|
|
العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدمة الكتاب
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 00:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في مديح ما لا يُرى
أولاً: استهلال: حين تكون الكلمة طائرة حربية
ليس كل من يحمل سلاحاً جندياً، وليس كل من يكتب جندياً. لكن ثمّة من يحمل القلم فيمشي في الأرض وفي عينيه بريق الغزاة، وفي أنفاسه عبق الإمبراطوريات التي لا تغيب عنها الشمس لأنها أتقنت فن جعل الشمس تغيب في عيون الآخرين.
هذه ليست مقاربة إنشائية، ولا استعارات شعرية تُصاغ لترقيق الحقائق أو تجميلها. إنها محاولة لرؤية ما لا يُرى، ولمس ما لا يُلمس، ولتفكيك هندسة معمارية دقيقة شُيدت على مدى عقود لتكون للإمبراطورية الغربية أجنحة لا تراها الرادارات، وقنابل لا تسمع لها دويّاً، وجيوشاً لا ترتدي بزات عسكرية ولا تحمل رتباً، لكنها تحتل العقول كما تحتل الجيوش الأرض، بل أشد.
في محميات الخليج ، حيث تتركز القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية كما تتركز النفط والغاز، ثمة قواعد أخرى لا تُرى على الخرائط العسكرية، لكنها مرسومة بدقة متناهية على خرائط النفوذ والهيمنة. إنها القواعد الإعلامية. تلك التي لا ترفع أعلاماً ولا تطلق طلقات تحذيرية، لكنها تمارس أعتى أنواع الاحتلال: احتلال العقل، وسلب الإرادة، وتفكيك المقاومة، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي على مقاس مصالح الإمبراطورية.
تلك الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية التي تتربع على عرش الفضاء العربي، من الدوحة إلى أبوظبي، ومن الرياض إلى دبي، ليست وليدة الصدفة، وليست نتاج عبقرية محلية أو طفرة تنموية عربية خالصة. إنها ابنة شرعية لمخاض استعماري طويل، نتاج تلاقح بين رؤوس أموال خليجية طائلة، وخبرات إعلامية غربية عتيقة، وأجندات سياسية واستخبارية لا تختلف في جوهرها عن تلك التي تدير القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. الفارق الوحيد أن هذه القواعد إعلامية لا عسكرية، وأن أسلحتها الكلمات لا الرصاص، وأن ضحاياها العقول لا الأجساد.
هذه المقدمة الطويلة، من التحليل العميق واللغة الأدبية الساحرة، هي محاولة لفك شيفرات هذه الإمبراطوريات الناعمة، ولتتبع جذورها التاريخية، وآليات عملها الخفية، وأدواتها اللغوية والنفسية، وانعكاساتها الكارثية على الوعي العربي الجمعي، وعلى مشاريع التنمية المستقلة، وعلى مستقبل الأمة العربية في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
ثانياً: الأطروحة المركزية: حين تصبح القاعدة العسكرية قناة فضائية
عندما صرّح جاسم بن حمد، أو وزير خارجية قطر السابق، بأن "كل ما ننفذه في القواعد العسكرية والإعلامية هو بأوامر أمريكية"، لم يكن يدلي بتصريح عابر، ولم يكن يكشف سراً استراتيجياً كبيراً، بقدر ما كان يقرّ بواقع سياسي واستراتيجي قائم، ويمنح الشرعية الضمنية لعلاقة عضوية بين مركز الإمبراطورية وأطرافها، بين واشنطن وعواصم القرار الخليجية، بين البنتاغون واستوديوهات الجزيرة والعربية و الحدث ومن لفها.
هذه العلاقة ليست سرية، وليست مستورة، وليست حتى موضع نقاش في الأوساط السياسية والإعلامية الخليجية. إنها علاقة معلنة لكنها غير معترف بها، واضحة لكنها مغلّفة بعناوين السيادة والاستقلال، ومكشوفة لكنها محمية بغطاء المصالح المشتركة والشراكات الاستراتيجية.
لكن المشكلة ليست في وجود هذه العلاقة فقط، بل في عمقها وتجذّرها، وفي امتداداتها وتشعباتها، وفي الطريقة التي صُممت بها لتكون "إمبراطورية ناعمة" موازية للإمبراطورية العسكرية، تعمل في وضح النهار لكنها تخفي أهدافها الحقيقية، وتتحدث باسم الحرية والإعلام المستقل لكنها تنفذ أجندات لا علاقة لها بالحرية أو الاستقلال.
إن الفرضية المركزية لهذه المقدمة، وللبحث كله، هي أن الإمبراطوريات الإعلامية في الخليج العربي الفارسي ليست سوى امتداد طبيعي وعضوي للقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية في المنطقة. إنها الوجه الآخر للهيمنة، والأدوات الناعمة للسيطرة الخشنة، والجسور التي تربط بين مراكز القرار في واشنطن ولندن وعقول الملايين من العرب والمسلمين.
ما تقوم به القواعد العسكرية من حماية للمصالح الغربية في المنطقة، تقوم به القنوات الفضائية من حماية لهذه المصالح عبر تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، وتفكيك المقاومات الشعبية، وترويج خطابات الهزيمة والتبعية، وتقديم نماذج التنمية التابعة على أنها الخيار الوحيد الممكن.
إنها معادلة متكاملة: القواعد العسكرية تحمي المصالح الاستراتيجية الكبرى، والقنوات الفضائية تحمي هذه المصالح عبر حمايتها من الوعي الشعبي الذي قد يهددها. القواعد العسكرية تضرب عندما تفشل القنوات الفضائية في الإقناع، والقنوات الفضائية تروّض عندما تصبح الضربات العسكرية مكلفة أو مستحيلة.
وهكذا، تدور عجلة الإمبراطورية في المنطقة العربية، لا بعسكرتها وحدها، ولا بإعلامها وحده، بل بتكاملهما، وبتوازيهما، وبتظافرهما في خدمة هدف واحد: إبقاء المنطقة العربية في دائرة التبعية، ومنع أي نهضة تنموية مستقلة، وأي مشروع تحرري وطني، وأي وعي جماعي يمكن أن يشكل تهديداً لمصالح الإمبراطورية.
ثالثاً: بي بي سي والمخابرات البريطانية: حكاية ميلاد إمبراطورية
لا يمكن فهم قصة الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية دون العودة إلى البدايات، إلى لحظة التأسيس الأولى، إلى اللحظة التي قررت فيها الإمبراطورية البريطانية، التي كانت تغرب عنها الشمس، أن تصدر خبراتها الإعلامية إلى محمياتها الخليجية، وأن تنقل تجربتها العريقة في الإذاعة والتلفزيون إلى رمال الصحراء التي كانت تختزن أكثر من نصف احتياطي النفط العالمي.
كانت بي بي سي (BBC) أكثر من مجرد هيئة إذاعة بريطانية. كانت، ولا تزال، مؤسسة إمبراطورية بامتياز، تحمل في DNA مؤسسيها رؤية استعمارية عميقة، وتجسد في سياساتها التحريرية فلسفة الهيمنة الناعمة التي أتقنتها بريطانيا عبر قرون من السيطرة على العالم.
عندما تأسست قناة الجزيرة في منتصف التسعينيات، لم تكن مجرد قناة إخبارية جديدة تضاف إلى المشهد الإعلامي العربي. كانت مشروعاً ضخماً حمل في أحشائه روح بي بي سي، وخبراتها، وكوادرها، ورؤاها. لم يكن صدفة أن يكون المؤسسون الأوائل للجزيرة من خريجي بي بي سي عربي، ولا أن تكون سياساتها التحريرية امتداداً لسياسات بي بي سي، ولا أن تكون لغتها وأسلوبها وأدواتها المهنية نسخة طبق الأصل عن نسخة لندن.
