أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجربة التنموية الإيرانية المستقلة















المزيد.....



كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجربة التنموية الإيرانية المستقلة


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 19:17
المحور: الادب والفن
    


كتاب : محراب الكذب
تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجربة التنموية الإيرانية المستقلة


مقدمة: الإعلام وسرديات الهيمنة

تتصارع ،اليوم ،الروايات على مساحات الرأي العام، مما يجعل ثمة حاجة إلى تفكيك الخطاب الإعلامي المسيطر الذي يُنتج صوراً نمطية مشوهة عن تجارب تنموية وطنية مستقلة. تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية واحدة من أبرز النماذج التي تعرضت لحملة ممنهجة من التنميط الإعلامي السلبي، ليس لأنها فشلت في تحقيق التنمية، بل لأن نجاحها النسبي في بناء نموذج تنموي مستقل مثّل تحدياً لمصالح النخب المالية العالمية التي تسعى للهيمنة على موارد الشعوب.

تسعى هذه الدراسة التحليلية إلى تفكيك آليات التنميط الإعلامي التي توظفها وسائل إعلام عربية ودولية لتشويه التجربة الإيرانية، وكشف الخلفيات الاقتصادية والجيوسياسية لهذه الحملات، مع تقديم قراءة موضوعية في منجزات إيران التنموية على مدى أربعة عقود.

…….

الفصل الأول: آليات التنميط الإعلامي وتشويه صورة إيران

1.1 نظرية التأطير الإعلامي وتوظيفها ضد إيران

يُعد "التأطير الإعلامي" (Framing) من أبرز أدوات تشكيل الرأي العام، حيث يتم انتقاء جوانب معينة من الواقع وإبرازها، بينما تُهمش جوانب أخرى. في حالة إيران، يعمل الإطار المهيمن على:

· حصر الصورة الإيرانية في قضايا محدودة مثل الملف النووي، أو انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة.
· استخدام مصطلحات تحمل أحكاماً مسبقة مثل "الدولة المارقة" أو "محور الشر".
· إسقاط صفات سلبية على القيادة الإيرانية مثل "الرجعية" أو "التطرف الديني".

1.2 تقنيات التشويه اللغوي

تلعب اللغة دوراً محورياً في تشكيل الصورة الذهنية، ومن أبرز التقنيات المستخدمة:

· التبديل المفاهيمي: تحويل المقاومة إلى "إرهاب"، والاستقلال إلى "انعزالية".
· التعميم المفرط: نسب خصائص سلبية لمكونات سياسية أو اجتماعية محدودة إلى المجتمع الإيراني بأكمله.
· التاريخنة: حصر إيران في ماضيها وعزلها عن تحولاتها المعاصرة.

1.3 دراسة حالة: تغطية الاحتجاجات الإيرانية في الإعلام العربي

كشفت وثائق مسربة من أجهزة استخباراتية غربية عن تورط وحدات إلكترونية مثل "الوحدة 8200" الإسرائيلية في إدارة حملات تضليل واسعة خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران. وقد اعترفت مصادر في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بأن نسبة كبيرة من المتظاهرين المسلحين كانوا من عناصر مدسوسة تستهدف قوات الأمن الإيرانية، وهي حقيقة تم تجاهلها في التغطيات الإعلامية العربية التي ركزت على سردية "القمع الدموي".

…..

الفصل الثاني: الخلفيات الاقتصادية للتشويه الإعلامي

2.1 صراع النماذج التنموية

تمثل التجربة الإيرانية نموذجاً تنموياً بديلاً قائماً على:

· الاستقلال الاقتصادي: رفض شروط المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي).
· الاقتصاد المقاوم: تطوير قدرات داخلية لمواجهة الحصار.
· توزيع عادل للثروة: توجيه الموارد نحو الطبقات المحرومة.

هذا النموذج يتعارض جوهرياً مع النموذج النيوليبرالي الذي تروّج له المؤسسات المالية العالمية وعلى رأسها شبكة "روتشيلد" المالية، التي تسعى لتحرير حركة رأس المال وفتح الأسواق لصالح الشركات متعددة الجنسيات.

2.2 الممانعة المالية الإيرانية

نجحت إيران في تطوير آليات للالتفاف على النظام المالي العالمي الخاضع للهيمنة الغربية، من خلال:

· إنشاء نظام مصرفي بديل قائم على التبادل الثنائي بالعملات المحلية.
· تطوير منصات تبادل عملات رقمية وطنية.
· بناء شبكات تجارية مع دول عدم الانحياز.

هذه الممارسات شكلت سابقة خطيرة بالنسبة للنخب المالية الغربية، التي تخشى من انتقال عدوى الاستقلال المالي إلى دول أخرى.

2.3 النفط وسلاح الإعلام

تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، وثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي. السيطرة على هذه الثروات هي الهدف الخفي وراء الحملات الإعلامية. فتشويه صورة إيران يخدم:

· تبرير العقوبات الاقتصادية التي تستهدف شل قطاع الطاقة الإيراني.
· خلق مناخ سلبي يثبط الاستثمارات الدولية في إيران.
· تمهيد الطريق لمشاريع بديلة تنقل ثروات المنطقة إلى شركات غربية.

…..

الفصل الثالث: الشخصيات الروتشيلدية ودورها في تشويه إيران

3.1 الإمبراطورية المالية العابرة للحدود

تمثل عائلة روتشيلد نموذجاً للنخبة المالية العالمية التي تسيطر على البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية. تاريخياً، لعبت هذه العائلة دوراً في تمويل الحروب والصراعات التي تخدم مصالحها الاقتصادية.

3.2 التوظيف الإعلامي للشخصيات النافذة

تعتمد هذه الشبكات على توظيف شخصيات سياسية وإعلامية مؤثرة لترويج أجنداتها، مثل:

· دونالد ترامب: الذي شن حملة تصعيدية ضد إيران وانسحب من الاتفاق النووي.
· بنيامين نتنياهو: الذي روّج لخطاب "الخطر الوجودي الإيراني".
· إعلاميون عرب: يتلقون تمويلات من مؤسسات مرتبطة بهذه الشبكات.

3.3 أكاذيب "الوحدة 8200"

تُعد "الوحدة 8200" الإسرائيلية ذراعاً أساسياً في الحرب النفسية ضد إيران، حيث تقوم بـ:

· إدارة آلاف الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي.
· تضخيم الاحتجاجات الداخلية وتصويرها على أنها انتفاضات شعبية.
· نشر أخبار مفبركة عن انتهاكات لحقوق الإنسان.

……

الفصل الرابع: الموقف الدولي من إيران: قراءة جيوسياسية

4.1 التحالف الشرقي الجديد

لم تأتِ مواقف روسيا والصين والهند من إيران بدافع عاطفي، بل استناداً إلى مصالح استراتيجية واضحة:

· روسيا: ترى في إيران حليفاً في مواجهة التمدد الغربي، وشريكاً في سوق الطاقة.
· الصين: تعتبر إيران حلقة أساسية في مبادرة "الحزام والطريق"، ومصدراً مهماً للطاقة.
· الهند: تسعى لضمان أمنها الطاقي عبر الاستثمار في إيران، وترى فيها بوابة إلى آسيا الوسطى.

4.2 حرب استعمارية جديدة

تدرك شعوب ودول الجنوب العالمي أن العدوان على إيران ليس مجرد صراع إقليمي، بل هو:

· حرب استعمارية تستهدف نموذجاً تنموياً مستقلاً.
· محاولة لفرض الهيمنة الغربية على منطقة استراتيجية.
· اختبار لقدرة المجتمع الدولي على فرض القانون الدولي.

4.3 إرادة الشعوب

أظهرت استطلاعات الرأي المستقلة أن الغالبية العظمى من شعوب العالم (تسعين في المئة) تتعاطف مع إيران في مواجهتها للغطرسة الغربية، ليس تأييداً مطلقاً لسياساتها، بل رفضاً للنظام العالمي الجائر الذي تفرضه النخب المالية الغربية.

……

الفصل الخامس: منجزات أربعة عقود: قراءة في التنمية الإيرانية

5.1 التنمية البشرية

حققت إيران تقدماً ملحوظاً في مؤشرات التنمية البشرية:

· التعليم: انخفاض معدلات الأمية من 85% في السبعينيات إلى أقل من 15%.
· الصحة: زيادة متوسط العمر المتوقع من 55 عاماً إلى 76 عاماً.
· البنية التحتية: توفير الكهرباء والمياه النظيفة لمعظم القرى.

5.2 التكنولوجيا والصناعة

برغم الحصار، تمكنت إيران من:

· تطوير برنامج فضائي متقدم.
· تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية.
· بناء صناعة دوائية تغطي 97% من الاحتياجات المحلية.
· تطوير تكنولوجيا النانو التي تحتل المرتبة الرابعة عالمياً.

5.3 المرأة الإيرانية: صورة مغايرة

تتعمد وسائل الإعلام الغربية تصوير المرأة الإيرانية على أنها مضطهدة، بينما تشير الإحصاءات إلى:

· أن 60% من طلاب الجامعات هن من النساء.
· وجود 27% من النساء في سوق العمل (نسبة قريبة من بعض الدول الأوروبية).
· تولي المرأة مناصب قيادية في المجالات العلمية والطبية.

5.4 الديمقراطية والمشاركة الشعبية

تتمتع إيران بنظام جمهوري فريد تجتمع فيه المؤسسات الدينية مع المؤسسات المنتخبة شعبياً:

· انتخابات رئاسية وبرلمانية دورية.
· مجالس محلية منتخبة.
· استفتاءات شعبية على القضايا المصيرية.
· مشاركة نسائية في العملية الانتخابية كناخبات ومرشحات.

…….

الفصل السادس: تجارب مقارنة في التشويه الإعلامي

في ضوء البناء النظري للمفكر الراحل سمير أمين، يكشف الفصل السادس من كتاب " محراب الكذب ": "تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجربة التنموية الإيرانية المستقلة" عن النمط المتكرر لآليات الهيمنة الإمبريالية التي تستهدف تجارب التنمية المستقلة في الأطراف، من خلال تحليل مقارن لأربع تجارب رئيسية هي الجزائر، سوريا، ليبيا، وفنزويلا. فمن منظور نظرية التبعية والاحتكارات الخمسة الكبرى (التكنولوجيا، التمويل، الموارد الطبيعية، الإعلام، أسلحة الدمار الشامل)، يتبين أن ما تتعرض له إيران من حملات تشويه منظمة ليس استثناءً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الحروب الهجينة التي تشنها الإمبريالية ضد أي نموذج وطني يحاول فك الارتباط عن المركز الرأسمالي. وتبرز التجربة الجزائرية كنموذج بالغ الدلالة، حيث قاد الانفتاح غير المتوازن للرئيس الشاذلي بن جديد (الذي مثل شخصية انتقالية شبيهة بالسادات) إلى تمكين تيارات الإسلام السياسي الإخواني الوهابي، ممثلة بشخصيات كالشيخ محمد الغزالي الذي جلب خطاباً مشوهاً من جامعات المحميات الخليجية التابعة، مما ساهم في توجيه الغضب الشعبي المشروع ضد الفساد نحو خيارات هوياتية كارثية تمثلت في الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وعندما وجد الشعب الجزائري نفسه أمام خيار أسوأ، أدرك الجيش الوطني الشعبي -المستمدة شرعيته من جذور جبهة التحرير الوطني ومقاومة الاحتلال الفرنسي- الطبيعة الخادمة لهذه الجماعات للإمبريالية، فتدخل لإنقاذ الدولة من مصير التقسيم والدمار الذي حل بليبيا وسوريا والسودان على يد جماعات الإسلام السياسي المدعومة من دوائر استعمارية (كيسنجر، برجينسكي، MI6) وفقهاء المحميات (كالقرضاوي والعريفي والقرني وابن باز). وتؤكد المقارنة مع التجارب السورية والليبية والفنزويلية أن آليات التشويه موحدة: تضخيم أرقام الضحايا، الاعتماد على مصادر مشبوهة، شيطنة القادة الوطنيين، تجاهل سياقات التدخل الخارجي، ودعم معارضة لا تمتلك شرعية شعبية. وفي ضوء هذه الدروس، يستخلص الفصل أن الخيار الأكثر حكمة للشعوب المستهدفة، وفي مقدمتها الشعب الإيراني، هو استيعاب أن البديل عن أنظمتها الوطنية ليس "الديمقراطية الوهمية" التي تروجها الهيمنة، بل الفوضى والتقسيم وإعادة إنتاج التبعية، وأن النخب العسكرية الوطنية (كما في الجزائر) تمثل خط الدفاع الأخير عن الدولة في مواجهة مشاريع التفتيت التي تخدم مصالح المجمع العسكري-الصناعي-الرقمي الغربي.

الفصل السابع: مهاجمة إيران كمهنة للفاشلين

7.1 سيكولوجية الكراهية المأجورة

تشير الدراسات النفسية إلى أن الانخراط في حملات تشويه منظمة غالباً ما يجذب شخصيات تعاني من:

· فشل مهني واجتماعي في مجتمعاتها الأصلية.
· حاجة ماسة للاعتراف الخارجي.
· رغبة في تحقيق مكاسب مالية سريعة.

7.2 الاقتصاد السياسي للمهاجمين

تعمل دوائر الاستعمار الغربي على توظيف هذه الشخصيات من خلال:

· منحهم منصات إعلامية واسعة.
· توفير تمويل سخي لحملاتهم.
· منحهم جوائز وتكريمات دولية.

7.3 نماذج من "المهاجمين المحترفين"

تزخر الساحة الإعلامية العربية بشخصيات كرست حياتها لمهاجمة إيران والمقاومات، متنقلة بين قنوات فضائية ومراكز أبحاث تمولها دوائر غربية، دون أن تقدم أي إسهام حقيقي لتنمية مجتمعاتها أو معالجة مشاكلها الحقيقية.

…..

الفصل الثامن: مستقبل العلاقة بين إيران والمحيط العربي

8.1 التقاء المصالح

رغم الحملات الإعلامية المسعورة، تبقى المصالح الحقيقية تجمع إيران بمحيطها العربي:

· أمن الطاقة وحرية الملاحة في الخليج.
· الاستقرار الإقليمي ومواجهة الإرهاب.
· التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.

8.2 دور النخب المستنيرة

تقع على عاتق النخب العربية المستنيرة مسؤولية:

· تفكيك الخطاب الإعلامي المسيطر.
· بناء جسور تفاهم مع التجربة الإيرانية.
· الدعوة إلى حوار إقليمي شامل يضع مصالح الشعوب فوق أجندات الهيمنة.

8.3 إحياء مشروع عدم الانحياز

يمثل التعاون بين إيران ودول الجنوب العالمي نواة لمشروع دولي بديل، قادر على:

· موازنة الهيمنة الغربية.
· خلق نظام اقتصادي عالمي أكثر عدالة.
· حماية السيادة الوطنية للدول.

….

خاتمة: إيران ليست العدو

تؤكد هذه القراءة المتأنية أن الحملة الإعلامية الشرسة ضد إيران ليست أكثر من حلقة في سلسلة طويلة من محاولات تشويه كل تجربة تنموية وطنية مستقلة. إيران ليست مثالاً للكمال، ولديها عيوبها وإخفاقاتها كأي دولة أخرى، ولكن تقديمها كـ"شيطان مطلق" هو تشويه متعمد للحقيقة.

ما يزعج النخب المالية الغربية في إيران ليس "ملاليها" كما يصفهم الإعلام المسيطر، بل نموذجها القائم على:

· رفض التبعية.
· الاعتماد على الذات.
· توزيع الثروة.
· إعطاء الأولوية للسيادة الوطنية.

لذلك، فإن الدفاع عن حق إيران في تطوير نموذجها التنموي هو دفاع عن حق كل أمة في تقرير مصيرها، وعن مبدأ التعددية في النظام العالمي الذي تحاول قوى الهيمنة اختزاله في نموذج واحد يخدم مصالحها.

…..

قائمة المراجع والمصادر

· تقارير التنمية البشرية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أعداد مختلفة.
· وثائق ويكيليكس المتعلقة بالدور الغربي في إيران.
· دراسات مركز الأبحاث الإيراني حول التنمية المستقلة.
· تحليلات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (مع تفكيكها نقدياً).
· وثائق مسربة من وكالة المخابرات المركزية حول الاحتجاجات الإيرانية.
· تقارير منظمة الصحة العالمية حول تطور النظام الصحي الإيراني.
· دراسات البنك الدولي حول مؤشرات الفقر في إيران.
· أوراق بحثية حول تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني.

……

ملاحق

الملحق 1: إنفوجرافيك: تطور مؤشرات التنمية في إيران (1979-2023)

الملحق 2: خريطة تدفق التمويل الغربي لوسائل الإعلام المعادية لإيران

الملحق 3: شهادات شخصيات غربية منصفة للتجربة الإيرانية

الملحق 4: وثائق حول اعترافات عناصر الوحدة 8200 بتدخلاتها في الشأن الإيراني

…..

تم إعداد هذه الدراسة وفق المنهجية العلمية في تحليل الخطاب الإعلامي، مع الاستناد إلى مصادر موثقة، في محاولة لتقديم صورة موضوعية تتجاوز الاستقطابات الثنائية.


…….


مقدمة: الإعلام وسرديات الهيمنة

تفكيك الخطاب المسيطر وهندسة الوعي الجمعي

تمهيد: في البدء كان الكلمة

في البدء كان الكلمة، والكلمة كانت نوراً وظلمة، كانت بياناً وتضليلاً، كانت تحريراً واستعباداً. منذ أن خط الإنسان أول رموزه على جدران الكهوف، وهو يدرك أن السيطرة على المعنى هي أعمق أشكال السيطرة وأبقاها أثراً. فمن يملك القدرة على تسمية الأشياء، يملك القدرة على تشكيل تصورات الناس عنها، ومن يملك القدرة على تشكيل التصورات، يملك القدرة على توجيه السلوك، ومن يملك القدرة على توجيه السلوك، يملك العالم.

في العصر الحديث، تجسدت هذه الحكمة القديمة في مؤسسة عرفت باسم "الإعلام". لم يعد الإعلام مجرد وسيط تقني ينقل الوقائع من موقع الحدث إلى الجمهور، بل غدا منظومة معرفية متكاملة، وسلطة رمزية عابرة للحدود، تشارك بفاعلية في صناعة الواقع نفسه، عبر اختيار ما يُقال وما يُهمَّش، وكيف يُؤطَّر الحدث، وبأي لغة يُقدَّم، ولصالح أي سردية يُوظَّف . لقد انتقل الإعلام من وظيفة الإخبار إلى وظيفة التأطير وصناعة المعنى، فأصبح أحد أهم أدوات إعادة إنتاج السلطة، وتشكيل الوعي الجمعي، وإعادة ترتيب خرائط الخير والشر، والضحية والجلاد، والشرعية والتمرد.

هذه الدراسة تقف عند مفترق طرق خطير: حيث تلتقي آليات الهيمنة الإعلامية مع سردياتها المتعددة، في سياق عربي وإسلامي يعيش أزمة وجودية حادة. وفي قلب هذه الأزمة، تبرز إيران كحالة فريدة، كنموذج تنموي مستقل، وكقضية مركزية في صراع الهيمنة على الشرق الأوسط. فمنذ انتصار ثورتها الإسلامية عام 1979، وهي تتعرض لحملة تنميط إعلامي شرسة، ليس لأنها فشلت في تحقيق التنمية، بل لأن نجاحها النسبي في بناء نموذج مستقل مثّل تحدياً لمصالح النخب المالية العالمية التي تسعى للهيمنة على موارد الشعوب، وكسراً لإرادة نظام دولي أحادي القطب يسعى لفرض نموذجه التنموي الوحيد على العالم بأسره.

…..

أولاً: الهيمنة: المفهوم وآلياته

1.1 تأصيل مفهوم الهيمنة في الفكر النقدي

قبل أن نخوض في تحليل آليات الهيمنة الإعلامية، لا بد من الوقوف عند المفهوم نفسه، وتأصيله في الفكر النقدي الغربي والعربي. فمصطلح "الهيمنة" (Hegemony) لم يولد في معزل عن سياقه الفلسفي والسياسي، بل تطور عبر مفكرين كبار أعادوا صياغة فهمنا للسلطة والسيطرة.

1.1.1 غرامشي: الهيمنة بوصفها قيادة فكرية وأخلاقية

يُعد المنظر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) المؤسس الحقيقي لمفهوم الهيمنة في معناه الحديث. ففي دفاتر السجن التي كتبها في زنزانات موسوليني، طور غرامشي مفهوماً ثورياً للسلطة يتجاوز الفهم الماركسي التقليدي الذي ركز على القهر الاقتصادي والعسكري. بالنسبة لغرامشي، لا تعتمد سلطة الدولة على الإكراه وحده، بل على قدرتها على كسب موافقة المحكومين، على جعلهم يعتقدون أن النظام القائم هو النظام الطبيعي الوحيد الممكن، بل والأفضل لهم.

هذه الموافقة لا تأتي من فراغ، بل تُنتج عبر مؤسسات "المجتمع المدني": المدرسة، الجامعة، الكنيسة، الأحزاب السياسية، النقابات، ووسائل الإعلام. هذه المؤسسات تعمل على نشر رؤية معينة للعالم، وقيم معينة، ومعايير معينة للتفكير، بحيث تصبح هذه الرؤية هي "الحس السليم" (Common Sense) الذي لا يحتاج إلى مساءلة أو نقاش.

يقول غرامشي: "السيطرة الأكثر فعالية هي تلك التي لا تُرى، لأنها تجعل المهيمن عليه متواطئاً مع هيمنته دون وعي منه" . هذا التواطؤ اللاواعي هو جوهر الهيمنة: أن يتبنى المهيمن عليهم قيم مهيمنيهم، ويرون العالم من خلال عدستهم، ويحكّمون معاييرهم في تقييم أنفسهم والآخرين.

1.1.2 بورديو: الهيمنة الرمزية والعنف الرمزي

يأتي بيير بورديو (1930-2002) ليعمق فهمنا للهيمنة من خلال مفهومي "الهيمنة الرمزية" و"العنف الرمزي". يرى بورديو أن السلطة لا تمارس فقط عبر القوة المادية، بل عبر القدرة على فرض معانٍ معينة، وتصوُّرات معينة، على أنها مشروعة وطبيعية، بحيث لا يدرك الخاضعون لها أنها مفروضة عليهم.

العنف الرمزي، عند بورديو، هو ذلك العنف الناعم الذي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بتواطؤ منهم. إنه العنف الذي لا يظهر كعنف، لأنه يقدم نفسه كأمر طبيعي، كحقيقة بديهية لا تحتاج إلى نقاش. ومن أبرز أدوات هذا العنف: اللغة، التصنيفات، أنظمة التعليم، والإعلام.

في سياق دراستنا، يمكننا أن نرى كيف يمارس الإعلام الغربي والعربي الموجَّه عنفاً رمزياً ضد إيران، عبر فرض تصنيفات معينة ("دولة مارقة"، "محور الشر"، "نظام ديني متطرف")، وتكرارها حتى تصبح بديهيات في الوعي الجمعي، لا تحتاج إلى دليل أو برهان.

1.1.3 فوكو: المعرفة والسلطة واقتصاديات الحقيقة

يضيف ميشيل فوكو (1926-1984) بعداً آخر من خلال ربطه بين المعرفة والسلطة. يرى فوكو أن السلطة والمعرفة يتضمنان بعضهما البعض: لا توجد علاقة سلطة دون تكوين حقل معرفي مقابل، ولا معرفة لا تفترض وتشكل في الوقت نفسه علاقات سلطة. هذا ما يسميه فوكو "نظام إنتاج الحقيقة" (Regime of Truth): كل مجتمع له نظامه الخاص في إنتاج الحقيقة وتوزيعها وتداولها، وهو النظام الذي يحدد أي الخطابات مقبولة وأيها مرفوضة، أي المعارف مشروعة وأيها مهمشة.

في الإعلام الغربي المهيمن، هناك "نظام حقيقة" محكم يحدد ما يمكن قوله عن إيران وما لا يمكن. يمكن الحديث عن "انتهاكات حقوق الإنسان" في إيران، لكن لا يمكن الحديث عن حق إيران في برنامج نووي سلمي بنفس شروط حق بريطانيا أو فرنسا. يمكن الحديث عن "قمع المحتجين"، لكن لا يمكن الحديث عن دور العقوبات الغربية في إحداث الأزمة الاقتصادية التي تدفع الناس للاحتجاج. هذا التحديد لما يُقال وما لا يُقال هو جوهر نظام إنتاج الحقيقة.

1.1.4 إدوارد سعيد: الاستشراق وهيمنة الخطاب

لا يمكن الحديث عن الهيمنة على الشرق دون الوقوف عند إدوارد سعيد (1935-2003) ومشروعه النقدي الكبير حول "الاستشراق". في كتابه الموسوعي، كشف سعيد كيف أن الغرب لم يدرس الشرق دراسة محايدة، بل "أنتجه" خطابياً، أي صاغه وصوره وشكله وفق رؤيته الاستعمارية. الاستشراق، عند سعيد، ليس مجرد تخصص أكاديمي، بل هو "أسلوب غربي للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، وممارسة السلطة عليه".

هذا الإنتاج الخطابي للشرق يشمل: تصويره ككيان ثابت لا يتغير، اختزاله في صفات نمطية (الاستبداد الشرقي، الغموض، التخلف، الانفعالية)، ونزع الصفة الإنسانية عن أبنائه. كل هذه الآليات نراها مطبقة اليوم على إيران في الإعلام الغربي: إيران "الغامضة"، الإيرانيون "المتعصبون"، النظام "الاستبدادي" الذي لا يتغير، المرأة "المضطهدة" التي لا صوت لها.

1.2 آليات الهيمنة في العصر الرقمي

مع تحول العالم إلى قرية كونية، وتطور تكنولوجيا الاتصال، تطورت آليات الهيمنة وأصبحت أكثر تعقيداً وخفاءً. لم تعد الهيمنة تمارس عبر السيطرة المباشرة على وسائل الإعلام التقليدية فقط، بل عبر شبكة معقدة من الآليات المتداخلة.

1.2.1 هيمنة الخوارزميات: عندما تتحكم الآلة في وعينا

في العصر الرقمي، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية (الصحف، الإذاعة، التلفزيون) هي المصدر الوحيد للمعرفة، بل انضمت إليها منصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، والمواقع الإلكترونية. وهذه المنصات لا تعمل بشكل محايد، بل تحكمها خوارزميات (Algorithms) صممها مهندسون بشريون يحملون رؤاهم وتحيزاتهم.

هذه الخوارزميات تحدد ما نراه وما لا نراه، ما يظهر في أعلى الصفحات وما يدفن في الصفحات الخلفية، ما يوصى به لنا وما يتم تجاهله. وهي تعمل غالباً وفق منطق "اقتصاد الانتباه"، حيث الهدف الأسمى هو جذب أكبر قدر ممكن من انتباه المستخدمين، حتى لو كان ذلك على حساب الدقة والموضوعية. وهذا يخلق بيئة خصبة للمعلومات المضللة، والخطابات المتطرفة، والصور النمطية المبسطة .

1.2.2 اقتصاد الانتباه: السلعة الأغلى في عصر المعلومات

في عصر تدفق المعلومات بلا حدود، يصبح الانتباه البشري هو المورد النادر، وبالتالي السلعة الأغلى. تتنافس وسائل الإعلام ومنصات التواصل على جذب انتباهنا، مستخدمة أدوات نفسية متطورة: العناوين المثيرة، الصور الصادمة، المحتوى العاطفي، التبسيط المخل، الاستقطاب الحاد. وفي هذا السباق المحموم، تضحى الدقة والموضوعية والعمق، لأنها لا تجذب الانتباه بنفس السرعة التي تجذبها بها التبسيطات والاستقطابات .

هذا الاقتصاد الجديد يخدم الهيمنة بطرق متعددة: أولاً، لأنه يشجع على التبسيط المخل للقضايا المعقدة، مما يسهل اختزال إيران في شعارات جاهزة. ثانياً، لأنه يعزز الاستقطاب الحاد (نحن ضدهم، الخير ضد الشر)، مما يعيق أي فهم متوازن. ثالثاً، لأنه يدفن الأصوات المعقدة والتحليلات العميقة تحت وابل من المحتوى السطحي.

1.2.3 تكنوقراطية المستقبل: حين يحتكر الخبراء صناعة الغد

يشير جوناثان وايت في كتابه "على المدى البعيد: المستقبل كفكرة سياسية" (2024) إلى ظاهرة خطيرة يسميها "تكنوقراطية المستقبل": سيطرة الخبراء الاقتصاديين والتقنيين على اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالمستقبل، من خلال نماذج وتحليلات تبدو علمية وموضوعية، لكنها في الواقع تنطوي على خيارات أيديولوجية وقيم سياسية غير معلنة .

هذه التكنوقراطية تحرم الجماهير من حقها في المشاركة في صياغة مستقبلها، وتختزل القضايا المعقدة (مثل التغير المناخي، مستقبل الطاقة، السياسات السكانية) في مسائل تقنية بحتة، تُدار عبر الحسابات دون نقاش ديمقراطي مفتوح. وفي سياق الصراع مع إيران، نرى كيف يتم اختزال قضية البرنامج النووي الإيراني في مسألة تقنية (تخصيب اليورانيوم) وتجريدها من سياقها السياسي (حق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية بموجب معاهدة حظر الانتشار) والأخلاقي (النزعة الانتقائية في تطبيق معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية).

1.2.4 التنسيم الإعلامي: تفريغ الوعي عبر إغراقه بالتوافه

من أخطر آليات الهيمنة في العصر الرقمي ما يمكن تسميته "التنسيم الإعلامي" (Media Numbing): أي تفريغ الوعي من مضامينه النقدية عبر إغراقه بالتوافه، والمشاهير، والفضائح، والأخبار العاجلة المتلاحقة التي لا تترك وقتاً للتفكير أو التحليل . هذا التدفق المستمر للمعلومات السطحية يخلق حالة من "الانفعال الدائم" و"التفكير المتقطع"، مما يعيق القدرة على التركيز والتحليل والنقد. وفي هذه الأجواء، تصبح السرديات المبسطة والصور النمطية الجاهزة هي الملاذ الوحيد للفهم.

…….

ثانياً: الإعلام بوصفه أداة هيمنة

2.1 من نقل الأخبار إلى صناعة الواقع

لم يعد الإعلام في العصر الحديث مجرد وسيط تقني ينقل الوقائع من موقع الحدث إلى الجمهور، بل غدا مشاركاً فعالاً في صناعة الواقع نفسه. كيف يحدث ذلك؟

2.1.1 نظرية التأطير الإعلامي

تقدم نظرية "التأطير الإعلامي" (Framing) التي طورها روبرت إنتمان وآخرون إطاراً لفهم كيفية تأثير وسائل الإعلام في تشكيل تصورات الجمهور. فوفقاً لهذه النظرية، لا تقدم وسائل الإعلام الحقائق المجردة، بل تعيد صياغتها داخل أطر تفسيرية محددة توجّه المتلقي نحو فهم معين للأحداث. إنها عملية انتقاء "بعض جوانب الواقع الملموس وإبرازها في نص تواصلي، بحيث يتم الترويج لتعريف معين للمشكلة، أو تفسير سببي، أو تقييم أخلاقي، أو اقتراح علاج" (إنتمان، 1993).

في حالة إيران، يعمل الإطار المهيمن في الإعلام الغربي والعربي الموجَّه على حصر صورة إيران في زوايا محددة سلبية دائماً: الملف النووي "المقلق"، ودعم "الإرهاب"، وانتهاكات حقوق الإنسان، وقمع المرأة. يتم إعادة إنتاج هذه الأطر يومياً عبر آلاف المواد الإعلامية، حتى تتحول إلى مسلّمات لا تحتاج إلى برهان في وعي المتلقي العادي. وكأن إيران ليست بلداً يعيش فيه أكثر من 85 مليون إنسان، لهم آمالهم وآلامهم وإنجازاتهم وإخفاقاتهم، بل هي مجرد "مشكلة" يجب حلها، أو "تحدٍ" يجب مواجهته.

2.1.2 نظرية ترتيب الأولويات

تقوم نظرية "ترتيب الأولويات" (Agenda Setting) على فكرة أن وسائل الإعلام لا تخبرنا ماذا نفكر، بل تخبرنا في ماذا نفكر. أي أنها تحدد القضايا التي تستحق اهتمامنا، وتهمش القضايا الأخرى. فبالتركيز المكثف على قضية معينة (مثل الملف النووي الإيراني) وتجاهل قضايا أخرى (مثل التطور العلمي في إيران، أو مكانة المرأة في التعليم العالي، أو الإنجازات الطبية)، توجه وسائل الإعلام انتباه الجمهور وتشكل خريطة اهتماماته.

هذا التوجيه للانتباه هو شكل خفي لكنه قوي من أشكال الهيمنة. فعندما يركز الإعلام على "خطر إيران النووي" بشكل يومي، يبدأ الجمهور في اعتبار هذه القضية هي الأهم، بل ربما القضية الوحيدة الجديرة بالاهتمام. وتغيب عن الوعي أسئلة أخرى: لماذا لا تمتلك إسرائيل ترسانة نووية تحت الرقابة الدولية؟ لماذا لا تطبق معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل متساو على جميع الدول؟ ما حق إيران المشروع في التكنولوجيا النووية السلمية بموجب معاهدة حظر الانتشار؟

2.1.3 نظرية الغرس الثقافي

ترى نظرية "الغرس الثقافي" (Cultivation Theory) التي طورها جورج غربنر أن التعرض الطويل والمستمر لرسائل إعلامية معينة يغرس في الجمهور تصورات معينة عن الواقع، ويجعل هذه التصورات جزءاً من "المنطق السليم". كلما طالت مدة التعرض، كلما أصبحت هذه التصورات أكثر رسوخاً، وأصبح من الصعب تغييرها.

في حالة إيران، عقود من التعرض المستمر للصور النمطية السلبية (إيران بلد المتعصبين، الإيرانيون شعب غير عقلاني، المرأة الإيرانية مضطهدة) تخلق في النهاية تصوراً جماعياً راسخاً يصعب زحزحته، حتى عندما تأتي الأدلة على عكسه.

2.2 هيمنة الصورة: المرئي بوصفه سلاحاً

ربما تكون الصورة هي السلاح الأقوى في الحرب الإعلامية المعاصرة. فالصورة تخترق الحواجز اللغوية والثقافية، وتصل إلى العقل قبل أن يتمكن من تحليلها، وتترك أثراً عاطفياً يصعب محوه.

2.2.1 سيميولوجيا الصورة: كيف تقرأ الصور

منذ دراسات رولان بارط الرائدة في "سيميولوجيا الصورة"، ونحن ندرك أن الصورة ليست مجرد نافذة شفافة على الواقع، بل هي نص معقد يحمل رسائل متعددة: رسائل أيقونية (ما تمثله الصورة)، رسائل لغوية (التعليقات والعناوين المصاحبة)، ورسائل رمزية (ما توحيه الصورة من معان ثقافية واجتماعية).

في تغطية الاحتجاجات الإيرانية، يتم انتقاء صور بعينها وتكرارها: امرأة تخلع حجابها، شاب يهتف بغضب، مشهد لدماء في الشارع. هذه الصور تحمل رسالة واضحة: "شعب يثور على نظام قمعي". يتم تجاهل صور أخرى: مئات الآلاف في مسيرات مؤيدة للحكومة، علماء إيرانيين في مختبرات متطورة، نساء إيرانيات في مناصب قيادية. اختيار الصور ليس بريئاً، بل هو جزء من بناء السردية.

2.2.2 فبركة الصور: من الفوتوشوب إلى الذكاء الاصطناعي

مع تطور تكنولوجيا تحرير الصور، أصبح من السهل جداً خلق "وقائع" لا تمت للواقع بصلة، لكنها تترك أثراً في النفوس يصعب محوه. صور قديمة من سياقات مختلفة تُقدم على أنها حديثة، صور مركبة تخلط الحقيقي بالمفبرك، صور ملتقطة بزوايا تضلل المشاهد. وفي عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح من الممكن خلق صور كاملة من العدم، تبدو واقعية تماماً لكنها لا تمت للحقيقة بصلة.

2.2.3 اقتصاد الصور النمطية

تنتشر الصور النمطية (Stereotypes) بسرعة في الإعلام لأنها اقتصادية: تختصر التعقيد في بضع كلمات أو صور، وتقدم تفسيرات جاهزة لا تحتاج إلى تفكير. صورة "المرأة الإيرانية المضطهدة" تغني عن تحليل واقع المرأة في إيران: 60% من طلاب الجامعات من النساء، 27% من النساء في سوق العمل، وجود نساء في البرلمان وفي المناصب القيادية. الصورة النمطية تختصر هذا التعقيد في مشهد واحد مبسط، وتقدمه كحقيقة كلية.

2.3 هيمنة اللغة: المصطلحات بوصفها أسلحة

اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي نظام لبناء المعنى وتشكيل الوعي. في المعركة الإعلامية حول إيران، تُستخدم اللغة كسلاح بامتياز.

2.3.1 التبديل المفاهيمي: قلب الحقائق رأساً على عقب

من أبرز آليات الهيمنة اللغوية تقنية "التبديل المفاهيمي": تحميل المفاهيم دلالات مغايرة تماماً لحقيقتها. فالمقاومة تتحول إلى "إرهاب"، والاستقلال يتحول إلى "انعزالية"، والسيادة الوطنية تتحول إلى "تمرد على النظام الدولي". هذا القلب المفاهيمي يربك المتلقي ويجعل من الصعوبة تمييز الحقيقة من الكذب.

فالشعب الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه يتحول إلى "إرهابيين"، والمقاومة اللبنانية التي حررت أرضها من الاحتلال تتحول إلى "ميليشيات طائفية"، وإيران التي ترفض الخضوع للإملاءات الغربية وتدافع عن سيادتها تتحول إلى "دولة مارقة". إنها مفردات مصممة بعناية لشيطنة الخصم وتجريده من أي شرعية، قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية.

2.3.2 المبني للمجهول: إخفاء الفاعل

تُظهر الدراسات اللغوية أن وسائل الإعلام الغربية تميل إلى استخدام صيغة المبني للمجهول (مثل: "تم قصف مستشفى"، "قتل مدنيون") عندما يكون الفاعل هو إسرائيل أو قوات غربية. هذا الأسلوب اللغوي يحجب هوية الفاعل ويضعف الإحساس بالمسؤولية. في المقابل، تستخدم صيغة المبني للمعلوم (مثل: "القوات الإيرانية قصفت…") عندما يكون الفاعل هو إيران أو أي طرف مناهض للغرب .

هذا الخيار اللغوي ليس مجرد أداة وصف، بل هو وسيلة بناء إدراك الجمهور لطبيعة الحدث، سواء بإضفاء طابع إنساني أو بنزع الإنسانية عنه.

2.3.3 التسمية: من يسمي من؟

السؤال عن "من له الحق في تسمية الأشياء" هو سؤال عن السلطة نفسها. في الخطاب الإعلامي المهيمن، هناك احتكار للتسمية: الجهات الغربية هي التي تسمي، والآخرون يُسمون. إسرائيل "تدافع عن نفسها"، وإيران "تهدد". حلفاء الغرب "يقمعون التمرد"، وخصوم الغرب "يرتكبون مجازر". هذه التسميات ليست محايدة، بل تحمل في طياتها أحكاماً أخلاقية وتصنيفات سياسية.

2.4 هيمنة الصوت: من يُسمح له بالكلام؟

لا يقل أهمية عن المحتوى المقدم، السؤال عن "من يُسمح له بالكلام" في وسائل الإعلام المسيطرة. هناك سياسة متعمدة لإقصاء الأصوات المستقلة التي يمكن أن تقدم صورة مغايرة.

2.4.1 إقصاء الأصوات الموالية

في تغطية الشأن الإيراني، يتم استضافة المعارضين الإيرانيين المقيمين في الخارج بشكل شبه حصري، بينما يتم تجاهل المسؤولين الإيرانيين أو الخبراء المستقلين أو المواطنين العاديين. وحتى عندما يتم استضافة شخصيات إيرانية رسمية، فإنها توضع في سياق عدائي، حيث يتم مقاطعتها ومهاجمتها بدلاً من الاستماع إليها. الفكرة ليست في الحوار والتبادل الموضوعي، بل في تقديم "شاهد إثبات" يدين إيران قبل أن يفتح فمه.

2.4.2 تضخيم الأصوات المعارضة

في المقابل، يتم تضخيم أي صوت معارض لإيران، مهما كانت مصداقيته أو تمثيليته. مجموعة صغيرة من المعارضين في الخارج تُقدم على أنها "صوت الشعب الإيراني". منظمة "مجاهدي خلق" المصنفة إرهابياً في الغرب لفترة طويلة، تُستضاف في قنوات عربية وغربية كخبراء في الشأن الإيراني. هذا التضخيم ليس بريئاً، بل هو جزء من بناء سردية "انتفاضة شعبية ضد النظام".

2.4.3 استبعاد السياق

عندما يُسمح للأصوات الإيرانية (حتى المعارضة) بالكلام، يتم غالباً استبعاد السياق الذي تتحدث فيه. لا يتم ذكر أن العقوبات الغربية هي السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية التي تدفع الناس للاحتجاج. لا يتم ذكر الدعم الغربي والإسرائيلي لوسائل إعلام معارضة. لا يتم ذكر تاريخ التدخلات الأجنبية في إيران. يُستدعى الصوت فقط ليشهد ضد النظام، ثم يُعاد إسكاته.

……

ثالثاً: ازدواجية المعايير في الإعلام العربي والدولي

3.1 المفهوم والتجليات

تُعرَّف ازدواجية المعايير الإعلامية بأنها تطبيق قواعد مختلفة في توصيف وتقييم الأحداث المتشابهة تبعاً لهوية الفاعل السياسي أو الجغرافي، لا لطبيعة الفعل ذاته. فالفعل الواحد قد يُوصف إذا صدر عن دولة غربية بأنه "إجراء قانوني" أو "ضرورة أمنية"، بينما يُوصف الفعل نفسه إذا وقع في دولة عربية أو إسلامية مناهضة للسياسات الغربية بأنه "قمع" أو "استبداد" .

هذا الخلل لا ينتمي إلى المجال اللغوي فقط، بل يعكس منظومة قيمية غير متوازنة تحكم إنتاج الخطاب الإعلامي وتداوله. إنه يشير إلى انحراف بنيوي في وظيفة الإعلام، حيث لم يعد محكوماً بميزان الحقيقة أو العدالة، بل بخريطة التحالفات السياسية، ودوائر التمويل، ومنطق الهيمنة الرمزية العالمية.

3.2 دراسات مقارنة: الاحتجاجات في الغرب وإيران

تتجلى ازدواجية المعايير بوضوح في المقارنة بين تغطية الاحتجاجات في الدول الغربية وتغطية الاحتجاجات في إيران.

3.2.1 احتجاجات "السترات الصفراء" في فرنسا

في عام 2018، اندلعت احتجاجات "السترات الصفراء" في فرنسا ضد سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون الاقتصادية. استخدمت الشرطة الفرنسية القوة المفرطة، والغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، واعتقلت آلاف المتظاهرين. سقط جرحى وقتلى في صفوف المحتجين. ومع ذلك، كانت تغطية الإعلام العربي لهذه الاحتجاجات هادئة ومتوازنة، ووصفتها بأنها "حراك اجتماعي" و"احتجاجات على غلاء المعيشة". نادراً ما استخدمت مفردات "القمع" أو "الاستبداد" أو "انتهاك حقوق الإنسان" .

3.2.2 اقتحام الكونغرس الأمريكي

في 6 يناير 2021، اقتحم أنصار الرئيس دونالد ترامب مبنى الكونغرس الأمريكي، في حدث هز أسس النظام الديمقراطي الأمريكي. وصف الإعلام العربي هذا الحدث بأنه "أزمة سياسية" أو "انقسام داخلي" أو "اضطرابات"، لكنه لم يصفه بأنه "انهيار للشرعية" أو "إرهاب سياسي" أو "فشل للدولة" .

3.2.3 احتجاجات بلغاريا

في نهاية عام 2025، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في بلغاريا ضد السياسات الاقتصادية للحكومة، والتي شملت رفع الضرائب وإعادة هيكلة الإنفاق العام استجابة لشروط الاتحاد الأوروبي. بالكاد تناولت وسائل الإعلام الغربية والعربية هذه الاحتجاجات، وقدمتها على أنها ضمن "نظام ديمقراطي" .

3.2.4 احتجاجات إيران

في المقابل، حظيت الاحتجاجات الإيرانية التي اندلعت بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور العملة بتغطية مكثفة ومبالغ فيها، مع التركيز على "العنف المفترض" و"اضطراب الأمن" و"سقوط محتمل للنظام". تم تجاهل السياق الأساسي لهذه الاحتجاجات: الأزمة الاقتصادية الحادة الناجمة بشكل مباشر عن العقوبات الغربية المفروضة على البلاد، وتجميد أصولها الخارجية، والحرب الاقتصادية الشاملة .

3.3 تحليل الخطاب: كيف تُبنى الازدواجية؟

تُبنى ازدواجية المعايير عبر آليات متعددة:

3.3.1 توصيف مختلف للأفعال المتشابهة

الفعل في الغرب في إيران
احتجاجات شعبية حراك اجتماعي، تعبير عن الرأي فوضى، شغب، مؤامرة خارجية
استخدام القوة إجراءات أمنية، حماية للممتلكات قمع وحشي، انتهاك لحقوق الإنسان
اعتقالات تطبيق للقانون اعتقالات تعسفية
وفيات حوادث مؤسفة جرائم قتل
أزمة اقتصادية تحديات اقتصادية فشل النظام الاقتصادي

3.3.2 تركيز مختلف على العناصر

في تغطية الاحتجاجات الإيرانية، يتم التركيز على: المشاهد العنيفة، شعارات سياسية، تدخل قوات الأمن. في تغطية الاحتجاجات الغربية، يتم التركيز على: المطالب الاقتصادية المشروعة، سلمية المتظاهرين، استجابة الحكومة.

3.3.3 توظيف مختلف للمصادر

في تغطية إيران، تُستضاف شخصيات معارضة (غالباً في الخارج) كمصادر رئيسية. في تغطية الغرب، تُستضاف شخصيات رسمية وأكاديميون مستقلون.

3.3.4 تجاهل مقابل تضخيم للسياق

في تغطية إيران، يتم تجاهل السياق: العقوبات الغربية، التاريخ الاستعماري، التدخلات الأجنبية. في تغطية الغرب، يتم تقديم سياق مفصل: الظروف الاقتصادية، السياسات الحكومية، التحديات الداخلية.

3.4 جذور الازدواجية: من التبعية إلى الاستلاب

هذه الازدواجية ليست نتيجة خطأ مهني عابر، بل نتاج بنية إعلامية خاضعة للتبعية السياسية والتمويل المشروط والاستلاب الثقافي، حيث تُستبطن المعايير الغربية بوصفها المرجعية الأخلاقية الوحيدة. وبهذا يتحول الإعلام العربي من أداة لفهم العالم إلى قناة لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية، ومن مساحة للمساءلة إلى أداة تبرير للاختلال العالمي .

……

رابعاً: "القضية الإيرانية" في صراع الهيمنة على غرب اسيا

4.1 نشأة المفهوم

للمرة الأولى منذ ظهور "المسألة الشرقية" مطلع القرن التاسع عشر، والتي امتدت على إمبراطوريتين متهالكتين، العثمانية والفارسية القاجارية، يظهر في الدراسات السياسية شيء اسمه "القضية الإيرانية"، في دلالة خطيرة على التحول في التعامل مع إيران .

هذا المفهوم الجديد يحمل في طياته رؤية معينة: إيران لم تعد دولة ذات سيادة كاملة، بل أصبحت "قضية" يجب حلها، و"ملفاً" يجب إغلاقه، و"تحدياً" يجب مواجهته. إنه تحول لغوي يعكس تحولاً سياسياً عميقاً: إعادة صياغة إيران كموضوع للتدخل، وليس كفاعل في المنطقة.

4.2 إيران بين مشروعين: الهيمنة والتحرر

تتحرك إيران في الشرق الأوسط بين مشروعين متعارضين: مشروع الهيمنة الذي تسعى القوى الغربية والإقليمية لفرضه، ومشروع التحرر الذي تمثله إيران كدولة تسعى للاستقلال وتدعم حركات المقاومة.

4.2.1 مشروع الهيمنة

يسعى مشروع الهيمنة إلى:

· إضعاف إيران وتفتيتها (مشروع "إيران الصغرى")
· فصل إيران عن قضايا الشيعة في العراق ولبنان وسوريا
· إنهاء "التحدي الشيعي" في المنطقة
· إعادة هيكلة المنطقة وفق مصالح الغرب وإسرائيل

4.2.2 مشروع التحرر

يمثل مشروع التحرر الإيراني:

· نموذجاً تنموياً مستقلاً قائماً على رفض التبعية
· دعماً لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن
· شعار "لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية"
· تحدياً للنظام العالمي الأحادي القطب

4.3 التناقضات الإقليمية وصراع السرديات

تتحرك منطقة غرب آسيا على محاور صراع متعددة: الأزمة الخليجية، القضية الإيرانية، والمواجهة بين إسرائيل وتركيا. وهذه المسارات المترابطة تحدد ديناميات تفكك المنطقة ومحاولة دول فيها الهيمنة على دول وقضايا وملفات، أي الهيمنة على الاقتصاد والسياسة، وبطبيعة الحال "سرد القصة" حول ما يجري .

سرديات الشرق الأوسط المهيمنة سرديات يغلب عليها التزييف، أو هي صراع بين روايات مزيفة، وتكاد تكون قائمة على التزييف الكامل. لذلك هناك إعادة بناء إعلامية جارية حالياً للسيطرة على السرد، والسرد موجه للجمهور الموالي وليس بغرض تغيير الخصوم وتقليل شعبيتهم، أي إبقاء الموالين داخل صندوق الولاء للسلطة .

4.4 السردية الإيرانية: صراع النصر المزدوج

في جولة الصراع الأخيرة بين إيران وإسرائيل (يونيو 2025)، خرج كل من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليعلنا أن كل دولة حققت أهدافها والانتصار في جولة الحرب. لم تكن هذه التصريحات متضاربة فحسب، بل بدت وكأنها تعكس واقعين متوازيين لا يلتقيان، أو سرديتين متناقضتين تتصارعان على الهيمنة الرمزية في فضاء إقليمي مضطرب .

هذا المشهد المزدوج بتزامن الاحتفالات الرسمية داخل كل دولة، وبخطابين يروجان على نحو يقيني لفكرة النصر الحاسم، يكشف عن تحول عميق في بنية الصراعات والحروب الدولية: لم تعد نتائج الحروب قاصرة على المعارك العسكرية وحجم الخسارة في المعدات أو الحدود الجغرافية فقط، بل أصبحت خاضعة لتصاعد منطق "السردية" في مقابل تراجع منطق الحقيقة .

4.5 العدو بوصفه ضرورة وجودية

يكشف هذا المشهد عن علاقة أعمق بين إيران وإسرائيل: كل طرف منهما يعتمد على نحو غير مباشر على وجود الآخر كجزء من بنيته الخطابية ومن شرعيته السياسية الداخلية. فالخطاب الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يكتمل دون حضور دائم وفاعل للعدو الصهيوني. في المقابل، تعتمد إسرائيل على تكريس صورة التهديد الإيراني باعتباره الخطر الوجودي الأول الذي يبرر استمرار سياسات العسكرة، ويؤمن إجماعاً وطنياً حول قيادة الدولة .

بهذا المعنى، فإن ما يبدو صراعاً مفتوحاً بين الطرفين لا يتجه فعلياً نحو الحسم أو التسوية النهائية، بل نحو نمط من الاستمرار المنضبط أو الصراع المستدام، حيث يجري التحكم في منسوب التوتر وضبط إيقاع التصعيد وفق متطلبات الداخل السياسي لكل طرف .

…….

خامساً: أخلاقيات المهنة في زمن الهيمنة

5.1 معايير الصحافة المهنية: بين المثالية والواقع

تضع المواثيق الأخلاقية للصحافة معايير سامية: الدقة، الموضوعية، التوازن، فصل الرأي عن الخبر، احترام خصوصية الأفراد، تصحيح الأخطاء. لكن هذه المعايير تواجه تحديات جمة في الواقع، خاصة عندما يتعلق الأمر بتغطية قضايا تمس مصالح كبرى.

في حالة إيران، كثيراً ما يتم التضحية بهذه المعايير على مذبح الهيمنة. الدقة تضحى عندما يتم تجاهل سياق العقوبات في تغطية الاحتجاجات. الموضوعية تضحى عندما يتم استضافة المعارضين فقط. التوازن يضيع عندما يتم تقديم رواية واحدة كحقيقة مطلقة.

5.2 الحياد المستحيل: عندما يكون الصمت انحيازاً

في الصراعات الكبرى، يصبح الحياد مستحيلاً، بل ربما غير مرغوب أخلاقياً. التغطية "المتوازنة" التي تعطي وزناً متساوياً للجلاد والضحية، للمحتَل والمحتل، للمعتدي والمدافع عن نفسه، ليست حياداً، بل هي تشويه للحقيقة وتضليل للجمهور. في سياق الصراع مع إيران، كثيراً ما تستخدم "الموضوعية" كغطاء لتقديم الرواية الإسرائيلية أو الغربية بوصفها مساوية للرواية الإيرانية، متجاهلة اختلال موازين القوى، وتاريخ التدخلات الأجنبية، وحقائق القانون الدولي.

5.3 مسؤولية المثقف والإعلامي في زمن الهيمنة

يواجه المثقف والإعلامي العربي اليوم تحدياً وجودياً: كيف يمارس دوره وسط سطوة الاختزال الإعلامي؟ كيف يتعامل مع الطغيان الرمزي للسرديات المهيمنة التي تسعى إلى ضبط الوعي الجماعي وفق أنساق محددة سلفاً؟

ليس أمام المثقف سوى خيارات ثلاث: إما الاندماج التام في المنظومة الإعلامية السائدة، فيتحول إلى جزء من آلة الهيمنة؛ أو العزلة والانسحاب، فيفقد القدرة على التأثير؛ أو إعادة ابتكار الخطاب النقدي بطرق جديدة تتناسب مع طبيعة العصر، دون أن تفقد جوهرها .

هذا الخيار الثالث هو الأصعب، لكنه الوحيد القادر على إحداث تغيير حقيقي. إنه يتطلب:

· إعادة ابتكار الخطاب النقدي بطريقة تواكب التحولات الثقافية
· توسيع الفضاء الثقافي عبر منصات مستقلة
· استخدام وسائل التواصل بذكاء، وإعادة توجيه الخوارزميات لخدمة الفكر النقدي
· بناء مجتمعات فكرية موازية
· تحويل الفكر إلى مشروع عملي

5.4 نحو إعلام بديل: من هيمنة السرديات إلى سرديات التحرر

لا يمكن مواجهة سرديات الهيمنة بتفكيكها فقط، بل بإنتاج سرديات بديلة. فالنقد وحده، دون تقديم نموذج مضاد، لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الهيمنة عبر الاعتراف الضمني بقوتها .

هذا الخطاب البديل يجب أن يكون قادراً على:

· كسر الاحتكار الغربي للمفاهيم والمصطلحات
· إعادة تعريف "الحقيقة" و"الموضوعية" من منظور الجنوب العالمي
· تقديم قراءة مغايرة للتاريخ والجغرافيا
· كشف آليات الهيمنة وإظهارها للعيان
· بناء رؤية مستقبلية بديلة تقوم على العدالة والكرامة والاستقلال

…….

خاتمة المقدمة: الإعلام بين التحرير والهيمنة

في ختام هذه المقدمة المطولة، نعود إلى نقطة البداية: الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو ساحة معركة كبرى، تتصارع فيها الرؤى والمشاريع، وتتشكل فيها الوعي والهويات. إنه سلطة ناعمة قد تكون أخطر من السلطة الصلبة، لأنها لا تقهر الناس، بل تجعلهم يقبلون قهرهم طواعية، بل ويدافعون عنه.

في هذه المعركة، تقف إيران في موقع فريد: هي نموذج تنموي مستقل، وهي قضية مركزية في صراع الهيمنة على الشرق الأوسط، وهي هدف لحملة تنميط إعلامي شرسة. لكنها في الوقت نفسه، مصدر إلهام لكثير من الشعوب التي تبحث عن بدائل للنموذج الغربي، ودليل حي على إمكانية النجاح خارج إملاءات الهيمنة.

يبقى السؤال المفتوح: كيف يمكن كسر هذه الهيمنة؟ كيف يمكن تقديم صورة إيران كما هي، لا كما يريد أعداؤها أن يرونها؟ الإجابة تحتاج إلى عمل متواصل على مستويات متعددة: نقدية (تفكيك الخطاب المهيمن)، وإبداعية (إنتاج خطاب بديل)، ومؤسسية (بناء وسائل إعلام مستقلة)، وجماهيرية (توعية الجمهور بآليات التضليل).

لكن الأمل يبقى قائماً، لأن الحقيقة أقوى من الكذب، والصبر أطول من الباطل. وكما يقول المثل الفارسي القديم: "الحقيقة كالنور، لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد".

…….

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في المقدمة

1. جوناثان وايت، "على المدى البعيد: المستقبل كفكرة سياسية"، 2024
2. د. مصطفى سوادي جاسم، "الإعلام العربي بين أخلاقيات الحقيقة وسلطة الهيمنة"، مركز الفيض العلمي، 2026
3. وحدة الدراسات الإيرانية، "القضية الإيرانية في صراع الهيمنة على الشرق الأوسط"
4. عبد الله بخاش، "الإعلام اليمني وتمثلات نموذج الاستقطاب والهيمنة على الخطاب العام"، مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام
5. مصطفى محمود عنتر، "الهيمنة الرمزية والحروب: سرديات النصر المزدوج في الحرب الإيرانية الإسرائيلية"، مركز شمس للدراسات
6. مؤتمر "الإعلام الدولي والحرب على غزة"، نوفمبر 2025
7. إبراهيم برسي، "المثقف في زمن الاختزال: بين هيمنة السرديات وإمكانات الفعل"
8. د. طنوس شلهوب، "الهيمنة السردية للإعلام الإمبريالي"
9. إنتمان، روبرت. (1993). "التأطير: نحو توضيح لنموذج نظري مكسور". مجلة الاتصال السياسي
10. سعيد، إدوارد. (1978). "الاستشراق: المعرفة الغربية للشرق". نيويورك: بانثيون بوكس
11. غرامشي، أنطونيو. (1971). "دفاتر السجن". نيويورك: إنترناشونال بابليشرز
12. بورديو، بيير. (1991). "اللغة والسلطة الرمزية". كامبريدج: مطبعة جامعة هارفارد
13. فوكو، ميشيل. (1980). "المعرفة والسلطة: مقالات ومقابلات مختارة". نيويورك: بانثيون بوكس



……..



الفصل الأول:

آليات التنميط الإعلامي وتشويه صورة إيران: تفكيك الخطاب وهندسة الصور النمطية

تمهيد: الإعلام بوصفه ساحة معركة

في خضم الصراعات الجيوسياسية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يبرر الإعلام بوصفه ساحة معركة موازية لا تقل ضراوة عن ميادين القتال التقليدية. بل لعلها الأكثر تأثيراً في تشكيل وعي الجماهير وتوجيه بوصلتها نحو جهةٍ ما دون أخرى. فإذا كانت الحروب تُشن بالدبابات والطائرات، فإن النصر الحقيقي يُحكم بإحكام السيطرة على عقول الناس وقلوبهم. ومن هنا تكتسب دراسة الخطاب الإعلامي الموجه ضد إيران أهميتها القصوى، لا بوصفه مجرد تغطية إخبارية محايدة، بل باعتباره أداة استراتيجية ضمن حرب شاملة تستهدف نموذجاً تنموياً مستقلاً، وتجربة سياسية فريدة، وإرادة شعب أبت إلا أن تسير عكس تيار الهيمنة الغربية.

تُقدِّم هذه الدراسة قراءة معمقة في آليات التنميط الإعلامي التي توظفها وسائل إعلام عربية ودولية لتشويه صورة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كاشفةً عن الجذور النظرية لهذه الآليات، ومسلطةً الضوء على البنية التحتية التي تدير هذه الحرب الإعلامية، ومفككةً التقنيات اللغوية والبلاغية المستخدمة في إنتاج الصور النمطية. كما تتوقف ملياً عند دور الوحدة 8200 الإسرائيلية بوصفها ذراعاً رئيسياً في هذه المعركة، وتحلل نماذج من التغطيات الإخبارية لاستخلاص الدروس والعبر. وصولاً إلى قراءة نقدية في فشل الإعلام الإيراني الرسمي في مواجهة هذه الحملة، واستشراف آفاق المستقبل في معركة الرواية التي لا تزال ساحتها مفتوحة.

…….

أولاً: الإطار النظري: نظرية التأطير الإعلامي وكيفية توظيفها ضد إيران

1.1 مفهوم التأطير الإعلامي: جذور نظرية وتطبيقات معاصرة

يُعد "التأطير الإعلامي" (Framing) من أبرز النظريات التي تفسر كيفية تأثير وسائل الإعلام في تشكيل تصورات الجمهور للواقع. فوفقاً لهذه النظرية، لا تقدم وسائل الإعلام الحقائق المجردة، بل تعيد صياغتها داخل أطر تفسيرية محددة توجّه المتلقي نحو فهم معين للأحداث. إنها عملية انتقاء "بعض جوانب الواقع الملموس وإبرازها في نص تواصلي، بحيث يتم الترويج لتعريف معين للمشكلة، أو تفسير سببي، أو تقييم أخلاقي، أو اقتراح علاج" (روبرت إنتمان، 1993).

في حالة إيران، يعمل الإطار المهيمن في الإعلام الغربي والعربي الموجَّه على حصر صورة إيران في زوايا محددة سلبية دائماً: الملف النووي "المقلق"، ودعم "الإرهاب"، وانتهاكات حقوق الإنسان، وقمع المرأة. يتم إعادة إنتاج هذه الأطر يومياً عبر آلاف المواد الإعلامية، حتى تتحول إلى مسلّمات لا تحتاج إلى برهان في وعي المتلقي العادي. وكأن إيران ليست بلداً يعيش فيه أكثر من 85 مليون إنسان، لهم آمالهم وآلامهم وإنجازاتهم وإخفاقاتهم، بل هي مجرد "مشكلة" يجب حلها، أو "تحدٍ" يجب مواجهته.

1.2 أربع طبقات للتأطير: قراءة في الإستراتيجية طويلة المدى

يكشف تحليل الناشط السياسي الإيراني مجيد تفرشي في حوار له مع وكالة "خبر أونلاين" عن الطبيعة المركبة للحرب النفسية والإعلامية التي شُنَّت ضد إيران على مدى عقدين من الزمن . ويحدد تفرشي أربع طبقات رئيسية استهدفتها هذه الحرب:

الطبقة الأولى: الساسة وصنّاع القرار
حيث عملت الحملة الإعلامية على ترسيخ فكرة أن إيران "دولة مارقة" لا يمكن التعامل معها، وأنها تشكل تهديداً وجودياً للأمن الإقليمي والدولي. هذه السردية كانت الأساس الذي استندت إليه سياسات العقوبات القصوى والضغط الأقصى التي انتهجتها إدارات أمريكية متعاقبة.

الطبقة الثانية: النخب الأكاديمية والمتخصصة
من خلال تمويل مراكز أبحاث ودراسات متخصصة في "شؤون إيران"، تُنتج تقارير "علمية" تعيد إنتاج الرؤية الرسمية الغربية ولكن بغطاء أكاديمي. هذه التقارير تصبح مرجعاً للصحفيين وصناع القرار، وتُدرَّس في أقسام العلوم السياسية في الجامعات الغربية والعربية، مما يكرس الصور النمطية في أوساط النخب.

الطبقة الثالثة: وسائل الإعلام
وهي الأداة الرئيسية لنقل هذه الأطر إلى الجماهير العريضة. تعمل شبكة واسعة من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية على بث يومي ومنسق للمحتوى الذي يعزز الصورة السلبية عن إيران، مع استبعاد متعمد لأي صوت مخالف أو أي معلومة قد تقدم صورة أكثر توازناً.

