أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة مكتبة التحرر..دراسة مقارنة















المزيد.....



-العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة مكتبة التحرر..دراسة مقارنة


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 10:24
المحور: الادب والفن
    


في مرايا الكتب... قراءة مقارنة في بصمات الفكر

"العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" في مواجهة مكتبة التحرر



أولاً: مدخل المقارنة... حين تصير الكتابة مرآة للأمة

ليس من اليسير أن يقارن كاتب كتابه بغيره من الكتب، ولا من الموضوعية أن يزكي المرء عمله على حساب أعمال الآخرين. لكن ثمّة مقارنة لا تُقصد بها المفاضلة بقدر ما يُقصد بها التكامل، ولا يُراد منها التباهي بقدر ما يُراد منها التبيُّن. مقارنة تكشف عن خيوط الفكر الممتدة بين كتاب وآخر، وتُبصِّر القارئ بمكان العمل في خريطة الإنتاج الفكري، وتُعينه على فهم ما يقرأ من خلال ما سبقه أو عاصره من مؤلفات.

هذه المقارنة التي بين أيدينا هي محاولة متواضعة لوضع كتاب "العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" في سياقه الفكري والأدبي، عبر مقارنته بأهم الكتب التي تناولت موضوع الإعلام والهيمنة والوعي، سواء في التراث الإنساني العالمي أو في المكتبة العربية المعاصرة. صفحات، نسير فيها بين رفوف المكتبات، نتصفح العناوين، نغوص في المضامين، نستنطق النصوص، لنرى كيف عالج الآخرون ما عالجناه، وأين نلتقي معهم، وأين نفترق، وماذا نضيف إلى الحوار الإنساني حول أخطر قضايا العصر: تشكيل الوعي، وسلخ العقول، وهيمنة الإمبراطوريات الناعمة.

هذه المقارنة ليست استعراضاً أكاديمياً بارداً، ولا تجميعاً لمعلومات متناثرة، بل هي رحلة تأملية في فكر الكتّاب الذين شغلهم ما شغلنا، وأقلقهم ما أقلقنا، وألهب حماسهم ما ألهب حماسنا. رحلة نكتشف خلالها أن المعركة واحدة، وإن اختلفت الساحات والأدوات والأزمنة. وأن الفكر الإنساني، في أرقى لحظاته، هو حوار ممتد عبر الأجيال، يضيف كل جيل فيه لبنة، ويصحح فيه خطأ، ويضيء فيه زاوية مظلمة.

وسنرى، في نهاية هذه الرحلة، أن "العقل المحتل" ليس وليد فراغ، ولا صرخة في صحراء، بل هو حلقة في سلسلة فكرية طويلة، تمتد من ليبمان وتشومسكي إلى سلوم والحديثي، مروراً بمن سبقهم ومن عاصرهم. وسنرى كيف أن هذا الكتاب، رغم تشابهه مع غيره في الأهداف والمخاوف، يمتاز بخصوصية لغته، وعمق تحليله، وجرأة طرحه، وتركيزه على الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية كظاهرة فريدة تحتاج إلى تفكيك خاص.

وقبل أن نبدأ، لا بد من توضيح: هذا الكتاب، الذي يحمل عنوانين متكاملين "العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" و "إمبراطوريات الظل: سلخ العقول العربية في زمن التبعية" ، هو عمل واحد، يعبر عنواناه عن وجهين لجوهر واحد: الخوف على العقل العربي من أن يُسلخ، واليقين بأن هذه الإمبراطوريات الإعلامية تعمل في الظل لتحقيق هذا السلخ. العنوان الأول يركز على النتيجة (العقل المحتل)، والثاني يركز على الأداة (إمبراطوريات الظل). وكلاهما يعبران عن الرؤية نفسها، والهمّ نفسه، والأمل نفسه.


ثانياً: الكتب التأسيسية... من وضع اللبنات الأولى؟

أ. والتر ليبمان: الرأي العام وصناعة القبول

لا يمكن لأي حديث عن الإعلام والوعي أن يتجاوز والتر ليبمان (W-alter-Lippmann)، الصحفي والمفكر الأمريكي الذي وضع، في عشرينيات القرن الماضي، اللبنات الأولى للنظرية النقدية للإعلام. في كتابه الرائد "الرأي العام" (Public Opinion) الصادر عام 1922، طرح ليبمان أفكاراً ثورية حول كيفية تشكل الوعي الجمعي، ودور الإعلام في صناعة "الصور في الأذهان" التي تحل محل الواقع المعقد.

كان ليبمان أول من استخدم مفهوم "الصورة النمطية" (Stereotype) لوصف الطريقة التي يبسّط بها الإعلام الواقع، ويحوّله إلى قوالب جاهزة يسهل استهلاكها وهضمها. ورأى أن المواطن العادي، في المجتمع الحديث، يعيش في "بيئة زائفة" (Pseudo-environment) يصنعها الإعلام، ويتفاعل معها وكأنها الواقع الحقيقي.

