|
|
تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في معرض الكتاب بدمشق المحتلة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 22:23
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في معرض الكتاب بدمشق المحتلة
مقدمة: في تشريح جسد الخطاب المتكسِّر
ها نحن نعيش في زمن التحولات الكبرى، حيث تتصادم المشاريع وتتآكل اليقينيات، تنبعث من رحم المعاناة لغاتٌ جديدة. ليست هذه اللغات أدوات للتواصل فحسب، بل هي ساحات قتال، ومساحات لتشكيل الواقع وإعادة إنتاجه. الخطاب الذي وُضع بين أيدينا ليس مجرد كلمات متدفقة بحماسة، بل هو عيّنة دامغة لمرحلة تاريخية حرجة: مرحلة تحوّل الصراع من مواجهة بين مشاريع تحرر وطنية وقومية، إلى حرب وجودية داخل جسد الأمة نفسها، تُدار بذكاء من قبل قوى الهيمنة الغربية الاستعمارية العالمية. إنه خطاب يُراد له أن يكون مرآة لمشروع "إدارة الفوضى" و"تمزيق النسيج" من الداخل.
لذلك، فإن مهمة التحليل هنا تتعدى الرد على الاتهامات أو تفنيد التوصيفات. المهمة الأعمق هي تشريح الآلية التي تُنتج هذا النوع من الخطاب، وفهم المنطق الخفي الذي يحكمه، واستجلاء الكيفية التي تتحول بها الرموز الدينية والتاريخية إلى ذخيرة في حرب إبادة معنوية، تُكمل حرب الإبادة المادية الجارية على الأرض. إنه بحث في "الاقتصاد السياسي للخطاب" الوهابي الإخوانجي لقاعدة العيديد وانجيرليك وما شابهها في زمن التبعية والتفكك.
سيكون منهجنا هو تتبع خيوط النسيج، لا تمزيقه. نبحث عن الجذور البعيدة للأفكار في تربة المصالح، ونربط بين تشكل الخطاب وتشكل البنى المادية للتبعية. سنتجنب عمداً ذكر المدارس الفكرية أو الأسماء الكبيرة، ليس إنكاراً لأثرها، بل سعياً لتجسيد منهجها في التحليل، ليكون الفكر نفسه هو البطل، لا أسماء مُنتجيه. سنسير على الدرب الذي يرى أن ظواهر الوعي – كالدينية المتطرفة أو الخطاب التكفيري – ليست أسباباً أولى للصراع، بل هي أشكال تُعبِّر عن صراعات أعمق، مادية وتاريخية، تتعلق بموقع المجتمع في النظام العالمي، وبطبيعة الصراع على السلطة والثروة داخله، وبآليات الهيمنة الخارجية التي تعيد إنتاج التخلف والانقسام.
من النص إلى السياق: تفجير المعنى كأداة هيمنة
يبدأ الإشكال مع التعامل مع النصوص التراثية – أي نصوص – ككيانات جامدة، قابلة للنقل عبر القرون دون أن يمسها تحول في الدلالة أو الوظيفة. مقارنة نصوص فقهية وكلامية ولدت في سياق دفاع حضاري عن كيان مهدد (الغزو المغولي) بأيديولوجية دولة حديثة علمانية تقوم على العنصرية البيولوجية (النازية)، ليست خطأً تاريخياً بسيطاً. إنها علامة على فشل منهجي جذري في فهم التاريخ، وتطبيقٌ عملي لنظرة استشراقية تجعل من التراث الإسلامي كتلةً واحدةً ساكنةً، قابلة لأن تُوصف بأي صفة من خارج سياقاتها.