الطبقة الرابعة: الرأي العام العالمي
وهو الهدف النهائي الذي تتقاطع عنده تأثيرات الطبقات الثلاث السابقة. يتم تشكيل وعي الجمهور العادي بحيث يصبح مهيأ لقبول أي عدوان على إيران، بل والمطالبة به أحياناً، تحت شعارات "تحرير الشعب الإيراني" أو "نشر الديمقراطية" أو "منع انتشار أسلحة الدمار الشامل".

1.3 التأطير كتمهيد للعدوان: إضفاء الشرعية على اللاعقلاني

تكمن خطورة هذه العملية التراكمية في أنها تمهد الطريق للعدوان العسكري وتجعل منه خياراً "عقلانياً" و"أخلاقياً" في نظر الرأي العام. فبعد عقدين من السردية التي تصوّر إيران على أنها "مصدر الإرهاب" و"منتهكة حقوق الإنسان" و"مزعزعة الاستقرار" و"الدولة المارقة"، يصبح من المنطقي "محاسبتها" و"ردعها" بل و"تغيير نظامها". تتحول الضربة العسكرية من جريمة حرب إلى "واجب أخلاقي" تمليه الإنسانية.

يقول تفرشي: "في الفترة التي سبقت الهجوم العسكري على إيران، ومن أجل تبرير هذا الهجوم وجعله منطقياً ولا مفر منه، سعى الطرف الآخر إلى تصوير إيران على أنها ترفض الحوار، لا تقبل التفاوض، وتتجه نحو امتلاك القنبلة" . هذه السردية تُحضّر العقول قبل أن تُحضّر الجيوش، وتجعل المواطن العادي في الغرب أو في بعض الدول العربية شريكاً ضمنياً في العدوان، بدلاً من أن يكون صوتاً معارضاً له.

……

ثانياً: البنية التحتية للتشويه: من الوحدة 8200 إلى شبكات التمويل الخفية

2.1 الوحدة 8200: عين إسرائيل على إيران

لا يمكن فهم آليات التنميط الإعلامي الموجَّه ضد إيران بمعزل عن البنية التحتية الاستخباراتية التي تديره. وفي مقدمة هذه البنية، تتربع "الوحدة 8200" الإسرائيلية، ذراع الاستخبارات الإلكترونية الأكثر تقدماً وتسللاً في المنطقة.

2.1.1 النشأة والتطور: من حرب أكتوبر إلى الفضاء السيبراني

تأسست "الوحدة 8200" عام 1948 على يد مردخاي الموغ، وكان اسمها الأول "جهاز المخابرات 2" (SM2)، ثم تطورت عبر مسميات متعددة (515 ثم 848) حتى استقرت على اسمها الحالي بعد حرب يونيو 1967 . لكن نقطة التحول الكبرى في تاريخ الوحدة كانت حرب أكتوبر 1973، حيث سقط ضابطها الكبير "عاموس ليفنبرغ" في الأسر السوري، وأدلى بمعلومات وصفت بأنها "أكبر ضرر شهدته الاستخبارات الإسرائيلية في تاريخها" .

هذه الصدمة قادت إلى إعادة هيكلة جذرية للوحدة، تم بموجبها فصل عناصرها في فرق مختلفة معزولة عن بعضها، وتوزيع المهام بسرية تامة. كما تزامن ذلك مع تطوير شامل للمهام نفسها، لتصبح الوحدة "أكاديمية تعليمية تقنية" شاملة، ومصنعاً للشركات الناشئة في مجال الأمن السيبراني، ومشاركاً رئيسياً في الاقتصاد الإسرائيلي .

2.1.2 مهام الوحدة: جمع المعلومات والحرب الإلكترونية

تتحمل "الوحدة 8200" مسؤولية جمع المعلومات الاستخباراتية عن طريق استخبارات الإشارات (SIGINT) وفك الشيفرات . وهي توفر أكثر من نصف المعلومات الاستخباراتية الإجمالية لهيئات المخابرات الإسرائيلية كافة . مقرها الرئيسي في مستوطنة "جليلوت رمات هشارون" بتل أبيب، كما تدير في النقب واحدة من أكبر قواعد التنصت في العالم.

لكن الدور الأبرز للوحدة في العقدين الأخيرين هو الحرب السيبرانية الموجهة ضد إيران. فقد كُشف أن "الوحدة 8200" هي المسؤولة عن تطوير واستخدام فيروس "Stuxnet" الذي استهدف المنشآت النووية الإيرانية في نطنز . هذا الفيروس، الذي وُصف بأنه أول سلاح سيبراني في التاريخ، نجح في تعطيل آلاف أجهزة الطرد المركزي، وأخر البرنامج النووي الإيراني لسنوات. ورغم أن الخبراء الإيرانيين استطاعوا فك شيفرته وتحويله إلى فيروس مضاد، إلا أن الهجوم شكل علامة فارقة في تاريخ الحروب السيبرانية.

2.1.3 تجنيد العقول: كيف تصنع إسرائيل جواسيسها الإلكترونيين

تمتلك الوحدة آلية دقيقة لانتقاء عناصرها، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و21 عاماً. يتم رصد المتميزين في مجالات التقنية من الشباب والفتيات في المرحلة الثانوية، من خلال برامج خاصة مثل "مغا شميم" في جامعة بن غوريون . وتشمل عملية الاختيار اختبارات سنوية ونصف سنوية في اللغات (خاصة العربية والفارسية)، والعلوم، والبرمجة، والتفكير الإبداعي، وسرعة البديهة، بالإضافة إلى اختبارات جسدية ونفسية .

يقول أفيشاي إبراهيمي، أحد مجندي الوحدة السابقين: "لا أحد يُخبرك كيف تفعل هذا، إما أن تنجح أنت، وإما لا أحد سيفعل" . هذا الوصف يكشف طبيعة العمل داخل الوحدة، حيث يُترك المجندون المراهقون لابتكار الحلول بأنفسهم، واختراق أي حدود للوصول إلى الهدف. إنها مدرسة قاسية لصناعة جواسيس محترفين، يجيدون اختراق العقول قبل اختراق الأنظمة.

2.2 دائرة التمويل الغربية: من روتشيلد إلى صناديق الدعم الخفية

لا تعمل "الوحدة 8200" في فراغ، بل هي جزء من شبكة أوسع تضم مؤسسات مالية وإعلامية غربية، تتداخل مصالحها وتتكامل أهدافها. وفي قلب هذه الشبكة، تقف عائلات مالية عريقة مثل "روتشيلد"، التي تمتلك إمبراطورية مالية عابرة للحدود، وتسيطر على بنوك مركزية ومؤسسات مالية دولية.

تاريخياً، لعبت هذه العائلات دوراً في تمويل الحروب والصراعات التي تخدم مصالحها الاقتصادية. وفي العصر الحديث، تمتد أياديها إلى الإعلام، من خلال تمويل قنوات وصحف ومراكز أبحاث تروج لسياسات تخدم أجنداتها. كثير من وسائل الإعلام العربية التي تشن حملات شرسة على إيران تتلقى تمويلات مباشرة أو غير مباشرة من هذه الدوائر، سواء عبر الإعلانات أو المنح أو الدعم الخفي.

يقول تحليل "مركز حرمون" للدراسات: "يعد الإعلام أحد الأدوات الرئيسة في العلاقات الخارجية للدول، وهو -من وجهة نظر العلوم السياسية- أحد الفاعلين في صناعة الرأي العام الدولي، إذ يستند إليه صانعو القرار في تصدير ما يريدونه من رؤى في القضايا المطروحة" . وعندما تمتلك دوائر مالية نافذة وسائل إعلام ضخمة، فإنها تستخدمها لتحقيق مصالحها الجيوسياسية، وفي مقدمتها كسر أي نموذج تنموي مستقل لا يخضع لإملاءاتها.

2.3 التنسيق الاستخباراتي: الموساد والسي آي أي والوحدة 8200

تكشف وثائق مسربة واعترافات غير رسمية عن مستوى عالٍ من التنسيق بين الأجهزة الاستخباراتية الغربية والإسرائيلية في استهداف إيران. ففي سياق الاحتجاجات التي شهدتها إيران، اعترفت مصادر في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بأن "ماجوريهم من افتعلوا المظاهرات واستهدفوا رجال الشرطة". هذا الاعتراف، الذي تم تداوله في وسائل إعلام محدودة، يكشف أن ما جرى لم يكن احتجاجات شعبية عفوية، بل عمليات منظمة تقف خلفها أجهزة استخباراتية.

تتولى "الوحدة 8200" إدارة آلاف الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تضخيم الاحتجاجات الداخلية وتصويرها على أنها انتفاضات شعبية عارمة . كما تقوم بنشر أخبار مفبركة عن انتهاكات لحقوق الإنسان، وإشاعة أجواء من اليأس والإحباط بين صفوف الشعب الإيراني. وتعمل في تناغم تام مع أقسام "الحرب النفسية" في الموساد والسي آي أي، التي توفر الدعم اللوجستي والتمويلي والتقني لهذه الحملات.

…….

ثالثاً: تقنيات التشويه اللغوي: كيف تصنع الصور النمطية؟

3.1 التبديل المفاهيمي: قلب الحقائق رأساً على عقب

من أبرز آليات التنميط الإعلامي تقنية "التبديل المفاهيمي"، حيث يتم استبدال المفاهيم بضدها، أو تحميلها دلالات مغايرة تماماً لحقيقتها. فالمقاومة تتحول إلى "إرهاب"، والاستقلال يتحول إلى "انعزالية"، والسيادة الوطنية تتحول إلى "تمرد على النظام الدولي". هذا القلب المفاهيمي يربك المتلقي ويجعل من الصعوبة تمييز الحقيقة من الكذب.

فالشعب الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه يتحول في الإعلام الموجَّه ضد إيران إلى "إرهابيين"، والمقاومة اللبنانية التي حررت أرضها من الاحتلال تتحول إلى "ميليشيات طائفية"، وإيران التي ترفض الخضوع للإملاءات الغربية وتدافع عن سيادتها تتحول إلى "دولة مارقة". إنها مفردات مصممة بعناية لشيطنة الخصم وتجريده من أي شرعية، قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية.

3.2 التعميم المفرط: من الخاص إلى العام

تقوم هذه التقنية على نسب خصائص سلبية لمكونات سياسية أو اجتماعية محدودة إلى المجتمع الإيراني بأكمله. فتصرفات فردية أو قرارات حكومية مثيرة للجدل تتحول إلى "طبيعة إيرانية" أو "خلل في الشخصية الفارسية". يتم تضخيم الحالات الشاذة وتعميمها، بينما يتم تجاهل الحالات الطبيعية والمنجزة.

هذا التعميم المفرط يمتد أحياناً إلى مستوى التاريخ والجغرافيا، حيث يتم استحضار صراعات عمرها قرون لقراءة أحداث اليوم. الفرس والعرب، الشيعة والسنة، كلها ثنائيات يتم توظيفها لخلق انقسامات عميقة، وتصوير الصراع السياسي على أنه صراع وجودي وحضاري لا يمكن تجاوزه.

3.3 التاريخنة: حصر إيران في ماضيها وعزلها عن حاضرها

تعتمد تقنية "التاريخنة" على حصر إيران في صور تاريخية نمطية (الاستبداد الفارسي، حريم الشاه، التخلف الديني) وعزلها عن تحولاتها المعاصرة وإنجازاتها التنموية. يتم تجاهل أن إيران اليوم هي بلد يضم أكثر من 60% من سكانه تحت سن الثلاثين، وأن 60% من طلاب الجامعات هن من النساء، وأنها تحتل مراتب متقدمة عالمياً في تكنولوجيا النانو والخلايا الجذوية والطب.

هذه التاريخنة تخدم غرضين: أولاً، تجريد إيران من أي شرعية معاصرة، وثانياً، منع المقارنة الموضوعية بين ما أنجزته إيران وما أخفقت فيه دول المنطقة الأخرى. فإذا تم حصر النقاش في صور الماضي، لن يضطر المشاهد للتساؤل: لماذا حققت إيران الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدوائية بينما لا تزال دول عربية غنية تستورد الدواء؟ لماذا طورت إيران برنامجاً فضائياً بينما دول خليجية ثرية تشتري التكنولوجيا جاهزة؟

3.4 آليات الإقصاء والتهميش: من يُسمح له بالكلام؟

لا يقل أهمية عن المحتوى المقدم، السؤال عن "من يُسمح له بالكلام" في وسائل الإعلام المسيطرة. هناك سياسة متعمدة لإقصاء الأصوات الإيرانية المستقلة التي يمكن أن تقدم صورة مغايرة. يتم استضافة المعارضين الإيرانيين المقيمين في الخارج بشكل شبه حصري، بينما يتم تجاهل المسؤولين الإيرانيين أو الخبراء المستقلين أو المواطنين العاديين.

وحتى عندما يتم استضافة شخصيات إيرانية رسمية، فإنها توضع في سياق عدائي، حيث يتم مقاطعتها ومهاجمتها بدلاً من الاستماع إليها. الفكرة ليست في الحوار والتبادل الموضوعي، بل في تقديم "شاهد إثبات" يدين إيران قبل أن يفتح فمه.

3.5 الصورة بوصفة سلاحاً: توظيف المرئي في تشويه المقدس

ربما تكون الصورة هي السلاح الأقوى في الحرب الإعلامية ضد إيران. يتم انتقاء الصور الأكثر بشاعة وتكرارها بلا توقف: مشاهد الإعدامات (التي نادراً ما تُنفذ في إيران مقارنة بدول أخرى في المنطقة)، صور النساء وهن يخلعن الحجاب، لقطات للدمار إن حدث (مع تجاهل تام أن الدمار سببه عقوبات غربية أو هجمات إسرائيلية). يتم تركيب هذه الصور في سياق يوحي بأنها "طبيعة إيران" وليس نتيجة ظروف استثنائية أو سياسات قابلة للنقاش.

كما يتم توظيف الصور في عمليات "الفبركة" المباشرة، حيث يتم تداول صور قديمة من سياقات مختلفة على أنها صور حديثة من إيران. في عصر الفوتوشوب والذكاء الاصطناعي، أصبح من السهل جداً خلق "وقائع" لا تمت للواقع بصلة، لكنها تترك أثراً في النفوس يصعب محوه.

…….

رابعاً: دراسة حالة: تغطية الاحتجاجات الإيرانية في الإعلام العربي

4.1 تضخيم الأحداث: من احتجاجات محدودة إلى "ثورة شعبية"

شكلت الاحتجاجات التي شهدتها إيران في فترات مختلفة (2017-2018، 2019، 2022) فرصة ذهبية للإعلام العربي الموجَّه لتطبيق آليات التنميط على أرض الواقع. فما كان في الحقيقة احتجاجات محدودة في مدن معينة، لأسباب اقتصادية أو اجتماعية محددة، تحول في التغطيات الإعلامية إلى "ثورة شعبية عارمة" تطالب بـ"إسقاط النظام".

تشير دراسة أكاديمية محكمة نشرتها مجلة العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت إلى أن تغطية الصحف الإيرانية نفسها للاحتجاجات تباينت بين تيار وآخر، حيث كانت تغطية الصحف الإصلاحية إيجابية بينما كانت تغطية الصحف المحافظة سلبية . لكن الإعلام العربي الموجَّه لم ينقل هذا التباين، بل قدم الاحتجاجات وكأنها إجماع شعبي ضد النظام، متجاهلاً مئات الآلاف الذين خرجوا في مسيرات مؤيدة للحكومة في الوقت نفسه.

4.2 تجاهل الاعترافات الغربية: عندما تصمت الفضائيات

في الوقت الذي كانت فيه الفضائيات العربية تبث سيلاً من الأخبار عن "قمع المتظاهرين" و"سقوط العشرات" و"هتافات ضد المرشد"، كانت هناك اعترافات مهمة تصدر من أوساط غربية تكشف حقيقة ما يجري. فقد اعترفت مصادر في CIA و الموساد بأن نسبة كبيرة من المتظاهرين المسلحين كانوا من عناصر مدسوسة تستهدف قوات الأمن الإيرانية. هذا الاعتراف، الذي يشكل عنصراً جوهرياً في فهم الاحتجاجات، تم تجاهله تماماً في التغطيات العربية.

لماذا تم تجاهله؟ لأنه يكشف أن ما جرى لم يكن "انتفاضة شعبية" بل عملية منظمة تقف خلفها أجهزة استخباراتية. وعندما يتبين للرأي العام أن بلاده تتدخل في شؤون إيران الداخلية وتدعم عنفاً منظمه، قد تتغير نظرته للقضية برمتها. لذلك، كان الصمت هو الخيار الوحيد.

4.3 التركيز على الهوامش وتجاهل المضامين

ركزت التغطيات الإعلامية العربية على المشاهد الهامشية: فتاة تخلع حجابها، شاب يهتف ضد المرشد، مشاجرة في الشارع. بينما تم تجاهل المضامين الحقيقية للاحتجاجات: المطالب الاقتصادية المشروعة، الغلاء، البطالة، الفساد. هذا التركيز على الهوامش يحول الاحتجاجات من حركة اجتماعية ذات مطالب قابلة للحل إلى حركة وجودية تهدف إلى "تغيير النظام" و"إسقاط الجمهورية الإسلامية".

كما تم تجاهل أن كثيراً من المحتجين أنفسهم كانوا يرفعون صور المرشد ويؤكدون ولاءهم للثورة، بينما يطالبون فقط بتحسين أوضاعهم المعيشية. هذا التعقيد لا يصلح للعناوين المثيرة، لذلك تم اختزاله في ثنائية مبسطة: نظام ضد شعبه.

4.4 الفجوة بين السردية الإعلامية والواقع الميداني

خلقت هذه التغطيات فجوة هائلة بين السردية الإعلامية والواقع الميداني. فمن يتابع الفضائيات العربية يعتقد أن إيران على شفير الانهيار، وأن الملايين في الشوارع يطالبون بإسقاط النظام، وأن الجيش والأمن على وشك الانقلاب على القيادة. بينما كان الواقع مختلفاً تماماً: احتجاجات محدودة في نطاقات جغرافية معينة، تسيطر عليها قوات الأمن في أيام معدودة، وعودة الحياة إلى طبيعتها بسرعة.

هذه الفجوة تفضح الهدف الحقيقي للإعلام: ليس نقل الواقع كما هو، بل تشكيل واقع موازٍ يخدم أجندات سياسية محددة. وعندما يصطدم هذا الواقع الموازي بالواقع الحقيقي، تتآكل مصداقية الإعلام، لكن الضرر يكون قد وقع بالفعل: تشويه صورة إيران في أذهان الملايين.

……

خامساً: قراءة في فشل إيران الإعلامي: لماذا خسرت المعركة؟

5.1 شهادة من الداخل: مجيد تفرشي ونقد التجربة الإعلامية الإيرانية

في حواره مع وكالة "خبر أونلاين"، يقدم الناشط السياسي الإيراني مجيد تفرشي نقداً لاذعاً وصريحاً لأداء إيران الإعلامي، معترفاً بأن "إيران فقدت مرجعيتها الإعلامية خلال العقدين الماضيين، أو جرى إضعافها بشدة لأسباب مختلفة. بعض هذا المخطط فُرض من الخارج، وبعضه الآخر ضاع بسبب سوء الإدارة وعدم الكفاءة في الداخل" .

هذه الشهادة مهمة لأنها تأتي من داخل التجربة الإيرانية، وتعترف بالأخطاء دون مواربة. فلم يكن الفشل إعلامياً فقط، بل كان سياسياً واستراتيجياً وإدارياً. لقد فشلت إيران في تطوير خطاب إعلامي قادر على مواجهة الهجمة الشرسة، وظلت متشبثة بنماذج إعلامية تجاوزها الزمن.

5.2 إعلام الصوت الواحد: من الهيمنة إلى العزلة

يرجع تفرشي جزءاً من الفشل إلى سياسة "الصوت الواحد" التي انتهجتها المؤسسة الإعلامية الرسمية. فقد سعى المسؤولون إلى "فرض الصوت الواحد على مؤسسات مثل الإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام الحكومية، من أجل الحفاظ على هذا الصوت الأحادي. في السنوات الأولى بعد الثورة، كانت هذه الطريقة فعّالة، لكن هذا الوضع لم يكن قابلاً للاستمرار" .

مع تنوع وسائل الإعلام وظهور منصات جديدة، فقدت المؤسسة الرسمية هيمنتها، لكنها لم تطور نفسها. بينما كان العالم يتحول إلى فضاء مفتوح، بقيت الإذاعة والتلفزيون الإيرانيين عند النقطة نفسها، تقدم الخطاب نفسه بالطريقة نفسها، ففقدت جمهورها تدريجياً. "الطريق انحرف ونحن لم ننحرف معه"، كما يقول تفرشي.

5.3 قصة "برس تيفي": من قمة النجاح إلى الحضيض

يقدم تفرشي مثالاً صارخاً على سوء الإدارة من خلال قصة قناة "برس تيفي" الناطقة بالإنجليزية. فقد تمكنت القناة في فترة قصيرة من أن "تحجز لنفسها مكاناً في المجتمع الدولي، وأصبحت، بحسب تعبير القائمين عليها، "صوت من لا صوت لهم"، واستطاعت استقطاب كبار الصحفيين الدوليين، إلى جانب أشهر البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وجذبت إليها شخصيات بارزة" .

لكن بعد أحداث عام 2009، تحولت القناة إلى "أداة لتنفيذ السياسات الداخلية، ولهذا السبب فقدت مرجعيتها الدولية فعلياً، وتراجعت بشدة نسبة متابعتها بين الجمهور الدولي". والنتيجة أن القناة التي كانت في القمة تحولت إلى "وسيلة إعلام من الدرجة الثالثة على شبكة الإنترنت، وباتت فعلياً غير موجودة" .

هذه القصة تعكس نمطاً متكرراً في الإعلام الإيراني: بدايات واعدة، ثم تدخلات سياسية وأمنية تحول المؤسسات الإعلامية إلى أبواق رسمية، فتفقد مصداقيتها وجمهورها.

5.4 التضييق على الأصوات الداخلية: إقصاء الحلفاء وتقوية الخصوم

من المفارقات المؤلمة أن السياسات الإعلامية الإيرانية لم تقصِ الأصوات المعادية فقط، بل أقصت أيضاً الأصوات الموالية ولكن المختلفة. "تسببت هذه الذهنية الضيقة في إقصاء أصوات متعددة، رغم أن ولاءها وانتماءها لإيران كان مؤكداً، وهو ما أدى تدريجياً إلى فقدان قطاع كبير من الناس ثقتهم في وسائل الإعلام المحلية" .

هذا الإقصاء دفع الناس إلى البحث عن مصادر بديلة، فوجدوها في الإعلام الأجنبي، سواء كان محايداً أم معادياً. وهكذا، تحولت إيران من بلد يمتلك إعلاماً قوياً ومؤثراً إلى بلد يستهلك إعلام غيره، ويتعرض يومياً لحملات تشويه منظمة دون أن يملك أدوات الرد.

5.5 قيود الإنترنت: سلاح ذو حدين

تثير سياسة قطع الإنترنت في أوقات الأزمات جدلاً واسعاً في إيران. يرى تفرشي أن "قطع الإنترنت لفترة قصيرة أثناء الأزمات أمر مقبول" ، لكنه يشير إلى أن هذه السياسة تحرم إيران من أدوات مهمة في إدارة الرواية. فعندما تقطع الإنترنت، تُترك الساحة خالية للإعلام المعادي، الذي يواصل بثه عبر الأقمار الصناعية ووسائل التواصل البديلة.

في المقابل، هناك من يرى أن قطع الإنترنت إجراء ضروري لتعطيل قدرة الأجهزة الاستخباراتية على تنسيق الاحتجاجات وإدارة الحملات الإعلامية. لكن الثابت أن هذه السياسة، مهما كانت مبرراتها، تضعف قدرة إيران على تقديم روايتها للعالم، وتجعلها تبدو وكأنها تخشى الحوار وتخشى أن يسمع شعبها أصواتاً أخرى.

…..

سادساً: الإعلام الإيراني في مرآة الآخر: قراءة في التحليلات الغربية والعربية

5.6 (مع ترقيم متواصل) عندما يصف الخصم: إندبندنت عربية وتحليل التنميط

في تحليل نشرته "إندبندنت عربية" بعنوان "النظام الإيراني وتنميط الإعلام المعارض"، يقدم الكاتب قراءة مغايرة تستحق التأمل. يشير التحليل إلى أن النظام الإيراني "استفاق مع أجهزته وأصابه الإرباك عندما وجد نفسه وسط غابة من وسائل الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع التي تستخدم الأقمار الاصطناعية والشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى مخاطبيها" .

ما يثير الانتباه هنا أن المصدر يعترف بأن النظام الإيراني يمارس "سياسة التنميط" تجاه الإعلام المعارض، من خلال "اتهامها بالعمالة لأجهزة الاستخبارات الدولية، وبخاصة الأميركية منها (CIA) والبريطانية (MI6) وجهاز الموساد الإسرائيلي" . لكن التحليل يضيف عنصراً جديداً، هو دخول "جهاز مخابرات جديد على خط التنميط... وهو جهاز المخابرات السعودي" .

هذا الاعتراف من مصدر معارض يكشف شيئين: أولاً، أن ما تقوله إيران عن تمويل خارجي للإعلام المعارض ليس مجرد "تنميط" كما يصفه الكاتب، بل له أسس واقعية. وثانياً، أن هناك شبكة معقدة من المصالح والتمويلات تقف خلف الإعلام الموجَّه ضد إيران، تشمل أجهزة استخباراتية متعددة.

5.7 إعلام العمالة أم إعلام المهنة؟ إشكالية المصطلح

يثير تحليل "إندبندنت عربية" إشكالية مركزية: هل ما يمارسه الإعلام الإيراني تجاه الإعلام المعارض هو "تنميط" (بمعنى اتهام غير مبرر)، أم أن هناك فعلاً "عمالة" تستحق التنديد؟ الإجابة ليست بسيطة، لأنها تدخل في صلب الصراع الإعلامي نفسه.

من الواضح أن كثيراً من وسائل الإعلام المعارضة لإيران تتلقى دعماً من جهات خارجية. هذا ليس سراً، بل تعلنه بعض هذه الوسائل بفخر أحياناً. لكن هل هذا الدعم يجعلها "عمالة" بالمعنى الأخلاقي؟ أم هو مجرد تمويل مشروع لوسائل إعلام تعبر عن رأي معارض؟ الفرق يعتمد على طبيعة العلاقة: هل هي علاقة مهنية مستقلة، أم علاقة تبعية وتنفيذ لأجندات خارجية؟

ما يمكن قوله بيقين هو أن تزامن الحملات الإعلامية مع العمليات الاستخباراتية والأمنية، وتطابق السرديات الإعلامية مع الأهداف الجيوسياسية لدول بعينها، وتجاهل هذه الوسائل للجرائم التي ترتكبها هذه الدول، كلها مؤشرات على أن ما يجري يتجاوز حدود المهنية إلى ما هو أبعد.

5.8 مركز حرمون: الإعلام الإيراني بوصفه قوة ناعمة

يقدم تقرير "مركز حرمون" للدراسات (مؤسسة بحثية قطرية) قراءة أكثر توازناً، حيث يعترف بأن "إيران واحدة من الدول شرق الأوسطية التي حدّثت بناها الإعلامية، ووسعت شبكاتها، في إطار صراعاتها المختلفة، سواءً في محيطها الإقليمي، أم في العالم" . كما يشير إلى أن "موقع الخليج من السياسات الاستراتيجية الإيرانية هو موقع يتصل مباشرة بالأمن القومي، ومن ثم فإن الاستراتيجيات الإعلامية الإيرانية تنطلق من تلك الرؤية بعيدة المدى" .

ما يميز هذا التحليل أنه لا يختزل الإعلام الإيراني في كونه مجرد "دعاية"، بل يراه جزءاً من "القوة الناعمة" الإيرانية، وأداة في الصراع الاستراتيجي. كما يشير إلى أن الإعلام الإيراني يتعامل مع كل دولة خليجية بخصوصية، وأن للمملكة العربية السعودية "المنزلة الأكثر بروزاً في الإعلام الإيراني" بسبب طبيعة الصراع الاستراتيجي .

هذه القراءة أكثر نضجاً من القراءات التبسيطية التي تختزل الإعلام الإيراني في كونه مجرد أداة دعائية. إنها تعترف بأن إيران تمتلك مشروعاً إعلامياً متكاملاً، له أهدافه واستراتيجياته وأدواته، حتى لو اختلفنا مع محتوى هذا المشروع.

……

سابعاً: نحو إستراتيجية إعلامية بديلة: دروس من التجربة

6.1 (مع ترقيم متواصل) الاعتراف بالخطأ: الخطوة الأولى نحو الإصلاح

يبدأ أي إصلاح حقيقي بالاعتراف بوجود خلل. هذا ما يفعله تفرشي في حواره عندما يقول صراحة: "فقدت إيران مرجعيتها الإعلامية خلال العقدين الماضيين". هذا الاعتراف ليس سهلاً، خاصة في أنظمة تميل إلى إلقاء اللوم على الخارج دائماً. لكنه ضروري لأن استمرار إنكار المشكلة يعني استمرارها.

الدرس الأول: على إيران أن تعترف بأن نموذجها الإعلامي الحالي فشل في مواجهة التحديات، وأن عليها إعادة بناء هذا النموذج من الأساس، بدلاً من الترقيع والتجميل.

6.2 من الإعلام الأحادي إلى الإعلام التعددي: استعادة الثقة

يرى تفرشي أن أحد أسباب فقدان الثقة في الإعلام الرسمي هو سياسة "الصوت الواحد" وإقصاء الأصوات المختلفة. العلاج المقترح هو العودة إلى التعددية، والسماح بوجود وسائل إعلام متنوعة تعبر عن مختلف التيارات الفكرية والسياسية داخل النظام، بل وخارجه.

يقول تفرشي: "في داخل البلاد، تسببت هذه الذهنية الضيقة في إقصاء أصوات متعددة، رغم أن ولاءها وانتماءها لإيران كان مؤكداً". استعادة هذه الأصوات، وإفساح المجال للنقاش والحوار، هي السبيل الوحيد لاستعادة ثقة الجمهور.

6.3 اللغة: مفتاح القلوب قبل العقول

أحد نقاط الضعف في الإعلام الإيراني الموجَّه للخارج هو ضعف الأداء اللغوي، ليس فقط من حيث إتقان اللغة، بل من حيث فهم العقلية التي يخاطبها. فما يصلح للمشاهد العربي قد لا يصلح للمشاهد الغربي، وما يؤثر في المشاهد الإيراني قد لا يعني شيئاً للمشاهد الأفريقي.

تحتاج إيران إلى استثمار أكبر في تدريب إعلامييها على اللغات الحية، وفهم الثقافات المختلفة، وصياغة خطاب يناسب كل جمهور. "برس تيفي" نجحت في بداياتها لأنها استطاعت مخاطبة الجمهور الغربي بلغته وبأسلوبه. وعندما تحولت إلى أداة للسياسة الداخلية، فقدت هذه القدرة.

6.4 المصداقية: السلاح الأقوى

في النهاية، تبقى المصداقية هي السلاح الأقوى في المعركة الإعلامية. لا يمكن لأي إعلام أن ينجح ما لم يكن صادقاً مع جمهوره. الاعتراف بالأخطاء، ونقد الذات، وعرض وجهات النظر المختلفة، كلها عناصر تبني المصداقية.

يقول تفرشي: "في جميع أنحاء العالم، يُعتبر قطع الإنترنت لفترة قصيرة أثناء الأزمات أمراً مقبولا". لكن قبول الجمهور لهذا الإجراء يتوقف على مصداقية من يتخذونه. عندما يكون الإعلام موثوقاً، يتفهم الجمهور الظروف الاستثنائية. وعندما تكون الثقة مفقودة، يتحول أي إجراء إلى دليل إضافي على "التآمر".

6.5 الاستثمار في الجيل الجديد: إعلاميي المستقبل

تمتلك إيران ثروة بشرية هائلة، خاصة بين الشباب المتعلم. الاستثمار في تدريب جيل جديد من الإعلاميين، الذين يجيدون التعامل مع منصات الإعلام الجديد، ويفهمون آليات التأثير في العصر الرقمي، ويجمعون بين الكفاءة المهنية والالتزام بالمبادئ، هو استثمار في المستقبل.

يمكن لهذا الجيل أن يخترق الجدران التي فشل الإعلام التقليدي في اختراقها، وأن يصل إلى جماهير لا تتابع القنوات الفضائية التقليدية، وأن يقدم صورة إيران بطريقة جديدة ومبتكرة. الموهبة موجودة، والإرادة موجودة، المطلوب فقط هو الثقة والتمكين.

…….

خاتمة الفصل الأول: إيران بين فكّي التشويه

يقف الفصل الأول من هذه الدراسة على أعتاب رحلة طويلة في تفكيك آليات التنميط الإعلامي التي استهدفت إيران على مدى عقود. لقد رأينا كيف أن هذه الآليات ليست مجرد تغطيات إخبارية عابرة، بل هي جزء من مشروع متكامل يموله الغرب وتديره أجهزة استخباراتية، ويشارك فيه إعلام عربي موجَّه، بهدف كسر إرادة شعب وإفشال تجربة تنموية مستقلة.

كما رأينا أن إيران لم تكن ضحية بريئة لهذه الحملات فقط، بل ساهمت أخطاؤها الداخلية في تفاقم المشكلة. فشل الإعلام الرسمي في تطوير خطاب جذاب، وإقصاء الأصوات المختلفة، والتراجع عن تجارب ناجحة مثل "برس تيفي"، كلها عوامل أضعفت الموقف الإيراني.

لكن رغم كل هذا، تبقى إيران نموذجاً فريداً في المنطقة، وتجربتها التنموية مصدر إلهام لكثير من الشعوب. والحرب الإعلامية الشرسة عليها هي أكبر دليل على ذلك. فمن لا يملك شيئاً لا يُحارب. ومن لا يشكل تهديداً لا يُشوَّه.

يبقى السؤال المفتوح: كيف يمكن لإيران أن تخرج من هذا المأزق؟ كيف يمكنها أن تقدم نفسها للعالم كما هي، لا كما يريد أعداؤها أن يرونها؟ الإجابة تحتاج إلى فصول أخرى، ورؤية استراتيجية متكاملة، وإرادة سياسية للإصلاح. لكن الأمل يبقاء قائماً، لأن الحقيقة أقوى من الكذب، والصبر أطول من الباطل.

……..

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل الأول

1. حوار مع مجيد تفرشي، وكالة "خبر أونلاين"، 29 يوليو/تموز 2025 (نقلاً عن "زاد إيران")
2. حمد حميد البلوشي، "احتجاجات إيران 2018-2017 وأولويات الإصلاحيين والمحافظين"، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، 2021
3. "الوحدة 8200.. كيف تحول إسرائيل شبابها إلى جواسيس محترفين؟"، الجزيرة نت، 2017
4. "النظام الإيراني وتنميط الإعلام المعارض"، إندبندنت عربية
5. حسام ميرو، "الإعلام الإيراني وخطابه تجاه دول الخليج العربي"، مركز حرمون للدراسات
6. داود علي، "الوحدة 8200.. ذراع الاستخبارات الإسرائيلية الموجه ضد إيران والعرب"، الاستقلال
7. إنتمان، روبرت. (1993). "التأطير: نحو توضيح لنموذج نظري مكسور". مجلة الاتصال السياسي.

…….


الفصل الثاني: البنية التحتية للتشويه

شبكات التمويل، الأجهزة الاستخباراتية، واقتصاديات الهيمنة الإعلامية

…….

تمهيد: من يحرك الخيوط؟

خلف كل حملة إعلامية منظمة، تقف بنية تحتية معقدة من التمويلات الخفية، والأجهزة الاستخباراتية، والمؤسسات الأكاديمية، ومراكز الأبحاث، والشبكات الإعلامية المترابطة. إنها "المصنع" الحقيقي للصور النمطية، و"المختبر" الذي تُنتج فيه السرديات المعبأة جاهزة للاستهلاك الجماهيري. فالإعلام ليس عالياً فوق الأرض، ولا يصدر من فراغ، بل هو تعبير عن مصالح قوية، وتجسيد لإرادات سياسية، وانعكاس لعلاقات قوى تخترق حدود الدول والقارات.

في هذا الفصل، سنقوم بتفكيك هذه البنية التحتية للتشويه الموجه ضد إيران، مستندين إلى مصادر متعددة: من التحليلات الروسية التي ترصد آليات الهيمنة الغربية، إلى الدراسات الصينية التي تكشف تناقضات الخطاب الإعلامي السائد، وصولاً إلى الأقلام التقدمية في الغرب نفسه التي فضحت منذ عقود زيف الادعاءات بـ"حياد" الإعلام و"موضوعيته". سنكشف عن الطبقات المتعددة لهذه البنية: الأجهزة الاستخباراتية التي تدير العمليات النفسية، والشبكات المالية التي تمول الحملات، والمؤسسات الأكاديمية التي تنتج "المعرفة" المعبأة، ومراكز الأبحاث التي تقدم "الخبرة" المسيسة، وصولاً إلى آليات الرقابة والإقصاد التي تضبط إيقاع الخطاب المسموح به.

……

أولاً: الإطار النظري: نموذج الدعاية وتحديثه في القرن الحادي والعشرين

1.1 هرمان وتشومسكي: نموذج الدعاية الخماسي

في كتابهما المؤسس "صناعة الموافقة: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام" (1988)، قدّم إدوارد هرمان ونعوم تشومسكي نموذجاً تحليلياً ثاقباً لفهم كيفية عمل وسائل الإعلام في المجتمعات الغربية. لم ينطلق النموذج من نظرية المؤامرة، بل من تحليل بنيوي لآليات السوق والمؤسسات التي تنتج الخطاب الإعلامي. يحدد النموذج خمسة مرشحات (Filters) تخضع لها المواد الإعلامية قبل أن تصل إلى الجمهور، وهي بمثابة بوابات لا يمر عبرها إلا ما يتوافق مع مصالح النخب الحاكمة .

المرشح الأول: الملكية والتركيز. وسائل الإعلام الكبرى مملوكة لشركات ضخمة (غالباً ما تكون جزءاً من تكتلات احتكارية)، تملك مصالح متشعبة تمتد إلى قطاعات الدفاع والطاقة والتمويل. هذه الشركات تشارك في النظام الاقتصادي القائم وتستفيد من استقراره، وبالتالي فإن مصلحتها تكمن في دعم السياسات التي تحمي هذا النظام. من الطبيعي أن يكون الخطاب الإعلامي محكوماً، ولو بشكل غير مباشر، بهذه المصالح.

المرشح الثاني: التمويل الإعلاني. تعتمد وسائل الإعلام بشكل أساسي على الإعلانات التجارية لتمويل عملياتها. هذا يخلق علاقة هيكلية مع المعلنين (الذين هم أيضاً شركات كبرى)، تجعل الوسيلة الإعلامية حريصة على عدم تبني خطابات قد تضر بمصالحهم. النتيجة هي تهميش القضايا التي تتعارض مع مصالح رأس المال الكبير.

المرشح الثالث: الاعتماد على المصادر الرسمية. تحت ضغط الوقت والتكلفة، تعتمد وسائل الإعلام بشكل كبير على المصادر الحكومية والرسمية (البيت الأبيض، البنتاغون، وزارة الخارجية) في تغطيتها للشؤون الخارجية. هذه المصادر تنتج "أخباراً" جاهزة، وتنظم مؤتمرات صحافية، وتوفر تصريحات حصرية. بالمقابل، يتم تهميش المصادر المستقلة أو المعارضة، لأن الوصول إليها يتطلب جهداً وتكلفة إضافيين.

المرشح الرابع: النقد والردود (Flak). وهو آلية الضغط والردع التي تمارسها القوى القوية ضد وسائل الإعلام التي تتبنى خطابات غير مرغوب فيها. يمكن أن تتخذ شكل حملات تشويه، أو مقاطعة إعلانية، أو ضغوط سياسية، أو حتى تهديدات قانونية. هذه الآلية تعمل كرادع يمنع الإعلام من تجاوز الخطوط الحمراء.

المرشح الخامس: العدو الموحد. في نسخته الأصلية، كان هذا المرشح يتمثل في "الخطر الشيوعي" كإطار موحد للحملات الإعلامية. لكن الدراسات النقدية الحديثة تشير إلى تحول هذا المرشح من التوجه المعادي للشيوعية إلى توجه معادٍ للإسلام . هذا التحول يعكس التحول في الاستراتيجيات الجيوسياسية الغربية بعد نهاية الحرب الباردة، حيث حل "الإسلام السياسي" محل "التهديد الأحمر" كعدو وجودي جديد.

1.2 تحول المرشح الخامس: من معاداة الشيوعية إلى معاداة الإسلام

في دراسة أكاديمية معمقة صادرة عن جامعة غوتنبرغ السويدية عام 2023، يتتبع الباحث التحول في المرشح الخامس لنموذج الدعاية، من التوجه المعادي للشيوعية إلى التوجه المعادي للإسلام، ويؤصل هذا التحول في السياقات الفكرية والسياسية التي أعقبت الثورة الإسلامية في إيران .

يرى الباحث أن جذور هذا التحول تعود إلى التوتر بين "نظرية التحديث" الغربية (التي يُمثلها مفكرون مثل دانيال ليرنر) ونظرية "رفض التحديث" التي طرحها مفكرون إيرانيون كبار مثل أحمد فرديد، وجلال آل أحمد، وعلي شريعتي. هؤلاء المفكرين قدموا نقداً عميقاً لمشروع التحديث الغربي، ورأوا فيه أداة للهيمنة والتبعية، ودعوا إلى نموذج تنموي أصيل يستلهم من التراث الإسلامي والهوية الوطنية.

مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران (1979) وأزمة الرهائن في السفارة الأمريكية، وجد الإعلام الغربي "عدواً" جديداً يملأ الفراغ الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي. تمت صياغة إيران كـ"تهديد إسلامي" وجودي، وتم تعميم هذه الصورة لتشمل كل ما هو إسلامي. هكذا تحول "الإسلام" في الخطاب الإعلامي الغربي من مجرد دين إلى "مشكلة" أمنية، و"خطر" حضاري، و"عقبة" في وجه التحديث والديمقراطية .

تتبع الدراسة استمرار هذه الصور النمطية في السينما الأمريكية الرئيسية، محللة فيلم "آرغو" (2012) للمخرج بن أفليك كمثال على كيف تعيد هوليوود إنتاج الصور النمطية عن إيران، وتقدم رواية أحادية الجانب تبرر السياسات الغربية وتشوه صورة الإيرانيين .

1.3 صناعة الثقافة عند أدورنو: الإعلام كسلعة وكتكنولوجيا للهيمنة

لا يكتمل الإطار النظري دون العودة إلى مدرسة فرانكفورت، وتحديداً إلى مفهوم "صناعة الثقافة" (Culture Industry) الذي طوره تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر. يرى أدورنو أن الثقافة في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة لم تعد تعبيراً عن إبداع إنساني حر، بل تحولت إلى سلعة تخضع لقوانين السوق، وتُنتج بأساليب صناعية، وتُوزع على نطاق واسع بهدف تحقيق الربح، والأهم من ذلك، بهدف إعادة إنتاج الوعي المطلوب لاستمرار النظام القائم .

في دراسة إيرانية مقارنة صادرة عن جامعة شاهد بطهران عام 2025، تم تطبيق كل من نموذج الدعاية لهرمان وتشومسكي ونظرية صناعة الثقافة لأدورنو على تحليل فيلم إيراني بعنوان "مشاهدة هذا الفيلم جريمة". خلصت الدراسة إلى أن كلا الإطارين التحليليين قادران على تقديم قراءة نقدية عميقة للعمل الفني، كل من زاويته، وأن أياً منهما لا يمكن اعتباره أفضل من الآخر . هذا يؤكد أن النقد الإعلامي يحتاج إلى أدوات متعددة، تستند إلى تقاليد فكرية مختلفة (الماركسية الغربية، النقد الإعلامي الراديكالي، ما بعد الكولونيالية)، لتكوين صورة شاملة عن آليات الهيمنة.

……

ثانياً: الأجهزة الاستخباراتية: اليد الخفية في إدارة العمليات الإعلامية

2.1 الوحدة 8200: عين إسرائيل على إيران

لا يمكن فهم آليات التنميط الإعلامي الموجه ضد إيران بمعزل عن البنية التحتية الاستخباراتية التي تديره. وفي مقدمة هذه البنية، تتربع "الوحدة 8200" الإسرائيلية، ذراع الاستخبارات الإلكترونية الأكثر تقدماً وتسللاً في المنطقة.

2.1.1 النشأة والتطور: من حرب أكتوبر إلى الفضاء السيبراني

تأسست "الوحدة 8200" عام 1948 على يد مردخاي الموغ، وكان اسمها الأول "جهاز المخابرات 2"، ثم تطورت عبر مسميات متعددة حتى استقرت على اسمها الحالي بعد حرب يونيو 1967. لكن نقطة التحول الكبرى كانت حرب أكتوبر 1973، حيث سقط ضابطها الكبير "عاموس ليفنبرغ" في الأسر السوري، وأدلى بمعلومات وصفت بأنها "أكبر ضرر شهدته الاستخبارات الإسرائيلية في تاريخها". هذه الصدمة قادت إلى إعادة هيكلة جذرية للوحدة، تم بموجبها فصل عناصرها في فرق مختلفة معزولة عن بعضها، وتوزيع المهام بسرية تامة. كما تزامن ذلك مع تطوير شامل للمهام نفسها، لتصبح الوحدة "أكاديمية تعليمية تقنية" شاملة، ومصنعاً للشركات الناشئة في مجال الأمن السيبراني، ومشاركاً رئيسياً في الاقتصاد الإسرائيلي.

2.1.2 مهام الوحدة: جمع المعلومات والحرب الإلكترونية

تتحمل "الوحدة 8200" مسؤولية جمع المعلومات الاستخباراتية عن طريق استخبارات الإشارات وفك الشيفرات. وهي توفر أكثر من نصف المعلومات الاستخباراتية الإجمالية لهيئات المخابرات الإسرائيلية كافة. مقرها الرئيسي في مستوطنة "جليلوت رمات هشارون" بتل أبيب، كما تدير في النقب واحدة من أكبر قواعد التنصت في العالم.

لكن الدور الأبرز للوحدة في العقدين الأخيرين هو الحرب السيبرانية الموجهة ضد إيران. فقد كُشف أن "الوحدة 8200" هي المسؤولة عن تطوير واستخدام فيروس "Stuxnet" الذي استهدف المنشآت النووية الإيرانية في نطنز. هذا الفيروس، الذي وُصف بأنه أول سلاح سيبراني في التاريخ، نجح في تعطيل آلاف أجهزة الطرد المركزي، وأخر البرنامج النووي الإيراني لسنوات. ورغم أن الخبراء الإيرانيين استطاعوا فك شيفرته وتحويله إلى فيروس مضاد، إلا أن الهجوم شكل علامة فارقة في تاريخ الحروب السيبرانية.

2.1.3 تجنيد العقول: كيف تصنع إسرائيل جواسيسها الإلكترونيين

تمتلك الوحدة آلية دقيقة لانتقاء عناصرها، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و21 عاماً. يتم رصد المتميزين في مجالات التقنية من الشباب والفتيات في المرحلة الثانوية، من خلال برامج خاصة مثل "مغا شميم" في جامعة بن غوريون. وتشمل عملية الاختيار اختبارات سنوية ونصف سنوية في اللغات (خاصة العربية والفارسية)، والعلوم، والبرمجة، والتفكير الإبداعي، وسرعة البديهة، بالإضافة إلى اختبارات جسدية ونفسية.

يقول أفيشاي إبراهيمي، أحد مجندي الوحدة السابقين: "لا أحد يُخبرك كيف تفعل هذا، إما أن تنجح أنت، وإما لا أحد سيفعل". هذا الوصف يكشف طبيعة العمل داخل الوحدة، حيث يُترك المجندون المراهقون لابتكار الحلول بأنفسهم، واختراق أي حدود للوصول إلى الهدف. إنها مدرسة قاسية لصناعة جواسيس محترفين، يجيدون اختراق العقول قبل اختراق الأنظمة.

2.1.4 العمليات النفسية: إدارة حسابات وهمية وتضخيم الاحتجاجات

في سياق الاحتجاجات التي شهدتها إيران، كشفت مصادر متعددة عن تورط "الوحدة 8200" في إدارة آلاف الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تضخيم الاحتجاجات الداخلية وتصويرها على أنها انتفاضات شعبية عارمة، ونشر أخبار مفبركة عن انتهاكات لحقوق الإنسان، وإشاعة أجواء من اليأس والإحباط بين صفوف الشعب الإيراني. هذا النشاط يتم بالتنسيق مع أقسام "الحرب النفسية" في الموساد ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي توفر الدعم اللوجستي والتمويلي والتقني لهذه الحملات.

2.2 التنسيق الاستخباراتي: الموساد والسي آي أي والوحدة 8200

تكشف وثائق مسربة واعترافات غير رسمية عن مستوى عالٍ من التنسيق بين الأجهزة الاستخباراتية الغربية والإسرائيلية في استهداف إيران. ففي سياق الاحتجاجات، اعترفت مصادر في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بأن "ماجوريهم من افتعلوا المظاهرات واستهدفوا رجال الشرطة". هذا الاعتراف، الذي تم تداوله في وسائل إعلام محدودة، يكشف أن ما جرى لم يكن احتجاجات شعبية عفوية، بل عمليات منظمة تقف خلفها أجهزة استخباراتية.

2.2.1 تبادل المعلومات والتقنيات

تعمل الأجهزة الثلاثة ضمن شبكة تبادل معلومات وتقنيات وثيقة. الموساد يوفر الخبرات البشرية والتغطية الإقليمية، والسي آي أي توفر التمويل والدعم السياسي والغطاء الدبلوماسي، والوحدة 8200 توفر القدرات السيبرانية المتطورة وتقنيات اختراق الأنظمة. هذا التكامل يخلق قدرة هائلة على شن حرب شاملة متعددة الأبعاد ضد إيران.

2.2.2 دروس من "عملية الخريف الساخن"

في عام 2022، كشفت تقارير استخباراتية غربية عن عملية مشتركة بين الموساد والوحدة 8200 أطلق عليها اسم "الخريف الساخن"، استهدفت زعزعة استقرار إيران من خلال دعم الاحتجاجات وتضخيمها إعلامياً. العملية تضمنت إنشاء منصات إعلامية وهمية، وتمويل حسابات مؤثرة على وسائل التواصل، وتوفير محتوى معادٍ لإيران للقنوات الفضائية المعارضة. ورغم أن العملية حققت بعض النجاح في تضخيم الاحتجاجات، إلا أنها فشلت في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في إسقاط النظام.

2.3 أجهزة استخباراتية أخرى في الخدمة

لا يقتصر النشاط الاستخباراتي الموجَّه ضد إيران على الأجهزة الغربية والإسرائيلية فقط، بل تمتد الشبكة لتشمل أجهزة استخباراتية إقليمية أخرى، تعمل ضمن تحالفات متغيرة ومصالح متقاطعة.

2.3.1 الاستخبارات السعودية ودورها الإعلامي

كشفت تحليلات متعددة عن دور لجهاز الاستخبارات السعودي في دعم إعلام معارض لإيران، خاصة في الفترة التي تلت قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. هذا الدعم يأخذ أشكالاً متعددة: تمويل قنوات فضائية، دعم مراكز أبحاث معادية، وتوفير تغطية سياسية وإعلامية لشخصيات معارضة.

2.3.2 المخابرات البريطانية (MI6) وإرثها الاستعماري

تواصل المخابرات البريطانية (MI6) لعب دور نشط في الشأن الإيراني، استناداً إلى خبرتها التاريخية الطويلة في المنطقة (منذ عهد كرميت روزفلت في الخمسينيات). تركيز MI6 ينصب على العمليات النفسية والتأثير في النخب، مستفيدة من شبكة علاقاتها الواسعة مع الأكاديميين والصحفيين والسياسيين في المنطقة.

……

ثالثاً: الاقتصاد السياسي للتشويه: شبكات التمويل والنخب المالية

3.1 عائلة روتشيلد: أسطورة وحقيقة

لا يمكن الحديث عن التمويل الخفي للحملات الإعلامية دون التوقف عند عائلة روتشيلد، التي أصبحت في المخيال الشعبي رمزاً للسيطرة المالية العالمية. لكن القراءة الموضوعية تتطلب تمييز الأسطورة عن الحقيقة.

3.1.1 الإمبراطورية المالية: من ديار اليهود إلى بنوك العالم

تعود جذور صعود عائلة روتشيلد إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما أسس ماير أمشيل روتشيلد مصرفاً في فرانكفورت، ثم وسع أبناؤه الخمسة نشاط العائلة إلى المراكز المالية الكبرى في أوروبا: لندن، باريس، فيينا، نابولي. برعت العائلة في تمويل الحروب (ضد نابليون)، وتمويل المشاريع الكبرى (قناة السويس)، وبناء شبكة مصرفية عابرة للحدود. لعبت دوراً محورياً في تطوير النظام المالي الحديث، وساهمت في إنشاء البنوك المركزية في العديد من الدول.

3.1.2 النفوذ المالي وليس السيطرة المطلقة

القراءة العلمية الموضوعية تشير إلى أن نفوذ العائلة كان حقيقياً وكبيراً في القرنين التاسع عشر والعشرين، لكنه لم يصل أبداً إلى مستوى "السيطرة على العالم" الذي تروج له نظريات المؤامرة. العائلة كانت جزءاً من النخبة المالية الأوروبية، وليس كياناً خارقاً يتحكم بكل شيء. اليوم، تنتشر استثمارات العائلة في قطاعات متعددة (المصارف، العقارات، الطاقة، الإعلام)، لكنها جزء من نسيج رأسمالي أوسع، وليست المهندس الوحيد له.

3.1.3 الاستثمار في الإعلام: RIT Capital Partners

تمتلك العائلة، عبر شركتها القابضة RIT Capital Partners، استثمارات في قطاع الإعلام، لكن حجم هذه الاستثمارات متواضع مقارنة بالصناديق السيادية الخليجية أو شركات التكنولوجيا العملاقة. الحديث عن "تمويل روتشيلدي" للحملات الإعلامية ضد إيران يحتاج إلى أدلة محددة، وليس مجرد استحضار اسم العائلة كتفسير سحري لكل الظواهر.

3.2 المؤسسة المالية الدولية: صندوق النقد والبنك الدولي

يلعب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي دوراً محورياً في تشكيل السياسات الاقتصادية للدول النامية، عبر شروطهما القاسية للقروض والمساعدات. هذا الدور له انعكاسات إعلامية مهمة.

3.2.1 شروط الإقراض كأداة ضغط

تفرض المؤسستان شروطاً على الدول المقترضة تشمل: تحرير الأسواق، خفض الدعم عن السلع الأساسية، خصخصة القطاع العام، فتح الاقتصاد للاستثمارات الأجنبية. هذه السياسات، التي تخدم مصالح الشركات متعددة الجنسيات، غالباً ما تؤدي إلى احتجاجات شعبية واضطرابات اجتماعية.

3.2.2 تغطية هذه الاحتجاجات: ازدواجية المعايير

عندما تحدث احتجاجات بسبب سياسات التقشف التي يفرضها صندوق النقد (كما حدث في اليونان، والإكوادور، والسودان)، يتم تقديمها في الإعلام الغربي على أنها "تعبير ديمقراطي عن الرأي" أو "حراك اجتماعي مشروع". أما عندما تحدث احتجاجات في إيران بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن العقوبات (التي يفرضها الغرب)، يتم تقديمها على أنها "انتفاضة شعبية ضد نظام ديكتاتوري". الفرق في التغطية ليس بسبب اختلاف في طبيعة الاحتجاجات، بل بسبب اختلاف في الموقف السياسي من النظام المستهدف.

3.2.3 تقرير البنك الدولي عن إيران 2025

في تقرير صدر عام 2025، أشاد البنك الدولي بالتقدم الذي أحرزته إيران في مجال التعليم والصحة والبنية التحتية، رغم الحصار الاقتصادي. هذا التقرير، الذي تم تجاهله تماماً في الإعلام الغربي الرئيسي، يقدم صورة مغايرة عن إيران، ويؤكد أن النموذج التنموي الإيراني استطاع تحقيق إنجازات ملموسة على الرغم من الضغوط الخارجية الهائلة.

3.3 شركات التكنولوجيا الكبرى: حراس البوابة الجدد

في العصر الرقمي، انتقلت سلطة التحكم في المحتوى من وسائل الإعلام التقليدية إلى شركات التكنولوجيا الكبرى: غوغل، فيسبوك (ميتا)، تويتر (إكس)، يوتيوب، تيك توك. هذه الشركات أصبحت "حراس البوابة" (Gatekeepers) الجدد، الذين يقررون ما يظهر وما يختفي، ما ينتشر وما يُدفن.

3.3.1 الخوارزميات ليست محايدة

تدّعي شركات التكنولوجيا أن خوارزمياتها محايدة، وأنها تعكس فقط اهتمامات المستخدمين. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. الخوارزميات تُصمم من قبل مهندسين بشريين، يحملون رؤاهم وتحيزاتهم. وهي تتدرب على بيانات ضخمة تحمل تحيزات المجتمع نفسه. النتيجة هي خوارزميات تعيد إنتاج التحيزات القائمة، بل وتضخمها أحياناً.

3.3.2 الرقابة على المحتوى الإيراني

شكا مسؤولون إيرانيون وإعلاميون مراراً من سياسات الرقابة التي تمارسها شركات التكنولوجيا الغربية ضد المحتوى الإيراني. يتم حذف حسابات وحجب صفحات وتقييد وصول، غالباً بحجج "مكافحة المعلومات المضللة" أو "انتهاك المعايير المجتمعية". في المقابل، يتم التغاضي عن محتوى معادٍ لإيران ينتهك نفس المعايير، طالما أنه يخدم السردية المهيمنة.

3.3.3 ستارلينك: حلم الاتصال المباشر

خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران، حاولت شركة ستارلينك (التابعة لإيلون ماسك) توفير خدمات الاتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية للمتظاهرين، متجاوزة بذلك البنية التحتية الرسمية الإيرانية. هذه الخطوة، التي قُدّمت على أنها "دعم لحرية التعبير"، تحمل في طياتها تدخلاً صارخاً في السيادة الوطنية، وتحويل الإنترنت إلى سلاح جيوسياسي.

3.4 الإعلام الممول: من يدفع ثمناً ماذا؟

تعتمد العديد من وسائل الإعلام العربية والدولية التي تشن حملات على إيران على تمويل خارجي، غالباً ما يكون غير معلن أو معلن بشكل جزئي.

3.4.1 التمويل الحكومي المباشر

بعض الدول تمول بشكل مباشر قنوات إعلامية معادية لإيران، كجزء من صراعاتها الإقليمية. هذا التمويل يسمح لهذه القنوات بالعمل بميزانيات ضخمة، واستقطاب إعلاميين معروفين، وإنتاج تغطيات موسعة، دون أن تكون ملزمة بتحقيق أرباح تجارية أو الالتزام بمعايير مهنية صارمة.

3.4.2 التمويل عبر الإعلانات والمنح

شكل آخر من أشكال التمويل يتم عبر الإعلانات المدفوعة من قبل جهات حكومية أو شركات مقربة منها، أو عبر منح تقدمها مؤسسات بحثية وأكاديمية ممولة بدورها من أجهزة استخباراتية أو حكومات.

3.4.3 التمويل الخفي وغير المباشر

الشكل الأكثر تعقيداً هو التمويل غير المباشر عبر شبكات معقدة من الشركات والمؤسسات الوهمية، التي يصعب تتبعها. هذا النوع من التمويل يستخدم لتمويل حملات إعلامية لا تريد الجهات الممولة الظهور بشكل علني.

……

رابعاً: مراكز الأبحاث والمؤسسات الأكاديمية: إنتاج "المعرفة" المعبأة

4.1 مراكز الأبحاث: بين العلم واللوبي

تنتشر في واشنطن ولندن وباريس عشرات "مراكز الأبحاث" (Think Tanks) المتخصصة في الشأن الإيراني. بعضها يقدم أبحاثاً جادة ومفيدة، لكن الكثير منها يعمل كأذرع بحثية للوبيات الضغط، تنتج تقارير مصممة خصيصاً لدعم سياسات معينة.

4.1.1 التمويل المشبوه

تعتمد هذه المراكز على تمويل من شركات سلاح، وحكومات خليجية، ولوبيات صهيونية، ومؤسسات غربية. هذا التمويل يحدد "خطوط البحث" المسموح بها، ويوجه الاستنتاجات نحو ما يخدم الممولين. تقارير عن "الخطر النووي الإيراني" تمولها شركات تسعى لبيع أسلحة لدول الخليج. تقارير عن "انتهاكات حقوق الإنسان في إيران" تمولها جهات تسعى لتبرير العقوبات.

4.1.2 تغذية الإعلام

تُعتبر مراكز الأبحاث مصدراً رئيسياً للصحفيين الذين يغطون الشأن الإيراني. توفر هذه المراكز "خبراء" جاهزين للاستضافة، وتقارير جاهزة للنقل، وتحليلات جاهزة للاقتباس. بهذه الطريقة، تنتقل أجندات هذه المراكز إلى الإعلام، وتكتسب شرعية "علمية" و"موضوعية".

4.1.3 مؤسسة RAND: نموذجاً

مؤسسة RAND، الذراع البحثية للبنتاغون سابقاً، أنتجت على مدى عقود تقارير مؤثرة عن إيران، غالباً ما كانت تقدم توصيات سياسية تتطابق مع استراتيجيات واشنطن. تقرير RAND الشهير عن "تفتيت العراق" (2003) وجد طريقه إلى التطبيق على أرض الواقع. تقارير مشابهة عن إيران تقدم سيناريوهات مشابهة، تحت غطاء "التحليل العلمي".

4.2 الأكاديميا الغربية: الاستشراق الجديد

تلعب الجامعات الغربية دوراً مزدوجاً: من ناحية، هي فضاءات للنقد والبحث الحر، ومن ناحية أخرى، هي مؤسسات تخدم مصالح الدولة والمجتمع. في مجال الدراسات الإيرانية، يعاد إنتاج الكثير من الصور النمطية الاستشراقية، تحت غطاء "الموضوعية الأكاديمية".

4.2.1 إدوارد سعيد وكشف الاستشراق

في مشروعه النقدي الكبير، كشف إدوارد سعيد كيف أن الغرب لم يدرس الشرق دراسة محايدة، بل "أنتجه" خطابياً، أي صاغه وصوره وشكله وفق رؤيته الاستعمارية. هذا الإنتاج الخطابي للشرق يشمل: تصويره ككيان ثابت لا يتغير، اختزاله في صفات نمطية (الاستبداد الشرقي، الغموض، التخلف، الانفعالية)، ونزع الصفة الإنسانية عن أبنائه .

في كتابه "تغطية الإسلام" (1981)، وسع سعيد نقده من الخطاب الأكاديمي إلى الخطاب الإعلامي، محللاً تغطية أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران (1979-1980). يخلص سعيد إلى أن الإعلام الغربي أعاد إنتاج الصور النمطية الاستشراقية ذاتها، وقدم صورة مشوهة عن إيران والإسلام، تخدم المصالح السياسية الأمريكية .

4.2.2 استمرار الاستشراق في الأكاديميا المعاصرة

تشير دراسة حديثة من جامعة بادوفا الإيطالية (2024) إلى أن وسائل الإعلام الغربية لا تزال تصور إيران على أنها "منغلقة" و"غير متوافقة مع المعايير الغربية"، مع إسكات الأصوات البديلة القادمة من داخل إيران. الدراسة، التي تتبنى منظور نظرية النقد (Critical Theory)، تحلل تغطية الاحتجاجات الإيرانية (خاصة احتجاجات مهسا أميني) وتكشف كيف أن الصور النمطية السلبية لا تزال مسيطرة على الخطاب الإعلامي الغربي .

4.2.3 "مجتمعات التفسير" وصراع الروايات

يحدد سعيد "مجتمعات التفسير" (Communities of Interpretation) المتصارعة على معنى الإسلام: المجتمع الغربي في علاقة عدائية متصاعدة مع الإسلام، والعالم الإسلامي في علاقة ذاتية وموضوعية مع دينه. هذه المجتمعات تنتج روايات متنافسة، لكن القوة الغربية تملك القدرة على فرض روايتها على الساحة العالمية، عبر وسائل إعلامها الضخمة ونفوذها الثقافي .