ما يميز ليبمان، ويجعله قريباً من مشروع "العقل المحتل" ، هو إدراكه المبكر للعلاقة بين الإعلام والسلطة. ففي كتابه "الصحافة والسلطة" ، لم يتردد في القول إن الإعلام ليس ناقلاً محايداً للحقيقة، بل هو أداة في يد النخب الحاكمة لتوجيه الرأي العام وترويض الجماهير. وهذا ما نسميه اليوم، بعد قرن كامل، بـ"هندسة الوعي" أو "سلخ العقول".

لكن الفرق بين ليبمان وكتابنا هو أن ليبمان كان ينظر إلى المشهد من داخل الإمبراطورية، وكان همه الأساسي هو كيفية جعل الإعلام أكثر فعالية في خدمة الديمقراطية الأمريكية، بينما ينظر "العقل المحتل" من خارج الإمبراطورية، من موقع الضحية التي تتعرض للإعلام التابع، وهدفه الأساسي هو تحرير العقل العربي من هذه الهيمنة.

ب. نعوم تشومسكي: هندسة الرأي ونموذج الدعاية

إذا كان ليبمان هو المؤسس، فإن نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) هو المُنظِّر الأكبر لنظرية الإعلام الناقد في العصر الحديث. في كتابه الشهير "هيمنة الإعلام: الإنجازات المذهلة للدعاية" (Media Control: The Spectacular Achievements of Propaganda) ، الذي صدرت طبعته العربية عن دار الفكر المعاصر عام 2005، يقدم تشومسكي تحليلاً لاذعاً لآليات عمل الإعلام الغربي، وكيف يتحول إلى أداة دعاية في خدمة النخب الحاكمة.

يطرح تشومسكي في هذا الكتاب القصير لكن المكثف فكرة أن الإعلام في المجتمعات الديمقراطية لا يختلف كثيراً عن إعلام الأنظمة الشمولية، باستثناء أن أدواته أكثر تطوراً وأساليبه أكثر تمويهاً. فبدل القمع المباشر، هناك "هندسة للرأي" (Engineering of Consent) تعمل على ترويض الجماهير، وتوجيه غضبهم نحو أهداف آمنة، وإقناعهم بقبول سياسات تضر بمصالحهم.

ومن أبرز ما طرحه تشومسكي مفهوم "تفاهة الجمهور" (Trivialization of the Public) ، أي تحويل المواطنين من كائنات مفكرة تشارك في صنع القرار إلى مستهلكين سلبيين، مشغولين بالترفيه والرياضة والمشاهير، غير مكترثين بما يحدث حولهم. وهذا بالضبط ما يركز عليه "العقل المحتل" في تحليله للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، التي تكرس جهدها لإغراق الفضاء ببرامج الترفيه والمسابقات والفضائح، على حساب القضايا الجادة والمصيرية.

كتاب تشومسكي، رغم صغر حجمه (95 صفحة فقط)، يظل مرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم آليات الدعاية والإعلام. لكنه يبقى كتاباً غربياً، ينظر إلى المشهد من الداخل الغربي، ويهمُّه بالأساس نقد الديمقراطية الأمريكية. "العقل المحتل" مختلف في كونه يركز على الحالة العربية، ويكشف عن خصوصية الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية بوصفها امتداداً للإمبراطورية الغربية، ولكن بأدوات محلية وخطاب عربي.

ج. إدوارد سعيد: الاستشراق وتشويه صورة الآخر

لا يمكن الحديث عن نقد الخطاب الغربي تجاه العالم العربي دون المرور بإدوارد سعيد (Edward Said) وكتابه العظيم "الاستشراق" (Orientalism) الصادر عام 1978. هذا الكتاب، الذي أحدث ثورة في الدراسات الإنسانية، لم يتناول الإعلام بشكل مباشر، لكنه أسس لنظرية متكاملة في كيفية تشكيل الغرب لصورة الشرق، وكيف تتحول المعرفة إلى أداة سلطة وهيمنة.

ما يفعله الاستشراق، في تحليل سعيد، هو بناء "شرق" تخييلي، لا وجود له في الواقع، ثم التعامل مع هذا البناء التخييلي وكأنه الحقيقة. هذا "الشرق" المستشرَق يصبح موضوعاً للدراسة والتحليل والتحكم، بينما الشرق الحقيقي، بشعوبه وثقافاته وتاريخه، يُهمَّش ويُقصى.

هذا التحليل ينطبق تماماً على ما تفعله الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، كما يكشف "العقل المحتل" . فهي تبني "عربياً" تخييلياً: إما إرهابي متطرف، أو شيخ نفط فاسد، أو امرأة مغتصبة تنتظر الخلاص من الغرب. هذا العربي التخييلي يحل محل العربي الحقيقي، ويصبح موضوعاً للتعاطف أو الكراهية، بينما العربي الحقيقي، بقضاياه وتطلعاته ومشكلاته، يُقصى من المشهد.

