: ترامب وروتشيلد (كظل) وإبستين (كشبح) يغنون معاً على مسرح "العالم الساخر".)

الجميع: (يغنون):
العدالة انتقائية، مثل قائمة طعام!
اختر من تشاء، ودع الضعفاء يبكون!
ترامب يفرض العقوبات، روتشيلد يملك الذهب!
وإبستين... كان ممثلاً، قصة تروى في الخفاء!
الضحايا؟ آه، من هؤلاء؟
هم فقط أرقام في بحر القضاء!
إذا كنت غنياً، فالقانون حليفك!
وإذا كنت فقيراً، فالسجن مصيرك!

الجمهور: (يضحك ثم يبكي): هذه ليست كوميديا... هذه حقيقة!
المخرج: (يظهر من وراء الستارة): نعم! هذه حقيقة! ولكننا نضحك لكي لا نجن! العالم هو مسرح، والقضاة ممثلون، والأغنياء هم كتاب السيناريو!
الجميع: (يصفقون): أوه!

(يغلق الستار، ويظهر شعار: "العدالة العالمية – متاحة فقط لأعضاء النادي".)


ملاحظة الكوميديان المجهول:
هذه المادة ساخرة، ولكنها تعكس واقعاً مراً: العدالة التي تتحول إلى أداة في أيدي الأقوياء. ترامب، روتشيلد، إبستين – كلهم رموز لنظام يضحك على الضحايا. لكن الضحك سلاحنا! فلنضحك، ولنكشف الزيف! ولنطالب بعدالة حقيقية، لا انتقائية!

النهاية.


.......


كلمة في زمن الإفلات: السلطة، القانون، ومآلات العدالة المعلَّقة

(مقدمة: السُّلْطَةُ تُحاكِمُ نَفْسَهَا)

في فَلَكِ التاريخِ البشريّ، قلَّما تظهرُ لحظاتٌ تكونُ فيها بنيةُ النظام العالميّ عاريةً إلى هذا الحدّ، منكشفةَ الأعطاب، واضحةَ التناقض. إنها اللحظةُ التي يُصبحُ فيها القانونُ، بكلّ ما يحمله من رمزية "الحياد" و"العدالة الكونية"، مجرد ستارٍ مُهترئٍ يختبئُ خلفه منطقُ القوةِ الصرف، والسلطةِ التي لا تعترفُ بمرجعيةٍ سوى مصلحتها المُطلقة. خبرٌ كالذي ورد، عن محاولةٍ يائسةٍ لإيقافِ آلةِ العدالةِ في قضيةٍ تمسُّ شخصاً كان يمسكُ بمقاليدِ السلطة الأولى في قلب الإمبراطورية، ليس حدثاً عابراً. إنه عَرضٌ مرضي، وليس مرضاً بذاته. إنه النتيجةُ الحتميةُ لنسقٍ عالميٍّ قائمٍ على التراتبيةِ البنيوية، حيث توجد مراكزُ تُشرعِنُ أفعالَها، وأطرافٌ تُجَزَّأُ وتُقْتَلُ وتُحْكَمُ عليها بالإفلاتِ من جهة، والعقابِ الدائم من جهةٍ أخرى.

إنّ منعَ العدالةِ من أن تأخذَ مجراها في قضيةٍ كهذه، هو إعلانٌ صارخٌ عن نهايةِ الوهم. وهمُ أنَّ النظامَ القائمَ قادرٌ على محاكمةِ ذاته، أو أنَّ العدالةَ في العالم المُوحَّدِ باقتصاد السوق، يمكن أن تكون "مُحايدة". إنه يكشفُ أنَّ "القانون"، في دوائر السلطة العليا، ليس سوى لغةٍ من لغاتِ التفاوضِ على العقاب، أو وسيلةٍ لترتيبِ الفَوضى وتنظيمِ الامتياز. وهنا، لا يمكن فصلُ هذا المنعِ عن مشهدين آخرين يُمثلان ذروةَ اللامساواةِ في المعاناة وفي العقاب: الإبادةُ الجماعيةُ البطيئةُ والسريعةُ التي يتعرضُ لها الشعبُ الفلسطيني الأصيل في غزة، حيث يُمارَسُ القتلُ علناً تحت شعاراتٍ قانونيةٍ مُزوَّرة، ومحاولاتُ الإفلاتِ من العدالةِ في قضايا الجريمةِ الجنسيةِ المُنظمةِ في جزرِ العزلِ والاستثناء (كما في جزيرة أبستين)، حيث يختلطُ المالُ الفاحشُ بالسلطةِ المُطلقةِ بالجريمةِ المُطلقة.