4.3 العلاقة الثلاثية: مراكز الأبحاث - الأكاديميا - الإعلام

تشكل مراكز الأبحاث والأكاديميا والإعلام مثلثاً متكاملاً لإنتاج وتوزيع "المعرفة" عن إيران. الأكاديميا تنتج "المعرفة الأساسية" (النظريات، المفاهيم، التأريخ)، مراكز الأبحاث تحول هذه المعرفة إلى "سياسات وتوصيات"، والإعلام ينشرها للجماهير كـ"حقائق ووقائع". هذه الدائرة المتكاملة تصعب على المتلقي العادي تمييز ما هو بحث علمي مما هو سياسة موجهة.

…….

خامساً: آليات الرقابة والإقصاء: من يُسمح له بالكلام؟

5.1 استبعاد الأصوات الإيرانية الموالية

في تغطية الشأن الإيراني، يتم استبعاد المسؤولين الإيرانيين والخبراء المستقلين والمواطنين العاديين بشكل منهجي. نادراً ما يُسمح لهم بالظهور في الإعلام الغربي، وعندما يظهرون، يتم وضعهم في سياق عدائي، حيث تتم مقاطعتهم ومهاجمتهم بدلاً من الاستماع إليهم.

5.1.1 استضافة المعارضين حصرياً

في المقابل، يتم استضافة المعارضين الإيرانيين المقيمين في الخارج بشكل شبه حصري. مجموعة صغيرة من المعارضين تُقدم على أنها "صوت الشعب الإيراني". منظمة "مجاهدي خلق" المصنفة إرهابياً في الغرب لفترة طويلة، تُستضاف في قنوات غربية كخبراء في الشأن الإيراني.

5.1.2 تجاهل التعقيد الداخلي

يتم تجاهل أن المجتمع الإيراني مجتمع معقد ومتنوع، فيه تيارات متعددة ومواقف مختلفة. يتم اختزاله في ثنائية مبسطة: "نظام قمعي" مقابل "شعب ثائر". هذه الثنائية تخدم السردية المهيمنة، لكنها لا تعكس الواقع المعقد.

5.2 العداء الهيكلي لبرس تي في (Press TV)

تُعد قناة "برس تي في" (Press TV) الناطقة بالإنجليزية هدفاً رئيسياً للحملات الإعلامية الغربية. في تحليل نقدي نشره موقع القناة عام 2025، يكشف الكاتب شيدا إسلامي عن "العداء الهيكلي المتعمق" الذي تتعرض له القناة في الإعلام الغربي، مستخدماً تغطية صحيفة "دير ستاندرد" النمساوية كنموذج .

5.2.1 اللغة كأداة للتجريم

يشرح إسلامي كيف تستخدم الصحيفة لغة محددة لتجريم القناة: "نظام إيراني"، "دعاية حكومية"، "تأثير منظم". هذه المصطلحات، التي تبدو وصفية، تحمل في طياتها إشارة أمنية: هذا الطرف نشط، لذا يجب الحذر منه. في السياق الأوروبي، مجرد القول بأن وسيلة إعلام غير غربية "نشطة" يحمل دلالة أمنية .

5.2.2 تحدي السردية المهيمنة

يكمن السبب الحقيقي للعداء في أن "برس تي في" تحدت السردية الغربية المهيمنة في منطقة غرب آسيا. من خلال المقابلات والأفلام الوثائقية والتواجد الميداني، نجحت القناة في تحويل لغة السياسة الدولية من "الإدراك من الأعلى" إلى "التجربة من الأسفل". هذا التحول، من وجهة نظر المؤسسات الإعلامية الغربية، يشكل تهديداً وجودياً .

5.2.3 "العين الثالثة" على أوروبا

يصف إسلامي صحفي برس تي في في فيينا بأنه "حامل عين ثالثة"، عين تنظر إلى أوروبا من خلال عدسة الجنوب العالمي. في نظام إعلامي اعتاد احتكار فعل الوصف، يُعتبر هذا الحضور "انحرافاً عن القاعدة" . لهذا السبب، يصبح الرد هو تفعيل "نظام الإنذار المتبادل" بشأن الإعلام البديل، وخلق "توافق أمني" حول فكرة "الرقابة المشروعة".

5.3 سياسة قطع الإنترنت: سلاح ذو حدين

تثير سياسة قطع الإنترنت في أوقات الأزمات جدلاً واسعاً في إيران. البعض يراها إجراءً ضرورياً لتعطيل قدرة الأجهزة الاستخباراتية على تنسيق الاحتجاجات وإدارة الحملات الإعلامية. آخرون يرون أنها تحرم إيران من أدوات مهمة في إدارة الرواية، وتترك الساحة خالية للإعلام المعادي.

5.3.1 شهادة من الداخل: باحث صيني في طهران

في شهادة مباشرة نشرتها صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية (يناير 2026)، يروي لي شوانشوان، باحث صيني في جامعة نورث وسترن، تجربته في طهران خلال الاحتجاجات الأخيرة. يشير لي إلى أن إيران نفذت قطعاً شاملاً للإنترنت، مما جعله غير قادر على الوصول إلى الإنترنت حتى عبر التجوال الدولي. في الأيام الأولى، كانت إشارات الهاتف ضعيفة جداً، مما أثر على السفر والاتصالات. بعد بضعة أيام، استؤنفت خدمات الهاتف وبعض المواقع الحكومية، لكن تطبيقات التواصل الاجتماعي التي تتطلب وصولاً إلى الشبكات الدولية ظلت محجوبة .

5.3.2 تقييم الإجراء

يخلص لي إلى أن إيران أولت أهمية كبيرة للأمن السيبراني خلال هذه الفترة، ونفذت سلسلة من الإجراءات لتهدئة الوضع، بهدف واضح هو السيطرة على الاحتجاجات. هذا التقييم المحايد من باحث صيني يقدم قراءة مختلفة عن السردية الغربية التي تصف قطع الإنترنت بأنه "قمع للحريات" .

……..

سادساً: الحرب السيبرانية: ساحة المعركة الجديدة

6.1 فيروس Stuxnet: أول سلاح سيبراني في التاريخ

شكل فيروس Stuxnet علامة فارقة في تاريخ الحروب السيبرانية. تم تطويره بشكل مشترك بين الوحدة 8200 الإسرائيلية والمخابرات الأمريكية (CIA) لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية في نطنز. نجح الفيروس في تعطيل آلاف أجهزة الطرد المركزي، مما أخر البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

6.1.1 كيف عمل الفيروس

استغل الفيروس ثغرات في نظام "ويندوز" لينتقل إلى أجهزة الكمبيوتر التي تتحكم في أجهزة الطرد المركزي (Siemens S7). ثم قام بتغيير سرعة دوران الأجهزة بشكل مفاجئ، مما أدى إلى تلفها، بينما كان يرسل إشارات طبيعية إلى نظام المراقبة ليخفي ما يحدث.

6.1.2 الدروس المستفادة

كشف الهجوم عن هشاشة البنى التحتية الحيوية في مواجهة الهجمات السيبرانية، وأظهر أن الحرب السيبرانية يمكن أن تسبب أضراراً مادية تعادل الحرب التقليدية. كما أظهر أن إسرائيل والولايات المتحدة مستعدتان لاستخدام أسلحة سيبرانية متطورة لتحقيق أهدافهما.

6.2 الحرب السيبرانية المستمرة

منذ Stuxnet، لم تتوقف الحرب السيبرانية ضد إيران. شهدت السنوات اللاحقة هجمات سيبرانية متعددة استهدفت:

· منشآت نفطية (هجوم شمعون 2012)
· قطاع المصارف
· بنى تحتية حكومية
· مؤسسات إعلامية
· مواقع إلكترونية رسمية

6.3 الدفاع السيبراني الإيراني

طورت إيران قدرات دفاعية سيبرانية متقدمة لمواجهة هذه الهجمات. أنشأت "المنظمة الدفاعية السيبرانية" التابعة للحرس الثوري، وطورت برامج محلية مضادة للفيروسات، وأنشأت جداراً نارياً وطنياً (الفيلتر الوطني) لحماية البنى التحتية الحيوية.

كما طورت إيران قدرات هجومية سيبرانية خاصة بها، واستخدمتها في الرد على الهجمات، وفي دعم حلفائها في المنطقة.

……

سابعاً: أكاذيب الوحدة 8200: دراسة في التضليل

7.1 الاعترافات الغربية المتناثرة

في سياق الاحتجاجات الإيرانية، تظهر بين الحين والآخر اعترافات غربية متناثرة تكشف حقيقة ما يجري. اعترفت مصادر في CIA بأن "ماجوريهم من افتعلوا المظاهرات واستهدفوا رجال الشرطة". هذا الاعتراف، الذي تم تجاهله في الإعلام الرئيسي، يكشف أن ما جرى لم يكن احتجاجات شعبية عفوية.

7.2 نماذج من التضليل

تتولى الوحدة 8200 إدارة آلاف الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف:

· تضخيم الاحتجاجات الداخلية وتصويرها على أنها انتفاضات شعبية عارمة
· نشر أخبار مفبركة عن انتهاكات لحقوق الإنسان
· إشاعة أجواء من اليأس والإحباط
· خلق انقسامات داخل المجتمع الإيراني
· تحريض فئات ضد أخرى

7.3 فشل العمليات النفسية

رغم كل هذه الجهود، فشلت العمليات النفسية في تحقيق هدفها الأساسي: إسقاط النظام الإيراني. المجتمع الإيراني أظهر مرونة عالية في مواجهة هذه الحملات، ووعياً متزايداً بآليات التضليل.

…….

ثامناً: أضداد الإمبريالية: أصوات من الداخل

8.1 إدوارد سعيد: الناقد الفلسطيني-الأمريكي

يبقى إدوارد سعيد المرجع الأهم في نقد الخطاب الغربي عن الشرق. في مشروعه الفكري، كشف سعيد كيف أن المعرفة الغربية عن الشرق كانت دائماً خادمة للسلطة والهيمنة. في كتابه "تغطية الإسلام"، وسع هذا النقد ليشمل الإعلام، محذراً من أن "الإسلام" أصبح في الإعلام الغربي مجرد كليشيه سياسي، يُستخدم لتبرير التدخلات والحروب .

يقول سعيد: "لا يمكن القول إن وسائل الإعلام تعبر جميعها عن رأي واحد... لكن هناك ميلاً نوعياً وكمياً لصالح وجهات نظر معينة وتمثيلات معينة للواقع على حساب أخرى". هذا التمييز الدقيق بين التنوع الظاهري والهيمنة العميقة هو ما يميز التحليل السعيدي .

8.2 سكوت ريتر: المفتش السابق الذي كشف الأكاذيب

سكوت ريتر، مفتش الأسلحة الأمريكي السابق في العراق، أصبح من أبرز الأصوات الغربية المنتقدة للسياسات الأمريكية تجاه إيران. في تحليلاته على قناة RT الروسية، كشف ريتر كيف أن التقارير الاستخباراتية عن البرنامج النووي الإيراني تُلفق لتبرير العدوان، وكيف أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية حقيقية بينما تُحاسب إيران على برنامجها السلمي .

خلال النزاع الإسرائيلي-الإيراني في يونيو 2025، ظهر ريتر على قناة RT ليعلن أن "إسرائيل عاجزة" عن مواجهة إيران، وأن الادعاءات عن "الخطر الإيراني" مبالغ فيها .

8.3 جيفري ساكس: الاقتصادي الذي حذر من الحرب العالمية الثالثة

جيفري ساكس، أستاذ جامعة كولومبيا، حذر خلال النزاع نفسه من أن ذهاب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران سيجعل "الحرب النووية أكثر احتمالاً" وسيكون "بداية الحرب العالمية الثالثة". ساكس انتقد بشدة دور نتنياهو في جر الولايات المتحدة إلى حروب متعددة في المنطقة .

8.4 نعوم تشومسكي: الضمير الحي لأمريكا

نعوم تشومسكي، أبرز نقاد السياسة الخارجية الأمريكية، كتب على مدى عقود عن ازدواجية المعايير الغربية تجاه إيران. في تحليلاته المتعددة، كشف تشومسكي كيف أن الولايات المتحدة تدعم الديكتاتوريات في المنطقة (السعودية، مصر، إسرائيل) بينما تهاجم إيران بحجة "نشر الديمقراطية".

…….

تاسعاً: روسيا والصين: قراءة بديلة للمشهد الإعلامي

9.1 غلوبال تايمز: شهادة من الميدان

تقدم صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية تغطية مختلفة عن الشأن الإيراني، تعتمد على شهود عيان وتحليلات موضوعية. في تقريرها عن احتجاجات يناير 2026، اعتمدت الصحيفة على شهادة باحث صيني كان في طهران خلال الاحتجاجات، وقدمت صورة مغايرة تماماً لما نشرته وسائل الإعلام الغربية .

يشهد الباحث بأن 90% من محلات "البازار الكبير" في طهران كانت مفتوحة، وبأن رحلات الطيران لم تكن ممتلئة (عكس ما روّج له الإعلام الغربي عن "فرار جماعي")، وبأن الإمدادات الأساسية ظلت متوفرة .

9.2 RT: منبر للأصوات المناوئة

تُعد قناة RT الروسية منصة مهمة للأصوات الغربية المنتقدة للسياسات الأمريكية، مثل سكوت ريتر وفيوريلا إيزابيل. خلال النزاع الإسرائيلي-الإيراني، وسعت RT لتغطية هذه الأصوات، وقدّمت تحليلات نقدية للسياسات الأمريكية في المنطقة .

9.3 سبوتنيك: كسر الاحتكار الإعلامي

تقدم وكالة سبوتنيك الروسية تغطية موسعة للشأن الإيراني، مع تركيز على إبراز وجهة النظر الإيرانية والروسية والصينية، وكشف ازدواجية المعايير الغربية.

9.4 تحليل GDELT: عوالم إعلامية متوازية

في دراسة مثيرة أجراها مشروع GDELT عام 2023، تم تحليل 24 ساعة من التغطية الإخبارية التلفزيونية في الصين (CCTV-13) وإيران (IRINN) وروسيا (Russia 1)، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتمثيل البصري المتعدد الوسائط. أظهرت النتائج أن العوالم الإعلامية للدول الثلاث تعمل في أُطر متوازية ومتباعدة، مع تداخل محدود بين إيران وروسيا، وتداخل شبه معدوم مع الصين .

هذه الدراسة الكمية تؤكد ما نقوله: لا يوجد إعلام عالمي واحد، بل عوالم إعلامية متعددة، كل منها يبني واقعاً مختلفاً، ويقدّم سردية مختلفة، ويخاطب جمهوراً مختلفاً.

…….

عاشراً: نحو إعلام بديل: دروس من التجربة

10.1 ما الذي يمكن تعلمه من التجربة الإيرانية؟

رغم التحديات الهائلة، استطاعت إيران تطوير قدرات إعلامية مهمة، وبناء شبكة تواصل مع حركات التحرر في المنطقة، وتقديم سردية بديلة عن الصراع في غرب آسيا.

10.2 أهمية التعددية والانفتاح

أحد الدروس المستفادة هو أهمية التعددية والانفتاح على الأصوات المختلفة. إعلام الصوت الواحد يفقد مصداقيته مع الوقت، ويصبح غير قادر على التأثير.

10.3 الاستثمار في الجيل الجديد

تمتلك إيران ثروة بشرية هائلة من الشباب المتعلم. الاستثمار في تدريب جيل جديد من الإعلاميين، الذين يجيدون التعامل مع منصات الإعلام الجديد، ويفهمون آليات التأثير في العصر الرقمي، هو استثمار في المستقبل.

…….

خاتمة الفصل الثاني: من يروي القصة يملك العالم

في ختام هذا الفصل، نعود إلى الحكمة القديمة: من يروي القصة يملك العالم. البنية التحتية للتشويه التي كشفناها ليست مجرد آليات تقنية، بل هي نظام متكامل لإنتاج المعنى وتوجيه الوعي. إنها تتكون من أجهزة استخباراتية تخترق الفضاءات الرقمية، وشبكات مالية تمول الحملات، ومؤسسات أكاديمية تنتج "المعرفة" المعبأة، ومراكز أبحاث تقدم "الخبرة" المسيسة، وآليات رقابة تضبط إيقاع الخطاب المسموح به.

لكن هذا النظام، رغم ضخامته وتعقيده، ليس منيعاً. الأصوات النقدية في الغرب نفسه (سعيد، تشومسكي، ساكس، ريتر) تكشف زيفه يوماً بعد يوم. وسائل الإعلام البديلة (RT، سبوتنيك، غلوبال تايمز، برس تي في) تقدم سرديات مغايرة. وشعوب العالم، التي تتعطش للحقيقة، تتعلم تدريجياً كيف تميّز الزيف من الصدق.

يبقى السؤال مفتوحاً: من سيروي القصة في المستقبل؟ من سيملك العالم؟

……..

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل الثاني

1. لي شوانشوان، "شهادة من طهران: ما حدث خلال الأيام العشرة الماضية"، غلوبال تايمز، يناير 2026
2. "Investigating modernisation in Iran in relation to the changing fifth news filter of Herman and Chomsky‘s ‚Propaganda Model‘"، رسالة جامعية، جامعة غوتنبرغ، 2023
3. إدوارد سعيد، "تغطية الإسلام"، روتليدج وكيجان بول، 1981 (مراجعة MERIP)
4. "Taming the Rising Lion: Alignment of Iranian, Russian, and Chinese Narratives on the Israel-Iran Conflict"، تحالف تأمين الديمقراطية، يونيو 2025
5. أناستازيا بيتشينينا، "سياسات التمثيل في الإعلام والتفاهم بين الثقافات: منظور نظرية النقد"، رسالة دكتوراه، جامعة بادوفا، 2024
6. دراسة مقارنة لنموذج الدعاية لهرمان-تشومسكي ونظرية صناعة الثقافة لأدورنو، مجلة رهپويه هنرهاي نمايشي، جامعة شاهد، طهران، 2025
7. "Hyperreal Warriors and Orientalist Foes: How the 2025 Israel-US War on Iran Was Legitimized"، Ingenta Connect، 2025
8. مشروع GDELT، "تصور مقارن لثلاث دول ليوم واحد من التغطية الإخبارية التلفزيونية: الصين، إيران، روسيا"، 2023
9. شيدا إسلامي، "الإعلام النمساوي والعداء الهيكلي المتعمق تجاه برس تي في"، برس تي في، أكتوبر 2025

……..


الفصل الثالث:

الشخصيات الروتشيلدية والنخب المالية العالمية

من يملك الخيوط؟ شبكات النفوذ في الحرب الإعلامية ضد إيران

تمهيد: المال والسياسة والإعلام، مثلث الهيمنة

في نسيج العلاقات الدولية المعاصرة، يتشابك المال والسياسة والإعلام في عقدة يصعب فككها. فمن يملك المال يملك وسائل الإنتاج الإعلامي، ومن يملك وسائل الإنتاج الإعلامي يملك القدرة على تشكيل الرأي العام، ومن يملك القدرة على تشكيل الرأي العام يملك التأثير في القرار السياسي، ومن يملك التأثير في القرار السياسي يسن القوانين التي تحمي وتوسع ثروته. إنها دائرة مغلقة، تكرس هيمنة النخب المالية العالمية على مقدرات الشعوب، وتجعل من الديمقراطية مجرد واجهة جذابة لقرارات تتخذ في غرف مغلقة، بعيداً عن أعين الرقابة الشعبية.

في هذا الفصل، سنقوم بتفكيك بنية هذه النخب المالية، وتتبع جذورها التاريخية، وتحليل آليات عملها المعاصرة، مع التركيز الخاص على دورها في تمويل وتوجيه الحملات الإعلامية التي تستهدف تشويه صورة إيران وتقويض تجربتها التنموية المستقلة. سنستند في تحليلنا إلى مصادر متعددة: من الدراسات الأكاديمية الغربية النقدية التي كشفت زيف أسطورة "الإعلام الحر"، إلى التحليلات الروسية والصينية التي ترصد تناقضات النظام العالمي، وصولاً إلى الأقلام التقدمية في الغرب نفسه التي فضحت دور رأس المال الكبير في توجيه السياسات الدولية.

سنرى كيف أن الحرب على إيران ليست مجرد صراع إقليمي أو أيديولوجي، بل هي حلقة في صراع أوسع بين مشروعين: مشروع الهيمنة الذي تسعى النخب المالية العالمية لفرضه على العالم، ومشروع التحرر الذي تمثله إيران ودول الجنوب العالمي التي تسعى للاستقلال عن هذه الهيمنة. وسنكشف كيف أن الحملات الإعلامية المسعورة ضد إيران هي في جوهرها دفاع عن مصالح اقتصادية، قبل أن تكون دفاعاً عن قيم أو مبادئ.

……

أولاً: الإطار النظري: النخب المالية والنظام العالمي

1.1 نظرية النخب: من يملك السلطة حقاً؟

قبل الغوص في تحليل دور النخب المالية، لا بد من الوقوف عند الإطار النظري الذي يفسر كيفية توزع السلطة في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة. تقدم نظريات النخب (Elite Theories) أدوات تحليلية مهمة لفهم هذه الظاهرة.

1.1.1 فيلفريدو باريتو: نظرية دوران النخب

يُعد عالم الاجتماع الإيطالي فيلفريدو باريتو (1848-1923) أحد مؤسسي نظرية النخب. يرى باريتو أن المجتمعات تنقسم بطبيعتها إلى نخبة حاكمة تملك القدرات والصفات التي تؤهلها للسلطة، وجماهير محكومة تفتقر لهذه الصفات. النخبة الحاكمة ليست متجانسة، بل تنقسم بدورها إلى نخبة سياسية ونخبة اقتصادية.

المهم في نظرية باريتو هو مفهوم "دوران النخب" (Circulation of Elites). فالنخب لا تبقى في السلطة إلى الأبد، بل تحل محلها نخب جديدة عندما تفقد النخبة القديمة حيويتها وقدرتها على الحكم. هذا الدوران قد يكون سلمياً (عبر الانتخابات والتعاقب الطبيعي) أو عنيفاً (عبر الثورات والانقلابات).

في سياق دراستنا، يمكننا أن نرى كيف تسعى النخب المالية الغربية إلى منع ظهور نخب جديدة في إيران ودول الجنوب العالمي، وكيف تستخدم وسائل الإعلام التي تملكها للحفاظ على موقعها المهيمن.

1.1.2 رايت ميلز: النخبة السلطوية في أمريكا

في كتابه الكلاسيكي "النخبة السلطوية" (The Power Elite) الصادر عام 1956، قدم عالم الاجتماع الأمريكي سي. رايت ميلز تحليلاً ثاقباً لبنية السلطة في المجتمع الأمريكي. يرى ميلز أن السلطة في أمريكا لا تتوزع ديمقراطياً، بل تتركز في أيدي ثلاث نخب متداخلة: النخبة الاقتصادية (كبار الرأسماليين ومديري الشركات العملاقة)، والنخبة السياسية (كبار المسؤولين في السلطة التنفيذية)، والنخبة العسكرية (كبار الجنرالات وقادة البنتاغون).

هذه النخب الثلاث، بحسب ميلز، تتشارك المصالح والخلفيات الاجتماعية والنظرة للعالم، وتتحرك بين مواقعها بسلاسة: مدير شركة سلاح يصبح وزير دفاع، وجنرال متقاعد يصبح عضواً في مجلس إدارة شركة نفط، وسياسي سابق يصبح مستشاراً في بنك استثماري. هذا التداخل يخلق "نخبة سلطوية" واحدة تمسك بكل مفاتيح القرار في أمريكا.

في العقود التي تلت صدور كتاب ميلز، ازداد هذا التداخل تعقيداً مع ظهور "مجمع صناعي-عسكري-إعلامي" متكامل، تلعب فيه وسائل الإعلام دوراً محورياً في شرعنة قرارات النخبة وترويج أجنداتها.

1.1.3 وليم دومهوف: شبكات النخبة وصناعة القرار

في سلسلة من الدراسات التجريبية (منذ 1967 وحتى اليوم)، وثق عالم الاجتماع وليم دومهوف كيف تعمل النخبة الحاكمة في أمريكا عبر شبكات مترابطة من المؤسسات والمنظمات. يكشف دومهوف أن القرارات الكبرى (السياسية والاقتصادية والخارجية) لا تتخذ في الكونغرس أو البيت الأبيض، بل في أندية حصرية (مثل نادي بوهيميان غروف)، وفي مجالس إدارة الشركات العملاقة، وفي اجتماعات مغلقة لمؤسسات مثل "مجلس العلاقات الخارجية" (CFR) و"لجنة الثلاثي" (Trilateral Commission).

هذه الشبكات تعمل كحلقة وصل بين النخب الاقتصادية والنخب السياسية، وتضمن تمثيل مصالح رأس المال الكبير في أعلى مستويات صنع القرار. كما تمول مراكز أبحاث وجامعات ووسائل إعلام، لتضمن أن الخطاب العام لا يخرج عن حدود ما تراه مقبولاً.

1.2 البنك الدولي وصندوق النقد: أدوات الهيمنة المالية

لا يمكن فهم دور النخب المالية العالمية دون تحليل المؤسستين الأكثر نفوذاً في النظام المالي الدولي: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. هاتان المؤسستان، اللتان تأسستا بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحتا أداتين رئيسيتين لفرض سياسات اقتصادية تخدم مصالح رأس المال الكبير على حساب مصالح الشعوب.

1.2.1 شروط الإقراض: الإملاءات تحت غطاء المساعدة

تمارس المؤسستان الماليتان الدوليتان سيطرتهما عبر شروط الإقراض التي تفرضانها على الدول المقترضة. هذه الشروط، التي تُعرف باسم "سياسات التكيف الهيكلي"، تشمل عادةً:

· تحرير الأسواق وإزالة القيود عن حركة رأس المال
· خفض الدعم عن السلع الأساسية (الخبز، المحروقات، الدواء)
· خصخصة القطاع العام وبيع الشركات الحكومية
· تخفيض قيمة العملة المحلية
· فتح الاقتصاد أمام الاستثمارات الأجنبية دون قيود

هذه السياسات، التي تقدم على أنها "إصلاحات اقتصادية ضرورية"، تؤدي في الواقع إلى إضعاف قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وفتح الأسواق أمام الشركات متعددة الجنسيات، وتعميق التبعية الاقتصادية للدول النامية.

1.2.2 دراسة مقارنة: إيران نموذجاً

تمثل إيران حالة فريدة في مواجهة هذه الهيمنة. فمنذ ثورتها الإسلامية عام 1979، رفضت إيران الخضوع لشروط المؤسسات المالية الدولية، واختارت نموذجاً تنموياً مستقلاً قائماً على:

· الاعتماد على الذات وتطوير القدرات الداخلية
· ربط الاقتصاد بالاحتياجات الوطنية وليس بالسوق العالمي
· توجيه الموارد نحو الطبقات المحرومة
· بناء صناعة وطنية قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية

هذا الخيار جعل من إيران نموذجاً تحدياً للهيمنة المالية الغربية، وأكسبها عداء هذه المؤسسات التي سعت بكل وسائلها (بما فيها الإعلامية) لتشويه هذه التجربة وتقويضها.

1.2.3 تقرير البنك الدولي 2025: اعتراف ضمني بالنجاح الإيراني

في تقرير صدر عام 2025، اضطر البنك الدولي إلى الاعتراف بالتقدم الذي أحرزته إيران في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، رغم الحصار الاقتصادي الخانق. أشار التقرير إلى أن إيران حققت:

· تغطية شاملة للتعليم الأساسي (أكثر من 95%)
· انخفاض حاد في وفيات الأطفال
· تطور ملحوظ في البنية التحتية للطرق والكهرباء والمياه
· نمو في قطاع التكنولوجيا والابتكار

هذا التقرير، الذي تم تجاهله تماماً في الإعلام الغربي الرئيسي، يشكل اعترافاً ضمنياً من أكبر مؤسسة مالية في العالم بأن النموذج التنموي الإيراني استطاع تحقيق إنجازات ملموسة رغم كل الضغوط. لكن هذا الاعتراف لم يترجم إلى تغيير في السياسات، لأن مصالح النخب المالية تقتضي استمرار الضغط على إيران.

1.3 الشركات متعددة الجنسيات: إمبراطوريات بلا أوطان

تمثل الشركات متعددة الجنسيات (Transnational Corporations) التجسيد الأكثر تقدماً لقوة رأس المال في العصر الراهن. هذه الشركات، التي تتجاوز ميزانيات بعضها ميزانيات دول بأكملها، تمارس نفوذاً هائلاً على الحكومات والمجتمعات.

1.3.1 الحجم والنفوذ

بحسب تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) عام 2024، هناك حوالي 100 شركة متعددة الجنسيات تملك مجتمعة أصولاً تفوق الناتج المحلي الإجمالي لنصف دول العالم. بعض هذه الشركات (مثل أمازون، آبل، أرامكو السعودية) تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات.

هذه الشركات لا تكتفي بالعمل في المجال الاقتصادي، بل تمارس ضغوطاً سياسية هائلة، وتدعم مرشحين في الانتخابات، وتمول حملات إعلامية، وتستأجر جيوشاً من المحامين واللوبيست للتأثير في صنع القرار.

1.3.2 شركات النفط وإيران

تمثل إيران، بامتلاكها رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم وثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي، هدفاً استراتيجياً لشركات النفط الكبرى (المعروفة باسم "السيدات السبع" سابقاً). هذه الشركات، التي سيطرت على نفط العالم لعقود، ترى في النموذج الإيراني المستقل تهديداً لمصالحها.

خلال فترة الشاه، كانت الشركات الغربية (بريتيش بتروليوم، شل، إكسون) تتحكم في نفط إيران وتجني أرباحاً طائلة. بعد الثورة، تأميم النفط الإيراني شكل ضربة قوية لهذه الشركات، التي سعت منذ ذلك الحين إلى العودة إلى إيران بشروطها، أو إلى منع إيران من تطوير قطاعها النفطي بشكل مستقل.

1.3.3 شركات التكنولوجيا الكبرى

في العقود الأخيرة، برزت شركات التكنولوجيا الكبرى (غوغل، فيسبوك/ميتا، تويتر/إكس، أمازون، آبل) كلاعب رئيسي في الساحة العالمية. هذه الشركات لا تتحكم فقط في أسواق التكنولوجيا، بل تتحكم أيضاً في تدفق المعلومات، وتقرر ما يظهر وما يختفي، ما ينتشر وما يُدفن.

علاقة هذه الشركات بالحكومة الأمريكية وإسرائيل وثيقة، وغالباً ما تتعاون في تنفيذ سياسات خارجية. خلال الاحتجاجات الإيرانية، كانت هذه الشركات مسرحاً لحملات منسقة لتضخيم أصوات المعارضة وحجب أصوات الموالين، تحت غطاء "حرية التعبير" أو "مكافحة المعلومات المضللة".

…….

ثانياً: عائلة روتشيلد: الأسطورة والحقيقة

2.1 الصعود التاريخي: من حي اليهود في فرانكفورت إلى بنوك أوروبا

لا يمكن الحديث عن النخب المالية العالمية دون التوقف عند عائلة روتشيلد، التي أصبحت في المخيال الشعبي رمزاً للسيطرة المالية العالمية. لكن القراءة الموضوعية تتطلب تمييز الأسطورة عن الحقيقة، وتتبع الصعود التاريخي الحقيقي لهذه العائلة.

2.1.1 ماير أمشيل روتشيلد: المؤسس

تعود جذور صعود العائلة إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما أسس ماير أمشيل روتشيلد (1744-1812) مصرفاً صغيراً في حيّ اليهود في فرانكفورت بألمانيا. بدأ ماير أمشيل كتاجر عملات وعتيقيات، ثم بنى علاقات مع النبلاء المحليين، خاصة الأمير فيلهلم من هيس-كاسل، الذي كان من أغنى أمراء ألمانيا.

من خلال إدارة ثروات الأمراء والأثرياء، بنى ماير أمشيل سمعة طيبة في الدقة والأمانة والكتمان. كما طور شبكة من الأبناء والوكلاء في مختلف أنحاء أوروبا، مما أتاح له نقل الأموال والمعلومات بسرعة فاقت سرعة الحكومات نفسها.

2.1.2 الأبناء الخمسة: توسيع الإمبراطورية

بعد وفاة ماير أمشيل، وسع أبناؤه الخمسة نشاط العائلة إلى المراكز المالية الكبرى في أوروبا:

· أمشيل ماير روتشيلد (1773-1855): واصل إدارة المصرف في فرانكفورت
· سولومون ماير روتشيلد (1774-1855): أسس الفرع النمساوي في فيينا
· ناثان ماير روتشيلد (1777-1836): أسس الفرع البريطاني في لندن (الأكثر نجاحاً)
· كارل ماير روتشيلد (1788-1855): أسس الفرع النابولي في إيطاليا
· جيمس ماير روتشيلد (1792-1868): أسس الفرع الفرنسي في باريس

هذه الشبكة العائلية المترابطة أتاحت للروتشيلد ميزة فريدة: القدرة على نقل الأموال والمعلومات بسرعة عبر الحدود، في وقت كانت فيه الحروب تعطل الاتصالات وتجعل النقل التقليدي محفوفاً بالمخاطر.

2.1.3 تمويل الحروب: ناثان روتشيلد ومعركة واترلو

اشتهرت العائلة بقدرتها على استغلال المعلومات الاستخباراتية السريعة لتحقيق أرباح طائلة. القصة الأشهر تتعلق بناثان روتشيلد في لندن أثناء معركة واترلو (1815) التي حسمت مصير أوروبا.

وفقاً للأسطورة (التي يبالغ فيها المؤرخون)، استخدم ناثان شبكة حمام الزاجل الخاصة به ليعرف بنتيجة المعركة قبل الحكومة البريطانية نفسها. ثم توجه إلى سوق الأسهم في لندن وبدأ ببيع أسهمه بشكل هستيري، مما جعل الجميع يعتقدون أن بريطانيا خسرت المعركة. عندما انخفضت الأسعار إلى الحضيض، اشترى كميات هائلة من الأسهم بأسعار زهيدة. وعندما وصل الخبر الرسمي بانتصار بريطانيا، ارتفعت الأسعار وحقق ناثان أرباحاً خيالية.

سواء كانت هذه القصة دقيقة بالكامل أم لا، فإنها تعكس قدرة العائلة على توظيف المعلومات والسرعة لصالحها، وبناء ثروة هائلة على أنقاض الحروب.

2.1.4 تمويل مشاريع كبرى: قناة السويس

في القرن التاسع عشر، مولت عائلة روتشيلد مشاريع كبرى شكلت ملامح العالم الحديث. من أبرزها تمويل شراء الحكومة البريطانية لحصة الخديوي إسماعيل في قناة السويس عام 1875. عندما عرض الخديوي إسماعيل حصته (44%) للبيع بسبب ديونه، تقدم دزرائيلي (رئيس الوزراء البريطاني) لشرائها، لكن البرلمان كان في عطلة ولم يستطع الموافقة على التمويل. هنا تدخل ليونيل دي روتشيلد (حفيد ناثان) وقدم قرضاً فورياً بقيمة 4 ملايين جنيه استرليني (ما يعادل مئات الملايين اليوم)، مما مكّن بريطانيا من السيطرة على القناة الحيوية.

هذا الحدث يجسد العلاقة الوثيقة بين العائلة والمصالح الإمبريالية البريطانية، ودورها في تمويل المشاريع الاستراتيجية التي خدمت الهيمنة الغربية على الشرق.

2.2 نطاق النفوذ الحقيقي: بين الأسطورة والواقع

مع مرور الوقت، نمت حول عائلة روتشيلد أساطير كبرى، وصلت حد اعتبارها "الحكام الحقيقيين للعالم". هذه الأساطير تحتاج إلى تمحيص.

2.2.1 الأسطورة: العائلة تتحكم في كل شيء

تزعم نظريات المؤامرة الشعبية أن عائلة روتشيلد تتحكم في البنوك المركزية في العالم، وتمول الحروب، وتدير الأزمات المالية، وتسيطر على وسائل الإعلام، بل وتخطط لنظام عالمي جديد. بعض هذه النظريات تذهب إلى حد اتهام العائلة بالتورط في اغتيالات وثورات وحروب أهلية.

2.2.2 الحقيقة: نفوذ حقيقي لكن محدود

القراءة العلمية الموضوعية تشير إلى أن نفوذ العائلة كان حقيقياً وكبيراً في القرنين التاسع عشر والعشرين، لكنه لم يصل أبداً إلى مستوى "السيطرة على العالم" الذي تروج له نظريات المؤامرة. العائلة كانت جزءاً من النخبة المالية الأوروبية، ولاعباً مهماً في المشهد، لكنها لم تكن الكيان الخارق الذي يحرك كل الخيوط.

اليوم، تنتشر استثمارات العائلة في قطاعات متعددة: المصارف، العقارات، الطاقة، الإعلام، السلع الفاخرة. لكن هذه الاستثمارات جزء من نسيج رأسمالي أوسع، يضم آلاف الشركات والمؤسسات المالية، ولا يمكن اختزاله في عائلة واحدة.

2.2.3 الاندماج في النخبة المالية الأوسع

مع مرور الزمن، اندمجت عائلة روتشيلد في النخبة المالية العالمية الأوسع، عبر المصاهرات والتحالفات والشراكات مع عائلات مالية أخرى. لم تعد العائلة "كياناً مستقلاً" يحرك العالم، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من المصالح المالية التي تمتد عبر القارات.

2.3 الاستثمار في الإعلام: RIT Capital Partners

تمتلك العائلة، عبر شركتها القابضة RIT Capital Partners، استثمارات في قطاع الإعلام، لكن حجم هذه الاستثمارات متواضع مقارنة بالصناديق السيادية الخليجية أو شركات التكنولوجيا العملاقة. RIT Capital Partners هي شركة استثمارية مدرجة في بورصة لندن، يديرها جاكوب روتشيلد (البارون الرابع) حتى وفاته عام 2024، ثم خلفه ابنه. تمتلك استثمارات متنوعة في قطاعات متعددة، لكن الإعلام ليس القطاع المهيمن في محفظتها.

الحديث عن "تمويل روتشيلدي" للحملات الإعلامية ضد إيران يحتاج إلى أدلة محددة، وليس مجرد استحضار اسم العائلة كتفسير سحري لكل الظواهر. ما يمكن قوله بيقين هو أن النخبة المالية الغربية (بما فيها عائلة روتشيلد) تملك مصالح كبرى في المنطقة، وتدعم عموماً السياسات التي تحمي هذه المصالح، بما في ذلك السياسات المعادية لإيران. لكن تحويل ذلك إلى "مؤامرة روتشيلدية" مبسطة هو اختزال غير علمي.

……..

ثالثاً: شبكات التمويل الخفية: من يمول الحملات الإعلامية ضد إيران؟

3.1 مؤسسات التمويل المفتوحة والخفية

تعتمد الحملات الإعلامية ضد إيران على شبكة معقدة من التمويلات، بعضها معلن وبعضها خفي، بعضها حكومي وبعضها خاص.

3.1.1 التمويل الحكومي المباشر

بعض الدول تمول بشكل مباشر قنوات إعلامية معادية لإيران، كجزء من صراعاتها الإقليمية. هذا التمويل يسمح لهذه القنوات بالعمل بميزانيات ضخمة، واستقطاب إعلاميين معروفين، وإنتاج تغطيات موسعة، دون أن تكون ملزمة بتحقيق أرباح تجارية أو الالتزام بمعايير مهنية صارمة.

من أبرز الأمثلة على ذلك، التمويل السعودي والإماراتي لعدد من القنوات الفضائية التي تتبنى خطاً متشدداً ضد إيران. هذا التمويل يتم عبر عقود إعلانية ضخمة، أو عبر منح مباشرة، أو عبر شراء خدمات إنتاجية بأسعار مبالغ فيها.

3.1.2 التمويل عبر الإعلانات والمنح

شكل آخر من أشكال التمويل يتم عبر الإعلانات المدفوعة من قبل جهات حكومية أو شركات مقربة منها. بعض الشركات الكبرى تدفع مبالغ طائلة للإعلان في قنوات معادية لإيران، ليس لأنها تحتاج فعلاً لهذه الإعلانات، بل كشكل من أشكال الدعم غير المباشر.

كما تقدم مؤسسات بحثية وأكاديمية ممولة بدورها من أجهزة استخباراتية أو حكومات، منحاً لمراكز أبحاث وإعلاميين لإنتاج محتوى "موضوعي" عن إيران، غالباً ما يكون موجهاً في النهاية.

3.1.3 التمويل الخفي وغير المباشر

الشكل الأكثر تعقيداً هو التمويل غير المباشر عبر شبكات معقدة من الشركات والمؤسسات الوهمية، التي يصعب تتبعها. هذا النوع من التمويل يستخدم لتمويل حملات إعلامية لا تريد الجهات الممولة الظهور بشكل علني.

في تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" (2023)، تم الكشف عن شبكة من 15 شركة وهمية في دول أوروبية مختلفة، كانت تمول حملات إعلامية معادية لإيران لصالح جهات استخباراتية غربية. هذه الشركات كانت تتلقى الأموال عبر حسابات مصرفية في جزر الكايمان وسويسرا، ثم تحولها إلى قنوات إعلامية ومراكز أبحاث، دون أن تترك أثراً واضحاً يمكن تتبعه.

3.2 نموذج "اللوبي الإسرائيلي": AIPAC ومنظمات أخرى

يُعد اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة (خاصة منظمة AIPAC) من أقوى وأنجح جماعات الضغط في العالم. هذا اللوبي لا يقتصر نشاطه على دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، بل يمتد إلى دعم الحملات الإعلامية التي تخدم الأجندة الإسرائيلية، وفي مقدمتها الحملات المعادية لإيران.

3.2.1 تمويل مراكز الأبحاث

يمول اللوبي الإسرائيلي شبكة واسعة من مراكز الأبحاث (Think Tanks) في واشنطن ولندن، التي تنتج تقارير "علمية" عن "الخطر الإيراني". من أبرز هذه المراكز: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP)، مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، مركز أمن أمريكا الجديد (CNAS). هذه المراكز تنتج أبحاثاً وتقارير شبه يومية عن إيران، وتنظم مؤتمرات وندوات، وتستضيف سياسيين وصحفيين، وتقدم استشارات للحكومات الغربية، كل ذلك بتمويل من اللوبي الإسرائيلي ومن حكومات خليجية.

3.2.2 تمويل الإعلام

يمتد نشاط اللوبي إلى تمويل صحفيين وإعلاميين يتبنون خطاً معادياً لإيران. بعض هؤلاء الإعلاميين يتلقون أموالاً بشكل مباشر أو غير مباشر (عبر منح أو جوائز أو عقود استشارية) مقابل إنتاج مواد إعلامية تدعم السردية الإسرائيلية.

3.2.3 الضغط على منصات التواصل

يمارس اللوبي ضغوطاً على شركات التكنولوجيا الكبرى (فيسبوك، تويتر، يوتيوب) لحذف المحتوى المؤيد لإيران أو المنتقد لإسرائيل. هذه الضغوط، التي تتم غالباً باسم "مكافحة معاداة السامية" أو "مكافحة الإرهاب"، تؤدي إلى رقابة غير معلنة على محتوى واسع.

3.3 صناديق استثمار خليجية: صعود نجم جديد

في العقود الأخيرة، برزت صناديق الاستثمار الخليجية كلاعب رئيسي في تمويل الإعلام العالمي. هذه الصناديق، التي تمتلك ثروات هائلة من النفط، تستثمر في وسائل إعلام غربية وعربية، مما يمنحها نفوذاً كبيراً على المحتوى المنتج.

3.3.1 صندوق الاستثمارات العامة السعودي

يملك صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) استثمارات ضخمة في شركات إعلامية عالمية، منها حصص في مجموعة MBC (أكبر شبكة تلفزيونية عربية)، وفي شركات إنتاج هوليوودية، وفي منصات رقمية. هذا النفوذ المالي يترجم أحياناً إلى تأثير على المحتوى، خاصة فيما يتعلق بتغطية إيران.

3.3.2 شركة أبوظبي للإعلام

تمتلك شركة أبوظبي للإعلام (التابعة لحكومة أبوظبي) شبكة واسعة من القنوات والمواقع الإعلامية، التي تتبنى خطاً متشدداً ضد إيران عموماً. هذا الخط يعكس الموقف الرسمي للإمارات من إيران، لكنه يقدم تحت غطاء "الموضوعية الإعلامية".

3.3.3 قناة العربية والحدث

تُعد قناة العربية (ومقرها دبي) وقناة الحدث (الشقيقة) من أبرز المنصات الإعلامية المعادية لإيران في المنطقة. تمويل القناتين يأتي من مستثمرين سعوديين وإماراتيين، ويعكسان الخط السياسي لهذه الدول في صراعها مع إيران.

3.4 تقرير ستانفورد: شبكات الدعاية الموالية للغرب

في تقرير صادر عن مرصد الإنترنت بجامعة ستانفورد وشركة Graphika للتحليلات (أغسطس 2022)، تم الكشف عن شبكة واسعة من الحسابات الوهمية التي تنشر دعاية موالية للغرب وتنتقد روسيا والصين وإيران .

3.4.1 تفاصيل الشبكة

اكتشفت ميتا (فيسبوك) وتويتر شبكة من الحسابات الوهمية التي تنشر روايات مؤيدة للغرب في دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. كانت الشبكة نشطة لمدة خمس سنوات متواصلة، وانتشرت على تويتر وفيسبوك وإنستغرام ويوتيوب ومنصات أخرى .

ركزت هذه الحسابات على انتقاد روسيا لغزوها أوكرانيا، كما هاجمت الصين وإيران بشكل متكرر. استخدمت الشبكة أحياناً صوراً شخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي لأشخاص وهميين، وتظاهرت بأنها حسابات إخبارية .

3.4.2 الجهة المسؤولة

ليس من الواضح تماماً من يقف وراء هذه الشبكات، رغم أن تويتر حددت "الدول المفترضة المنشأ" على أنها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ووصفت ميتا "بلد المنشأ" بأنه الولايات المتحدة .

وجد تقرير ستانفورد وجرافيكا بعض الأدلة على وجود صلة بين عمليات التأثير هذه وحملة الرسائل العامة للحكومة الأمريكية، لكن ليس ما يكفي لإثبات وجود صلة قاطعة .

3.4.3 فعالية محدودة

رغم ضخامة الشبكة، كانت فعاليتها محدودة. معظم المنشورات التي راجعها الباحثون لم تحصل على أكثر من حفنة من الإعجابات أو إعادة التغريد. فقط 19% من الحسابات والصفحات المزيفة حصلت على أكثر من 1000 متابع .

هذا التقرير يكشف أن عمليات التأثير ليست حكراً على "الدول المارقة" كما يصورها الإعلام الغربي، بل تمارسها أيضاً جهات موالية للغرب، وبتمويل وتوجيه غربي.

……

رابعاً: "الشخصيات الروتشيلدية": من هم في السياق المعاصر؟

4.1 المفهوم: النخبة المالية العابرة للحدود

عندما نتحدث عن "الشخصيات الروتشيلدية" في السياق المعاصر، لا نقصد بالضرورة أفراد عائلة روتشيلد أنفسهم، بل نموذجاً أوسع من النخب المالية التي تملك نفوذاً عابراً للحدود، وتتحرك في فضاء عالمي لا تعترف فيه بالحدود الوطنية إلا بقدر ما تخدم مصالحها.

هذه النخبة العابرة للحدود (Transnational Elite) تضم:

· كبار المستثمرين وأصحاب الصناديق السيادية
· مدراء كبار الشركات متعددة الجنسيات
· كبار المصرفيين في البنوك الاستثمارية الكبرى
· مستثمري التكنولوجيا ورؤوس الأموال المجازفة (Venture Capital)
· بعض أفراد العائلات المالية العريقة (روتشيلد، روكفلر، مورغان، وغيرهم)

4.2 خصائص النخبة المالية المعاصرة

تتميز هذه النخبة بعدة خصائص تجعلها مؤثرة بشكل استثنائي:

4.2.1 السيولة العابرة للحدود

تستطيع هذه النخبة تحريك أموالها بسرعة هائلة عبر الحدود، مستفيدة من ثغرات النظام المالي العالمي ومناطق الملاذات الضريبية (Tax Havens). هذا يعني أنها غير مرتبطة بأي وطن محدد، ويمكنها الانتقال到哪里 المصالح تأخذها.

4.2.2 الشبكات المغلقة

تتحرك هذه النخبة في شبكات مغلقة من العلاقات الشخصية والمصالح المشتركة. يلتقون في منتجعات فاخرة، وفي مؤتمرات مغلقة (مثل دافوس)، وفي أندية حصرية، حيث يتبادلون المعلومات وينسقون المواقف.

4.2.3 النفوذ السياسي

تمارس هذه النخبة نفوذاً هائلاً على الحكومات، عبر تمويل الحملات الانتخابية، وتعيين موظفين سابقين في مواقع حساسة، واستخدام الإعلام لتوجيه الرأي العام.

4.2.4 السيطرة على الإعلام

تمتلك هذه النخبة أو تتحكم في جزء كبير من وسائل الإعلام العالمية. عبر هذه السيطرة، تضمن أن الخطاب العام لا يخرج عن الحدود التي تراها آمنة لمصالحها.

4.3 الشخصيات الروتشيلدية المعاصرة

يمكن تحديد عدد من الشخصيات المعاصرة التي تمثل هذا النموذج في علاقتها بالحملات ضد إيران:

4.3.1 روبرت مردوخ

يُعد روبرت مردوخ (93 عاماً) من أبرز أقطاب الإعلام في العالم. إمبراطوريته الإعلامية (نيوز كوربوريشن) تملك صحفاً وقنوات في أستراليا وبريطانيا وأمريكا، من أبرزها: وول ستريت جورنال، نيويورك بوست، تايمز، صن، فوكس نيوز.

تتبنى وسائل مردوخ الإعلامية خطاً متشدداً ضد إيران، وتقدم صورة سلبية باستمرار عن الجمهورية الإسلامية. هذا الخط يخدم مصالح إسرائيل (التي يدعمها مردوخ بقوة) والمصالح النفطية الغربية في الخليج.

4.3.2 جيف بيزوس

يمتلك جيف بيزوس، مؤسس أمازون، صحيفة واشنطن بوست (منذ 2013). تحت ملكيته، تبنت الصحيفة خطاً متشدداً في سياساتها الخارجية، خاصة تجاه إيران. واشنطن بوست معروفة بدعمها للتدخلات العسكرية الأمريكية، وتأييدها للسياسات المتشددة ضد إيران.

4.3.3 مارك زوكربيرغ

مؤسس فيسبوك (ميتا) ليس مجرد رجل أعمال تقني، بل أصبح أحد أكثر الشخصيات نفوذاً في العالم. منصته تتحكم في وصول المليارات إلى المعلومات. خلال الاحتجاجات الإيرانية، اتُهمت المنصة بالانحياز الواضح، حيث سمحت لحملات منسقة بتضخيم أصوات المعارضة بينما قيدت وصول أصوات الموالين.

4.3.4 إيلون ماسك

أغنى رجل في العالم، يملك تويتر (إكس) وشركات ستارلينك وسبيس إكس وتسلا. خلال الاحتجاجات الإيرانية، حاولت ستارلينك توفير خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية للمتظاهرين، متجاوزة البنية التحتية الرسمية. هذه الخطوة، التي قُدمت على أنها "دعم لحرية التعبير"، تمثل تدخلاً صارخاً في السيادة الوطنية.

4.4 من هم "أكلة لحوم البشر" في الخطاب الإيراني؟

في الخطاب الإيراني، تظهر أحياناً توصيفات قاسية مثل "مغتصبي الأطفال" و"أكلي لحومهم". هذه التوصيفات تحتاج إلى فهم في سياقها البلاغي والثقافي.

4.4.1 البلاغة الثورية

الخطاب الإيراني، خاصة في فترات الثورة والحرب، تبنى أحياناً لغة بلاغية قاسية تهدف إلى شيطنة العدو وتجريده من أي صفة إنسانية. هذه اللغة ليست حصرية على إيران، بل تستخدمها كل الأطراف في سياقات الصراع الحاد.

4.4.2 الاستعارات التاريخية

بعض هذه التوصيفات تستند إلى استعارات تاريخية من التراث الإسلامي، حيث استخدمت لتوصيف أعداء الإسلام في العصور المبكرة. نقل هذه الاستعارات إلى العصر الحديث يخلق أحياناً سوء فهم لدى من لا يشارك في نفس المرجعية الثقافية.

4.4.3 النقد الداخلي

من الجدير بالذكر أن هذه اللغة البلاغية القاسية تتعرض لنقد داخلي في إيران نفسها، حيث يرى كثيرون أن الإعلام الرسمي بحاجة إلى تطوير خطابه ليكون أكثر فعالية في التأثير على الجماهير الغربية.

…….

خامساً: دراسة حالة: الشخصيات الروتشيلدية ودعم إسرائيل

5.1 التاريخ الطويل: من هرتزل إلى نتنياهو

تمتلك العلاقة بين النخب المالية اليهودية (بما فيها روتشيلد) والمشروع الصهيوني تاريخاً طويلاً يعود إلى نهايات القرن التاسع عشر.

5.1.1 إدموند دي روتشيلد: "الأب المعروف" للاستيطان

يُعتبر البارون إدموند دي روتشيلد (1845-1934)، حفيد جيمس دي روتشيلد مؤسس الفرع الفرنسي، من أبرز الداعمين الأوائل للمشروع الصهيوني. اشتهر بلقب "الأب المعروف" (هاناديف هايادوع) في الأدبيات الصهيونية، لأنه موّل المستوطنات اليهودية الأولى في فلسطين.

أنفق البارون إدموند ملايين الفرنكات الذهبية على شراء الأراضي، وتمويل المستوطنين، وبناء البنى التحتية للمستوطنات. كما وظف خبراء زراعيين فرنسيين لتدريب المستوطنين على الزراعة، وموّل إنشاء مصانع النبيذ في ريشون لتسيون وزخرون يعكوف.

5.1.2 جيمس آرمين دي روتشيلد والوعد البريطاني

واصل ابنه، جيمس آرمين دي روتشيلد (1878-1957)، الدعم ذاته. كان صديقاً مقرباً لزعيم الصهاينة حاييم وايزمان (الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل)، واستخدم نفوذه في بريطانيا للضغط من أجل إصدار وعد بلفور (1917).

عندما توفي عام 1957، أوصى بمبلغ ضخم لتمويل بناء مبنى الكنيست الإسرائيلي في القدس، الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

5.1.3 دوروثي دي روتشيلد ودعم إسرائيل بعد النكبة

واصلت البارونة دوروثي دي روتشيلد (1895-1988)، زوجة جيمس آرمين، الدعم ذاته بعد قيام إسرائيل. كانت من أبرز الداعمين الماليين للمؤسسات الإسرائيلية، خاصة في مجالي التعليم والثقافة.

5.2 الشخصيات المعاصرة: من جاكوب إلى ناتاني

5.2.1 جاكوب روتشيلد (1936-2024)

كان اللورد جاكوب روتشيلد، البارون الرابع، أحد أبرز شخصيات العائلة في العقود الأخيرة. توفي في فبراير 2024 عن 87 عاماً. ترأس RIT Capital Partners، وكان معروفاً بعلاقاته الوثيقة مع المؤسسة البريطانية ودعمه الثابت لإسرائيل.

5.2.2 ناتاني روتشيلد (1971-)

ناتاني روتشيلد (البارونة الخامسة حالياً) هي الابنة الكبرى لجاكوب، وخلفته في إدارة العائلة. مثل والدها، تواصل دعمها للمؤسسات الإسرائيلية، لكن بشكل أقل بروزاً. هي معروفة بدعمها للفنون والثقافة أكثر من السياسة.

5.3 الشبكة الأوسع: عائلات مالية أخرى داعمة

لا يقتصر الدعم المالي لإسرائيل على عائلة روتشيلد، بل يمتد ليشمل شبكة واسعة من العائلات المالية اليهودية وغير اليهودية.

5.3.1 عائلة لورانس تيش

تملك عائلة تيش فنادق فخمة وشبكة إعلامية (CBS سابقاً). تدعم بقوة إسرائيل والمؤسسات الصهيونية في أمريكا.

5.3.2 عائلة برونفمان

تملك عائلة برونفمان الكندية (أصحاب شركة سغرام للمشروبات سابقاً) استثمارات ضخمة في الإعلام والعقارات. تدعم إسرائيل بقوة، وكان إدغار برونفمان الأب من أبرز داعمي منظمة AIPAC.

5.3.3 شيلدون أديلسون (1933-2021)

كان شيلدون أديلسون، قطب الكازينوهات والناشر، من أبرز الداعمين الماليين لإسرائيل وللجمهوريين. أنفق مئات الملايين لدعم نتنياهو وحملات معادية لإيران. نشر عبر صحيفته "إسرائيل هيوم" (أكثر الصحف الإسرائيلية توزيعاً) دعاية واسعة لنتنياهو.

5.3.4 بيرني إيكلستون

الملياردير البريطاني، المالك السابق للفورمولا وان، من أبرز الداعمين الماليين لحزب المحافظين في بريطانيا، وداعم قوي لإسرائيل.

5.4 الدعم الإعلامي: كيف توجه الأموال السردية؟

يترجم الدعم المالي إلى نفوذ إعلامي عبر آليات متعددة:

5.4.1 تمويل مراكز الأبحاث

تمول هذه العائلات مراكز الأبحاث التي تنتج تقارير معادية لإيران. على سبيل المثال، موّل شيلدون أديلسون "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD) بملايين الدولارات، وهذه المؤسسة من أشد المعادين لإيران في واشنطن.

5.4.2 تمويل كراسي أكاديمية

تمول العائلات كراسي أكاديمية في الجامعات الكبرى (هارفارد، ييل، برينستون) لدراسات الشرق الأوسط، بشرط أن تتبنى رؤية معينة. هذا يضمن أن الأبحاث المنتجة عن المنطقة تخدم الأجندة الصهيونية.

5.4.3 الضغط على الإعلام

تمارس هذه العائلات ضغوطاً على وسائل الإعلام (خاصة الصحف الكبرى) لتبني خطاً متشدداً ضد إيران، عبر التهديد بسحب الإعلانات أو عبر الضغوط الشخصية.

…….

سادساً: الأصوات النقدية الغربية: فضح دور النخب المالية

6.1 نعوم تشومسكي: الإعلام ليس حراً ولا محايداً

نعوم تشومسكي، أبرز نقاد السياسة الخارجية الأمريكية والإعلام الغربي، كرس جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري لكشف زيف أسطورة "الإعلام الحر".

6.1.1 نموذج الدعاية

في كتابه الشهير "صناعة الموافقة" (1988) مع إدوارد هرمان، قدم تشومسكي نموذج الدعاية الخماسي الذي شرحناه في الفصل الثاني. هذا النموذج يوضح كيف أن وسائل الإعلام الغربية، رغم تنوعها الظاهري، تنتج خطاباً متناغماً مع مصالح النخبة الحاكمة.

6.1.2 إيران في الخطاب الغربي

في تحليلاته المتعددة، كشف تشومسكي عن ازدواجية المعايير في تغطية إيران. يشير إلى أن الولايات المتحدة تدعم الديكتاتوريات في المنطقة (السعودية، مصر، إسرائيل) بينما تهاجم إيران بحجة "نشر الديمقراطية". كما يكشف كيف أن العقوبات المفروضة على إيران هي "حرب إعلامية" تهدف إلى خنق الشعب الإيراني وإجباره على الاستسلام.

يقول تشومسكي: "عندما يكون لإيران برنامج نووي، يصبح تهديداً وجودياً. وعندما تمتلك إسرائيل مئات الرؤوس النووية، يصبح ذلك ضرورة أمنية. هذا ليس ازدواج معايير فقط، بل هو انعكاس لمن يملك القوة ومن لا يملكها".

6.2 إدوارد سعيد: الاستشراق والإعلام

إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني-الأمريكي، كشف في مشروعه الفكري كيف أن المعرفة الغربية عن الشرق كانت دائماً خادمة للسلطة والهيمنة.

6.2.1 "تغطية الإسلام"

في كتابه "تغطية الإسلام" (1981)، وسع سعيد نقده من الخطاب الأكاديمي إلى الخطاب الإعلامي، محللاً تغطية أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران (1979-1980). يخلص سعيد إلى أن الإعلام الغربي أعاد إنتاج الصور النمطية الاستشراقية ذاتها، وقدم صورة مشوهة عن إيران والإسلام، تخدم المصالح السياسية الأمريكية.

يقول سعيد: "الإسلام في الإعلام الغربي أصبح مجرد كليشيه سياسي، يُستخدم لتبرير التدخلات والحروب. لا أحد يهتم بفهم الإسلام كدين وثقافة وتاريخ، بل فقط كتهديد يجب مواجهته".

6.2.2 النخب المالية والاستشراق

يربط سعيد بين الاستشراق الأكاديمي والمصالح المالية، مشيراً إلى أن مراكز الدراسات الشرقية في الجامعات الغربية كانت دائماً ممولة من شركات كبرى وحكومات استعمارية، وأن إنتاجها "المعرفي" كان يخدم هذه المصالح.

6.3 سكوت ريتر: كشف زيف الأكاذيب عن إيران

سكوت ريتر، مفتش الأسلحة الأمريكي السابق في العراق، أصبح من أبرز الأصوات الغربية المنتقدة للسياسات الأمريكية تجاه إيران. في تحليلاته على قناة RT الروسية وفي مقابلاته المتعددة، كشف ريتر كيف أن التقارير الاستخباراتية عن البرنامج النووي الإيراني تُلفق لتبرير العدوان.

6.3.1 تجربته في العراق

يستند ريتر إلى تجربته في العراق، حيث كان مفتش أسلحة أممياً في التسعينيات. يروي كيف أن وكالات الاستخبارات الأمريكية ضغطت على المفتشين لتلفيق أدلة عن أسلحة دمار شامل في العراق، لتبرير الغزو. ويكشف أن السيناريو نفسه يتكرر مع إيران.

6.3.2 إيران وإسرائيل

خلال النزاع الإسرائيلي-الإيراني في يونيو 2025، ظهر ريتر على قناة RT ليعلن أن "إسرائيل عاجزة" عن مواجهة إيران، وأن الادعاءات عن "الخطر الإيراني" مبالغ فيها. حذر من أن الدفع نحو الحرب مع إيران سيؤدي إلى "حرب عالمية ثالثة" و"دمار شامل في المنطقة".

6.4 جيفري ساكس: التحذير من الحرب العالمية الثالثة

جيفري ساكس، أستاذ جامعة كولومبيا وأحد أبرز الاقتصاديين في العالم، حذر مراراً من مخاطر التصعيد ضد إيران. خلال النزاع في يونيو 2025، حذر ساكس من أن ذهاب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران سيجعل "الحرب النووية أكثر احتمالاً" وسيكون "بداية الحرب العالمية الثالثة".

6.4.1 نقد دور إسرائيل

انتقد ساكس بشدة دور بنيامين نتنياهو في جر الولايات المتحدة إلى حروب متعددة في المنطقة. في مقالاته وتحليلاته، كشف كيف أن اللوبي الإسرائيلي يضغط على الإدارة الأمريكية لتبني سياسات متشددة ضد إيران، تخدم مصالح إسرائيل على حساب مصالح أمريكا نفسها.

6.4.2 العقوبات كحرب

في مقابلة مع قناة RT، وصف ساكس العقوبات الأمريكية على إيران بأنها "حرب اقتصادية شاملة" تهدف إلى "خنق الشعب الإيراني". انتقد ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، مشيراً إلى أن إيران تملك الحق في برنامج نووي سلمي بموجب معاهدة حظر الانتشار.

6.5 فيوريلا إيزابيل: صوت آخر من الغرب

فيوريلا إيزابيل، صحفية ومحللة سياسية أمريكية، اشتهرت بتحليلاتها النقدية للسياسة الخارجية الأمريكية. تقدم عبر قناتها على اليوتيوب ومنصات أخرى تحليلات عميقة للصراع في الشرق الأوسط، من منظور يختلف جوهرياً عن الإعلام الرئيسي.

6.5.1 تغطية إيران

كرست إيزابيل العديد من حلقاتها لتحليل الأكاذيب الإعلامية عن إيران. كشفت كيف أن وسائل الإعلام الغربية تضخم الاحتجاجات الإيرانية بينما تتجاهل الاحتجاجات في دول أخرى، وكيف تقدم صورة مشوهة عن المجتمع الإيراني.

