|
|
إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية الصمود والتنمية الذاتية
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 00:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تقديم: من يحتكر الحقيقة؟
في خريف عام 1979، وقف رجل ملتحٍ على منصة في جامعة طهران، متوجهاً إلى حشد من الطلاب الذين كانوا قبل أشهر فقط جزءاً من زخم ثوري أذهل العالم. لم يكن الرجل يتحدث عن الحجاب، ولا عن آداب الطعام، ولا حتى عن صياغة دستور جديد على أسس دينية. كان حديثه عن "الاستقلال الاقتصادي"، وعن "كسر سلاسل التبعية"، وعن "بناء نموذج تنموي لا يملي علينا الغرب قوانينه".
بعد خمسة وأربعين عاماً من ذلك الخطاب، لا تزال الصورة الذهنية عن إيران في وسائل الإعلام الغربية محصورة في إطار ضيق: ملابس نسائية، شرطة أخلاق، خطب جمعة نارية، ومواجهات لفظية مع الغرب. وكأن تاريخاً كاملاً من الصراع الوجودي مع أقوى تكتل رأسمالي في العالم يمكن اختزاله في بضع لقطات من كاميرات وكالات الأنباء.
هنا نحاول تفكيك هذه الأسطورة، ليس من منطلق دفاع أيديولوجي عن نظام سياسي بعينه، بل من خلال قراءة متأنية لمسار دولة فرضت عليها الجغرافيا والسياسة أن تكون مختبراً حياً لنظرية "التنمية المتمركزة على الذات" في مواجهة "المركز" الرأسمالي المهيمن. سنحاول هنا أن نفهم إيران كما هي، لا كما تريدها أن تكون دعايات الحروب الناعمة، ولا كما يتخيلها عشاق الشرق الأسطوري.
تفكيك الاستشراق الجديد - كيف اختزل الغرب إيران في "الملابس"
١.١ ولادة الصورة النمطية
في عام 2009، نشرت إحدى كبرى المجلات الغربية تحقيقاً مصوراً عن إيران، احتلت صور النساء المحجبات أكثر من نصف مساحته. في عام 2015، وبالتزامن مع الاتفاق النووي، ركزت شبكة تلفزيونية كبرى تقريرها عن طهران على "مقهى سري" ترتاده شابات بدون حجاب. في عام 2022، وبعد احتجاجات مهسا أميني، عادت الكاميرات إلى نفس المشاهد: حجاب، حجاب، حجاب.
هذه الظاهرة ليست بريئة، ولا هي مجرد "تركيز صحفي" على قضية حقوقية. إنها تعيد إنتاج نمط استشراقي قديم، كان يختزل الشرق في "الحريم" و"الجارية" و"المرأة الغامضة". الفرق الوحيد أن الاستشراق القديم كان يصور المرأة الشرقية كجسم متاح للاستهلاك، بينما الاستشراق الجديد يصورها كجسم مكبوت يحتاج للتحرير على يد الغرب.
لكن ماذا لو أخبرناكم أن هذه الصورة تشكل أقل من ١٪ من حقيقة مجتمع يضم ٨٥ مليون نسمة، وينتج أكثر من ٤٠٠ ألف مهندس سنوياً، ويمتلك أحد أعقد البرامج الفضائية في المنطقة، ويصدر التكنولوجيا العسكرية إلى أربع قارات؟
١.٢ عندما يصبح الحجاب بديلاً عن التحليل
اللافت في الخطاب الإعلامي الغربي عن إيران هو "اقتصاد الصورة" الذي يمارسه. فبينما تنفق دول الخليج مئات الملايين على شراء الأمن من الخارج، وتستورد حتى المواد الغذائية الأساسية، نادراً ما ترى تقريراً غربياً ينتقد "التبعية الاقتصادية" لهذه الدول. بالمقابل، تتحول إيران، التي تصنع طائراتها المسيّرة وصواريخها البالستية وحتى أجهزة التنفس الصناعي في زمن كورونا رغم الحصار، إلى "دولة الحجاب".
هذا التحول ليس عفوياً. إنه يخدم غرضاً مركزياً: تحويل الصراع من صراع أنظمة وحضارات إلى صراع قيم، ومن ثم اختزال مشروع وطني معقد في بضع وصمات أخلاقية. عندما تنجح في جعل العالم يرى إيران من خلال "فتاة شارع الثورة" فقط، فإنك تنجح في محو عقود من النضال ضد الهيمنة، وتجعل من الطبيعي أن يُنظر إلى أي صمود إيراني على أنه "تطرف ديني" وليس "مقاومة وطنية".
١.٣ هل إيران حقاً "دولة دينية" فقط؟
بالطبع للدين دور في النظام السياسي الإيراني، وإنكار ذلك سخافة. لكن هل إيران "أكثر تديناً" من السعودية التي لا تزال تمنع النساء من السفر دون محرم حتى وقت قريب؟ أم أنها أكثر "أصولية" من حركة هندوتفا في الهند التي تهدم المساجد؟ أم أنها أكثر "رجعية" من بعض الأنظمة الأوروبية التي تتبنى سياسات قومية متطرفة؟
المشكلة ليست في وجود الدين في السياسة، بل في ازدواجية المعايير. عندما تفعل إيران شيئاً، يقرأ من خلال عدسة "التشيع" و"الثورة الإسلامية" و"الخمينية". عندما تفعل دول أخرى الشيء نفسه، يقرأ من خلال عدسة "المصلحة الوطنية" و"الأمن القومي" و"الاستقرار". هذه الازدواجية هي جوهر ما يمكن تسميته "الاستشراق الجديد".
الإطار النظري - عندما تصبح التبعية هي العيب لا الحجاب
٢.١ سؤال مركزي: لماذا تتخلف الأمم؟
في خمسينيات القرن الماضي، بدأ صوت جديد يعلو في العالم النامي، يتساءل: لماذا تبقى دول الجنوب فقيرة بينما يزداد الشمال غنى؟ لماذا نصدّر المواد الخوم برخص التراب ونستوردها مصنعة بأضعاف الأضعاف؟ لماذا تكون أنظمتنا التعليمية مجرد ناقل للمعرفة المنتجة في الغرب بدلاً من أن تكون منتجة للمعرفة بأنفسنا؟
هذه الأسئلة قادت إلى نظرية متكاملة عرفت بـ"نظرية التبعية". جوهرها بسيط وصادم معاً: تخلف الجنوب ليس نتيجة "كسل" أو "تخلف ثقافي" أو "دين"، بل هو نتيجة حتمية لموقع هذه الدول في النظام الرأسمالي العالمي. هذا النظام صُمم ليكون فيه مركز (يصنع التكنولوجيا ويحدد الأسعار ويمتلك براءات الاختراع) وأطراف (تنتج المواد الخام وتستورد التكنولوجيا وتعاني من تدهور شروط التبادل التجاري).
من هنا ولد مفهوم "فك الارتباط". لا يعني الانعزال عن العالم، بل يعني إعادة تنظيم الأولويات: إخضاع العلاقات مع الخارج لمتطلبات التنمية الداخلية، وليس العكس. يعني بناء قاعدة صناعية محلية حتى لو كانت أقل كفاءة في البداية، لأن الكفاءة الحقيقية تقاس بالقدرة على الصمود وليس بالقدرة على المنافسة في سوق يتحكم فيه الأقوى.
٢.٢ معيار التقدم: من الناتج المحلي إلى القدرة على الرفض
أحد أهم الأفكار التي تقدمها هذه القراءة هو إعادة تعريف معيار "التقدم". في النموذج الغربي، يقاس تقدم دولة ما بمؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل النمو، وحجم التجارة الخارجية، وتصنيفات وكالات التصنيف الائتماني.