"العقل المحتل" هو امتداد طبيعي لمشروع إدوارد سعيد، لكنه يركز على الإعلام بدل الاستشراق الأكاديمي، وعلى الإمبراطوريات الخليجية بدل الغرب المباشر. يحاول الكتاب كشف كيف أن هذه الإمبراطوريات تنتج "عربياً" تخييلياً يخدم مصالح الإمبراطورية، ويمنع العربي الحقيقي من الظهور.

د. هربرت شيلر: الإمبريالية الثقافية

في كتابه "الإمبريالية الثقافية" (Cultural Imperialism) الصادر عام 1976، طرح هربرت شيلر (Herbert Schiller) فكرة أن الهيمنة العسكرية والاقتصادية للغرب لا تكتمل دون هيمنة ثقافية وإعلامية. فالإمبراطورية لا تكتفي باحتلال الأرض، بل تحتل العقول أيضاً، عبر تصدير منتجاتها الثقافية والإعلامية، وفرض قيمها ورؤاها على المجتمعات التابعة.

شيلر يرى أن تدفق المنتجات الإعلامية من الغرب إلى بقية العالم ليس عملية حرة محايدة، بل هو شكل من أشكال الإمبريالية الجديدة. هذه المنتجات تحمل في طياتها رؤية معينة للعالم، وقيماً محددة، وأنماط حياة خاصة، تعمل على تذويب الثقافات المحلية وإحلال الثقافة الغربية محلها.

"العقل المحتل" يضيف بعداً جديداً على نظرية شيلر: إنه يكشف كيف أن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية تعمل كوسيط في هذه العملية. إنها تستورد النماذج الغربية، وتعيد إنتاجها بقالب عربي، ثم تصدرها إلى العالم العربي. إنها حلقة في سلسلة الإمبريالية الثقافية، ولكنها حلقة محلية، تجعل الرسائل الإمبريالية أكثر قبولاً وتأثيراً.



ثالثاً: الكتب العربية المعاصرة... من واكب المسيرة؟

أ. أحمد صالح سلوم: "العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" - الكتاب نفسه

لا يمكن الحديث عن الكتب العربية المعاصرة التي تقترب من موضوعنا دون أن نبدأ بالكتاب نفسه: "العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" للكاتب والباحث أحمد صالح سلوم. هذا الكتاب، الذي يصدر قريباً، هو ثمرة سنوات من التأمل والتحليل والنقد، وهو محاولة جادة لفهم ظاهرة الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية وتأثيرها على الوعي العربي.

سلوم يكتب من منفاه الاختياري في بلجيكا، كما يصرح في أكثر من موضع. يكتب وهو يشعر بمرارة الغربة، لكنه أيضاً يشعر بحلاوة الحرية التي تمنحها المسافة من أوطان تئن تحت وطأة الإمبراطوريات الإعلامية. يكتب ليقول إن "السكوت صار خيانة، وإن الكلمة فيما بقي من هذا الخراب قد تكون آخر معاقل الإنسانية" .

ما يميز الكتاب هو تركيزه على فكرة "الاحتلال" ذاتها: احتلال العقول كما تحتل الأراضي. إنه يرى في الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية جيوشاً لا ترتدي بزات عسكرية، لكنها تمارس أعتى أنواع الاحتلال. وهذا هو جوهر الكتاب: أن القواعد الإعلامية لا تختلف عن القواعد العسكرية إلا في أن أسلحتها الكلمات لا الرصاص.

الكتاب مقسم إلى أبواب وفصول، تتبع خيطاً واحداً من البداية إلى النهاية: من بي بي سي إلى الجزيرة، من وثائق خنفر إلى قنوات الدين، من استهداف التنمية إلى بناء البديل. إنه دراسة منهجية، مدعومة بالوثائق والشواهد، تكشف عن العلاقة العضوية بين الإعلام الخليجي والإمبراطورية الغربية.

ب. أحمد صالح سلوم: "شاهد بلا سلاح" - سيرة النضال الفردي

قبل "العقل المحتل" ، أصدر أحمد صالح سلوم كتابه الأول "شاهد بلا سلاح" ، الذي يمكن اعتباره مقدمة طبيعية للمشروع الفكري الذي اكتمل في الكتاب الثاني. في هذا الكتاب، يقدم سلوم سيرته الذاتية والفكرية، ويكشف عن تجربته الشخصية في مواجهة الإمبراطوريات الإعلامية.

"شاهد بلا سلاح" هو كتاب ، صدر عام 2025 بتجميع مقالات صدرت له في منابر إعلامية فقيرة ، ويحكي قصة كاتب قرر أن يكون "شاهداً" على عصره، مسلحاً فقط بقلمه وكلمته. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو تأمل في دور المثقف في زمن التضليل، وفي معنى الكتابة حين تصبح الكلمة هي السلاح الوحيد.

ما يميز هذا الكتاب هو صدقه وعفويته. سلوم لا يقدم نفسه كبطل خارق، بل كإنسان عادي، يحاول أن يفهم ما يجري حوله، ويكتب ما يراه، ويواجه ما يعترض طريقه. إنه يكتب عن تجربته في المنابر المستقلة الفقيرة مقابل الصحف الكبرى المموّلة بالمليارات، ويكشف عن معاناة الكاتب المستقل في زمن الإمبراطوريات الإعلامية.