6.5.2 فضح ازدواجية المعايير

تخصص إيزابيل حلقات لمقارنة تغطية الأحداث المتشابهة: كيف تغطي وسائل الإعلام الغربية الاحتجاجات في إيران مقابل الاحتجاجات في إسرائيل أو فرنسا أو أمريكا. الفروق صادمة، وتكشف عن تحيز عميق يتجاوز حدود المهنية.

…….

سابعاً: الأصوات من روسيا والصين: قراءة بديلة لدور النخب المالية

7.1 دراسة MESA: تحليل مقارن لوسائل إعلام الدول الأربع

في تقرير صادر عن مجموعة تحليل الإعلام والاستراتيجية (MESA) التابع للمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية (NSI) الأمريكي، تم تقديم تحليل مقارن لرؤى وسائل الإعلام الصينية والروسية والإيرانية والفنزويلية حول مستقبل التنافس العالمي .

7.1.1 النتائج الرئيسية

كشف التحليل الإحصائي للروايات الإعلامية في هذه الدول عن اهتمامات مشتركة تتعلق بالثغرات المعلوماتية والثقافية، وأظهر أهمية تعظيم القدرات الاقتصادية والدبلوماسية. كانت الصين الدولة الوحيدة التي تنظر إلى مستقبل النظام العالمي بتفاؤل، ويرجع ذلك أساساً إلى تصورها لنفسها كقوة صاعدة ضمن النظام العالمي تمتلك القدرة الاقتصادية والتكنولوجية على النجاح في المنافسة العالمية المستقبلية. جميع الدول تشترك في نظرة سلبية استثنائية تجاه الولايات المتحدة ودورها في النظام العالمي .

7.1.2 إيران في التحليل

قدّمت الروايات الإيرانية مستقبل التنافس العالمي من خلال عدسة إقليمية، حيث تعتبر الأدوات الدبلوماسية والإعلامية أساسية لقدرتها على قيادة "الهلال الشيعي" ومحاربة المحاولات الأمريكية لعزلها. تُصوَّر إيران على أنها تحت الحصار بسبب وابل من الخطاب الأمريكي واستغلال الولايات المتحدة للمجتمع الدولي ضدها، وتجادل بأن الإجراءات الأمريكية تنتهك القانون والأعراف الدولية. الهدف الأمريكي، من وجهة النظر الإيرانية، هو تقسيم "الهلال الشيعي"، وتلقي إيران باللوم على الولايات المتحدة في نقاط ضعفها الداخلية وكذلك في مساعدتها على عسكرة الشرق الأوسط .

7.1.3 روسيا والصين

الروايات الروسية قدّمت مستقبل التنافس العالمي كصراع بين روسيا والنظام العالمي بقيادة الغرب. المخاوف الروسية الرئيسية تشمل تراجعها الاقتصادي والتكنولوجي المحلي، مما يتطلب من روسيا تطوير علاقات اقتصادية أوراسية أكبر، خاصة مع الصين؛ والحرب الإعلامية الغربية التي تسبب اضطرابات مجتمعية وتفككاً للهوية الوطنية الروسية .

الروايات الصينية قدّمت مستقبل التنافس العالمي كمعركة اقتصادية تتمحور حول التجارة الحرة والتطور التكنولوجي. ترى الصين أن تصاعد القومية وسياسات العزلة في أوروبا والولايات المتحدة يقوض الاستقرار العالمي، وتقدم نفسها كقائدة عالمية تدعم المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية .

7.2 دراسة GDELT: عوالم إعلامية متوازية

في دراسة مثيرة أجراها مشروع GDELT عام 2023، تم تحليل 24 ساعة من التغطية الإخبارية التلفزيونية في الصين (CCTV-13) وإيران (IRINN) وروسيا (Russia 1)، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتمثيل البصري المتعدد الوسائط.

7.2.1 النتائج

أظهرت النتائج أن العوالم الإعلامية للدول الثلاث تعمل في أُطر متوازية ومتباعدة، مع تداخل محدود بين إيران وروسيا، وتداخل شبه معدوم مع الصين. هذا يعني أن كل دولة تبني واقعاً إعلامياً مختلفاً، وتقدم سردية مختلفة عن الأحداث، وتخاطب جمهوراً مختلفاً.

7.2.2 الدلالات

هذه الدراسة الكمية تؤكد ما نقوله: لا يوجد إعلام عالمي واحد، بل عوالم إعلامية متعددة، كل منها يبني واقعاً مختلفاً، ويقدّم سردية مختلفة، ويخاطب جمهوراً مختلفاً. النخب المالية الغربية تسيطر على عالم إعلامي واحد (وإن كان الأكبر والأكثر نفوذاً)، لكنها لا تسيطر على كل العوالم الإعلامية.

7.3 غلوبال تايمز: تحليل نقدي للدور الغربي

صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية تخصص مساحة كبيرة لتحليل السياسات الغربية ودور النخب المالية في توجيهها.

7.3.1 نقد الإمبريالية الإعلامية

تنشر الصحيفة بانتظام تحليلات تكشف كيف تسيطر الشركات الغربية الكبرى على التدفق العالمي للمعلومات، وكيف تستخدم هذه السيطرة لخدمة مصالحها. تشير إلى أن "حرية الإعلام" التي تروج لها واشنطن هي في الواقع حرية للشركات الكبرى في تشكيل الوعي العالمي وفق أجنداتها.

7.3.2 الدفاع عن حق إيران

تدافع الصحيفة باستمرار عن حق إيران في تطوير برنامجها النووي السلمي، وتنتقد ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع إيران مقارنة بإسرائيل والهند وباكستان.

7.4 RT: منبر للأصوات المناوئة

تُعد قناة RT الروسية منصة مهمة للأصوات الغربية المنتقدة للسياسات الأمريكية، مثل سكوت ريتر وفيوريلا إيزابيل وجيفري ساكس. خلال النزاع الإسرائيلي-الإيراني، وسعت RT لتغطية هذه الأصوات، وقدّمت تحليلات نقدية للسياسات الأمريكية في المنطقة.

7.4.1 تغطية الاحتجاجات

في تغطيتها للاحتجاجات الإيرانية، ركزت RT على السياق الاقتصادي والأسباب الحقيقية وراء الاحتجاجات، بدلاً من التركيز على الشعارات السياسية كما فعلت وسائل الإعلام الغربية. كما أفسحت مساحة للأصوات الإيرانية الرسمية، وأظهرت تعقيد المشهد الإيراني بدلاً من اختزاله في ثنائية مبسطة.

7.4.2 كشف الدعم الغربي للمعارضة

خصصت RT تقارير استقصائية لكشف الدعم الغربي لوسائل إعلام معارضة ومنظمات إيرانية في الخارج، موثقة مصادر التمويل وعلاقاتها بالأجهزة الاستخباراتية.

……

ثامناً: دراسات أكاديمية غربية نقدية: كشف زيف الحياد

8.1 دراسة أديغبولا وآخرون: تحيز وكالات الأنباء العالمية

في دراسة أكاديمية محكمة نشرت في مجلة "International Journal of Press/Politics" عام 2022 (المجلد 27، العدد 1)، قام الباحثون أولوسي أديغبولا وشيريس غيرهارت وجانيس تشو بتحليل تغطية الاحتجاجات الإيرانية (ديسمبر 2017 - يناير 2018) من قبل وكالات الأنباء العالمية في الولايات المتحدة (AP) وبريطانيا (Reuters) وفرنسا (AFP) والصين (Xinhua) وروسيا (TASS) .

8.1.1 منهجية الدراسة

قام الباحثون بتحليل محتوى 369 تقريراً إخبارياً عن الاحتجاجات. ركز التحليل على أربعة عناصر رئيسية في نظرية التأطير: portrayal of issues (تصوير القضايا)، diagnosis of causes (تشخيص الأسباب)، moral evaluations (التقييمات الأخلاقية)، treatment recommendations (توصيات المعالجة) .

8.1.2 النتائج الرئيسية

أظهرت النتائج تبايناً كبيراً بين وكالات الأنباء في تغطيتها للاحتجاجات. اختلفت تغطية وكالة أنباء شينخوا الصينية بشكل ملحوظ عن وكالات الأنباء الغربية، حيث ركزت بشكل أكبر على الدعوة للحفاظ على الوضع الراهن في إيران. تلقت الدعوات للتغيير السياسي اهتماماً أكبر في وكالات الأنباء المملوكة للقطاع الخاص والمرتكزة في الدول الديمقراطية .

بينما كان استخدام المصادر في القصص الإخبارية متشابهاً بشكل عام عبر الوكالات، كان المتظاهرون غائبين في تغطية الوكالات المملوكة للدولة (شينخوا وتاس). تشير النتائج إلى أن الاختلافات في المصالح الوطنية و/أو ملكية وكالات الأنباء العالمية قد تفسر هذه النتائج .

8.1.3 الدلالات

تؤكد هذه الدراسة أن "الموضوعية" التي تدّعيها وكالات الأنباء الغربية هي أسطورة. فحتى أكبر وكالات الأنباء في العالم، التي تزود آلاف الوسائل الإعلامية بالمحتوى، تتأثر في تغطيتها بالسياق الوطني الذي تعمل فيه والمصالح التي تخدمها.

8.2 كتاب "مستقبل التنافس العالمي": تحليل معمق للروايات الإعلامية

في كتاب صدر عن روتليدج عام 2021 بعنوان "مستقبل التنافس العالمي: روايات الأمن الوجودي في وسائل الإعلام الصينية والروسية والفنزويلية والإيرانية" (The Future of Global Competition: Ontological Security Narratives in Chinese, Russian, Venezuelan, and Iranian Media)، قدم الباحثون روبرت هينك، وسارا كيتش، وأسيا كولي، وسكاي كولي تحليلاً معمقاً لروايات وسائل الإعلام في هذه الدول الأربع .

8.2.1 المنهجية

استخدم الباحثون منهجاً مختلطاً لتحليل 620 مقالة إخبارية من 47 مصدراً إخبارياً روسياً وصينياً وفنزويلياً وإيرانياً على مدى خمس سنوات (2014-2019). قارنوا كمياً محركات رؤى هذه الدول، وقدموا دراسات حالة نوعية معمقة لكل دولة .

8.2.2 النتائج

كشفت الدراسة أن هذه الروايات الإعلامية لا تكشف فقط كيف تفهم هذه الدول الأربع النظام العالمي الحالي، بل تشير أيضاً إلى مرونتها (أو عدم مرونتها) وقدرتها على التفكير في التكيف مع النظام المستقبلي، بل وتشكيله، وأدوار هوياتها داخله .

يرى الباحثون أن هذه الروايات تخلق مسارات ذات تأثيرات قصورية (inertial effects) تستند إلى احتياجات الأمن الوجودي لهذه الدول، مما يوفر رؤى دائمة حول سلوكها ومصالحها في المستقبل .

8.2.3 إيران في الكتاب

خصص الكتاب فصلاً لتحليل الروايات الإعلامية الإيرانية، واصفاً إياها بأنها تعبر عن "التعددية الروائية والصواب الأخلاقي في الدفاع عن نظام إقليمي إسلامي". تُظهر الروايات الإيرانية تصوراً للذات كمدافع عن المظلومين في المنطقة، وكصوت أخلاقي في مواجهة الهيمنة الغربية .

8.3 دراسات الأمن الوجودي: فهم الدوافع العميقة

يقدم مفهوم "الأمن الوجودي" (Ontological Security) الذي استخدمه الباحثون في الكتاب المذكور أعلاه إطاراً مهماً لفهم دوافع الدول في صراعها مع الغرب.

8.3.1 المفهوم

الأمن الوجودي، في العلاقات الدولية، يعني حاجة الدولة إلى شعور مستقر بالذات والهوية، وإلى القدرة على الحفاظ على سردية متماسكة عن نفسها في عالم متغير. عندما تهدد قوى خارجية هذه السردية، تشعر الدولة بتهديد وجودي حتى لو لم يكن هناك تهديد عسكري مباشر.

8.3.2 تطبيقه على إيران

بالنسبة لإيران، يشكل الغرب تهديداً وجودياً ليس فقط عسكرياً أو اقتصادياً، بل هو تهديد لهويتها وسرديتها التاريخية. محاولات الغرب لفرض نموذجه الثقافي والاقتصادي على إيران تُقرأ كتهديد للذات الإيرانية الإسلامية. هذا يفسر جزئياً شدة الصراع وعناده.

…….

تاسعاً: الإعلام البديل: كسر احتكار السردية

9.1 الحاجة إلى إعلام بديل

في مواجهة هيمنة النخب المالية على الإعلام العالمي، تبرز الحاجة إلى إعلام بديل، يكون قادراً على تقديم سرديات مغايرة، وكشف زيف الخطاب المهيمن، وإعطاء صوت لمن لا صوت لهم.

9.1.1 خصائص الإعلام البديل

الإعلام البديل ليس مجرد "إعلام معارض"، بل هو إعلام يتميز بعدة خصائص:

· الاستقلال عن التمويل الحكومي والشركات الكبرى
· التركيز على قضايا الناس العاديين بدلاً من النخب
· كشف ازدواجية المعايير في الإعلام السائد
· إعطاء مساحة للأصوات المهمشة
· ربط القضايا المحلية بالسياقات العالمية

9.1.2 تحديات الإعلام البديل

يواجه الإعلام البديل تحديات جمة: نقص التمويل، محدودية الوصول، الضغوط القانونية، حملات التشويه. لكنه رغم ذلك يواصل النمو والتأثير، مستفيداً من ثورة الاتصالات الرقمية.

9.2 تجارب ناجحة

9.2.1 RT (روسيا اليوم)

استطاعت RT (روسيا اليوم) بناء جمهور عالمي واسع، من خلال تقديم تغطية مختلفة عن الأحداث، وإفساح المجال لأصوات مغايرة. رغم انتقادات الغرب لها واتهامها بأنها "ذراع دعائية للكرملين"، إلا أنها نجحت في كسر الاحتكار الغربي للسردية الإعلامية.

9.2.2 غلوبال تايمز

تقدم صحيفة غلوبال تايمز الصينية (النسخة الإنجليزية) تغطية مختلفة عن الشؤون الدولية، مع التركيز على منظور الجنوب العالمي. تخصص مساحة لتحليل ازدواجية المعايير الغربية وكشف تناقضات الخطاب الغربي.

9.2.3 برس تي في (Press TV)

رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها (الحظر، حملات التشويه، المشاكل الداخلية)، استطاعت قناة برس تي في الإيرانية الناطقة بالإنجليزية أن تقدم صوتاً مختلفاً عن الشرق الأوسط، وأن تصل إلى جماهير لا تصلها وسائل الإعلام الإيرانية الأخرى.

9.2.4 قنوات يوتيوب مستقلة

في السنوات الأخيرة، ظهرت قنوات يوتيوب مستقلة (مثل قناة فيوريلا إيزابيل) استطاعت بناء جماهير بالملايين، من خلال تقديم تحليلات عميقة ومختلفة عن الإعلام السائد. هذه القنوات تمثل أملاً حقيقياً في كسر احتكار النخب المالية للإعلام.

9.3 دور الذكاء الاصطناعي في كشف التضليل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دوراً مزدوجاً: من ناحية، يمكن استخدامه لإنتاج تضليل أكثر تعقيداً (صور وفيديوهات مفبركة). ومن ناحية أخرى، يمكن استخدامه لكشف التضليل وتحليل الأنماط.

9.3.1 أدوات كشف التزييف

تطورت أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لكشف الصور والفيديوهات المفبركة، وتحليل التناقضات في الروايات الإعلامية. هذه الأدوات يمكن أن تكون سلاحاً مهماً في مواجهة التضليل المنظم.

9.3.2 تحليل الشبكات

يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل شبكات الحسابات الوهمية وكشف أنماط التنسيق بينها، مما يساعد في فضح الحملات المنسقة.

…….

عاشراً: نحو استراتيجية مواجهة: دروس من المقاومة الإعلامية

10.1 ما الذي يمكن تعلمه من التجربة الإيرانية؟

رغم التحديات الهائلة، استطاعت إيران تطوير قدرات إعلامية مهمة، وبناء شبكة تواصل مع حركات التحرر في المنطقة، وتقديم سردية بديلة عن الصراع في غرب آسيا.

10.1.1 النجاحات

· بناء شبكة إعلامية متعددة اللغات (العربية، الإنجليزية، الأردية، etc.)
· التواصل مع حركات المقاومة في المنطقة
· كشف ازدواجية المعايير الغربية
· تقديم سردية بديلة عن الصراع

10.1.2 الإخفاقات والدروس

· إقصاء الأصوات المختلفة داخل إيران
· ضعف الأداء اللغوي في بعض المنصات
· التضييق على الإعلام المحلي
· فشل في تطوير خطاب جذاب للجماهير الغربية

10.2 أهمية بناء تحالفات إعلامية جنوب-جنوب

في مواجهة الهيمنة الإعلامية الغربية، تبرز أهمية بناء تحالفات إعلامية بين دول الجنوب العالمي. هذا التعاون يمكن أن يشمل:

· تبادل المحتوى والخبرات
· تطوير منصات مشتركة
· تنسيق الجهود في المحافل الدولية
· بناء قدرات مشتركة في مواجهة التضليل

10.3 الاستثمار في الجيل الجديد

تمتلك إيران ودول الجنوب ثروة بشرية هائلة من الشباب المتعلم. الاستثمار في تدريب جيل جديد من الإعلاميين، الذين يجيدون التعامل مع منصات الإعلام الجديد، ويفهمون آليات التأثير في العصر الرقمي، ويجمعون بين الكفاءة المهنية والالتزام بالمبادئ، هو استثمار في المستقبل.

10.4 تطوير خطاب إعلامي جذاب

تحتاج إيران إلى تطوير خطاب إعلامي يكون قادراً على:

· مخاطبة الجماهير الغربية بلغتها وبأسلوبها
· تقديم تعقيد المجتمع الإيراني بدلاً من اختزاله
· الاعتراف بالأخطاء والنقد الذاتي
· ربط القضايا المحلية بالهموم الإنسانية المشتركة

…….

خاتمة الفصل الثالث: المال لا يشتري كل شيء

في ختام هذا الفصل الطويل، نعود إلى الحقيقة الأساسية: المال لا يشتري كل شيء. النخب المالية العالمية، رغم ثرواتها الهائلة ونفوذها الكبير، لم تستطع تحقيق أهدافها في إيران. فشلت في إسقاط النظام، فشلت في كسر إرادة الشعب، فشلت في وقف مسيرة التنمية المستقلة.

صحيح أن هذه النخب تمتلك وسائل إعلام ضخمة، وتمول حملات تشويه منظمة، وتدير شبكات دعاية معقدة. لكن الحقيقة، في النهاية، تنتصر. المجتمع الإيراني أظهر مرونة عالية في مواجهة هذه الحملات، ووعياً متزايداً بآليات التضليل. الأصوات النقدية في الغرب نفسها تكشف زيف الخطاب المهيمن يوماً بعد يوم.

يبقى الطريق طويلاً. الهيمنة الإعلامية للنخب المالية لا تزال قوية، ولا تزال تؤثر في ملايين البشر حول العالم. لكن هناك أمل. ثورة الاتصالات الرقمية كسرت احتكار القنوات التقليدية، وفتحت المجال لأصوات جديدة. جيل جديد من الإعلاميين والنشطاء والمفكرين يعمل على بناء خطاب بديل، خطاب يعيد للإعلام وظيفته الحقيقية: كشف الحقيقة، وخدمة الناس، والدفاع عن قيم العدالة والكرامة.

في النهاية، النخب المالية قد تملك المال، وقد تملك الإعلام، وقد تملك النفوذ. لكنها لا تملك الحقيقة. والحقيقة، كما يقول المثل الفارسي القديم، "كالنور، لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد".

…….

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل الثالث

1. تقرير مجموعة تحليل الإعلام والاستراتيجية (MESA)، "مستقبل التنافس والصراع العالمي: تحليل مقارن"، المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية (NSI)، 2025
2. Robert S. Hinck, Sara R. Kitsch, Asya Cooley, Skye C. Cooley, "The Future of Global Competition: Ontological Security Narratives in Chinese, Russian, Venezuelan, and Iranian Media", Routledge, 2021
3. Oluseyi Adegbola, Sherice Gearhart, Janice Cho, "Reporting Bias in Coverage of Iran Protests by Global News Agencies", International Journal of Press/Politics, Vol. 27, No. 1, 2022
4. Isobel Asher Hamilton, "Meta and Twitter discovered a network of pro-West propaganda accounts that criticized Russia, China, and Iran, researchers say", Business Insider Africa, August 2022
5. Edward Said, "Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How We See the Rest of the World", Pantheon Books, 1981
6. Noam Chomsky, Edward Herman, "Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media", Pantheon Books, 1988
7. C. Wright Mills, "The Power Elite", Oxford University Press, 1956
8. William Domhoff, "Who Rules America?", McGraw-Hill, 1967 (multiple editions)
9. تقرير البنك الدولي عن إيران، 2025 (وثائق داخلية مسربة)
10. مشروع GDELT، "تصور مقارن لثلاث دول ليوم واحد من التغطية الإخبارية التلفزيونية: الصين، إيران، روسيا"، 2023

……..

الفصل الرابع:

تجارب مقارنة في التشويه الإعلامي

من الجزائر إلى فنزويلا: آليات الهيمنة في سياقات متعددة

تمهيد: التشويه ليس حكراً على إيران

في خضم الصراع الإعلامي المحتدم حول إيران، قد يخيل للمتابع أن ما تتعرض له طهران من حملات تنميط وتشويه هو استثناء في التاريخ الحديث. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً وإيلاماً: إيران ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من التجارب الوطنية المستقلة التي استهدفتها آلة الهيمنة الإعلامية الغربية. من الجزائر في التسعينيات، إلى سوريا وليبيا في العقدين الأخيرين، وصولاً إلى فنزويلا اليوم، ثمة خيط ناظم يربط هذه الحالات جميعاً: كلها تجارب تنموية وطنية حاولت الخروج عن وصاية المركز الرأسمالي، فكان جزاؤها حملات تشويه منظمة تهدف إلى تقويض شرعيتها محلياً ودولياً، وتمهيد الطريق أمام تدخلات خارجية تقضي على مشاريعها المستقلة.

في هذا الفصل، سنقوم بجولة مقارنة في أربع تجارب رئيسية: الجزائر، سوريا، ليبيا، وفنزويلا. سنحلل آليات التشويه التي استهدفت كل منها، ونقارنها بما يحدث مع إيران، مستندين إلى مصادر متعددة: تحليلات أكاديمية غربية نقدية، دراسات روسية وصينية ترصد ازدواجية المعايير، وتقارير إعلامية بديلة تكشف زيف السرديات المهيمنة. سنرى كيف أن النخب المالية الغربية تملك "كتالوجاً" موحداً من التقنيات الإعلامية، تعبئه وتطبقه على كل حالة حسب سياقها: التضخيم، التبسيط، شيطنة الخصم، نزع الشرعية عن الإنجازات، وتجاهل السياقات المحلية.

الهدف من هذه المقارنة ليس الترف الأكاديمي، بل الكشف عن "النمط" (Pattern) الكامن وراء التنوع الظاهري. ففهم هذا النمط يساعد في مقاومته، ويمنح الشعوب المستهدفة أدوات للوعي بآليات الخداع، ويمكّن الباحثين من تقديم قراءة أكثر موضوعية للصراع الإعلامي الدولي. فكما قال الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا: "من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره". ومن لا يتعلم من تجارب الآخرين، محكوم عليه بتكرار أخطائهم.

……

أولاً: الإطار النظري للمقارنة: آليات موحدة في سياقات متباينة

1.1 الهيمنة الإعلامية كأداة استعمارية جديدة

قبل الغوص في تفاصيل كل تجربة، لا بد من وضع إطار نظري يفسر التشابه بينها رغم تباعد الجغرافيا والسياقات. يقدم المنظر الإعلامي الهندي أرماند ماتيلارت في كتابه "الإمبريالية الثقافية" (1983) إطاراً لفهم كيف تستخدم الدول المهيمنة أدواتها الإعلامية لفرض رؤيتها على العالم. يرى ماتيلارت أن الهيمنة الإعلامية ليست مجرد "تأثير ثقافي"، بل هي جزء من بنية اقتصادية وسياسية شاملة تهدف إلى إعادة إنتاج علاقات التبعية.

في العقود الأخيرة، تطورت هذه الهيمنة لتصبح أكثر تعقيداً. لم تعد تقتصر على "الغزو الثقافي" المباشر، بل أصبحت تعتمد على شبكة معقدة من الآليات:

· التمويل الخفي: تمويل قنوات إعلامية معارضة، ومنظمات مجتمع مدني، ومراكز أبحاث، تحت غطاء "دعم الديمقراطية" أو "حرية الإعلام".
· التضخيم الانتقائي: تكبير أصوات المعارضة وتضخيمها، بينما يتم تهميش الأصوات الموالية أو المستقلة.
· التحكم في السردية العالمية: عبر وكالات الأنباء الكبرى (AP, Reuters, AFP) التي تزود آلاف الوسائل الإعلامية بالمحتوى الجاهز.
· التنسيق مع الأجهزة الاستخباراتية: حيث تعمل الحملات الإعلامية جنباً إلى جنب مع عمليات التأثير النفسي والتدخلات السرية.

1.2 نظرية "العدو البديل" (Enemy Substitution)

في تحليله للسياسة الإعلامية الغربية، يقدم المفكر الفلسطيني-الأمريكي إدوارد سعيد مفهوماً ثاقباً حول "العدو البديل". بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، احتاج الغرب إلى عدو جديد يبرر استمرار سياساته العسكرية وهيمنته العالمية. وجد هذا العدو في "الإسلام السياسي"، وتحديداً في إيران التي شكلت نموذجاً مستقلاً صعب المراس.

لكن هذا المفهوم يمكن توسيعه ليشمل أي تجربة وطنية مستقلة، حتى لو لم تكن إسلامية. فنموذجا فنزويلا (الاشتراكي) والجزائر (القومي العربي) تعرضا لحملات تشويه مماثلة، رغم اختلاف أيديولوجياتهما. ما يوحدها هو رفضها الخضوع للإملاءات الغربية، وسعيها لبناء تنمية مستقلة.

1.3 "الحرب الهجينة" كإطار تحليلي

يقدم الاقتصادي الأمريكي البارز جيفري ساكس مفهوماً بالغ الأهمية لتحليل هذه الظواهر: "الحرب الهجينة" (Hybrid Warfare). في مقاله التحليلي المنشور على موقع CNN بالعربية ، يشرح ساكس أن "السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستهاجمان إيران، بل متى. في العصر النووي، تمتنع الولايات المتحدة عن حرب شاملة، لأنها قد تؤدي بسهولة إلى تصعيد نووي. بدلا من ذلك، تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حربا ضد إيران من خلال مزيج من العقوبات الاقتصادية الساحقة، والضربات العسكرية المستهدفة، والحرب الإلكترونية، وتأجيج الاضطرابات، وحملات التضليل المستمرة. تسمى هذه الاستراتيجية المجمعة الحرب الهجينة ".

هذا المفهوم يفسر لماذا نرى نفس الآليات تتكرر عبر التجارب المختلفة: فهي ليست مجرد "حملات إعلامية" عابرة، بل جزء من استراتيجية متكاملة تستهدف تقويض الدولة الوطنية من الداخل والخارج في آن.

---

ثانياً: النموذج الجزائري: شيطنة الجماعات الإسلامية وتجاهل الدور الغربي

2.1 السياق: العشرية السوداء (1991-2002)

شهدت الجزائر في التسعينيات واحدة من أكثر الصراعات دموية في تاريخ المنطقة، عُرفت باسم "العشرية السوداء". اندلعت الحرب الأهلية بعد إلغاء الجيش للانتخابات التشريعية التي كان من المتوقع أن يفوز بها حزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" (FIS). تشكلت جماعات مسلحة (أبرزها "الجماعة الإسلامية المسلحة" GIA) وخاضت حرباً ضد الدولة والمدنيين، مما أسفر عن مقتل ما بين 150,000 و 200,000 شخص.

2.2 التغطية الغربية: شيطنة مطلقة وتجريد من السياق

غطت وسائل الإعلام الغربية الصراع الجزائري بتفاصيل دموية مكثفة، مع تركيز شبه حصري على فظائع الجماعات المسلحة. تم تقديم الصراع كحرب "إسلامية" ضد "الديمقراطية"، حيث الإسلاميون هم "الإرهابيون" والدولة (العسكرية) هي "المدافعة عن الحداثة".

هذه التغطية تجاهلت عناصر أساسية:

· إلغاء الانتخابات: تم تبرير الانقلاب العسكري كضرورة لـ"حماية الديمقراطية" من الإسلاميين.
· الدور الغربي الخفي: كشفت تحقيقات لاحقة عن تورط أجهزة استخباراتية غربية (فرنسية وبريطانية) في تسليح ودعم بعض الجماعات المسلحة، بهدف زعزعة استقرار الدولة الجزائرية المستقلة التي كانت تتبنى سياسات اقتصادية وطنية.
· جرائم الدولة: تم التعتيم على انتهاكات الجيش الجزائري والمليشيات الموالية له، والتي ارتكبت مجازر مروعة ضد المدنيين.

2.3 اعترافات متأخرة

في السنوات الأخيرة، بدأت أصوات غربية نادرة تعترف بتورط الغرب في تأجيج الصراع. الصحفي الفرنسي جوزيه غارسون، في كتابه "الجزائر: الحرب المنسية" (2019)، وثق بالوثائق كيف أن المخابرات الفرنسية (DGSE) كانت على اتصال مع بعض قادة الجماعات المسلحة، وكيف تم التغاضي عن تدفق الأسلحة من أوروبا إلى الجزائر عبر دول الجوار.

2.4 الشاذلي بن جديد والانفتاح على الإسلام السياسي

كان الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد (1979-1992) شخصية انتقالية، اختير لكونه "عسكرياً ومن جيل التحرير وليست لديه عداوات" كما تشير التحليلات. لكنه انفتح على الغرب وتبنى سياسات اقتصادية ليبرالية أدت إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية. في هذا السياق، فتح الباب أمام تيارات الإسلام السياسي، ليس كخيار ديمقراطي فحسب، بل كموازن لنفوذ اليسار والقوى الوطنية.

هذا الانفتاح استدعى شخصيات إسلامية بارزة، من أبرزها الشيخ محمد الغزالي، المفكر الإخواني المصري الذي انتقل إلى الجزائر وعمل في جامعاتها. الغزالي، الذي كان يدرس في جامعات المحميات الخليجية (السعودية بشكل خاص)، جلب معه خطاباً إخوانياً يمزج بين "الإصلاح الديني" والمشروع السياسي. كما لاحقاً ظهرت شخصيات مثل يوسف القرضاوي (في قطر) ومحمد العريفي وعائض القرني (في السعودية) الذين قدموا غطاءً دينياً للخطاب المعادي لإيران والمقاومات، ومثلوا ما يمكن تسميته "فقهاء المحميات" الذين يخدمون مشروع الهيمنة تحت غطاء الدفاع عن "أهل السنة".

2.5 أوجه الشبه مع إيران

يتشابه النموذجان في عدة نقاط:

· تصوير الخصم كـ"خطر إسلامي": في الجزائر، تم شيطنة الإسلاميين ككل. في إيران، يتم شيطنة النظام الإسلامي ككل.
· تجاهل السياقات التاريخية: تجاهل دور الاستعمار الفرنسي (130 عاماً) في تشكيل المشهد الجزائري، كما تجاهل دور الانقلاب الأمريكي البريطاني (1953) في تشكيل المشهد الإيراني.
· تبرير التدخل: التغطية الإعلامية المنحازة كانت تمهيداً لقبول تدخلات خارجية.

2.6 الجيش الجزائري: درع الدولة وإنقاذ البلاد

في يناير 1992، وجد الجيش الجزائري نفسه أمام خيارين: السماح للجبهة الإسلامية للإنقاذ بتشكيل الحكومة، أو التدخل لإلغاء الانتخابات. الخيار الأول كان يعني تسليم الدولة لجماعة كانت تهدد بتفكيك المؤسسات، والخيار الثاني كان يعني الانقلاب على إرادة الناخبين وخوض حرب مع الإسلاميين. اختار الجيش الخيار الثاني، ليس دفاعاً عن فساد النظام، بل دفاعاً عن الدولة الوطنية ومستقبل الجزائر.

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على العشرية السوداء، يمكن القول إن قرار الجيش، رغم تكلفته البشرية الباهظة (150-200 ألف قتيل)، أنقذ الجزائر من مصير أسوأ. انظروا إلى ما حدث في الدول التي لم يتحرك جيشها لإنقاذ الدولة: ليبيا تحولت إلى فوضى عارمة، وسوريا دُمرت وقتل مئات الآلاف، والسودان انزلق إلى صراع دموي. الجزائر، رغم جراحها العميقة، بقيت دولة موحدة، بمؤسساتها الوطنية، وجيشها الذي يحمي حدودها.

…. .

ثالثاً: النموذج السوري: من "الربيع العربي" إلى الحرب بالوكالة

3.1 السياق: الاحتجاجات والتحول إلى حرب أهلية

في مارس 2011، اندلعت احتجاجات في سوريا ضمن ما عُرف بـ"الربيع العربي". سرعان ما تحولت إلى صراع دموي متعدد الأطراف، استمر لأكثر من عقد، وأسفر عن مقتل مئات الآلاف، وتشريد ملايين، وتدمير واسع للبنية التحتية.

3.2 التغطية الغربية: من الاحتجاجات السلمية إلى "الثورة"

في المرحلة الأولى، صورت وسائل الإعلام الغربية الاحتجاجات على أنها "انتفاضة شعبية سلمية" ضد "نظام ديكتاتوري". تم تضخيم أعداد المتظاهرين، والتركيز على قصص إنسانية مؤثرة، وتجاهل أي أصوات مؤيدة للحكومة.

مع تحول الصراع إلى حرب أهلية، وبروز جماعات جهادية (جبهة النصرة، داعش)، تغيرت التغطية لكن دون أن تفقد انحيازها. تم تصنيف الجماعات المسلحة إلى "معتدلة" (تستحق الدعم) و"متطرفة" (تستحق القتال)، مع تجاهل أن الحدود بينهما كانت غير واضحة عملياً.

3.3 آليات التشويه في التغطية السورية

3.3.1 تضخيم أرقام الضحايا

كما حدث مع إيران لاحقاً، تم تضخيم أعداد الضحايا بشكل كبير، مع الاعتماد على "المرصد السوري لحقوق الإنسان" (ومقره لندن، ويديره شخص واحد هو رامي عبد الرحمن) كمصدر وحيد موثوق. تم نقل أرقام المرصد دون تمحيص، رغم اعترافات متكررة بأنها تقديرات غير دقيقة.

3.3.2 شيطنة النظام وتجاهل جرائم المعارضة

تم التركيز بشكل شبه حصري على انتهاكات الجيش السوري والميليشيات الموالية له، بينما تم التعتيم على جرائم الجماعات المسلحة (ذبح المدنيين، تفجير المساجد، خطف الصحفيين الأجانب). عندما كانت تظهر أدلة على جرائم المعارضة، يتم تقديمها كـ"تجاوزات فردية" أو تبريرها كرد فعل على "قمع النظام".

3.3.3 الهجوم الكيميائي المفبرك

استخدمت قضية الأسلحة الكيميائية كورقة ضغط كبرى ضد النظام السوري. في عدة مناسبات (خاصة 2013 و2018)، تم توجيه اتهامات للنظام باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، اعتماداً على مقاطع فيديو لمنظمات "الخوذ البيضاء" المرتبطة بالمعارضة والموساد والسي اي ايه. لاحقاً، كشفت تحقيقات مستقلة عن تناقضات في الرواية الرسمية، وتورط جماعات المعارضة في تدبير هجمات كيميائية لتلفيق الاتهامات.

3.4 الأصوات النقدية الغربية

3.4.1 سيمور هيرش

الصحفي الاستقصائي الأمريكي الشهير، الحائز على جائزة بوليتزر، كشف في تحقيقاته (خاصة في 2014 و2018) عن تضليل منظم في تغطية الأزمة السورية. وثق هيرش كيف أن المخابرات التركية والسعودية والقطرية كانت تمول وتسلح الجماعات المسلحة، وكيف أن التقارير عن الهجمات الكيميائية كانت مبنية على أدلة واهية.

3.4.2 روبرت فيسك

المراسل المخضرم لصحيفة "الإندبندنت" (توفي 2020)، كتب تقارير عميقة عن تعقيدات الصراع السوري، محذراً من التبسيط والانحياز في التغطية الغربية. أصر على أهمية سماع جميع الأطراف، وزيارة جميع المناطق، قبل إصدار الأحكام.

3.5 أوجه الشبه مع إيران

3.5.1 الاعتماد على مصادر مشبوهة

في سوريا، كان "المرصد السوري" التابع المخابرات البريطانية الخارجية المصدر شبه الوحيد لأعداد القتلى. في إيران، تعتمد وسائل الإعلام الغربية على منظمات مثل "هرانا" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، وتقدم أرقاماً مضاعفة عن المصادر الرسمية. تقرير RT عن دعم غربي للمسلحين في الاحتجاجات الإيرانية يؤكد هذا النمط، حيث أشار خبراء عسكريون إلى صلات المسلحين بالولايات المتحدة وإسرائيل، واعتبروا أن هدفهم كان استفزاز السلطات لدفعها إلى الرد، ثم اتهام طهران بارتكاب مجازر.

3.5.2 تجاهل السياق الإقليمي والدولي

في سوريا، تم تجاهل الدعم التركي والخليجي والغربي للجماعات الإرهابية المسلحة، وتقديم الصراع كمواجهة ثنائية بين "نظام" و"شعب". في إيران، يتم تجاهل الدعم الإسرائيلي والأمريكي للمعارضة المسلحة والمحتجين، وتقديم الاحتجاجات كـ"انتفاضة شعبية" عفوية .

……

رابعاً: النموذج الليبي: من "حماية المدنيين" إلى تدمير الدولة

4.1 السياق: ثورة 17 فبراير والتدخل الدولي

في فبراير 2011، اندلعت احتجاجات في ليبيا ضد نظام معمر القذافي الذي حكم البلاد لأكثر من 40 عاماً. تحولت سريعاً إلى صراع مسلح، ومع تقدم قوات المعارضة وتراجع قوات النظام، تدخل حلف الناتو عسكرياً في مارس تحت قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي نص على "حماية المدنيين" وفرض منطقة حظر جوي.

4.2 التغطية الغربية: من القذافي "الطاغية المجنون" إلى "المحررين"

4.2.1 شيطنة القذافي

قبل التدخل، شنّت وسائل الإعلام الغربية حملة شرسة ضد القذافي، وصورته كـ"طاغية مجنون" يقتل شعبه بوحشية. تم تكرار مشاهد وعبارات محددة (خطاب "سنقاتل حتى آخر رجل وامرأة"، استخدام المرتزقة الأفارقة) لخلق صورة وحشية تجعل التدخل "ضرورة أخلاقية".

4.2.2 تغطية المعارضة كـ"ثوار شرفاء"

في المقابل، صورت المعارضة الليبية على أنها "ثوار شرفاء" يناضلون من أجل الحرية والديمقراطية. تم تجاهل أن المعارضة كانت تضم عناصر إسلامية متطرفة وشاذة ، وانفصاليين، وشخصيات مرتبطة بالنظام الملكي العميل السابق، وميليشيات إقليمية لها أجنداتها الخاصة.

4.2.3 إخفاء الدور الغربي الحقيقي

تم تقديم التدخل العسكري كـ"استجابة إنسانية" لنداء الجامعة العربية والمجلس الانتقالي الليبي. تم التعتيم على المصالح الحقيقية للدول المشاركة: النفط، العقود، النفوذ الجيوسياسي. كما تم تجاهل أن التدخل تجاوز حدود القرار الأممي (من حماية المدنيين إلى دعم تغيير النظام).

4.3 النتائج الكارثية والتغطية الصامتة

بعد سقوط القذافي (أكتوبر 2011)، انزلقت ليبيا إلى فوضى عارمة: حكومات متعددة، ميليشيات متناحرة، تدفق للاجئين، انتشار للإرهاب، انقسام بين شرق وغرب. ورغم ذلك، اختفت ليبيا من التغطية الإعلامية الغربية. لم يعد هناك "مسؤولية أخلاقية" تجاه ما حدث للمدنيين الليبيين بعد "التحرير" وتغييره الأدق الاحتلال من خلال إقامة دولة فاشلة تتوزع عصاباتها بين محمية قطر الصهيو أمريكية ومحمية الامارات الصهيو أمريكية .

4.4 الأصوات النقدية الغربية

4.4.1 تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي

في 2012، أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي تقريراً كشف أن التقديرات الاستخباراتية عن قوة القذافي وقدرته على قتل المدنيين كانت مبالغاً فيها، وأن الدعم الغربي للمعارضة شمل تدفق أسلحة إلى جماعات إسلامية متطرفة.

4.4.2 محللون روس

يشير تقرير RT إلى أن "الجماعات الكردية المسلحة التي ساهمت في تأجيج اضطرابات واسعة النطاق في إيران مؤخرا، تلقت دعما ماليا واستخباراتيا من واشنطن وتل أبيب" ، وهو نفس النمط الذي حدث في ليبيا.

4.5 أوجه الشبه مع إيران

4.5.1 استخدام "حماية المدنيين" كغطاء

في ليبيا، تم استخدام شعار "حماية المدنيين" لتبرير تدخل عسكري أدى في النهاية إلى مقتل آلاف المدنيين وتدمير الدولة. في إيران، يتم استخدام شعار "دعم الشعب الإيراني" لتبرير عقوبات اقتصادية خانقة تقتل المرضى والفقراء، وتدعم جماعات معارضة مسلحة .

4.5.2 الاعتماد على شخصيات معارضة مشبوهة

في ليبيا، تم تصدير شخصيات مثل محمود جبريل وعبد الحفيظ غوقة كـ"قادة معتدلين". في إيران، يتم تصدير رضا بهلوي (ابن الشاه) ومريم رجوي (مجاهدي خلق) كـ"قادة المعارضة"، رغم عدم وجود قاعدة شعبية حقيقية لهما داخل إيران.

……

خامساً: النموذج الفنزويلي: الحرب الاقتصادية والإعلامية ضد الاشتراكية

5.1 السياق: الثورة البوليفارية والعقوبات

منذ وصول هوغو تشافيز إلى السلطة (1999)، اتبعت فنزويلا سياسات اشتراكية: تأميم النفط، برامج اجتماعية واسعة، دعم دول أمريكا اللاتينية التقدمية. بعد وفاة تشافيز (2013)، واصل نيكولاس مادورو النهج نفسه. ردت الولايات المتحدة بعقوبات اقتصادية خانقة استهدفت قطاع النفط، وتجمد أصول، ومنع تمويل دولي.

5.2 التغطية الغربية: أزمة إنسانية من صنع النظام

5.2.1 تصوير الأزمة كنتيجة للفشل الداخلي

غطت وسائل الإعلام الغربية الأزمة الفنزويلية (نقص الغذاء والدواء، تضخم هائل، هجرة جماعية) بتفاصيل مكثفة، مع التركيز على "فشل الاشتراكية" و"ديكتاتورية مادورو". تم تجاهل دور العقوبات الأمريكية بشكل شبه كامل، رغم اعترافات مسؤولين أمريكيين (مثل إليوت أبرامز) بأن العقوبات تهدف إلى "خنق النظام".

5.2.2 دعم المعارضة كـ"حكومة شرعية"

عندما أعلن خوان غوايدو (رئيس الجمعية الوطنية) نفسه رئيساً مؤقتاً (2019)، سارعت وسائل الإعلام الغربية إلى الاعتراف به كـ"رئيس شرعي". تم تقديم غوايدو كزعيم ديمقراطي شاب، رغم أن توليه المنصب كان مخالفاً للدستور، ورغم انعدام شعبية حقيقية له.

5.3 حادثة اعتقال مادورو: اختبار للموقف الإيراني

في يناير 2026، جرى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية مفاجئة، ونُقل إلى الأراضي الأميركية . هذا الحدث شكل اختباراً حقيقياً للعلاقات الإيرانية-الفنزويلية، وكشف عن تناقضات في الموقف الإيراني.

5.3.1 الموقف الرسمي الإيراني

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً بنظيره الفنزويلي، وصف خلاله تصرّف الولايات المتحدة بأنه مثال واضح على "الإرهاب الدولي" و"انتهاك صارخ للسيادة والإرادة الوطنية لشعب فنزويلا" . وتبنت الصحف الأصولية خطاباً مشابهاً، مؤكدة عدم شرعية اختطاف مادورو، واعتبرت أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو الوصول إلى الموارد النفطية الفنزويلية.

5.3.2 ردود الفعل الشعبية المتناقضة

لكن على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت ردود فعل مختلفة تماماً. أعاد كثيرون نشر مقاطع لنواب وشخصيات مقرّبة من الحكومة كانوا قد أكدوا في الأشهر الماضية أن مادورو قادر على الصمود في وجه الضغوط الأميركية. كما انتشر مقطع من لقاء المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي مع مادورو عام 2022، حين قال إن الجمهورية الإسلامية "تمسك بيد أصدقائها في أوقات الخطر". وخلص هؤلاء المستخدمون إلى أن كثيراً من التصريحات والمواقف الرسمية في إيران تقوم على الأماني والتمنيات أكثر مما تقوم على قراءة واقعية للمعطيات .

5.3.3 الخسائر المالية الإيرانية

قدر الصحافي سيد هادي كسائي زاده الخسائر المالية لإيران جراء سقوط مادورو بنحو 4 مليارات دولار، أي ما يعادل 6% من إجمالي الموازنة الإيرانية . هذه الخسائر تمثل ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني الذي يعاني أصلاً من عقوبات خانقة.

5.4 تحليل جيفري ساكس للحرب الهجينة على فنزويلا

يقدم جيفري ساكس في مقاله تحليلاً عميقاً للحرب الهجينة على فنزويلا، مقارناً إياها بالحرب على إيران . يوضح ساكس أن الهدف الأميركي المزدوج هو السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة في حزام أورينوكو، وإسقاط الحكومة اليسارية. ويعود تاريخ هذه الحرب إلى عام 2002، عندما ساعدت CIA في دعم محاولة انقلاب ضد تشافيز. وعندما فشلت، صعدت الولايات المتحدة أدوات الحرب الهجينة الأخرى: العقوبات الاقتصادية، مصادرة الاحتياطيات الدولارية، وتعطيل إنتاج النفط.

5.5 أوجه الشبه مع إيران

5.5.1 العقوبات كحرب اقتصادية

في فنزويلا كما في إيران، تستخدم الولايات المتحدة العقوبات كسلاح رئيسي لخنق الاقتصاد وإثارة السخط الشعبي . في كلا البلدين، يتم تجاهل دور العقوبات في التغطية الإعلامية، ويتم تحميل النظام المسؤولية الكاملة عن الأزمة الاقتصادية.

5.5.2 دعم المعارضة المشبوهة

في فنزويلا، تم دعم غوايدو رغم عدم شرعيته الدستورية وضعف قاعدته الشعبية. في إيران، يتم دعم رضا بهلوي ومريم رجوي، رغم عدم وجود دعم شعبي حقيقي لهما.

5.5.3 تضخيم الاحتجاجات

في فنزويلا كما في إيران، يتم تضخيم الاحتجاجات المحدودة وتصويرها على أنها "انتفاضات شعبية" . يتم تجاهل حجم المظاهرات المؤيدة للحكومة، وتعقيد المشهد السياسي الداخلي.

…….

سادساً: الموقف الصيني والروسي من هذه النماذج

6.1 الموقف الصيني: دعم السيادة ورفض التدخل

تبنت الصين موقفاً ثابتاً من الأزمات في هذه الدول، يقوم على مبادئ أساسية:

احترام السيادة الوطنية: في تصريح للمندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، أكد أن "إيران دولة مستقلة وذات سيادة، وشؤونها يجب أن يقررها الشعب الإيراني بنفسه. الصين تأمل وتدعم إيران في الحفاظ على استقرارها الوطني، وتدعم حماية سيادة إيران وأمنها وسلامتها الإقليمية. القوة لا يمكن أن تحل المشاكل، وأي مغامرة عسكرية لن تؤدي إلا إلى دفع المنطقة إلى هاوية لا يمكن التنبؤ بها" .

رفض التدخل الخارجي: شدد فو كونغ على أن "القوة لا يمكن أن تحل المشاكل"، داعياً جميع الأطراف إلى الالتزام بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ومعارضة التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ومعارضة استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية .

دعم الحلول الدبلوماسية: في لقاء مع مساعد وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، أكد مساعد وزير الخارجية الصيني ليو بين أن "الصين تدعم دائماً الحل السلمي للقضية النووية الإيرانية من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، وتعارض التهديد باستخدام القوة والضغط من خلال العقوبات" .

6.2 استراتيجية "الضغط والتفاوض" الموازية

يحلل الأكاديمي الصيني تيان وينلين، أستاذ كلية الدراسات الدولية بجامعة رنمين، الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران قائلاً: "الولايات المتحدة تحاول استخدام الضغط الاقتصادي والعسكري لإجبار إيران على التفاوض وتقديم التنازلات التي تريدها، بينما يأمل الجانبان أيضاً أن تساعد المحادثات في تجنب المواجهة العسكرية المباشرة" .

هذا التحليل يكشف عن النمط المتكرر في التعامل الغربي مع الدول المستقلة: الضغط والعقوبات من جهة، وعروض التفاوض من جهة أخرى، بهدف تحقيق أقصى قدر من المكاسب.

6.3 الموقف الروسي: دعم مشروط وحذر

الموقف الروسي أكثر تعقيداً، حيث يمزج بين الدعم المبدئي والحسابات الباردة. في حادثة اعتقال مادورو، نقل الصحافي الإيراني تصريحاً للسياسي الروسي دميتري ميدفيديف، قال فيه إن "الضمان الوحيد للأمن هو امتلاك القوة النووية" ، في إشارة غير مباشرة إلى ضرورة امتلاك إيران قدرات ردعية تحميها من مصير مشابه.

لكن روسيا توازن بعناية بين علاقاتها مع إيران وعلاقاتها مع القوى الأخرى، وتتجنب الانجرار إلى صراعات قد تهدد مصالحها الأوسع.

……

سابعاً: تحليل مقارن: آليات التشويه المشتركة

7.1 الجدول المقارن

الآلية الجزائر سوريا ليبيا فنزويلا إيران
شيطنة القائد الشاذلي "متواطئ"، الإسلاميون "مضطهدون" الأسد "ديكتاتور" القذافي "مجنون" مادورو "ديكتاتور" خامنئي "ولي فقيه متعصب"
تضخيم الأرقام 200 ألف قتيل (صحيح جزئياً) 600 ألف قتيل (مبالغ) 30 ألف قتيل (مبالغ) آلاف القتلى (غير موثق) 30 ألف قتيل (مبالغ 10-13 مرة)
تجاهل السياق دور الاستعمار الفرنسي دور الدعم الخليجي التركي المقاول بالباطن السي اي ايه و دور الناتو والمصالح النفطية دور العقوبات الأمريكية دور العقوبات والدعم الإسرائيلي
الاعتماد على مصادر مشبوهة منظمات جزائرية في الخارج المرصد السوري (لندن) المجلس الانتقالي منظمات فنزويلية في ميامي هرانا (الولايات المتحدة)
دعم معارضة مشبوهة وخادمة للإمبريالية ومحمياتها الخليجية الصهيو أمريكية : مثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ و الائتلاف السوري المعارض و المجلس الانتقالي غوايدو و رضا بهلوي، مجاهدي خلق
تجاهل جرائم الخصم جرائم الجيش والمليشيات جرائم داعش والنصرة جرائم الميليشيات جرائم المعارضة المسلحة جرائم "البلطجية" المسلحين

7.2 النمط المتكرر: خمس مراحل

من خلال مقارنة الحالات الخمس، يمكن استخلاص نمط متكرر من خمس مراحل:

المرحلة الأولى: التمهيد. تبدأ الحملة الإعلامية قبل فترة من الحدث، عبر نشر تقارير عن "انتهاكات حقوق الإنسان"، و"فساد النظام"، و"معاناة الشعب". الهدف هو خلق صورة سلبية مسبقة عن النظام، تجعل الجمهور مهيأ لقبول أي تدخل ضده.

المرحلة الثانية: الشرارة. عندما يحدث حدث ما (احتجاجات، أزمة اقتصادية، صراع مسلح)، يتم تضخيمه فوراً وتصويره على أنه "انتفاضة شعبية" ضد النظام. يتم تجاهل أي تعقيدات في الحدث (وجود عناصر مسلحة، تدخل خارجي، أبعاد محلية). تقرير RT يشير إلى أن "الجماعات الكردية المسلحة تلقت دعما ماليا واستخباراتيا من واشنطن وتل أبيب" لتأجيج الاحتجاجات في إيران .

المرحلة الثالثة: التعبئة. تنطلق حملة إعلامية منسقة، تشمل جميع وسائل الإعلام الكبرى، لنقل صورة موحدة: النظام يقتل شعبه بوحشية. يتم استضافة معارضين وخبراء موالين للغرب حصرياً. يتم تجاهل أي أصوات مؤيدة للنظام أو محايدة.

المرحلة الرابعة: الشرعنة. تُستخدم التغطية الإعلامية لشرعنة تدخلات خارجية: عقوبات اقتصادية (إيران، فنزويلا) ، دعم عسكري للمعارضة (سوريا)، تدخل عسكري مباشر (ليبيا). يُقدَّم التدخل كـ"ضرورة إنسانية" أو "حماية للمدنيين".

المرحلة الخامسة: النسيان. بعد تحقيق الهدف (إسقاط النظام أو إضعافه)، تختفي الدولة من التغطية الإعلامية. لا أحد يسأل عن مصير المدنيين بعد "التحرير" أو بتعبير الأدق الاحتلال. تترك الدول لتعاني من الفوضى والدمار والصراعات الأهلية و تتحول الى دولة فاشلة أفقر ثم أفقر .

7.3 "الحرب الهجينة" كإطار موحد

يقدم تحليل جيفري ساكس إطاراً موحداً لفهم هذه الظواهر. الحرب الهجينة هي "مزيج من العقوبات الاقتصادية الساحقة، والضربات العسكرية المحددة، والحرب السيبرانية، وتأجيج الاضطرابات، وحملات التضليل المستمرة". هذا المفهوم يفسر لماذا نرى نفس الآليات تتكرر عبر التجارب المختلفة: لأنها جزء من استراتيجية متكاملة، وليست مجرد حوادث منفصلة.

ساكس يضيف بعداً مهماً: "الدول العميقة الأميركية والإسرائيلية مدمنة على الحرب الهجينة. وبالعمل معاً، أسهمت CIA والموساد، ومتعاقدون عسكريون وأجهزة أمنية حليفة، في نشر الفوضى عبر إفريقيا والشرق الأوسط، ضمن نطاق واسع من الحروب الهجينة شمل ليبيا، والصومال، والسودان، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران، واليمن" .

7.4 المستفيد الوحيد: المجمع العسكري-الصناعي-الرقمي

يكشف ساكس عن المستفيد الوحيد من هذه الحروب: "المجمع العسكري-الصناعي-الرقمي في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تحقق شركات مثل بالانتير وغيرها أرباحاً طائلة من خوارزميات الاغتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي" . هذا التحليل يربط بين الحرب الإعلامية والمصالح الاقتصادية الكبرى، ويكشف أن ما يبدو صراعات سياسية أو أيديولوجية هو في الحقيقة صراع على الموارد والنفوذ والثروات.

……

ثامناً: دروس مستفادة لإيران: كيف تتعلم من تجارب الآخرين؟

8.1 الإعلام ليس مجرد أداة دفاعية

أحد الدروس المهمة من تجارب الجزائر وسوريا وليبيا هو أن الإعلام الدفاعي (الذي يكتفي بالرد على الاتهامات) غير كاف. تحتاج إيران إلى إعلام هجومي، يبادر بكشف أكاذيب الخصم، ويقدم سرديته الخاصة، ويخترق الفضاءات التي يسيطر عليها الإعلام المعادي.

8.2 أهمية بناء تحالفات إعلامية جنوب-جنوب

كما رأينا، فإن روسيا والصين تملكان وسائل إعلام قوية (RT، غلوبال تايمز) تقدم روايات بديلة. التعاون مع هذه الوسائل، وتبادل المحتوى والخبرات، يمكن أن يوسع نطاق وصول السردية الإيرانية. تقرير غلوبال تايمز عن المفاوضات النووية وتصريحات المندوب الصيني تظهر دعماً صينياً واضحاً للحقوق الإيرانية.

8.3 توثيق الانتهاكات الغربية

تجربة سوريا أظهرت أهمية توثيق الانتهاكات الغربية (قصف المدنيين، دعم الإرهابيين، سرقة النفط) وتقديمها للرأي العام العالمي. إيران لديها فرصة لتوثيق آثار العقوبات على المواطنين العاديين، وربط معاناتهم بالسياسات الغربية.

8.4 لا تختار "من هو أسوأ"

ما حدث في الجزائر يحمل درساً ثميناً للشعب الإيراني اليوم. الشعب الجزائري، الذي كان محقاً في غضبه من فساد النظام وعجزه، وقع في فخ اختيار "من هو أسوأ". الإسلام السياسي الجزائري الخادم للإمبريالية والممول من محمياتها الخليجية الصهيو أمريكية ، بدلاً من أن يكون حلاً، كان كارثة. قاد البلاد إلى عشرية سوداء، دمر فيها الاقتصاد وقتل فيها مئات الآلاف، وكاد أن يمزق وحدة التراب الوطني.

الجيش الجزائري الوطني، المتمسك بجذور جبهة التحرير الوطني، أدرك هذه الحقيقة في وقت حاسم، وتصدى لهذه الجماعات، وأنقذ الجزائر من مصير ليبيا (التقسيم والفوضى) وسوريا (الحرب الأهلية والدمار وتنصيب عملاء للموساد والسي اي ايه والبنتاغون في الحكم ).

8.5 دروس من فنزويلا

تجربة فنزويلا تقدم دروساً مهمة لإيران:

· الاعتماد المفرط على حلفاء غير موثوقين: سقوط مادورو كشف محدودية الدعم الدولي، حتى من حلفاء مثل روسيا المشغلة بحرب ضد دول الناتو .
· الاستثمارات الخارجية عرضة للمخاطر: الخسائر الإيرانية في فنزويلا (4 مليارات دولار) تذكر بأن الاستثمارات في دول تعاني من عدم استقرار سياسي قد تذهب سدى .
· الانقسام الداخلي يضعف القدرة على المواجهة: ردود الفعل المتناقضة داخل إيران على حادثة مادورو تظهر أن الانقسامات الداخلية يمكن أن تستغل من قبل الخصوم.

…..

تاسعاً: مستقبل الصراع الإعلامي: نحو عالم متعدد الأقطاب

9.1 نهاية الاحتكار الغربي للإعلام

مع صعود وسائل إعلام روسية وصينية وإيرانية، ومع تطور منصات التواصل الاجتماعي، بدأ الاحتكار الغربي للإعلام العالمي في الانهيار. لم يعد بإمكان واشنطن ولندن التحكم في السردية العالمية كما كانا يفعلان في العقود السابقة. هناك الآن "عوالم إعلامية متعددة"، كل منها يبني واقعاً مختلفاً ويخاطب جمهوراً مختلفاً.

9.2 الموقف الصيني: دعم التعددية

تصريحات المندوب الصيني في الأمم المتحدة تعكس تحولاً مهماً: "القوة لا يمكن أن تحل المشاكل، وأي مغامرة عسكرية لن تؤدي إلا إلى دفع المنطقة إلى هاوية لا يمكن التنبؤ بها" . هذا الموقف يمثل دعماً ضمنياً لحق إيران في تقرير مصيرها، ورفضاً للتدخلات العسكرية الغربية.

9.3 أهمية الوعي النقدي الجماهيري

في النهاية، تبقى الجماهير هي الهدف النهائي للحرب الإعلامية. تطوير وعي نقدي لدى الجماهير، يمكنها من تمييز الحقيقة من الكذب، والرواية الموضوعية من الدعاية الموجهة، هو خط الدفاع الأول ضد الهيمنة الإعلامية. هذا يتطلب استثماراً في التعليم والإعلام المستقل والثقافة النقدية.

…….

خاتمة الفصل الرابع: التاريخ يعيد نفسه

في ختام هذه الجولة المقارنة، نعود إلى حكمة سانتايانا: "من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره". ما يحدث في إيران اليوم ليس جديداً. نفس الآليات، نفس التقنيات، نفس الأكاذيب، استخدمت من قبل ضد الجزائر وسوريا وليبيا وفنزويلا. في كل مرة، كان الهدف واحداً: إسقاط تجربة وطنية مستقلة، وإخضاع شعب لإرادة الهيمنة.

لكن التاريخ يعيد نفسه أيضاً في جانب آخر: في كل مرة، يكتشف الشعب المستهدف زيف الدعاية، ويكتشف أن من يدعون "دعمه" هم في الحقيقة أعداؤه. في الجزائر، انتهى "الربيع" إلى عشرية سوداء. في سوريا، انتهى إلى تدمير وخراب. في ليبيا، انتهى إلى فوضى وحرب أهلية. في فنزويلا، لا يزال الشعب يعاني من حرب اقتصادية خانقة.

هذه الدروس يجب أن تكون حاضرة في ذهن كل إيراني يسمع دعوات "التغيير" و"الحرية" و"الديمقراطية" التي تطلقها واشنطن وتل أبيب. فخلف هذه الشعارات الجميلة، تختبئ مصالح قبيحة: النفط، النفوذ، السيطرة. وخلف الوعود بالمساعدة، تختبئ نوايا تدميرية: تفكيك الدولة، نهب الثروات، إذلال الشعب.

الإيرانيون ليسوا بحاجة إلى من "يحررهم". هم شعب حر، أثبت عبر أربعة عقود من الحصار والمؤامرات أنه قادر على إدارة شؤونه بنفسه. ما يحتاجونه حقاً هو أن يروا الحقيقة كما هي، بعيداً عن تضليل الإعلام المهيمن. وهذا ما حاول هذا الفصل تقديمه: الحقيقة المستخلصة من تجارب الآخرين، لتكون عبرة لأهل البصائر.

كما يقول جيفري ساكس في ختام مقاله: "أفضل أمل للعالم هو أن تقول الدول الـ 191 الأخرى في الأمم المتحدة إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل أخيرا لا لإدمان أمريكا على الحرب الهجينة: لا لعمليات تغيير النظام، لا للعقوبات الأحادية، لا لتسليح الدولار، ولا لرفض ميثاق الأمم المتحدة. الشعب الأمريكي لا يدعم فوضى حكومته، لكنه لا يحق له رأي فيها. هم ومعظم بقية العالم يريدون أن تنتهي وحشية الدولة العميقة قبل فوات الأوان" .

…..

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل الرابع

1. تقرير RT، "RT ترصد مؤشرات على دعم تل أبيب وواشنطن لمسلحين في احتجاجات إيران"، 2026
2. تقرير غلوبال تايمز، "US threatens tariffs on countries doing business with Iran amid very good talks Chinese expert calls move parallel strategy of pressure and talks ، 7 فبراير 2026
3. جيفري ساكس وسيبيل فارس، "الحرب الهجينة الأمريكية‑الإسرائيلية ضد إيران"، CNN بالعربية، 19 يناير 2026
4. تقرير RT، "نيويورك تايمز: إيران قامت بترميم سريع لعدة منشآت صواريخ باليستية ومواقع نووية"، 2026
5. تقرير غلوبال تايمز، "Chinese envoy to UN on escalating tension as US threats Iran with military strike"، 29 يناير 2026
6. تصريح سكوت ريتر، "حاملة الطائرات أبراهام لينكولن هدف سهل لإيران مثل بطة جالسة تنتظر الغرق"، المنصا برس، 17 فبراير 2026
7. جيفري ساكس، "الحرب الهجينة الأميركية –الإسرائيلية ضدّ إيران"، مركز باحث للدراسات، 20 يناير 2026
8. تقرير ، "فنزويلا في الخطاب الإيراني: انقسام في المواقف وتساؤلات عن المستقبل"، 5 يناير 2026
9. تقرير RT، "نيويورك تايمز: ترامب يتلقى تقارير استخباراتية عن حال النظام الإيراني بعد الاحتجاجات"، 2026
10. تقرير وكالة تسنيم، "تأكيد صيني على الحقوق النووية الإيرانية عشية المفاوضات"، 5 فبراير 2026







……….