لكن في نموذج "فك الارتباط"، تصبح هذه المؤشرات ثانوية أمام مؤشر أساسي واحد: القدرة على قول "لا". هل تستطيع هذه الدولة أن ترفض إملاءات صندوق النقد الدولي؟ هل تستطيع أن تتبنى سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن؟ هل تستطيع أن تحمي عملتها من المضاربات العالمية؟ هل تستطيع، إذا حوصرت، أن تطعم شعبها وتداوي جرحاها وتصنع سلاحها بنفسها؟
هذا التحول في المعيار يغير كل شيء. فجأة، تصبح إيران التي يعاني اقتصادها من التضخم والبطالة، "أكثر تقدماً" بمعنى ما من دولة خليجية تسبح في النقد الأجنبي لكنها لا تستطيع شراء قنينة ماء دون المرور بشركة عالمية. تصبح "أكثر تقدماً" لأنها تمتلك ما لا يمتلكه الأغنياء: السيادة الحقيقية.
٢.٣ الدولة التنموية مقابل الدولة الريعية
هذا يقودنا إلى تمييز حاسم بين نوعين من الدول في العالم النامي:
· الدولة الريعية: تعيش على إيرادات الموارد الطبيعية (النفط غالباً) التي تذهب مباشرة إلى خزينة الدولة دون حاجة لقطاع إنتاجي حقيقي. المواطن هنا ليس منتجاً بل "مستفيداً" من الريع، والدولة ليست منظمة للإنتاج بل "موزعة" للثروة. هذه الدول شديدة الهشاشة، لأن ثروتها تعتمد على سعر سلعة واحدة في السوق العالمية، وأمنها يعتمد على حماية القوى الكبرى. · الدولة التنموية: تبني قاعدة إنتاجية حقيقية، تستثمر في التعليم والبحث العلمي، تشجع على توطين التكنولوجيا، وتحاول (بنجاح أو بفشل نسبي) أن تخلق دورة إنتاجية داخلية لا تعتمد على الخارج.
إيران، رغم كونها دولة نفطية، حاولت منذ الثورة أن تنتقل من النموذج الأول إلى الثاني. نجاحاتها وإخفاقاتها في هذا المسار هي ما يجب أن يكون موضوع النقاش، لا ألوان ملابس نسائها.
إيران كمختبر لفك الارتباط - قراءة في المشروع والإنجاز
٣.١ القطيعة كمنطلق: ثورة ١٩٧٩ وتحدي النظام العالمي
لم تكن الثورة الإيرانية بتحالف غير معلن بين الحزب الشيوعي الإيراني تودة و الخميني مجرد تغيير نظام داخلي. كانت، في جوهرها، قطيعة مع نظام الهيمنة العالمي كما تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. فمنذ اللحظة الأولى، رفعت شعاراً صادماً: "لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية".
هذا الشعار كان يعني، عملياً، رفض الانضمام إلى أي من معسكري القوى العظمى. رفض أن تكون إيران "درك الخليج" كما كانت في عهد الشاه. رفض أن تستمر القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها. رفض أن يظل نفطها خاضعاً لشركات النفط الكبرى. رفض أن يحدد صندوق النقد الدولي سياساتها الاقتصادية.
هذا الرفض المتعدد كلف إيران غالياً. بعد عام واحد فقط من الثورة، فرضت الولايات المتحدة أولى عقوباتها. بعد ثلاثة أعوام، كان صدام حسين يغزو إيران بدعم وتشجيع غربي-خليجي. بعد عقد من الزمان، كانت إيران منهكة في حرب استنزفت أجيالاً كاملة. لكنها كانت، في نهاية تلك الحقبة، قد أثبتت شيئاً واحداً: لم تسقط.
٣.٢ الحصار كمعلم: حين تصبح العقوبات جامعة
منذ عام ١٩٨٤، تاريخ إدراج إيران في "قائمة الدول الراعية للإرهاب" الأمريكية، وإلى اليوم، تعرضت إيران لأقسى نظام عقوبات في التاريخ الحديث. حظر أسلحة، حظر تكنولوجيا، حظر مالي، حظر نفطي، حظر حتى على شراء أدوية ومعدات طبية في بعض المراحل. الهدف المعلن (وغير المعلن) كان واحداً: إما أن ترضخ إيران وتعود إلى "المعسكر الغربي" مهزومة، أو أن تنهار داخلياً تحت وطأة الضغوط.
لكن ما حدث كان مختلفاً. الحصار، الذي كان أداة ضغط، تحول إلى محفز للابتكار. عندما لم يعد ممكناً شراء قطع الغيار لطائرات الركاب، أنشأت إيران خط إنتاج محلياً لقطع الغيار. عندما منعت من استيراد المعدات الطبية المتطورة، بدأت شركاتها المحلية في تصنيع أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة التصوير الشعاعي. عندما حرمت من شراء الأسلحة المتطورة، طورت برنامجاً صاروخياً محلياً أصبح اليوم أحد أقوى البرامج في المنطقة.
هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها "الابتكار تحت الحصار"، هي واحدة من أكثر الظواهر إثارة للاهتمام في تجربة إيران بعمقها الحضاري الذي لا يقبل الاستسلام . فهي تثبت أن العقوبات، بدلاً من أن تضعف الدولة، قد تخلق ظروفاً موضوعية لتفعيل الطاقات المحلية الكامنة، التي كانت معطلة في ظل الاستيراد السهل من الخارج.
٣.٣ في القلب من العاصفة: ماذا صنعت إيران بالفعل؟
لننظر إلى بعض المؤشرات الملموسة التي لا تظهر في عدسات الكاميرات الغربية:
في الصناعة العسكرية: تمتلك إيران اليوم أحد أكبر برامج الصواريخ البالستية في الشرق الأوسط، بطائرات مسيّرة تنافس في جودتها النماذج الأمريكية والتركية، وتصدر هذه التكنولوجيا إلى دول بعيدة مثل روسيا وفنزويلا وإثيوبيا. عندما قصفت منشأة أرامكو في ٢٠١٩، تحدث العالم عن "دقة الصواريخ اليمنية" دون أن يدرك كثيرون أن هذه الصواريخ هي ثمرة ثلاثة عقود من العمل التقني الإيراني تحت الحصار.
في الصناعة النووية: سواء أيدت البرنامج النووي الإيراني أو عارضته، لا يمكن إنكار أن إيران استطاعت، رغم اغتيال علمائها وتخريب منشآتها وأقسى عقوبات عرفها التاريخ، أن تصل إلى مرحلة تخصيب اليورانيوم على مستوى صناعي، وأن تبني دورة وقود نووي متكاملة. هذا إنجاز تقني لا تستطيع تحقيقه سوى دول قليلة في العالم.
في الصناعة الدوائية: اليوم، تصنع إيران ٩٧٪ من احتياجاتها الدوائية محلياً. في زمن كورونا، لم تكن إيران مضطرة للتسول للحصول على اللقاحات، بل طورت عدة لقاحات محلية وأنتجتها بملايين الجرعات. هذا يعني أن المواطن الإيراني، وقت الأزمة العالمية، كان أقل عرضة للابتزاز من مواطني دول غنية لكنها غير منتجة.
في الصناعة الفضائية: منذ ٢٠٠٩، تضع إيران أقماراً صناعية في المدار بصواريخ محلية الصنع. قمر "نور" العسكري، وقمر "خيام" المدني، وغيرهما، هي أدلة على أن بلداً محاصراً يمكنه أن يمد يده إلى الفضاء إذا امتلك الإرادة والقدرة التقنية.
في رأس المال البشري: وفقاً لإحصاءات اليونسكو، كانت إيران في سنوات قليلة ماضية ثالثة دول العالم في نسبة الفتيات الملتحقات بالتعليم العالي، ورغم التراجع الأخير، لا تزال نسب الالتحاق بالجامعات مرتفعة جداً. هذا يعني أن إيران تنتج جيلاً من المهندسين والأطباء والعلماء هو أغنى ثرواتها في مواجهة المستقبل.