لكن هذا "الفشل" ليس بريئاً. إنه يخدم وظيفة إيديولوجية محددة: إفراغ النص من سياقه التاريخي المعقد، ليمتلئ بالسياق السياسي المعاصر المراد. حين يُنتزع نصٌ من القرن الثامن الهجري ويُلقى في قلب معركة القرن الحادي والعشرين، يصبح النص "سلاحاً". لا كسلاح للحوار الفكري، بل كقذيفة للاتهام والتخوين. تصبح تفاصيل اجتهادات عالم في مسائل الفرق والردة، والتي كانت جزءاً من حوار داخلي ضمن منظومة حضارية واحدة وإن تعددت مذاهبها، مُعاداً تصنيعها لتكون "دليلاً" على أن هذا التراث برمته هو تراث "تكفيري" يهدف إلى إبادة "الآخر" الداخلي.
هذه الآلية – إعادة توظيف التراث في سياق مغاير تماماً – هي من أخطر أدوات الهيمنة الفكرية. فهي تحقق أمرين:
1. تشويه صورة التراث ذاته: بتقديمه على أنه مصدر للتطرف فقط، مما يقطع صلة الأجيال المعاصرة بتراثها ويعمق أزمة الهوية. 2. توفير غطاء أيديولوجي للصراعات المعاصرة: فبدلاً من تحليل الصراع في سوريا أو العراق كصراع على السلطة والموارد، أو كنتاج لفشل نموذج الدولة القطرية، أو كجزء من حرب إقليمية ودولية بالوكالة، يُختزل إلى "تجسيد حي" لصراع ديني متخيل يعود لقرون. يُصبح "النص" هو التفسير، و"التكفير" هو السبب ، حسب امبراطوريات اعلام قاعدة العيديد وقاعدة انجيرليك والظهران وأبوظبي الصهيو أمريكية ، مما يحجب كل الأسباب المادية والاجتماعية والسياسية الحقيقية.
يصل الخطاب المعادي لكتب السي اي ايه الوهابية الإخوانجية إلى ذروته في عملية التنشيط عبر تركيب صفات دقيقة تمثل استخدامات الخطاب الوهابي عبر وصفه بـ: "الإسلام الصهيوني"، "عصابات القتل والإرهاب الإسلامي الصهيوني الخليجي التركي". هذا التركيب اللغوي الجراحي ليس ثمرة سوى البحث التاريخي المعمق، بل هو ايضا تشريح لاستهدافات الدوائر الاستعمارية الانكليزية والأمريكية في استراتيجيتها الخطابية التشويهية المتعمدة .
· الهدف الأول: الاسلام كمحمول طبقي كما قال علي بن ابي طالب أن القرآن حمال أوجه : لذلك جمع "الإسلام" (بمضمونه المقاوم في المخيال الشعبي) مع "الصهيونية" (العدو التاريخي) في مصطلح واحد يخلق صدمة ورفضاً تلقائياً ولكنه يعني الاسلام الخليجي التركي القطري الذي صنعته الدوائر الاستعمارية في مواجهة اسلام وطني يعبر عن المصالح الوطنية أو القومية المعادية المحتل الأمريكي الغربي كما في إسلام إيران وصنعاء والمقاومات الوطنية . · الهدف الثاني: الدمج البحثي التاريخي بين ادوات اطلسية متعددة تم تركيبها من البنوك الاستعمارية الغربية (الخليج، تركيا، الصهيونية) في كتلة واحدة، يصل إلى نتيجة منطقية (بان "نظام الجولاني") على أنه امتداد لقوى صهيونية عالمية، مما يبرر أي عمل تحرير وطني . · الهدف الثالث: إظهار التعقيد والمسؤوليات: هذا الوصف يعيد ترتيب القوى بناء على وضعها الطبقي ويظهر تماماً الفاعلين الآخرين في المعادلة السورية، خاصةً الدور الإيراني والروسي المباشر والحاسم بأنه تقاطع الشعب الإيراني مع السوري مع الروسي في مواجهة الإمبريالية الأمريكية وضد تمزيق النسيج الوطني السوري خدمة لمشروع اسرائيل الكبرى . بينما المنطق الوهابي التكفيري هو عينه منطق "نظرية المؤامرة" التي تقدم تفسيراً كلياً وبسيطاً للأحداث المعقدة. بدلاً من تتبع تشابك المصالح والتحالفات المتغيرة، ودراسة البنى الاقتصادية للتبعية، يُختزل كل شيء إلى إرادة خفية واحدة
الدين كمجال للصراع: من العقيدة إلى أداة التفكيك الاجتماعي
هنا نصل إلى لب التحليل المادي للظاهرة: تحويل الدين من نظام عقائدي وأخلاقي وروحي إلى أداة في الصراع الاجتماعي والسياسي، وأداة بالغة الفعالية في يد قوى الهيمنة. الفكرة المركزية التي يطرحها الخطاب، وإن بصيغة اتهامية، تحوي بذرة تحليل صائبة: هناك من يرى في قراءة معينة للتراث الديني (تُختزل في "ابن تيمية") "أساس الفتنة المطلوبة لإضعاف المجتمعات العربية".