هذا الكتاب يمثل الخلفية الإنسانية لـ "العقل المحتل" . إذا كان الثاني هو التحليل المنهجي الموضوعي، فإن الأول هو الشهادة الشخصية المؤلمة. وكلاهما مكمل للآخر: الشهادة تمنح التحليل دفئاً إنسانياً، والتحليل يمنح الشهادة عمقاً فكرياً.

ج. مصطفى الحديثي: "الإعلام والأمن والمخابرات – التأثير والتأثر"

في عام 2023، صدر للباحث العراقي الدكتور مصطفى الحديثي كتاب جديد بعنوان "الإعلام والأمن والمخاطرات – التأثير والتأثر" ، وهو كتاب يقترب كثيراً من موضوع "العقل المحتل" ، لكن من زاوية مختلفة.

الحديثي، كما يصف كتابه، يرى أن "في زمن الحروب الهجينة، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة نقل، بل أصبح أداة استخباراتية وأمنية تُحرّك الجيوش وتُعيد تشكيل الرأي العام" . ويضيف أن "الدول الذكية اليوم هي التي تُحسن توظيف الإعلام لتصدير الفوضى وزعزعة الاستقرار في الدول الأخرى" .

ما يميز كتاب الحديثي هو التركيز على الجانب الأمني والاستخباراتي. إنه يكشف كيف تتحوّل الكلمة إلى أداة اختراق، والصورة إلى سلاح ناعم يُستخدم في مسارح الصراع. وهذا ما يناقشه "العقل المحتل" بالتفصيل عندما يحلل وثائق ويكيليكس التي تظهر العلاقة بين قناة الجزيرة والاستخبارات الأمريكية.

لكن الفرق بين الكتابين هو في الزاوية والنطاق. الحديثي ينظر إلى الظاهرة بشكل عام، من منظور أمني وعالمي، بينما يركز "العقل المحتل" على الحالة العربية وتحديداً على الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية ومن لف لفها ،تمويلا أو خيانة . الحديثي يهتم بكيفية استخدام الإعلام كأداة استخبارية، بينما يهتم "العقل المحتل" أيضاً بالآثار الثقافية والفكرية والنفسية لهذا الاستخدام.

د. جورج طرابيشي: "نقد نقد العقل العربي" - أدوات منهجية

لا يمكن الحديث عن نقد الخطاب العربي دون المرور بجورج طرابيشي (1939-2016) ومشروعه الضخم "نقد نقد العقل العربي" . هذا المشروع، الذي امتد لعقود، لم يتناول الإعلام بشكل مباشر، لكنه قدّم أدوات منهجية حاسمة في تفكيك الخطابات المهيمنة وكشف تناقضاتها.

طرابيشي علّمنا أن النقد لا يعني الرفض المطلق، بل التفكيك والتحليل والتمييز. علّمنا أن ننظر إلى النصوص لا كحقائق مقدسة، بل كمنتجات بشرية، تحمل في طياتها تناقضات صانعيها وظروف إنتاجها. وهذا بالضبط ما يفعله "العقل المحتل" : ينظر إلى الخطاب الإعلامي الخليجي لا كحقيقة مسلَّم بها، بل كمنتج أيديولوجي، له ظروف إنتاجه، وأهدافه الخفية، وتناقضاته الداخلية.

كما أن طرابيشي ألهمنا بجرأته في نقد الكبار، وتفكيك أفكار من يعتبرهم الكثيرون مقدسين. وهذا ما يفعله "العقل المحتل" عندما ينقد قنوات مثل الجزيرة والعربية، وشيوخاً مثل يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي، وقيادات مثل وضاح خنفر.

ه. عبد الرحمن الراشد: إعلامي من الداخل

عبد الرحمن الراشد، الإعلامي السعودي المعروف والمدير السابق لقناة العربية، له كتابات متفرقة ومحاضرات حول الإعلام العربي، يمكن اعتبارها مساهمة في النقاش، وإن كانت من منظور مختلف.

الراشد، بصفته جزءاً من المؤسسة الإعلامية الخليجية، يقدم رؤية "إصلاحية" من الداخل. يعترف بوجود مشاكل وتحديات، لكنه يدافع عن دور الإعلام الخليجي في تطوير المشهد العربي، ويرى أن الانتقادات الموجهة له مبالغ فيها أو مدفوعة بأجندات سياسية.

هذه الرؤية تختلف جوهرياً عن رؤية "العقل المحتل" . فسلوم يرى في الإعلام الخليجي مشروعاً إمبراطورياً متكاملاً، يهدف إلى إبقاء المنطقة في دائرة التبعية. بينما يراه الراشد تجربة إعلامية طموحة، قد تعاني من بعض العيوب، لكنها في المجمل إيجابية ومفيدة.