لكن الأمر كان أعمق من مجرد استيراد خبرات إعلامية. كانت القصة قصة نقل عضوي، وتمدد طبيعي، وامتداد استراتيجي للإمبراطورية الإعلامية البريطانية إلى قلب الخليج العربي الفارسي . كانت بي بي سي تبحث عن وكلاء محليين، عن أذرع إقليمية، عن جسور تواصل مع الجمهور العربي، وكانت قطر، بثرواتها وطموحاتها واستعدادها للانخراط في المشروع الإمبراطوري، هي الحاضنة المثالية.
ولم تكن المخابرات البريطانية (MI6) بعيدة عن هذه المعادلة. فتاريخياً، كانت المخابرات البريطانية هي العقل المدبر للكثير من المشاريع الإعلامية التي أطلقتها بريطانيا في مستعمراتها السابقة. الإعلام، في الرؤية الاستخبارية البريطانية، ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو أداة استراتيجية للتأثير، وآلية دقيقة للتوجيه، ووسيلة فعالة لجمع المعلومات، ومنصة مثالية لزرع العملاء وتمرير الرسائل المشفرة.
هكذا، ولدت الجزيرة من رحم بي بي سي، برعاية المخابرات البريطانية، وتمويل قطري سخي، ورؤية استراتيجية أمريكية – بريطانية مشتركة. كانت قطر، في هذه المعادلة، هي الوجه العربي للمشروع، هي الغطاء السياسي، هي الممول، هي الحاضن. لكن العقل المدبر، والرؤية الاستراتيجية، والأجندات الكبرى، كانت تصنع في لندن وواشنطن.
وهذا ما يفسر التناقض الصارخ بين شعارات الجزيرة (الرأي والرأي الآخر، الحرية والديمقراطية، صوت من لا صوت لهم) وبين ممارساتها الفعلية (توجيه الرأي العام، تشويه خصوم الإمبراطورية، ترويج خطابات الهزيمة، تقديم نماذج التبعية على أنها قدوة). لم يكن هذا التناقض نتاج فشل مهني أو انحراف عن المسار، بل كان تجسيداً دقيقاً للمهمة الحقيقية التي أنشئت الجزيرة من أجلها: حماية المصالح الإمبراطورية الأمريكية الاستعمارية في المنطقة العربية.
رابعاً: اللقاء الذي لا يُنسى: وضاح خنفر والسفارة الأمريكية
من بين الوثائق التي تسربت عبر ويكيليكس، تبرز وثيقة بتاريخ 30 أكتوبر 2005، تسجل لقاءً جمع مدير الجزيرة آنذاك، وضاح خنفر، بمسؤولي السفارة الأمريكية في الدوحة. في ذلك اللقاء، الذي جرى بعيداً عن عدسات الكاميرات وأضواء الإعلام، تعهد خنفر بما هو أكثر من مجرد تعاون إعلامي، بما هو أكثر من مجرد تفاهم مهني. تعهد خنفر بتهدئة لهجة المواد الإعلامية المسيئة للولايات المتحدة، وإزالة صور ضحايا الجيش الأمريكي من الأطفال والنساء فوراً .
هذه الوثيقة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد محضر اجتماع عادي بين مسؤول إعلامي ودبلوماسيين أمريكيين، هي في الحقيقة شهادة ميلاد ثانية للإمبراطورية الإعلامية الخليجية. إنها تؤكد، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن العلاقة بين الجزيرة وواشنطن لم تكن علاقة خصومة وتوتر كما كان يُروّج، بل كانت علاقة تفاهم وتعاون، بل وتبعية وانصياع.
فوضاح خنفر، الذي كان يدير أكبر وأهم قناة إخبارية عربية، لم يتردد في تلبية مطالب السفارة الأمريكية، ولم يناقش أو يحاور أو يطلب مهلة للتشاور مع مجلس الإدارة. لقد تعهد فوراً، وبشكل مباشر، بتنفيذ ما طلبته واشنطن. وكأنه كان ينتظر هذه التعليمات، وكأنه كان على استعداد لتنفيذها، وكأن القناة التي يديرها لم تكن مستقلة كما يدّعي، بل كانت مجرد فرع إعلامي للسفارة الأمريكية في الدوحة.
ولم تكن هذه الحادثة معزولة أو منعزلة. فقد كشفت وثائق أخرى أن وزارة الخارجية القطرية كانت تتسلم تقارير الاستخبارات العسكرية الأمريكية لتسليمها لإدارة التحرير في الجزيرة، في دليل قاطع على وجود "غرفة عمليات" مشتركة بين الطرفين، وعلى أن التنسيق بين الجزيرة وواشنطن كان يتم على أعلى المستويات، وبشكل منتظم، ودون أي حرج.
هذا التنسيق لم يقتصر على الجوانب التحريرية فحسب، بل امتد إلى الجوانب البشرية أيضاً. فكثير من الصحفيين والإعلاميين الذين عملوا في الجزيرة، والذين قدموا أنفسهم كمدافعين عن الحرية والديمقراطية، كانوا على صلة وثيقة بدوائر استخبارية غربية، وكانوا يمارسون ما يمكن تسميته بـ "الصحافة الاستخبارية": نقل المعلومات إلى أجهزة المخابرات، وتوجيه الرأي العام وفق أجنداتها، وتمرير رسائلها المشفرة عبر البرامج الإخبارية والحوارية.
واليوم، بعد أن ترك وضاح خنفر الجزيرة، وانتقل إلى منصة إعلامية غربية أخرى هي "هافينغتون بوست"، يمكننا أن نقرأ هذه المسيرة المهنية في سياقها الصحيح: إنها مسيرة إعلامي محترف، أتقن لعبة الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية الإعلامية، وانتقل من مؤسسة إلى أخرى، ومن منصة إلى أخرى، وهو يحمل في جعبته نفس الخبرات، ونفس الأدوات، ونفس الأجندات. وكأنه جندي في جيش إمبراطوري، ينتقل من ثكنة إلى أخرى، ومن معسكر إلى آخر، وهو يؤدي نفس المهمة: خدمة الإمبراطورية.
خامساً: من الإعلامي إلى الاستشراقي: ياسر أبو هلالة والنموذج الأردني المتطرف
ليس وضاح خنفر وحده من جسّد هذا النموذج من الإعلاميين الذين ينتقلون بسلاسة بين خدمة الإمبراطورية عبر الإعلام وخدمتها عبر مؤسسات استشراقية. فهناك ياسر أبو هلالة، الإعلامي الأردني الذي تولى إدارة قناة الجزيرة بعد خنفر، وجسّد في مسيرته المهنية نموذجاً آخر من نماذج "الإعلامي الاستشراقي" الذي لا يختلف في أدواته وأهدافه عن المستشرقين القدماء.
أبو هلالة، الذي ينحدر من خلفية أردنية ويحمل رؤى متطرفة في كثير من القضايا العربية والإسلامية، قاد الجزيرة في مرحلة حرجة من تاريخ المنطقة، مرحلة الربيع العربي العبري وما تلاه من انقلابات وفتن وحروب أهلية. وخلال هذه المرحلة، تجلى بوضوح الدور الذي تلعبه الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية في توجيه الأحداث، وتشكيل الوعي، وخدمة الأجندات الغربية.
ففي تغطية (الانتفاضات) العربية، لم تكن الجزيرة تنقل الأحداث كما هي، بل كانت تنتقي ما يناسب أجنداتها، وتضخم ما يخدم مصالحها، وتصمت عما يضر بحلفائها. كانت تقدم نفسها كصوت الشعوب الثائرة، لكنها في الحقيقة كانت تصوغ صوت هذه الشعوب وفق قوالب جاهزة، وتوجه غضبها في اتجاهات محددة سلفاً، وتعمل على تفريغ ثوراتها من محتواها التحرري الحقيقي.