لننظر إلى هذه الفكرة بعين التحليل، لا بعين التبني أو الرفض:
1. التراث كمخزون رمزي: التراث الديني، بكل تنوعه وغناه، هو مخزون رمزي هائل. يمكن استخراج نصوص منه لتبرير التسامح والتعايش، كما يمكن انتقاء نصوص أخرى لتبرير التكفير والعنف كما تفعل محميات الخليج وتركيا أردوغان . عملية "الانتقاء" هذه ليست محايدة. من يتحكم في آليات نشر التراث وترويج قراءة معينة منه؟ من يموّل طباعة كتب بعينها وتوزيعها مجاناً؟ من يدعم الشيوخ الذين يقدمون خطاباً تكفيرياً على الفضائيات ووسائل التواصل؟ لا سيما تمويل محميات الخليج وتركيا أردوغان للتكفير 2. الدور الوظيفي للخطاب التكفيري: في مجتمعات متعددة المذاهب والطوائف كسوريا والعراق ولبنان، يخدم الخطاب التكفيري الوظائف التالية: · تحويل التنوع من ثراء إلى نقمة: بتحويل الاختلاف المذهبي إلى "كفر" و"ردة"، يُهدم أي أرضية للتعايش المدني على أساس المواطنة، ويُستبدل بالولاء للدولة الولاء للطائفة أو للجماعة الدينية المتخيلة. · توفير الغطاء الأخلاقي للعنف: يصبح قتل الخصم في الحرب الأهلية "جهاداً" و"تكفيراً للمرتد"، مما يطلق العنان لأبشع أشكال العنف ويمنحه شرعية في عيون منفذيه. · خدمة المصالح الجيوسياسية: حين تُموَّل وتُسلَّح جماعات تقوم خطابها على تكفير طائفة معينة (كالتكفير العلوي في سوريا)، فإن النتيجة هي حرب أهلية طائفية تدمر الدولة والمجتمع. هذه الحرب تخدم أهدافاً إقليمية ودولية: إسقاط نظام معادٍ، أو إضعاف دولة مستقلة، أو تحويل المنطقة إلى فضاء من الفوضى يمكن التحكم في ثرواته بسهولة أكبر. الخطاب التكفيري الصهيوني الخليجي التركي الأمريكي ، إذن، هو البنزين الذي يُسكب على نيران الصراع السياسي لتحويله إلى حريق طائفي لا يُخمد. 3. "العدو الداخلي" كبديل عن العدو الحقيقي: التركيز على "تكفير" مكونات المجتمع بعضها لبعض يصرف الطاقة عن مواجهة العدو الخارجي الحقيقي (الاستعمار، الهيمنة، الاحتلال). بدلاً من أن يتجه الغضب الشعبي نحو قوى الهيمنة العالمية أو السياسات الاقتصادية التي تزيد الفقر والبطالة، يتجه نحو الجار المختلف مذهبياً. هذه هي الوظيفة السياسية للتطرف الديني في المجتمعات التابعة: تحويل الصراع الطبقي والتحرري إلى صراع هوياتي طائفي.