هذا الاختلاف يعكس صراعاً أعمق بين رؤيتين للعالم: رؤية تنظر إلى الإعلام من منظور السلطة ورأس المال، وتسعى لتبرير وضعه الحالي، ورؤية تنظر إليه من منظور الجماهير والمستقبل، وتسعى لكشف زيفه وبناء بديل.



رابعاً: نقاط الالتقاء... ما الذي يجمع هذه الكتب؟

أ. القلق على العقل العربي

الخيط الذي يجمع كل هذه الكتب، مهما اختلفت مناهجها وتوجهاتها، هو القلق على العقل العربي. القلق من أن يُسلخ عن جسده، وأن يُفصل عن واقعه، وأن يُحوَّل إلى وعاء فارغ يملؤه الآخر بما يشاء.

هذا القلق يظهر بوضوح في عنوان "العقل المحتل" نفسه، حيث العنوان وحده يعبر عن هذا الهاجس. ويظهر في كتاب الحديثي عندما يتحدث عن الإعلام كأداة اختراق. ويظهر في كتاب تشومسكي عندما يتحدث عن هندسة الوعي. ويظهر في كتاب سعيد عندما يتحدث عن تشويه صورة الشرق.

في "العقل المحتل" ، هذا القلق هو الدافع الأساسي للكتابة. كل صفحة كتبت لأننا نخشى على العقل العربي من الضياع. كل تحليل قدم لأننا نريد أن نعي ما يحدث لنا. كل وثيقة كشفنا عنها لأننا نريد أن نحرر عقولنا من الأوهام.

ب. كشف علاقة الإعلام بالسلطة

المشترك الثاني هو محاولة كشف العلاقة الخفية بين الإعلام والسلطة. العلاقة التي تنكرها المؤسسات الإعلامية وتخفيها، لكنها حاضرة في كل قرار تحريري، وفي كل زاوية تغطية، وفي كل اختيار للضيوف.

تشومسكي كشف هذه العلاقة في السياق الغربي، والحديثي يكشفها في السياق الأمني، وسلوم يكشفها في "العقل المحتل" في السياق الخليجي، مركزاً على الخصوصية العربية.

ج. البحث عن بديل

المشترك الثالث هو البحث عن بديل. ليس الاكتفاء بالنقد والتفكيك، بل محاولة بناء شيء جديد. إعلام بديل، ووعي بديل، ومستقبل بديل.

هذا البحث عن البديل يظهر في دعوة تشومسكي إلى إعلام ديمقراطي حقيقي، وفي دعوة سلوم إلى منابر مستقلة فقيرة لكنها حرة، وفي دعوة الحديثي إلى وعي أمني وإعلامي مقاوم. وفي "العقل المحتل" ، خصص المؤلف باباً كاملاً للبحث عن البديل، مستلهماً التجربة الصينية في بناء السيادة الفكرية.



خامساً: نقاط الافتراق... أين يختلف "العقل المحتل" ؟

أ. اللغة الأدبية الشاعرية

أبرز ما يميز "العقل المحتل" عن الكتب الأخرى هو لغته الأدبية الشاعرية. لغة تستعير من القرآن والتراث والفلسفة والشعر، لتصوغ تحليلاً سياسياً وإعلامياً في قالب فني رفيع.

هذه اللغة ليست زينة خارجية، بل هي جزء من المشروع نفسه. الكتاب يكتب عن الإعلام، والإعلام لغة. يكتب عن سلخ العقول، والعقول تعي باللغة. يكتب عن تحرير الوعي، والوعي يُبنى بالكلمة. لذلك كان لا بد أن تكون لغته بمستوى القضية: عميقة بقدر عمق التحليل، جميلة بقدر جمال الحلم، مؤلمة بقدر ألم الواقع.

معظم الكتب التي ناقشناها، رغم قيمتها العلمية الكبيرة، تكتب بلغة أكاديمية جافة، أو بلغة صحافية مباشرة. "العقل المحتل" يحاول أن يقدم نموذجاً مختلفاً: كتابة تجمع بين العمق والجمال، بين التحليل والفن، بين الفكر والأدب.

ب. التركيز على الإمبراطوريات الخليجية

التميز الثاني هو التركيز على الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية كظاهرة فريدة. ليست مجرد إعلام عربي، بل إمبراطوريات بكل معنى الكلمة: تمتلك المال والسلطة والنفوذ، وتمتد عبر الحدود، وتؤثر في الملايين، وتخدم أجندات خارجية.

هذه الظاهرة لم تحظَ بدراسة كافية بالعمق الذي تستحقه. هناك كتب عن الجزيرة، وكتب عن العربية، وكتب عن الإعلام الخليجي بشكل عام. لكن لا يوجد، على حد علمنا، كتاب يحللها كظاهرة إمبراطورية متكاملة، كما يفعل "العقل المحتل" .