هذه الأحداثُ، رغم تبايُنِ جغرافياتِها وضحاياها، ليست منفصلةً. إنها حلقاتٌ في سلسلةٍ واحدةٍ يَصْهَرُها منطقٌ واحد: منطقُ الهيمنةِ المركزيةِ التي تُعيدُ إنتاجَ نفسها عبر آليتَين مُزدوجتَين: إفلاتُ المجرمين في المركز، وإفلاتُ المركزِ من عقابِ جرائمه في الأطراف. إنها الثنائيةُ الكبرى التي تَحْكُمُ عالمنا: ثنائيةُ "القابلِ للمحاكمة" و"غيرِ القابلِ للمحاكمة"، والمحددُ الوحيدُ هو موقعُ الفاعلِ في السُّلَّمِ الهرميِّ للنظام العالميّ.

(الفصل الأول: الإطار النظري: الهيمنة، التبعية، وإنتاج "القانون" و"اللاقانون")

لننظرْ إلى هذه الأحداثِ عبر عدسةِ التحليلِ البنيويّ الذي يرى العالمَ نظاماً مُترابطاً، تُحدِّدُ فيه علاقاتُ القوةِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ شكلَ العلاقاتِ القانونيةِ والاجتماعية. فهناك مركزٌ مُهيمِنٌ يملكُ قدرةَ صياغةِ القواعدِ وتصديرِها، وأطرافٌ تابعةٌ تَستهلكُ هذه القواعدَ غالباً، وتُطبِّقُها على نفسها أحياناً بقسوةٍ أكبر. داخلَ هذا الإطار، فإنَّ "القانون" الذي تُنتجه وتحميه دولُ المركز، ليس أداةً للعدالة المجردة، بل هو أداةٌ لإدارةِ الهيمنة. فهو، من جهة، يُشَرْعِنُ ويُنَظِّمُ سيرَ آلةِ الاستغلالِ العالميّ (من خلال قوانين التجارة، الملكية الفكرية، الديون). ومن جهةٍ أخرى، فهو يُوَجَّهُ داخلياً لاحتواءِ الصراعاتِ الطبقيةِ والاجتماعيةِ داخل المركز نفسه، مُقدماً وهمَ المساواةِ أمام القانون.

ولكن، حينما تُهدَّدُ النُّخَبُ المهيمنةُ داخل المركز نفسِه، أو حينما تُمارسُ دولُ المركزِ عنفاً صريحاً خارجَ حدودها، فإنَّ هذا القانونَ يُعلَّق، أو يُلْغَى، أو يُخْتَرَقُ بوقاحة. ينشأُ عندئذٍ ما يمكن تسميتُه "اللاقانون السيادي". هذا اللاقانون له مستويان:

1. مستوى خارجي (الأطراف): حيث تُمارسُ القوةُ العارية، ويُختَزَلُ القانونُ الدوليّ إلى مجردِ خطابٍ دعائيٍّ أو ذريعةٍ للتدخل. جرائمُ الإبادةِ في غزة هي النموذجُ الأكثرُ قسوةً هنا. القانونُ يُستدعى لوصفِ الضحيةِ بالإرهاب، ويُتعامى عنه عندما تُقصفُ المستشفياتُ وتُحاصرُ المدن. العدالةُ مُعلَّقةٌ لأنَّ الجاني هو من يملكُ حقَّ تعريفِ الجريمةِ والضحايا. إنها "تبعية العدالة" في أقسى صورها: عدالةُ الضعيفِ تُعلَّقُ إلى الأبد، وجريمةُ القويِّ تُحوَّلُ إلى حقٍّ دفاعٍ عن النفس. إنَّ استمرارَ الإفلاتِ من العقابِ هنا يُعيدُ إنتاجَ علاقةِ التبعيةِ ذاتها، فهو يُرسِّخُ رسالةً مفادها أنَّ بعضَ الأرواحِ أرخصُ من غيرها، وأنَّ دماءَ الشعبِ الفلسطينيِّ، كشعبٍ أصيلٍ يواجه مشروعَ استعمارٍ استيطانيّ، هي خارجَ حساباتِ القانونِ الدوليِّ الفعليّ.
2. مستوى داخلي (المركز): حيث تُخلَقُ جيوبٌ من الحصانةِ القانونيةِ لخدمةِ النخب. جزيرةُ أبستين هي النموذجُ الماديُّ والرمزيُّ لهذا الجيب. إنها ليست مكاناً جغرافياً فحسب، بل هي فضاءٌ قانونيٌّ موازٍ، "خارجَ القانون" لأنه فوقَ القانون. هناك، تلتقي سلطةُ المالِ اللامحدودِ مع سلطةِ النفوذِ السياسيِّ والاجتماعيّ، لخلقِ دائرةٍ مغلقةٍ من الإفلات. الجريمةُ الجنسيةُ المُنظمةُ هنا ليست شذوذاً، بل هي تعبيرٌ عن جوهرِ علاقةِ القوةِ في هذا النظام: القويُّ يستهلكُ الضعيفَ، والمالُ يشتري الصمتَ والحصانة. محاولاتُ منعِ العدالةِ في قضايا تتعلقُ بشخصياتٍ من هذا العالم، كما في الخبرِ المذكور، هي دفاعٌ عن هذا الفضاءِ الموازي. إنها محاولةٌ للحفاظِ على حرمةِ "اللاقانون السيادي" داخلَ القلبِ النابضِ للإمبراطورية نفسِها. الإفلاتُ هنا هو امتيازٌ طبقيّ-سلطويّ، يُظهرُ أنَّ "سيادة القانون" داخلَ المركز نفسِه لها حدودٌ تُصادفُ فيها مصالحَ الطبقةِ الحاكمة.

هذان المستويان يتغذيان من نفسِ المنبع: منطقُ الهيمنةِ الذي يرفضُ الخضوعَ لأيةِ محاسبةٍ خارجيةٍ أو داخليةٍ حقيقيةٍ تُهدِّدُ بنيته. إنَّ منعَ محاكمةِ سياسيٍّ بارزٍ في قضيةٍ جنائية، هو الشقيقُ القانونيُّ لرفضِ محاكمةِ قادةِ جيشٍ عن جرائمِ حربٍ مُوثقة.

(الفصل الثاني: غزة وجزيرة أبستين: وجها العملةِ الواحدة)

قد يبدو للمُشاهدِ السطحيِّ أنَّ مشهدَ الدمارِ في غزة، ومشهدَ الفُضُوحِ الجنسيةِ في جزيرةٍ خاصة، ليس بينهما رابط. ولكنْ، عبر عدسةِ التحليلِ البنيويّ، نجدُهما تعبيرَين عن نفسِ المنطقِ الاستعماريِّ الاستهلاكيّ.