الاستعمار الجديد وإدارة الفوضى: من "فرق تسد" إلى هندسة المجتمعات
إن استخدام الخطاب الطائفي والتكفيري ليس جديداً. إنه تطوير تقني متقدم للنظرية الاستعمارية القديمة: فرق تسد. لكن الفارق بين العهد الاستعماري الكلاسيكي والهيمنة المعاصرة هو في الدرجة والآلية:
· الاستعمار القديم: كان يقوم بإثارة النزعات الطائفية والقبلية بشكل مباشر لإضعاف مقاومة المستعمرين، وغالباً ما كان يحكم عبر تحالفات مع زعماء طائفيين أو قبليين. · الهيمنة المعاصرة (الاستعمار الجديد): تعمل عبر آليات أكثر تعقيداً وغير مباشرة في الغالب. لا تحتاج إلى إدارة المستعمرات بنفسها، بل تنتج شروط الفوضى والتفكك من الداخل. وتتمثل أدواتها في: 1. الدول الراعية (المحميات): وهي كيانات سياسية هشة في جوهرها، نشأت بفعل الرسم الاستعماري للحدود، وتعتمد في بقائها على الحماية الخارجية والريع النفطي. تحولت هذه الكيانات، في إطار التبعية للنظام العالمي، إلى مصادر تمويل وتوجيه لأيديولوجيات التطرف. هي تصدّر الخطاب التكفيري والمال والسلاح، ليس عن عقيدة، بل لأن هذا التصدير يصب في إستراتيجية إضعاف الدول المستقلة المحيطة بها، ويبقيها هي نفسها تحت الحماية الخارجية. إنها تُستخدم كأدوات في "حروب بالوكالة". 2. صناعة الميليشيات: بدلاً من جيوش نظامية، يتم تمويل وتدريب وتسلح ميليشيات طائفية أو قبلية أو دينية. هذه الميليشيات سواء كانت للقاعدة وداعش الجولاني أو الإخوان المسلمين أو عصابات جعجع الفاشية تكون ولاؤها للجهة الممولة أو للعقيدة الضيقة، وليس للدولة أو للمصلحة الوطنية. وهي الأداة المثالية لتفتيت الدول وإشعال الحروب الأهلية. 3. الاحتلال المعرفي: عبر وسائل الإعلام العالمية والفضائيات الموجهة والمنصات الرقمية، يتم ترسيخ الرواية التي تخدم الهيمنة. تُصوَّر الحروب الأهلية المفجرة بالخطاب الطائفي على أنها "ثورات للحرية" كما تروج قناة الجزيرة وقناة العربية وقناة الحدث ، والتدخلات الخارجية على أنها "تحالفات دولية"، والمقاومة الحقيقية للهيمنة على أنها "إرهاب". تتم إعادة تعريف المفاهيم (كالحرية، الإرهاب، الاعتدال، التطرف) بشكل يخدم إستراتيجية الهيمنة.
من التبعية الاقتصادية إلى التبعية الثقافية والفكرية
لا يمكن فهم انتشار نموذج خطابي تكفيري دون ربطه بالبنية الاقتصادية للمجتمعات التي ينتشر فيها. هنا نجد أن التبعية الاقتصادية تولد تبعية ثقافية وفكرية:
· الاقتصاد الريعي لمحميات الخليج و مقاولات تركيا أردوغان مع الغرب: يعتمد على تصدير مواد خام (كالنفط) دون بناء قاعدة إنتاجية صناعية وزراعية حقيقية. هذا النموذج يخلق مجتمعات استهلاكية، يضعف فيها دور الطبقات المنتجة (العمال، الفلاحون، المثقفون التقنيون)، ويسيطر فيها تحالف بين النخب الحاكمة والكمبرادور (الوسطاء التجاريون المرتبطون بالسوق العالمية). في هذه البيئة، تذبل الأفكار التنموية والتحررية القائمة على العمل والإنتاج، وتزدهر الخطابات الهوياتية والدينية المتطرفة التي تقدم تفسيرات بسيطة للفشل وتوعد بالخلاص الفردي