ج. التوثيق بالوثائق المسربة

التميز الثالث هو الاعتماد على الوثائق المسربة، خاصة وثائق ويكيليكس، لتأكيد الفرضيات ودعم التحليلات. هذه الوثائق تمنح الكتاب مصداقية خاصة، لأنها تأتي من مصادر لا يمكن اتهامها بالتحيز العربي، وهي تظهر العلاقة الحقيقية بين الإعلام الخليجي والإمبراطورية الغربية.

كثير من الكتب تعتمد على التحليل النظري أو على المشاهدات العامة. "العقل المحتل" يعتمد على وثائق ملموسة، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الجزيرة كانت تتلقى التوجيهات من السفارة الأمريكية، وأن وضاح خنفر كان يعدل التغطية بناء على طلب الاستخبارات الأمريكية.

د. النموذج الصيني كبديل

التميز الرابع هو تقديم النموذج الصيني كبديل ملهم. ليس لأن الصين نموذج مثالي، ولا لأننا نريد تقليدها حرفياً، بل لأنها أثبتت أن بناء السيادة الفكرية ممكن، وأن حماية العقل من الاختراق الإمبراطوري ممكن، وأن النهضة ممكنة حتى في ظل الهيمنة الغربية.

هذه المقارنة مع الصين نادرة في الكتابات العربية، التي غالباً ما تتراوح بين الانبهار بالغرب والانغلاق على الذات. "العقل المحتل" يحاول أن يقدم نموذجاً ثالثاً: الاستفادة من تجارب الآخرين، مع الحفاظ على الخصوصية العربية، وبناء مشروعنا الخاص.



سادساً: ما بين الكتابة والنضال... الكلمة فعل

أ. الكتابة كفعل مقاومة

عندما نكتب، لا نكتب لمجرد التسلية الفكرية، ولا لمجرد الملء في المكتبات. نكتب لأن الكتابة، في زمن التضليل والهيمنة، هي فعل مقاومة بامتياز. هي إصرار على أن الحقيقة لا تزال ممكنة، وأن الكلمة لا تزال حرة، وأن العقل لا يزال قادراً على النقد والتحليل.

هذا ما يربط "العقل المحتل" بكتب أحمد صالح سلوم، الذي يكتب من منفاه البلجيكي، واصفاً الكتابة بأنها "فعل يشبه السير على حافة الهاوية" . وما يربطه بكتابات إدوارد سعيد، الذي رأى في عمله الأكاديمي شكلاً من أشكال المقاومة للهيمنة الغربية. وما يربطه بنعوم تشومسكي، الذي لم يكتفِ بالكتابة الأكاديمية، بل نزل إلى الساحات العامة وشارك في النضال السياسي.

ب. النضال لا يتوقف عند حدود الكتاب

لكن الكتابة وحدها لا تكفي. الكتاب، مهما كان عميقاً ومؤثراً، يبقى مجرد حبر على ورق، إذا لم يتحول إلى فعل في الواقع. وإذا لم يقرأه الناس، ويناقشوه، ويستلهموا منه، ويترجموا أفكاره إلى ممارسات.

لهذا، فإن "العقل المحتل" ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته. هو دعوة للقراءة والنقاش والحوار. هو حافز للبحث عن البدائل وبنائها. هو شعلة تضاء في ظلام التضليل، على أمل أن يراها آخرون، فيضيئوا شموعهم، حتى يعم النور.



سابعاً: قراءة في مرايا الكتب... تأملات أخيرة

أ. الكتابة في زمن الانكسار

أحمد صالح سلوم يصف، في مقدمة كتابه "شاهد بلا سلاح" ، حال الكاتب في زمن الانكسار: "ليس ثمَّة ما هو أشقُّ على الكاتب من أن يكتب في زمن تهاوت فيه المعاني، وتبدَّلت فيه الأسماء، وصارت الحقيقة عبئًا على من ينطق بها. ولا أشقَّ من أن تحمل قلمك في أرضٍ أُفرغت من هويتها، وصُنع فيها الإنسان ليكون تابعًا لا فاعلًا، ومستهلكًا لا مبدعًا" .

هذه الكلمات تعبر بدقة عن حال من يكتبون اليوم في العالم العربي. العالم الذي تهاوت فيه المعاني، وتبدلت فيه الأسماء، وصارت الحقيقة عبئاً. العالم الذي أفرغ من هويته، وصنع فيه الإنسان ليكون تابعاً مستهلكاً.

لكن رغم هذا الانكسار، نكتب. نكتب لأن الكتابة، كما يقول سلوم، "هي مقاومة صامتة، لكنها عنيدة. هي فعل وجود في زمن العدم. هي محاولة يائسة، لكنها شريفة، لاستعادة ما يُسرق منا يوميًا: وعينا، ذاكرتنا، قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والدعاية" .

ب. الحوار الممتد

هذه المقارنة بين "العقل المحتل" والكتب الأخرى تظهر شيئاً مهماً: أن الفكر الإنساني حوار ممتد عبر الزمان والمكان. كل كاتب يضيف لبنة، ويصحح خطأ، ويضيء زاوية. ليس هناك كتاب نهائي، ولا حقيقة مطلقة، ولا كلمة أخيرة.