وهذا ما يفسر التناقض الصارخ في تغطية الجزيرة للربيع العربي: حماسة مفرطة لثورات تونس ومصر، وصمت مطبق أو تغطية مشوهة لثورات البحرين واليمن. لم يكن هذا التناقض نتاج صدفة أو خطأ مهني، بل كان نتاج توجيهات عليا، وأجندات إقليمية ودولية، ومصالح استراتيجية للإمبراطورية وحلفائها في المنطقة.
أبو هلالة، بخطابه المتطرف ورؤيته الإقصائية، كان الأداة المثالية لتنفيذ هذه الأجندات. كان يمتلك القدرة على صياغة الخطاب الإعلامي بطريقة تجمع بين الحماسة الثورية والطائفية المقيتة، بين الدفاع عن حقوق الشعوب وتبرير التدخلات الخارجية، بين خطاب التحرر والممارسات الاستعمارية. وكأنه يجسّد في شخصه التناقضات الكبرى للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية: تدّعي الحرية وهي تمارس الهيمنة، وتتحدث عن الديمقراطية وهي تفرض التبعية، وتنادي بالاستقلال وهي تنفذ أجندات الغرب.
سادساً: العربية والحدث: الوجه الآخر للعملة الإعلامية الخليجية
إذا كانت الجزيرة تمثل الوجه القطري للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، فإن قناتي العربية والحدث تمثلان الوجه السعودي – الإماراتي لهذه الإمبراطوريات. ورغم التنافس الظاهري بين هذه القنوات، ورغم الخلافات السياسية التي تظهر أحياناً على السطح، فإن الجوهر واحد، والأهداف متشابهة، والخدمة المقدمة للإمبراطورية واحدة.
العربية، التي انطلقت من دبي عام 2003، لم تكن مجرد رد فعل على نجاح الجزيرة، بل كانت مشروعاً موازياً، صمم ليؤدي نفس الوظيفة لكن بأدوات مختلفة، وبرؤية تحريرية مغايرة، لكنها في النهاية تخدم نفس الهدف: حماية مصالح الإمبراطورية الأمريكية الصهيونية في المنطقة العربية.
فإذا كانت الجزيرة تركز على تغطية القضايا التي تخدم الأجندة القطرية – التركية – الأمريكية، فإن العربية تركز على تغطية القضايا التي تخدم الأجندة السعودية – الإماراتية – الأمريكية. وإذا كانت الجزيرة تميل إلى تغطية الثورات العربية بروح حماسية تدعم الإسلام السياسي، فإن العربية تميل إلى تغطيتها بروح محافظة تدعم الأنظمة القائمة. لكن الفرق بينهما هو فرق في التكتيك، لا في الاستراتيجية. فرق في الوسائل، لا في الغايات.
وكلتاهما، الجزيرة والعربية، تخدمان في النهاية نفس الإمبراطورية، وتنفذان نفس الأجندات الكبرى، وتعملان على نفس الهدف الاستراتيجي: إبقاء المنطقة العربية في دائرة التبعية، ومنع أي مشروع تنموي مستقل، وتفكيك أي وعي جمعي يمكن أن يشكل تهديداً لمصالح الغرب وحلفائه.
أما قناة الحدث، التي انطلقت كقناة إخبارية سعودية متخصصة في الأخبار العاجلة، فإنها تمثل الوجه الأكثر حداثة وعصرية للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية. فهي تعتمد على تقنيات الإعلام الجديد، وتقدم الأخبار بطريقة سريعة وجذابة، وتستهدف الشباب العربي الذي هجر القنوات التقليدية لصالح منصات التواصل الاجتماعي. لكنها، رغم شكلها العصري وأدواتها الحديثة، تحمل نفس الرسائل القديمة، وتخدم نفس الأجندات التقليدية، وتعمل على نفس الأهداف الاستراتيجية.
سابعاً: قنوات الدين والإخوان: عندما يلتقي بريجنسكي وكيسنجر مع الشيوخ
لا تكتمل صورة الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية دون الحديث عن القنوات الدينية، تلك التي انتشرت كالفطر في الفضاء العربي خلال العقدين الأخيرين، وقدمت نفسها كمدافعة عن الإسلام والمسلمين، بينما كانت في الحقيقة تؤدي وظيفة استعمارية بامتياز: تفكيك الوعي الديني المقاوم، وترويج خطاب إسلامي صهيوني معادٍ للاستقلال والتنمية، وتقديم قراءات مشوهة للإسلام تخدم مصالح الإمبراطورية.
هذه القنوات، التي تتبنى خطاب الإخوان المسلمين أو خطاب السلفية الجهادية أو خطابات إسلامية أخرى، لم تنشأ في فراغ، ولم تنتشر بفعل الجاذبية الذاتية لأفكارها، بل كانت نتاج تمويل خليجي ضخم، وخبرات إعلامية غربية متطورة، وأجندات استخبارية دقيقة.
يمكن أن نضيف إلى هذه المعادلة اسمي بريجنسكي وكيسنجر، المهندسين الكبيرين للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية. فهذان الرجلان، اللذان صمما السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط لعقود، أدركا مبكراً أهمية توظيف الدين في خدمة الإمبراطورية. أدركا أن الإسلام، إذا قُدّم بطريقة معينة، يمكن أن يكون أداة فعالة لمحاربة القومية العربية والشيوعية العربية ، وتفكيك مشاريع التنمية المستقلة، وتوجيه غضب الجماهير بعيداً عن العدو الحقيقي (الإمبراطورية الأمريكية و ربيبتها الصهيونية ) نحو أعداء وهميين أو ثانويين.
وهكذا، ولد مشروع "الإسلام الصهيوني"، أو "الإسلام المعادي للاستقلال"، أو "الإسلام التابع". مشروع يتبنى شكلاً من أشكال التدين، لكنه يفرغه من محتواه التحرري، ويحوّله إلى أداة للتخدير والتوجيه والتبعية.
ولعل أبرز تجليات هذا المشروع هو الدور الذي لعبته قنوات الإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن. فعندما وصل الإخوان إلى السلطة في مصر بعد ثورة 25 يناير، كانت قنواتهم الإعلامية تمثل الذراع الدعائية الأقوى للنظام الجديد. لكن هذه القنوات، التي كانت تقدم نفسها كصوت الإسلام والثورة، كانت في الحقيقة تنفذ أجندات خارجية، وتخدم مصالح الإمبراطورية، وتعمل على تفريغ الثورة المصرية من محتواها الوطني والتحرري.
محمد مرسي، الرئيس المصري السابق، والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، كان نموذجاً لهذا المشروع: رئيس منتخب من السفارة الأمريكية بانتخابات مزورة فاز فيها فعليا احمد شفيق، لكنه كان أسيراً لأجندات خارجية، وعاجزاً عن تقديم مشروع تنموي مستقل، ومنشغلاً بصراعات هوياتية وطائفية بدل معالجة المشكلات الحقيقية للشعب المصري. ولم تكن قنوات الإخوان الإعلامية، وعلى رأسها قناة "مصر 25"، سوى الأداة التي روجت لهذا النموذج، وغطت على إخفاقاته، وبررت تبعيته.
في تونس، كان راشد الغنوشي وحركة النهضة نموذجاً آخر لهذا المشروع. فالغنوشي، الذي قضى عقوداً في المنفى بلندن، وبنى علاقات وثيقة مع دوائر غربية استعمارية ، قدم نفسه كزعيم إسلامي معتدل ومتحضر. لكنه، حين وصل إلى سدة الحكم في تونس بعد ثورة 2011، أثبت أنه جزء من المشروع نفسه: مشروع الإسلام التابع، الإسلام الذي يتحدث باسم الدين لكنه يخدم الإمبراطورية الصهيو أمريكية ، الإسلام الذي يرفع شعارات الحرية لكنه يمارس التبعية واملاءات البنوك الروتشيلدية ، صندوق النقد والبنك الدولي .