٣.٤ التناقض الداخلي: الوجه الآخر للصمود
طبعاً، ليس كل ما يلمع ذهباً. التجربة الإيرانية تحمل تناقضاتها الداخلية العميقة، وإنكارها لا يخدم الحقيقة. الاقتصاد يعاني من تضخم مزمن يرهق الطبقات الفقيرة. الفساد الإداري مستشرٍ في مؤسسات الدولة. البطالة بين الشباب مرتفعة، خاصة بين خريجي الجامعات. الحريات الاجتماعية والمدنية تخضع لقيود تثير غضب شرائح واسعة من المجتمع، كما ظهر في احتجاجات ٢٠١٩ و٢٠٢٢.
هذه التناقضات ليست هامشية، وهي تشكل تحدياً وجودياً للنموذج الإيراني. فإذا كان "فك الارتباط" يهدف في النهاية إلى بناء مجتمع أفضل وأكثر عدالة، فإن الفجوة بين القدرات التقنية والتقدم الاجتماعي هي نقطة الضعف الأكبر في التجربة. لن يستمر صمود أي أمة إذا كان على حساب حريات أبنائها وكرامتهم.
لكن المطلوب هنا هو قراءة متوازنة: إيران ليست الجنة الموعودة، لكنها أيضاً ليست الجحيم الذي ترسمه الدعاية الغربية. هي دولة نامية معقدة، تحاول أن تشق طريقها في عالم لا يرحم، وتدفع ثمناً باهظاً مقابل خياراتها السيادية.
ماذا لو انتصرت إيران؟ - جيوسياسية نموذج بديل
٤.١ حرب الاثني عشر يوماً: قراءة مختلفة
في أبريل ٢٠٢٤، وفي حزيران ٢٠٢٥ وبعد قصف القنصلية الإيرانية في دمشق، أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل. كانت المرة الأولى في التاريخ التي تتعرض فيها إسرائيل لهجوم مباشر من دولة ، وليس من فصيل. كانت الرسالة واضحة: قواعد الاشتباك تغيرت.
لو أردنا قراءة هذه اللحظة من منظور نظرية "فك الارتباط"، لوجدناها لحظة اختبار حاسمة. استطاعت إيران، بصواريخها المحلية الصنع، أن تصل إلى عمق الكيان الصهيوني المارق الذي يمتلك أقوى دفاع جوي في المنطقة بدعم أمريكي وبريطاني وفرنسي. الأهم من ذلك، استطاعت أن تعلن مسبقاً عن الهجوم، مما خفف من تأثير المباغتة، لأن هدفها كان "إظهار القدرة" أكثر من "إيقاع الخسائر".
هذه الحادثة الصغيرة (بمقاييس الحروب) كانت علامة فارقة: دولة "هامش" محاصرة استطاعت أن تفرض معادلة ردع جديدة مع دولة "مركز" مدعومة من أكبر تكتل عسكري في التاريخ.
٤.٢ الحشد الأمريكي: اعتراف بالفشل
بعد هذه الحادثة بأقل من عام ، حشدت الولايات المتحدة قطعاً بحرية ضخمة في المنطقة. حاملات طائرات، غواصات، مقاتلات من الجيل الخامس. هذا الحشد، الذي قوبل بسخرية في بعض الأوساط، يحمل قراءة سياسية عميقة: لو كانت إيران ضعيفة، لما احتاجت كل هذه القوة لردعها.
اللافت أن أمريكا لم تعد تهدد بغزو إيران كما كانت تفعل في عهد بوش الابن. الخطاب تغير إلى "الردع" و"حماية الحلفاء" و"منع التصعيد". هذا اعتراف ضمني بأن عصر الحروب الكبرى في الشرق الأوسط، على النمط العراقي، قد ولى. وأن إيران استطاعت، عبر ثلاثين عاماً من الصمود وبناء الذات، أن تجعل من المستحيل عسكرياً تكرار سيناريو ٢٠٠٣ على أراضيها.
٤.٣ التحالفات الجديدة: نهاية الأحادية القطبية
في السنوات الأخيرة، انضمت إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون، ثم إلى مجموعة البريكس. هذان التكتلان يمثلان، بمجموعهما، ثقلاً اقتصادياً وسكانياً هائلاً يتجاوز بكثير ثقل الغرب التقليدي. هذا التحول الجيوسياسي يوفر لإيران ما لم يكن متاحاً لها في الثمانينات: سند دولي حقيقي.
الصين وروسيا، حتى لو كانت مصالحهما مع إيران تكتيكية أكثر منها استراتيجية، تدركان أن سقوط إيران سيعني تعزيز الهيمنة الأمريكية على منطقة الخليج وممرات الطاقة، وبالتالي تضعان ثقلهما السياسي (وأحياناً الاقتصادي) خلف بقائها. هذا لا يعني تحالفاً مثالياً، لكنه يعني أن إيران لم تعد وحيدة في مواجهة العالم.
الخلاصة - إيران كمرآة
٥.١ ماذا تخبرنا إيران عن عالمنا؟
إيران، في تحليلها النهائي، هي مرآة لعالمنا المعاصر أكثر مما هي قضية محلية. هي مرآة تعكس لنا كيف يعيد "المركز" الرأسمالي إنتاج هيمنته عبر أدوات جديدة: العقوبات الاقتصادية بدل المدافع، الحرب الناعمة بدل الغزو المباشر، خطابات حقوق الإنسان بدل خطابات التفوق العرقي.
هي مرآة تعكس لنا أيضاً أن "الهامش" لم يعد مجرد متلقٍ منفعل للسياسات العالمية، بل أصبح فاعلاً قادراً على الصمود بل والمبادرة في بعض الأحيان. إيران، فنزويلا، كوريا الشمالية، وحتى روسيا والصين في مواجهة الغرب، كلها أمثلة على دول تختبر حدود الهيمنة الأمريكية، وتنجح بدرجات متفاوتة في خلق مساحات من المناورة خارج الإطار الغربي التقليدي.
٥.٢ تحذير من الانغلاق
لكن المرآة الإيرانية تعكس أيضاً خطراً جوهرياً: خطر تحول "فك الارتباط" من استراتيجية تنموية إلى أيديولوجيا انغلاقية. عندما تصبح المقاومة هدفاً في حد ذاتها، وعندما يتحول الصمود إلى أسطورة تبرر كل التضحيات، وعندما تغيب الديمقراطية الداخلية تحت وطأة الضغوط الخارجية، يتحول النموذج إلى نقيضه.
إيران تحتاج، لكي تكمل مشروعها التاريخي، إلى أن توازن بين الصمود الخارجي والانفتاح الداخلي. بين بناء الصواريخ وبناء الثقة بين المواطن والدولة. بين مواجهة الهيمنة العالمية واحترام كرامة الإنسان المحلي. هذا التوازن هو أصعب ما يمكن تحقيقه، لكنه شرط بقاء أي نموذج بديل.
٥.٣ دعوة لقراءة مغايرة
في النهاية، ما تقدمه هذه المادة الصحفية ليس دفاعاً عن إيران ولا هجوماً عليها. هو دعوة لقراءة مغايرة: قراءة ترى في إيران أكثر من "دولة الملابس"، ترى فيها مختبراً اجتماعياً وسياسياً معقداً، يختبر فرضيات كبرى حول علاقة الجنوب بالشمال، وحول إمكانية بناء تنمية ذاتية في عالم معولم، وحول جدوى الصمود في وجه الهيمنة.
هذه القراءة لا تطلب من القارئ أن يوافق على خيارات إيران، بل أن يفهمها. أن يفهم لماذا يصر ملايين الإيرانيين على البقاء في بلدهم رغم الصعوبات. أن يفهم كيف يمكن لشعب أن ينتج التكنولوجيا تحت الحصار. أن يفهم أن الصراع في الشرق الأوسط ليس صراع أديان أو حجاب، بل صراع مصالح ومشاريع، وأن إيران، بحلوها ومرها، هي أحد أقطاب هذا الصراع.
ربما، فقط ربما، إذا نجحنا في تجاوز الصور النمطية والخطابات الجاهزة، سنقترب خطوة من فهم عالم لا يحتمل التبسيط، وشرق لا يريد أن يكون مجرد صورة في ألبوم الغرب الاستعماري.