· غزة كـ"جزيرة" مُحتلة: غزة، في الحقيقة، هي النقيضُ المأساويُّ لجزيرة أبستين. فهي أيضاً "جزيرةٌ" معزولةٌ بحصارٍ بريٍّ وبحريٍّ وجويّ، ولكنها جزيرةُ سجنٍ جماعيّ، وليست جزيرةَ متعةٍ خاصّة. في الأولى، يُمارسُ العنفُ بإجراءاتٍ عسكريةٍ وقانونيةٍ مزيفةٍ تُعرِّفُ الإنسانَ الفلسطينيَّ كتهديدٍ وجوديّ، مما "يُشرعِن" إبادتَه. الضحايا هنا مُجردةٌ هويتُها، تُختَزَلُ إلى أرقامٍ وإلى مصطلح "أضرارٍ جانبية". القانونُ مُستحضَرٌ لتبريرِ القتل، لا لمنعه.
· جزيرة أبستين كـ"غزة" النُّخَب: جزيرة أبستين هي فضاءُ المتعةِ المُطلقةِ للقادرين على شراءِ كلِّ شيء، بما في ذلك أجسادُ الآخرين وقانونُ الدولة. الضحايا هنا، وإن كانوا من داخل المجتمعات الغربية غالباً، يأتون من هوامشِ المجتمع: فتياتٌ فقيراتٌ، ناشطاتٌ صغيراتٌ، مُهمَّشات. العنفُ هنا جنسيٌّ ورمزيّ، يُمارسُ في الخفاء، لكنه مُدعومٌ بشبكةٍ من المالِ والنفوذِ التي تشبهَ في تماسكِها وجبروتِها آلةَ الحرب. القانونُ هنا مُستدعى ليُخمدَ الفضيحةَ ويُطيلَ أمدَ الإفلات.

الرابطُ العميقُ هو استباحةُ الجسدِ "الآخر". في غزة، الجسدُ الفلسطينيّ مُستباحٌ للقنبلةِ والصواريخِ والجوعِ والأمراض. إنه استباحةٌ جماعيةٌ علنية، تُبرَّرُ أيديولوجياً بـ"الأمن" و"الحقّ التاريخيّ". في جزيرة أبستين، الجسدُ الأنثويُّ الشابُّ (والضعيفُ اجتماعياً) مُستباحٌ للرغبةِ المُتحكِّمةِ والمشترَكة. إنه استباحةٌ فرديةٌ سرية، تُبرَّرُ مادياً بسلطةِ المال. في الحالتين، يتحوّلُ الضحايا إلى مجردِ أدواتٍ أو عوائق، تُستهلكُ أو تُتلف. وفي الحالتين، يُبدعُ النظامُ في إيجادِ آلياتٍ لإفلاتِ الجناة: في الأولى عبرَ خطابٍ أمنيٍّ عنصريٍّ ودعمٍ دوليٍّ سياسيّ، وفي الثانية عبرَ شبكةِ محامينٍ وعلاقاتٍ وفسادٍ مؤسسي.

محاولةُ منعِ العدالةِ في قضيةِ شخصيةٍ سياسيةٍ كُبرى تتقاطعُ مع شبكة أبستين، هي محاولةٌ لتوسيعِ دائرةِ الإفلاتِ من الجزيرةِ الخاصةِ إلى قاعاتِ المحاكمِ الفيدرالية. إنها إشارةٌ إلى أنَّ حصانةَ "اللاقانون السيادي" يجب أن تُحمى حتى عندما تخرجُ أسرارُه إلى العلن.

(الفصل الثالث: الخبر المُحدَّد: عندما تهدُفُ السلطةُ آلتَها القضائيةَ نحو نفسها)

هنا يأتي دورُ الخبرِ الذي أُشيرَ إليه. خبرُ محاولةِ عرقلةِ أو تعليقِ إجراءاتِ العدالةِ في قضيةٍ تخصُّ شخصاً مثل ترامب، هو أكثرُ من تطورٍ قانونيّ. إنه عرضٌ تعليميٌّ حيّ لآلياتِ النظام.