ثامناً: مهمة الإمبراطورية: شل العقل العربي وإيصال رجال المخابرات
ما هي المهمة الحقيقية التي أنشئت من أجلها هذه الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية؟ ما هو الدور الاستراتيجي الذي صممت لتؤديه؟ ما هي الوظيفة التي تقوم بها في خدمة الإمبراطورية الغربية وحلفائها في المنطقة؟
يمكن اختصار الإجابة في عبارة واحدة: شل العقل العربي.
نعم، شل العقل العربي. تفكيكه. تشتيته. إفقاره. تحويله من عقل ناقد منتج إلى عقل مستهلك تابع. من عقل يسأل ويبحث ويحلل إلى عقل يتلقى ويصدق ويخضع. من عقل يصنع المستقبل إلى عقل يستهلك الماضي. من عقل يقاوم الهيمنة إلى عقل يبررها بل ويدافع عنها.
هذه هي المهمة الأولى والأخيرة للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية: تحويل العقل العربي من أداة تحرر إلى أداة تبعية. من رافعة للنهضة إلى ثقل يشد إلى الخلف. من مصدر قوة إلى مصدر ضعف.
وكيف يمكن شل العقل العربي؟ عبر أدوات متعددة، منها:
1. التشتيت: إغراق العقل العربي بسيل لا ينتهي من الأخبار والمعلومات والصور والضوضاء، بحيث لا يعود قادراً على التركيز، ولا على التمييز بين المهم والتافه، ولا على بناء رؤية متكاملة للعالم. هكذا يصبح العقل العربي مثل شاشة تلفزيون تتنقل بين القنوات بلا توقف: هنا خبر عن فلسطين، وهناك تقرير عن مهرجان فني، وبرنامج حواري عن الجنس، ومسلسل تركي، وفتوى دينية، وإعلان تجاري. المشاهد يستهلك كل شيء، ولا يفهم شيئاً. يتابع كل شيء، ولا يتذكر شيئاً. يسمع كل شيء، ولا يعي شيئاً. 2. التفريغ العاطفي: توجيه الغضب العربي نحو أهداف ثانوية أو وهمية، بحيث لا يتجه نحو العدو الحقيقي. فبدل أن يغضب العرب من السياسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل، يغضبون من بعضهم البعض: سني يغضب من شيعي، وشيعي يغضب من سني، وإسلامي يغضب من علماني، وعلماني يغضب من إسلامي، وقومي يغضب من إقليمي، وهكذا. العاطفة العربية الجياشة، التي يمكن أن تكون أعظم قوة للتغيير، تتحول إلى وقود للصراعات الداخلية، وطاقة تستهلك في معارك جانبية لا طائل منها. 3. تزييف الوعي التاريخي: محو الذاكرة التاريخية للأمة، أو تشويهها، أو تقديم روايات مزيفة عنها. فبدل أن يتعلم العرب من تاريخهم كيف قاوم أجدادهم الاستعمار، وكيف بنوا حضارة، وكيف انتصروا في معارك التحرر، يقدم لهم تاريخ مشوه: تاريخ من الانقسامات والصراعات والهزائم والخيانات. تاريخ يجعلهم ييأسون من المستقبل، ويعتقدون أن التخلف هو قدرهم المحتوم، وأن التبعية هي خيارهم الوحيد. 4. ترويج نماذج القدوة الزائفة: تقديم شخصيات ونماذج عربية تخدم الإمبراطورية على أنها قدوة وأبطال. هكذا يتحول رجال الأعمال التابعون، والسياسيون الفاسدون، والإعلاميون المرتزقة، والمفكرون العلمانيون المتغربون، وشيوخ الدين الرسميون، إلى نجوم يقتدى بهم، وقدوات يحتذى بها. أما المبدعون الحقيقيون، والمقاومون الأبطال، والعلماء العباقرة، والمفكرون المستقلون، فيبقون في الظل، أو يتم تهميشهم، أو تشويه صورتهم.
إلى جانب شل العقل العربي، هناك مهمة أخرى لا تقل أهمية: إيصال رجالات المخابرات الأمريكية والصهيونية إلى مواقع القيادة في العالم العربي.
هؤلاء الرجال، الذين يظهرون على الشاشات بوجوه بريئة وأقوال معسولة، هم في الحقيقة عملاء أو حلفاء أو أدوات للإمبراطورية. يأتون من خلفيات مختلفة: بعضهم من جماعة الإخوان المسلمين، مثل محمد مرسي في مصر والغنوشي في تونس والجولاني في سورية . وبعضهم من تنظيم القاعدة أو داعش، مثل أبي مصعب الزرقاوي أو أبي بكر البغدادي. وبعضهم من أمراء الحرب والمليشيات، مثل قادة الفصائل في ليبيا وسوريا واليمن. وبعضهم من السياسيين العلمانيين، مثل قادة ما يسمى "المعارضة السورية" أو "التحالف الوطني" في اليمن.
المهم أن هؤلاء الرجال، رغم اختلافاتهم الأيديولوجية والسياسية، يشتركون في شيء واحد: إنهم أدوات الإمبراطورية، وهم خير من ينفذ أجنداتها، وهم ألد أعداء أي مشروع تنموي مستقل، وأشرس خصوم أي نهضة عربية حقيقية.
والإمبراطوريات الإعلامية الخليجية هي التي توصل هؤلاء الرجال إلى الجماهير العربية، وهي التي تصنع منهم أبطالاً وقدوات، وهي التي تغطي على جرائمهم وإخفاقاتهم، وهي التي تبرر تحالفاتهم وتبعيتهم. إنها "وكالة الأنباء المركزية" للإمبراطورية، تنقل رسائلها، وتروج لأبطالها، وتشوه خصومها، وتخدم أجنداتها.
تاسعاً: اغتصاب القاصرات وشريعة الإمبراطورية: قصة جزر إبستين والإعلام الخليجي
من أغرب وأفظع قصص الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، والتي تكشف عن عمق الانحطاط الأخلاقي والتفكك القيمي الذي أحدثته هذه الإمبراطوريات في الفضاء العربي، قصة علاقتها بفضيحة جيفري إبستين، الملياردير الأمريكي الذي أدين باغتصاب وتجارة القاصرات، وكان على صلة وثيقة بأوساط النخبة السياسية والاقتصادية والإعلامية في الغرب.
القصة ليست مجرد قصة جنسية شاذة، وليست مجرد فضيحة أخلاقية عابرة. القصة هي قصة كيف يمكن للإمبراطورية أن توظف كل شيء في خدمة مصالحها، حتى الانحراف الجنسي. وكيف يمكن للإعلام التابع أن يحول كل شيء إلى مادة دعائية، حتى جرائم اغتصاب الأطفال.
ففي الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الغربية، وبعض وسائل الإعلام العربية المستقلة، تكشف عن تفاصيل فضيحة إبستين، وتكشف عن أسماء المتورطين معه من النخب السياسية والاقتصادية، كانت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية تمارس دوراً مزدوجاً: من جهة، كانت تتجاهل الفضيحة أو تهمّشها، حرصاً على عدم إحراج حلفائها في الغرب. ومن جهة أخرى، كانت تروّج خطاباً دينياً متخلفاً يبرر زواج القاصرات، ويقدمه على أنه "سنة نبوية" أو "شريعة إسلامية"، في توافق عجيب مع ما كان يمارسه إبستين وأمثاله في الغرب.