ملحق: في فضح التبسيط - كيف تقرأ خبراً عن إيران
قبل أن تصدق الخبر التالي عن إيران، اسأل نفسك:
١. هل يركز هذا الخبر على "المظهر" (حجاب، لحى، ملابس) أكثر من "الجوهر" (سياسات، اقتصاد، تكنولوجيا)؟ ٢. هل يستخدم صوراً نمطية مثل "الملالي" و"الدولة الدينية" و"تكميم الأفواه" كبديل عن التحليل الموضوعي؟ ٣. هل يقارن إيران بمعايير مثالية لا يطبقها على دول أخرى في المنطقة؟ ٤. هل يتجاهل السياق التاريخي للصراع (دور الغرب في دعم صدام، العقوبات الجائرة، اغتيال العلماء)؟ ٥. هل يقدم الإيرانيين ككتلة واحدة (إما "شعب ثائر" أو "شعب خاضع") دون تمييز بين التيارات المختلفة داخل المجتمع؟
إذا كانت الإجابة بنعم على معظم هذه الأسئلة، فأنت أمام نموذج من "الاستشراق الجديد"، وليس أمام صحافة جادة. الحقيقة دائماً أكثر تعقيداً، وأكثر إنسانية، وأكثر إثارة للاهتمام مما تقدمه لنا عدسات الكاميرات الغربية.
……..
المادة الساخرة :
إيران: ما وراء أسطورة "دولة الملابس" - قراءة في جيوسياسية الصمود والتنمية الذاتية
(نسخة ساخرة جداً من دعايات الغرب الإعلامية وتنميطاته)
تقديم - من يحتكر "الموضة"؟
في خريف عام 1979، وقف رجل ملتحٍ على منصة في جامعة طهران (نعم، بلحية، نعم، على منصة، نعم، في جامعة - صادم، أليس كذلك؟). لم يكن الرجل يتحدث عن آخر صيحات الموضة في الحجاب، ولا عن وصفة الكباب السرية، ولا حتى عن لون العمامة الأكثر تناسقاً مع فصل الخريف. كان يتحدث عن "الاستقلال الاقتصادي". تخيلوا! رجل ملتحٍ يهتم بالاقتصاد! أليس هذا مثل دب قطبي يهتم بتبريد المحيطات؟
بعد خمسة وأربعين عاماً من ذلك الخطاب، لا تزال الصورة الذهنية عن إيران في وسائل الإعلام الغربية محصورة في إطار ضيق جداً: ملابس نسائية (يا إلهي، إنهن يرتدين ملابس! العالم ينتهي!)، شرطة أخلاق (في بلد فيه أخلاق! فضيحة!)، خطب جمعة (في يوم الجمعة! في مسجد! غير معقول!)، ومواجهات لفظية مع الغرب (دول تتخاصم! هذا لم يحدث في التاريخ!).
وكأن تاريخاً كاملاً من الصراع مع أقوى تكتل رأسمالي في العالم يمكن اختزاله في بضع لقطات من كاميرات وكالات الأنباء التي تبحث عن "الصورة الجريئة" بينما تتجاهل أن 85 مليون إنسان يعيشون هناك، يذهبون إلى أعمالهم، ويقعون في الحب، ويدفعون الفواتير، ويموتون أحياناً من الضحك وهم يشاهدون نشرات الأخبار الغربية عن بلدهم.
تفكيك الاستشراق الجديد - كيف اختزل الغرب إيران في "الأزياء"
٢.١ ولادة الصورة النمطية: عندما يصبح الحجاب أهم من الصواريخ
في عام 2009، نشرت إحدى كبرى المجلات الغربية تحقيقاً مصوراً عن إيران. المفاجأة! احتلت صور النساء المحجبات أكثر من نصف مساحته. نعم، نصف مساحة تحقيق عن بلد يضم جبالاً وصحاري وتاريخاً عمره 2500 عام وصناعة صواريخ متطورة وبرنامجاً نووياً... لكن من يهتم؟ انظروا! هناك امرأة تضع وشاحاً على رأسها! هذا هو الخبر!
في عام 2015، وبالتزامن مع الاتفاق النووي (نعم، اتفاق نووي، موضوع يتعلق بأمن العالم بأسره)، ركزت شبكة تلفزيونية كبرى تقريرها عن طهران على... "مقهى سري" ترتاده شابات بدون حجاب! أخيراً! امرأة بدون حجاب في إيران! هذا أهم من تفتيت اليورانيوم بثلاث مرات على الأقل!
في عام 2022، وبعد احتجاجات مهسا أميني، عادت الكاميرات إلى نفس المشاهد: حجاب، حجاب، حجاب... وكأن الكاميرات الغربية مصابة بحساسية تجاه أي مشهد لا يحتوي على قطعة قماش على رأس امرأة.
هذه الظاهرة ليست بريئة، ولا هي مجرد "تركيز صحفي". إنها تشبه شخصاً يزور باريس ويكتب تقريراً من 50 صفحة عن... سلال القمامة! "في باريس، وجدنا أن سلال القمامة زرقاء اللون، وهذا يعكس قمع الدولة العميق!" هل بدأتم تستمعتون؟
الاستشراق القديم كان يصور المرأة الشرقية كجسم متاح للاستهلاك (وهذا سيئ بما فيه الكفاية)، بينما الاستشراق الجديد يصورها كجسم مكبوت يحتاج للتحرير على يد الغرب (وهذا أيضاً سيئ، لكن بطريقة "إنسانية" أنيقة).
لكن ماذا لو أخبرناكم أن هذه الصورة تشكل أقل من ١٪ من حقيقة مجتمع يضم ٨٥ مليون نسمة، وينتج أكثر من ٤٠٠ ألف مهندس سنوياً، ويمتلك أحد أعقد البرامج الفضائية في المنطقة، ويصدر التكنولوجيا العسكرية إلى أربع قارات؟
لا، لا تخبرونا! نحن نفضل الاستمرار في تصوير النساء وهن يتسوقن في أسواق طهران! هذا أكثر متعة!
٢.٢ عندما يصبح الحجاب بديلاً عن التحليل - اقتصاد الصورة المذهل
اللافت في الخطاب الإعلامي الغربي عن إيران هو "اقتصاد الصورة" الذي يمارسه. فبينما تنفق دول الخليج مئات الملايين على شراء الأمن من الخارج (أي يدفعون أموالاً لدول أخرى تحميهم)، وتستورد حتى المواد الغذائية الأساسية (نعم، يستوردون الخبز! الخبز!)، نادراً ما ترى تقريراً غربياً ينتقد "التبعية الاقتصادية" لهذه الدول.
بالمقابل، تتحول إيران، التي تصنع طائراتها المسيّرة (نعم، تصنعها بنفسها!) وصواريخها البالستية (بنفسها!) وحتى أجهزة التنفس الصناعي في زمن كورونا رغم الحصار (بنفسها!)، إلى "دولة الحجاب". إيران تتفوق في 500 مجال تكنولوجي؟ لا يهم! أرونا امرأة محجبة من فضلكم!
هذا التحول ليس عفوياً. إنه يخدم غرضاً مركزياً: تحويل الصراع من صراع أنظمة وحضارات إلى صراع أزياء، ومن ثم اختزال مشروع وطني معقد في بضع وصمات أخلاقية. عندما تنجح في جعل العالم يرى إيران من خلال "فتاة شارع الثورة" فقط، فإنك تنجح في محو عقود من النضال ضد الهيمنة.
إنها مثل مشاهدة فيلم "الأب الروحي" بكامله ثم الخروج بأنطباع أن الفيلم كان عن... أنوف المافيا! "لاحظتم كيف أنوفهم كبيرة؟ هذا يدل على فسادهم!"