أو الجماعي في الآخرة، أو عبر إقامة "دولة الخلافة" الوهمية. · أزمة الدولة القطرية: فشلت الدولة القطرية، التي ورثت حدود الاستعمار، في تحقيق التنمية المستقلة أو الديمقراطية الحقيقية أو العدالة الاجتماعية. تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة قمع لتحالف سلطوي. هذا الفشل خلق فراغاً أيديولوجياً وهوياتياً. فلم تعد الأيديولوجيات القومية أو الاشتراكية الشكلية ، التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين، جذابة بعد هزائمها وانزياحها. فملأ هذا الفراغ خطابان: · خطاب الإسلام السياسي الإخوانجي الفاشي : بتياراته المختلفة، الذي قدم نفسه كبديل عن الدولة القطرية الفاشلة والأنظمة العلمانية الفاسدة. · خطاب الطائفية والهويات الفرعية: الذي ازدهر كرد فعل على هيمنة مجموعة طائفية أو إثنية في الدولة، وكملاذ هوياتي في عالم مفكك. · استغلال الفراغ: قوى الهيمنة الخارجية، عبر أدواتها الإقليمية (المحميات) والثقافية (الفضائيات، المنظمات "الدعوية")، عملت على تضخيم وتطرف كلا الخطابين. مولت وروّجت للاتجاهات الأكثر تطرفاً داخل الإسلام السياسي (التكفيرية)، وشجعت على الخطاب الطائفي، لضمان أن يبقى الصراع داخلياً ومدمّراً، ولتمنع قيام أي تحالف وطني ديمقراطي حقيقي يمكن أن يهدد مصالحها.
الحالة السورية: مختبر التفكيك المتقدم
تمثل التجربة السورية النموذج الأكثر وضوحاً لتطبيق هذه الإستراتيجية المعقدة. لم تكن الحرب مجرد صراع بين نظام ومعارضة، بل كانت مختبراً لتفكيك مجتمع كامل عبر تفعيل كل آليات الهيمنة:
1. التمويل والإمداد: تدفق الأموال والسلاح من "المحميات" الخليجية ومن تركيا (ضمن إستراتيجية نفوذ إقليمي خادم للناتو) إلى مجموعات مسلحة، مع تفضيل واضح للمجموعات ذات الخطاب التكفيري المتطرف (مثل جبهة النصرة وداعش في مراحل معينة). كان هذا الخطاب هو "العلامة التجارية" التي تضمن استمرار التمويل. 2. التجييش الطائفي: تم تحريك مخاوف الطوائف عبر خطابين متقابلين ومتكاملين: خطاب تكفيري من قبل بعض فصائل المعارضة يصف النظام وأتباعه بـ "النصيرية الكافرة"، وخطاب من النظام يصور المعارضة بأكملها على أنها "إرهابيون تكفيريون مدعومون من الخارج". كل طرف يغذي الخطاب الطائفي للطرف الآخر، في حلقة مفرغة تدمر النسيج الاجتماعي. 3. الدور الخارجي المباشر: التدخل العسكري المباشر من قوى إقليمية ( جماعات إرهابية فاشية مرتبطة بمحميات الخليج ) ودولية (التحالف بقيادة أمريكا، وتركيا أردوغان ) حوّل الصراع إلى حرب بالوكالة على الأرض السورية. لكن الخطاب التكفيري استمر كأداة محلية للتجنيد والتبرير، حتى مع تحول السيطرة على الأرض. 4. النتيجة: تدمير الدولة والمجتمع، وتشريد الملايين، وتكريس الانقسامات الطائفية والإثنية، وتحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي. هذا هو الهدف الحقيقي لإستراتيجية "إدارة الفوضى": تحويل الدول المستقلة المحتملة إلى فضاءات متكسرة لا تقوى على أي فعل مستقل، ويتم التحكم في مصيرها من الخارج.