وهنا تصل الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية إلى ذروة انحطاطها الأخلاقي: إنها تدافع عن اغتصاب القاصرات في الغرب عبر التغطية بالصمت، وتبرر اغتصاب القاصرات في العالم العربي عبر الترويج لخطاب ديني متخلف، وتقدم خدمة جليلة للإمبراطورية عبر تحويل الانحراف الجنسي إلى موضوع للتطبيع والتمرير.
لم تكن هذه القنوات، التي تتبنى خطاب الإخوان المسلمين أو السلفية الوهابية، تدرك أنها تقدم خدمة لأعداء الإسلام، حين تبرر زواج القاصرات باسم الدين. لم تكن تدرك أنها تشوه صورة الإسلام في العالم، حين تحوّله إلى دين يدعم اغتصاب الأطفال. لم تكن تدرك أنها تخون قضية المرأة العربية، حين تبرر استغلالها الجنسي باسم الشريعة.
لكن الأدهى من ذلك هو أن هذه القنوات كانت تمارس هذا الدور التبريري، في الوقت الذي كان فيه رجال المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية يديرون شبكات دعارة وتجارة بشر عالمية، ويستغلون القاصرات في جزر إبستين وغيرها، ويحمون المجرمين من المحاكمة. وكأن هناك تواطؤاً خفياً بين الإعلام التابع في العالم العربي والإمبراطورية في الغرب، على تمرير هذه الجرائم وتبريرها، وحرمان الضحايا من حقوقهم، ومنع محاكمة الجناة.
وهذا يفسر لماذا، رغم كل الأدلة والوثائق والشهادات التي كشفت عن تفاصيل فضيحة إبستين، لم تتم محاكمة أي من كبار المتورطين فيها. لم يحاكم شيوخ الخليج الذين كانوا على صلة بإبستين، ولم يحاكم رؤساء الدول الذين زاروا جزيرته، ولم يحاكم قادة الأجهزة الاستخبارية الذين استخدموا خدماته، ولم يحاكم إعلاميو الغرب الذين غطوا على الفضيحة أو برروا الجرائم.
وفي العالم العربي، استمر الإعلام التابع في الترويج لخطاب تبريري، يقدم زواج القاصرات على أنه حق شرعي، ويصور من يعترض عليه على أنه عميل للغرب أو عدو للإسلام، ويحول ضحايا الاغتصاب إلى متهمات، ويجعل الجناة شيوخاً أجلاء ودعاة كراماً.
هكذا تكتمل حلقة الانحطاط: الإمبراطورية تمارس الجريمة، والإعلام التابع يبررها، والدين الرسمي يقدسها، والضحايا يدفعون الثمن. ولا أحد يحاسب، ولا أحد يحاكم، ولا أحد يدفع تعويضات. وكأن شيئاً لم يحدث.
عاشراً: تجارب التنمية المستقلة في مرمى الإمبراطوريات الإعلامية
إذا كانت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية قد نجحت في شيء، فهو نجاحها في تدمير مشاريع التنمية المستقلة في العالم العربي، وفي تشويه صورتها، وفي قطع الطريق أمام أي نهضة عربية حقيقية.
فمنذ منتصف القرن العشرين، شهد العالم العربي عدة تجارب تنموية مستقلة، حاولت بناء اقتصاد وطني قوي، وتحرير البلاد من التبعية للغرب، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإطلاق الطاقات الإبداعية للشعوب العربية. كانت هذه التجارب مختلفة في مناهجها وأدواتها، لكنها اتفقت في هدفها الأساسي: الاستقلال والتنمية والكرامة.
أبرز هذه التجارب كانت تجربة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، التي قادت مصر والعالم العربي في خمسينات وستينات القرن الماضي. عبد الناصر، الذي قاد ثورة 23 يوليو 1952، وأمم قناة السويس، وبنى السد العالي، وأطلق مشروع التصنيع الوطني، ودعم حركات التحرر في العالم العربي والإفريقي، كان يمثل التحدي الأكبر للإمبراطورية الغربية في المنطقة.
ولم تكن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية قد تأسست بعد في ذلك الوقت، لكن كان هناك إعلام عربي تابع، يمول من الأنظمة العربية المحافظة، ويدعم من الغرب، ويعمل على تشويه تجربة عبد الناصر، وتصويرها على أنها تجربة فاشلة، وقيادته على أنها ديكتاتورية، ومشروعه على أنه وهمي. هذا الإعلام التابع، الذي كان يمثل النواة الأولى للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية الحالية، نجح إلى حد كبير في تقويض مشروع عبد الناصر، وفي إعداد الجيل العربي الجديد لاستقبال مشاريع التبعية والانفتاح غير المشروط على الغرب.
بعد عبد الناصر، جاءت تجربة الثورة الإيرانية عام 1979، التي مثلت تحدياً آخر للإمبراطورية الغربية، هذه المرة باسم الإسلام. الثورة الإيرانية، التي أطاحت بأحد أشد حلفاء أمريكا في المنطقة (الشاه)، وأقامت نظاماً إسلامياً مستقلاً، وأعلنت عداءها الصريح لكل من أمريكا وإسرائيل، كانت تمثل خطراً استراتيجياً على المصالح الغربية في المنطقة.
وهنا لعبت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية الناشئة دوراً محورياً في مواجهة هذه التجربة. روجت لخطاب طائفي مقيت، وصورت الثورة الإيرانية على أنها مشروع فارسي صفوي يهدف لتهديد العرب والسنّة، وغطت على جرائم النظام العراقي في حربه ضد إيران، ودعمت كل القوى التي حاربت الثورة الإيرانية، سواء كانت أنظمة عربية أو حركات إسلامية سنية أو قوى علمانية.
واليوم، تواجه تجربة صنعاء، عاصمة اليمن، التي تسيطر عليها قوات أنصار الله (الحوثيون)، نفس المصير. هذه التجربة، مهما كان الموقف منها، تمثل تحدياً واضحاً للإمبراطورية الغربية وحلفائها في المنطقة. فهي تجربة مقاومة مسلحة للهيمنة الخارجية، وتجربة بناء دولة في ظروف استثنائية، وتجربة تحدٍ للتحالف العسكري الذي تقوده السعودية والإمارات و قطر بدعم أمريكي.
والإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، وعلى رأسها قناتا العربية والحدث، تمارس في تغطيتها لليمن نفس الدور الذي مارسته سابقاً ضد تجربة عبد الناصر والثورة الإيرانية. إنها تشوه صورة صنعاء، وتصوّر الحوثيين على أنهم مجرد ميليشيا إيرانية، وتتجاهل الأبعاد الوطنية لتجربتهم، وتغطي على جرائم التحالف في اليمن، وتبرر الحصار والخنق والتدمير.
حادي عشر: الوعي الاجتماعي الطبقي.. النموذج الصيني كبديل
في مواجهة هذه الإمبراطوريات الإعلامية الجبارة، التي تمتلك مليارات الدولارات، وأحدث التقنيات، وأكثر الكوادر احترافية، وأعتى الدعم السياسي والاستخباراتي، يبدو السؤال مشروعاً: هل من أمل؟ هل يمكن للشعوب العربية أن تتحرر من هذه الإمبراطوريات؟ هل يمكن بناء وعي عربي مقاوم؟ هل يمكن نهضة عربية مستقلة؟
الجواب، رغم كل الصعوبات، هو نعم. هناك أمل. وهناك نماذج. وهناك طرق.