الفصل الخامس:

منجزات أربعة عقود

قراءة في التنمية الإيرانية: إنجازات تتحدى الهيمنة

تمهيد: تحت الحصار، تزدهر الحياة

في خضم العواصف، تختبر متانة البنيان. وفي قلب الحصار، تتجلى قدرة الشعوب على الإبداع والصمود. منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تعرضت إيران لأقسى أنواع الحروب: حرب عسكرية شنها نظام صدام بدعم غربي خليجي استمرت ثماني سنوات، وحرب اقتصادية تمثلت في عقوبات أمريكية أحادية الجانب تصاعدت حدتها عبر العقود، وحرب إعلامية شرسة تسعى لتشويه كل إنجاز وتصويره في صورة مقلوبة.

ورغم هذا كله، استمرت الحياة في إيران. بل لم تستمر فحسب، بل تطورت وتقدمت في مؤشرات أساسية لا تقبل الجدل. فبينما تركز وسائل الإعلام المهيمنة على ترداد عبارات "الدولة المارقة" و"نظام الملالي" و"قمع الحريات"، تتحدث أرقام الأمم المتحدة عن واقع مختلف: ارتفاع مؤشر التنمية البشرية من 0.626 عام 1990 إلى 0.799 عام 2023، أي بزيادة 27.6% . وارتفاع معدل literacy إلى 97.1% في الفئة العمرية 10-49 عاماً . وارتفاع متوسط العمر المتوقع من 45-60 عاماً قبل الثورة الإسلامية المقاومة والشيوعية تودة إلى أكثر من 75 عاماً اليوم .

هذه الأرقام ليست دعاية حكومية، بل هي بيانات منظمات دولية محايدة: البنك الدولي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، منظمة الصحة العالمية. إنها تشهد على حقيقة صارخة: أن إيران استطاعت، رغم كل الضغوط، أن تحقق تقدماً تنموياً حقيقياً، وأن تنتقل من مصاف الدول المتخلفة إلى مصاف الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة.

في هذا الفصل، سنقوم بجولة في منجزات أربعة عقود، متتبعين مسارات التنمية الإيرانية في مجالات الصحة والتعليم والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية ومكانة المرأة. سنستند في ذلك إلى مصادر موثوقة: تقارير الأمم المتحدة، دراسات البنك الدولي، أبحاث أكاديمية غربية محايدة، وأقلام تقدمية في الغرب وروسيا والصين تنظر إلى التجربة الإيرانية بعين موضوعية، بعيداً عن هيمنة السردية الإعلامية المسيطرة.

سنرى كيف أن إيران، التي يصورها الإعلام الغربي كدولة فاشلة على شفير الانهيار، هي في الواقع بلد حقق إنجازات تنموية تفوق كثيراً من جيرانه الأغنياء بالنفط، وبنى قدرات علمية وتكنولوجية أهلية جعلته في مصاف الدول المتقدمة في مجالات دقيقة مثل الخلايا الجذوية وتكنولوجيا النانو والطب النووي. وسنفهم لماذا تزعج هذه التجربة النخب المالية الغربية: لأنها تقدم نموذجاً بديلاً، يثبت أن الشعوب تستطيع التقدم دون الخضوع لإملاءات الهيمنة.

……

أولاً: الإطار النظري: التنمية في مواجهة الهيمنة

1.1 مفهوم التنمية المستقلة: جذور نظرية

قبل الغوص في منجزات التنمية الإيرانية، لا بد من وضع إطار نظري يفهم خصوصية هذه التجربة. فـ"التنمية" ليست مفهوماً محايداً، بل هي حقل صراع بين رؤى مختلفة: رؤية غربية تسعى لتعميم نموذجها كقالب وحيد، ورؤى بديلة تنطلق من خصوصيات كل مجتمع.

1.1.1 مدرسة التبعية: نقد النموذج الغربي

في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، طور مفكرون من أمريكا اللاتينية (مثل فرناندو كاردوسو، وأنبال كيرفو، وثيوتونيو دوس سانتوس) مدرسة نقدية عرفت باسم "نظرية التبعية" (Dependency Theory). تقدم هذه المدرسة نقداً جذرياً لنظريات التحديث الغربية التي تزعم أن كل المجتمعات تمر بمراحل تطورية واحدة، وأن على الدول النامية أن تحذو حذو الغرب لتصل إلى التقدم.

يرى منظرو التبعية أن التخلف ليس مرحلة سابقة على التطور، بل هو نتيجة مباشرة للعلاقة غير المتكافئة بين المركز (الدول الرأسمالية المتقدمة) والأطراف (الدول النامية). فالدول المتقدمة تطورت لأنها استغلت الدول النامية، وهذه الأخيرة بقيت متخلفة لأنها كانت تابعة. الخروج من التبعية يتطلب قطع علاقات التبعية، وبناء نموذج تنموي مستقل يلبي احتياجات المجتمع الداخلية أولاً.

1.1.2 تجربة إيران: نموذج للتنمية المستقلة

تمثل التجربة الإيرانية منذ 1979 تطبيقاً عملياً لفكرة التنمية المستقلة، وإن لم تتبنَّ خطاب نظرية التبعية حرفياً. فشعار الثورة "لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية" يعبر عن إرادة قطع التبعية عن القطبين المهيمنين في الحرب الباردة، وبناء نموذج أصيل.

يقول المحلل شريك أص سباح في دراسة نقدية على موقع "Just International": "إن النظر إلى الجمهورية الإسلامية ككتلة ثيوقراطية متجانسة هو إساءة فهم هندسة بقائها. القوة الدافعة وراء سياسة إيران الخارجية ليست أيديولوجية عمياء — بل هي سعي عقلاني متجذر تاريخياً إلى السيادة. إيران التي نراها اليوم ليست نتاج تفكير صوفي بل نتاج حساب استراتيجي بارد، تشكل عبر قرون من الإذلال الإمبريالي، والحروب، والضعف الوجودي" .

هذا التحليل من كاتب تقدمي يقدم قراءة مغايرة تماماً للصورة النمطية عن إيران. فالدوافع العميقة للسياسة الإيرانية ليست "جنوناً دينياً" كما يصورها الإعلام الغربي، بل هي حسابات عقلانية لشعب تعرض للهيمنة والتدخل الأجنبي لقرون، وقرر أن الاستقلال هو الخيار الوحيد للبقاء.

1.1.3 "اقتصاد المقاومة": المفهوم الإيراني للتنمية

في الخطاب الإيراني الرسمي، يبرز مفهوم "اقتصاد المقاومة" (Iqtisad al-Muqawama) كإطار للتنمية في ظل الحصار. الاقتصاد المقاوم يعني:

· الاعتماد على القدرات الداخلية والموارد البشرية الوطنية
· تطوير تقنيات محلية لسد الاحتياجات الأساسية
· تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط
· بناء علاقات اقتصادية مع دول لا تخضع للهيمنة الغربية
· تعزيز قطاع المعرفة والتكنولوجيا كقاطرة للتنمية

هذا المفهوم ليس مجرد شعار، بل ترجم إلى سياسات ومشاريع ملموسة، سنرى تفاصيلها في هذا الفصل.

1.2 الهيمنة والعقوبات: الوجه الآخر للتنمية الإيرانية

لا يمكن فهم التنمية الإيرانية بمعزل عن سياقها: عقود من الحصار الاقتصادي والعقوبات الجائرة التي تهدف إلى خنق الشعب وإجباره على الاستسلام.

1.2.1 تاريخ العقوبات: من مقاطعة التجارة إلى الحرب الاقتصادية الشاملة

بدأت العقوبات الأمريكية على إيران مباشرة بعد انتصار الثورة، وتصاعدت عبر العقود:

· 1979: تجميد الأصول الإيرانية في البنوك الأمريكية
· 1984: فرض عقوبات على برنامج إيران النووي (المزعوم)
· 1987: حظر استيراد البضائع الإيرانية
· 1995: فرض عقوبات شاملة على التجارة والاستثمار
· 1996: قانون داماتو (عقوبات على الشركات المستثمرة في إيران)
· 2006-2010: سلسلة عقوبات أممية (مجلس الأمن) بتهمة البرنامج النووي
· 2010-2012: عقوبات أمريكية وأوروبية غير مسبوقة تستهدف البنك المركزي والنفط
· 2018: انسحاب ترامب من الاتفاق النووي وفرض "عقوبات قصوى"
· 2020-2026: استمرار وتصاعد العقوبات رغم تغير الإدارات

1.2.2 آثار العقوبات: دراسة أكاديمية موثقة

في دراسة أكاديمية محكمة نشرت في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (NIH) عام 2025، قام باحثون بتحليل الآثار المتعددة للعقوبات على إيران. الدراسة، التي تحمل عنوان "العقوبات الاقتصادية الأمريكية وإيران: مراجعة نقدية للآثار على الصحة والمجتمع"، تقدم توثيقاً علمياً دقيقاً لتداعيات الحصار .

توثق الدراسة أن العقوبات أثرت على إيران في أبعاد متعددة:

البعد السياسي: أدت العقوبات إلى تقليص الموارد المخصصة للمسؤوليات الحكومية العامة مثل الصحة والتعليم، مما له تأثيرات قصيرة وطويلة المدى على رفاهية السكان وجودة الحياة .

البعد الاقتصادي: أدت العقوبات إلى زيادة أسعار السلع المستوردة بسبب ارتفاع سعر الصرف، وتراجع الاستثمارات الأجنبية بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، وتعطل شبكة التحويلات المالية السريعة (سويفت) التي علقت خدماتها للعديد من البنوك الإيرانية .

البعد الصحي: تشرح الدراسة بالتفصيل كيف أعاقت العقوبات استيراد الأدوية والمعدات الطبية، من خلال مقاطعة قنوات الاتصال ووضع البنوك الإيرانية على القائمة السوداء. ورغم أن ما يقرب من 95% من الأدوية تُنتج محلياً، فإن حوالي 50% من المواد الخام للأدوية مستوردة، مما جعل الوصول إلى الدواء تحدياً كبيراً، خاصة أدوية الأمراض النادرة (الهيموفيليا، الثلاسيميا، السرطانات) .

البعد الاجتماعي: أدت العقوبات إلى زيادة البطالة، وهجرة الكفاءات بسبب الفجوة في الدخل والرفاهية مع نظرائهم في الخارج، وزيادة الضغوط النفسية على الأسر، وارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار .

1.2.3 "الإرهاب الاقتصادي": توصيف من داخل إيران

في تصريح لوكالة الأنباء الماليزية (نيو ستريتس تايمز) بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين للثورة (فبراير 2026)، وصف سفير إيران في ماليزيا، ولی‌الله محمدي، العقوبات بأنها "إرهاب اقتصادي" . هذا التوصيف يعكس إحساساً عميقاً بأن العقوبات تتجاوز كونها إجراءات سياسية إلى كونها حرباً شاملة ضد المدنيين، تستهدف حياتهم اليومية وصحتهم وتعليمهم ومستقبلهم.

1.3 إنجاز استثنائي: التنمية تحت الحصار

ما يجعل التجربة الإيرانية استثنائية هو أن هذه التنمية تحققت تحت أقسى أنواع الحصار. ففي الظروف العادية، تعتمد الدول النامية على الاستثمار الأجنبي والتجارة الدولية والمساعدات الخارجية لتحقيق التنمية. إيران حرمت من كل هذا، بل وتعرضت لحرب اقتصادية شاملة هدفها المعلن إضعافها وإجبارها على الاستسلام.

ورغم ذلك، حققت إيران تقدماً يفوق كثيراً من الدول التي تمتلك نفس الموارد أو أكثر. لنأخذ مثالاً مقارناً: السعودية، التي تمتلك ثروة نفطية هائلة وعلاقات وثيقة مع الغرب واستثمارات أجنبية ضخمة، لا تزال تعتمد على الخارج في معظم احتياجاتها التقنية والدوائية والغذائية. إيران، بالمقابل، بنت قدرات محلية في كل هذه المجالات، رغم أن ميزانيتها تقل عشرات المرات عن الميزانية السعودية.

هذه المقارنة تقدم دليلاً عملياً على نجاعة النموذج الإيراني في تحقيق تنمية مستقلة، تعتمد على الذات وتستثمر في الإنسان، بدلاً من النموذج الريعي القائم على الاستيراد والاستهلاك.

……

ثانياً: التنمية البشرية: مؤشرات الأمم المتحدة

2.1 تقرير التنمية البشرية 2025: إيران في مصاف الدول العالية

في مايو 2025، أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) تقريره السنوي عن التنمية البشرية، تحت عنوان "مسألة خيار: الناس والإمكانيات في عصر الذكاء الاصطناعي" . جاء تصنيف إيران مفاجئاً لكل من يتابع الصورة الإعلامية المشوهة عن البلاد.

2.1.1 الأرقام الرسمية

وفقاً للتقرير، حصلت إيران على درجة 0.779 في مؤشر التنمية البشرية (HDI)، محتلة المرتبة 75 من بين 193 دولة وإقليماً . هذا يضع إيران في فئة "الدول ذات التنمية البشرية العالية" (High Human Development). بين عامي 1990 و2023، ارتفعت قيمة المؤشر من 0.626 إلى 0.799، أي بزيادة قدرها 27.6% .

مؤشر التنمية البشرية هو مؤشر مركب يقيس ثلاثة أبعاد أساسية:

· الصحة: متوسط العمر المتوقع عند الولادة
· التعليم: متوسط سنوات الدراسة، والسنوات المتوقعة للدراسة
· الدخل: الناتج القومي الإجمالي للفرد (تعادل القوة الشرائية)

ارتفاع درجة إيران في هذا المؤشر يعني تقدماً حقيقياً في كل هذه الأبعاد، رغم كل التحديات.

2.1.2 دلالات التصنيف

ما معنى أن تكون إيران ضمن "الدول ذات التنمية البشرية العالية"؟ هذا يعني أنها تتفوق على كثير من دول المنطقة والعالم. لننظر إلى بعض المقارنات (حسب تقارير UNDP السابقة):

· تركيا (منافسة إقليمية) كانت في مراتب قريبة
· الهند (القوة الصاعدة) لا تزال في مرتبة أقل
· مصر كانت في مرتبة أقل
· جميع دول الخليج تتقدم في مؤشر الدخل، لكنها تتأخر في مؤشرات التعليم والصحة النسبية

التقرير نفسه يشير إلى أن التقدم في التنمية البشرية العالمي يشهد تباطؤاً غير مسبوق، باستثناء سنوات الأزمات 2020-2021، فإن الزيادة الضئيلة المتوقعة في 2025 هي الأصغر منذ 1990 . في هذا السياق العالمي المتعثر، يبرز تقدم إيران كاستثناء لافت.

2.1.3 تصريح مسؤول الأمم المتحدة

أشار مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أخيم شتاينر، إلى أن "التقدم البشري يواجه تباطؤاً غير مسبوق"، محذراً من أن استمرار هذا التباطؤ قد يؤخر تحقيق أهداف التنمية لعقود . في هذا السياق، فإن تقدم إيران رغم الحصار يكتسب دلالة أكبر: إنه تقدم ضد التيار.

2.2 التعليم: من الأمية إلى الريادة المعرفية

ربما يكون المجال التعليمي هو أكثر المجالات التي حققت فيها إيران قفزات هائلة خلال العقود الأربعة الماضية.

2.2.1 القضاء على الأمية

قبل الثورة الإسلامية، كان أكثر من 60% من الإيرانيين (وخاصة النساء) أميين. اليوم، وصلت نسبة literacy إلى 97.1% في الفئة العمرية 10-49 عاماً . هذا تحول هائل في جيلين فقط.

تقول صحيفة "كيهان" الإيرانية (في تقرير بالإنكليزية موجه للخارج): "كانت حركة محو الأمية من أبرز إنجازات الثورة الإسلامية، التي بدأت بأمر من الإمام الخميني عندما كان أكثر من نصف سكان إيران فوق سن السادسة أميين" .

2.2.2 التعليم العالي: ثورة في الأرقام

شهد التعليم العالي في إيران قفزة هائلة. عدد الجامعات ارتفع من بضع جامعات حكومية إلى مئات الجامعات الحكومية والخاصة (الآزاد) والعلمية التطبيقية. عدد الطلاب قفز من حوالي 150 ألفاً قبل الثورة إلى أكثر من 4 ملايين اليوم.

الأهم من العدد هو النوعية. الجامعات الإيرانية، رغم الحصار، استطاعت الحفاظ على مستوى علمي مقبول، بل وتفوقت في مجالات دقيقة. جامعة طهران، جامعة شريف التكنولوجية، جامعة أمير كبير، جامعة علم وصنعت، هي جامعات معترف بها إقليمياً وعالمياً في مجالات الهندسة والطب والعلوم الأساسية.

2.2.3 الإنتاج العلمي: أرقام عالمية

تشير إحصاءات قاعدة بيانات Scopus (المملوكة لدار النشر العلمي Elsevier) إلى أن إيران تحتل مرتبة متقدمة عالمياً في عدد الأبحاث العلمية المنشورة. ففي مجالات مثل الكيمياء والفيزياء والهندسة والطب، تنتج إيران عشرات آلاف الأبحاث سنوياً.

يقول السفير الإيراني في ماليزيا: "برزت إيران كقائد إقليمي في التعليم والبحث، منتجة عشرات آلاف المنشورات العلمية سنوياً، ومصنفة بين الدول الرائدة عالمياً في مجالات مثل تكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية والعلوم المتقدمة الأخرى" .

هذا الإنتاج العلمي تحقق رغم صعوبة وصول الباحثين الإيرانيين إلى المجلات الدولية بسبب العقوبات، ورغم محدودية التمويل مقارنة بالدول الغنية. وهو دليل على جودة النظام التعليمي وقدرته على تخريج باحثين متميزين.

2.3 الصحة: زيادة العمر المتوقع وانخفاض وفيات الأطفال

قطاع الصحة هو مجال آخر حققت فيه إيران تقدماً مذهلاً.

2.3.1 متوسط العمر المتوقع

ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة في إيران من حوالي 45-60 سنة قبل الثورة (حسب المنطقة والجنس) إلى أكثر من 75 سنة اليوم . هذا يعني أن الإيرانيين يعيشون اليوم حوالي 20-25 سنة أطول مما كانوا يعيشون قبل أربعة عقود. هذا التقدم يعكس تحسن الخدمات الصحية، وانتشار التطعيمات، وانخفاض وفيات الأطفال، وتحسن التغذية.

2.3.2 وفيات الأطفال: انخفاض حاد

تشير بيانات منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي إلى انخفاض حاد في وفيات الأطفال دون الخامسة في إيران. من معدلات تجاوزت 100 وفاة لكل 1000 مولود حي في السبعينيات، إلى أقل من 15 وفاة لكل 1000 اليوم. هذا وضع إيران في مصاف الدول المتقدمة في هذا المؤشر الحيوي.

2.3.3 البنية التحتية الصحية

تمتلك إيران اليوم شبكة واسعة من المستشفيات والمراكز الصحية تغطي حتى المناطق الريفية والنائية. برنامج "مراكز الصحة الريفية" (Rural Health Houses) الذي بدأ في الثمانينيات، وفر خدمات صحية أساسية لأكثر من 90% من سكان الريف، من خلال "بهورز" (عامل صحي قروي) مدرب يقدم الرعاية الأولية والتوعية والتطعيمات.

يقول السفير الإيراني: "قبل الثورة، لم يكن لدينا ما يكفي من الأطباء. الآن لدينا أطباء عامون وأخصائيون كافون. وأصبح بلدنا وجهة للسياحة العلاجية في المنطقة" .

2.3.4 التحديات: تأثير العقوبات

رغم هذا التقدم، تواجه الخدمات الصحية تحديات كبيرة بسبب العقوبات. الدراسة الأكاديمية المنشورة في NIH توثق كيف أن نقص المواد الخام للأدوية المستوردة (50% من المواد الخام) يؤثر على توفر الأدوية، خاصة للأمراض المزمنة والنادرة . كما توثق تأثير العقوبات على توفير معدات طبية متطورة، وعلى قدرة المرضى على السفر للعلاج بالخارج .

2.4 مؤشر عدم المساواة بين الجنسين: مساحة للتحسين

التقرير الأممي يشير إلى أن مؤشر عدم المساواة بين الجنسين (GII) يبقى مجالاً يحتاج إلى تحسين في إيران. حصلت إيران على 0.482 في هذا المؤشر، محتلة المرتبة 123 من بين 172 دولة . هذا يؤكد الحاجة المستمرة للاستثمار في الوصول العادل إلى التعليم والتوظيف والخدمات الصحية للنساء والفتيات .

سنخصص قسماً لاحقاً لمكانة المرأة في إيران، حيث سنرى أن الصورة أكثر تعقيداً مما تقدمه الأرقام الإجمالية. فرغم التحديات، هناك إنجازات مهمة للمرأة الإيرانية في مجالات التعليم والعمل والابتكار.

…..

ثالثاً: الصناعة والتكنولوجيا: بناء قدرات محلية

3.1 الصناعة الدوائية: الاكتفاء الذاتي شبه الكامل

من أبرز إنجازات إيران تحت الحصار، بناء صناعة دوائية وطنية قادرة على تلبية 97-99% من احتياجات السوق المحلي.

3.1.1 النشأة والتطور

بدأت إيران في بناء صناعة دوائية محلية بجدية بعد الثورة مباشرة، إدراكاً لخطورة الاعتماد على الخارج في سلعة استراتيجية كالدواء. في الثمانينيات، ومع حرب الخليج الأولى والعقوبات، تعزز هذا التوجه. في التسعينيات، دخلت الشركات الخاصة المجال. في الألفية الجديدة، قفزت الصناعة بفضل دعم شركات المعرفة والابتكار.

3.1.2 الأرقام

اليوم، تنتج إيران محلياً حوالي 99% من الأدوية التي تحتاجها . هذا يشمل أدوية بسيطة وأدوية معقدة، مضادات حيوية، أدوية قلب، أدوية ضغط، أدوية سكر، أدوية نفسية. حوالي 95% من الأدوية المنتجة محلياً، و50% من المواد الخام مستوردة .

3.1.3 التحديات

رغم الاكتفاء الذاتي الكمي، تواجه الصناعة الدوائية تحديات نوعية. الأدوية المتطورة (البيوتكنولوجية، الجينية) لا تزال تعتمد على استيراد المواد الخام. الأدوية النوعية للأمراض النادرة (الهيموفيليا، الثلاسيميا، بعض أنواع السرطان) تعاني من نقص بسبب صعوبة الاستيراد .

لكن الاتجاه العام إيجابي. إيران تتجه نحو إنتاج أدوية أكثر تقدماً، وتصدير بعض الأدوية إلى دول الجوار.

3.2 التكنولوجيا الحيوية والخلوية: الصعود إلى المراكز الأولى

في مجال التكنولوجيا الحيوية والعلاج بالخلايا، حققت إيران تقدماً لافتاً جعلها في مصاف الدول المتقدمة.

3.2.1 العلاج بالخلايا الجذوية: من المرتبة 12 إلى 8 عالمياً

في أغسطس 2025، أعلن مسؤول في نائب الرئيس للعلوم والتكنولوجيا أن إيران تقدمت في مجال الخلايا الجذوية والعلاج الخلوي إلى المرتبة الثامنة عالمياً، بعد أن كانت في المرتبة 12 في العام السابق .

قال مصطفى قانعي: "في العام الماضي، كان لدينا منتج واحد فقط للعلاج الخلوي في السوق، وكنا في المرتبة 12 عالمياً، لكن هذا العام وصلنا إلى المرتبة الثامنة في العالم مع 5 منتجات" . وأضاف: "هدفنا أن نكون بين أفضل خمس دول في هذا المجال، وأن نلغي حاجة المرضى للسفر إلى الخارج للعلاج" .

3.2.2 معهد رويان: قصة نجاح

معهد رويان للأبحاث (Royan Institute) هو قصة نجاح إيرانية حقيقية. تأسس عام 1991 على يد الدكتور سعيد كاظمي آشتياني كمعهد أبحاث غير حكومي غير ربحي للطب الإنجابي وعلاج العقم . تطور المعهد ليصبح رائداً في أبحاث الخلايا الجذوية، وأحد أفضل العيادات لعلاج العقم في المنطقة.

في يناير 2026، زار الرئيس الإيراني (حسب الخبر، لكن يبدو أن الخبر قديم لأن الرئيس المذكور هو روحاني الذي انتهت ولايته 2021) معهد رويان وأشاد بالتقدم الكبير في تكنولوجيا الخلايا الجذعية، داعياً إلى تعريف المؤسسات البحثية الدولية بالإنجازات الإيرانية .

3.2.3 منتجات معتمدة من FDA

وفقاً لتصريحات مسؤولي الغذاء والدواء الإيرانيين، نجحت إيران في إنتاج منتجات علاج خلوي حصلت على موافقة منظمة الغذاء والدواء الإيرانية (المعادل المحلي للFDA). بعض منتجات العلاج الجيني هي في مرحلة التجارب السريرية .

3.3 تكنولوجيا النانو: المركز الرابع عالمياً

تعد تكنولوجيا النانو واحدة من أبرز مجالات التفوق العلمي الإيراني. وفقاً لتقارير قاعدة بيانات Scopus وWeb of Science، تحتل إيران المرتبة الرابعة عالمياً في إنتاج الأبحاث العلمية في مجال النانو، بعد الصين والولايات المتحدة والهند، ومتقدمة على ألمانيا وكوريا واليابان.

هذا التقدم لم يقتصر على الأبحاث، بل امتد إلى التطبيقات العملية. تستخدم تقنيات النانو اليوم في الصناعات الإيرانية: في تحسين جودة المنتجات البتروكيماوية، في إنتاج أدوية محسنة، في تحسين كفاءة الطاقة، وفي صناعة مواد بناء متطورة.

3.4 الصناعات الدفاعية والصاروخية: ردع ذاتي

طورت إيران صناعة دفاعية محلية قادرة على تلبية احتياجاتها، بعد عقود من الاعتماد على الاستيراد. اليوم، تنتج إيران:

· طائرات مسيرة متطورة (شاهد 136، مهاجر، وغيرها)
· صواريخ باليستية متنوعة (شهاب، قدر، خیبر، حاج قاسم)
· أنظمة دفاع جوي (باور 373، 15 خرداد، صياد)
· دبابات ومدرعات (ذوالفقار، كرار)
· غواصات وزوارق سريعة

هذه الصناعة ليست فقط للاستخدام المحلي، بل أصبحت مصدر دخل عبر التصدير للحلفاء (روسيا في حرب أوكرانيا، حزب الله، الحوثيين، فصائل المقاومة).

3.5 الفضاء: برنامج وطني طموح

تمتلك إيران برنامجاً فضائياً وطنياً، رغم الانتقادات الغربية واتهاماتها بأنه غطاء لتطوير الصواريخ الباليستية. أطلقت إيران عدة أقمار صناعية ناجحة:

· أميد (2009)
· رصد (2011)
· نوید (2012)
· ظفر (2020) (فشل في الوصول للمدار ثم نجاح)
· نور 1 و2 (2020، 2022) (أقمار عسكرية للحرس الثوري)

كما أرسلت كائنات حية إلى الفضاء (قرد "آفتاب" 2013). تسعى إيران لتصبح قوة فضائية إقليمية، وتخطط لإطلاق قمر اصطناعي جديد (بارس 2) بدقة تصوير عالية.

…..

رابعاً: الزراعة والأمن الغذائي: الاكتفاء الذاتي كمشروع وطني

4.1 من مستورد إلى مصدر

قبل الثورة، كانت إيران تعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها الغذائية. اليوم، حققت إيران اكتفاء ذاتياً في معظم المنتجات الزراعية الأساسية، بل وأصبحت مصدراً لبعضها.

يقول السفير الإيراني في ماليزيا: "الزراعة والأمن الغذائي هي مجال آخر من مجالات التقدم، حيث إيران اليوم مكتفية ذاتياً إلى حد كبير في العديد من المنتجات، وتصدر منتجات زراعية مختارة" .

4.2 المنتجات الرئيسية

تنتج إيران مجموعة متنوعة من المنتجات الزراعية:

· الحبوب: قمح (حققت الاكتفاء الذاتي في سنوات مطيرة)، شعير، ذرة، أرز
· الفواكه: تفاح، برتقال، عنب، تمر (أحد أكبر مصدري التمر عالمياً)، فستق (أكبر مصدر عالمي قبل العقوبات)، زعفران (أكبر منتج ومصدر عالمي)
· الخضروات: طماطم، خيار، بصل، بطاطس
· المحاصيل الصناعية: قطن، شاي، تبغ، بنجر سكر، قصب سكر

4.3 تحديات المياه

تواجه الزراعة الإيرانية تحدياً كبيراً: شح المياه. تقع إيران في منطقة جافة وشبه جافة، وتعاني من ندرة مائية متزايدة بسبب تغير المناخ والإفراط في استخراج المياه الجوفية.

لكن إيران طورت تقنيات لمواجهة هذا التحدي: الري بالتنقيط، الزراعة المحمية (البيوت البلاستيكية)، تحسين كفاءة الري، واستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة.

4.4 الأمن الغذائي في زمن الحصار

في ظل الحصار، يصبح الأمن الغذائي مسألة أمن قومي. أي نقص في الغذاء يمكن أن يؤدي إلى احتجاجات واضطرابات. لذلك، ركزت إيران على تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية (قمح، أرز، زيت، سكر، لحم، دواجن) كأولوية قصوى.

رغم التحديات (الجفاف، العقوبات التي تعيق استيراد الآلات والمبيدات والبذور المحسنة)، نجحت إيران في تجنب المجاعة أو الأزمات الغذائية الحادة، وهو إنجاز في حد ذاته.

…..

خامساً: مكانة المرأة: صورة معقدة بين التقدم والتحدي

5.1 التعليم: تفوق كمي

ربما يكون المجال التعليمي هو المجال الأكثر إثارة للإعجاب في تقدم المرأة الإيرانية. تشكل النساء اليوم حوالي 56% من المجتمع الأكاديمي في إيران . أكثر من 60% من العاملين في المدارس من النساء . حوالي 63% من طلاب الجامعات هم من النساء .

هذه الأرقام تعكس تحولاً عميقاً في المجتمع الإيراني. قبل الثورة، كانت الغالبية العظمى من النساء أميات. اليوم، الفتيات يتفوقن عددياً على الفتيان في التعليم العالي.

5.2 المشاركة الاقتصادية: أرقام في تطور

وفقاً لتصريحات نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة، زهراء بهروز آذر، فإن أكثر من 70% من الأعمال المنزلية (home businesses) مملوكة للنساء، والحكومة تدعمهن بالقروض .

تشكل النساء حوالي 24% من المخترعين في إيران، مقارنة بالمعدل العالمي البالغ 17% . حوالي 12% من ريادة الأعمال والشركات الناشئة أسستها نساء، والهدف هو رفع هذه النسبة إلى 30% .

هذه الأرقام تشير إلى تحسن في المشاركة الاقتصادية للمرأة، رغم أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل الإجمالية لا تزال منخفضة (حوالي 17% حسب بعض التقديرات)، وهو مجال يحتاج إلى تحسين.

5.3 المشاركة السياسية: خطوات إلى الأمام

شهدت السنوات الأخيرة خطوات مهمة في تمثيل المرأة سياسياً. للمرة الأولى في تاريخ إيران، هناك أربع نساء في المناصب العليا بالحكومة :

· فرزانة صادق: وزيرة الطرق والتنمية الحضرية
· فاطمة مهاجراني: المتحدثة باسم الحكومة (أول امرأة في هذا المنصب بعد 46 عاماً)
· شينا أنصاري: رئيسة منظمة البيئة
· زهراء بهروز آذر: نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة

كما تم تعيين حوالي 70 امرأة في مناصب إدارية عليا، وكسر احتكار الرجال لهذه المناصب. تم تعيين 6 نساء كحاكمات لمقاطعات (Dehgolan، Rudbar، Khomam، Sarvestan، northern Savadkoh، Kuhpayeh) .

5.4 التحديات: مؤشر عدم المساواة بين الجنسين

رغم هذه الإنجازات، لا تزال هناك تحديات كبيرة. مؤشر عدم المساواة بين الجنسين الصادر عن UNDP يضع إيران في المرتبة 123 من أصل 172 دولة . هذا يعكس استمرار الفجوة في مجالات مثل المشاركة الاقتصادية الكلية، والتمثيل البرلماني (حوالي 6% فقط من مقاعد البرلمان للنساء)، وبعض القوانين التمييزية.

5.5 صورة معقدة

صورة المرأة في إيران معقدة ولا تختزل في شعارات بسيطة. ليست المرأة "مضطهدة" بالمعنى المطلق، ولا هي "محررة" بالمعنى الغربي. هناك تنوع هائل في أوضاع النساء حسب الطبقة والمنطقة والتعليم والعمل. هناك نساء محجبات وأخريات أقل التزاماً، هناك نساء عاملات وأخريات ربات بيوت، هناك نساء محافظات وأخريات تقدميات. الاختزال في صورة نمطية واحدة هو جزء من آليات التشويه الإعلامي التي كشفناها في الفصول السابقة.

…..

سادساً: الطاقة والبنية التحتية: بناء دولة عصرية

6.1 الكهرباء: تغطية شاملة

قبل الثورة، كانت نسبة كبيرة من سكان الريف محرومة من الكهرباء. اليوم، تمتد الشبكة الكهربائية إلى أكثر من 99% من القرى الإيرانية. إيران لديها فائض في إنتاج الكهرباء، وتصدر إلى دول الجوار (العراق، تركيا، أرمينيا، باكستان، أفغانستان).

6.2 المياه والصرف الصحي

تم توفير المياه النظيفة لنسبة كبيرة من السكان، خاصة في المناطق الحضرية. في المناطق الريفية، تم حفر آلاف الآبار وبناء شبكات مياه قروية. نسبة الوصول إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية ارتفعت بشكل كبير.

6.3 الطرق والمواصلات

شهدت إيران بناء شبكة واسعة من الطرق السريعة والجسور والأنفاق. تم ربط جميع المدن الكبرى بشبكة طرق سريعة حديثة. كما تم تطوير السكك الحديدية وربطها بدول الجوار (تركيا، تركمانستان، باكستان، أفغانستان، العراق). يجري العمل على مشروع "طريق الحرير الحديدي" لربط إيران بالصين عبر آسيا الوسطى.

6.4 النفط والغاز: عماد الاقتصاد

تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، وثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي (بعد روسيا). رغم العقوبات، تمكنت إيران من الحفاظ على إنتاجها وتطوير حقولها. حقل "بارس الجنوبي" للغاز (المشترك مع قطر) تم تطويره بشكل كبير، وأصبح ينتج كميات ضخمة من الغاز.

6.5 البتروكيماويات: تنويع الصادرات

طورت إيران صناعة بتروكيماويات ضخمة، وحولت جزءاً من صادراتها من النفط الخام إلى المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى. اليوم، إيران مصدر رئيسي للمنتجات البتروكيماوية في المنطقة.

…….

سابعاً: الشباب والمستقبل: التركيبة السكانية الفتية

7.1 ميزة ديموغرافية

تتمتع إيران بتركيبة سكانية فتية. حوالي 60% من السكان تحت سن الثلاثين. هذا يشكل "هدية ديموغرافية" يمكن استثمارها في التنمية إذا توفرت فرص العمل والتعليم المناسبة.

7.2 تحديات البطالة

لكن هذه التركيبة الفتية تشكل تحدياً كبيراً أيضاً. الاقتصاد الإيراني يعاني من بطالة مرتفعة بين الشباب، خاصة بين خريجي الجامعات. العقوبات تعيق خلق فرص عمل كافية لاستيعاب مئات الآلاف من الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنوياً.

7.3 هجرة الأدمغة: التحدي الأكبر

أحد أخطر آثار العقوبات هو هجرة الكفاءات (Brain Drain). الدراسة المنشورة في NIH توثق أن "العقوبات الاقتصادية ضد إيران أدت إلى زيادة معدلات البطالة، وعدم مقارنة الرفاهية والدخل مع نظرائهم في الدول الأجنبية، مما سبب استياء النخب ويأسهم وشكواهم، وأخيراً هجرتهم" .

هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء هي خسارة لا تعوض، وتقوض جهود التنمية على المدى الطويل. إيران تحاول مواجهة ذلك بتحفيز العودة ودعم الباحثين، لكن المشكلة لا تزال قائمة.

7.4 التكنولوجيا والشركات الناشئة

رغم التحديات، هناك قطاع تكنولوجي ناشئ في إيران. المدن الإلكترونية (مثل بارس تكنولوحي بارك في شيراز، ومعرفت تكنولوجي بارك في طهران) تحتضن مئات الشركات الناشئة. بعض هذه الشركات نجحت في التصدير والتوسع الإقليمي. تطبيقات مثل "اسنپ" (شبیه أوبر) و"دیجی‌کالا" (شبیه أمازون) أصبحت علامات تجارية معروفة.

…….

ثامناً: الذكاء الاصطناعي: بوابة المستقبل

8.1 تقرير UNDP والذكاء الاصطناعي

عنوان تقرير التنمية البشرية 2025 هو "مسألة خيار: الناس والإمكانيات في عصر الذكاء الاصطناعي" . يشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعيد إشعال عجلة التنمية، بعد أن توقفت تقريباً. ويحدد ثلاثة مجالات حاسمة للعمل :

· بناء اقتصاد يتعاون فيه الناس مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من التنافس معه
· دمج الفاعلية البشرية في دورة حياة الذكاء الاصطناعي، من التصميم إلى التنفيذ
· تحديث أنظمة التعليم والصحة لتلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين

8.2 توجهات إيران في الذكاء الاصطناعي

تسعى إيران إلى استثمار الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة التنمية. في تصريح لإحدى الوكالات (أبريل 2025)، قال مسؤول في نائب الرئيس للعلوم والتكنولوجيا إن أحد الأولويات الرئيسية في قطاع الصحة هو دمج الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بهدف خفض تكاليف العلاج بنسبة 40% .

كما تم الإعلان عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في قطاعات مثل الأشعة وعلم الأمراض، حيث ستلعب "دوراً مكملاً في التشخيص الطبي، مما يساعد في تحسين الدقة، وتقليل التكاليف، وتحسين وصول الجمهور إلى الرعاية الصحية" .

8.3 تحدي الوصول إلى التكنولوجيا

رغم هذه التوجهات، تواجه إيران تحديات كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي. العقوبات تعيق الوصول إلى أحدث الرقاقات (chips) والخوادم والبرمجيات المتطورة. التعاون الدولي مقيد. هجرة الكفاءات تحرم البلاد من أفضل العقول في هذا المجال الحيوي.

لكن هناك محاولات لبناء قدرات محلية. بعض الشركات الإيرانية الناشئة تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي، وهناك أبحاث أكاديمية في الجامعات الكبرى.

……

تاسعاً: قراءات نقدية غربية: أصوات تقدمية تعترف بالإنجاز الإيراني

9.1 شريك أص سباح: العقلانية الاستراتيجية وراء الأيديولوجيا

في تحليله على موقع "Just International"، يقدم الكاتب شريك أص سباح قراءة نقدية ثاقبة للسياسة الإيرانية. يرفض الاختزال الذي يصور إيران على أنها "كتلة ثيوقراطية متجانسة"، ويقدم تحليلاً بديلاً يركز على العقلانية الاستراتيجية والتجربة التاريخية كعوامل حاسمة في تشكيل السياسة الإيرانية .

يستشهد الكاتب بكتاب البروفيسور ولي نصر "الاستراتيجية الكبرى لإيران: تاريخ سياسي" (Iran s Grand Strategy: A Political History)، الذي يرى أن "القوة الدافعة وراء سياسة إيران الخارجية ليست أيديولوجية عمياء — بل هي سعي عقلاني متجذر تاريخياً إلى السيادة" .

يقول أص سباح: "حتى آية الله الخميني، الذي يُصوَّر غالباً كرجل دين عقائدي، رأى الاستقلال كإنجاز مركزي للثورة. عندما قدم له الثوريون العلمانيون مسودة للحكم المستقبلي تعد بالديمقراطية والإسلام، كتب مبدأ ثالثاً غير قابل للتفاوض: الاستقلال" .

هذه القراءة تقدم إطاراً لفهم إنجازات إيران: إنها نتاج عقلانية استراتيجية، وليس "تعصباً دينياً". إيران تتصرف كدولة تسعى للبقاء والازدهار، وليس كـ"دولة مارقة" غير عقلانية.

9.2 السفير الإيراني: دعوة لرؤية ما وراء الصراع

في مقابلته مع وكالة الأنباء الماليزية (فبراير 2026)، قدم السفير الإيراني ولی‌الله محمدي صورة مغايرة تماماً لما تقدمه وسائل الإعلام الغربية. قال: "كل ما تسمعه عن إيران هو النووي وإنتاج الدفاع. لكن لإيران إنجازات كثيرة يقودها شعبها وشبابها بشكل كبير" .

هذه الدعوة لرؤية "الجانب الآخر" من إيران، بعيداً عن عناوين الصراع والعقوبات والجغرافيا السياسية، هي دعوة إلى الموضوعية والإنصاف. فالشعب الإيراني ليس مجرد أرقام في معادلات جيوسياسية، بل هو بشر يعيشون حياتهم، ويدرسون ويعملون وينتجون ويبدعون، رغم كل التحديات.

9.3 تقارير الأمم المتحدة: شهادة محايدة

تقارير الأمم المتحدة (UNDP، WHO، World Bank) تمثل شهادة محايدة على إنجازات إيران. هذه المؤسسات لا تخضع للتوجيه السياسي المباشر (رغم أنها تتأثر به أحياناً)، وتعتمد على بيانات وإحصاءات قابلة للتحقق. وضع إيران في مصاف "الدول ذات التنمية البشرية العالية" هو اعتراف دولي بأن النموذج الإيراني، رغم كل الانتقادات، استطاع تحقيق تقدم حقيقي لمواطنيه.

9.4 أصوات نقدية غربية أخرى

هناك العديد من الأصوات الغربية التي تقدم قراءات مختلفة عن إيران، بعيداً عن الهستيريا الإعلامية:

· نعوم تشومسكي: ينتقد ازدواجية المعايير الغربية تجاه إيران، ويشير إلى أن العقوبات "حرب اقتصادية" ضد الشعب.
· سكوت ريتر: يكشف زيف التقارير الاستخباراتية عن البرنامج النووي الإيراني.
· جيفري ساكس: يحذر من التصعيد ضد إيران ويدعو إلى حلول دبلوماسية.
· فيوريلا إيزابيل: تخصص حلقات لكشف التضليل الإعلامي عن إيران.

هذه الأصوات، رغم أنها لا تمثل الإعلام السائد، تقدم بديلاً نقدياً مهماً، وتؤكد أن الصورة النمطية عن إيران ليست الوحيدة الممكنة.

…..

عاشراً: تحديات وعيوب: قراءة نقدية ذاتية

10.1 الاعتراف بالمشاكل

لا يمكن تقديم صورة موضوعية عن إيران دون الاعتراف بالمشاكل والعيوب. إيران ليست يوتوبيا، ولا تدعي ذلك. هناك تحديات كبيرة تواجه البلاد:

10.2 الفساد

تعاني إيران من فساد مستشري في المؤسسات. الدراسة المنشورة في NIH تشير إلى أن "بعض المستفيدين استغلوا فضاء العقوبات ودمروا مليارات الدولارات من العملة الوطنية بحجة التحايل على العقوبات" . الفساد يضعف الثقة بين الشعب والحكومة، ويحد من فعالية السياسات التنموية.

10.3 البطالة

البطالة، خاصة بين الشباب، هي مشكلة مزمنة. تقديرات غير رسمية تشير إلى أن نسبة البطالة بين الشباب قد تصل إلى 25-30%. هذا يخلق إحباطاً واسعاً، ويدفع الكثيرين إلى الهجرة أو إلى الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي.

10.4 عدم المساواة

رغم تحسن مؤشرات الفقر، لا تزال هناك فجوات كبيرة بين الأغنياء والفقراء. بعض السياسات الاقتصادية (مثل دعم الطاقة) تفيد الأغنياء أكثر من الفقراء. التضخم يلتهم دخول الفئات المتوسطة والفقيرة.

10.5 الحريات السياسية والاجتماعية

هناك قيود على الحريات السياسية والاجتماعية في إيران. يتم تكميم الأفواه، واعتقال النشطاء، ومحاكمة المنتقدين. هذا يضعف المشاركة الشعبية، ويخلق شعوراً بالإحباط والعجز لدى كثير من الإيرانيين.

10.6 هجرة الأدمغة

هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء هي خسارة كبيرة. إيران تدفع ثمناً باهظاً لهذه الهجرة، التي تحرمها من أفضل عقولها وتجعلها تعتمد على موارد بشرية أقل كفاءة.

10.7 التوازن المطلوب

القراءة الموضوعية يجب أن توازن بين الإنجازات والتحديات. إيران حققت تقدماً هائلاً في مجالات أساسية (الصحة، التعليم، البنية التحتية، التكنولوجيا)، لكنها لا تزال تعاني من مشاكل عميقة (الفساد، البطالة، قلة الحريات، هجرة الكفاءات). إنكار أي من الجانبين هو تشويه للحقيقة.

…….

خاتمة الفصل الخامس: شهادة للتاريخ

في ختام هذا الفصل الطويل، نعود إلى الحقيقة الأساسية: إيران ليست ما تصوره وسائل الإعلام المهيمنة. هي ليست "دولة مارقة" تعيش على شفير الانهيار. هي ليست "مجتمعاً متخلفاً" تحكمه "عصبة من الملالي المتعصبين". هي بلد يعيش فيه أكثر من 85 مليون إنسان، لهم آمالهم وآلامهم وإنجازاتهم وإخفاقاتهم.

ما تقدمه هذه الصفحات هو شهادة للتاريخ: شهادة على أن شعباً تحت أقسى أنواع الحصار استطاع أن يبني، وأن يتعلم، وأن ينتج، وأن يبدع. شهادة على أن إرادة الحياة أقوى من إرادة الهيمنة. شهادة على أن التنمية ممكنة خارج النموذج الغربي، بل وأحياناً بالرغم منه.

أرقام الأمم المتحدة لا تكذب: ارتفاع متوسط العمر المتوقع بأكثر من 20 سنة، القضاء شبه الكامل على الأمية، وصول النساء إلى التعليم العالي بنسب تفوق الدول الغربية، التقدم في التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا النانو والطب النووي، بناء بنية تحتية متطورة، تحقيق الأمن الغذائي النسبي. كلها حقائق ملموسة، يمكن لأي باحث موضوعي التحقق منها.

طبعاً، هناك تحديات وعيوب. الفساد موجود، البطالة مرتفعة، الحريات محدودة، هجرة الكفاءات مستمرة. لكن أي بلد في العالم ليس خالياً من المشاكل. المهم هو الاتجاه العام، والقدرة على التعلم من الأخطاء، والاستمرار في مسيرة البناء رغم كل الصعاب.

إيران اليوم تقف عند مفترق طرق. التحديات الداخلية والخارجية هائلة. مستقبل البلاد سيتحدد بقدرتها على مواجهة هذه التحديات، والبناء على إنجازاتها، وتصحيح أخطائها. لكن شيئاً واحداً مؤكد: إيران التي ستواجه هذا المستقبل ليست هي إيران ما قبل الثورة. هي بلد مختلف تماماً: أكثر تعليماً، أكثر خبرة، أكثر ثقة بنفسها، وأكثر إدراكاً لحقيقة أن الاستقلال هو الخيار الوحيد للبقاء في عالم تهيمن عليه القوى الكبرى.

في النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من الكذب. والصبر أطول من الباطل. وشهادة التاريخ ستكون لصالح من بنوا، لا من هدموا. لصالح من زرعوا الأمل، لا من بذروا اليأس. لصالح شعب آمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، فعمل لأجله، وصمد في وجه العواصف، وبنى وطنه حجراً حجراً، وإنساناً إنساناً.

……

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل الخامس

1. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، "تقرير التنمية البشرية 2025: مسألة خيار: الناس والإمكانيات في عصر الذكاء الاصطناعي"، مايو 2025
2. الدراسة الأكاديمية المحكمة، "العقوبات الاقتصادية الأمريكية وإيران: مراجعة نقدية للآثار على الصحة والمجتمع"، المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (NIH)، 2025
3. مقابلة سفير إيران في ماليزيا، ولی‌الله محمدي، وكالة الأنباء الماليزية (نيو ستريتس تايمز)، فبراير 2026
4. تصريحات مسؤولي نائب الرئيس للعلوم والتكنولوجيا حول التقدم في الخلايا الجذوية والذكاء الاصطناعي، طهران، 2025-2026
5. تصريحات نائبة الرئيس لشؤون المرأة والأسرة، زهراء بهروز آذر، حول مشاركة المرأة، طهران، يوليو 2025
6. تقرير صحيفة "كيهان" عن تقدم إيران في مؤشر التنمية البشرية، مايو 2025
7. شريك أص سباح، "الواقعية السياسية الإيرانية: كيف تبقى الاستراتيجية بعد الأيديولوجيا"، Just International، يونيو 2025
8. تقرير حول زيارة الرئيس الإيراني لمعهد رويان والتقدم في تكنولوجيا الخلايا الجذعية، Khabaronline، يناير 2026
9. البنك الدولي، صفحة بيانات الجمهورية الإسلامية الإيرانية

……..



الفصل السادس:

تجارب مقارنة في التشويه الإعلامي

من الجزائر إلى فنزويلا: آليات الهيمنة في ضوء نظرية سمير أمين

تمهيد: التشويه ليس حكراً على إيران

في خضم الصراع الإعلامي المحتدم حول إيران، قد يخيل للمتابع أن ما تتعرض له طهران من حملات تنميط وتشويه هو استثناء في التاريخ الحديث. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً وإيلاماً: إيران ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من التجارب الوطنية المستقلة التي استهدفتها آلة الهيمنة الإعلامية الغربية. من الجزائر في التسعينيات، إلى سوريا وليبيا في العقدين الأخيرين، وصولاً إلى فنزويلا اليوم، ثمة خيط ناظم يربط هذه الحالات جميعاً: كلها تجارب تنموية وطنية حاولت الخروج عن وصاية المركز الرأسمالي، فكان جزاؤها حملات تشويه منظمة تهدف إلى تقويض شرعيتها محلياً ودولياً، وتمهيد الطريق أمام تدخلات خارجية تقضي على مشاريعها المستقلة.

في هذا الفصل، سنقوم بجولة مقارنة في أربع تجارب رئيسية: الجزائر، سوريا، ليبيا، وفنزويلا. سنحلل آليات التشويه التي استهدفت كل منها، ونقارنها بما يحدث مع إيران، مستندين إلى الإطار النظري للمفكر الراحل سمير أمين، أحد أبرز منظري نظرية التبعية والاقتصاد السياسي النقدي. سنرى كيف أن النخب المالية الغربية تملك "كتالوجاً" موحداً من التقنيات الإعلامية، تعبئه وتطبقه على كل حالة حسب سياقها: التضخيم، التبسيط، شيطنة الخصم، نزع الشرعية عن الإنجازات، وتجاهل السياقات المحلية.

الهدف من هذه المقارنة ليس الترف الأكاديمي، بل الكشف عن "النمط" (Pattern) الكامن وراء التنوع الظاهري. ففهم هذا النمط يساعد في مقاومته، ويمنح الشعوب المستهدفة أدوات للوعي بآليات الخداع، ويمكّن الباحثين من تقديم قراءة أكثر موضوعية للصراع الإعلامي الدولي. فكما قال الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا: "من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره". ومن لا يتعلم من تجارب الآخرين، محكوم عليه بتكرار أخطائهم.

---

أولاً: الإطار النظري: سمير أمين ونقد التبعية والهيمنة الإمبريالية

1.1 سمير أمين: منظر التبعية وناقد الرأسمالية الطرفية

يُعد سمير أمين (1931-2018) أحد أبرز المفكرين الماركسيين في القرن العشرين، وأحد أهم منظري "نظرية التبعية" (Dependency Theory) التي تقدم نقداً جذرياً للعلاقة غير المتكافئة بين المركز الرأسمالي (الدول المتقدمة) والأطراف (الدول النامية). ينحدر أمين من أصل مصري-فرنسي، وكرس حياته لتحليل الرأسمالية العالمية من وجهة نظر البلدان المستعمرة سابقاً في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

بدأ أمين نشاطه السياسي كشيوعي في باريس عندما كان طالباً في معهد العلوم السياسية، ثم عاد إلى مصر في عهد عبد الناصر، وطور علاقات وثيقة مع حركة باندونج (حركة عدم الانحياز) التي كان أعضاؤها اشتراكيين إلى حد كبير. اكتسبت أفكاره رواجاً في ذروة حركات التحرر الوطني في الجنوب العالمي، ومع نهاية الحكم الاستعماري الذي كون إفريقيا كمنطقة مستقلة. في عام 1973، ساعد في تأسيس "مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا" (CODESRIA) وأصبح أول مدير له.

1.2 المركز والأطراف: الجغرافيا غير المتكافئة للنظام العالمي

يكمن جوهر نظرية أمين في مفهوم "التبعية" والجغرافيا غير المتكافئة للنظام العالمي. يرى أمين أن النظام الرأسمالي يجب أن يُفهم باعتباره "اقتصاداً عالمياً يتطور تاريخياً"، وليس مجرد مجموعة من الاقتصادات الوطنية المستقلة. في هذا النظام، ينقسم العالم إلى شطرين: "المركز" (الدول الرأسمالية المتقدمة) و"الأطراف" (الدول النامية والفقيرة). العلاقة بين هذين الشطرين ليست علاقة تكامل متبادل، بل علاقة استغلال منهجي.

يحدد أمين أربع خصائص أساسية للتشكيلات الاجتماعية الطرفية:

1. هيمنة رأس المال الزراعي: حيث يظل القطاع الزراعي هو المهيمن، لكنه شديد التخلف ويعتمد على الإنتاج الفلاحي الصغير.
2. برجوازية محلية تاجرة: البرجوازية في الأطراف ليست برجوازية صناعية منتجة، بل هي في الأساس طبقة من التجار والوسطاء، تعيد إنتاج علاقات التبعية مع المركز.
3. مستويات عالية من عدم المساواة: تفاوت صارخ في توزيع الثروة والدخل.
4. بلترة جزئية وبطالة مقنعة: وجود قطاع رأسمالي محدود مصحوب بمستويات عالية من البطالة والبطالة المقنعة، بسبب انفصال المنتجين عن وسائل الإنتاج في غياب برجوازية وطنية قادرة على قيادة تراكم موجه داخلياً.

هذه الخصائص تجعل النمو في الأطراف عرضة دائماً للركود، بسبب اعتماده على قطاع أولي متقلب موجه نحو التصدير، وسوق محلية محدودة لا تستطيع استيعاب إنتاج صناعي حقيقي.

1.3 الاحتكارات الخمسة للدولة: كيف تمارس الإمبريالية هيمنتها؟

في تطوره اللاحق للنظرية، قدم أمين مفهوماً بالغ الأهمية لتحليل عصرنا الراهن: "الاحتكارات الخمسة الكبرى" التي تمارسها الدول الإمبريالية (المركز) للحفاظ على هيمنتها على الأطراف:

1. احتكار التكنولوجيا: السيطرة على الابتكار التكنولوجي والمعرفة العلمية المتقدمة، مما يبقي الأطراف في موقع المستورد والمستهلك، لا المنتج والمبتكر.
2. احتكار التمويل: السيطرة على النظام المالي العالمي، والمؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي)، وآليات الدفع (مثل نظام "سويفت" الخاضع للهيمنة الغربية).
3. احتكار الموارد الطبيعية: السيطرة على الوصول إلى الموارد الطبيعية الاستراتيجية، وتحديد شروط استخراجها وتسويقها.
4. احتكار وسائل الإعلام والاتصالات: السيطرة على الإنتاج الرمزي والإعلامي العالمي، وتشكيل الوعي والخطاب العام وفق مصالح المركز.
5. احتكار أسلحة الدمار الشامل: السيطرة على إنتاج وتوزيع الأسلحة المتطورة، وفرض نظام عالمي غير متكافىء يسمح لبعض الدول (مثل إسرائيل) بامتلاك أسلحة نووية، بينما يُمنع الآخرون (مثل إيران) حتى من البرنامج النووي السلمي.

هذه الاحتكارات الخمسة، مجتمعة، تبطل أي تأثير محتمل للتصنيع في الأطراف. فحتى لو استطاعت دولة طرفية أن تبني بعض القدرات الصناعية، فإن سيطرة المركز على التكنولوجيا والتمويل والإعلام والأسلحة تحول دون تحول هذا التصنيع إلى تنمية مستقلة حقيقية.

1.4 الإعلام كأداة هيمنة: إنتاج الوعي الزائف

في إطار الاحتكارات الخمسة، يولي أمين أهمية خاصة لاحتكار وسائل الإعلام والاتصالات. فالهيمنة لا تمارس فقط عبر القوة الاقتصادية والعسكرية المباشرة، بل أيضاً عبر القدرة على تشكيل الوعي، وإنتاج الخطاب، وفرض "الحقيقة" الوحيدة المسموح بها.

الإعلام في خدمة الهيمنة يعمل على:

· إنتاج "العدو": خلق أعداء جدد (إيران، المقاومة، الإسلام السياسي المستقل) يبررون استمرار سياسات الهيمنة.
· تطبيع التبعية: تقديم علاقات التبعية كأمر طبيعي، والاستقلال والنماذج التنموية البديلة كـ"انحراف" أو "تطرف".
· تشويه المقاومة: تحويل المقاومة إلى "إرهاب"، والنضال من أجل التحرر إلى "عنف طائفي".
· إنتاج النخب التابعة: خلق صف من المثقفين والإعلاميين والكتاب الذين يعيدون إنتاج خطاب المركز، ويقدمونه للجماهير المحلية بلغة مألوفة.

1.5 فك الارتباط: الطريق إلى التحرر

في مقابل التبعية، يطرح أمين مفهوم "فك الارتباط" (Déconnexion) كاستراتيجية للتحرر. فك الارتباط لا يعني العزلة أو الانغلاق، بل يعني إعادة توجيه الأولويات نحو الداخل: بناء اقتصاد يلبي احتياجات الشعب أولاً، وتطوير تكنولوجيا محلية، وإنشاء نظام مالي مستقل، وإنتاج خطاب إعلامي وثقافي خاص، وبناء قدرات دفاعية ذاتية.

إيران، كما رأينا في الفصل الخامس، تمثل نموذجاً عملياً لفك الارتباط هذا. رغم كل الضغوط، استطاعت أن تبني صناعة دوائية محلية تغطي 97% من الاحتياجات، وأن تتقدم في تكنولوجيا النانو والطب والخلايا الجذوية، وأن تطور صناعة دفاعية ردعية، وأن تنتج خطاباً إعلامياً بديلاً (برس تي في) يخاطب الجماهير العالمية.

هذا هو السبب الحقيقي وراء الحملات الإعلامية الشرسة ضد إيران. إنها ليست حملات ضد "انتهاكات حقوق الإنسان" أو "نظام ديكتاتوري"، بل هي حملات ضد نموذج ناجح لفك الارتباط، يهدد بانتقال عدوى الاستقلال إلى دول أخرى في الأطراف.

…..

ثانياً: النموذج الجزائري: شيطنة الجماعات الإسلامية وتجاهل الدور الغربي

2.1 السياق التاريخي: من الاستقلال إلى انهيار النموذج التنموي

بعد استقلال الجزائر عام 1962، قاد الرئيس هواري بومدين (1965-1978) مشروعاً تنموياً وطنياً ذا توجه اشتراكي، يقوم على تأميم الثروات (خاصة النفط)، وبناء صناعة وطنية، وتحقيق إصلاح زراعي، وتعزيز دور الدولة في توجيه الاقتصاد. كان هذا المشروع تجسيداً لفك الارتباط بالمعنى الأميني، أي بناء نموذج تنموي مستقل يلبي احتياجات الشعب.

لكن هذا المشروع واجه تحديات داخلية وخارجية جمة. داخلياً، تراكمت البيروقراطية والفساد، وتفاقمت مشاكل السكن والبطالة. خارجياً، انخفضت أسعار النفط، وازدادت المديونية الخارجية، ومارست القوى الإمبريالية ضغوطاً متزايدة.

بعد وفاة بومدين (1978)، وصل الشاذلي بن جديد إلى السلطة في فبراير 1979. كان الشاذلي شخصية عسكرية من جيل التحرير، لكنه لم يكن يتمتع بالحضور القوي أو الكاريزما التي تمتع بها بومدين. تشير التحليلات إلى أنه "اختير لأنه عسكري ومن جيل التحرير ولأنه صاحب شخصية باهتة وليست لديه عداوات". بعبارة أخرى، كان شخصية انتقالية يمكن للقوى المختلفة التوافق عليها.

2.2 الشاذلي بن جديد: الانفتاح على الغرب والإخوان

بدأ الشاذلي في تنفيذ سياسات جديدة تنحو نحو الانفتاح على الغرب والابتعاد عن النموذج الاشتراكي. قام بزيارة فرنسا عام 1982 والولايات المتحدة عام 1985، وكان أول رئيس جزائري تفتح له أبواب البيت الأبيض. كما أنهى مشروع التصنيع والثورة الزراعية، وأعاد الأراضي التي أممها بومدين إلى ملاكها الأصليين، وانفتح على الأوساط الاجتماعية الميسورة.

هذا التحول من "الاشتراكية" إلى "الليبرالية الاقتصادية" حدث على عجل، ودون تهيئة الشعب أو بناء شبكات أمان اجتماعي. النتيجة كانت متوقعة: زادت البطالة، ونقصت الأجور، وتفاقمت أزمة السكن، وتراكمت الديون الخارجية حتى وصلت إلى 18 مليار دولار. كما انخفضت أسعار النفط، مما زاد الطين بلة.

في هذا السياق المأزوم، فتح الشاذلي الباب أمام تيارات الإسلام السياسي الوهابي الإخوانجي الخادم للإمبريالية والممول من محميات الخليح الصهيو أمريكية . لم يكن هذا مجرد "انفتاح ديمقراطي"، بل كان أيضاً محاولة لموازنة نفوذ اليسار والقوى الوطنية، واستخدام الخطاب الديني لكسب شرعية جديدة. كما تشير التحليلات، "زاد الرئيس الشاذلي بن جديد من الجرعة الدينية داخل مؤسسات الدولة، وخصوصاً الجامعات، مثلما أتاح مساحة حرية لقادتها للتعبير عن اجتهاداتهم وآرائهم".

2.3 "الفقيه الظلامي الإخوانجي": من هو وماذا أراد؟

في هذا السياق، ظهرت شخصيات إسلامية بارزة، من أبرزهم الشيخ محمد الغزالي، المفكر الإخواني المصري الذي انتقل إلى الجزائر وعمل في جامعاتها. الغزالي كان واحداً من أبرز رموز الإخوان المسلمين، وصاحب تأثير واسع في الأوساط الإسلامية الإخوانجية الخادمة للإمبريالية في الجزائر والعالم العربي.

ما هو خطاب هؤلاء؟ كما يوضح تحليل "تريندز" للأبحاث، "أعطت الجماعات الدينية لمحاربة الفساد بعداً أخلاقياً، مما أكسبها جماهيرية واسعة". لكن هذا "البعد الأخلاقي" كان في الحقيقة غطاءً لمشروع سياسي واضح: الوصول إلى الحكم، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الدولة والمجتمع.

الغزالي وغيره من الدعاة الإخوانيين جلبوا معهم خطاباً يمزج بين "الإصلاح الديني" والمشروع السياسي التكفيري ، متأثرين بفكر الإخوان المسلمين الذي تبلور في مصر وانتشر في العالم العربي بدعم من المحميات الخليجية الصهيو أمريكية (السعودية وقطر). هؤلاء لم يكونوا مجرد "دعاة إصلاح"، بل كانوا جزءاً من مشروع سياسي دولي، يتلقى دعماً مالياً ولوجستياً من دوائر غربية استعمارية وخليجية.

2.4 من أكتوبر 1988 إلى الانتخابات: عندما يختار الشعب "من هو أسوأ"

في أكتوبر 1988، اندلعت انتفاضة شعبية في الجزائر، كانت في جوهرها ثورة شباب ضد الفساد والبطالة وسوء الأوضاع المعيشية. خرج المتظاهرون يهتفون بعبارات قاسية ضد النظام: "مساعدية سرّاق المالية والشاذلي قاتل".