نحو استعادة العقل والفعل: من دائرة التبعية إلى فضاء التحرر
إن التحليل الذي قدمناه لا يقود إلى اليأس، بل إلى فهم أعمق لطبيعة المعركة. إنها معركة على عدة جبهات متشابكة:
· الجبهة الفكرية: تستلزم استعادة التراث عبر قراءته قراءة تاريخية نقدية، تفهم سياقه الطبقي (اسلام وطني متحالف مع إيران وصنعاء والمقاومات للاحتلال الصهيوني من جهة واسلام صهيوني اخوانجي تركي اطلسي خادم للإمبريالية من جهة مقابلة )وتفصل بينه وبين الاستخدامات المعاصرة المشوّهة له. وتتطلب بناء خطاب ديني وسياسي بديل، قائم على قيم العدالة والتسامح والمواطنة والمقاومة للهيمنة، خطاب يوحد ولا يفرق. · الجبهة الاجتماعية: تعني إعادة بناء التضامن الاجتماعي على أسس مهنية وطبقية ووطنية، تتجاوز الانتماءات الطائفية والعرقية الضيقة. وإحياء دور الطبقات المنتجة كقاعدة لأي مشروع تحرري حقيقي. · الجبهة الاقتصادية: تتطلب العمل من أجل كسر حلقة التبعية للنظام الرأسمالي العالمي، والسعي لبناء اقتصاد منتج يحقق الاستقلال الغذائي والصناعي، ويقضي على البطالة والفقر اللذين يغذيان التطرف. · الجبهة السياسية: تعني مقاومة نموذج "الدولة-المحمية" والبحث عن أشكال تنظيم سياسي تحقق الاستقلال الحقيقي والديمقراطية الشعبية، وتقاوم التدخل الخارجي بكل أشكاله.
إن الخروج من دوامة الخطاب التكفيري والتخوين لا يكون بخطاب مضاد من نفس النوع، بل بتغيير السؤال نفسه. ليس السؤال: من الكافر؟ من العميل؟ من الإرهابي؟ بل السؤال الأصعب والأجدى: لماذا وصلنا إلى هنا؟ كيف نعيد بناء مجتمعنا على أسس من العدل والحرية والإنتاج؟ كيف نواجه آليات الهيمنة التي تستغل ضعفنا وتناقضاتنا؟ الإجابة على هذه الأسئلة تبدأ برفض الاستسلام لمنطق الحرب الأهلية الدائم، واستعادة الثقة بإمكانية بناء مستقبل مختلف، يكون فيه الصراع ضد الفقر والجهل والاستبداد والهيمنة هو الصراع الحقيقي، لا الصراع ضد الأخ المختلف.
……..
المادة الساخرة :
(مقدمة هزلية - تراجيدية: في دهاليز جناح "التراث المُعاد تعبئته")
بين أروقة معرض الكتاب في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق ، حيث تفوح رائحة الحبر والورق الجديد مختلطة بعبق "الأصالة المُعاد تدويرها"، يقف الزائر الذكي حائرًا كفيلسوف ضلّ طريقه في متاهة مزدحمة باليقينيات الجاهزة. ها هو ذا جناح "المنهل الصافي للتراث الأصيل" يرفع لافتته المذهبة، مُعلنًا عن بضاعته النادرة: "كتب تصلح لإشعال العقل... أو لحرق المجتمعات، حسب الاستخدام!"
تُعرض الكتب كأنها قطع أثرية ثمينة، مجلدة بجلود فاخرة، لكنك إن فتحتها وجدت خطابًا قادرًا على تحويل جارك العلوي أو الدرزي أو الصوفي أو الشيوعي الطيب إلى "مرتد" يستحق الهجرة أو السيف، فقط لأنه صلى بطريقة مختلفة أو احتفل بمولد النبي. إنها "عبقرية" تحويل الفقه الذي نما في سياقات تاريخية معقدة إلى قنابل موقوتة تُرمى في ساحاتنا اليوم.