من أبرز هذه النماذج، وأكثرها إلهاماً، هو النموذج الصيني. فالصين، التي كانت حتى منتصف القرن العشرين تعاني من التخلف والضعف والتبعية للغرب، استطاعت خلال عقود قليلة أن تحقق نهضة شاملة، وأن تبني اقتصاداً قوياً، وأن تطور تكنولوجيا متقدمة، وأن تفرض احترامها على العالم، وأن تحافظ على استقلالها الوطني وهوية ثقافتها.
وما كان لهذه النهضة أن تتحقق لولا عاملين أساسيين: القيادة الواعية للحزب الشيوعي الصيني، والوعي الاجتماعي الطبقي للشعب الصيني.
الحزب الشيوعي الصيني، الذي قاد الثورة الصينية عام 1949، وتولى بناء الدولة الجديدة، أدرك مبكراً أهمية الإعلام في تشكيل الوعي وتوجيه الجماهير. فلم يترك الإعلام فريسة لقوى السوق، ولا أداة بيد رجال الأعمال، ولا منصة لأجندات خارجية. جعله أداة في خدمة الشعب، وسلاحاً في معركة البناء والتنمية، ووسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية والوعي الطبقي.
ولهذا، نجحت الصين في منع وسائل إعلام الغرب ومحمياتها الخليجية، وجماعاتها الفاشية كالإخوان المسلمين والقاعدة وداعش وجعجع و الكتائب ، من الوصول إلى عقل المواطن الصيني وتدميره بالخطاب الاستعماري الغربي. بنت الصين جداراً منيعاً يحمي عقل مواطنيها من الاختراق الإعلامي، ويصون وعيهم من التلوث الفكري، ويحفظ هويتهم الوطنية من الذوبان في العولمة الأمريكية.
ولم يكن هذا الجدار جدار عزل وانغلاق، بل كان جدار حماية وتمييز. فالصين منفتحة على العالم، وتستورد التكنولوجيا والعلوم والمعرفة من كل حدب وصوب. لكنها ترفض استيراد الأجندات السياسية والقيم الثقافية التي تتناقض مع مصالح شعبها وهوية أمتها. إنها تنتقي ما ينفعها من الغرب، وترفض ما يضرها، وتحافظ على خصوصيتها الثقافية واستقلالها السياسي.
وهذا هو الدرس الأكبر الذي يمكن للشعوب العربية أن تستفيده من التجربة الصينية: إمكانية بناء وعي اجتماعي طبقي مقاوم للإمبراطوريات الإعلامية. وعي يدرك أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو ساحة معركة، ومجال صراع، وأداة هيمنة. وعي يميز بين ما هو مفيد وما هو ضار، بين ما هو نافع وما هو خبيث، بين ما يبني وما يهدم. وعي يرفض التبعية بكل أشكالها، ويصر على الاستقلال بكل تكاليفه.
هذا الوعي لا يمكن أن يولد من فراغ، ولا يمكن أن ينمو عفواً. يحتاج إلى تربية وتنشئة وتعليم. يحتاج إلى مؤسسات وطنية مستقلة. يحتاج إلى نخب مثقفة ملتزمة. يحتاج إلى إعلام بديل، لا يقل احترافية عن إمبراطوريات المحميات، لكنه يختلف عنها في الأهداف والغايات. إعلام يخدم الشعب لا الإمبراطورية، وينير العقول لا يظلمها، ويوحد الصفوف لا يفرقها.
ثاني عشر: إعلام بديل.. في الطريق إلى وعي عربي جديد
هل يمكن بناء إعلام بديل في العالم العربي؟ إعلام يخرج من عباءة الإمبراطوريات الخليجية، ويقطع صلته بمراكز القرار الغربية، ويتحرر من هيمنة رأس المال التابع، ويكون صوتاً حقيقياً للشعوب العربية؟
الجواب: نعم، يمكن. لكن الطريق صعب، والتحديات كبيرة، والثمن باهظ.
فالإمبراطوريات الإعلامية الخليجية لا تملك فقط المال والتقنية والكوادر، بل تملك أيضاً القدرة على تدمير أي مشروع إعلامي منافس، عبر وسائل متعددة: حرمانه من التمويل، ومقاطعته إعلانياً، وتشويه سمعته إعلامياً، ومحاربته سياسياً، وملاحقة العاملين فيه قضائياً، بل وأمنياً في بعض الأحيان.
ومع ذلك، تبقى هناك فرص. فالفضاء الرقمي، رغم كل مخاطره وإشكالياته، يقدم منصات بديلة يمكن استثمارها. وشبكات التواصل الاجتماعي، رغم هيمنة الشركات الأمريكية عليها، تسمح بدرجة من الحرية والتعبير. والجماهير العربية، رغم ما أصابها من تخدير وتشتيت، ما زالت تبحث عن صوت صادق، وعن إعلام نزيه، وعن بديل حقيقي.
وما نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو مشروع إعلامي عربي جديد، يقوم على الأسس التالية:
1. الاستقلال: الاستقلال المالي عن التمويل الخليجي والغربي، والاستقلال السياسي عن أجندات الأنظمة والأحزاب، والاستقلال الفكري عن الإيديولوجيات المستوردة والنماذج الجاهزة. 2. المهنية: احترام معايير العمل الإعلامي، والالتزام بالدقة والموضوعية، والتمييز بين الخبر والرأي، واحترام حق الجمهور في المعرفة. 3. الوطنية: الانحياز الواضح لمصالح الشعوب العربية، والدفاع عن قضاياها العادلة، ومقاومة الهيمنة الخارجية بكل أشكالها. 4. التنموية: التركيز على قضايا التنمية الحقيقية: التعليم والصحة والصناعة والزراعة والبحث العلمي، وتقديم نماذج ناجحة يمكن الاقتداء بها، وإبراز دور المبدعين والعلماء والمقاولين الحقيقيين. 5. الوعي الطبقي: كشف العلاقة بين رأس المال والإعلام، وبين السلطة والمعرفة، وبين الهيمنة الاقتصادية والسيطرة الثقافية، وتمكين الجماهير من أدوات التحليل والنقد التي تمكنها من فهم العالم وتغييره. 6. الانفتاح على العالم: الاستفادة من تجارب الآخرين، والتعلم من نجاحاتهم وإخفاقاتهم، وبناء جسور التواصل مع الشعوب الصديقة، وفي مقدمتها الشعب الصيني، الذي أثبت أن النهضة ممكنة، وأن الاستقلال ممكن، وأن المستقبل يمكن صنعه بأيدينا.
ثالث عشر: إمبراطوريات المال والإعلام: من موردوخ إلى برلسكوني
لا يمكن فهم الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية بمعزل عن السياق العالمي لتركيز الملكية الإعلامية، وعن النماذج الدولية التي سبقتها وألهمتها. فما يحدث في الخليج العربي الفارسي اليوم هو جزء من ظاهرة عالمية أوسع، هي ظاهرة تحول الإعلام من خدمة عامة إلى سلعة خاصة، ومن مجال ديمقراطي إلى سوق رأسمالي، ومن سلطة رابعة إلى أداة في يد رجال الأعمال وأصحاب النفوذ.
في الغرب، برزت أسماء مثل روبرت موردوخ، الإمبراطور الإعلامي الأسترالي – الأمريكي الذي بنى إمبراطورية إعلامية عالمية (نيوز كوربوريشن) تضم صحفاً وقنوات تلفزيونية ودور نشر واستوديوهات أفلام في أنحاء العالم. موردوخ، الذي يوصف أحياناً بأنه "أقوى رجل في العالم" لقدرته على التأثير في الرأي العام وتوجيه السياسات، يمثل النموذج الأكثر نجاحاً وتطرفاً لرجال الأعمال الذين يحولون الإعلام إلى أداة لخدمة مصالحهم الشخصية وأجنداتهم السياسية .