1. فضحُ هشاشةِ "الدولة الدستورية": يُظهرُ الخبرُ كيف يمكنُ للسلطةِ السياسيةِ، خاصةً عندما تختلطُ بمصالحِ رأسِ المالِ الكبيرِ والتحالفاتِ غيرِ المقدسة، أن تُشوِّهَ المسارَ القضائي. الدعاوى والمماطلاتُ والضغوطُ السياسيةُ والإعلاميةُ، كلُّها أسلحةٌ في ترسانةِ منْعِ المحاسبة. إنها تُذكرنا بأنَّ الفصلَ بين السلطات، في لحظاتِ الأزماتِ الحقيقيةِ عندما تُهدَّدُ مصالحُ النخبةِ العليا، يمكن أن ينهارَ أو يُختَزَلَ إلى مسرحية.
2. تواطؤُ البنى المؤسسية: لا تحدثُ محاولاتُ العرقلةِ في فراغ. إنها تتطلبَ شبكةً من المحامينَ المخلصين، وعلاقاتٍ داخلَ أجهزةِ الدولة، وتسامحاً أو خوفاً ضمنَ أجزاءٍ من النظامِ السياسيّ. هذا التواطؤُ، حتى وإنْ كان سلبياً، هو الذي يُتيحُ إدامةَ الإفلات. وهو نفسُ التواطؤِ الذي يسمحُ باستمرارِ دعمِ الإبادةِ في غزة عبرَ التمويلِ العسكريِّ والدبلوماسيِّ غيرِ المشروط.
3. صناعةُ الضبابيةِ والملل: الهدفُ من هذه المعاركِ القانونيةِ المُتعمَّدةِ التعقيدَ ليس الفوزَ بالضرورة، بل إرهاقُ فكرةِ العدالةِ نفسِها. عبرَ إطالةِ أمدِ الإجراءاتِ وتعقيدِها، تُصبحُ القضيةُ في نظرِ الرأيِ العامِّ فضيحةً مُملةً ثم شيئاً من الماضي. يُحَوَّلُ السعيُ للحقيقةِ والمساءلةِ إلى معركةٍ إجرائيةٍ لا نهائية. هذه الآليةُ تُستخدمُ ضدَّ ضحايا غزة أيضاً، حيث تُغرقُ القضيةُ في بحرٍ من اللجانِ والتقاريرِ غيرِ الملزمةِ والتحقيقاتِ المزورة، حتى يُصبحَ الحديثُ عن العدالةِ ضرباً من السذاجة.

إنَّ الخبرَ، بهذا المعنى، هو حلقةٌ في سلسلةِ الحصانة. فهو يؤكدُ أنَّ الطبقةَ الحاكمةَ العالميةَ، وفي قلبِها أقوى دولة، ترفضُ أن تُطبَّقَ عليها نفسُ المعاييرِ التي تُطبِّقُها هي، أو تُجبرُ الآخرين على تطبيقِها. إنها تُعلنُ نفسَها فوقَ التبعيةِ القانونية التي تفرضُها على العالم.

(خاتمة: نحو عدالةٍ متحررةٍ من ربقةِ التبعية)

ما نراهُ في غزة، وفي جزيرة أبستين، وفي قاعاتِ المحاكمِ حيثُ تُعرقلُ قضايا كُبرى، ليس فشلاً عَرَضياً للعدالة، بل هو نجاحٌ مُمنهَجٌ لمنطقٍ عالميٍّ يقومُ على التمييزِ البنيوي. إنه نظامٌ يُنتجُ الظلمَ ويُديرُه ويُؤجِّلُ المساءلةَ عنه إلى ما لا نهاية.

ولكن، كشفُ هذه الآليةِ هو البداية. إنَّ فضحَ الارتباطِ العضويِّ بين إفلاتِ مجرمي الحربِ في الأطرافِ وإفلاتِ مجرمي السلطةِ والمالِ في المركز، يُضعفُ شرعيةَ النظامِ بأكمله. إنه يُظهرُ أنَّ معركةَ العدالةِ للشعبِ الفلسطينيِّ هي جزءٌ من معركةٍ عالميةٍ ضدَّ طبقةٍ من المُفْلِتين من العقاب، تربطُ بين جنرالاتِ الاحتلالِ ومالكي الجزرِ الخاصةِ والسياسيين الفاسدين.