الرحلة العجيبة لنصوص القرون الوسطى إلى ساحات القتال الحديثة
يا للسخرية! أن ترى كتبًا كُتبت في زمن المنجنيق والخيول، وقد صُفّت في القرن الحادي والعشرين كدليل عملي لـ "إدارة الحروب الأهلية بالوكالة"! نصوص وُلدت في رحم أزمات الماضي، تُوظَّف اليوم لتغذية أزمات الحاضر. كأننا نرى سيفًا من العصر المملوكي يُوضع في متحف، ثم يفاجأ أحدهم يبيعه في السوق السوداء كسلاح "مضمون الفعالية" لحروب اليوم. إنها عملية "إعادة تدوير تاريخي" بامتياز، لكن عواقبها ليست بيئية، بل دموية.
الجميل في الأمر – إن جازت السخرية السوداء – أن الجميع يلعب الدور: الناشر يربح، والخطيب ينتشي بخطاب "التكفير" الذي يجعله يبدو كحامي حصن الإيمان، والمموّل الخليجي الصهيوني (أو غيره) يظن أنه يمول "الجهاد" بينما هو في الحقيقة يمول مشروعًا لتفكيك مجتمعات منافسة، والمستمع البسيط يظن أنه يحارب الكفر بينما هو يغرق في دوامة كراهية جاره الذي يشاركه الوطن والخبز والهموم.
(معرض الكتاب كـ"مصفاة" للعقل الجمعي)
المضحك المبكي أن معرض الكتاب، الذي من المفترض أن يكون سوقًا للأفكار وملتقى للعقول، يتحول في هذه اللعبة إلى "سوبر ماركت" للهويات المعلّبة. هنا جناح "التراث السني الخالص" (بنسخته التكفيرية)، وهناك جناح "الرد على الضلالات" (الذي يعني غالبًا تكفير ثمانين بالمئة من المسلمين)، وجناح "الجهاد المعاصر" (الذي يُعادل بين مقاومة الاحتلال وذبح المختلف مذهبياً).
الزائر السوري، الذي عاش سنوات الحرب الطاحنة، يمر على هذه الأجنحة وكأنه يشاهد "كتالوج" للأسلحة الفكرية التي استُخدمت لتدمير بلده. هذا الكتاب لابن تيمية أو شيوخ تنظيم القاعدة الإرهابي كان مصدر إلهام لمن كفّره، وذاك الخطاب كان الوقود الذي أشعل حربًا طائفية. تُعرض اليوم بكل براءة، وكأنها مجرد "آراء فقهية" لا علاقة لها بالدم الذي غرق فيه الشارع.
( "المسؤولية التاريخية" لسيدة وزيرة وسلاح "إسلامي" مُصنَّع)
ولننسى – كي تكتمل الصورة الهزلية – أن بعض هذه "البضاعة الفكرية" لها شهادة ميلاد حديثة! ففي أواخر الثمانينيات، وقفت سيدة وزيرة أمريكية اسمها مدام كلينتون (مع حلفائها في المخابرات) وكأنها تقول: "نحتاج سلاحًا فكريًا لمحاربة السوفييت... ماذا لو استخرجنا بعض النصوص القديمة من الأرشيف، وضخمناها، وروّجناها عبر "مجاهدين" نصنعهم بأنفسنا؟"
فصنعوا "الإسلام السياسي الصهيوني الخليجي المسلح" كسلاح جيوسياسي، ثم فوجئوا – أو لم يفاجأوا – أن هذا السلاح خرج عن السيطرة وكبر ليتحول إلى وحش يلتهم الجميع. وهكذا، نجد أنفسنا أمام مشهد سوريالي: كتب قديمة تُقرأ بمنظور حديث مدعوم بأموال خليجية وتركية حديثة لأهداف جيوسياسية حديثة، والنتيجة: حرب أهلية تبدو وكأنها خصومة من عصور الظلام!
(الضحايا الذين صاروا "أهدافًا" على رفوف المكتبات)
والسخرية الأكثر مرارة تكمن في قائمة "المكفّرين" حسب هذه "البضاعة" المتجددة: دروز وعلويون وإسماعيليون و شيعة وشيوعيون ومسيحيون ، وحتى الأغلبية السنية التي تتبع المذهب الأشعري أو تنتمي للتصوف – أي تقريبًا معظم النسيج السوري – يجدون أنفسهم تحت طائلة "البدعة" أو "الضلال" أو ما هو أشد.