٢.٣ هل إيران حقاً "دولة دينية" فقط؟ (سؤال صادم)
بالطبع للدين دور في النظام السياسي الإيراني، وإنكار ذلك سخافة (مثل إنكار أن للفودكا دور في الحياة الروسية). لكن هل إيران "أكثر تديناً" من السعودية التي لا تزال تمنع النساء من السفر دون محرم حتى وقت قريب؟ أم أنها أكثر "أصولية" من حركة هندوتفا في الهند التي تهدم المساجد؟ أم أنها أكثر "رجعية" من بعض الأنظمة الأوروبية التي تتبنى سياسات قومية متطرفة؟
المشكلة ليست في وجود الدين في السياسة، بل في ازدواجية المعايير. عندما تفعل إيران شيئاً، يقرأ من خلال عدسة "التشيع" و"الثورة الإسلامية" و"الخمينية". عندما تفعل دول أخرى الشيء نفسه، يقرأ من خلال عدسة "المصلحة الوطنية" و"الأمن القومي" و"الاستقرار".
هذه الازدواجية هي جوهر ما يمكن تسميته "الاستشراق الجديد"، أو كما نحب تسميته: "نحن نكرهكم لأنكم مختلفون، لكننا سنلبس كرهنا ثوباً أخلاقياً حتى لا نبدو عنصريين".
الإطار النظري - عندما تصبح التبعية هي العيب لا الحجاب
٣.١ سؤال مركزي: لماذا تتخلف الأمم؟ (سؤال محرج)
في خمسينيات القرن الماضي، بدأ صوت جديد يعلو في العالم النامي، يتساءل: لماذا تبقى دول الجنوب فقيرة بينما يزداد الشمال غنى؟ لماذا نصدّر المواد الخام برخص التراب ونستوردها مصنعة بأضعاف الأضعاف؟ (تذكروا هذا السؤال، سيكون في الامتحان)
هذه الأسئلة قادت إلى نظرية متكاملة عرفت بـ"نظرية التبعية". جوهرها بسيط وصادم معاً: تخلف الجنوب ليس نتيجة "كسل" أو "تخلف ثقافي" أو "دين" (صادم، أليس كذلك؟)، بل هو نتيجة حتمية لموقع هذه الدول في النظام الرأسمالي العالمي. هذا النظام صُمم ليكون فيه مركز (يصنع التكنولوجيا ويحدد الأسعار ويمتلك براءات الاختراع) وأطراف (تنتج المواد الخام وتستورد التكنولوجيا وتعاني من تدهور شروط التبادل التجاري).
تخيلوا أنكم في لعبة مونوبولي، واللاعبون في الغرب يملكون كل الفنادق والشوارع الذهبية، بينما أنتم في الجنوب تملكون شارعاً واحداً متواضعاً. ثم يأتي لاعب غربي ويقول لكم: "لماذا أنتم فقراء؟ أنتم فقط كسالى! انظروا كم أنا مجتهد!" هذا هو المنطق.
من هنا ولد مفهوم "فك الارتباط". لا يعني الانعزال عن العالم (فالعالم ليس بيتاً للضيوف يمكنك طرد من فيه)، بل يعني إعادة تنظيم الأولويات: إخضاع العلاقات مع الخارج لمتطلبات التنمية الداخلية، وليس العكس. يعني بناء قاعدة صناعية محلية حتى لو كانت أقل كفاءة في البداية، لأن الكفاءة الحقيقية تقاس بالقدرة على الصمود وليس بالقدرة على المنافسة في سوق يتحكم فيه الأقوى.
٣.٢ معيار التقدم: من الناتج المحلي إلى القدرة على الرفض
أحد أهم الأفكار التي تقدمها هذه القراءة هو إعادة تعريف معيار "التقدم". في النموذج الغربي، يقاس تقدم دولة ما بمؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل النمو، وحجم التجارة الخارجية، وتصنيفات وكالات التصنيف الائتماني (وكالات إذا أعطتك تصنيفاً سيئاً، ينهار اقتصادك، وكأنها آلهة صغيرة).
لكن في نموذج "فك الارتباط"، تصبح هذه المؤشرات ثانوية أمام مؤشر أساسي واحد: القدرة على قول "لا". (نعم، "لا" كلمة من حرفين، لكنها أثقل من جبل إيفرست في عالم السياسة الدولية).
هل تستطيع هذه الدولة أن ترفض إملاءات صندوق النقد الدولي؟ هل تستطيع أن تتبنى سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن؟ هل تستطيع أن تحمي عملتها من المضاربات العالمية؟ هل تستطيع، إذا حوصرت، أن تطعم شعبها وتداوي جرحاها وتصنع سلاحها بنفسها؟
هذا التحول في المعيار يغير كل شيء. فجأة، تصبح إيران التي يعاني اقتصادها من التضخم والبطالة (وهذا صحيح ولا ننكره)، "أكثر تقدماً" بمعنى ما من دولة خليجية تسبح في النقد الأجنبي لكنها لا تستطيع شراء قنينة ماء دون المرور بشركة عالمية. تصبح "أكثر تقدماً" لأنها تمتلك ما لا يمتلكه الأغنياء: السيادة الحقيقية.
إنها مثل مقارنة رجل فقير لكنه حر، بكلب غني لكنه مقيد بسلسلة. الكلب يأكل أفضل الأطعمة، لكنه لا يستطيع مغادرة الفناء. الرجل الفقير قد لا يجد عشاءً الليلة، لكنه يستطيع الذهاب أينما يشاء. أي الحياة أفضل؟ هذا نقاش مفتوح.
٣.٣ الدولة التنموية مقابل الدولة الريعية - أو: لماذا تشتري السلاح ولا تصنعه؟
هذا يقودنا إلى تمييز حاسم بين نوعين من الدول في العالم النامي:
الدولة الريعية: تعيش على إيرادات الموارد الطبيعية (النفط غالباً) التي تذهب مباشرة إلى خزينة الدولة دون حاجة لقطاع إنتاجي حقيقي. المواطن هنا ليس منتجاً بل "مستفيداً" من الريع، والدولة ليست منظمة للإنتاج بل "موزعة" للثروة. هذه الدول شديدة الهشاشة، لأن ثروتها تعتمد على سعر سلعة واحدة في السوق العالمية، وأمنها يعتمد على حماية القوى الكبرى. إنها مثل طفل غني يعيش على مصروف أبيه: إذا غضب الأب، ينام الطفل في الشارع.
الدولة التنموية: تبني قاعدة إنتاجية حقيقية، تستثمر في التعليم والبحث العلمي، تشجع على توطين التكنولوجيا، وتحاول (بنجاح أو بفشل نسبي) أن تخلق دورة إنتاجية داخلية لا تعتمد على الخارج. هذه الدولة تشبه رجلاً بنى بيته بيديه: قد لا يكون القصر الأجمل، لكن لا أحد يستطيع طرده منه.
إيران، رغم كونها دولة نفطية، حاولت منذ الثورة أن تنتقل من النموذج الأول إلى الثاني. نجاحاتها وإخفاقاتها في هذا المسار هي ما يجب أن يكون موضوع النقاش، لا ألوان ملابس نسائها. لكن للأسف، "ملابس النساء" تبيع إعلانات أكثر من "التحول من الريعية إلى الإنتاجية".
إيران كمختبر لفك الارتباط - قراءة في المشروع والإنجاز
٤.١ القطيعة كمنطلق: ثورة ١٩٧٩ وتحدي النظام العالمي - أو: كيف أغضبت إيران الجميع بأناقة؟
لم تكن الثورة الإيرانية مجرد تغيير نظام داخلي. كانت، في جوهرها، قطيعة مع نظام الهيمنة العالمي كما تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. فمنذ اللحظة الأولى، رفعت شعاراً صادماً: "لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية".
هذا الشعار كان يعني، عملياً، رفض الانضمام إلى أي من معسكري القوى العظمى. تخيلوا أنكم في حفلة، وهناك فريقان يتنافسان، وأنتم تقولون: "لا، شكراً، سأجلس هنا في الزاوية وأقرأ كتابي". هذا هو التصرف الأكثر إزعاجاً لأصحاب الحفلة. كيف تجرؤ على عدم الانحياز؟!