"العقل المحتل" يستفيد من ليبمان وتشومسكي وسعيد وشيلر، كما يستفيد من سلوم نفسه في كتبه السابقة، ومن الحديثي وغيرهما. لكنه يحاول أن يضيف ما يراه ناقصاً: التركيز على الإمبراطوريات الخليجية، واللغة الأدبية الشاعرية، والتوثيق بالوثائق المسربة، والنموذج الصيني كبديل.

وهكذا يستمر الحوار. وسيأتي من بعدنا من يضيف ما نقص، ويصحح ما أخطأنا، ويضيء ما أظلمنا. وهذا هو جمال الفكر الإنساني: أنه لا يتوقف، ولا ينتهي، ولا يموت.



ثامناً: مكانة "العقل المحتل" في المكتبة العربية

أ. الإضافة النوعية

بعد هذه الجولة في مرايا الكتب، يمكننا أن نحدد مكانة "العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" في المكتبة العربية. إنه كتاب يضيف ما يلي:

1. التحليل الشامل: لأول مرة، كتاب عربي يحلل الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية كظاهرة متكاملة، من الجذور التاريخية (بي بي سي والمخابرات البريطانية) إلى الأدوات الحالية (الوثائق المسربة) إلى البدائل الممكنة (النموذج الصيني).
2. اللغة الأدبية: لأول مرة، كتاب في هذا الموضوع يكتب بلغة أدبية شاعرية، تجعل قراءته متعة فنية، لا مجرد واجب فكري.
3. التوثيق بالوثائق: لأول مرة، كتاب عربي يعتمد بشكل كبير على وثائق ويكيليكس المسربة، ليقدم أدلة ملموسة على ما يذهب إليه من فرضيات.
4. النموذج البديل: لأول مرة، كتاب عربي يقدم التجربة الصينية كنموذج ملهم لبناء السيادة الفكرية، دون أن يدعو إلى التقليد الأعمى، بل إلى الاستلهام والتكييف.

ب. التكامل مع الكتب الأخرى

هذه الإضافات لا تعني أن "العقل المحتل" أفضل من الكتب الأخرى، بل تعني أنه مكمل لها. هو يقرأ ما قرأوه، ويضيف ما لم يقرأوه. هو ينطلق من حيث انتهوا، ويواصل المسيرة.

مع تشومسكي، نتفق في تحليل آليات الدعاية، ونختلف في التركيز على الحالة العربية.
مع سعيد، نتفق في نقد الخطاب الغربي، ونضيف نقد الخطاب الخليجي التابع.
مع سلوم نفسه في "شاهد بلا سلاح" ، نكمل المسيرة من الشهادة الذاتية إلى التحليل الموضوعي.
مع الحديثي، نتفق في كشف العلاقة بين الإعلام والأمن، ونضيف البعد الثقافي والفكري.

هكذا يتكامل الفكر الإنساني، وتتراكم المعرفة، وتتقدم الإنسانية.



تاسعاً: دعوة للقراءة النقدية

أ. لسنا وحدنا

هذه المقارنة تذكرنا بشيء مهم: لسنا وحدنا في هذه المعركة. هناك كثيرون يكتبون ويكافحون ويناضلون من أجل عقل عربي حر، وإعلام عربي مستقل، ومستقبل عربي مشرق.

أحمد صالح سلوم يكتب من بلجيكا واحيانا من المانيا ، مصطفى الحديثي يكتب من بغداد، وآخرون يكتبون من كل مكان. كلهم يشتركون في الهم نفسه، ويواجهون التحديات نفسها، ويحلمون بالمستقبل نفسه.

هذا يمنحنا قوة، ويعطينا أملاً، ويذكرنا بأننا جزء من جماعة، لا أفراد منعزلين.

ب. نقدنا لأنفسنا

لكن هذه المقارنة تذكرنا أيضاً بأهمية نقد الذات. لا كتاب كامل، ولا تحليل نهائي، ولا حقيقة مطلقة. كل عمل بشري يحمل في طياته نقاط قوة ونقاط ضعف.

من نقاط ضعف "العقل المحتل" أنه كتاب طويل، قد يثقل على بعض القراء. وأنه يعتمد على وثائق مسربة قد يشكك البعض في مصداقيتها. وأنه يقدم رؤية متشائمة قد تسبب إحباطاً لبعض القراء.

لكن الكتاب يحاول، قدر الإمكان، أن يعالج هذه النقاط: بالوضوح والصدق، وبالاعتماد على مصادر متعددة، وبالتوازن بين التشخيص والأمل.

ج. القراءة النقدية

لهذا، ندعو قراءنا إلى قراءة هذا الكتاب، وسائر الكتب التي ناقشناها، قراءة نقدية. لا تقبلوا كل ما نكتبه كمسلمات، ولا ترفضوه كله كأكاذيب. اقرأوا، فكروا، ناقشوا، حاوروا، استنتجوا. فالعقل الناقد هو وحده القادر على حماية نفسه من التضليل، وبناء وعيه الخاص، والمشاركة في صناعة المستقبل.