العدالةُ الحقيقيةُ لا يمكن أن تتحققَ في عالمٍ تُحدَّدُ فيه الحقوقُ والجزاءاتُ بحسبِ موقعِ الفردِ أو الدولةِ في هرمِ التبعية. لذلك، فإنَّ النضالَ من أجلِ محاكمةِ مجرمي غزة دولياً، والنضالَ من أجلِ كشفِ الحقيقةِ ومحاسبةِ كلِّ المتورطين في فضائحِ الجريمةِ المنظمةِ في قلبِ الدولِ الغربية، ليسا نضالَين منفصلَين. إنهما وجهان لنضالٍ واحد: نضالٌ من أجل عدالةٍ لا تتبعُ منطقَ المركزِ والأطراف، بل تتبعُ منطقَ الكرامةِ الإنسانيةِ الواحدة. عدالةٌ ترفضُ أن تكونَ سلعةً يُتفاوضُ عليها، أو أداةً تُوجَّهُ انتقائياً. عدالةٌ تكونُ رادعةً للقويِّ قبلَ الضعيف، وحاميةً للمهمَّشِ في غزة كما للضحيةِ في الجزيرةِ الخاصة.

عندما يُمنعُ سيرُ العدالةِ في قضيةٍ كبرى، كما في الخبر، فإنَّ الصرخةَ التي يجبُ أن تعلوَ ليست صرخةَ استغرابٍ فحسب، بل صرخةُ تذكيرٍ بوحدةِ المصير. مصيرِ شعبٍ يُبادُ في غزة، ومصيرِ ضحايا يُستغلُّون في جزرِ العزلة، ومصيرِ مبدأِ العدالةِ نفسه الذي يتحولُ إلى أسيرٍ في زنزاناتِ المصالحِ والامتياز. إنَّ تحريرَ العدالةِ من هذا الأسرِ هو الشرطُ الأولُ لأيَّةِ إنسانيةٍ مستقبليةٍ ممكنة.

فليكنْ هذا المنعُ الأخيرُ دليلاً لا على قوةِ النظام، بل على خوفِه. خوفِه من يومٍ تنكسرُ فيه حواجزُ التبعية، وتُحاسبُ فيه كلُّ الجرائمِ بمعيارٍ واحد، هو معيارُ الدمِ والبكاءِ والألمِ الإنسانيّ، الذي لا يعرفُ مركزاً ولا طرفاً، ولا يفرقُ بين شرقٍ وغرب، إلا بين ظالمٍ ومظلوم، وجلادٍ وضحية. ذلك اليومُ لن يأتي من حسنِ نيةِ النظام، بل من انهيارِ شرعيتِه تحت وطأةِ تناقضاتِه، وصمودِ الذاتِ المقهورةِ التي ترفضُ، في غزة وفي كلِّ مكان، أن تكونَ مجردَ حاشيةٍ على هامشِ تاريخِ المُفْلِتين.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي ...
- استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
- فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
- أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
- محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
- نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
- كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج ...
- الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا ...
- سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا ...
- إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
- خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
- من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
- نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري ...
- نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر ...
- صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
- كتاب نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...
- سادة الخريطة وعبيد الجغرافيا
- الجسران الجويان إلى طهران: جغرافية القوة ورهان الاستراتيجيات ...
- كتاب :نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية ...


المزيد.....




- -قدرات إيرانية مرعبة بإطلاق صواريخ من تحت البحر-.. هذه حقيقة ...
- أخبار اليوم: ترامب يدعو مجلس السلام لجمع الأموال لإعمار غزة ...
- إيران: دولة متعددة الأعراق تعصف بها صراعات داخلية
- ويتكوف يزور حاملة الطائرات لينكولن وإيران تتمسك بالتفاوض وتص ...
- كرنفال البندقية 2026.. كيف تعيش أجواء الاحتفال دون إنفاق ميز ...
- الاحتلال يطلق النار على معتقل في غور الأردن ومستوطنون يصيبون ...
- رئيس إقليم أرض الصومال لا يستبعد منح ميناء لإسرائيل
- أردوغان: اتخذنا مع ملك الأردن قرارات مهمة
- -ضرب والده فأرسله للمنفى-.. حارس نتنياهو السابق يكشف كواليس ...
- وزير الخارجية الصومالي: وثائق إبستين تفضح تدخلات خارجية في ق ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - احمد صالح سلوم - روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبراطورية المنحطة