رفضت إيران أن تكون "درك الخليج" كما كانت في عهد الشاه. رفضت أن تستمر القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها. رفضت أن يظل نفطها خاضعاً لشركات النفط الكبرى. رفضت أن يحدد صندوق النقد الدولي سياساتها الاقتصادية.
هذا الرفض المتعدد كلف إيران غالياً. بعد عام واحد فقط من الثورة، فرضت الولايات المتحدة أولى عقوباتها (لأن العقوبات هي الهدية الأمريكية المفضلة لمن لا يعجبهم). بعد ثلاثة أعوام، كان صدام حسين يغزو إيران بدعم وتشجيع غربي-خليجي (حفلة غزو على شرف الجميع). بعد عقد من الزمان، كانت إيران منهكة في حرب استنزفت أجيالاً كاملة. لكنها كانت، في نهاية تلك الحقبة، قد أثبتت شيئاً واحداً: لم تسقط.
وهذا هو الذنب الأعظم: أن تصمد. أن تظل واقفاً رغم كل شيء. الغرب يغفر أي شيء إلا الصمود.
٤.٢ الحصار كمعلم: حين تصبح العقوبات جامعة - أو: كيف تتعلم صناعة كل شيء لأنهم منعوني من استيراد أي شيء
منذ عام ١٩٨٤، تاريخ إدراج إيران في "قائمة الدول الراعية للإرهاب" الأمريكية، وإلى اليوم، تعرضت إيران لأقسى نظام عقوبات في التاريخ الحديث. حظر أسلحة، حظر تكنولوجيا، حظر مالي، حظر نفطي، حظر حتى على شراء أدوية ومعدات طبية في بعض المراحل. الهدف المعلن (وغير المعلن) كان واحداً: إما أن ترضخ إيران وتعود إلى "المعسكر الغربي" مهزومة، أو أن تنهار داخلياً تحت وطأة الضغوط.
لكن ما حدث كان مختلفاً. الحصار، الذي كان أداة ضغط، تحول إلى محفز للابتكار. عندما لم يعد ممكناً شراء قطع الغيار لطائرات الركاب، أنشأت إيران خط إنتاج محلياً لقطع الغيار. عندما منعت من استيراد المعدات الطبية المتطورة، بدأت شركاتها المحلية في تصنيع أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة التصوير الشعاعي. عندما حرمت من شراء الأسلحة المتطورة، طورت برنامجاً صاروخياً محلياً أصبح اليوم أحد أقوى البرامج في المنطقة.
هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها "الابتكار تحت الحصار"، هي واحدة من أكثر الظواهر إثارة للاهتمام في تجربة إيران. فهي تثبت أن العقوبات، بدلاً من أن تضعف الدولة، قد تخلق ظروفاً موضوعية لتفعيل الطاقات المحلية الكامنة، التي كانت معطلة في ظل الاستيراد السهل من الخارج.
ببساطة: عندما تمنع الماء عن شجرة، تضطر جذورها للتعمق أكثر بحثاً عنه. هذا ما فعلته إيران. أو كما يقول المثل الإيراني: "القط إذا لم يستطع الوصول إلى اللحم، قال: رائحته كريهة". لكن في حالة إيران، القط قال: "سأربي دجاجاً بنفسي".
٤.٣ في القلب من العاصفة: ماذا صنعت إيران بالفعل؟ (قائمة طويلة، خذوا نفساً عميقاً)
لننظر إلى بعض المؤشرات الملموسة التي لا تظهر في عدسات الكاميرات الغربية (لأن الكاميرات مشغولة بتصوير الحجاب):
في الصناعة العسكرية: تمتلك إيران اليوم أحد أكبر برامج الصواريخ البالستية في الشرق الأوسط، بطائرات مسيّرة تنافس في جودتها النماذج الأمريكية والتركية، وتصدر هذه التكنولوجيا إلى دول بعيدة مثل روسيا وفنزويلا وإثيوبيا. عندما قصفت منشأة أرامكو في ٢٠١٩، تحدث العالم عن "دقة الصواريخ اليمنية" دون أن يدرك كثيرون أن هذه الصواريخ هي ثمرة ثلاثة عقود من العمل التقني الإيراني تحت الحصار. لكن بالطبع، الأسهل هو القول: "الحوثيون أطلقوا صواريخ". الحوثيون، الذين كانوا قبل سنوات يقاتلون بعصي الغزل، فجأة أصبحوا خبراء صواريخ من الطراز الأول! أجل، طبعاً.
في الصناعة النووية: سواء أيدت البرنامج النووي الإيراني أو عارضته، لا يمكن إنكار أن إيران استطاعت، رغم اغتيال علمائها (نعم، اغتيال، لأن الغرب يحترم القوانين الدولية كثيراً)، وتخريب منشآتها (فيروس ستاكسنت كان فيروساً إسرائيلياً-أمريكياً، لكن لا بأس)، وأقسى عقوبات عرفها التاريخ، أن تصل إلى مرحلة تخصيب اليورانيوم على مستوى صناعي، وأن تبني دورة وقود نووي متكاملة. هذا إنجاز تقني لا تستطيع تحقيقه سوى دول قليلة في العالم. لكن طبعاً، من الأسهل القول: "إيران تسعى لصنع قنبلة نووية!" مع أن تقارير الاستخبارات الأمريكية نفسها تؤكد عكس ذلك مراراً.
في الصناعة الدوائية: اليوم، تصنع إيران ٩٧٪ من احتياجاتها الدوائية محلياً. في زمن كورونا، لم تكن إيران مضطرة للتسول للحصول على اللقاحات، بل طورت عدة لقاحات محلية وأنتجتها بملايين الجرعات. هذا يعني أن المواطن الإيراني، وقت الأزمة العالمية، كان أقل عرضة للابتزاز من مواطني دول غنية لكنها غير منتجة. تخيلوا أنكم في سفينة تغرق، والجميع يصرخ. إيران كانت مشغولة بصناعة قارب النجاة الخاص بها.
في الصناعة الفضائية: منذ ٢٠٠٩، تضع إيران أقماراً صناعية في المدار بصواريخ محلية الصنع. قمر "نور" العسكري، وقمر "خيام" المدني، وغيرهما، هي أدلة على أن بلداً محاصراً يمكنه أن يمد يده إلى الفضاء إذا امتلك الإرادة والقدرة التقنية. "إلى الفضاء يا أطفال!" بينما الغرب يقول: "ابقوا في منازلكم أيها الإيرانيون، السماء لنا وحدنا".
في رأس المال البشري: وفقاً لإحصاءات اليونسكو، كانت إيران في سنوات قليلة ماضية ثالثة دول العالم في نسبة الفتيات الملتحقات بالتعليم العالي، ورغم التراجع الأخير، لا تزال نسب الالتحاق بالجامعات مرتفعة جداً. هذا يعني أن إيران تنتج جيلاً من المهندسين والأطباء والعلماء هو أغنى ثرواتها في مواجهة المستقبل. تخيلوا: بلد "متخلف" كما يصورونه، يخرج مهندسين أكثر من معظم دول العالم. يا للتناقض!
٤.٤ التناقض الداخلي: الوجه الآخر للصمود (أو: نحن لا نقول إنها جنة، توقفوا عن الهتاف)
طبعاً، ليس كل ما يلمع ذهباً. التجربة الإيرانية تحمل تناقضاتها الداخلية العميقة، وإنكارها لا يخدم الحقيقة. الاقتصاد يعاني من تضخم مزمن يرهق الطبقات الفقيرة (نعم، الفقر موجود، مفاجأة!). الفساد الإداري مستشرٍ في مؤسسات الدولة (نعم، فساد، مثله مثل معظم دول العالم، لكن لا تخبروا أحداً). البطالة بين الشباب مرتفعة، خاصة بين خريجي الجامعات (مهندسون بلا عمل، ظاهرة عالمية). الحريات الاجتماعية والمدنية تخضع لقيود تثير غضب شرائح واسعة من المجتمع، كما ظهر في احتجاجات ٢٠١٩ و٢٠٢٢ (نعم، إيران فيها احتجاجات، مثل فرنسا وأمريكا وبريطانيا، لكن احتجاجاتهم "شرعية" واحتجاجاتنا "فتنة").