مثله، كان سيلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، الذي جمع بين ملكية إمبراطورية إعلامية ضخمة (ميدياسيت) ورئاسة الحكومة الإيطالية، في تجسيد صارخ لصراع المصالح الذي يهدد الديمقراطية. برلسكوني استخدم إمبراطوريته الإعلامية للترويج لنفسه، وتشويه خصومه، والهيمنة على الفضاء العام الإيطالي لعقود .
وفي أمريكا الشمالية، هناك تيد تورنر، مؤسس سي إن إن، الذي اعترف بنفسه بأن تركيز خمس شركات على 90% من ما يقرأه ويشاهده ويسمعه الأمريكيون "ليس أمراً صحياً" .
هذه النماذج الغربية ألهمت النماذج الخليجية، بل زودتها بالخبرات والكوادر والنماذج الجاهزة. فالجزيرة، مثلاً، استلهمت في بداياتها نموذج سي إن إن، وطبقت في العالم العربي ما نجحت سي إن إن في تطبيقه عالمياً. والعربية استلهمت نموذج بي بي سي، وقدمت نسخة عربية من الإعلام الرسمي البريطاني.
لكن النماذج الخليجية أضافت شيئاً جديداً على النماذج الغربية: الدمج العضوي بين الإمبراطورية الإعلامية والإمبراطورية السياسية، بين رأس المال الخاص والسلطة السياسية، بين الأجندات المحلية والاستراتيجيات العالمية. ففي الخليج، لا يوجد فصل بين الدولة والمجتمع، ولا بين السلطة ورأس المال، ولا بين السياسة والإعلام. كل شيء متداخل، وكل شيء موحد، وكل شيء يخدم هدفاً واحداً: الحفاظ على النظام القائم، وخدمة المصالح الاستعمارية الأمريكية الصهيونية الإمبراطورية.
هذا ما يجعل الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية أكثر خطورة من نظيراتها الغربية. فهي لا تخضع لأي رقابة، ولا تواجه أي معارضة، ولا تلتزم بأي قواعد. إنها تملك المال والسلطة معاً، وتستخدمهما بلا حدود ولا ضوابط.
رابع عشر: التعددية الزائفة: كيف يخدع الإمبراطوريات الجماهير؟
من أخطر الأسلحة التي تمتلكها الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية هي قدرتها على خلق وهم التعددية. فالمشاهد العربي، حين يتنقل بين القنوات الفضائية، يجد عشرات القنوات الإخبارية، ومئات القنوات الدينية والترفيهية، وآلاف البرامج الحوارية والمسابقات والمسلسلات. يظن نفسه في فضاء مفتوح، وسوق حر، ومشهد متعدد. لكنه لا يدرك أن هذه التعددية وهمية، وأن هذا الانفتاح زائف، وأن هذا التنوع مصطنع .
فالتعددية الحقيقية تعني وجود آراء متباينة حقاً، وأفكار مختلفة جوهرياً، وخيارات متنوعة فعلياً. لكن التعددية في الإعلام الخليجي هي تعددية في الشكل، لا في المضمون. تعددية في الوجوه، لا في الأفكار. تعددية في الوسائل، لا في الغايات. كل القنوات تشترك في نفس الرؤية الأساسية، وتخدم نفس الأجندات الكبرى، وتدور في نفس الفلك. الفروق بينها هي فروق في التفاصيل، لا في الجوهر.
هذه التعددية الزائفة تؤدي وظيفة خطيرة: إنها تجعل الجمهور يظن أنه يمارس حرية الاختيار، بينما هو في الحقيقة يستهلك نفس المنتج بأغلفة مختلفة. إنها تعطيه إحساساً واهماً بالمشاركة، بينما هو في الحقيقة مجرد متلق سلبي. إنها تخلق لديه وهماً بالتنوع، بينما هو محاصر في سجن واحد كبير.
يورغن هابرماس، الفيلسوف الألماني الكبير، حذر من هذا الوضع المختل، حيث تحول المؤسسات الإعلامية التجارية إلى أدوات للحفاظ على مستوى محدد من الاستهلاك عبر قوانين السوق، وانتشار المحتوى المسلي الذي لا يسهم في إغناء الفضاء العمومي للنقاش والتحفيز على المبادرة .
نعوم تشومسكي، المفكر الأمريكي الناقد، ربط بين ظاهرة التركيز في ملكية وسائل الإعلام والزيادة الضخمة في مساحات الإعلان، وبالتالي انخفاض عنصر التنوع ومصداقية المعلومات، واكتساح التيار الاستهلاكي للمجالات القومية .
أنتوني غيدنز، السوسيولوجي الإنجليزي، تحدث عن العلاقة الملتبسة لمجموعات الاتصال مع الديمقراطية، محذراً من أن تركيز وسائل الإعلام يعني تركيز السلطة الاقتصادية والمجتمعية في يد المؤسسات المهيمنة، وهذا خطر قاتل بالنسبة للديمقراطية .
هذه التحذيرات الغربية تنطبق على الإعلام الخليجي بشكل أشد. فالتركيز هنا ليس فقط اقتصادياً، بل سياسياً أيضاً. وليس فقط في يد مؤسسات مهيمنة، بل في يد أنظمة سياسية. وليس فقط خطراً على الديمقراطية، بل خطراً على أي احتمال للديمقراطية.
خامس عشر: لغة الإمبراطوريات: بين الاستشراق الجديد والخطاب الاستعماري
لا تكتمل صورة الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية دون النظر إلى لغتها، إلى خطابها، إلى أسلوبها في مخاطبة الجماهير العربية. فهذه اللغة تحمل في طياتها رؤية معينة للعالم، وفلسفة محددة في التعامل مع الآخر، وأجندة خفية في تشكيل الوعي.
اللغة التي تستخدمها هذه الإمبراطوريات هي لغة استشراقية بامتياز. إنها تنظر إلى العالم العربي بنفس النظرة التي نظر بها المستشرقون الأوروبيون إلى الشرق: نظرة استعلاء وتفوق، نظرة تمزج بين الافتتان والخوف، نظرة تسعى لاختزال الشرق في صور نمطية جاهزة .
في تغطيتها للعالم العربي، تميل هذه الإمبراطوريات إلى تكريس صور نمطية: العربي إما إرهابي أو شيخ نفط، إما متطرف ديني أو فاسد أخلاقي، إما ضحية مظلوم أو جلاد ظالم. نادراً ما تقدم صورة متوازنة، ونادراً ما تعكس التعقيد والتنوع في المجتمعات العربية، ونادراً ما تمنح العرب حق تعريف أنفسهم بأنفسهم.
هذه اللغة الاستشراقية تتجلى بوضوح في تغطية القضايا الكبرى. ففي تغطية ( الانتفاضات )العربية، مثلاً، قدمت الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية صورة رومانسية ساذجة " للثوار"، ثم تحولت سريعاً إلى صورة تشاؤمية يائسة، وكأن الشعوب العربية غير قادرة على صناعة تاريخها، وكأن مصيرها محتوم بالتخلف والفشل .
وفي تغطية القضايا الدينية، تميل هذه الإمبراطوريات إلى تبسيط الإسلام واختزاله في مجموعة من الشعائر والفتاوى والخلافات المذهبية، متجاهلة أبعاده الحضارية والفكرية والإنسانية. وكأن الإسلام ليس ديناً عالمياً له تاريخ طويل من الإبداع والتنوع، بل مجرد مجموعة من القيود والمحظورات والتكفير .
هذه اللغة الاستشراقية تخدم الإمبراطورية بطريقتين: من جهة، تبرر الهيمنة الغربية على العالم العربي، بوصفها ضرورة لإنقاذ العرب من أنفسهم. ومن جهة أخرى، تقنع العرب بأنفسهم بأنهم عاجزون عن التغيير، فتنزع منهم الأمل وتقتل فيهم الإرادة.