عاشراً: خاتمة... الكتابة في زمن الغربة

أ. الغربة مكاناً وفكراً

أحمد صالح سلوم يكتب من بلجيكا، وهو يشعر بمرارة الغربة، لكنه يشعر أيضاً بحلاوة الحرية التي تمنحها المسافة. إدوارد سعيد كتب معظم أعماله في أمريكا، وهو يعيش غربة المثقف الشرقي في الغرب. نعوم تشومسكي يكتب من أمريكا، لكنه يعيش غربة المعارض في بلد يتهمونه بعدم الوطنية.

هذه الغربة، بأنواعها المختلفة، تمنح الكاتب مسافة نقدية، وحرية في التعبير، وقدرة على الرؤية من زوايا متعددة. لكنها تمنحه أيضاً مرارة البعد عن الأهل والأحباب، وألم العيش بين ثقافة لا تفهمه، ووجع مشاهدة ما يحدث في وطنه من بعيد.

"العقل المحتل" يكتب من قلب العالم العربي، لكنه يعيش غربة داخلية لا تقل ألماً عن الغربة المكانية. غربة المثقف في وطنه، الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ويكتب ما لا يريد الكثيرون سماعه، ويواجه ما يفضل الغالبية تجاهله.

ب. الكتابة شهادة

في النهاية، الكتابة هي شهادة. شهادة على العصر الذي عشناه، والمشكلات التي واجهناها، والأحلام التي راودتنا، والآمال التي علقناها على المستقبل.

هذه الشهادة قد تُقرأ اليوم، وقد تُقرأ بعد غد، وقد تبقى في الأدراج سنين طويلة. لكنها، في كل الأحوال، واجبة. لأن السكوت عن الحق جريمة، ولأن الصمت عن الباطل مشاركة فيه، ولأن عدم الشهادة يعني التخلي عن المسؤولية.

"العقل المحتل" يشهد اليوم على إمبراطوريات إعلامية تحتل العقول العربية، وتسلخها عن أجسادها، وتفصلها عن واقعها، وتحولها إلى أوعية فارغة تملؤها بما تشاء. ويشهد على شعوب عربية تعاني من هذا الاحتلال الناعم، لكنها تبدأ شيئاً فشيئاً في استعادة وعيها، واكتشاف حقيقة ما يجري حولها، والبحث عن بدائل.

ويشهد على جيل جديد من الشباب العربي، يرفض أن يكون مجرد مستهلك سلبي، ويبحث عن هويته الحقيقية، ويكتشف تاريخه المجيد، ويستعد لصناعة مستقبله بنفسه. هذا الجيل هو أملنا الوحيد، وهو الذي سينتصر في النهاية، رغم كل التحديات.

ج. والكلمة تبقى

الكتب تأتي وتذهب، والمؤلفون يولدون ويموتون، والتيارات الفكرية تظهر وتختفي. لكن الكلمة، إذا كانت صادقة، تبقى. تبقى في قلوب القراء، وفي عقول المفكرين، وفي ذاكرة الأجيال.

نأمل أن تبقى كلمة "العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل" في هذه الذاكرة. نأمل أن تساهم في تحرير عقل عربي واحد، أو في تنبيه ضمير غافل، أو في إلهام كاتب جديد. نأمل أن تكون لبنة في صرح النهضة العربية القادمة، مهما بدت هذه النهضة بعيدة المنال.

نحن نكتب اليوم، والغد للطبيعة وحدها . لكننا نؤمن بأن الفجر آتٍ، وأن الظلام مهما طال فلا بد أن يعقبه نور، وأن الباطل مهما انتفش فلا بد أن يضمحل. وهذا الإيمان هو ما يمنحنا القوة للاستمرار، رغم كل شيء.





بيروت ( الضاحية ) - القاهرة - دمشق - بغداد - صنعاء - الجزائر - تونس وكل عاصمة عربية أحبت الحرية

بين
دوسلدورف - المانيا -
و
لييج - بلجيكا - شتاء 2026



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال ...
- العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم ...
- إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين ...
- سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
- الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ ...
- افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
- افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
- الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن ...
- تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م ...
- ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال ...
- تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة ...
- الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
- روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا ...
- سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي ...
- استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
- فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
- أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
- محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
- نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
- كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج ...


المزيد.....




- 14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما ...
- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون
- -صوت هند رجب- يسقط الأقنعة في مهرجان برلين السينمائي
- 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة ...
- أكثر من 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين تجاه الإباد ...
- 80 فنانا عالميا ينددون بصمت مهرجان برلين على ما يعدونه إبادة ...
- الوداع الأخير للجسد: حوارية لو بروتون حول الكلمة والوجه في - ...
- -سمبوزيوم- جمعية التشكيليين الأول: خلية نحل تعيد صياغة المشه ...
- الفنانة زينة تُعلن نسبها للنبي محمد ونقابة الأشراف تعلق


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة مكتبة التحرر..دراسة مقارنة