هذه التناقضات ليست هامشية، وهي تشكل تحدياً وجودياً للنموذج الإيراني. فإذا كان "فك الارتباط" يهدف في النهاية إلى بناء مجتمع أفضل وأكثر عدالة، فإن الفجوة بين القدرات التقنية والتقدم الاجتماعي هي نقطة الضعف الأكبر في التجربة. لن يستمر صمود أي أمة إذا كان على حساب حريات أبنائها وكرامتهم. (هذه جملة عميقة، أرجو وضعها في إطار وتحتها خط أحمر).
لكن المطلوب هنا هو قراءة متوازنة: إيران ليست الجنة الموعودة، لكنها أيضاً ليست الجحيم الذي ترسمه الدعاية الغربية. هي دولة نامية معقدة، تحاول أن تشق طريقها في عالم لا يرحم، وتدفع ثمناً باهظاً مقابل خياراتها السيادية. إنها مثل مراهق يحاول أن يثبت استقلاله عن عائلة مسيطرة، يرتكب أخطاء، لكنه على الأقل يحاول أن يكون نفسه.
ماذا لو انتصرت إيران؟ - جيوسياسية نموذج بديل (أو: كابوس الغرب)
٥.١ حرب الاثني عشر يوماً: قراءة مختلفة (أو: عندما تضرب ولا تندم)
في أبريل ٢٠٢٤، وفي حزيران ٢٠٢٥، وبعد قصف القنصلية الإيرانية في دمشق، أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل. كانت المرة الأولى في التاريخ التي تتعرض فيها إسرائيل لهجوم مباشر من دولة، وليس من فصيل. كانت الرسالة واضحة: قواعد الاشتباك تغيرت. (تخيلوا موسيقى فيلم أكشن هنا).
لو أردنا قراءة هذه اللحظة من منظور نظرية "فك الارتباط"، لوجدناها لحظة اختبار حاسمة. استطاعت إيران، بصواريخها المحلية الصنع (محلية، افهموا، محلية!)، أن تصل إلى عمق الكيان الصهيوني المارق الذي يمتلك أقوى دفاع جوي في المنطقة بدعم أمريكي وبريطاني وفرنسي (أي نصف العالم تقريباً). الأهم من ذلك، استطاعت أن تعلن مسبقاً عن الهجوم، مما خفف من تأثير المباغتة، لأن هدفها كان "إظهار القدرة" أكثر من "إيقاع الخسائر".
هذه الحادثة الصغيرة (بمقاييس الحروب) كانت علامة فارقة: دولة "هامش" محاصرة استطاعت أن تفرض معادلة ردع جديدة مع دولة "مركز" مدعومة من أكبر تكتل عسكري في التاريخ.
تخيلوا أن طفلاً صغيراً في الملعب يقول لطفل ضخم: "إذا ضربتني، سأضربك". الطفل الضخم يضحك. ثم يسدد الطفل الصغير لكمة دقيقة على أنفه. فجأة، لم يعد الأمر مضحكاً. هذا ما حدث.
٥.٢ الحشد الأمريكي: اعتراف بالفشل (أو: عندما ترسل حاملات الطائرات كرسالة حب)
بعد هذه الحادثة بأقل من عام، حشدت الولايات المتحدة قطعاً بحرية ضخمة في المنطقة. حاملات طائرات، غواصات، مقاتلات من الجيل الخامس. هذا الحشد، الذي قوبل بسخرية في بعض الأوساط، يحمل قراءة سياسية عميقة: لو كانت إيران ضعيفة، لما احتاجت كل هذه القوة لردعها.
اللافت أن أمريكا لم تعد تهدد بغزو إيران كما كانت تفعل في عهد بوش الابن. الخطاب تغير إلى "الردع" و"حماية الحلفاء" و"منع التصعيد". هذا اعتراف ضمني بأن عصر الحروب الكبرى في الشرق الأوسط، على النمط العراقي، قد ولى. وأن إيران استطاعت، عبر ثلاثين عاماً من الصمود وبناء الذات، أن تجعل من المستحيل عسكرياً تكرار سيناريو ٢٠٠٣ على أراضيها.
إنها مثل قصة الذئب الذي اعتاد أكل الحملان، ثم كبرت إحدى الحملان وأصبحت تملك أنياباً. الذئب لا يقول: "هذه الحملة خطيرة". بل يقول: "أنا فقط هنا لحماية الغابة". أجل، طبعاً.
٥.٣ التحالفات الجديدة: نهاية الأحادية القطبية (أو: عندما تجد إيران أصدقاء جدد)
في السنوات الأخيرة، انضمت إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون، ثم إلى مجموعة البريكس. هذان التكتلان يمثلان، بمجموعهما، ثقلاً اقتصادياً وسكانياً هائلاً يتجاوز بكثير ثقل الغرب التقليدي. هذا التحول الجيوسياسي يوفر لإيران ما لم يكن متاحاً لها في الثمانينات: سند دولي حقيقي.
الصين وروسيا، حتى لو كانت مصالحهما مع إيران تكتيكية أكثر منها استراتيجية، تدركان أن سقوط إيران سيعني تعزيز الهيمنة الأمريكية على منطقة الخليج وممرات الطاقة، وبالتالي تضعان ثقلهما السياسي (وأحياناً الاقتصادي) خلف بقائها. هذا لا يعني تحالفاً مثالياً، لكنه يعني أن إيران لم تعد وحيدة في مواجهة العالم.
تخيلوا أنكم في حفلة، وفجأة تنضم إلى طاولة فيها أقوياء الحفلة. لن يجرؤ أحد على مضايقتكم بعد الآن. هذا ما تفعله البريكس وشنغهاي.
الخلاصة - إيران كمرآة (أو: ماذا ترى عندما تنظر حقاً؟)
٦.١ ماذا تخبرنا إيران عن عالمنا؟ (الكثير، للأسف)
إيران، في تحليلها النهائي، هي مرآة لعالمنا المعاصر أكثر مما هي قضية محلية. هي مرآة تعكس لنا كيف يعيد "المركز" الرأسمالي إنتاج هيمنته عبر أدوات جديدة: العقوبات الاقتصادية بدل المدافع، الحرب الناعمة بدل الغزو المباشر، خطابات حقوق الإنسان بدل خطابات التفوق العرقي.
هي مرآة تعكس لنا أيضاً أن "الهامش" لم يعد مجرد متلقٍ منفعل للسياسات العالمية، بل أصبح فاعلاً قادراً على الصمود بل والمبادرة في بعض الأحيان. إيران، فنزويلا، كوريا الشمالية، وحتى روسيا والصين في مواجهة الغرب، كلها أمثلة على دول تختبر حدود الهيمنة الأمريكية، وتنجح بدرجات متفاوتة في خلق مساحات من المناورة خارج الإطار الغربي التقليدي.
إنها مثل مرآة في بيت مليء بالصور المزيفة. عندما تنظر إليها، ترى الحقيقة، وقد لا تعجبك.
٦.٢ تحذير من الانغلاق (أو: لا تتحول إلى ما تكره)
لكن المرآة الإيرانية تعكس أيضاً خطراً جوهرياً: خطر تحول "فك الارتباط" من استراتيجية تنموية إلى أيديولوجيا انغلاقية. عندما تصبح المقاومة هدفاً في حد ذاتها، وعندما يتحول الصمود إلى أسطورة تبرر كل التضحيات، وعندما تغيب الديمقراطية الداخلية تحت وطأة الضغوط الخارجية، يتحول النموذج إلى نقيضه.