سادس عشر: السودان نموذجاً: كيف تصنع الإمبراطوريات الإعلامية الحروب؟
لا يمكن اختتام هذه المقدمة الطويلة دون التوقف عند نموذج حي ومعاصر لدور الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية في تدمير الدول العربية وإشعال الحروب الأهلية. هذا النموذج هو السودان، البلد العربي الإفريقي الذي يعاني منذ عقود من حروب وصراعات وانقسامات، وكان للإعلام الخليجي دور بارز في تعميق أزماته وتأجيج نيرانه.
منذ اندلاع الثورة السودانية في ديسمبر 2018، التي أطاحت بنظام عمر البشير، كان الإعلام الخليجي حاضراً بقوة في المشهد السوداني. لم يكن حضوراً محايداً أو موضوعياً، بل حضوراً منحازاً ومستقطباً، ساهم بشكل كبير في تشكيل الانقسامات الحادة بين الأطراف السودانية، عبر نشر سرديات ذات طابع استقطابي، وترويج خطابات الكراهية والشيطنة .
استغل الإعلام الخليجي حالة الفراغ الإعلامي والمؤسسي في السودان، بعد سقوط النظام وتفكك مؤسساته، ليقدم نفسه كمصدر رئيسي للمعلومات، وليوجه الرأي العام السوداني وفق أجندات خارجية، وليعمق الانقسامات بين المكونات السياسية والاجتماعية السودانية .
وعندما اندلعت الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تصاعد دور الإعلام الخليجي بشكل دراماتيكي. فبدل أن يلعب دوراً في تهدئة النفوس ودعوة الأطراف إلى الحوار ووقف القتال، انخرط في تأجيج الصراع، وتجييش الجماهير ضد هذا الطرف أو ذاك، وترويج الروايات المنحازة، ونشر خطاب الكراهية الذي زاد من حدة العنف والدمار .
النتيجة كانت كارثية: مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين النازحين واللاجئين، وتدمير شامل للبنية التحتية، واغتيال الحقيقة بغياب المعلومات والأخبار ذات المصداقية، وتراجع التغطيات الملتزمة بقواعد وأخلاقيات المهنة لصالح الإعلام الحربي والأخبار المضللة .
هكذا تحول الإعلام الخليجي في السودان من وسيلة لنقل الأخبار إلى أداة لصناعة الأخبار، بل لصناعة الحرب نفسها. إنه الإعلام الذي لا يغطي الأحداث، بل يصنعها. لا ينقل الواقع، بل يخلقه. لا يوثق التاريخ، بل يكتبه وفق هواه.
وهذا هو الخطر الأكبر للإمبراطوريات الإعلامية الخليجية: إنها لا تكتفي بتشكيل الوعي، بل تتدخل في صناعة الواقع. لا تكتفي بتوجيه الرأي العام، بل تشارك في توجيه الأحداث. لا تكتفي بقراءة التاريخ، بل تكتبه بدماء الشعوب.
خاتمة المقدمة: في انتظار وعي عربي جديد
مضت صفحات السابقة في هذه المقدمة، ولم ننته بعد من استقصاء أبعاد الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية، ولم نغطِ كل زواياها، ولم نكشف كل خيوطها. فالموضوع شاسع، والإمبراطوريات ضخمة، والأبعاد متشابكة، والأدوار معقدة.
لكن ما يمكن قوله، في ختام هذه المقدمة، هو أن الإمبراطوريات الإعلامية الخليجية ليست مجرد قنوات فضائية، وليست مجرد مؤسسات إعلامية، وليست مجرد شركات تجارية. إنها مشروع استعماري متكامل، صمم لخدمة الإمبراطورية الغربية، وتنفيذ أجنداتها، وحماية مصالحها، وإبقاء العالم العربي في دائرة التبعية والتخلف.
هذه الإمبراطوريات نجحت، إلى حد كبير، في تحقيق أهدافها. نجحت في شل العقل العربي، وفي تفكيك وعيه، وفي توجيه غضبه، وفي تدمير مشاريعه التنموية المستقلة. نجحت في إيصال رجالات المخابرات الغربية والصهيونية إلى مواقع القيادة، وفي ترويج خطابات الهزيمة والتبعية، وفي تغطية جرائم الإمبراطورية وحلفائها.
لكنها لم تنجح تماماً. ما زالت هناك جيوب مقاومة. ما زالت هناك أصوات مستقلة. ما زالت هناك عقول ناقدة. ما زالت هناك مشاريع بديلة. ما زالت الشعوب العربية تحتفظ، في أعماقها، ببذور الوعي والإرادة والأمل.
وما نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو وعي عربي جديد. وعي يدرك حقيقة الإمبراطوريات الإعلامية، ويكشف زيف خطاباتها، ويفكك ألاعيبها. وعي يبني بدائل حقيقية، ويخلق فضاءات مستقلة، وينتج خطاباً تحررياً. وعي يتعلم من تجارب الآخرين، وفي مقدمتهم تجربة الصين، التي أثبتت أن النهضة ممكنة، وأن الاستقلال ممكن، وأن المستقبل يمكن صنعه بأيدينا.
هذا الوعي الجديد لن يأتي هبة من السماء، ولن يولد عفواً. يحتاج إلى جهد وتضحية ونضال. يحتاج إلى تربية وتعليم وتنشئة. يحتاج إلى مؤسسات وطنية ومشاريع ثقافية. يحتاج إلى نخب مثقفة ملتزمة وقواعد شعبية واعية. يحتاج إلى وقت وصبر ومثابرة.
لكنه ممكن. والعرب، الذين صنعوا حضارة عظيمة على مدى قرون، واستطاعوا هزيمة الاستعمار القديم، وحرروا أوطانهم من الاحتلال المباشر، قادرون اليوم على تحرير عقولهم من الاحتلال الناعم، وقادرون على بناء نهضة تنموية حقيقية، وقادرون على صناعة مستقبل يليق بتاريخهم وإمكاناتهم وطموحاتهم.
هذا هو الرهان. وهذا هو الأمل. وهذا هو الطريق.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين
...
-
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
-
افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
-
افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
-
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن
...
-
تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م
...
-
ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال
...
-
تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة
...
-
الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
-
روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا
...
-
سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي
...
-
استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
-
فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
-
أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
-
محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
-
نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
-
كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج
...
-
الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا
...
-
سيادة الطاقة كجوهر للسيادة الوطنية - إيران في مواجهة نموذج ا
...
المزيد.....
-
قبيل جولة جنيف.. الخارجية الإيرانية: واشنطن باتت -أكثر واقعي
...
-
-هجوم متعمد-.. الرئيس الأذربيجاني يتهم موسكو باستهداف سفارة
...
-
حزب الله يدعو لوقف مسار -حصر السلاح-.. والجيش اللبناني يعرض
...
-
نظام ترامب العالمي الجديد أصبح واقعاً… وعلى أوروبا أن تتأقلم
...
-
سبعون منظمة غير حكومية تندد بمشروع إصلاح قوانين الهجرة المعر
...
-
بشر بلا أسماء ومنازل تشبه الأقفاص.. شارع الشهداء بالخليل نمو
...
-
نهاية درامية لجاك لانغ.. مداهمة أمنية لحفل وداعه بمعهد العال
...
-
قتيلان في غارتين إسرائيليتين على بلدتي حانين وطلوسة جنوب لبن
...
-
بين هرمز وجنيف.. مناورات الحرس الثوري تستبق محادثات إيران وأ
...
-
أسرة عمران خان تطالب بزيارته بعد تقارير عن تدهور صحته بالسجن
...
المزيد.....
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
المزيد.....
|