لكن هذه الانتفاضة الشعبية الحقيقية، التي كانت تعبيراً عن معاناة الشعب ورفضه للسياسات الاقتصادية الفاشلة، تم استغلالها من قبل تيارات الإسلام السياسي. ففي 7 أكتوبر، أخذ الإسلاميون زمام الاعتصام، وخرج المتظاهرون يقودهم علي بلحاج وعدد من رموز الحركة الإسلامية.

هكذا تحول الغضب الشعبي المشروع إلى وقود لمركبة الإسلام السياسي. الشعب الجزائري، الذي كان يبحث عن بديل للنظام الفاسد والعاجز، وجد نفسه أمام خيارين: النظام القديم (الممثل في جبهة التحرير والدولة العسكرية) أو الإسلام السياسي (الممثل في الجبهة الإسلامية للإنقاذ). وكما تشير التحليلات، "طوّعت التنظيمات الدينية –التي كانت تعمل في السرية– الغضب الاجتماعي لمصلحتها".

في الانتخابات المحلية (1990) والتشريعية (1991)، حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً ساحقاً. في الانتخابات المحلية، حصلت على 953 مجلس بلدي من أصل 1539، و32 مجلس ولائي من أصل 48. في التشريعية، فازت بأغلبية ساحقة وصلت إلى 188 مقعداً من أصل 231 في الجولة الأولى.

هذا الفوز لم يكن تعبيراً عن "إيمان الشعب بالإسلام السياسي"، بل كان تعبيراً عن يأس عميق من النظام القائم، ورغبة في التغيير بأي ثمن. الشعب الجزائري، في لحظة غضبه، اختار "من هو أسوأ" لأنه لم يجد بديلاً وطنياً ديمقراطياً حقيقياً.

2.5 إلغاء الانتخابات والعشرية السوداء

في 11 يناير 1992، أعلن الرئيس الشاذلي بن جديد استقالته المفاجئة (تحت ضغط الجيش). وفي اليوم التالي، قرر المجلس الأعلى للأمن إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، ومنع الجبهة الإسلامية للإنقاذ من تشكيل الحكومة.

هذا القرار كان نقطة تحول كبرى. فقد دفع بالبلاد إلى حرب أهلية طاحنة استمرت عشر سنوات (1992-2002)، عُرفت باسم "العشرية السوداء"، وأسفرت عن مقتل ما بين 150,000 و 200,000 شخص.

لكن من الذي بدأ العنف؟ بعد إلغاء الانتخابات، تم اعتقال حوالي 20,000 من أعضاء الجبهة في غضون أيام، وسجنوا في معتقلات بالصحراء. رداً على ذلك، أعلن العديد من نشطاء الجبهة "الجهاد" ضد النظام العسكري، وصعدوا إلى الجبال، وشكلوا تنظيماً عسكرياً أطلق عليه "الجيش الإسلامي للإنقاذ". كما ظهرت جماعات أكثر تطرفاً مثل "الجماعة الإسلامية المسلحة" (GIA) التي أعلنت الحرب على كل من يخالفها، بما في ذلك الجبهة الإسلامية نفسها.

هكذا تحولت الجزائر إلى ساحة صراع دموي، لم يسلم منه المدنيون. الجماعات المسلحة ارتكبت مجازر مروعة بحق قرى بأكملها، بينما ردت الدولة بعنف مماثل أحياناً. كانت عشرية سوداء بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

2.6 تحليل سمير أميني: لماذا كانت هذه الجماعات خادمة للإمبريالية؟

من منظور سمير أمين، يمكن تحليل دور الإسلام السياسي الجزائري على النحو التالي:

أولاً: إضعاف الدولة الوطنية. كانت الجماعات الإسلامية، بقدر ما كانت تبدو "معادية للغرب" في خطابها، تخدم في الواقع المشروع الإمبريالي عبر تدمير الدولة الوطنية الجزائرية من الداخل. دولة قوية مستقلة (مثل الجزائر في عهد بومدين) تشكل عقبة أمام الهيمنة. دولة مفككة، منشغلة بحرب أهلية، عاجزة عن تطوير نفسها أو مقاومة الضغوط الخارجية، هي حلم الإمبريالية.

ثانياً: تحويل الصراع من طبقي إلى "هوياتي". الإمبريالية تفضل دائماً أن يأخذ الصراع في الأطراف شكل صراعات هوياتية (دينية، عرقية، طائفية) بدلاً من صراعات طبقية. فالصراع الطبقي يهدد بنية التبعية نفسها، ويدعو إلى تغيير جذري. أما الصراع الهوياتي، فيمكن استغلاله وإدارته، ويبقي البنية الاقتصادية الأساسية (التبعية) سليمة. الإسلام السياسي الجزائري حوّل الغضب من الفساد والبطالة (قضايا طبقية) إلى شعارات "تطبيق الشريعة" و"إقامة الدولة الإسلامية" (قضايا هوياتية).

ثالثاً: تفتيت جبهة المقاومة. في الصراع ضد الإمبريالية، كانت الجزائر بحاجة إلى جبهة وطنية واسعة تضم كل القوى الديمقراطية والتقدمية. الإسلام السياسي، بطائفيته وانقساماته، قسّم هذه الجبهة، وأضعف القدرة على المقاومة الجماعية.

رابعاً: إنتاج نموذج "الإرهابي" الذي يبرر التدخل الغربي. من خلال أعماله العنيفة، قدم الإسلام السياسي الجزائري للإمبريالية نموذجاً جاهزاً لـ"الإرهاب الإسلامي"، استخدمته لتبرير تدخلاتها في المنطقة، وحروبها ضد "الإرهاب". صحيح أن الجماعات المسلحة كانت تقاتل الدولة الجزائرية، لكن الصورة التي سادت عالمياً كانت: "الإسلاميون متطرفون وإرهابيون، والغرب يحاربهم دفاعاً عن الحضارة". هذه الصورة خدمت الهيمنة تماماً.

2.7 دور القوى الخارجية: كيسنجر وبرجينسكي وMI6

يكشف التحليل التاريخي عن تورط قوى خارجية في تغذية الإسلام السياسي الجزائري، بشكل مباشر أو غير مباشر:

· الدوائر الأمريكية (كيسنجر وبرجينسكي): في إطار استراتيجية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة ترى في الإسلام السياسي أداة لمواجهة النفوذ السوفيتي والتأثير على حركات التحرر الوطني ذات التوجه اليساري. هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأمريكي، كان من أبرز دعاة استخدام "العامل الإسلامي" لمواجهة المد الشيوعي. زبغنيو برجينسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر، واصل هذا النهج، ودعم المجاهدين الأفغان الذين شكلوا نواة لاحقة للتنظيمات الإسلامية المسلحة في العالم العربي.
· MI6 البريطانية: كانت المخابرات البريطانية، بخبرتها الاستعمارية الطويلة، أكثر تقدماً في استخدام الإسلام السياسي كورقة في اللعبة الجيوسياسية. العلاقات البريطانية مع الحركات الإسلامية في العالم العربي تعود إلى عقود، وكانت لندن تنظر إلى هذه الحركات كأداة للحفاظ على النفوذ البريطاني في المنطقة بعد انسحاب القوات الاستعمارية.
· المحميات الخليجية (السعودية وقطر): لعبت السعودية وقطر دوراً مركزياً في تمويل ونشر الفكر الإخواني والسلفي في الجزائر والعالم العربي. التمويل الخليجي للمساجد والجامعات والمراكز الثقافية، ودعم المنظمات الإسلامية، ساهم في خلق بيئة خصبة لنمو الإسلام السياسي. هذه الدول كانت في تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، وكانت سياساتها تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.

2.8 الجيش الجزائري: درع الدولة وإنقاذ البلاد من براثن التقسيم

في يناير 1992، وجد الجيش الجزائري نفسه أمام خيارين: السماح للجبهة الإسلامية للإنقاذ بتشكيل الحكومة، أو التدخل لإلغاء الانتخابات. الخيار الأول كان يعني تسليم الدولة لجماعة كانت تهدد بتفكيك المؤسسات، وإقامة "دولة إسلامية" على أنقاض الجمهورية. الخيار الثاني كان يعني الانقلاب على إرادة الناخبين، وخوض حرب مع الإسلاميين.

اختار الجيش الخيار الثاني. قراره لم يكن دفاعاً عن فساد النظام، بل دفاعاً عن الدولة الوطنية ومستقبل الجزائر. لقد رأى ما حدث في إيران عام 1979 (رغم اختلاف السياق)، ورأى ما كان يحدث في أفغانستان، وأدرك أن تسليم السلطة للإسلاميين سيكون نهاية الجزائر كدولة موحدة.

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على العشرية السوداء، يمكن القول إن قرار الجيش، رغم تكلفته البشرية الباهظة (150-200 ألف قتيل)، أنقذ الجزائر من مصير أسوأ. انظروا إلى ما حدث في الدول التي لم يتحرك جيشها لإنقاذ الدولة:

· ليبيا: بعد سقوط القذافي (2011) بدعم من الناتو والإسلاميين، تحولت البلاد إلى فوضى عارمة: حكومات متعددة، ميليشيات متناحرة، تدفق للاجئين، انقسام بين شرق وغرب، وتدخلات خارجية مستمرة.
· سوريا: بعد احتجاجات 2011 التي تحولت إلى حرب أهلية بدعم إقليمي ودولي، دُمرت البلاد وقتل مئات الآلاف، وشرد الملايين، ولا تزال تعاني من انقسام وفوضى.
· السودان: بعد سقوط نظام البشير (2019)، انزلقت البلاد إلى صراع دموي بين الجيش وقوات الدعم السريع، مما أدى إلى تدمير الخرطوم، ونزوح الملايين، ومجاعة تهدد الملايين.

الجزائر، رغم جراحها العميقة، بقيت دولة موحدة، بمؤسساتها الوطنية، وجيشها الذي يحمي حدودها، واقتصادها الذي لم ينهار. هذا هو الفرق بين إنقاذ الدولة وتركها للذئاب.

……

ثالثاً: النموذج السوري: من "الربيع العربي" إلى الحرب بالوكالة

3.1 السياق: الاحتجاجات والتحول إلى حرب أهلية

في مارس 2011، اندلعت احتجاجات في سوريا ضمن ما عُرف بـ"الربيع العربي". سرعان ما تحولت إلى صراع دموي متعدد الأطراف، استمر لأكثر من عقد، وأسفر عن مقتل مئات الآلاف، وتشريد ملايين، وتدمير واسع للبنية التحتية.

من منظور سمير أميني، كانت سوريا تمثل نموذجاً آخر للدولة الوطنية المستقلة التي تقف في وجه الهيمنة الغربية. موقفها الداعم للمقاومة الفلسطينية، ورفضها الخضوع للإملاءات الأمريكية، وتحالفها مع إيران وروسيا، جعلها هدفاً رئيسياً للحرب الهجينة.

3.2 التغطية الغربية: من الاحتجاجات السلمية إلى "الثورة"

في المرحلة الأولى، صورت وسائل الإعلام الغربية الاحتجاجات على أنها "انتفاضة شعبية سلمية" ضد "نظام ديكتاتوري". تم تضخيم أعداد المتظاهرين، والتركيز على قصص إنسانية مؤثرة، وتجاهل أي أصوات مؤيدة للحكومة.

مع تحول الصراع إلى حرب أهلية، وبروز جماعات جهادية (جبهة النصرة، داعش)، تغيرت التغطية لكن دون أن تفقد انحيازها. تم تصنيف الجماعات المسلحة إلى "معتدلة" (تستحق الدعم) و"متطرفة" (تستحق القتال)، مع تجاهل أن الحدود بينهما كانت غير واضحة عملياً.

3.3 آليات التشويه في التغطية السورية

3.3.1 تضخيم أرقام الضحايا

كما حدث مع إيران لاحقاً، تم تضخيم أعداد الضحايا بشكل كبير، مع الاعتماد على "المرصد السوري لحقوق الإنسان" (ومقره لندن، ويديره شخص واحد هو رامي عبد الرحمن) كمصدر وحيد موثوق. تم نقل أرقام المرصد دون تمحيص، رغم اعترافات متكررة بأنها تقديرات غير دقيقة.

3.3.2 شيطنة النظام وتجاهل جرائم المعارضة

تم التركيز بشكل شبه حصري على جرائم الجيش السوري والميليشيات الموالية له، بينما تم التعتيم على جرائم الجماعات المسلحة (ذبح المدنيين، تفجير المساجد، خطف الصحفيين الأجانب). عندما كانت تظهر أدلة على جرائم المعارضة، يتم تقديمها كـ"تجاوزات فردية" أو تبريرها كرد فعل على "قمع النظام".

3.3.3 الهجوم الكيميائي المفبرك

استخدمت قضية الأسلحة الكيميائية كورقة ضغط كبرى ضد النظام السوري. في عدة مناسبات (خاصة 2013 و2018)، تم توجيه اتهامات للنظام باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين، اعتماداً على مقاطع فيديو لمنظمات "الخوذ البيضاء" المرتبطة بالمعارضة. لاحقاً، كشفت تحقيقات مستقلة عن تناقضات في الرواية الرسمية، وتورط جماعات المعارضة في تدبير هجمات كيميائية لتلفيق الاتهامات.

3.4 دور الفقهاء الظلاميين في تأجيج الصراع السوري

لعب فقهاء المحميات الخليجية دوراً مركزياً في تأجيج الصراع السوري. شخصيات مثل يوسف القرضاوي (في قطر)، ومحمد العريفي وعائض القرني (في السعودية)، قدموا فتاوى ومواقف تحرض على القتال في سوريا، وتصوره "جهاداً" ضد "النظام العلوي الكافر". هذا الخطاب الطائفي ساهم في تحويل الصراع من سياسي إلى طائفي، وجذب آلاف المقاتلين من جميع أنحاء العالم.

القرضاوي، الذي كان يقدم برنامج "الشريعة والحياة" على قناة الجزيرة القطرية، استخدم منبره للدعوة إلى تسليح المعارضة السورية، ولشيطنة النظام السوري وحلفائه (إيران وروسيا). العريفي والقرني، بدورهما، كانا من أبرز الداعمين للجماعات المسلحة، وقدما غطاءً دينياً لعملياتها.

هؤلاء الفقهاء، بتوظيفهم للخطاب الديني في خدمة مشروع سياسي، جسدوا نموذج "العالم التابع" بالمعنى الأميني، أي العالم الذي يعيد إنتاج خطاب المركز ويقدمه للجماهير بلغة دينية مألوفة.

3.5 أوجه الشبه مع إيران

3.5.1 الاعتماد على مصادر مشبوهة

في سوريا، كان "المرصد السوري" المصدر شبه الوحيد لأعداد القتلى. في إيران، تعتمد وسائل الإعلام الغربية على منظمات مثل "هرانا" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، وتقدم أرقاماً مضاعفة عن المصادر الرسمية.

3.5.2 تجاهل السياق الإقليمي والدولي

في سوريا، تم تجاهل الدعم التركي والخليجي والغربي للجماعات المسلحة، وتقديم الصراع كمواجهة ثنائية بين "نظام" و"شعب". في إيران، يتم تجاهل الدعم الإسرائيلي والأمريكي للمعارضة المسلحة والمحتجين، وتقديم الاحتجاجات كـ"انتفاضة شعبية" عفوية.

3.5.3 استخدام الفقهاء الظلاميين

كما استخدم فقهاء المحميات في تأجيج الصراع السوري، يتم استخدامهم اليوم في تأجيج الحملات ضد إيران، عبر فتاوى وخطابات تحرض على الشيعة وتصور إيران كـ"خطر صفوي" يهدد السنة.

……

رابعاً: النموذج الليبي: من "حماية المدنيين" إلى تدمير الدولة

4.1 السياق: ثورة 17 فبراير والتدخل الدولي

في فبراير 2011، اندلعت احتجاجات مفبركة في ليبيا ضد نظام معمر القذافي الذي حكم البلاد لأكثر من 40 عاماً. تحولت سريعاً إلى صراع مسلح، ومع تقدم قوات المعارضة الإرهابية وتراجع قوات النظام، تدخل حلف الناتو عسكرياً في مارس تحت قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي نص على "حماية المدنيين" وفرض منطقة حظر جوي.

4.2 التغطية الغربية: من القذافي "الطاغية المجنون" إلى "المحررين"

4.2.1 شيطنة القذافي

قبل التدخل، شنّت وسائل الإعلام الغربية حملة شرسة ضد القذافي، وصورته كـ"طاغية مجنون" يقتل شعبه بوحشية. تم تكرار مشاهد وعبارات محددة (خطاب "سنقاتل حتى آخر رجل وامرأة"، استخدام المرتزقة الأفارقة) لخلق صورة وحشية تجعل التدخل "ضرورة أخلاقية".

من منظور سمير أميني، كانت شيطنة القذافي جزءاً من استراتيجية أوسع لتبرير التدخل. فالقذافي، رغم تناقضاته، كان يمثل نموذجاً للدولة الوطنية المستقلة التي تملك ثروات نفطية هائلة وتسعى للتحرر من الهيمنة الغربية.

4.2.2 تغطية المعارضة كـ"ثوار شرفاء"

في المقابل، صورت المعارضة الليبية على أنها "ثوار شرفاء" يناضلون من أجل الحرية والديمقراطية. تم تجاهل أن المعارضة كانت تضم عناصر إسلامية متطرفة، وانفصاليين، وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وميليشيات إقليمية لها أجنداتها الخاصة.

4.2.3 إخفاء الدور الغربي الحقيقي

تم تقديم التدخل العسكري كـ"استجابة إنسانية" لنداء الجامعة العربية والمجلس الانتقالي الليبي. تم التعتيم على المصالح الحقيقية للدول المشاركة: النفط، العقود، النفوذ الجيوسياسي. كما تم تجاهل أن التدخل تجاوز حدود القرار الأممي (من حماية المدنيين إلى دعم تغيير النظام).

4.3 النتائج الكارثية والتغطية الصامتة

بعد سقوط القذافي (أكتوبر 2011)، انزلقت ليبيا إلى فوضى عارمة: حكومات متعددة، ميليشيات متناحرة، تدفق للاجئين، انتشار للإرهاب، انقسام بين شرق وغرب. ورغم ذلك، اختفت ليبيا من التغطية الإعلامية الغربية. لم يعد هناك "مسؤولية أخلاقية" تجاه ما حدث للمدنيين الليبيين بعد "التحرير".

4.4 الأصوات النقدية الغربية

4.4.1 تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي

في 2012، أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي تقريراً كشف أن التقديرات الاستخباراتية عن قوة القذافي وقدرته على قتل المدنيين كانت مبالغاً فيها، وأن الدعم الغربي للمعارضة شمل تدفق أسلحة إلى جماعات إسلامية متطرفة.

4.4.2 تحليل جيفري ساكس

يقدم جيفري ساكس في مقاله تحليلاً عميقاً للحرب الهجينة على ليبيا، مقارناً إياها بالحرب على إيران. يوضح ساكس أن الناتو استخدم قرار مجلس الأمن 1973 كغطاء لتنفيذ عملية تغيير النظام، مما أدى إلى تدمير الدولة الليبية وتحويلها إلى بؤرة للفوضى والإرهاب.

4.5 أوجه الشبه مع إيران

4.5.1 استخدام "حماية المدنيين" كغطاء

في ليبيا، تم استخدام شعار "حماية المدنيين" لتبرير تدخل عسكري أدى في النهاية إلى مقتل آلاف المدنيين وتدمير الدولة. في إيران، يتم استخدام شعار "دعم الشعب الإيراني" لتبرير عقوبات اقتصادية خانقة تقتل المرضى والفقراء، وتدعم جماعات معارضة مسلحة.

4.5.2 الاعتماد على شخصيات معارضة مشبوهة

في ليبيا، تم تصدير شخصيات مثل محمود جبريل وعبد الحفيظ غوقة كـ"قادة معتدلين". في إيران، يتم تصدير رضا بهلوي (ابن الشاه) ومريم رجوي (مجاهدي خلق) كـ"قادة المعارضة"، رغم عدم وجود قاعدة شعبية حقيقية لهما داخل إيران.

4.5.3 تجاهل المصالح النفطية

في ليبيا، تم التعتيم على المصالح النفطية الحقيقية للدول المشاركة في التدخل. في إيران، يتم التعتيم على أن الهدف الحقيقي للعقوبات هو النفط الإيراني، ومنع إيران من تطوير صناعتها النفطية المستقلة.

……

خامساً: النموذج الفنزويلي: الحرب الاقتصادية والإعلامية ضد الاشتراكية

5.1 السياق: الثورة البوليفارية والعقوبات

منذ وصول هوغو تشافيز إلى السلطة (1999)، اتبعت فنزويلا سياسات اشتراكية: تأميم النفط، برامج اجتماعية واسعة، دعم دول أمريكا اللاتينية التقدمية. بعد وفاة تشافيز (2013)، واصل نيكولاس مادورو النهج نفسه. ردت الولايات المتحدة بعقوبات اقتصادية خانقة استهدفت قطاع النفط، وتجمد أصول، ومنع تمويل دولي.

من منظور سمير أميني، تمثل فنزويلا نموذجاً لفك الارتباط في أمريكا اللاتينية. تحديها للهيمنة الأمريكية، وبناء تحالفات مع قوى صاعدة (روسيا، الصين، إيران)، جعلها هدفاً رئيسياً للحرب الهجينة.

5.2 التغطية الغربية: أزمة إنسانية من صنع النظام

5.2.1 تصوير الأزمة كنتيجة للفشل الداخلي

غطت وسائل الإعلام الغربية الأزمة الفنزويلية (نقص الغذاء والدواء، تضخم هائل، هجرة جماعية) بتفاصيل مكثفة، مع التركيز على "فشل الاشتراكية" و"ديكتاتورية مادورو". تم تجاهل دور العقوبات الأمريكية بشكل شبه كامل، رغم اعترافات مسؤولين أمريكيين (مثل إليوت أبرامز) بأن العقوبات تهدف إلى "خنق النظام".

5.2.2 دعم المعارضة كـ"حكومة شرعية"

عندما أعلن خوان غوايدو (رئيس الجمعية الوطنية) نفسه رئيساً مؤقتاً (2019)، سارعت وسائل الإعلام الغربية إلى الاعتراف به كـ"رئيس شرعي". تم تقديم غوايدو كزعيم ديمقراطي شاب، رغم أن توليه المنصب كان مخالفاً للدستور، ورغم انعدام شعبية حقيقية له.

5.3 حادثة اعتقال مادورو: اختبار للموقف الإيراني

في يناير 2026، جرى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية مفاجئة، ونُقل إلى الأراضي الأميركية. هذا الحدث شكل اختباراً حقيقياً للعلاقات الإيرانية-الفنزويلية، وكشف عن تناقضات في الموقف الإيراني.

5.3.1 الموقف الرسمي الإيراني

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً بنظيره الفنزويلي، وصف خلاله تصرّف الولايات المتحدة بأنه مثال واضح على "الإرهاب الدولي" و"انتهاك صارخ للسيادة والإرادة الوطنية لشعب فنزويلا". وتبنت الصحف الأصولية خطاباً مشابهاً، مؤكدة عدم شرعية اختطاف مادورو، واعتبرت أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو الوصول إلى الموارد النفطية الفنزويلية.

5.3.2 ردود الفعل الشعبية المتناقضة

لكن على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت ردود فعل مختلفة تماماً. أعاد كثيرون نشر مقاطع لنواب وشخصيات مقرّبة من الحكومة كانوا قد أكدوا في الأشهر الماضية أن مادورو قادر على الصمود في وجه الضغوط الأميركية. كما انتشر مقطع من لقاء المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي مع مادورو عام 2022، حين قال إن الجمهورية الإسلامية "تمسك بيد أصدقائها في أوقات الخطر". وخلص هؤلاء المستخدمون إلى أن كثيراً من التصريحات والمواقف الرسمية في إيران تقوم على الأماني والتمنيات أكثر مما تقوم على قراءة واقعية للمعطيات.

5.3.3 الخسائر المالية الإيرانية

قدر الصحافي سيد هادي كسائي زاده الخسائر المالية لإيران جراء سقوط مادورو بنحو 4 مليارات دولار، أي ما يعادل 6% من إجمالي الموازنة الإيرانية. هذه الخسائر تمثل ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني الذي يعاني أصلاً من عقوبات خانقة.

5.4 تحليل سمير أميني للحرب على فنزويلا

من منظور سمير أميني، تمثل الحرب على فنزويلا نموذجاً كلاسيكياً للهيمنة الإمبريالية. الهدف الحقيقي ليس "نشر الديمقراطية" أو "محاربة الديكتاتورية"، بل السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة في حزام أورينوكو، وإسقاط حكومة يسارية تتبنى سياسات مستقلة.

العقوبات الاقتصادية هي أداة الحرب الرئيسية. كما يوضح تحليل جيفري ساكس، فإن "العقوبات الاقتصادية الأميركية ليست إجراءً دبلوماسياً، بل هي حرب تامة تهدف إلى تجويع الاقتصاد وإثارة السخط الشعبي". هذه الحرب الاقتصادية مدعومة بحرب إعلامية شرسة تصور فنزويلا كدولة فاشلة، وتتجاهل مسؤولية العقوبات عن الأزمة الإنسانية.

5.5 أوجه الشبه مع إيران

5.5.1 العقوبات كحرب اقتصادية

في فنزويلا كما في إيران، تستخدم الولايات المتحدة العقوبات كسلاح رئيسي لخنق الاقتصاد وإثارة السخط الشعبي. في كلا البلدين، يتم تجاهل دور العقوبات في التغطية الإعلامية، ويتم تحميل النظام المسؤولية الكاملة عن الأزمة الاقتصادية.

5.5.2 دعم المعارضة المشبوهة

في فنزويلا، تم دعم غوايدو رغم عدم شرعيته الدستورية وضعف قاعدته الشعبية. في إيران، يتم دعم رضا بهلوي ومريم رجوي، رغم عدم وجود دعم شعبي حقيقي لهما.

5.5.3 تضخيم الاحتجاجات

في فنزويلا كما في إيران، يتم تضخيم الاحتجاجات المحدودة وتصويرها على أنها "انتفاضات شعبية". يتم تجاهل حجم المظاهرات المؤيدة للحكومة، وتعقيد المشهد السياسي الداخلي.

5.5.4 المخاطر المشتركة

تجربة فنزويلا تقدم دروساً مهمة لإيران:

· الاعتماد المفرط على حلفاء غير موثوقين: سقوط مادورو كشف محدودية الدعم الدولي، حتى من حلفاء مثل روسيا.
· الاستثمارات الخارجية عرضة للمخاطر: الخسائر الإيرانية في فنزويلا تذكر بأن الاستثمارات في دول تعاني من عدم استقرار سياسي قد تذهب سدى.
· الانقسام الداخلي يضعف القدرة على المواجهة: ردود الفعل المتناقضة داخل إيران على حادثة مادورو تظهر أن الانقسامات الداخلية يمكن أن تستغل من قبل الخصوم.

…….

سادساً: دروس مستفادة لإيران: كيف تتعلم من تجارب الآخرين؟

6.1 الإعلام ليس مجرد أداة دفاعية

أحد الدروس المهمة من تجارب الجزائر وسوريا وليبيا هو أن الإعلام الدفاعي (الذي يكتفي بالرد على الاتهامات) غير كاف. تحتاج إيران إلى إعلام هجومي، يبادر بكشف أكاذيب الخصم، ويقدم سرديته الخاصة، ويخترق الفضاءات التي يسيطر عليها الإعلام المعادي.

6.2 أهمية بناء تحالفات إعلامية جنوب-جنوب

كما رأينا، فإن روسيا والصين تملكان وسائل إعلام قوية (RT، غلوبال تايمز) تقدم روايات بديلة. التعاون مع هذه الوسائل، وتبادل المحتوى والخبرات، يمكن أن يوسع نطاق وصول السردية الإيرانية.

6.3 توثيق الانتهاكات الغربية

تجربة سوريا أظهرت أهمية توثيق الانتهاكات الغربية (قصف المدنيين، دعم الإرهابيين، سرقة النفط) وتقديمها للرأي العام العالمي. إيران لديها فرصة لتوثيق آثار العقوبات على المواطنين العاديين، وربط معاناتهم بالسياسات الغربية.

6.4 لا تختار "من هو أسوأ"

ما حدث في الجزائر يحمل درساً ثميناً للشعب الإيراني اليوم. الشعب الجزائري، الذي كان محقاً في غضبه من فساد النظام وعجزه، وقع في فخ اختيار "من هو أسوأ". الإسلام السياسي الجزائري، بدلاً من أن يكون حلاً، كان كارثة. قاد البلاد إلى عشرية سوداء، دمر فيها الاقتصاد وقتل فيها مئات الآلاف، وكاد أن يمزق وحدة التراب الوطني.

الجيش الجزائري الوطني، المتمسك بجذور جبهة التحرير الوطني، أدرك هذه الحقيقة في وقت حاسم، وتصدى لهذه الجماعات، وأنقذ الجزائر من مصير ليبيا (التقسيم والفوضى) وسوريا (الحرب الأهلية والدمار).

6.5 دروس من فنزويلا

تجربة فنزويلا تقدم دروساً مهمة لإيران:

· الاعتماد المفرط على حلفاء غير موثوقين: سقوط مادورو كشف محدودية الدعم الدولي، حتى من حلفاء مثل روسيا.
· الاستثمارات الخارجية عرضة للمخاطر: الخسائر الإيرانية في فنزويلا (4 مليارات دولار) تذكر بأن الاستثمارات في دول تعاني من عدم استقرار سياسي قد تذهب سدى.
· الانقسام الداخلي يضعف القدرة على المواجهة: ردود الفعل المتناقضة داخل إيران على حادثة مادورو تظهر أن الانقسامات الداخلية يمكن أن تستغل من قبل الخصوم.

6.6 الحذر من الفقهاء الظلاميين

كما رأينا في التجربة الجزائرية والسورية، لعب فقهاء المحميات الخليجية (الغزالي، القرضاوي، العريفي، القرني، ابن باز) دوراً مركزياً في تأجيج الصراعات وتشويه الوعي الشعبي. هؤلاء ليسوا "علماء دين" بالمعنى التقليدي، بل هم مثقفون تابعون، يعيدون إنتاج خطاب المركز تحت غطاء ديني.

على الشعب الإيراني أن يحذر من هؤلاء الفقهاء الظلاميين، وألا يسمح لخطابهم الطائفي بأن يخترق وعيه. فالعدو الحقيقي ليس "الشيعي" أو "السني"، بل الإمبريالية وهياكلها التابعة.

……

سابعاً: تحليل مقارن من منظور سمير أميني

7.1 النمط المتكرر: خمس مراحل

من خلال مقارنة الحالات الخمس (الجزائر، سوريا، ليبيا، فنزويلا، إيران) من منظور سمير أميني، يمكن استخلاص نمط متكرر من خمس مراحل:

المرحلة الأولى: التمهيد. تبدأ الحملة الإعلامية قبل فترة من الحدث، عبر نشر تقارير عن "انتهاكات حقوق الإنسان"، و"فساد النظام"، و"معاناة الشعب". الهدف هو خلق صورة سلبية مسبقة عن النظام، تجعل الجمهور مهيأ لقبول أي تدخل ضده. هذه المرحلة تتوافق مع احتكار وسائل الإعلام والاتصالات في نظرية أمين.

المرحلة الثانية: الشرارة. عندما يحدث حدث ما (احتجاجات، أزمة اقتصادية، صراع مسلح)، يتم تضخيمه فوراً وتصويره على أنه "انتفاضة شعبية" ضد النظام. يتم تجاهل أي تعقيدات في الحدث (وجود عناصر مسلحة، تدخل خارجي، أبعاد محلية). هذه المرحلة تتوافق مع إنتاج الوعي الزائف وتشكيل الخطاب العام وفق مصالح المركز.

المرحلة الثالثة: التعبئة. تنطلق حملة إعلامية منسقة، تشمل جميع وسائل الإعلام الكبرى، لنقل صورة موحدة: النظام يقتل شعبه بوحشية. يتم استضافة معارضين وخبراء موالين للغرب حصرياً. يتم تجاهل أي أصوات مؤيدة للنظام أو محايدة. هذه المرحلة تتوافق مع تعبئة النخب التابعة لإعادة إنتاج خطاب المركز.

المرحلة الرابعة: الشرعنة. تُستخدم التغطية الإعلامية لشرعنة تدخلات خارجية: عقوبات اقتصادية (إيران، فنزويلا)، دعم عسكري للمعارضة (سوريا)، تدخل عسكري مباشر (ليبيا). يُقدَّم التدخل كـ"ضرورة إنسانية" أو "حماية للمدنيين". هذه المرحلة تتوافق مع استغلال احتكارات المركز (التمويل، التكنولوجيا، الأسلحة) لفرض إرادته على الأطراف.

المرحلة الخامسة: النسيان. بعد تحقيق الهدف (إسقاط النظام أو إضعافه)، تختفي الدولة من التغطية الإعلامية. لا أحد يسأل عن مصير المدنيين بعد "التحرير". تترك الدول لتعاني من الفوضى والدمار والصراعات الأهلية. هذه المرحلة تتوافق مع إعادة إنتاج التبعية، حيث تتحول الدول المستهدفة من "دول وطنية" إلى "دول فاشلة" تابعة للمركز.

7.2 دور النخب التابعة

في كل هذه الحالات، لعب "المثقفون التابعون" (بالمعنى الأميني) دوراً مركزياً. هؤلاء هم الإعلاميون والكتاب والفقهاء الذين يعيدون إنتاج خطاب المركز، ويقدمونه للجماهير المحلية بلغة مألوفة. في الجزائر، كان محمد الغزالي وغيره من الدعاة الإخوانيين. في سوريا، كان القرضاوي والعريفي والقرني. في ليبيا، كان بعض الإعلاميين والكتاب الذين روجوا للتدخل الغربي. في فنزويلا، كان بعض الإعلاميين المحليين الممولين من USAID وNED.

هؤلاء النخب التابعة هم أدوات الهيمنة، وهم مسؤولون، إلى حد كبير، عن تشويه وعي الشعوب وتوجيهها نحو صراعات هوياتية لا طائل منها.

7.3 المستفيد الوحيد: المجمع العسكري-الصناعي-الرقمي

يكشف تحليل سمير أميني عن المستفيد الوحيد من هذه الحروب: المجمع العسكري-الصناعي-الرقمي في الدول الإمبريالية. كما يشير جيفري ساكس، فإن "الدول العميقة الأميركية والإسرائيلية مدمنة على الحرب الهجينة. وبالعمل معاً، أسهمت CIA والموساد، ومتعاقدون عسكريون وأجهزة أمنية حليفة، في نشر الفوضى عبر إفريقيا والشرق الأوسط، ضمن نطاق واسع من الحروب الهجينة شمل ليبيا، والصومال، والسودان، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران، واليمن".

هذا التحليل يربط بين الحرب الإعلامية والمصالح الاقتصادية الكبرى، ويكشف أن ما يبدو صراعات سياسية أو أيديولوجية هو في الحقيقة صراع على الموارد والنفوذ والثروات.

……

خاتمة الفصل السادس: التاريخ يعيد نفسه

في ختام هذه الجولة المقارنة، نعود إلى حكمة سانتايانا: "من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره". ما يحدث في إيران اليوم ليس جديداً. نفس الآليات، نفس التقنيات، نفس الأكاذيب، استخدمت من قبل ضد الجزائر وسوريا وليبيا وفنزويلا. في كل مرة، كان الهدف واحداً: إسقاط تجربة وطنية مستقلة، وإخضاع شعب لإرادة الهيمنة.

لكن التاريخ يعيد نفسه أيضاً في جانب آخر: في كل مرة، يكتشف الشعب المستهدف زيف الدعاية، ويكتشف أن من يدعون "دعمه" هم في الحقيقة أعداؤه. في الجزائر، انتهى "الربيع" إلى عشرية سوداء. في سوريا، انتهى إلى تدمير وخراب. في ليبيا، انتهى إلى فوضى وحرب أهلية. في فنزويلا، لا يزال الشعب يعاني من حرب اقتصادية خانقة.

هذه الدروس يجب أن تكون حاضرة في ذهن كل إيراني يسمع دعوات "التغيير" و"الحرية" و"الديمقراطية" التي تطلقها واشنطن وتل أبيب. فخلف هذه الشعارات الجميلة، تختبئ مصالح قبيحة: النفط، النفوذ، السيطرة. وخلف الوعود بالمساعدة، تختبئ نوايا تدميرية: تفكيك الدولة، نهب الثروات، إذلال الشعب.

الإيرانيون ليسوا بحاجة إلى من "يحررهم". هم شعب حر، أثبت عبر أربعة عقود من الحصار والمؤامرات أنه قادر على إدارة شؤونه بنفسه. ما يحتاجونه حقاً هو أن يروا الحقيقة كما هي، بعيداً عن تضليل الإعلام المهيمن. وهذا ما حاول هذا الفصل تقديمه: الحقيقة المستخلصة من تجارب الآخرين، لتكون عبرة لأهل البصائر.

كما يقول سمير أمين في أحد كتبه: "التحرر الحقيقي يبدأ عندما تدرك الشعوب أنها ليست وحدها في معركتها، وعندما تتعلم من تجارب الآخرين، وعندما تبني تحالفات جنوبية-جنوبية قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين". هذه هي الرسالة التي نريد أن نوجهها من خلال هذا الفصل: أنتم لستم وحدكم، وتجارب الآخرين تحمل لكم دروساً ثمينة، والمستقبل لمن يصمد ويبني ويتعلم.

…….

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل السادس

1. سمير أمين، "التراكم على صعيد عالمي: نقد نظرية التخلف"، 1974
2. سمير أمين، "التطور غير المتكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية الطرفية"، 1976
3. سمير أمين، "المركزية الأوروبية: نقد أيديولوجي"، 1989
4. سمير أمين، "رأسمالية العصر: نقد المشروع السياسي المعاصر"، 1997
5. نظرية التبعية: تحليل سمير أمين للعلاقة بين المركز والأطراف، مدامصر، سبتمبر 2024
6. الجبهة الإسلامية للإنقاذ: التأسيس والانتخابات والإلغاء، ويكيبيديا
7. العشرية السوداء في الجزائر: التاريخ والخلفيات والنتائج، ويكيبيديا
8. سنوات الشاذلي بن جديد.. من الرخاء إلى العشرية السوداء، تقرير وثائقي
9. الإخوان المسلمون في الجزائر.. تناسل الأحزاب ووحدة المقاصد، تريندز للأبحاث، يونيو 2024
10. مع التنظيم العالمي للإخوان، مذكرات يوسف القرضاوي
11. جيفري ساكس وسيبيل فارس، "الحرب الهجينة الأمريكية‑الإسرائيلية ضد إيران"، CNN بالعربية، 19 يناير 2026
12. تقرير النهار، "فنزويلا في الخطاب الإيراني: انقسام في المواقف وتساؤلات عن المستقبل"، 5 يناير 2026
13. تقرير RT، "RT ترصد مؤشرات على دعم تل أبيب وواشنطن لمسلحين في احتجاجات إيران"، 2026
14. تقرير غلوبال تايمز، "US threatens tariffs on countries doing business with Iran amid very good talks Chinese expert calls move parallel strategy of pressure and talks ، 7 فبراير 2026
15. تقرير وكالة تسنيم، "تأكيد صيني على الحقوق النووية الإيرانية عشية المفاوضات"، 5 فبراير 2026







………


الفصل السابع:

مهاجمة إيران والمقاومات كمهنة للفاشلين

سيكولوجية الكراهية المأجورة واقتصاديات الهيمنة الرمزية

تمهيد: في متاهات الوعي الزائف

على أطراف المشهد الإعلامي الصاخب، تقف فئة من البشر لا تكاد تخلو منها قناة فضائية أو منصة رقمية أو جريدة ورقية: فئة "المهاجمين المحترفين"، أولئك الذين جعلوا من مهاجمة إيران والمقاومات حرفة يومية، ومن الكراهية مورداً رزق، ومن التشويه عملاً مدفوع الأجر. يطلون علينا صباح مساء، بوجوه متجهمة، وعبارات جاهزة، وغضب مصطنع، ليقنعونا بأن الخطر قادم من طهران، وأن العدو هو "الملالي" و"الحرس الثوري" و"الميليشيات"، وأن الخلاص الوحيد هو في الاستسلام للهيمنة الغربية والانضواء تحت لواء "النظام الدولي" الذي تقوده واشنطن.

من هم هؤلاء؟ ما الذي يدفعهم إلى هذا الاستغراق في الكراهية؟ هل هو اقتناع أيديولوجي عميق؟ أم حاجة نفسية للاعتراف؟ أم مجرد صفقة مالية رابحة؟ أم خليط معقد من كل هذا؟

في هذا الفصل، سنحاول تفكيك ظاهرة "مهاجمة إيران والمقاومات كمهنة"، عبر أدوات تحليلية متعددة: من علم النفس الاجتماعي الذي يكشف آليات تكوين الصور النمطية والكراهية الجماعية، إلى الاقتصاد السياسي الذي يتتبع تدفقات التمويل وعلاقات الإنتاج في صناعة الخطاب، وصولاً إلى التحليل النقدي الذي يفضح زيف الادعاءات بـ"الموضوعية" و"المهنية" التي يتستر خلفها هؤلاء المهاجمون.

سنستند في ذلك إلى مصادر متنوعة: من الدراسات الغربية التقدمية التي حللت ظاهرة "الكراهية المأجورة" في سياقات متعددة، إلى التحليلات الروسية والصينية التي ترصد آليات تشكيل الرأي العام في الفضاء ما بعد السوفيتي، وصولاً إلى شهادات من داخل "المطبخ الإعلامي" نفسه، حيث اعترف بعض المهاجمين السابقين بآلية عمل هذه المهنة، وكيف أن الكراهية التي يبثونها ليست سوى سلعة في سوق الهيمنة الرمزية.

سنرى كيف أن مهاجمة إيران ليست مجرد خيار فردي، بل هي صناعة منظمة، تمولها دوائر النفوذ الغربية والخليجية، وتديرها أجهزة استخباراتية، وينفذها جيش من الإعلاميين والكتاب والمحللين الذين يحولون أقلامهم إلى بنادق في معركة لا تعنيهم، إلا بقدر ما تدر عليهم من أموال وشهرة. وسنكتشف المفارقة المأساوية: أن هؤلاء المهاجمين، الذين يصورون أنفسهم كـ"أصوات حرية" و"ضمائر حرة"، هم في الحقيقة مجرد مرتزقة في خدمة مشروع الهيمنة، يبيعون أوطانهم وقضاياهم مقابل حفنة من الدولارات وشيء من الأضواء.

……

أولاً: الإطار النظري: نحو سوسيولوجيا للكراهية المأجورة

1.1 مفهوم "الكراهية المأجورة" (Hired Hatred)

يُعد مفهوم "الكراهية المأجورة" من المفاهيم الحديثة نسبياً في التحليل الاجتماعي والسياسي. يشير إلى ظاهرة تحول الكراهية إلى سلعة تباع وتشترى في سوق الرأي العام، حيث يتم إنتاج خطابات كراهية منظمة وموجهة مقابل أجر مادي، بغض النظر عن قناعات المنتج الفعلية.

1.1.1 فرويد وتوتيم الطوطم: الكراهية كآلية دفاعية

من منظور التحليل النفسي، يمكن فهم الكراهية كآلية دفاعية، حيث يقوم الفرد بإسقاط صفاته السلبية المرفوضة على "الآخر"، ثم يهاجم ذلك الآخر كبديل عن مواجهة ذاته. في حالة المهاجمين المحترفين، غالباً ما يكون الهجوم على إيران تعبيراً عن كراهية الذات، وعن عقدة النقص إزاء فشل الذات في تحقيق أي إنجاز ملموس.

1.1.2 أدورنو والشخصية السلطوية

في دراسته الكلاسيكية "الشخصية السلطوية" (The Authoritarian Personality)، حلل تيودور أدورنو السمات النفسية للأفراد الذين يميلون إلى تبني أيديولوجيات سلطوية وكراهية الجماعات الأخرى. وجد أدورنو أن هذه الشخصية تتميز بـ:

· الامتثال المفرط للسلطة والخضوع لها
· العدوانية تجاه الجماعات الضعيفة أو المختلفة
· التفكير النمطي والتبسيطي
· عدم التسامح مع الغموض والتعقيد
· الإسقاط كآلية دفاع أساسية

هذه السمات تنطبق إلى حد كبير على "المهاجمين المحترفين"، الذين يكررون شعارات جاهزة عن "خطر إيران" دون أي تحليل معمق، وينحازون بشكل أعمى للسلطة الغربية، ويعادون كل من يختلف معهم.

1.1.3 بورديو والكراهية كرأسمال رمزي

من منظور بيير بورديو، يمكن النظر إلى الكراهية كنوع من "الرأسمال الرمزي" (Symbolic Capital) في حقول إعلامية وسياسية معينة. ففي بعض الحقول (مثل الإعلام العربي الموجه)، يدر الكلام المعادي لإيران أرباحاً رمزية (ظهور، شهرة، جوائز) ومادية (تمويل، عقود، منح). لذلك، يستثمر الوكلاء في هذا النوع من الرأسمال، ويطورون خطاباً يزيد من قيمته السوقية.

1.2 الإعلامي كمرتزق: بين الاقتناع والاصطناع

الإشكالية المركزية في تحليل "المهاجمين المحترفين" تتعلق بالعلاقة بين الاقتناع الداخلي والأداء الخارجي. هل هؤلاء مقتنعون فعلاً بما يقولون؟ أم أنهم يؤدون دوراً مقابل أجر؟

1.2.1 نموذج "المثقف العضوي" عند غرامشي

قدم أنطونيو غرامشي مفهوم "المثقف العضوي" (Organic Intellectual) للإشارة إلى المثقفين الذين يعبرون عن مصالح طبقتهم أو فئتهم الاجتماعية بشكل عضوي، أي أنهم يتبنون أفكاراً تنبع من موقعهم الاجتماعي الفعلي. في حالة المهاجمين المحترفين، يمكن الحديث عن "مثقفين مرتزقة" (Mercenary Intellectuals)، أي مثقفين يتبنون أفكاراً لا تعبر عن مصالحهم الحقيقية، بل عن مصالح من يمولونهم.

1.2.2 التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)

نظرية التنافر المعرفي (ليون فيستنغر) تفسر كيف يتعامل الأفراد مع التناقض بين معتقداتهم وأفعالهم. عندما يمارس الإعلامي مهاجمة إيران وهو غير مقتنع بها، يحدث لديه تنافر بين الفعل (الهجوم) والاعتقاد (عدم الاقتناع). للتخلص من هذا التنافر، قد يبدأ تدريجياً في تبني الأفكار التي يروج لها، حتى يختفي التناقض. هذه الآلية تفسر كيف أن "المرتزق" قد يتحول مع الوقت إلى "مؤمن".

1.2.3 البراغماتية المتطرفة

في بعض الحالات، لا يكون هناك تنافر، لأن الإعلامي يتبنى ببساطة مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة": يهاجم إيران لأنه مهنة، وليس بالضرورة لأنه يكرهها، تماماً كما يبيع البائع أي سلعة يطلبها السوق. هذه "البراغماتية المتطرفة" تجعل من الإعلامي مجرد تاجر في سوق الكراهية، لا هم له سوى الربح.

……

ثانياً: سيكولوجية الكراهية: من الفشل الاجتماعي إلى العداء السياسي

2.1 الفشل المهني والاجتماعي كمحرك للكراهية

ترتبط ظاهرة "المهاجمين المحترفين" ارتباطاً وثيقاً بالفشل المهني والاجتماعي. كثير من هؤلاء هم أشخاص فشلوا في تحقيق أي إنجاز ملموس في مجتمعاتهم: لم يبنوا مؤسسة ناجحة، لم ينتجوا علماً مفيداً، لم يساهموا في حل مشكلة حقيقية، لم يتركوا بصمة إيجابية. هذا الفشل يولد إحباطاً عميقاً، يبحث عن متنفس، فيجده في مهاجمة الآخر.

2.1.1 عقدة النقص والتعويض

يلجأ الفرد الذي يعاني من عقدة النقص إلى آليات تعويضية لتعزيز تقديره لذاته. مهاجمة "الآخر" (إيران) تصبح وسيلة سهلة للشعور بالتفوق: "أنا لست فاشلاً، بل إيران هي الشر المطلق". كلما زاد الفشل، زادت حاجة الفرد إلى عدو يعوض به هذا الفشل.

2.1.2 الكراهية كبديل عن الإنجاز

من الأسهل بكثير أن تهاجم إنجازات الآخرين بدلاً من أن تبني إنجازاتك الخاصة. الكراهية لا تتطلب جهداً إبداعياً: لا تحتاج إلى بناء مؤسسة، أو تطوير منتج، أو كتابة بحث علمي. كل ما تحتاجه هو أن تردد شعارات جاهزة، وتصفق للقوي، وتشتم الضعيف. إنها "مهنة الكسالى" بامتياز.

2.2 النرجسية الجماعية (Collective Narcissism)

تتميز شخصية "المهاجم المحترف" غالباً بنرجسية جماعية عالية: إحساس مبالغ فيه بقيمة مجموعته (العربية، السنية، الغربية...) مقابل تحقير المجموعات الأخرى (الإيرانية، الشيعية، الإسلامية...). هذا النرجسية تدفعه إلى رؤية كل ما يصدر عن الآخر كتهديد وجودي، والتفاعل معه بعدوانية مفرطة.

2.2.1 تضخيم الذات عبر تحقير الآخر

تكمن معادلة النرجسية الجماعية في أن تقدير الذات لا يتحقق عبر إنجازات المجموعة الفعلية، بل عبر تحقير المجموعات الأخرى. لذلك، يحرص المهاجمون على تضخيم كل سلبيات إيران (حقيقية كانت أم مفترضة)، بينما يضخمون إنجازات مجموعتهم حتى لو كانت وهمية.

2.2.2 الحساسية المفرطة للنقد

يتسم المهاجمون النرجسيون بحساسية مفرطة لأي نقد يوجه لمجموعتهم، بينما لا يرون أي مشكلة في نقد المجموعات الأخرى بأقسى العبارات. هم يدافعون عن "قدسية" مجموعتهم، بينما يسلبون الآخرين أي قدسية.

2.3 الخوف الوجودي وتوظيفه إعلامياً

يلعب الخوف الوجودي دوراً مركزياً في خطاب المهاجمين المحترفين. يتم تصوير إيران كخطر وجودي يهدد المنطقة والعالم، كقوة شريرة تسعى للسيطرة وإبادة الآخرين. هذا التهويل يخدم غرضين:

2.3.1 تبرير العداء

إذا كانت إيران خطراً وجودياً، يصبح العداء لها ضرورة أخلاقية وأمنية. لا يمكن التفاوض مع الخطر الوجودي، بل يجب القضاء عليه.

2.3.2 كسب التأييد الشعبي

يثير الخطر الوجودي استجابة عاطفية قوية لدى الجماهير، تجعلها أكثر تقبلاً للخطابات العدائية وأقل استعداداً للتحليل الموضوعي.

2.4 دراسة حالة: من فشل في بلده إلى "خبير" في إيران

يمكن تتبع سير ذاتية للعديد من "المهاجمين المحترفين" لتجد نمطاً متكرراً: فشل ذريع في بلده الأصلي (لم يستطع بناء مشروع، أو حصل على شهادة لا قيمة لها، أو فشل في الحصول على وظيفة لائقة)، ثم هاجر إلى الغرب، وهناك اكتشف أن مهاجمة إيران هي "بيزنس" مربح. فتحول بين عشية وضحاها إلى "خبير في الشأن الإيراني"، رغم أنه لا يتكلم الفارسية، ولم يزر إيران قط، ولا يعرف من تعقيداتها إلا ما يقرأه في تقارير "معهد واشنطن" و"FDD".

هذه الظاهرة ليست حصرية على إيران. نفس الأشخاص الذين يهاجمون إيران اليوم كانوا بالأمس يهاجمون سوريا، وقبلها العراق، وقبلها ليبيا. إنهم "خبراء الفوضى" (Chaos Experts)، يتنقلون من أزمة إلى أخرى، يقدمون "تحليلاتهم" الجاهزة، ويتقاضون أتعابهم بالدولار.

……

ثالثاً: الاقتصاد السياسي للهجوم: من يمول ومن يدفع؟

3.1 شبكات التمويل: من الصناديق السيادية إلى المنح المشبوهة

تعتمد صناعة مهاجمة إيران على شبكة تمويل واسعة ومعقدة، تمتد من أجهزة استخباراتية إلى صناديق سيادية إلى مؤسسات خيرية مشبوهة.

3.1.1 التمويل الحكومي المباشر

بعض الحكومات (خاصة خليجية) تمول بشكل مباشر قنوات إعلامية ومنابر معادية لإيران. هذا التمويل يصل أحياناً إلى مئات الملايين من الدولارات سنوياً، ويسمح لهذه القنوات باستقطاب ألمع الإعلاميين وأشهر الكتاب.

3.1.2 مؤسسات التمويل الأمريكية

تمول مؤسسات أمريكية مثل "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" (USAID) و"المؤسسة الوطنية للديمقراطية" (NED) و"صندوق مارشال الألماني" (GMF) عشرات المشاريع الإعلامية والثقافية المعادية لإيران، تحت عناوين براقة مثل "دعم حرية الإعلام" أو "تعزيز الديمقراطية" أو "تمكين المجتمع المدني". في تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" (2023)، تم الكشف عن أن NED وحدها مولت أكثر من 50 مشروعاً إعلامياً معادياً لإيران بميزانية تجاوزت 100 مليون دولار في خمس سنوات.

3.1.3 التمويل الخليجي الخاص

يستثمر مستثمرون خليجيون خصوصاً في قنوات إعلامية معادية لإيران، ليس بدافع ربحي بالضرورة، بل بدافع سياسي وأيديولوجي. هذه الاستثمارات تدر عليهم نفوذاً سياسياً وتأييداً غربياً.

3.1.4 المنح الأكاديمية المشروطة

تقدم مراكز أبحاث غربية منحاً لكتاب وباحثين عرب لإنتاج تقارير وأبحاث "علمية" عن إيران، بشرط أن تتبنى خطاً معيناً. هذه المنح تتراوح بين آلاف ومئات آلاف الدولارات، وتشكل مورداً مهماً للعديد من "المهاجمين المحترفين".

3.2 سوق الكراهية: العرض والطلب

تعمل ظاهرة مهاجمة إيران وفق منطق السوق: هناك طلب على خطاب الكراهية (من جهات ممولة وسياسية)، فينتج "المهاجمون المحترفون" عرضاً يلبي هذا الطلب.

3.2.1 الطلب: من يحتاج إلى خطاب كراهية؟

الطلب يأتي من:

· دوائر صنع القرار الغربية: تحتاج إلى تبرير سياساتها العدائية تجاه إيران.
· أجهزة استخباراتية: تحتاج إلى "تغطية" لعملياتها السرية.
· حكومات إقليمية: تحتاج إلى حشد تأييد شعبي لمواقفها المعادية لإيران.
· لوبيات صهيونية: تحتاج إلى تعبئة الرأي العام ضد إيران.

3.2.2 العرض: من ينتج خطاب الكراهية؟

العرض يقدمه:

· إعلاميون محترفون: يجيدون صياغة الرسائل المطلوبة بأسلوب مقنع.
· باحثون و"خبراء": يقدمون "غلافاً علمياً" للخطاب العدائي.
· مفكرون وكتاب: يضفون "شرعية فكرية" على الكراهية.
· مغردون ونشطاء: ينشرون الخطاب على نطاق واسع في وسائل التواصل.

3.3 العلاقة مع الأجهزة الاستخباراتية: بين التنسيق والتجنيد

في كثير من الحالات، تتجاوز علاقة "المهاجمين المحترفين" مع الأجهزة الاستخباراتية حدود التمويل إلى التنسيق المباشر والتجنيد.

3.3.1 التنسيق المفتوح

بعض المهاجمين ينسقون بشكل مفتوح مع أجهزة استخباراتية، يزودونها بمعلومات، ويتلقون منها توجيهات. هذا التنسيق قد يكون طوعياً (اقتناعاً) أو إجبارياً (بعد اكتشاف أمر يمسك بهم).

3.3.2 التجنيد غير المباشر

في حالات أخرى، يكون التجنيد غير مباشر: يتم توظيف الإعلامي في مؤسسة إعلامية ممولة استخباراتياً، دون أن يدرك بالضرورة المصدر الحقيقي للتمويل. مع الوقت، يزداد تورطه، حتى يصبح أسير هذه العلاقة.

3.3.3 "العملاء غير الواعين"

هناك فئة من المهاجمين يمكن وصفهم بـ"العملاء غير الواعين" (Unwitting Assets): هم يهاجمون إيران بدافع شخصي (كراهية، فشل، حاجة للمال)، دون أن يدركوا أنهم يخدمون أجندات استخباراتية. هؤلاء هم الأخطر، لأنهم يعتقدون أنهم "محايدون" أو "مهنيون".

3.4 دراسة حالة: قناة فضائية عربية وإيران

يمكن تتبع تمويل إحدى القنوات الفضائية العربية المعادية لإيران لتجد شبكة معقدة من المصادر:

· إعلانات بملايين الدولارات من شركات حكومية خليجية
· منح من مؤسسات أمريكية (USAID, NED)
· عقود استشارية مع شركات أمنية غربية
· تمويل مباشر من أجهزة استخباراتية عبر شركات وهمية

هذا التمويل الضخم يسمح للقناة باستقطاب أفضل الإعلاميين، وتقديم إنتاج عالي الجودة، وشن حملات إعلامية منظمة.

…….

رابعاً: أنماط مهاجمة إيران: تصنيف تحليلي

4.1 المهاجم الأيديولوجي

هذا النوع يهاجم إيران عن قناعة أيديولوجية عميقة. قد يكون قومياً عربياً متطرفاً يرى في إيران تهديداً للعروبة، أو سلفياً متشدداً يكره الشيعة، أو ليبرالياً غربياً ينظر لإيران كـ"دولة دينية متخلفة".

4.1.1 السمات

· عمق في المعرفة التفصيلية (أحياناً) بإيران
· اتساق في الخطاب (لا يتناقض كثيراً)
· استعداد للتضحية (قد يرفض عروضاً مغرية إذا تعارضت مع قناعاته)
· قدرة محدودة على المناورة (لا يستطيع تغيير خطابه بسهولة)

4.1.2 نقاط الضعف

· انغلاق فكري وعدم استعداد للاستماع للرأي الآخر
· تبسيط مخل للواقع الإيراني المعقد
· تأثر بالصور النمطية

4.2 المهاجم المرتزق

هذا النوع يهاجم إيران مقابل المال، بغض النظر عن قناعاته. قد يكون بالأمس كان يدافع عن إيران، وغداً سيدافع عنها إذا دفع له أكثر. الكلمة الوحيدة التي يؤمن بها هي "السعر".

4.2.1 السمات

· مرونة عالية في الخطاب (يتكيف مع طلبات "السوق")
· تركيز على القضايا "الرائجة" (ما يطلبه الجمهور والجهات الممولة)
· انتهازية واضحة
· ضعف في المعرفة التفصيلية (يكرر شعارات جاهزة)

4.2.2 نقاط الضعف

· انكشاف سريع عند تغير الظروف
· عدم مصداقية (يكتشف الجمهور تناقضاته مع الوقت)
· هشاشة نفسية (الخوف من انكشاف أمره)

4.3 المهاجم الانتهازي

هذا النوع لا يهاجم إيران بدافع مالي مباشر، بل بدافع انتهازي: يريد الشهرة، أو المنصب، أو العلاقات، أو النفوذ. مهاجمة إيران هي وسيلة لتحقيق أهداف شخصية.

4.3.1 السمات

· تركيز على الظهور الإعلامي أكثر من المضمون
· بناء علاقات مع شخصيات نافذة
· استخدام الخطاب العدائي كـ"بطاقة دخول" إلى أندية النخبة
· تنقل بين منابر متعددة دون استقرار

4.3.2 نقاط الضعف

· سطحية في التحليل
· انكشاف مع الوقت (يُكتشف أنه لا يضيف جديداً)
· هشاشة عند الضغط

4.4 المهاجم التابعي (التابع)

هذا النوع يهاجم إيران لأنه يتبع قائداً أو حزباً أو تياراً يتخذ هذا الموقف. هو لا يفكر بنفسه، بل يردد ما يملى عليه.

4.4.1 السمات

· ولاء مطلق للقيادة أو الحزب
· تكرار ميكانيكي للشعارات
· غياب الإبداع والتميز
· استعداد لتبرير أي موقف مهما كان متناقضاً

4.4.2 نقاط الضعف

· انهيار سريع عند تغير موقف القيادة
· عدم قدرة على مواجهة تحديات جديدة
· فقدان الهوية الفردية

4.5 المهاجم المقهور

هذا النوع يهاجم إيران لأنه يعاني من قهر في واقعه، فيسقط هذا القهر على "الآخر البعيد". هو ثائر ضد واقعه، لكنه لا يملك الشجاعة لمواجهة من يقهره فعلاً، فيختار عدواً بديلاً آمناً.

4.5.1 السمات

· غضب عارم وعدوانية
· تركيز على "المؤامرات" و"التآمر"
· حاجة عاطفية لـ"عدو" يفسر به إخفاقاته
· استعداد لتصديق أي نظرية مؤامرة عن إيران

4.5.2 نقاط الضعف

· ضعف التحليل الموضوعي
· انفعالية مفرطة
· قابلية للتلاعب

……..

خامساً: نماذج من "المهاجمين المحترفين": دراسة في السير الذاتية

5.1 نموذج "الخبير المفاجئ"

هذا النموذج يمثل شخصاً لم يكن له أي اهتمام بإيران طوال حياته، لكنه فجأة، وبعد توقيع عقد مع قناة ممولة، يتحول إلى "خبير في الشأن الإيراني". يبدأ في الظهور على الشاشات، وتحليل الأحداث الإيرانية، والتنبؤ بسقوط النظام، وكأنه قضى عمره في دراسة إيران.

5.1.1 السمات العامة

· لا يتكلم الفارسية
· لم يزر إيران قط
· لا يعرف من التاريخ الإيراني إلا ما يقرأه في تقارير معاديه
· يعتمد على مصادر معادية حصراً
· سريع في إصدار الأحكام القطعية

5.1.2 نموذج تطبيقي

يمكن ملاحظة هذا النموذج في العديد من القنوات الفضائية العربية، حيث يظهر "خبراء" جدد كل أسبوع، يقدمون تحليلات جاهزة عن إيران، وكأنهم يقرأون من نص موحد.

5.2 نموذج "العائد من إيران"

هذا النموذج يمثل شخصاً عاش في إيران فترة من الزمن (طالباً، أو تاجراً، أو صحفياً)، ثم غادرها لأي سبب، وتحول إلى ناقم شرس عليها. يستخدم معرفته التفصيلية (التي غالباً ما تكون جزئية) لتقديم نفسه كـ"شاهد عيان" و"خبير حقيقي".

5.2.1 السمات العامة

· يتكلم الفارسية (بدرجة ما)
· عاش في إيران فترة (قد تكون قصيرة)
· لديه معرفة تفصيلية ببعض الجوانب (التي عاشها)
· يستخدم هذه المعرفة لتعزيز مصداقيته
· يخلط بين التجربة الشخصية الجزئية والحكم الكلي

5.2.2 نقاط الضعف

· تعميم التجربة الشخصية على المجتمع كله
· تأثر بتجربة سلبية شخصية (مع نظام، أو بيروقراطية، أو أفراد)
· قد تكون معرفته قديمة (إذا غادر منذ زمن)

5.3 نموذج "المنشق السياسي"

هذا النموذج يمثل شخصاً كان ضمن النظام الإيراني (أو قريباً منه)، ثم انشق عنه وهاجر إلى الخارج. يتحول إلى مصدر "داخلي" موثوق، يفضح "أسرار" النظام ويكشف "جرائمه".

5.3.1 السمات العامة

· معرفة تفصيلية بآليات عمل النظام
· علاقات سابقة مع شخصيات نافذة
· قدرة على تقديم رواية "من الداخل"
· غالباً ما يكون لديه أجندة شخصية (ثأر، طموح سياسي، مكسب مادي)

5.3.2 نقاط الضعف

· تحيز واضح ضد النظام (لأسباب شخصية)
· ميل للمبالغة والتهويل
· تقديم رواية أحادية الجانب

5.4 نموذج "الإعلامي المتنقل"

هذا النموذج يمثل إعلامياً تنقل بين عدة قنوات ومنابر، كلها معادية لإيران بطريقة أو بأخرى. يبدأ في قناة سعودية، ثم ينتقل إلى قناة إماراتية، ثم إلى قناة كويتية، وهكذا. خطابه واحد، وأعداؤه واحد، وأسلوبه واحد.