إيران تحتاج، لكي تكمل مشروعها التاريخي، إلى أن توازن بين الصمود الخارجي والانفتاح الداخلي. بين بناء الصواريخ وبناء الثقة بين المواطن والدولة. بين مواجهة الهيمنة العالمية واحترام كرامة الإنسان المحلي. هذا التوازن هو أصعب ما يمكن تحقيقه، لكنه شرط بقاء أي نموذج بديل.
باختصار: لا تتحول إلى وحش لمجرد أنك تحارب وحشاً. لأنه في النهاية، ستنظر في المرآة وترى نفس الوحش.
٦.٣ دعوة لقراءة مغايرة (أو: توقفوا عن مشاهدة قناة التسوق الإيرانية)
في النهاية، ما تقدمه هذه المادة الصحفية الساخرة ليس دفاعاً عن إيران ولا هجوماً عليها. هو دعوة لقراءة مغايرة: قراءة ترى في إيران أكثر من "دولة الملابس"، ترى فيها مختبراً اجتماعياً وسياسياً معقداً، يختبر فرضيات كبرى حول علاقة الجنوب بالشمال، وحول إمكانية بناء تنمية ذاتية في عالم معولم، وحول جدوى الصمود في وجه الهيمنة.
هذه القراءة لا تطلب من القارئ أن يوافق على خيارات إيران، بل أن يفهمها. أن يفهم لماذا يصر ملايين الإيرانيين على البقاء في بلدهم رغم الصعوبات. أن يفهم كيف يمكن لشعب أن ينتج التكنولوجيا تحت الحصار. أن يفهم أن الصراع في الشرق الأوسط ليس صراع أديان أو حجاب، بل صراع مصالح ومشاريع، وأن إيران، بحلوها ومرها، هي أحد أقطاب هذا الصراع.
ربما، فقط ربما، إذا نجحنا في تجاوز الصور النمطية والخطابات الجاهزة، سنقترب خطوة من فهم عالم لا يحتمل التبسيط، وشرق لا يريد أن يكون مجرد صورة في ألبوم الغرب الاستعماري.
وإذا لم ننجح، فسنستمر في مشاهدة تقارير عن "نساء محجبات في إيران" حتى نهاية الزمان. والخيار لكم.
ملحق: في فضح التبسيط - كيف تقرأ خبراً عن إيران (دليل عملي للمشاهد الذكي)
قبل أن تصدق الخبر التالي عن إيران، اسأل نفسك (بصراحة، لن يراك أحد):
١. هل يركز هذا الخبر على "المظهر" (حجاب، لحى، ملابس) أكثر من "الجوهر" (سياسات، اقتصاد، تكنولوجيا)؟ إذا كان الجواب نعم، فأنت تشاهد "قناة أزياء" وليس "نشرة أخبار".
٢. هل يستخدم صوراً نمطية مثل "الملالي" و"الدولة الدينية" و"تكميم الأفواه" كبديل عن التحليل الموضوعي؟ إذا كان الجواب نعم، فأنت تستهلك "كليشيهات" وليس "معلومات".
٣. هل يقارن إيران بمعايير مثالية لا يطبقها على دول أخرى في المنطقة؟ إذا كان الجواب نعم، فأنت ضحية "ازدواجية معايير" حادة. اذهب إلى أقرب صيدلية واشترِ علاجاً.
٤. هل يتجاهل السياق التاريخي للصراع (دور الغرب في دعم صدام، العقوبات الجائرة، اغتيال العلماء)؟ إذا كان الجواب نعم، فأنت تشاهد "فيلم قصير" وليس "وثائقياً".
٥. هل يقدم الإيرانيين ككتلة واحدة (إما "شعب ثائر" أو "شعب خاضع") دون تمييز بين التيارات المختلفة داخل المجتمع؟ إذا كان الجواب نعم، فأنت تتعامل مع "دعاية" وليس "صحافة". المجتمعات المعقدة لا تدخل في قوالب.
إذا كانت الإجابة بنعم على معظم هذه الأسئلة، فأنت أمام نموذج من "الاستشراق الجديد"، وليس أمام صحافة جادة. الحقيقة دائماً أكثر تعقيداً، وأكثر إنسانية، وأكثر إثارة للاهتمام مما تقدمه لنا عدسات الكاميرات الغربية.
وإذا شعرت بالحيرة، تذكر دائماً: عندما تشاهد تقريراً عن إيران، اسأل نفسك: "لو كان هذا التقرير عن بلدي، هل كان سيرضيني؟" إذا كان الجواب لا، فأطفئ التلفاز واذهب لقراءة كتاب. أي كتاب.
خاتمة ساخرة جداً
في النهاية، يبقى السؤال: لماذا كل هذا الجدل حول إيران؟ لماذا هذه الهوس بتصوير المرأة الإيرانية وكأنها الاختراع الوحيد في البلد؟
السر بسيط: لأن إيران تذكر الغرب بشيء لا يريد تذكره. تذكره أن الهيمنة لها حدود. تذكره أن الشعوب يمكن أن تصمد. تذكره أن "نهاية التاريخ" لم تنته بعد، وأن التاريخ ما زال يكتب، وأقلامه ليست غربية كلها.
إيران تذكر الغرب بأنه ليس وحده في الكون. وهذه ذكرى مؤلمة لمن اعتاد أن يرى نفسه مركز العالم.
لذلك، سيستمر الغرب في تصوير الحجاب، وتجاهل الصواريخ. سيستمر في التركيز على "فتاة شارع الثورة"، وتجاهل "عالمة الذرة". سيستمر في تضخيم الاحتجاجات، وتصغير الإنجازات.
لأن الاعتراف بأن "عدواً" يمكن أن ينجح، هو أصعب شيء على نفسية من يعتقد أنه الوحيد الذي يملك الحقيقة.
أما إيران، فستستمر في طريقها، بحلوها ومرها، بتقدمها وتخلفها، بانتصاراتها وهزائمها. لأنها تعرف شيئاً لا يعرفه الغرب: أن الحياة تستمر حتى بدون موافقة واشنطن.
وهذه، يا أصدقاء، هي أسوأ كابوس لأي إمبراطورية: أن تكتشف أن العالم يمكن أن يدور بدونها.
تمت بفضل الطبيعة وحدها وبدون أي دعم من صندوق النقد الدولي.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم
...
-
إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين
...
-
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
-
افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
-
افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
-
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن
...
-
تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م
...
-
ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال
...
-
تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة
...
-
الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
-
روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا
...
-
سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي
...
-
استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
-
فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
-
أوراق التمويه: استنبات الوعي الزائف في استعمار الأمم
-
محمد حسنين هيكل في ظلال الغياب واستمرارية النماذج
-
نزيف تحت الجلد: سيرة كتاب هز عروش الإمبراطوريات
-
كتاب : - انفكاك العمالقة: النظام العالمي في زمن التحولات الج
...
-
الجهاز الإعلامي كأداة طبقية: تحليل مايكل بارينتي ل -السلطة ا
...
المزيد.....
-
قبيل جولة جنيف.. الخارجية الإيرانية: واشنطن باتت -أكثر واقعي
...
-
-هجوم متعمد-.. الرئيس الأذربيجاني يتهم موسكو باستهداف سفارة
...
-
حزب الله يدعو لوقف مسار -حصر السلاح-.. والجيش اللبناني يعرض
...
-
نظام ترامب العالمي الجديد أصبح واقعاً… وعلى أوروبا أن تتأقلم
...
-
سبعون منظمة غير حكومية تندد بمشروع إصلاح قوانين الهجرة المعر
...
-
بشر بلا أسماء ومنازل تشبه الأقفاص.. شارع الشهداء بالخليل نمو
...
-
نهاية درامية لجاك لانغ.. مداهمة أمنية لحفل وداعه بمعهد العال
...
-
قتيلان في غارتين إسرائيليتين على بلدتي حانين وطلوسة جنوب لبن
...
-
بين هرمز وجنيف.. مناورات الحرس الثوري تستبق محادثات إيران وأ
...
-
أسرة عمران خان تطالب بزيارته بعد تقارير عن تدهور صحته بالسجن
...
المزيد.....
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
المزيد.....
|