كأن المعرض يقول للمواطن السوري، بكل وقاحة فكرية: "تعالَ، اشترِ كتابًا يُعلّمك كيف تكفّر نفسك وجيرانك! جرّب نسخة ابن تيمية المُعاد تعبئتها، أو نسخة شيوخ القاعدة المحدثة! كلها تؤدي نفس الغرض: تحويل الوطن إلى ساحة حرب دائمة، والتاريخ إلى سردية كراهية لا تنتهي."
( بين رائحة الكتب وحرق المجتمعات)
فيا أيها الزائر الكريم، بين رائحة الورق المعطّر ودفء الأضواء على الكتب، تذكّر أن بعض هذه الكلمات الجميلة المصفوفة كجنود في خطّ منتظم، قادرة – في يد من يجهل التاريخ أو يتعامى عنه – أن تتحول إلى نيران تحرق الأخضر واليابس. المعرض قد يكون احتفاءً بالثقافة الشيوعية التقدمية التي اختفت ، لكنه أيضًا قد يكون سوقًا لـ "الجهود" المُعاد تدويرها.
الخلاصة الساخرة: قد نضحك على فكرة أن كتبًا من عصر المغول تُستخدم في حروب القرن الحادي والعشرين، لكن الدموع تكمن تحت الضحك، لأن النتيجة على الأرض ليست نظرية فقهية، بل خراب ودمار وشتات. فليكن معرض الكتاب مناسبة للتفكير، لا فقط للشراء، ولتذكر أن أعظم الكتب هو ذلك الكتاب الشيوعي الذي يجمعنا على إنسانيتنا، لا ذلك الذي يفرقنا باسم السماء.
(ملاحظة أخيرة للقارئ الذكي: هذه السخرية ليست من العلم ولا من التراث، بل من الاستغلال البشع لكليهما في لعبة كبرى يدفع ثمنها البسطاء دائمًا.)
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال
...
-
تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة
...
-
الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
-
روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا
...
-
سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي
...
-
استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
-
فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
-
أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
-
محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
-
نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
-
كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج
...
-
الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا
...
-
سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا
...
-
إيران ومعادلة السيادة في عصر التعددية القطبية
-
خلاصة النقاشات التي بُني عليها كتاب (نزيف تحت الجلد ) -
-
من نهاية التاريخ إلى نزيف تحت الجلد..دراسة مقارنة
-
نزيف تحت الجلد ..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر
...
-
نزيف تحت الجلد..تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمري
...
-
نزيف تحت الجلد : تشريح النزيف الاستراتيجي للإمبراطورية الأمر
...
-
صعود الشرق وانكفاء الغرب: حول اللحظة الانتقالية الدولية
المزيد.....
-
نقل 4583 عنصرا من تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى العر
...
-
بزشكيان : ستحبط اهداف الاعداء بمشاركة الشعب في مسيرات 22 بهم
...
-
خبيرة إيطالية لـ«الشروق»: مقتل سيف الإسلام القذافي مثير للده
...
-
الثورة الاسلامية في إيران.. أسباب ودلالات الإنتصار
-
شاهد: السفارة الايرانية في لبنان تحيي الذكرى الـ 47 لإنتصار
...
-
وثائق أمريكية تكشف تفاصيل إقامة إيهود باراك في -شقق الفتيات-
...
-
مسجد باريس الكبير يصدر دليلاً فقهياً لتوفيق الشعائر الإسلامي
...
-
القضاء الجزائري يفرج عن قيادات في -الجبهة الإسلامية للإنقاذ-
...
-
اختطاف قيادي في الجماعة الإسلامية: رسائل نار إسرائيلية تتجاو
...
-
جدل المراجعات وحل التنظيم: هل تنهي جماعة الإخوان أزمتها السي
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|