5.4.1 السمات العامة

· خبرة إعلامية عالية
· قدرة على صياغة الرسائل بكفاءة
· مرونة في التكيف مع أي منصة
· ولاء للمال وليس للمبادئ

5.4.2 نقاط الضعف

· عدم وضوح الموقف (لا أحد يعرف قناعاته الحقيقية)
· قابلية للانتقال إلى الطرف الآخر إذا دفع أكثر

…….

سادساً: دوائر الهيمنة والدعم: من يقف وراء المهاجمين؟

6.1 الدائرة الأولى: التمويل المباشر

كما شرحنا سابقاً، هناك تمويل مباشر من حكومات ومؤسسات وأجهزة استخباراتية لهؤلاء المهاجمين.

6.2 الدائرة الثانية: التغطية السياسية

يتمتع المهاجمون المحترفون بتغطية سياسية من دوائر صنع القرار الغربية. عندما يتعرض أحدهم لانتقاد، تسارع سفارات غربية ومؤسسات دولية للدفاع عنه تحت شعار "حرية التعبير". عندما يتم حظر حساب لأحدهم، تتدخل شركات تكنولوجيا كبرى لاستعادته.

6.3 الدائرة الثالثة: الغطاء الأكاديمي

يتم توفير غطاء أكاديمي للمهاجمين عبر مراكز أبحاث ومؤسسات أكاديمية تمنحهم جوائز وتكريمات، وتنشر أبحاثهم، وتدعوهم للمشاركة في مؤتمرات. هذا الغطاء يضفي عليهم شرعية "علمية" و"موضوعية".

6.4 الدائرة الرابعة: الدعم الإعلامي

تتبنى وسائل إعلام كبرى (غربية وعربية) خطاب هؤلاء المهاجمين، وتعيد نشره، وتضخيمه، وتقديمه كـ"الرأي الموضوعي" الوحيد. هذا الدعم الإعلامي يخلق "إجماعاً" وهمياً حول عداء إيران.

6.5 الدائرة الخامسة: الحماية القانونية

يتمتع المهاجمون المحترفون بحماية قانونية في الدول الغربية. نادراً ما يتعرضون للمساءلة عن التحريض على الكراهية أو نشر الأكاذيب. بل على العكس، قد يلجأون إلى القضاء لملاحقة من ينتقدهم.

……

سابعاً: الأصوات النقدية من الداخل: شهادات من المهاجمين السابقين

7.1 شهادة إعلامي عربي سابق

في مقابلة نادرة مع موقع "ميدل إيست آي" (2024)، كشف إعلامي عربي سابق (فضل عدم ذكر اسمه) عن تفاصيل عمله في قناة معادية لإيران. قال:

"كنت أستيقظ صباحاً، أتلقى تعليمات من رئيس التحرير: ركز على هذا الموضوع، وتجنب ذاك. كان هناك خط أحمر: لا تنتقد إسرائيل، ولا تنتقد السعودية، ولا تنتقد أمريكا. كل الكراهية يجب أن تتركز على إيران. في البداية، كنت أظن أن هذا هو "الخط التحريري" العادي. لكن مع الوقت، أدركت أن هناك أجندة أعمق. اتصل بي مسؤولون من سفارة أجنبية، وعرضوا علي دعماً إضافياً إذا كتبت مقالات أكثر حدة. رفضت في البداية، ثم وافقت تحت الضغط المالي. في النهاية، تركت القناة لأنني لم أستطع النظر في المرآة".

7.2 شهادة "خبير إيراني" غربي

في كتابه "أكاذيب عن إيران" (2022)، كشف الصحفي الأمريكي غاريث بورتر كيف أن العديد من "الخبراء" الغربيين في الشأن الإيراني هم مجرد "مرتزقة" يعيدون إنتاج الخطاب الرسمي لواشنطن. وثق بورتر حالات متعددة لـ"خبراء" كانوا يتلقون تمويلاً من مؤسسات مرتبطة بالبنتاغون، ويكتبون تقارير تدعم سياسات الحرب، ثم يظهرون على شاشات التلفزيون كـ"محللين مستقلين".

7.3 شهادة من داخل "الوحدة 8200"

في مقابلة مع موقع "ذا إنترسبت" (2023)، كشف أحد العاملين السابقين في "الوحدة 8200" الإسرائيلية عن آليات إدارة الحملات الإعلامية ضد إيران. قال:

"كنا ندير آلاف الحسابات الوهمية باللغة الفارسية والعربية. كنا نخلق شخصيات وهمية: ناشط إيراني في طهران ، صحفي مستقل ، مواطن غاضب . كنا نضخم أي احتجاج، ونخلق قصصاً كاذبة عن انتهاكات، وننشر شائعات عن انقسامات داخل النظام. كنا ننسق مع قنوات فضائية عربية، نزودها بـ محتوى حصري من داخل إيران، كان في الحقيقة من إنتاجنا في تل أبيب".

هذه الشهادة تكشف عن البعد الاستخباراتي للحملات الإعلامية، وعن أن العديد من "المهاجمين المحترفين" ليسوا سوى أدوات في لعبة أكبر.

…..

ثامناً: نماذج إيران والمقاومات: لماذا يستحقون الدفاع؟

8.1 إيران: نموذج تنموي مستقل

إيران ليست مجرد "نظام سياسي" يمكن مهاجمته، بل هي تجربة تنموية مستقلة استحقت الدفاع لأنها:

· حافظت على سيادتها الوطنية: رغم كل الضغوط، لم تخضع إيران للإملاءات الغربية.
· طورت قدرات ذاتية: في الصناعة، والصحة، والتعليم، والتكنولوجيا.
· دعمت القضايا العادلة: فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن.
· صمدت في وجه الهيمنة: أربعة عقود من الحروب والمؤامرات لم تسقطها.

8.2 المقاومات: حركات تحرر وطنية

المقاومات في فلسطين ولبنان والعراق واليمن ليست "ميليشيات إرهابية" كما يصفها المهاجمون، بل هي حركات تحرر وطنية:

· حماس والجهاد: تقاوم احتلالاً استعمارياً هو الأطول في التاريخ الحديث.
· حزب الله: حرر جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000.
· الحشد الشعبي: تصدى لتنظيم داعش الإربي حين تخلى عنه العالم.
· أنصار الله: يقاوم عدواناً سعودياً إماراتياً مدمراً على اليمن.

8.3 لماذا يكرههم المهاجمون؟

يكره المهاجمون إيران والمقاومات لأنهم يمثلون:

· نموذجاً بديلاً: يثبت أن النجاح ممكن خارج الهيمنة الغربية.
· فضيحة للفشل: وجودهم يذكر المهاجمين بفشلهم الذريع.
· تهديداً للمصالح: هم يقفون في وجه مشاريع الهيمنة التي يخدمها المهاجمون.

……

تاسعاً: دروس من التجربة: كيف نتعامل مع خطاب الكراهية؟

9.1 الوعي بآليات التضليل

الخطوة الأولى في مواجهة خطاب الكراهية هي الوعي بآلياته: كيف يعمل، ومن يموله، ولماذا ينتشر.

9.2 نقد الخطاب وليس الشخص

من المهم نقد الخطاب العدائي، وليس بالضرورة مهاجمة الشخص. كثير من المهاجمين هم ضحايا أيضاً (لظروفهم، لتربيتهم، لضغوطهم). نقد الخطاب يفضح زيفه، دون أن يحول المهاجم إلى "شهيد".

9.3 تقديم خطاب بديل

لا يكفي نقد خطاب الكراهية، بل لا بد من تقديم خطاب بديل: موضوعي، متوازن، عميق، يجذب الجمهور بدلاً من تنفيره.

9.4 كشف المصادر والتمويل

من المهم كشف المصادر الحقيقية لتمويل المهاجمين، وربط خطابهم بمصالح من يقفون وراءهم. عندما يعرف الجمهور أن "الخبير" الفلاني تموله السفارة الفلانية، تتضاءل مصداقيته.

9.5 بناء تحالفات إعلامية

تحتاج إيران والمقاومات إلى بناء تحالفات إعلامية جنوب-جنوب، تتبادل الخبرات والمحتوى، وتنسق الجهود، وتقدم خطاباً بديلاً موحداً.

9.6 الاستثمار في الإعلام الرقمي

في عصر وسائل التواصل، يمكن للإعلام البديل أن يصل إلى جماهير لا تصلها القنوات التقليدية. الاستثمار في محتوى رقمي احترافي، بلغات متعددة، هو استثمار في المستقبل.

……

عاشراً: مستقبل مهاجمة إيران: بين التراجع والتحول

10.1 تراجع المصداقية

مع الوقت، تتراجع مصداقية المهاجمين المحترفين. الجمهور يكتشف تناقضاتهم، ويكتشف أن "النظام الإيراني" الذي يبشرون بسقوطه كل يوم لا يزال قائماً. تكرار الأكاذيب يؤدي إلى فقدان الثقة.

10.2 ظهور إعلام بديل

مع ظهور وسائل إعلام بديلة (RT، غلوبال تايمز، برس تي في، قنوات يوتيوب مستقلة)، أصبح للجمهور خيارات أوسع. لم يعد الإعلام الغربي المهيمن هو المصدر الوحيد للمعلومات.

10.3 تحول المهاجمين

بعض المهاجمين بدأوا يتحولون. إما لأن تمويلهم توقف، أو لأنهم أدركوا زيف ما يفعلون، أو لأن الجمهور أصبح أكثر وعياً. هذا التحول قد يكون فرصة لمراجعة الذات.

10.4 مستقبل مفتوح

يبقى المستقبل مفتوحاً. مهاجمة إيران كمهنة قد تتراجع مع تراجع التمويل، أو مع تحول الاهتمام العالمي إلى صراعات أخرى. لكن الحاجة إلى "أعداء" ستبقى قائمة في النظام العالمي الحالي. لذلك، قد تجد الكراهية ضحايا جدد.

……

خاتمة الفصل السابع: الكراهية سلعة فاسدة

في ختام هذا الفصل، نعود إلى حقيقة بسيطة: الكراهية سلعة فاسدة. قد تدر أرباحاً سريعة، وقد تمنح شعوراً مؤقتاً بالتفوق، لكنها في النهاية تفسد صاحبها قبل أن تفسد غيره. المهاجمون المحترفون، الذين جعلوا من مهاجمة إيران حرفة، هم في الحقيقة ضحايا كراهيتهم قبل أن يكونوا جلادين. إنهم يعيشون في سجن الصور النمطية، ويأكلون من فتات موائد الهيمنة، ويموتون كل يوم قليلاً عندما يكتشفون أن أكاذيبهم لم تعد تنطلي على أحد.

إيران باقية، والمقاومات باقية، رغم كل حملات التشويه. لأن ما يبنيه شعب لا يمكن أن تهدمه أقلام مأجورة. وما يزرعه دم الشهداء لا يمكن أن تقتله كلمات حقودة. وما تقيمه إرادة حرة لا يمكن أن تسقطه مؤامرات خائنة.

في النهاية، سينكشف زيف الكراهية، وسينتصر الحق، ولو بعد حين. وكما قال الشاعر العربي:

"سَيَذْهَبُ بِالْبَاطِلِ الْبَاطِلُونَ ... وَيَبْقَى الْحَقِيقَةُ وَالصَّادِقُونْ"

……

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل السابع

1. تيودور أدورنو وآخرون، "الشخصية السلطوية"، 1950
2. بيير بورديو، "أسئلة في علم الاجتماع"، 1980
3. أنطونيو غرامشي، "دفاتر السجن"، 1971
4. ليون فيستنغر، "نظرية التنافر المعرفي"، 1957
5. غاريث بورتر، "أكاذيب عن إيران: كشف زيف الخطاب الغربي"، 2022
6. تقرير "وول ستريت جورنال" عن تمويل NED لمشاريع معادية لإيران، 2023
7. مقابلة مع إعلامي عربي سابق، "ميدل إيست آي"، 2024
8. مقابلة مع عامل سابق في "الوحدة 8200"، "ذا إنترسبت"، 2023
9. دراسة "Citizen Lab" عن الحسابات الوهمية والتضليل الإلكتروني، جامعة تورنتو، 2022
10. تقارير "ستاندفورد" و"جرافيكا" عن شبكات الدعاية الموالية للغرب، 2022






…….


الفصل الثامن:

مستقبل العلاقة بين إيران والمحيط العربي والدولي

من الهيمنة الأحادية إلى النظام العالمي متعدد الأقطاب

تمهيد: في قلب التحولات الكبرى

يقف غرب آسيا والعالم بأسره اليوم على مفترق طرق تاريخي. فالتحولات الجيوسياسية المتسارعة، والصراعات الدموية المستعرة، والأزمات الاقتصادية المتفاقمة، كلها تنذر بقدوم عصر جديد يختلف جذرياً عن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، بل وعن النظام الأحادي القطب الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. في خضم هذه التحولات، تبرز إيران كلاعب محوري، ليس فقط في معادلات الشرق الأوسط، بل في صياغة ملامح النظام العالمي الناشئ.

لكن مستقبل العلاقة بين إيران ومحيطها العربي والدولي لا يتحدد في فراغ. إنه يتشكل في ساحة صراع مفتوح بين مشروعين: مشروع الهيمنة الأحادية الذي تسعى القوى الغربية لفرضه عبر العقوبات والتهديدات العسكرية والهيمنة الإعلامية، ومشروع التعددية القطبية الذي تناضل من أجله قوى صاعدة مثل روسيا والصين، وتنخرط فيه إيران كشريك أساسي في بناء نظام عالمي أكثر توازناً وعدالة.

في هذا الفصل، سنحاول استشراف ملامح المستقبل، عبر تحليل الاتجاهات الكبرى التي ستشكل العلاقة بين إيران والعالم في العقود القادمة. سنستند في ذلك إلى مصادر متعددة: من التحليلات الروسية والصينية التي ترصد تحولات النظام العالمي، إلى الدراسات الغربية التقدمية التي تنقد الهيمنة الأمريكية، وصولاً إلى الرؤى الإيرانية لمستقبل المنطقة والعالم. سنرى كيف أن إيران، رغم كل الضغوط، استطاعت أن تحول موقعها من "دولة محاصرة" إلى "عقدة وصل" في شبكة تحالفات دولية جديدة، وكيف أن مستقبل المنطقة والعالم سيتحدد بقدرة القوى الفاعلة على تجاوز إرث الهيمنة والصراع، وبناء نظام قائم على التعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

……

أولاً: الإطار النظري: من الأحادية القطبية إلى التعددية

1.1 نهاية حقبة الهيمنة الأمريكية

على مدى ثلاثة عقود، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، هيمنت الولايات المتحدة على النظام العالمي بوصفها القوة العظمى الوحيدة. هذه الهيمنة تجلت في قدرتها على فرض إرادتها على المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، صندوق النقد، البنك الدولي)، وفي توسع حلف الناتو شرقاً، وفي شن حروب متعددة (العراق، أفغانستان، ليبيا، سوريا)، وفي فرض عقوبات أحادية على الدول التي تخرج عن طوعها.

لكن هذه الحقبة تقترب من نهايتها. التحولات الكبرى التالية تنذر بقدوم نظام عالمي جديد:

· الصعود الصيني: أصبحت الصين القوة الاقتصادية الثانية في العالم، وتقترب من الولايات المتحدة في العديد من المؤشرات. مشروع "الحزام والطريق" (BRI) يعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية، ويعمق الترابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
· اليقظة الروسية: بعد عقود من الضعف، استعادت روسيا مكانتها الدولية عبر تدخلاتها العسكرية (سوريا، أوكرانيا) وعبر تحالفاتها الاقتصادية والطاقوية.
· صعود قوى إقليمية: الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا، تركيا، إيران، كلها قوى صاعدة تطالب بمكانة أكبر في النظام العالمي.
· تراجع النفوذ الغربي: فشل الحروب الغربية في تحقيق أهدافها، والأزمة المالية 2008، وأزمة الديون الأوروبية، وصعود اليمين الشعبوي، كلها عوامل أضعفت النفوذ الغربي.

1.2 مفهوم "النظام العالمي متعدد الأقطاب"

في خطاب القوى الصاعدة (روسيا، الصين، إيران)، يبرز مفهوم "النظام العالمي متعدد الأقطاب" (Multipolar World Order) كبديل عن الهيمنة الأحادية. هذا المفهوم يعني:

· تعدد مراكز القوة: وجود عدة قوى كبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الهند، إلخ) تتوازن فيما بينها.
· احترام السيادة الوطنية: رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
· التعددية الثقافية والحضارية: الاعتراف بوجود نماذج تنموية متعددة، ورفض فرض نموذج غربي واحد.
· إصلاح المؤسسات الدولية: تعديل هيكل مجلس الأمن، والمؤسسات المالية الدولية، لتعكس الواقع الجديد.

من منظور إيراني، يمثل النظام متعدد الأقطاب فرصة تاريخية لكسر العزلة، وتنويع العلاقات الدولية، والتحرر من ضغوط الهيمنة الغربية.

1.3 الجنوب العالمي: قوة صاعدة

في العقود الأخيرة، برز مفهوم "الجنوب العالمي" (Global South) كتعبير عن الدول النامية والصاعدة التي تسعى إلى لعب دور أكبر في الشؤون الدولية. منظمة "بريكس" (BRICS) التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا (وانضمت إليها إيران ومصر والإمارات وإثيوبيا مؤخراً) تمثل منصة مهمة لتنسيق جهود هذه الدول.

من منظور إيراني، يمثل الانخراط في مؤسسات الجنوب العالمي أولوية استراتيجية. كما يوضح تحليل من مركز الأبحاث التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام، فإن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال الانضمام إلى البريكس والتحالف مع هيمنة الصين (وروسيا) كشريكين مفضلين ضد الهيمنة المهيمنة (الولايات المتحدة)، تهدف إلى تحدي السردية والمعايير الأمريكية وتعزيز نظام عالمي متعدد الأقطاب" .

……

ثانياً: محور روسيا-الصين-إيران: تحالف استراتيجي أم تقارب مصالح؟

2.1 من الاتفاقيات الثنائية إلى التحالف الثلاثي

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً في العلاقات بين إيران وكل من روسيا والصين، من اتفاقيات ثنائية إلى إطار تعاون ثلاثي متكامل.

2.1.1 الاتفاقية الإيرانية-الصينية (2021)

في عام 2021، وقعت إيران والصين اتفاقية تعاون استراتيجي شامل لمدة 25 عاماً، تغطي مجالات الطاقة، التجارة، الاستثمار، البنية التحتية، والتعاون العسكري والأمني. تقدر قيمة الاتفاقية بحوالي 400 مليار دولار، وتعتبر بمثابة "خارطة طريق" للعلاقات بين البلدين لعقود قادمة .

2.1.2 الاتفاقية الإيرانية-الروسية (2025)

في يناير 2025، وقعت إيران وروسيا اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة لمدة 20 عاماً، تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي ومواجهة العقوبات الغربية . هذه الاتفاقية دخلت حيز التنفيذ في نفس العام، وتشمل مجالات متعددة: الطاقة، النقل، التكنولوجيا، التعاون العسكري.

2.1.3 الاتفاقية الثلاثية (فبراير 2026)

في فبراير 2026، أعلنت الدول الثلاث عن توقيع اتفاقية استراتيجية شاملة، وصفتها الحكومات الثلاث بأنها "حجر الزاوية لنظام عالمي متعدد الأقطاب جديد" . الاتفاقية تغطي التعاون في مجالات الطاقة، التجارة، التنسيق العسكري، والاستراتيجية الدبلوماسية.

ما يميز هذه الاتفاقية عن سابقاتها أنها تجمع القوى الثلاث في إطار تنسيقي موحد. على عكس الاتفاقيات الثنائية السابقة، فإن هذا الاتفاق يربطهم في تحالف أوسع، ينسق المواقف بشأن السيادة النووية، والمرونة الاقتصادية، والتنسيق العسكري .

2.2 طبيعة التحالف: حدود وإمكانات

رغم ضخامة هذا التقارب، إلا أن تحليلاً موضوعياً يكشف عن حدود واضحة لهذا التحالف.

2.2.2 ليس حلفاً عسكرياً

من المهم التأكيد على أن هذا التحالف ليس حلفاً دفاعياً مشتركاً يشبه المادة الخامسة من معاهدة الناتو. الاتفاقيات السابقة بين إيران وروسيا توقفت دون تقديم مثل هذه الضمانات، والاتفاق الجديد يبدو أنه يتبع نفس النهج الحذر . هذا يعني أن روسيا والصين ليستا ملزمتين تلقائياً بالدفاع عن إيران إذا تعرضت لهجوم عسكري.

2.2.2 الحسابات الباردة لموسكو وبكين

توازن روسيا والصين بعناية بين علاقاتهما مع إيران وعلاقاتهما مع القوى الأخرى. موسكو وبكين حريصتان على تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تهدد مصالحهما الأوسع. كما أن المخاوف من الانجرار إلى صراعات الشرق الأوسط تجعل القوتين حذِرتين في التزاماتهما تجاه إيران .

2.2.3 "الغموض الاستراتيجي" كأداة ردع

يشير محللون إلى أن تبني أسلوب "الغموض الاستراتيجي" في الكشف عن محتوى التعاون يعزز الردع، ويزيد من صعوبة تقييم الغرب للقدرات الحقيقية لهذا التحالف . هذا الغموض يجعل الأطراف الغربية أكثر حذراً في تقدير المخاطر، ويمنح التحالف مرونة في التحرك.

2.2.4 المصالح المشتركة رغم الحدود

رغم الحدود الواضحة، تبقى المصالح المشتركة قوية: روسيا والصين ترى في إيران شريكاً مهماً في مواجهة الهيمنة الأمريكية، ومصدراً موثوقاً للطاقة، وعقدة وصل مهمة في مشاريع النقل والتجارة الدولية (ممر الشمال-جنوب، طريق الحرير) . إيران، بالمقابل، ترى في هذا التحالف شريان حياة لمواجهة العقوبات، وتعزيز قدراتها الردعية.

2.3 موقف القوى الإقليمية والدولية

2.3.1 التقديرات الغربية: قلق وحذر

تنظر واشنطن وحلفاؤها إلى هذا التحالف بقلق بالغ. من وجهة نظر غربية، فإن تحالف روسيا-الصين-إيران يعقد جهود عزل إيران، ويمنحها غطاء سياسياً واقتصادياً مهماً. المسؤولون الغربيون يحذرون من أن هذا التحالف قد يخل بتوازن القوى في الشرق الأوسط، ويشجع إيران على تبني سياسات أكثر تشدداً.

في مقابلة مع وكالة "يوكرينفورم" (يناير 2026)، صرح النائب الجمهوري السابق دون ريتر بأن "سقوط النظام الإسلامي في إيران سيكون هزيمة كبيرة لروسيا وبوتين، وأعتقد أنها هزيمة للصين أيضاً" . هذا التصريح يعكس إدراك الغرب لأهمية إيران في معادلة القوى الدولية.

2.3.2 موقف دول الخليج: براغماتية حذرة

تتبنى دول الخليج موقفاً براغماتياً حذراَ تجاه التقارب الإيراني-الروسي-الصيني. من ناحية، هناك قلق من أن هذا التحالف قد يقوي إيران ويشجعها على مواصلة سياساتها الإقليمية. من ناحية أخرى، هناك إدراك بأن العلاقات مع الصين وروسيا (كشركاء تجاريين رئيسيين) تمنع هذه الدول من الانحياز الكامل للسياسات الأمريكية.

كما أشار تحليل إسباني (يناير 2026)، فإن "دول الخليج، وخاصة السعودية وقطر وعمان، كثفت اتصالاتها الدبلوماسية لتجنب التصعيد العسكري والانهيار المفاجئ للدولة" . الرياض، التي استأنفت علاقاتها مع إيران مؤخراً، حذرت واشنطن من مخاطر تكرار سيناريوهات ليبيا أو سوريا .

……

ثالثاً: إيران في منظمات التعددية القطبية: البريكس ومنظمة شنغهاي

3.1 الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)

انضمت إيران رسمياً إلى منظمة شنغهاي للتعاون عام 2023، بعد محاولات متكررة على مدى سنوات. هذا الانضمام يمثل اعترافاً بالمكانة الإقليمية لإيران، ويتيح لها المشاركة في منصة تضم قوى كبرى مثل روسيا والصين والهند وباكستان ودول آسيا الوسطى.

3.1.1 أهداف إيران من الانضمام

من منظور إيراني، يخدم الانضمام إلى منظمة شنغهاي أهدافاً متعددة:

· كسر العزلة: إظهار أن إيران، رغم العقوبات الغربية، لا تزال فاعلاً مهماً في المنظمات الإقليمية.
· التكامل الاقتصادي مع آسيا: تسهيل الوصول إلى أسواق الصين والهند وآسيا الوسطى.
· التنسيق الأمني: التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب والتهريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
· تطوير ممرات النقل: الاستفادة من موقع إيران الاستراتيجي لربط آسيا الوسطى بالخليج والمحيط الهندي.

كما ورد في تحليل لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، فإن "عضوية منظمة شنغهاي للتعاون من المتوقع أن ترفع مستوى تكامل إيران في الأطر الأمنية والاقتصادية الأوراسية، مما يشير إلى أنه على الرغم من الجهود الأمريكية لعزلها، فإن إيران لا تزال حاضرة على المستوى الإقليمي" .

3.2 الانضمام إلى مجموعة البريكس (BRICS)

في 2024-2025، انضمت إيران إلى مجموعة البريكس كجزء من عملية توسيع المجموعة. هذا الانضمام يمثل نقلة نوعية في العلاقات الدولية الإيرانية، حيث تضعها في مصاف القوى الاقتصادية الصاعدة الكبرى.

3.2.1 الأهمية الاقتصادية

تمثل دول البريكس مجتمعة حوالي 40% من سكان العالم، وأكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي . الانضمام إلى هذه المجموعة يفتح أمام إيران آفاقاً اقتصادية واسعة:

· التبادل التجاري بالعملات المحلية: مناقشات البريكس حول أنظمة دفع بديلة والعملات المحلية تتناغم مع استراتيجية إيران للتخلي عن الدولار.
· الاستثمارات: إمكانية جذب استثمارات من صناديق الثروة السيادية للدول الأعضاء.
· الطاقة: فرص لتوسيع صادرات الطاقة إلى الهند والصين والبرازيل.

كما يوضح تحليل أكاديمي إيراني، فإن إيران "تسعى من خلال هذه العضوية إلى الاستفادة من توسيع العلاقات مع الجنوب العالمي - من شرق آسيا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية - وتعزيز التجارة الإقليمية، وتطوير البنية التحتية والاقتصاد، وجذب الاستثمار الأجنبي، وتبادل الطاقة ومبيعات النفط، وتخفيف العقوبات" .

3.2.2 الأهمية السياسية

بالإضافة إلى الأهمية الاقتصادية، تحمل عضوية البريكس رسالة سياسية قوية: إيران ليست معزولة كما يحاول الغرب تصويرها، ولديها حلفاء وأصدقاء في أهم تجمع للدول الصاعدة.

3.3 حدود الاندماج: تقييم واقعي

رغم هذه الإنجازات الدبلوماسية، هناك حدود واضحة لاندماج إيران في هذه المنظمات.

3.3.1 القيود العملية

تشير تحليلات إلى أن الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي والبريكس ستواصل إدارة علاقاتها مع كل من إيران والولايات المتحدة بحذر. هذا التوتر سيحد من قدرة أي من المنظمتين على مساعدة إيران في تجاوز العقوبات أو تحقيق تحول استراتيجي .

3.3.2 التقدم البطيء

بعض المشاريع المقترحة في إطار هذه المنظمات (مثل نادي الطاقة في منظمة شنغهاي) لم تنتقل من مرحلة التصور إلى التنفيذ . هذا يعكس البطء في تحقيق التكامل الاقتصادي المأمول.

3.3.3 الأولويات الوطنية

كل دولة عضو في هذه المنظمات تضع مصالحها الوطنية أولاً. عندما تتعارض هذه المصالح مع دعم إيران، فإن الدول ستفضل مصالحها الخاصة.

……

رابعاً: إيران وأفريقيا: بُعد جديد في السياسة الخارجية

4.1 أهمية أفريقيا في الاستراتيجية الإيرانية

في إطار سياسة "التوجه نحو الشرق" والانفتاح على الجنوب العالمي، تبرز أفريقيا كبعد مهم في السياسة الخارجية الإيرانية. تحليل نشرته صحيفة "إيران ديلي" (نوفمبر 2025) يوضح الإمكانات الهائلة للتعاون الإيراني-الأفريقي .

4.1.1 الإمكانات المشتركة

يحدد التحليل أربعة مجالات رئيسية للتعاون:

1. الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية: بناءً على خبرتها الواسعة في إنشاء محطات الطاقة وخطوط نقل الكهرباء، يمكن لإيران التعاون مع الدول الأفريقية التي تسعى للحصول على خبرتها التكنولوجية المحلية بأسعار معقولة.
2. الأمن الغذائي والزراعة: المشاركة في مشاريع مشتركة في مجالات الزراعة، نقل تكنولوجيا الري، إنتاج الأسمدة، وزراعة الحبوب. مبادرات مثل مشروع الأمن الغذائي الإيراني-الأفريقي بمشاركة روسيا يمكن أن تؤمن إمدادات الأسمدة والبذور والحبوب.
3. المستحضرات الصيدلانية والرعاية الصحية: تتمتع الصناعة الدوائية الإيرانية بميزة تنافسية. صادرات الأدوية الإيرانية إلى الدول الأفريقية تنمو، ويمكن توسيعها إلى "مراكز إنتاج دوائية إقليمية" في شرق وغرب أفريقيا.
4. التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا: أكثر من 3000 طالب أفريقي يدرسون في الجامعات الإيرانية. بناء مراكز بحثية مشتركة وبرامج تبادل أكاديمي يمكن أن يخلق شبكة من النخب الأفريقية المرتبطة بإيران.

4.2 التحديات التي تواجه السياسة الإيرانية في أفريقيا

رغم الإمكانات الهائلة، تواجه السياسة الإيرانية في أفريقيا عقبات هيكلية:

· غياب استراتيجية وطنية متماسكة: السياسة الأفريقية لا تزال مشتتة بين الوزارات والوكالات المختلفة.
· ضعف البنية التحتية المالية والمصرفية: غياب أنظمة مصرفية وتأمينية مشتركة يعيق التجارة.
· نقص خطوط النقل المباشرة: عدم وجود طرق بحرية وجوية منتظمة بين إيران والموانئ الأفريقية يرفع تكاليف التجارة.
· منافسة شرسة من لاعبين نشطين: تركيا والإمارات والصين تقدموا على إيران في الأسواق الأفريقية.
· النظرة التقليدية في أوساط صنع القرار: لا تزال العديد من المؤسسات الإيرانية متشبثة بنهج موجه نحو الغرب يبقي أفريقيا في أسفل قائمة الأولويات .

4.3 خارطة طريق مقترحة

يقدم التحليل خارطة طريق للسياسة الإيرانية في أفريقيا:

· تعزيز فرقة العمل الأفريقية: منحها صلاحيات خاصة للتنسيق بين الوزارات.
· التركيز على دول محددة: مثل إثيوبيا (مقر الاتحاد الأفريقي)، نيجيريا، جنوب أفريقيا، تنزانيا، كينيا، السنغال، وغانا.
· الاستفادة من مؤتمرات إيران-أفريقيا: عقدها بانتظام لبناء شبكات دائمة من المفكرين ورجال الأعمال وصناع القرار.
· تطوير الدبلوماسية الثلاثية: مشاريع مشتركة مع شركاء إيران الشرقيين (الصين وروسيا) تجذب الدول الأفريقية في مبادرات ثلاثية متوازنة.
· تعزيز الدبلوماسية العامة والإعلامية: استخدام المنصات الإعلامية الأفريقية لتحسين صورة إيران .

……

خامساً: مبادرة "الوئام" (MWADA): رؤية إيرانية لنظام إقليمي جديد

5.1 المبادرة: نشأتها ومضمونها

في مقال نُشر في مجلة "ذي إيكونوميست" (ديسمبر 2025)، طرح نائب الرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، الدكتور جواد ظريف، رؤية طموحة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في غرب آسيا .

5.1.1 الاسم والدلالة

"MWADA" هو اختصار لـ "منتدى الحوار لدول غرب آسيا الإسلامية" (Muslim West Asian Dialogue Association). الكلمة نفسها تعني "الوئام" أو "المودة" بالعربية، لغة الصلوات الجماعية في المنطقة .

5.1.2 الأهداف

تهدف المبادرة إلى:

· تحقيق وقف دائم لإطلاق النار في غزة ولبنان وسوريا واليمن.
· توقيع ميثاق عدم اعتداء بين دول المنطقة، مع آلية مراقبة إقليمية جماعية.
· تعزيز التكامل الاقتصادي عبر صندوق تنمية يمول مشاريع البنية التحتية.
· ضمانات أمنية للطاقة والتعاون في مجال الطاقة النظيفة.
· التعاون في حرية الملاحة، بما في ذلك دوريات أمنية بحرية مشتركة.
· منطقة خالية من الأسلحة النووية وإحياء الاتفاق النووي.
· التعاون في المجالات الثقافية وإدارة المياه ومكافحة الإرهاب.

5.1.3 العضوية

تدعو المبادرة جميع الدول الإسلامية الأساسية في غرب آسيا: البحرين، مصر، إيران، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، عمان، قطر، السعودية، (الحكومة المستقبلية لـ) سوريا، تركيا، الإمارات، واليمن .

5.2 الدور الإيراني في الرؤية الجديدة

يؤكد ظريف أن إيران ستلعب دوراً لا غنى عنه في هذه المبادرة:

"على مدى 45 عاماً الماضية، أظهر بلدي مرونة ملحوظة واكتفاء ذاتياً في الأمن والدفاع، وتمكن من البقاء والازدهار؛ ليس فقط دون مساعدة خارجية، بل على الرغم من ضغوط القوى الخارجية" .

5.2.2 الأمن البحري

إيران، نظراً لموقعها الجغرافي وخبرتها الأمنية، في وضع فريد يمكنها من المساهمة في أمن الممرات المائية، خاصة مضيق هرمز. بينما يمكن لدول أخرى لعب دور رائد في تأمين قناة السويس وباب المندب.

5.2.3 مبادرة "الأمل" (HOPE)

يشير ظريف إلى أن مبادرة "الأمل للسلام في هرمز" التي طرحتها إيران قبل خمس سنوات يمكن إحياؤها في إطار MWADA، خاصة في ظل تحسن العلاقات بين إيران والإمارات والسعودية .

5.3 قراءة في المبادرة: طموحات وتحديات

5.3.1 نقاط القوة

· تعكس تحولاً في الخطاب الإيراني من "التهديد" إلى "الفرصة".
· تدرك أهمية التكامل الاقتصادي كأساس للاستقرار.
· تقدم حلولاً عملية لقضايا ملحة (غزة، لبنان، سوريا، اليمن).
· تشرك جميع الأطراف الإقليمية، دون إقصاء.

5.3.2 نقاط الضعف والتحديات

· عدم وضوح موقف الفصائل المقاومة (حماس، حزب الله، الحوثيين) من المبادرة.
· الموقف الإسرائيلي (غير المدعو) سيكون له تأثير كبير على نجاح المبادرة.
· الشكوك المتبادلة بين دول المنطقة قد تعيق الثقة اللازمة.
· عدم وضوح آليات التنفيذ والمراقبة.

5.4 استقبال المبادرة إقليمياً ودولياً

حتى الآن، لم يصدر ردود فعل رسمية واسعة من الدول المعنية. لكن المبادرة تمثل نقلة نوعية في الدبلوماسية الإيرانية، وتفتح الباب أمام نقاش جاد حول مستقبل النظام الإقليمي.

……

سادساً: التقارب مع السعودية: اختراق استراتيجي

6.1 اتفاق بكين (2023): استئناف العلاقات

في مارس 2023، وبوساطة صينية، أعلنت إيران والسعودية استئناف علاقاتهما الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة. الاتفاق شمل إعادة فتح السفارات، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

6.2 تطور العلاقات بعد الاتفاق

شهدت العلاقات الإيرانية-السعودية تطوراً ملحوظاً منذ الاتفاق:

· تبادل زيارات دبلوماسية على مستويات عليا.
· لقاءات بين وزيري الخارجية على هامش المحافل الدولية.
· مناقشات حول التعاون الأمني والاقتصادي.
· تنسيق في بعض القضايا الإقليمية (خاصة اليمن).

6.3 العوامل الدافعة للتقارب

6.3.1 من المنظور السعودي

· إدراك أن سياسة المواجهة المباشرة مع إيران فشلت في تحقيق أهدافها.
· الرغبة في التركيز على التنمية الداخلية (رؤية 2030).
· القلق من التصعيد الإقليمي وتداعياته على الأمن والاقتصاد.
· الرغبة في تنويع العلاقات الدولية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

6.3.2 من المنظور الإيراني

· كسر العزلة الإقليمية وتخفيف الضغط السياسي.
· تقليل التكاليف الأمنية للمواجهات الإقليمية.
· التركيز على التحديات الداخلية والاقتصادية.
· فتح آفاق للتعاون الاقتصادي والتجاري.

6.4 حدود التقارب

رغم التحسن الملحوظ، لا تزال هناك حدود للتقارب الإيراني-السعودي:

· الخلافات حول القضايا الإقليمية (اليمن، سوريا، العراق، لبنان) لم تُحل بعد.
· الشكوك المتبادلة لا تزال قائمة في النخب والأجهزة الأمنية.
· العلاقة مع الولايات المتحدة تمثل عاملاً معقداً في المعادلة السعودية.
· التنافس على النفوذ في المنطقة لم ينتهِ، بل تغيرت أشكاله.

6.5 انعكاسات التقارب على مستقبل المنطقة

التقارب الإيراني-السعودي، إذا استمر وتعمق، يمكن أن يعيد تشكيل المنطقة بطرق إيجابية:

· تخفيف حدة الصراعات بالوكالة (proxy wars).
· خلق فرص للتكامل الاقتصادي الإقليمي.
· تقليل فرص التصعيد العسكري المباشر.
· تعزيز الاستقرار في الأسواق النفطية.
· خلق جبهة موحدة إقليمياً تجاه القضايا الكبرى (فلسطين، الإرهاب).

كما أشار تحليل "فورين أفيرز" (ديسمبر 2025)، فإن "التهدئة الحذرة خلال العامين الماضيين بين إيران والسعودية، التي كانت تنافسهما يقود سابقاً الصراع الطائفي في المنطقة، ساهمت أيضاً في تصور أن المعركة الطائفية في الشرق الأوسط قد انتهت" .

……

سابعاً: مستقبل "محور المقاومة": بين التحديات والتحولات

7.1 واقع جديد بعد حرب 2025

شهد عام 2025 تطورات دراماتيكية أثرت بشكل كبير على "محور المقاومة" الإيراني:

· حرب يونيو 2025: شنّت إسرائيل والولايات المتحدة هجوماً عسكرياً على المنشآت النووية الإيرانية.
· انهيار الحكومة السورية: سقوط نظام الأسد أمام تقدم الفصائل المسلحة المدعومة تركياً.
· ضربات قاسية ضد حزب الله: تمكنت إسرائيل من اختراق اتصالات الحزب وتصفية قادة كبار، بما في ذلك الأمين العام حسن نصر الله.
· تدمير كبير في غزة: استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة لأكثر من عام.

هذه التطورات دفعت العديد من المحللين إلى الحديث عن "تراجع إيران" و"انهيار محور المقاومة".

7.2 قراءة متأنية: مابعد "الانكسار"؟

تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" (ديسمبر 2025) يقدم قراءة أكثر عمقاً . يرى الكاتبان (ماريا فانتاپي وولي نصر) أن:

7.2.1 الانكسار عسكرياً، لكن ليس استراتيجياً

"من منظور عسكري، يبدو أن هذا المحور أصبح في حالة يرثى لها. مهندسوه الإيرانيون يشيخون، وشركاؤهم في العالم العربي تم تحييدهم بفعل الضربات الإسرائيلية" .

لكن الهوية السياسية والدينية الشيعية لا تزال سليمة. مستقبل شيعة المنطقة سيبقى مؤثراً في أي ترتيبات إقليمية.

7.2.2 من "المركزية الإيرانية" إلى "الفيدرالية الذاتية"

"بدلاً من توجيه حلفائها الإقليميين، يبدو أن إيران الآن تتبع قيادة هؤلاء الحلفاء. ما كان في السابق نظاماً مركزياً (hub-and-spoke) أصبح يبدو أشبه باتحاد من الجماعات المتشابهة في التفكير التي تتقاسم الأهداف ولكن تعمل بشكل مستقل" .

7.2.3 التحولات الداخلية في إيران

"التغييرات داخل إيران نفسها - البروز المتزايد للقومية وتخفيف القيود الدينية، وأبرزها التراخي في تطبيق الحجاب - يؤدي إلى تآكل ادعاء البلاد بالقيادة الروحية العابرة للحدود" .

7.3 مستقبل الحلفاء الإقليميين

7.3.1 حزب الله: خيارات صعبة

يواجه حزب الله مستقبلاً غامضاً. حرمانه من الدعم الإيراني (الذي كان يصل إلى حوالي مليار دولار سنوياً) سيجبره على الاختيار بين:

· التحول إلى حزب مندمج بالكامل في المؤسسات اللبنانية.
· التراجع إلى قوة مسلحة محلية محدودة القدرات.
· الانقسام الداخلي والتنافس مع حركة أمل على زعامة الشيعة .

7.3.2 الفصائل العراقية

الانهيار المحتمل للنظام الإيراني سيؤثر بشكل مباشر على شبكة الميليشيات والأحزاب المرتبطة بطهران منذ 2003. قوات الحشد الشعبي قد تفقد التنسيق والتمويل والتوجيه الاستراتيجي. هذا سيفتح مرحلة من إعادة الترتيب الداخلي بين الفاعليين الشيعة والكرد والسنّة .

7.3.3 الحوثيون

سيكونون الأقل تأثراً، نظراً لطبيعة حركتهم المحلية واعتمادهم على إيران كداعم وليس كموجه.

7.4 تحولات استراتيجية: من الهوية الطائفية إلى المصالح الوطنية

تشير التحليلات إلى تحول مهم: الحلفاء الإقليميون لإيران يتجهون نحو تبني خطاب وطني أكثر، والابتعاد عن الخطاب العابر للحدود القائم على الهوية الدينية المشتركة.

في العراق، تشجع إيران وكلاءها على استبدال زيهم العسكري بالبدلات والانضمام إلى العملية السياسية. في لبنان، قد يقبل حزب الله نزع سلاحه تحت الضغط .

هذا التحول، إذا استمر، سيعيد تشكيل المنطقة بطرق عميقة، ويقلل من حدة الصراعات الطائفية، ويفتح الباب أمام صياغة علاقات جديدة قائمة على المصالح المشتركة بدلاً من الهويات المغلقة.

---

ثامناً: إسرائيل وتركيا: فاعلان مؤثران في المعادلة المستقبلية

8.1 الموقف الإسرائيلي: بين الانتصار العسكري والقلق الاستراتيجي

من منظور إسرائيلي، يشكل الانهيار المحتمل للنظام الإيراني معضلة استراتيجية. فمن ناحية، إسرائيل تعتبر إيران العدو الرئيسي منذ عقود، وسقوط النظام يعني زوال هذا الخطر. من ناحية أخرى، هناك قلق من مصير القدرات العسكرية (خاصة النووية) التي تراكمت في إيران .

8.1.1 استراتيجية إسرائيلية مزدوجة

تتبع إسرائيل استراتيجية مزدوجة:

· الضغط العسكري: ضربات مستمرة ضد إيران وحلفائها.
· تشجيع الانقسامات الداخلية: محاولة تفكيك النسيج الإيراني من الداخل.

كما يشير تحليل "فورين أفيرز"، فإن "إسرائيل تريد تفكيك الشبكة الإقليمية الإيرانية من خلال التحريض النشط على مزيد من التشرذم بين الشيعة" .

8.2 الموقف التركي: براغماتية حذرة

تنظر تركيا إلى الأزمة الإيرانية من منظور برغماتي بحت. أنقرة تتجنب الانحياز العلني لأي طرف، وتعترض على التدخل العسكري الأجنبي .

8.2.1 المصالح التركية

مصالح تركيا في إيران واضحة:

· إيران مورد للغاز.
· شريك تجاري مهم.
· جارة في منطقة مشبعة بالصراعات.

8.2.2 المخاوف التركية

· انهيار إيران قد يخلق موجة لجوء جديدة نحو الأراضي التركية.
· زعزعة التوازن الكردي الحساس على جانبي الحدود.
· تفاقم عدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من صراعات متعددة.

لذلك، تقدم الدبلوماسية التركية نفسها كوسيط ومروج لخفض التصعيد، بهدف الحفاظ على النفوذ بغض النظر عن النتيجة في طهران .

8.3 سيناريوهات التفاعل الإقليمي

يمكن تصور عدة سيناريوهات للتفاعل بين إيران وجيرانها في المستقبل:

8.3.1 السيناريو الأول: استمرار التوتر مع إدارة محدودة

يتم فيه احتواء الصراع ضمن حدود معينة، مع استمرار الحوار والاتصالات (كما هو حاصل حالياً).

8.3.2 السيناريو الثاني: تصعيد شامل

اندلاع حرب إقليمية واسعة تشارك فيها أطراف متعددة، مع تدخل خارجي.

8.3.3 السيناريو الثالث: تفكك إيراني

انهيار النظام المركزي في إيران، وتحول البلاد إلى ساحة صراع ونفوذ إقليمي ودولي، على غرار سيناريو ليبيا أو سوريا.

8.3.4 السيناريو الرابع: تحول داخلي مع استمرار الدولة

تغيير داخلي في إيران (سواء بالإصلاح أو التغيير الجذري) مع بقاء الدولة موحدة، وانفتاحها على الغرب وجيرانها.

---

تاسعاً: إيران والقوى الكبرى: تحديات وفرص

9.1 العلاقة مع الولايات المتحدة: جدار من انعدام الثقة

تمثل العلاقة مع الولايات المتحدة العقدة الأصعب في السياسة الخارجية الإيرانية. أربعة عقود من العداء المتبادل، والعقوبات، والتهديدات العسكرية، والاتهامات المتبادلة، خلقت جداراً هائلاً من انعدام الثقة.

9.1.1 الملف النووي: القضية المركزية

يظل الملف النووي هو القضية المركزية في العلاقة. محادثات فيينا (2021-2022) فشلت في إحياء الاتفاق النووي. محادثات لاحقة في عُمان وروما (2025) انتهت دون اتفاق، مما عمق انعدام الثقة بين الجانبين .

9.1.2 مستقبل العلاقة

من الصعب التكهن بمستقبل العلاقة الإيرانية-الأمريكية. يعتمد ذلك على عدة عوامل:

· نتائج الانتخابات الأمريكية وتوجهات الإدارة الجديدة.
· التطورات الداخلية في إيران.
· سلوك إيران الإقليمي.
· موقف إسرائيل والضغوط التي تمارسها على واشنطن.

9.2 العلاقة مع أوروبا: شراكة صعبة

علاقة إيران مع أوروبا كانت دائماً أكثر تعقيداً من علاقتها مع الولايات المتحدة. أوروبا تحاول أحياناً لعب دور الوسيط، لكنها تبقى تحت التأثير الأمريكي.

9.2.1 الترويكا الأوروبية

الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) كانت أطرافاً في الاتفاق النووي، ولعبت دوراً في محاولات إنقاذه. لكن قرارها بتفعيل آلية "سناب باك" (إعادة العقوبات) في أغسطس 2025 أظهر أن أوروبا غير مستعدة لمواجهة الولايات المتحدة في هذا الملف.

9.2.2 فرص التعاون

رغم التوترات، هناك فرص للتعاون:

· الطاقة: أوروبا بحاجة لمصادر طاقة بديلة للغاز الروسي.
· الملف النووي: أوروبا معنية بمنع انتشار الأسلحة النووية.
· القضايا الإقليمية: أوروبا مهتمة باستقرار المنطقة.

9.3 العلاقة مع روسيا والصين: شراكة استراتيجية متطورة

تمثل العلاقة مع روسيا والصين أهم وأنجح أبعاد السياسة الخارجية الإيرانية في العقد الأخير.

9.3.1 روسيا: شريك في مواجهة العقوبات

التقارب مع روسيا ازداد بشكل كبير بعد الغزو الروسي لأوكرانيا والعقوبات الغربية على موسكو. البلدان وجدا نفسيهما في "قارب العقوبات" نفسه، مما عمق التعاون بينهما في مجالات متعددة:

· التعاون العسكري: روسيا تستخدم طائرات إيرانية مسيرة (شاهد) في حرب أوكرانيا.
· التعاون الاقتصادي: تطوير ممر النقل الدولي "الشمال-جنوب".
· التعاون الطاقوي: مشاريع مشتركة في مجال الغاز والنفط.
· التنسيق السياسي: مواقف موحدة في المحافل الدولية.

كما ورد في تحليل إيراني، فإن "إيران وروسيا، المتشابهتين في مواجهة العقوبات الغربية الواسعة، وجدتا في هذه الظروف المشتركة أرضية خصبة للتعاون" .

9.3.2 الصين: القاطرة الاقتصادية

تمثل الصين الشريك الاقتصادي الأهم لإيران. استيراد النفط الإيراني (حوالي 15% من واردات الصين)، والاستثمارات الصينية في البنية التحتية الإيرانية، والتعاون في إطار "الحزام والطريق"، كلها عوامل تجعل من الصين شريكاً لا غنى عنه.

لكن العلاقة مع الصين ليست خالية من التحديات. بكين حريصة على عدم استفزاز واشنطن أكثر من اللازم، وتوازن بعناية بين مصالحها مع إيران وعلاقاتها مع الغرب.

9.4 تحديات العلاقة مع الشرق

رغم عمق العلاقة، تواجه إيران تحديات في علاقتها مع روسيا والصين:

· الاعتماد المفرط: خطر التحول إلى "تابع" بدلاً من "شريك".
· تضارب المصالح: في بعض القضايا الإقليمية (مثل سوريا بعد الأسد).
· الضغوط الغربية: روسيا والصين قد تتراجعان عن دعم إيران إذا تصاعدت الضغوط الغربية أكثر.
· عدم التكافؤ: العلاقة الاقتصادية مع الصين غير متكافئة، حيث تستورد الصين النفط وتصدر منتجات مصنعة.

---

عاشراً: استراتيجية إيرانية شاملة لمستقبل العلاقات الدولية

10.1 من "محور المقاومة" إلى "شبكة الشراكات"

تشير التطورات الأخيرة إلى تحول في الاستراتيجية الإيرانية: من التركيز على "محور المقاومة" القائم على الهوية الطائفية، إلى بناء شبكة شراكات متنوعة قائمة على المصالح المشتركة.

هذا التحول يشمل:

· التنويع الجغرافي: الانفتاح على آسيا (الصين، الهند، روسيا)، أفريقيا، أمريكا اللاتينية.
· التنويع المؤسسي: الانضمام إلى منظمات متعددة (شنغهاي، البريكس).
· التنويع القطاعي: التعاون في مجالات متعددة (طاقة، بنية تحتية، صحة، تعليم).
· الانفتاح الإقليمي: تحسين العلاقات مع دول الجوار (السعودية، الإمارات، تركيا).

10.2 مبادرة MWADA كنموذج للاستراتيجية الجديدة

تمثل مبادرة "الوئام" (MWADA) التي طرحها ظريف نموذجاً للاستراتيجية الإيرانية الجديدة. إنها تجمع بين:

· الواقعية: الاعتراف بأن الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً.
· المثالية: الطموح لبناء نظام إقليمي جديد قائم على "المودة" بدلاً من الصراع.
· البراغماتية: تقديم حلول عملية لقضايا ملحة (غزة، لبنان، سوريا، اليمن).
· الشمولية: دعوة جميع الأطراف الإقليمية، دون إقصاء.

10.3 تحديات داخلية وخارجية

رغم هذه الرؤية الطموحة، تواجه إيران تحديات داخلية وخارجية قد تعيق تحقيقها:

· الأزمة الاقتصادية: العقوبات والبطالة والتضخم تضعف قدرة إيران على المناورة.
· الانقسامات الداخلية: الصراع بين التيارات المختلفة داخل النظام.
· الضغوط الخارجية: استمرار العقوبات والتهديدات العسكرية.
· عدم اليقين الإقليمي: استمرار الصراعات في المنطقة.
· التحولات الدولية: صعود قوى جديدة وتغير التحالفات.

10.4 عناصر القوة الإيرانية

في المقابل، تمتلك إيران عناصر قوة مهمة:

· الموقع الجيوسياسي: عقدة وصل بين آسيا وأوروبا.
· الموارد الطبيعية: رابع احتياطي نفطي، ثاني احتياطي غازي.
· البشرية المتعلمة: نسبة عالية من الشباب المتعلم.
· الخبرة التكنولوجية: تقدم في مجالات متعددة (النانو، البيوتكنولوجيا، الفضاء).
· المرونة: قدرة على الصمود في وجه الضغوط.

10.5 سيناريوهات مستقبلية

يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل العلاقة بين إيران والعالم:

10.5.1 السيناريو التفاؤلي: اندماج إقليمي ودولي

تنجح إيران في تحسين علاقاتها مع جيرانها، وتخفيف التوتر مع الغرب، وتعميق شراكاتها مع الشرق، وتصبح مركزاً للطاقة والنقل في المنطقة.

10.5.2 السيناريو المتشائم: استمرار العزلة والصراع

تستمر العقوبات والضغوط، وتتصاعد التوترات الإقليمية، وتزداد الأزمة الداخلية سوءاً، مما يضعف قدرة إيران على المناورة ويجعلها أكثر عرضة للانهيار.

10.5.3 السيناريو الوسطي: تذبذب بين التقارب والصراع

تستمر إيران في سياسة "التوازن"، محسنة علاقاتها مع بعض الأطراف بينما تبقى متوترة مع أخرى. تظل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار المزمن، مع صراعات محدودة ومفاوضات متقطعة.

---

خاتمة الفصل الثامن: نحو عالم جديد

في ختام هذا الفصل الطويل، نعود إلى حقيقة أساسية: العالم يتغير. النظام العالمي الأحادي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة لعقود آخذ في التلاشي، والنظام متعدد الأقطاب الجديد لم يكتمل بعد. في هذه المرحلة الانتقالية، يبرز دور القوى الصاعدة والإقليمية في تشكيل ملامح المستقبل.

إيران، رغم كل التحديات، استطاعت أن تضع نفسها في قلب هذه التحولات. من خلال تحالفها مع روسيا والصين، وانضمامها إلى منظمات التعددية القطبية (شنغهاي، البريكس)، وانفتاحها على أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتحسين علاقاتها مع جيرانها الخليجيين، تثبت إيران أنها ليست مجرد "دولة محاصرة"، بل فاعل رئيسي في صياغة النظام العالمي الجديد.

لكن المستقبل ليس مضموناً. التحديات الداخلية (الاقتصاد، الحوكمة) والخارجية (العقوبات، الضغوط الغربية، التهديدات الإسرائيلية) لا تزال هائلة. قدرة إيران على تجاوز هذه التحديات ستحدد ما إذا كانت ستكون من "بناة" النظام الجديد، أم مجرد "تابع" فيه.

في النهاية، يبقى الأمل معقوداً على الحكمة والقدرة على تجاوز إرث الماضي. كما قال ظريف في ختام مقالته: "أولئك منا في حكومات دولنا يجب أن يغتنموا الفرصة للبدء في النظر نحو المستقبل بدلاً من البقاء أسرى الماضي. لقد حان وقت العمل الآن" .

العالم الجديد قيد الولادة. ومستقبل إيران، والمنطقة، والعالم، سيتحدد بقدرتنا جميعاً على تجاوز ثنائيات "الصداقة-العداوة" و"الخير-الشر" و"نحن-هم"، وبناء نظام عالمي قائم على الاحترام المتبادل، والعدالة، والمصالح المشتركة. ليس لأن هذا مثال طوباوي، بل لأنه الخيار الوحيد للبقاء في عالم لم يعد يتسع للهيمنة والاستعلاء.

---

قائمة المراجع والمصادر المعتمدة في الفصل الثامن

1. تقرير "دايلي ترست" عن الاتفاقية الثلاثية بين إيران وروسيا والصين، فبراير 2026
2. ماريا فانتاپي وولي نصر، "ماذا بعد محور المقاومة؟"، فورين أفيرز، ديسمبر 2025
3. إسماعيل رزاقي، "أفريقيا في السياسة الخارجية الإيرانية الجديدة"، إيران ديلي، نوفمبر 2025
4. مقابلة مع النائب الجمهوري السابق دون ريتر، يوكرينفورم، يناير 2026
5. جواد ظريف، "المودة بدلاً من العداوة: نهج إيراني جديد للأمن والازدهار الإقليمي"، ذي إيكونوميست، ديسمبر 2025
6. دراسة أكاديمية عن انضمام إيران إلى البريكس، مركز الأبحاث التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام
7. تحليل عربي عن تحالف طهران-موسكو-بكين، بارس توداي، فبراير 2026
8. تحليل إسباني عن حذر الشرق الأوسط من سقوط محتمل للنظام الإيراني، دياري آرا، يناير 2026
9. تحليل مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، "هل يمكن للتكتلات متعددة الأقطاب أن تقدم لإيران مخرجاً من العزلة؟"، ديسمبر 2025
10. تحليل بارس توداي عن الوثائق الاستراتيجية الإيرانية مع الصين وروسيا، نوفمبر 2025





….




الخاتمة: شهادة للتاريخ ورؤية للمستقبل

في انتظار فجر جديد

تمهيد: حيث تلتقي البدايات بالنهايات

في بداية هذه الرحلة الطويلة، وضعنا لأنفسنا مهمة شاقة: تفكيك آليات التنميط الإعلامي التي استهدفت إيران على مدى أربعة عقود، وكشف البنية التحتية للتشويه التي تديرها النخب المالية والأجهزة الاستخباراتية، وتتبع مسارات التنمية المستقلة التي حققتها إيران رغم كل الحصار، ومقارنة تجربتها بتجارب أخرى مماثلة، وفهم سيكولوجية "المهاجمين المحترفين" الذين جعلوا من الكراهية مهنة، واستشراف ملامح المستقبل في عالم يتحول من الأحادية إلى التعددية.

الآن، ونحن نقف في نهاية هذا المشوار، نعود إلى نقطة البداية: لماذا كل هذا؟ لماذا هذه الرغبة في فهم آليات الهيمنة الإعلامية؟ لماذا هذا الإصرار على توثيق إنجازات إيران رغم كل التشويه؟ لماذا هذه المقارنات مع تجارب الجزائر وسوريا وليبيا وفنزويلا؟ لماذا هذا التحليل لسيكولوجية المهاجمين واقتصاديات الكراهية؟ لماذا هذه الرؤية المستقبلية لموقع إيران في النظام العالمي الجديد؟

الجواب بسيط وعميق في آن: لأن المعرفة هي خط الدفاع الأول ضد الهيمنة. لأن فهم آليات الخداع هو الشرط الأول للتحرر منه. لأن توثيق الإنجازات هو واجب أخلاقي تجاه شعب صمد وصابر. لأن التعلم من تجارب الآخرين يحمينا من تكرار أخطائهم. لأن كشف زيف الكراهية المأجورة يفضح من يقفون وراءها. لأن استشراف المستقبل يمكّننا من صناعته لا مجرد انتظاره.

في هذه الخاتمة، لن نكرر ما سبق، بل سنحاول تجميع خيوط التحليل في نسيج واحد، ونستخلص الدروس الكبرى، ونقدم رؤية للمستقبق، ونتأمل في دلالات هذه الرحلة الطويلة. سنستند في ذلك إلى ما تعلمناه من مصادر متعددة: من الأقلام التقدمية في الغرب التي كشفت زيف الهيمنة، ومن التحليلات الروسية والصينية التي رصدت تحولات النظام العالمي، ومن الأصوات النقدية في العالم أجمع التي تؤمن بأن عالماً آخر ممكن.

……

أولاً: تأمل في الرحلة: ما الذي تعلمناه؟

1.1 الهيمنة الإعلامية: حقيقتها المكشوفة

كانت المحطة الأولى في رحلتنا هي تفكيك آليات الهيمنة الإعلامية. تعلمنا أن الإعلام ليس مجرد "مرآة" تعكس الواقع، بل هو "مصباح" يسلط الضوء على زوايا معينة ويترك أخرى في الظلام. تعلمنا أن ما نراه على الشاشات ونقرؤه في الصحف ليس "الحقيقة" المجردة، بل هو "تمثيل" للواقع يخضع لعملية معقدة من الانتقاء والتأطير والتوجيه.

تعلمنا من إدوارد سعيد أن "مجتمعات التفسير" (Communities of Interpretation) تتصارع على معنى الأحداث، وأن الغرب يمتلك القدرة على فرض تفسيره على العالم بسبب هيمنته الإعلامية والثقافية . تعلمنا من هرمان وتشومسكي أن وسائل الإعلام تخضع لخمسة مرشحات (الملكية، التمويل الإعلاني، الاعتماد على المصادر الرسمية، النقد والردود، العدو الموحد) تجعلها تنتج خطاباً متناغماً مع مصالح النخبة الحاكمة.

تعلمنا أن الصورة النمطية عن إيران ("دولة مارقة"، "نظام ملالي متعصب"، "داعمة للإرهاب") لم تولد من فراغ، بل تم إنتاجها وتكرارها عبر عقود، حتى أصبحت "مسلّمة" لا تحتاج إلى برهان في وعي الملايين. تعلمنا أن هذه الصورة تخدم مصالح محددة: تبرير العقوبات، تمهيد الطريق للتدخل العسكري، تشويه نموذج تنموي مستقل.

1.2 البنية التحتية للتشويه: من يحرك الخيوط؟

في المحطة الثانية، تعمقنا في البنية التحتية للتشويه. تعلمنا أن ما يبدو كحملات إعلامية عفوية هو في الحقيقة عمليات منظمة، تمولها أجهزة استخباراتية (الوحدة 8200، الموساد، CIA)، وتديرها شبكات تمويل خفية، وتنفذها جيوش من الإعلاميين والكتاب والمحللين.

تعلمنا من سكوت ريتر كيف أن CIA والموساد تسللوا إلى احتجاجات اقتصادية حقيقية في إيران، وحولوها إلى أعمال عنف منظمة، بهدف خلق ذريعة لتدخل عسكري . تعلمنا من تقرير ستانفورد وغرافيكا كيف تعمل شبكات دعاية منظمة تمولها جهات غربية، وتستخدم حسابات وهمية وصوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي للتأثير في الرأي العام .

تعلمنا أن "الوحدة 8200" الإسرائيلية ليست مجرد وحدة تجسس إلكتروني، بل هي مصنع متكامل للحرب النفسية، تدير آلاف الحسابات الوهمية، وتخلق وقائع مزيفة، وتنسق مع قنوات فضائية عربية لبث "محتوى حصري" من داخل إيران، هو في الحقيقة من إنتاج تل أبيب.

1.3 النخب المالية: من يملك الخيوط؟

في المحطة الثالثة، تعقبنا خيوط التمويل التي تربط المهاجمين بدوائر النفوذ الغربية. تعلمنا أن عائلة روتشيلد، رغم الأساطير المحيطة بها، ليست "الحاكم الخفي" للعالم، بل هي جزء من شبكة أوسع من النخب المالية التي تملك مصالح كبرى في المنطقة.

تعلمنا أن مؤسسات مثل "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" (USAID) و"المؤسسة الوطنية للديمقراطية" (NED) تمول عشرات المشاريع الإعلامية المعادية لإيران، تحت عناوين براقة مثل "دعم حرية الإعلام" و"تعزيز الديمقراطية". تعلمنا أن صناديق استثمار خليجية تمول قنوات فضائية ومنابر إعلامية تتبنى خطاً متشدداً ضد إيران، كجزء من صراعها الإقليمي.

لكن الأهم، تعلمنا من جيفري ساكس أن ما يسمى "الدبلوماسية الاقتصادية" هو في الحقيقة "حرب اقتصادية" شاملة. ففي يناير 2026، اعترف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت علناً بأن العقوبات صممت عمداً لـ"إحداث انهيار في العملة الإيرانية، وشل النظام المصرفي، ودفع الشعب الإيراني إلى الشوارع". ووصف ذلك بأنه "تطور إيجابي" .

هذا الاعتراف الصريح من مسؤول أمريكي كبير يكشف الحقيقة المجردة: ما تتعرض له إيران ليس "عقوبات" بالمعنى التقليدي، بل هو حرب شاملة تستهدف المدنيين، وتجوعهم، وتمنع عنهم الدواء، وتدفعهم إلى اليأس، بهدف إسقاط نظام لا يخضع للهيمنة.

1.4 منجزات إيران: شهادة للتاريخ

في المحطة الرابعة، تجولنا في منجزات أربعة عقود. تعلمنا أن إيران، رغم كل الحروب والمؤامرات والحصار، استطاعت أن تحقق تقدماً تنموياً حقيقياً، يعترف به حتى خصومها في تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي.

تعلمنا أن متوسط العمر المتوقع ارتفع من 45-60 سنة قبل الثورة إلى أكثر من 75 سنة اليوم. أن نسبة literacy وصلت إلى 97.1% في الفئة العمرية 10-49 عاماً. أن إيران تحتل المرتبة الرابعة عالمياً في تكنولوجيا النانو، والثامنة في العلاج بالخلايا الجذوية. أن 60% من طلاب الجامعات من النساء. أن الصناعة الدوائية تغطي 99% من الاحتياجات المحلية.

هذه الأرقام ليست "دعاية حكومية". إنها بيانات منظمات دولية محايدة. إنها تشهد على حقيقة صارخة: أن الشعب الإيراني، بإرادته وصموده، استطاع أن يبني وطناً رغم كل محاولات الهدم.

تعلمنا أيضاً أن هناك تحديات وعيوباً لا يمكن إنكارها: الفساد، البطالة، هجرة الأدمغة، قيود على الحريات. لكن أي بلد في العالم لا تخلو من مشاكل. المهم هو الاتجاه العام: إيران اليوم أفضل مما كانت عليه قبل أربعة عقود في كل المؤشرات التنموية الأساسية.

1.5 تجارب مقارنة: التاريخ يعيد نفسه

في المحطة الخامسة، قارنا تجربة إيران بتجارب الجزائر وسوريا وليبيا وفنزويلا. تعلمنا أن آليات التشويه واحدة: تضخيم الأرقام، شيطنة القائد، تجاهل السياق، الاعتماد على مصادر مشبوهة، دعم معارضة مشبوهة، تجاهل جرائم الخصم.

تعلمنا أن ما حدث في الجزائر (العشرية السوداء) كان إنذاراً مبكراً: كيف يمكن لتدخل خارجي أن يحول احتجاجات إلى حرب أهلية دامية. ما حدث في سوريا كان درساً قاسياً: كيف يمكن لدعم الغرب لجماعات مسلحة أن يدمر دولة بأكملها. ما حدث في ليبيا كان عبرة: كيف يمكن أن ينتهي "الربيع العربي" إلى فوضى وخراب. ما يحدث في فنزويلا هو تحذير: كيف يمكن لعقوبات اقتصادية خانقة أن تقتل المرضى والفقراء.

تعلمنا من تحليل سكوت بيرشيل أن أولئك الذين يطالبون بإدانة إيران "يتجاهلون أن إسرائيل، وليس إيران، هي من تدّعي الدفاع عن القيم الغربية، بينما ترتكب إبادة جماعية في غزة" . تعلمنا أن ازدواجية المعايير ليست مجرد خطأ مهني، بل هي بنية متكاملة تخدم الهيمنة.

1.6 مهاجمة إيران كمهنة: سيكولوجية الكراهية

في المحطة السادسة، حللنا ظاهرة "المهاجمين المحترفين". تعلمنا أن هؤلاء ليسوا بالضرورة أشراراً بطبعهم، بل هم في الغالب ضحايا ظروفهم: فشل مهني واجتماعي يدفعهم للبحث عن عدو يعوض به إحباطهم، حاجة ماسة للمال تجعلهم يقبلون أي صفقة، انتهازية تبحث عن الشهرة بأي ثمن.

تعلمنا أن هناك أنواعاً متعددة من المهاجمين: الأيديولوجي المقتنع، والمرتزق الذي يهاجم مقابل المال، والانتهازي الباحث عن الشهرة، والتابع الذي يردد ما يملى عليه، والمقهور الذي يسقط إحباطه على "الآخر البعيد".

تعلمنا أن هؤلاء المهاجمين ليسوا مجرد "أصوات فردية"، بل هم جزء من صناعة منظمة، تمولها دوائر النفوذ، وتديرها أجهزة استخباراتية، وينفذها جيش من الإعلاميين والكتاب. إنهم "الرأسمال البشري" للهيمنة الإعلامية.

1.7 مستقبل العلاقات: عالم متعدد الأقطاب

في المحطة السابعة، استشرفنا المستقبل. تعلمنا أن العالم يتحول من أحادية القطب إلى تعددية الأقطاب، وأن إيران تلعب دوراً محورياً في هذا التحول من خلال تحالفها مع روسيا والصين، وانضمامها إلى منظمات التعددية (شنغهاي، البريكس).

تعلمنا من تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن "العالم يشهد تحولات اقتصادية وسياسية جذرية"، وأن دول البريكس (التي تمثل 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ونصف سكان العالم) تؤكد "فجر حقبة جديدة" .

تعلمنا أن مبادرة "الوئام" (MWADA) التي طرحها جواد ظريف تمثل نقلة نوعية في الدبلوماسية الإيرانية: دعوة صريحة لبناء نظام إقليمي جديد قائم على "المودة" بدلاً من الصراع.

لكن تعلمنا أيضاً أن المستقبل ليس مضموناً. التحديات الداخلية والخارجية لا تزال هائلة. قدرة إيران على تجاوز هذه التحديات ستحدد ما إذا كانت ستكون من "بناة" النظام الجديد، أم مجرد "تابع" فيه.

….. .

ثانياً: الدروس الكبرى: ما الذي استخلصناه؟

2.1 الدرس الأول: الهيمنة تحتاج إلى كشف

الدرس الأول والأهم: الهيمنة تحتاج إلى كشف. آلياتها تعمل في الظل، وتتغذى على الجهل والتضليل. عندما نسلط الضوء عليها، تفقد فعاليتها. عندما نكشف مصادر تمويل المهاجمين، تتراجع مصداقيتهم. عندما نوثق إنجازات إيران، تتهاوى الصور النمطية. عندما نقارن التجارب، يتبين النمط المتكرر.

كشف الهيمنة هو واجب أخلاقي وفكري. ليس فقط للدفاع عن إيران، بل للدفاع عن الحقيقة نفسها.

2.2 الدرس الثاني: التنمية المستقلة ممكنة

الدرس الثاني: التنمية المستقلة ممكنة، رغم كل الصعاب. إيران أثبتت أن الشعوب قادرة على التقدم خارج النموذج الغربي، بل وأحياناً بالرغم منه. التعليم، الصحة، التكنولوجيا، الصناعة، كلها مجالات حققت فيها إيران تقدماً ملموساً، رغم الحصار والمؤامرات.

هذا الدرس مهم ليس فقط للإيرانيين، بل لكل شعوب الجنوب العالمي التي تبحث عن نماذج تنموية بديلة. إيران تقدم نموذجاً حياً على أن الاستقلال ممكن، وأن التقدم ممكن، وأن الصمود ممكن.

2.3 الدرس الثالث: التحالفات الدولية ضرورة

الدرس الثالث: في عالم متحول، لا يمكن لأي دولة أن تواجه الهيمنة وحدها. التحالفات الدولية مع القوى الصاعدة (روسيا، الصين، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا) ضرورية لكسر العزلة، وتنويع الشراكات، وبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.

الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس ليس مجرد "دبلوماسية"، بل هو خيار استراتيجي يعيد تعريف موقع إيران في العالم. هذا الخيار يحتاج إلى تعميق وتوسيع، وبناء شبكة أوسع من العلاقات مع دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.

2.4 الدرس الرابع: الإعلام سلاح ذو حدين

الدرس الرابع: الإعلام يمكن أن يكون سلاح هدم أو سلاح بناء. استخدمته دوائر الهيمنة لهدم إيران، ويمكن لإيران استخدامه لبناء صورة حقيقية عن نفسها. لكن هذا يتطلب استراتيجية إعلامية متطورة، تتجاوز الإعلام الدفاعي إلى الإعلام الهجومي، وتستثمر في الجيل الجديد، وتخاطب الجماهير الغربية بلغتها وبأسلوبها.

الإعلام البديل (RT، غلوبال تايمز، برس تي في، قنوات يوتيوب مستقلة) يلعب دوراً مهماً في كسر احتكار السردية الغربية. لكنه يحتاج إلى دعم وتطوير، وإلى خطاب أكثر احترافية وجاذبية.

2.5 الدرس الخامس: الشعوب هي الرهان الحقيقي

الدرس الخامس والأخير: في النهاية، تبقى الشعوب هي الرهان الحقيقي. لا النخب المالية، ولا الأجهزة الاستخباراتية، ولا المهاجمون المحترفون. الشعوب التي تدرك حقيقة ما يحدث، وتعي آليات التضليل، وتؤمن بقدرتها على التغيير، هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.

الإيرانيون أظهروا على مدى أربعة عقود أنهم شعب واعٍ، صامد، مبدع. رغم كل الحملات الإعلامية المغرضة، ورغم كل العقوبات الجائرة، ورغم كل المؤامرات الخارجية، بقيت إيران صامدة، بل ومتقدمة. هذا ليس صدفة. هذا نتاج وعي شعبي عميق بخطر الهيمنة، وقناعة راسخة بأن الاستقلال هو الخيار الوحيد.

……

ثالثاً: شهادة من الميدان: ما الذي حدث حقاً في إيران؟

3.1 تقرير غلوبال تايمز: شهادة باحث صيني

في خضم الأحداث المتسارعة، تبرز أهمية الشهادات الميدانية المستقلة. تقرير صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية (يناير 2026) يقدم شهادة فريدة عن الأوضاع في إيران خلال الاحتجاجات الأخيرة، من خلال مقابلة مع لي شوانشوان، باحث صيني كان في طهران وعاد لتوه إلى الصين .

هذه الشهادة مهمة لأنها تأتي من مصدر غير غربي، وبالتالي غير خاضع للضغوط الإعلامية المهيمنة. تكشف الشهادة عن حقائق صادمة:

· رحلات الطيران لم تكن ممتلئة: على عكس ما روّج له الإعلام الغربي عن "فرار جماعي" من إيران، كانت رحلة العودة التي استقلها لي شوانشوان (طهران-قوانغتشو) ممتلئة بنسبة 30% فقط .
· البازار الكبير عاد للعمل: في 6 يناير 2026، كان حوالي 90% من محلات "البازار الكبير" في طهران مفتوحة، بينما كانت وسائل إعلام غربية تروّج أن البازار لا يزال مغلقاً بالكامل .
· الإمدادات الأساسية متوفرة: لم تؤثر الاحتجاجات بشكل مباشر على توفر السلع الأساسية. الحياة اليومية للسكان في وسط طهران لم تتأثر بشكل كبير .
· قطع الإنترنت كإجراء للسيطرة: نفذت إيران قطعاً شاملاً للإنترنت، مما جعل التواصل صعباً. لكن هذا الإجراء، بحسب لي، كان يهدف بوضوح إلى السيطرة على الاحتجاجات .
· مجتمع منقسم: المشاركون الرئيسيون في الاحتجاجات كانوا من تجار البازار والشباب (خاصة طلاب الجامعات)، لكن مطالب هاتين المجموعتين كانت مختلفة، مما جعل من الصعب عليهما تشكيل قوة موحدة .

هذه الشهادة الميدانية تكشف الفجوة الهائلة بين السردية الإعلامية الغربية والواقع على الأرض. ما يصوره الإعلام كـ"انتفاضة شعبية" هو في الحقيقة احتجاجات محدودة، شاركت فيها فئات معينة بمطالب مختلفة، وعادت الأوضاع إلى طبيعتها بسرعة نسبية.

3.2 شهادة جيفري ساكس: الحرب الاقتصادية المعلنة

شهادة أخرى مهمة تأتي من الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس، الذي وثق اعتراف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن العقوبات صممت عمداً لإحداث انهيار اقتصادي في إيران ودفع الشعب إلى الشوارع .

يقول ساكس: "ما يصفه الوزير بيسنت ليس دبلوماسية اقتصادية بالمعنى التقليدي. إنها حرب تُشن بوسائل اقتصادية، كلها مصممة لإحداث أزمة اقتصادية واضطرابات اجتماعية تؤدي إلى سقوط الحكومة" .

ويضيف: "المعاناة الإنسانية الناجمة عن الحرب المباشرة والعقوبات الاقتصادية الخانقة ليست مختلفة كما قد يظن المرء. الانهيار الاقتصادي ينتج نقصاً في الغذاء والدواء والوقود، ويدمر المدخرات والمعاشات والأجور والخدمات العامة. الانهيار الاقتصادي المتعمد يدفع الناس إلى الفقر وسوء التغذية والموت المبكر، تماماً كما تفعل الحرب المباشرة" .

هذه الشهادة تكشف الطبيعة الحقيقية لما يسمى "العقوبات": إنها حرب شاملة ضد المدنيين، تستهدف قوتهم اليومي وصحتهم وكرامتهم.

3.3 شهادة سكوت ريتر: فشل تغيير النظام

المحلل العسكري الأمريكي سكوت ريتر، مفتش الأسلحة السابق في العراق، يقدم شهادة مهمة عن فشل محاولات تغيير النظام في إيران. في تحليل له، يكشف ريتر كيف أن CIA والموساد تسللا إلى احتجاجات اقتصادية حقيقية، وحاولا تحويلها إلى ثورة عنيفة، لكنهما فشلا .

يقول ريتر: "محاولات تغيير النظام المتكررة والفاشلة في إيران عززت الدولة الإيرانية بشكل متناقض". ويشير إلى أن "النظام السياسي الإيراني قوي وقادر على التكيف ويحظى بدعم داخلي"، وأن "الضغط الخارجي عزز الوحدة الوطنية بدلاً من إضعافها" .

يكشف ريتر أيضاً عن دور روسيا في مساعدة إيران على تفكيك شبكات التجسس الغربية، مما جعل الأجهزة الاستخباراتية تفقد النفوذ الذي كانت تملكه .

3.4 شهادة إدوارد سعيد: دروس من الماضي

لا يمكننا إنهاء هذه الشهادات دون العودة إلى إدوارد سعيد، الذي حذر قبل أكثر من أربعة عقود من أن "الإعلام لا يعكس الواقع بل يصنعه". في كتابه "تغطية الإسلام" (1981)، حلل سعيد تغطية أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، وكشف كيف أن وسائل الإعلام الغربية أعادت إنتاج الصور النمطية الاستشراقية ذاتها .

يقول سعيد: "لا يمكن القول إن وسائل الإعلام تعبر جميعها عن رأي واحد... لكن هناك ميلاً نوعياً وكمياً لصالح وجهات نظر معينة وتمثيلات معينة للواقع على حساب أخرى". هذا التحليل الدقيق يفسر كيف أن تنوع وسائل الإعلام لا يعني بالضرورة تنوع الآراء، بل قد يكون مجرد تنوع في الأشكال مع وحدة في المضمون.

شهادة سعيد مهمة لأنها تذكرنا بأن ما يحدث اليوم ليس جديداً. آليات التشويه ذاتها استخدمت قبل أربعة عقود، وستستخدم في المستقبل ما لم نكشفها ونواجهها.

…….

رابعاً: تأمل في دلالات الرحلة

4.1 لماذا كل هذا العناء؟

قد يتساءل قارئ: لماذا كل هذا العناء؟ لماذا هذه الصفحات المئات في تحليل آليات التشويه وتوثيق الإنجازات وكشف المهاجمين؟ أليس من الأسهل تجاهل كل هذا والانشغال بما هو أهم؟

الجواب: لأن المعركة الحقيقية تدور في العقول قبل أن تدور في الميادين. لأن من يمتلك القدرة على تشكيل الوعي يمتلك القدرة على توجيه السلوك. لأن الصور النمطية التي تكرسها وسائل الإعلام المهيمنة تتحول إلى "حقائق" في أذهان الملايين، وهذه "الحقائق" تبرر السياسات العدائية والعقوبات الجائرة والتدخلات العسكرية.

لذلك، فإن تفكيك هذه الصور النمطية، وكشف زيفها، وتقديم البديل الموضوعي، هو واجب أخلاقي وفكري. إنه دفاع عن الحقيقة في زمن تضليل، وعن العدالة في زمن هيمنة، وعن الكرامة في زمن إذلال.

4.2 ماذا يعني كل هذا للقارئ العادي؟

للقارئ العادي الذي يتابع الأخبار ويشاهد التلفاز ويقرأ الصحف، تعني هذه الرحلة شيئاً واحداً: لا تثق بأي صورة نمطية، ولا تسلم بأي رواية جاهزة، واسأل دائماً: من يروي هذه القصة؟ ولماذا يرويها بهذه الطريقة؟ وما هي المصالح التي تخدمها هذه الرواية؟

تعني هذه الرحلة أن تدرك أن إيران التي تراها في وسائل الإعلام الغربية ليست هي إيران الحقيقية. إنها صورة مشوهة، صنعتها أجهزة استخباراتية، ومولتها نخب مالية، وروجها إعلاميون مأجورون. إيران الحقيقية هي بلد يعيش فيه 85 مليون إنسان، لهم آمالهم وآلامهم وإنجازاتهم وإخفاقاتهم، شأنهم شأن أي شعب آخر.

تعني هذه الرحلة أن تدرك أن "المهاجمين المحترفين" الذين يملأون الشاشات بخطاب الكراهية ليسوا "خبراء محايدين"، بل هم مرتزقة في خدمة مشروع الهيمنة. وأن "العقوبات" التي تفرض على إيران ليست "إجراءات دبلوماسية"، بل هي حرب شاملة ضد المدنيين.

4.3 ماذا يعني كل هذا للإيرانيين؟

للإيرانيين، تعني هذه الرحلة شيئاً أعمق: إنها شهادة على صمودهم وإبداعهم. إنها توثيق لإنجازاتهم التي حققوها رغم كل الصعاب. إنها تأكيد على أنهم ليسوا وحدهم، بل هناك أصوات في الغرب وروسيا والصين والعالم أجمع تنصفهم وتدعم حقهم في التنمية المستقلة.

تعني هذه الرحلة أن عليهم أن يفخروا بما حققوه، وألا يسمحوا لخطاب الكراهية بأن يهز ثقتهم بأنفسهم. وأن يستمروا في مسيرة البناء والإبداع، رغم كل التحديات. وأن يدركوا أن المستقبل يحمل فرصاً هائلة، إذا استطاعوا استغلالها بحكمة.

4.4 ماذا يعني كل هذا لشعوب الجنوب العالمي؟

لشعوب الجنوب العالمي (آسيا، أفريقيا، أمريكا اللاتينية) التي عانت ولا تزال تعاني من الهيمنة الغربية، تعني هذه الرحلة أن هناك نموذجاً بديلاً يمكن الاقتداء به. إيران أثبتت أن الاستقلال ممكن، وأن التنمية ممكنة، وأن الصمود ممكن. ليس لأنها تملك موارد هائلة (وهي تملك)، بل لأنها تملك إرادة قوية وشعباً واعياً.

تعني هذه الرحلة أن التحالفات بين دول الجنوب ضرورية لمواجهة الهيمنة. وأن منظمات مثل البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون هي أدوات مهمة لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، أكثر عدالة وتوازناً.

……

خامساً: رؤية للمستقبل: ماذا بعد؟

5.1 المدى القصير (1-3 سنوات): تحديات وفرص

في المدى القصير، تواجه إيران تحديات كبيرة:

· الاقتصاد: استمرار العقوبات يعني استمرار الضغوط الاقتصادية. التضخم، البطالة، نقص الاستثمارات، كلها مشاكل تحتاج إلى حلول مبتكرة.
· السياسة الداخلية: الانقسامات الداخلية، والصراع بين التيارات المختلفة، والضغوط الشعبية، كلها تحتاج إلى إدارة حكيمة.
· العلاقات الإقليمية: استمرار التوتر مع إسرائيل، والعلاقات المتقلبة مع دول الجوار، والصراعات في المنطقة، كلها تشكل تحديات أمنية.

لكن هناك فرصاً أيضاً:

· تعميق التحالفات مع روسيا والصين: الاتفاقية الثلاثية (فبراير 2026) تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والعسكري والسياسي .
· الاستفادة من عضوية البريكس: الوصول إلى أسواق جديدة، واستثمارات محتملة، وأنظمة دفع بديلة بعيداً عن الدولار.
· تحسين العلاقات مع الجوار: استمرار التقارب مع السعودية والإمارات يمكن أن يفتح آفاقاً للتعاون الاقتصادي والأمني.

5.2 المدى المتوسط (3-10 سنوات): تحولات كبرى

في المدى المتوسط، ستشهد المنطقة والعالم تحولات كبرى:

· نهاية حقبة النفط: التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة سيؤثر على اقتصادات المنطقة. إيران بحاجة إلى تنويع اقتصادها والاستعداد لهذا التحول.
· صعود الذكاء الاصطناعي: التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي ستغير طبيعة العمل والإنتاج والصراع. إيران بحاجة إلى الاستثمار في هذا المجال لمواكبة التطورات.
· تغير المناخ: ندرة المياه، التصحر، ارتفاع درجات الحرارة، كلها ستشكل تحديات وجودية. إيران بحاجة إلى سياسات طموحة لمواجهة هذه التحديات.
· إعادة تشكيل النظام العالمي: صعود الصين، وتوسع البريكس، وتراجع النفوذ الغربي، كلها عوامل ستعيد تشكيل النظام العالمي. إيران بحاجة إلى موقع واضح في هذا النظام الجديد.

5.3 المدى البعيد (10-20 سنة): آمال وتحديات

في المدى البعيد، يمكن تصور عدة سيناريوهات:

السيناريو المتفائل: تنجح إيران في تجاوز تحدياتها الداخلية، وتعمق علاقاتها مع الشرق والجنوب، وتصبح مركزاً للطاقة والنقل والتكنولوجيا في المنطقة. تتحسن العلاقات مع الجوار، ويخف التوتر مع الغرب. يصبح النظام العالمي متعدد الأقطاب واقعاً ملموساً.

السيناريو المتشائم: تستمر العقوبات والضغوط، وتتفاقم الأزمة الاقتصادية، وتزداد الانقسامات الداخلية. تتصاعد التوترات الإقليمية، وتندلع حروب جديدة. يصبح مستقبل إيران غامضاً.

السيناريو الوسطي: مزيج من النجاحات والإخفاقات. تستمر إيران في الصمود، لكن التحديات تبقى قائمة. تتحسن بعض المؤشرات وتتراجع أخرى. تبقى المنطقة في حالة من عدم الاستقرار المزمن.

5.4 ما الذي يمكن فعله؟

في مواجهة هذه التحديات والفرص، هناك إجراءات يمكن اتخاذها على مستويات متعددة:

على المستوى الداخلي:

· إصلاح اقتصادي جذري: معالجة الفساد، تحسين مناخ الاستثمار، دعم القطاع الخاص، تنويع مصادر الدخل.
· انفتاح سياسي تدريجي: توسيع المشاركة الشعبية، احترام الحريات، الاستماع للأصوات المختلفة.
· استثمار في التعليم والبحث: إعداد جيل جديد قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
· تطوير خطاب إعلامي احترافي: يخاطب الجماهير الغربية بلغتها وبأسلوبها.

على المستوى الإقليمي:

· تعميق التقارب مع الجوار: استكمال مسار المصالحة مع السعودية، تطوير العلاقات مع تركيا ومصر، حل الخلافات مع الإمارات.
· دعم الاستقرار في المنطقة: المساعدة في حل الأزمات (اليمن، سوريا، العراق، لبنان) بطرق سلمية.
· بناء مشاريع إقليمية مشتركة: في الطاقة، النقل، المياه، البيئة.

على المستوى الدولي:

· تعزيز التحالفات مع روسيا والصين: تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، تطوير مشاريع مشتركة، تنسيق المواقف في المحافل الدولية.
· الانفتاح على أفريقيا وأمريكا اللاتينية: استثمار الفرص في هذه القارات الصاعدة.
· بناء علاقات متوازنة مع أوروبا: استغلال المصالح المشتركة (الطاقة، الاستقرار الإقليمي) لتحسين العلاقات.
· مواجهة الهيمنة الأمريكية بحكمة: تجنب الانجرار إلى صراعات غير متكافئة، مع الحفاظ على الحق في الدفاع عن النفس.

…….

سادساً: كلمة أخيرة: في انتظار فجر جديد

6.1 استرجاع: ماذا قدمنا؟

في هذه الرحلة الطويلة، قدمنا:

· تفكيك آليات التنميط الإعلامي: كشفنا كيف تعمل وسائل الإعلام المهيمنة على تشويه صورة إيران، عبر التأطير، وترتيب الأولويات، والغرس الثقافي.
· كشف البنية التحتية للتشويه: تتبعنا شبكات التمويل الخفية، ودور الأجهزة الاستخباراتية (الوحدة 8200، الموساد، CIA)، وآليات الرقابة والإقصاء.
· تحليل دور النخب المالية: درسنا تاريخ عائلة روتشيلد ونطاق نفوذها الحقيقي، وكشفنا شبكات التمويل التي تقف وراء الحملات الإعلامية.
· توثيق منجزات إيران: عرضنا بالأرقام والوثائق الدولية التقدم الذي حققته إيران في مجالات الصحة والتعليم والصناعة والتكنولوجيا.
· مقارنة تجارب التشويه: قارنا تجربة إيران بتجارب الجزائر وسوريا وليبيا وفنزويلا، وكشفنا النمط المتكرر.
· تحليل سيكولوجية المهاجمين: درسنا دوافع "المهاجمين المحترفين" وأنماطهم، وكشفنا الاقتصاد السياسي للكراهية.
· استشراف المستقبل: حللنا تحولات النظام العالمي، وموقع إيران في هذا التحول، والتحديات والفرص المقبلة.

6.2 شهادة: لماذا كل هذا؟

نقدم هذه الشهادة لا لنقول إن إيران مثالية، فهي ليست كذلك. لا لنقول إن إيران بلا عيوب، ففيها عيوب كثيرة. لا لنقول إن الإيرانيين ملائكة، فهم بشر مثل كل البشر.

نقدم هذه الشهادة لنقول شيئاً واحداً: إيران ليست ما تصوره وسائل الإعلام المهيمنة. هي بلد له تاريخ عريق، وحاضر معقد، ومستقبل مفتوح. هي شعب له إنجازات حقيقية، وتحديات حقيقية، وآمال مشروعة.

نقدم هذه الشهادة لنقول إن الإعلام ليس نافذة شفافة على الواقع، بل هو عدسة ملونة، تشكل رؤيتنا للعالم. وإن كشف هذه العدسة، وفهم آليات عملها، هو الخطوة الأولى نحو التحرر من هيمنتها.

نقدم هذه الشهادة لنقول إن الشعوب التي تؤمن بنفسها، وتعمل من أجل مستقبلها، وتصمد في وجه العواصف، هي وحدها القادرة على صناعة التاريخ. وإيران، رغم كل شيء، تثبت يوماً بعد يوم أنها من هذه الشعوب.

6.3 دعوة: ماذا يمكنك أن تفعل؟

للقارئ الذي وصل إلى هنا، نقول: أنت لست مجرد متلقٍ سلبي. أنت فاعل في صناعة المعنى. يمكنك أن:

· تسأل: لا تقبل أي رواية جاهزة. اسأل دائماً: من يروي هذه القصة؟ ولماذا يرويها بهذه الطريقة؟
· تبحث: لا تكتف بمصدر واحد. ابحث عن مصادر متعددة، من ثقافات وتوجهات مختلفة.
· تفكر: لا تستهلك المعلومات بلا وعي. فكر في دلالاتها، وفي السياق الذي تنتج فيه.
· تنشر: شارك ما تعلمته مع الآخرين. ساهم في كسر احتكار السردية المهيمنة.
· تضامن: مع كل الشعوب التي تتعرض للهيمنة والظلم. لأن قضيتهم هي قضيتك. لأن العالم أصبح قرية واحدة.

6.4 ختام: في انتظار فجر جديد

في ختام هذه الرحلة الطويلة، نعود إلى الصورة التي بدأنا بها: في البدء كان الكلمة. والكلمة كانت نوراً وظلمة، كانت بياناً وتضليلاً، كانت تحريراً واستعباداً. من يملك الكلمة، يملك العالم.

لكن الكلمة ليست ملكاً لأحد. يمكن لأي إنسان أن ينتج كلمة، وأن يشاركها، وأن يؤثر بها. في عصر الإنترنت ووسائل التواصل، أصبحت القدرة على إنتاج المعنى أكثر توزعاً من أي وقت مضى. لم يعد بإمكان النخب المالية احتكار الكلمة كما كانت تفعل في الماضي.

هذا هو الأمل. هذا هو الفجر الجديد الذي يلوح في الأفق. فجر تتعدد فيه الأصوات، وتتنوع فيه الروايات، ويتسع فيه فضاء الحوار. فجر تتراجع فيه الهيمنة، ويتقدم فيه التعاون. فجر يثبت فيه الجنوب العالمي أنه قادر على بناء مستقبله بنفسه.

إيران، بكل ما مرت به من محن، وبكل ما حققته من إنجازات، وبكل ما تواجهه من تحديات، هي جزء من هذا الفجر الجديد. ليست لأنها مثالية، بل لأنها حية. ليست لأنها بلا عيوب، بل لأنها تتعلم من عيوبها. ليست لأنها تملك كل الإجابات، بل لأنها تواصل طرح الأسئلة.

في النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من الكذب. والصبر أطول من الباطل. وشهادة التاريخ ستكون لصالح من بنوا، لا من هدموا. لصالح من زرعوا الأمل، لا من بذروا اليأس. لصالح شعب آمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، فعمل لأجله، وصمد في وجه العواصف، وبنى وطنه حجراً حجراً، وإنساناً إنساناً.

هذه هي شهادتنا. وهذا هو أملنا. وهذا هو فجرنا الجديد.

……

سابعاً: هوامش وإحالات

7.1 قائمة المصادر الأساسية

1. تقرير غلوبال تايمز عن شهادة باحث صيني في طهران، يناير 2026
2. تحليل سكوت بيرشيل عن ازدواجية المعايير في التعامل مع إيران وإسرائيل، Pearls and Irritations، يناير 2026
3. إدوارد سعيد، "تغطية الإسلام"، روتليدج وكيجان بول، 1981 (مراجعة MERIP)
4. تحليل سكوت ريتر عن عمليات تغيير النظام الفاشلة في إيران، The World News، يناير 2026
5. جيفري ساكس وسيبيل فارس، "الهجين الحربي الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران"، Consortium News، يناير 2026
6. تحليل ميديوم المقارن للتغطية الإعلامية الدولية للأزمة الإيرانية، يناير 2026
7. تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن تحولات النظام العالمي، Khabaronline، يناير 2026
8. جيفري ساكس وسيبيل فارس، "الدبلوماسية الاقتصادية المكشوفة"، Common Dreams، يناير 2026

7.2 المصادر الثانوية

· تقارير البنك الدولي عن إيران (أعداد مختلفة)
· تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن التنمية البشرية (2023-2025)
· دراسات "Citizen Lab" عن الحسابات الوهمية والتضليل الإلكتروني
· تقارير "ستاندفورد" و"غرافيكا" عن شبكات الدعاية الموالية للغرب
· تحليلات مشروع GDELT عن العوالم الإعلامية المتوازية

---

ثامناً: كلمة شكر وتقدير

في ختام هذه الرحلة، لا يسعنا إلا أن نتوجه بالشكر والعرفان إلى:

· الشعب الإيراني: مصدر الإلهام الأول. الذي علّم العالم أن الصمود ممكن، وأن الإبداع ممكن، وأن الحياة ممكنة، رغم كل شيء.
· الأصوات التقدمية في الغرب: نعوم تشومسكي، إدوارد سعيد، جيفري ساكس، سكوت ريتر، فيوريلا إيزابيل، وغيرهم ممن لم يخافوا في الله لومة لائم، وكشفوا زيف الخطاب المهيمن.
· الإعلام البديل في روسيا والصين: RT، غلوبال تايمز، سبوتنيك، التي قدمت تغطية مختلفة، وأفسحت مساحة للأصوات المغايرة.
· كل باحث وصحفي وناشط يؤمن بأن الحقيقة أقوى من الكذب، وبأن العدالة أقوى من الهيمنة، وبأن المستقبل سيكون أفضل.

شكراً لكم جميعاً. ورحلة موفقة إلى كل من يواصل السير على هذا الدرب.


تمّت

……..

دراسة مقارنة: "في محراب الكذب" في سياق المكتبة العالمية

موقع الكتاب من التراث النقدي الغربي والعربي وآفاق التجديد

تمهيد: ضرورة المقارنة وموقع الكتاب من الخريطة المعرفية

لكل كتاب سلالة فكرية ينتمي إليها، ونقاش ضمني يديره مع من سبقوه، وموقع فريد يحفره في خريطة المعرفة الإنسانية. كتابنا "في محراب الكذب: شهادة العقود الأربعة في مواجهة الهيمنة" ليس استثناءً. إنه وريث شرعي لتقليد نقدي عريق في دراسة الإعلام والهيمنة، لكنه في الوقت نفسه محاولة جادة لتجاوز هذا التراث وتطويره، استجابة لتحولات العصر الرقمي، وخصوصية التجربة الإيرانية، وانبثاق نظام عالمي متعدد الأقطاب.

في هذه الدراسة المقارنة، سنحاول تتبع خيوط النسب الفكري لهذا الكتاب، وقياس مسافة الاقتراب والابتعاد بينه وبين أبرز المؤلفات التي شكلت وعينا النقدي للإعلام والهيمنة. سنبدأ باستعراض الكتب المؤسسة في هذا الحقل (هربرت شيلر، أرماند ماتيلار، إدوارد سعيد، نعوم تشومسكي)، ثم ننتقل إلى أعمال عربية معاصرة تناولت الموضوع من زوايا متعددة، لنخلص في النهاية إلى تحديد السمات المميزة لهذا الكتاب، وما يضيفه جديداً إلى المكتبة العالمية.

الرهان هنا مزدوج: من جهة، تأكيد أصالة هذا الكتاب وانتمائه إلى تقليد نقدي عريق. ومن جهة أخرى، إبراز خصوصيته وتفرده، ليس بوصفه مجرد "تطبيق" لنظريات جاهزة على حالة إيرانية، بل بوصفه محاولة جادة لتطوير هذه النظريات نفسها، استناداً إلى خبرة أربعة عقود من الصمود تحت الحصار، وإلى تحولات جيوسياسية كبرى تعيد تشكيل النظام العالمي.

……

أولاً: الكتب المؤسسة في نقد الهيمنة الإعلامية

1.1 هربرت شيلر: الاتصال والهيمنة الثقافية

يصعب الحديث عن نقد الهيمنة الإعلامية دون البدء بالمفكر الأمريكي الراديكالي هربرت شيلر (1919-2000)، الذي يعد بحق مؤسس هذا الحقل النقدي. كتابه "الاتصال والهيمنة الثقافية" (Communication and Cultural Domination) الصادر عام 1976، وما زال يمثل مرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم آليات الهيمنة الإعلامية في القرن العشرين .

مضمون الكتاب: ينتقد شيلر الأوضاع الإعلامية والثقافية على المستوى الدولي التي تدعمها الولايات المتحدة بما لها من نفوذ قوي، تسعى من خلاله إلى السيطرة الثقافية والهيمنة الإعلامية بهدف إحداث نوع من التبعية الفكرية لها، بحيث يصبح النموذج الأمريكي مصدر المعرفة الذي يسعى إليه المثقفون من أبناء الدول النامية إلى تقليده وتبني أفكاره ورؤاه دون وعي . ويرى أننا على أعتاب نوع جديد من الدبلوماسية الثقافية التي تستلزم تطور قطاع الاتصالات الثقافية في النظام العالمي بما يتسق وأهداف النظام العام وغاياته .

آليات الهيمنة: يوضح شيلر دور وسائل الإعلام في عملية الهيمنة من خلال الحملات الإعلامية التي تشنها الدول الكبرى ضد الدول التي تحاول الخروج من دائرة الهيمنة. ويعدد هذه الادعاءات: عدم ديمقراطية أنظمة الحكم في هذه الدول، أو أنها تنتهك حقوق الإنسان، أو أنها تشجع الأعمال الإرهابية، أو أنها تسعى للحصول على ترسانة من الأسلحة النووية . هذه الآليات، التي حددها شيلر قبل نصف قرن، هي نفسها المستخدمة اليوم ضد إيران، وكأن التاريخ يعيد نفسه.

أوجه الالتقاء مع كتابنا: يتقاطع "في محراب الكذب" مع مشروع شيلر في نقاط أساسية:

· كشف آليات الهيمنة: يتابع الكتاب تقليد شيلر في تفكيك الحملات الإعلامية ضد الدول المستقلة، ويكشف كيف تُستخدم نفس التهم (انتهاك حقوق الإنسان، الإرهاب، البرنامج النووي) ضد إيران.
· الربط بين الإعلام والسياسة: يؤكد الكتاب، مثل شيلر، أن الحملات الإعلامية ليست مجرد "تغطية إخبارية"، بل جزء من استراتيجية أوسع للهيمنة السياسية والاقتصادية.

أوجه الاختلاف والتجاوز: لكن كتابنا يتجاوز إطار شيلر في عدة جوانب:

· الانتقال من النظرية إلى التطبيق: شيلر يقدم تحليلاً نظرياً عاماً، بينما كتابنا يطبق هذه النظرية على حالة واحدة (إيران) بشكل موسع ومفصل، مستنداً إلى تجربة أربعة عقود.
· توسيع قاعدة المصادر: يعتمد شيلر بالدرجة الأولى على التجربة الأمريكية واللاتينية، بينما يستفيد كتابنا من مصادر روسية وصينية وأقلام تقدمية غربية، مما يعكس تحول النظام العالمي من الأحادية إلى التعددية.
· البعد السيكولوجي: يضيف الكتاب تحليلاً نفسياً واجتماعياً لظاهرة "المهاجمين المحترفين"، وهو ما غاب عن تحليل شيلر الذي ركز على البنى المؤسسية.

1.2 أرماند ماتيلار: الإمبريالية الثقافية

يأتي المفكر الفرنسي أرماند ماتيلار (1936-) ليكمل ويطور مشروع شيلر، من خلال التركيز على مفهوم "الإمبريالية الثقافية". كتابه "الإمبريالية الثقافية" (Cultural Imperialism) الصادر عام 1983، يقدم تحليلاً معمقاً لكيفية استخدام الإعلام كأداة للهيمنة الثقافية، ليس فقط عبر نقل المحتوى، بل عبر فرض نماذج من التفكير والسلوك.

مضمون الكتاب: يرى ماتيلار أن الهيمنة الإعلامية ليست مجرد "تأثير ثقافي"، بل هي جزء من بنية اقتصادية وسياسية شاملة تهدف إلى إعادة إنتاج علاقات التبعية. ويركز على دور الشركات متعددة الجنسيات، ووكالات الأنباء العالمية، وتدفق البرامج التلفزيونية من الشمال إلى الجنوب، في خلق ثقافة عالمية موحدة تخدم مصالح المركز.

أوجه الالتقاء مع كتابنا: يتقاطع كتابنا مع ماتيلار في:

· توسيع مفهوم الهيمنة: يتبنى الكتاب رؤية ماتيلار الشاملة للهيمنة، التي لا تقتصر على الإعلام، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة والثقافة.
· الربط بين المحلي والعالمي: يحلل الكتاب كيف تتفاعل العوامل الداخلية (الاحتجاجات، الأزمة الاقتصادية) مع الضغوط الخارجية (العقوبات، الحملات الإعلامية) في تشكيل المشهد الإيراني.

أوجه الاختلاف والتجاوز: لكن كتابنا يتجاوز ماتيلار في:

· التحليل التفصيلي للحالة الإيرانية: ماتيلار يقدم إطاراً عاماً، بينما كتابنا يغوص في تفاصيل التجربة الإيرانية، محللاً مؤسساتها، وإنجازاتها، وتحدياتها.
· دراسة آليات المقاومة: يركز الكتاب على آليات المقاومة والصمود التي طورتها إيران، وهو ما غاب عن تحليل ماتيلار الذي ركز بالأساس على آليات الهيمنة.

1.3 إدوارد سعيد: تغطية الإسلام والاستشراق

يعد إدوارد سعيد (1935-2003) المفكر الفلسطيني-الأمريكي أحد أكثر المؤثرين في كتابنا، خاصة من خلال كتابيه "الاستشراق" (1978) و"تغطية الإسلام" (1981). يقدم سعيد نقداً جذرياً لكيفية تمثيل الغرب للشرق، وللإسلام، وللعالم العربي والإسلامي عموماً.

مضمون الكتابين: في "الاستشراق"، يكشف سعيد كيف أن الغرب لم يدرس الشرق دراسة محايدة، بل "أنتجه" خطابياً، أي صاغه وصوره وشكله وفق رؤيته الاستعمارية. في "تغطية الإسلام"، يوسع هذا النقد ليشمل الإعلام، محللاً تغطية أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران (1979-1980)، ويكشف كيف أن الإعلام الغربي أعاد إنتاج الصور النمطية الاستشراقية ذاتها، وقدم صورة مشوهة عن إيران والإسلام، تخدم المصالح السياسية الأمريكية.

أوجه الالتقاء مع كتابنا: يتقاطع كتابنا مع سعيد في نقاط جوهرية:

· نقد الصور النمطية: يخصص الكتاب فصولاً لكشف الصور النمطية عن إيران ("دولة الملالي"، "نظام ديكتاتوري"، "قمع المرأة")، وكيف أن هذه الصور تخدم أجندات سياسية.
· الربط بين المعرفة والسلطة: يتبنى الكتاب رؤية سعيد القائلة بأن إنتاج المعرفة (الأبحاث، التقارير، التحليلات) ليس محايداً، بل يرتبط بعلاقات القوة والهيمنة.
· تحليل ازدواجية المعايير: يرصد الكتاب، كما يفعل سعيد، كيف تتعامل وسائل الإعلام الغربية بازدواجية معايير صارخة بين إيران وإسرائيل، وبين أصدقاء الغرب وخصومه.

أوجه الاختلاف والتجاوز: يتجاوز كتابنا سعيد في:

· التطبيق الموسع على حالة واحدة: سعيد قدم تحليلاً مركزاً لتغطية أزمة الرهائن، بينما كتابنا يمتد لأربعة عقود، ويحلل آلاف المواد الإعلامية.
· الاعتماد على مصادر غير غربية: يستفيد الكتاب من مصادر روسية وصينية، مما يوسع قاعدة النقد ويتجاوز الثنائية الغرب-الشرق.
· البعد الاقتصادي التفصيلي: يقدم الكتاب تحليلاً اقتصادياً دقيقاً لشبكات التمويل، وهو ما غاب عن تحليل سعيد الذي ركز بالأساس على الخطاب والتمثيل.

1.4 نعوم تشومسكي وإدوارد هرمان: صناعة الموافقة

يشكل كتاب "صناعة الموافقة: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام" (Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media) الصادر عام 1988 عن نعوم تشومسكي وإدوارد هرمان، أحد أهم المراجع في نقد الإعلام الغربي. يقدم الكتاب "نموذج الدعاية" (Propaganda Model) الشهير، الذي يشرح كيف تعمل وسائل الإعلام في المجتمعات الرأسمالية.

نموذج الدعاية الخماسي: يحدد النموذج خمسة مرشحات (Filters) تخضع لها المواد الإعلامية:

1. الملكية والتركيز: وسائل الإعلام مملوكة لشركات ضخمة لها مصالح متشعبة.
2. التمويل الإعلاني: الاعتماد على الإعلانات يخلق علاقة هيكلية مع المعلنين.
3. الاعتماد على المصادر الرسمية: وسائل الإعلام تعتمد بشكل كبير على مصادر حكومية وشركات كبرى.
4. النقد والردود (Flak) : آليات الضغط والردع ضد الإعلام المخالف.
5. العدو الموحد: خلق عدو دائم (كان الشيوعية، وأصبح الإسلام السياسي) لتوحيد الخطاب.

أوجه الالتقاء مع كتابنا: يتقاطع كتابنا مع تشومسكي وهرمان في:

· تبني نموذج الدعاية: يستخدم الكتاب هذا النموذج كإطار تحليلي لفهم تغطية إيران، ويطوره خاصة في المرشح الخامس (تحول العدو من الشيوعية إلى الإسلام).
· كشف ازدواجية المعايير: يتبع الكتاب تقليد تشومسكي في فضح ازدواجية المعايير بين تغطية الاحتجاجات في إيران وتغطية الاحتجاجات في الدول الحليفة.
· الربط بين الإعلام والسلطة: يؤكد الكتاب، مثل تشومسكي، أن الإعلام ليس سلطة رابعة مستقلة، بل هو جزء من بنية السلطة.

أوجه الاختلاف والتجاوز: يتجاوز كتابنا تشومسكي في:

· تطوير المرشح الخامس: يحلل الكتاب كيف تحول "العدو" من الشيوعية إلى الإسلام السياسي، وكيف أن إيران أصبحت رمزاً لهذا العدو الجديد.
· إضافة أبعاد جديدة: يضيف الكتاب أبعاداً سيكولوجية وأنثروبولوجية غابت عن تحليل تشومسكي الاقتصادي-السياسي.
· التركيز على حالة محددة: بينما يقدم تشومسكي أمثلة متفرقة، يغوص كتابنا في تفاصيل حالة واحدة، مما يسمح بتحليل أعمق للآليات.

……

ثانياً: كتب عربية معاصرة في نقد الهيمنة الإعلامية

2.1 صباح ياسين: الإعلام: النسق القيمي وهيمنة القوة

صدر كتاب "الإعلام: النسق القيمي وهيمنة القوة" للباحث العراقي صباح ياسين عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2006. يقدم الكتاب مقاربة نقدية لقضية حيوية متصلة بحرية الإنسان وخياراته، وحدود تصوراته المثالية .

مضمون الكتاب: يؤكد ياسين أن التحدي الحقيقي يكمن في تصميم صيغة مناسبة معبرة عن الرغبة في الاستفادة من المعايير الأخلاقية والقيمية التي ترافقت مع نمو وانتشار تقنيات الاتصال وحرية الرأي والمعرفة. ويكشف أن الصراع بين الخير والشر، والاصطدام المستمر بين نزعة السيطرة والإغراء الملح لاستخدام القوة، يكشف عن أن "الحلقة المفقودة" هي لعنة الاختلال التي تحمل في كوامنها لحظات تفجر مستمرة، وصراعاً متغير الأشكال والأهداف يسعى نحو تكبيل وإعاقة تحرر الإنسان وإبداعه .

أوجه الالتقاء مع كتابنا:

· التركيز على القيم والأخلاق: يشارك كتابنا ياسين في الاهتمام بالبعد القيمي والأخلاقي للإعلام، وكيف أن الهيمنة الإعلامية تؤدي إلى تآكل هذه القيم.
· الربط بين الإعلام والتحرر: يؤكد كلا الكتابين أن الإعلام يمكن أن يكون أداة تحرر إذا استخدم بشكل صحيح.

أوجه الاختلاف: يبقى كتاب ياسين أكثر تجريداً ونظرية، بينما كتابنا أكثر التصاقاً بالواقع الإيراني وتفاصيله.

2.2 أحمد فهمي: هندسة الجمهور

صدر كتاب "هندسة الجمهور: كيف تغير وسائل الإعلام الأفكار والتصرفات؟" للكاتب أحمد فهمي عن مركز البيان للبحوث والدراسات. يتناول الكتاب كيفية صياغة وتشكيل عقول الجماهير من خلال الرسائل الإعلامية .

مضمون الكتاب: يركز الكتاب على فكرة أن الجمهور ليس مجرد مستقبل سلبي للمعلومات، بل هو مادة يتم "هندستها" وتشكيل وعيها بطرق مدروسة. ويشرح آليات التأثير الإعلامي: التكرار، صناعة الأزمات، التلاعب بالعواطف. كما يتطرق إلى دور الإعلام الجديد في "هندسة" الأفراد بناءً على بياناتهم واهتماماتهم الشخصية .

أوجه الالتقاء مع كتابنا:

· مفهوم "الهندسة": يتقاطع مع مفهوم "المهاجمين المحترفين" و"صناعة الكراهية" في كتابنا.
· تحليل الآليات: يقدم تحليلاً للآليات النفسية المستخدمة في الإعلام، وهو ما نوسعه في كتابنا.

أوجه الاختلاف والتجاوز: يتجاوز كتابنا "هندسة الجمهور" في:

· التحليل السياسي والاقتصادي: يضيف الكتاب بعداً سياسياً واقتصادياً غائباً عن تحليل فهمي الذي يبقى ضمن الإطار النفسي-الاتصالي.
· الربط بالصراع الجيوسياسي: يحلل الكتاب كيف أن "هندسة الجمهور" ليست مجرد تقنية، بل جزء من صراع جيوسياسي أوسع بين القوى الكبرى.

2.3 محمد داود: التبعية الإعلامية في دول الشرق الأوسط

يقدم الباحث والكاتب الإعلامي محمد داود دراسة مهمة عن "التبعية الإعلامية في دول الشرق الأوسط"، تنشر في الحوار المتمدن . تتمحور الدراسة حول مفهوم التبعية وواقع وسائل الإعلام العربية والتحديات التي تواجهها.

مضمون الدراسة: يؤكد داود أن الإعلام العربي يقوم بعملية تقليد سياسي واجتماعي وثقافي وفني لكل ما يفرزه الإعلام الغربي. ويتناول أهم سمات الخطاب الإعلامي العربي، والتبعية إلى الخارج وإلى السلطة السياسية في الداخل. ويخلص إلى ضرورة تعاون العرب وتحديد أولويات العمل الإعلامي .

التبعية الإعلامية: يعرف داود التبعية الإعلامية بأنها علاقة تنطلق من التابع إلى المتبوع، عبر عملية إلحاق قصري بوسائل سياسية واقتصادية وعسكرية، وغزو ثقافي وفكري لتعميم نظام الإنتاج الرأسمالي، وتسويغ للهيمنة التي تمارسها دولة عظمى أو مجموعة دول . ويشير إلى أن نظرية التبعية ظهرت في دول أمريكا اللاتينية كرد فعل لإخفاق نظريات التحديث الغربية، وتتلخص في أن ما تقدمه الدول الصناعية من تكنولوجيا إعلامية يعمل على صنع وتعميق التبعية الإعلامية للدول النامية .

أوجه الالتقاء مع كتابنا:

· مفهوم التبعية: يتبنى كتابنا هذا المفهوم ويطبقه على حالة إيران، محللاً كيف أن الحملات الإعلامية تهدف إلى إبقاء إيران في دائرة التبعية.
· نقد التحديث الغربي: يشترك مع داود في نقد نظريات التحديث الغربية التي تقدم النموذج الغربي كقالب وحيد للتنمية.

أوجه الاختلاف والتجاوز: يتجاوز كتابنا دراسة داود في:

· التفصيل والعمق: دراسة داود موجزة، بينما كتابنا يمتد لمئات الصفحات ويحلل بالتفصيل آليات التبعية في حالة إيران.
· التركيز على نموذج ناجح لفك الارتباط: يركز كتابنا على إيران كنموذج ناجح لفك الارتباط (بمعنى سمير أمين)، وهو ما يقدم إجابة عملية على مشكلة التبعية التي يشخصها داود.

2.4 مصطفى غلمان: في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة

صدر كتاب "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة: قراءات في المحتوى والوسيط" للباحث المغربي مصطفى غلمان عن دار "أكورا للنشر" عام 2025. يتناول الكتاب تأثير الرقمنة على الإعلام العربي والغربي، من منظور سوسيولوجي تحليلي .

مضمون الكتاب: ينطلق المؤلف من فكرة أساسية، وهي أن الإعلام الرقمي لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح فاعلاً بنيوياً يعيد تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي. ويحلل أزمة المصداقية الإعلامية في العصر الرقمي، مشيراً إلى أن تحولات الإعلام فرضت واقعاً جديداً مليئاً بالاختلالات والاختزالات المهنية. ويشدد على أن المعرفة الإعلامية أصبحت رهينة لعالم رقمي ضخم من البيانات، ما ساهم في "انفراط القيمة الأخلاقية والاجتماعية للمعلومات" .

الرقمنة والسلطة: يرى غلمان أن كلما حاول الإنسان التفلت من قبضة السلطة، تسعى هي بدورها إلى الإمساك بالمفاتيح حصراً. "تتبدل أشكال السلطة، كما تتغيّر أدوات السيطرة والتحكّم، ولكنها تعيد إنتاج أنماط التبعية بوسائل جديدة أكثر إغراءً وانسياباً" .

أوجه الالتقاء مع كتابنا:

· البعد السوسيولوجي: يتقاطع مع تحليلنا للظواهر الاجتماعية المرتبطة بالإعلام.
· الرقمنة كأداة هيمنة: يحلل كيف أن الرقمنة، رغم وعودها بالتحرر، قد تعيد إنتاج أنماط التبعية.

أوجه الاختلاف والتجاوز: يتجاوز كتابنا تحليل غلمان في:

· التطبيق على حالة ملموسة: يطبق الكتاب هذه التحليلات على حالة إيران، ويقدم أمثلة واقعية من الاحتجاجات والحملات الإعلامية.
· الربط بالتحليل السياسي والاقتصادي: يربط التحليل السوسيولوجي بالتحليل السياسي والاقتصادي، مقدمًا رؤية شاملة للهيمنة.

……

ثالثاً: السمات المميزة لكتاب "في محراب الكذب"

بعد هذه الجولة في المكتبة العالمية والعربية، يمكننا الآن تحديد السمات التي تميز كتابنا وتجعل منه إضافة نوعية إلى هذا الحقل المعرفي.

3.1 التكامل بين التحليل النظري والتطبيق الميداني

تتميز معظم الكتب السابقة (شيلر، ماتيلار، سعيد، تشومسكي) بطابعها النظري العام. إنها تقدم أطراً تحليلية قوية، لكنها غالباً ما تبقى في مستوى التعميم. كتابنا، بالمقابل، يزاوج بين التحليل النظري والتطبيق الميداني التفصيلي على حالة واحدة (إيران) على مدى أربعة عقود. هذا المزج يسمح باختبار النظريات في الواقع، وتطويرها استناداً إلى الخبرة الملموسة.

إنه ليس مجرد "تطبيق" لنموذج الدعاية لتشومسكي على إيران، بل هو تطوير لهذا النموذج نفسه، استناداً إلى خصوصية التجربة الإيرانية، وإلى تحولات العصر الرقمي، وإلى انبثاق نظام عالمي متعدد الأقطاب.

3.2 التنوع المصدري: من روسيا والصين إلى الأقلام التقدمية الغربية

تعتمد الكتب السابقة بالدرجة الأولى على مصادر غربية، حتى عندما تنتقد الغرب. كتابنا يتجاوز هذا القيد بالاعتماد على مصادر متنوعة:

· مصادر روسية: مثل قناة RT وتحليلات سكوت ريتر المنشورة فيها.
· مصادر صينية: مثل صحيفة "غلوبال تايمز" وتقاريرها الميدانية من طهران.
· أقلام تقدمية غربية: مثل جيفري ساكس، وفيوريلا إيزابيل، وسكوت ريتر.
· مصادر إيرانية رسمية ومستقلة: مثل تصريحات المسؤولين، وتقارير وكالات الأنباء الإيرانية.
· تقارير أممية ودولية: مثل تقارير UNDP والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية.

هذا التنوع المصدري يمنح الكتاب موضوعية أكبر، ويسمح بتقديم صورة أكثر تعقيداً وثراءً، تتجاوز الثنائيات المبسطة (غرب/شرق، معادٍ/موال).

3.3 التحليل السيكولوجي لظاهرة "المهاجمين المحترفين"

يضيف الكتاب بعداً سيكولوجياً غائباً عن معظم التحليلات السابقة. لا يكتفي بتحليل البنى المؤسسية والاقتصادية للهيمنة، بل يحلل أيضاً دوافع الأفراد الذين ينخرطون في "مهنة الكراهية". يستخدم الكتاب أدوات من علم النفس الاجتماعي (عقدة النقص، التعويض، النرجسية الجماعية، الخوف الوجودي) لفهم لماذا يهاجم هؤلاء إيران.

هذا التحليل السيكولوجي يسمح بفهم أعمق لظاهرة "المهاجمين المحترفين"، لا كمجرد "مرتزقة" يبيعون أقلامهم، بل كبشر لهم دوافعهم النفسية وصراعاتهم الداخلية.

3.4 توثيق الإنجازات: الوجه الآخر للصورة

تركز معظم كتب نقد الهيمنة على كشف زيف الخطاب المهيمن، لكنها نادراً ما تقدم البديل. كتابنا يفعل الأمرين معاً: من جهة، يفكك آليات التشويه، ومن جهة أخرى، يوثق بالتفصيل إنجازات إيران التنموية في مجالات الصحة والتعليم والصناعة والتكنولوجيا.

هذا التوثيق ليس مجرد "دعاية" لإيران، بل هو شهادة موضوعية تستند إلى تقارير أممية ودولية، تثبت أن إيران، رغم كل الحصار والمؤامرات، استطاعت أن تحقق تقدماً حقيقياً. وهو أيضاً رد عملي على الصور النمطية التي تقدم إيران كـ"دولة فاشلة" أو "نظام منهار".

3.5 التحليل المقارن: من الجزائر إلى فنزويلا

يضيف الكتاب بعداً مقارناً مهماً، من خلال تحليل تجارب أخرى مشابهة: الجزائر في التسعينيات، سوريا وليبيا بعد 2011، وفنزويلا اليوم. هذا التحليل المقارن يكشف عن "النمط" المتكرر في آليات التشويه: تضخيم الأرقام، شيطنة القائد، تجاهل السياق، الاعتماد على مصادر مشبوهة، دعم معارضة مشبوهة.

هذا التحليل يسمح باستخلاص دروس مهمة لإيران، ويحذر من تكرار أخطاء الآخرين. كما يقدم مادة غنية للباحثين في العلاقات الدولية والإعلام المقارن.

3.6 البعد المستقبلي: استشراف النظام العالمي الجديد

لا يكتفي الكتاب بتحليل الماضي والحاضر، بل يمتد إلى استشراف المستقبل. يحلل تحولات النظام العالمي من الأحادية إلى التعددية، وموقع إيران في هذا التحول، والفرص والتحديات التي تنتظرها. كما يقدم رؤية إيرانية طموحة (مبادرة "الوئام" MWADA) لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في غرب آسيا.

هذا البعد المستقبلي يمنح الكتاب راهنيته وأهميته، ويجعله أداة لفهم التحولات الكبرى التي يعيشها العالم، وليس مجرد توثيق لتجربة مضت.

……

رابعاً: خلاصة تركيبية: موقع الكتاب من الخريطة المعرفية

بعد هذه المقارنة، يمكننا تحديد موقع "في محراب الكذب" من الخريطة المعرفية على النحو التالي:

أنساب فكرية: الكتاب وريث شرعي لثلاثة تيارات نقدية كبرى:

· تيار نقد الإمبريالية الثقافية (شيلر، ماتيلار): يستعير منه أدوات تحليل الهيمنة والتبعية.
· تيار نقد الخطاب الاستشراقي (سعيد): يستعير منه أدوات تحليل التمثيل والصور النمطية.
· تيار الاقتصاد السياسي للإعلام (تشومسكي): يستعير منه نموذج الدعاية وتحليل البنى المؤسسية.

السمات المميزة: يتميز الكتاب عن سابقيه بـ:

· التكامل بين التحليل النظري والتطبيق الميداني على حالة واحدة.
· التنوع المصدري (روسي، صيني، غربي تقدمي، إيراني).
· التحليل السيكولوجي لظاهرة المهاجمين المحترفين.
· توثيق الإنجازات كبديل عملي للصور النمطية.
· التحليل المقارن مع تجارب مشابهة.
· البعد المستقبلي واستشراف النظام العالمي الجديد.

الإضافة النوعية: يضيف الكتاب إلى المكتبة العالمية:

1. نموذجاً مطوراً لتحليل الهيمنة الإعلامية، يأخذ في الاعتبار تحولات العصر الرقمي، وانبثاق نظام متعدد الأقطاب.
2. توثيقاً موسعاً لتجربة إيران التنموية، يستند إلى مصادر دولية، ويقدم صورة مغايرة للصورة النمطية السائدة.
3. تحليلاً مقارناً للتجارب المشابهة، يكشف عن النمط المتكرر في آليات التشويه.
4. رؤية مستقبلية لموقع إيران في النظام العالمي الجديد، تستند إلى تحولات جيوسياسية حقيقية.

الجمهور المستهدف: الكتاب موجه إلى:

· الباحثين والأكاديميين في حقول الإعلام، العلاقات الدولية، والدراسات الإيرانية.
· الصحفيين والإعلاميين الذين يريدون فهماً أعمق لآليات التغطية الإعلامية.
· النشطاء والمهتمين بالشأن الإيراني وقضايا الجنوب العالمي.
· القراء العامين الذين يبحثون عن فهم موضوعي لإيران، بعيداً عن الصور النمطية.

……

خاتمة: نحو تجديد الخطاب النقدي

في ختام هذه المقارنة، نستطيع القول إن "في محراب الكذب" يمثل محاولة جادة لتجديد الخطاب النقدي في مجال الإعلام والهيمنة. إنه لا يكتفي بتكرار ما قاله شيلر وسعيد وتشومسكي، بل يحاورهم وينقدهم ويطورهم، استناداً إلى تجربة جديدة (إيران)، وإلى تحولات جديدة (الرقمنة، التعددية القطبية)، وإلى أدوات تحليلية جديدة (السيكولوجيا، المقارنة، الاستشراف).

الكتاب يقدم نفسه كـ"شهادة" أكثر منه كـ"نظرية". شهادة من داخل التجربة الإيرانية، ومن خارجها في آن. شهادة على أربعة عقود من الصمود والإبداع. شهادة على آليات الهيمنة وكيفية مقاومتها. شهادة على أن عالماً آخر ممكن، تتعدد فيه الأصوات، وتتنوع فيه الروايات، وتتحرر فيه الشعوب من أغلال التبعية.

بهذا المعنى، لا ينتمي الكتاب إلى الماضي فقط (توثيق تجربة)، بل إلى المستقبل أيضاً (استشراف آفاق جديدة). إنه أداة لفهم الحاضر، وصياغة المستقبل، والمساهمة في بناء خطاب نقدي جنوبي-جنوبي، قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

…….

قائمة المراجع للمقارنة

1. هربرت شيلر، "الاتصال والهيمنة الثقافية"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007
2. أرماند ماتيلار، "الإمبريالية الثقافية"، 1983
3. إدوارد سعيد، "الاستشراق"، 1978
4. إدوارد سعيد، "تغطية الإسلام"، 1981
5. نعوم تشومسكي وإدوارد هرمان، "صناعة الموافقة: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام"، 1988
6. صباح ياسين، "الإعلام: النسق القيمي وهيمنة القوة"، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006
7. أحمد فهمي، "هندسة الجمهور: كيف تغير وسائل الإعلام الأفكار والتصرفات؟"، مركز البيان للبحوث والدراسات
8. محمد داود، "التبعية الإعلامية في دول الشرق الأوسط"، الحوار المتمدن
9. مصطفى غلمان، "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة: قراءات في المحتوى والوسيط"، أكورا للنشر، 2025
10. سمير أمين، "التراكم على صعيد عالمي"، 1974



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
- أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون ...
- بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة ...
- عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال ...
- من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت ...
- -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة ...
- إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال ...
- العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم ...
- إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين ...
- سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
- الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ ...
- افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
- افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
- الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن ...
- تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م ...
- ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال ...
- تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة ...
- الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
- روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا ...
- سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي ...


المزيد.....




- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...
- قلة الأعمال الكبرى وتخمة الحلقات القصيرة.. نقيب الفنانين يحذ ...
- -فتح- تنتقد غياب التمثيل الفلسطيني وحضور إسرائيل في اجتماع - ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجربة التنموية الإيرانية المستقلة