|
|
أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيونية - تحقيق في جينات الإفساد التأسيسي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 13:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تقديم: في معمعة الخراب، بحثاً عن الصيغة القانونية للخلاص
ليس هذا التحقيق محاولة لاستعادة ذكرى جيفري إبستين، ذلك الممول الهلامي الذي عاش في المنطقة الرمادية بين المال والسياسة والجنس والموت. ليست الغاية هنا مجرد سرد فظائع رجل اعتاد امتلاك الجسد الأنثوي قبل أن تمتلكه الخلية الانفرادية في سجن متروبوليتان كوريكشنال سنتر. بل الهدف أشمل وأخطر: تتبع الخيوط غير المرئية التي تربط جزر العهر في الكاريبي بالمغتصبات الصهيونية في فلسطين، وربط قضية الابتزاز الجنسي للقاصرات بملف الاستعمار الاستيطاني لشعب بأكمله.
فجيفري إبستين لم يكن وحده. كان ذراعاً، كان "ممثلاً"، على حد وصفه هو نفسه. ممثلاً لمن؟ لعائلة روتشيلد، تلك السلالة التي باتت في المخيال الشعبي مرادفاً للسلطة الخفية التي تمسك بخيوط اللعبة المالية والسياسية العالمية. لكن ماذا يعني أن يكون إبستين "ممثلاً لروتشيلد"؟ هل هي مجرد وكالة مالية؟ أم أنها تمثيلية أوسع، تشمل إدارة الأزمات، وابتزاز النخب، وتشكيل الواقع وفق إرادة لا تظهر على السطح؟
الخبر الذي بين أيدينا، والمتمثل في كشف موقع "دروب سايت نيوز" عن إشراف الحكومة الإسرائيلية على تركيب النظام الأمني لمنزل إبستين في نيويورك، ليس مجرد تفصيل جانبي في جريمة عابرة. إنه الخيط الذي يربط "الجزر" بـ"الكيان". إنه لحظة انكشاف الستار عن العلاقة العضوية بين جهاز أمن تابع لدولة احتلال وبين شبكة دعارة عالمية. فما الذي تبحث عنه دولة بأكملها، ببعثتها الدبلوماسية وأجهزتها الأمنية، داخل شقة رجل متهم باستغلال القاصرات؟ هل كان إيهود باراك، رئيس الوزراء الأسبق، مجرد مستأجر عابر؟ أم أن شقته كانت موقعاً عملياتياً لـ"جزيرة" أخرى؟
يتحرك هذا التحقيق في ثلاثة مسارات متوازية. الأول: تفكيك العلاقة بين إبستين وعائلة روتشيلد، وكيف تحول الممول المفلس إلى مستشار استراتيجي لأغنى العائلات، ثم إلى وسيط في صفقات غسيل الأموال وتسوية الملفات مع وزارة العدل الأمريكية. الثاني: البحث في الصبغة القانونية التي تتيح محاكمة بنوك روتشيلد على تمويلها ودعمها لمشروع استعماري صهيوني اغتصب أرض وذاكرة الشعب الفلسطيني. كيف يمكن تحويل "المسؤولية الأخلاقية" إلى "تبعات قانونية"؟ وكيف يمكن تأميم ثروات من ساهموا في تهجير شعب لتعويض ضحاياه، سواء كانوا ضحايا الاغتصاب في نيويورك أو ضحايا الاغتصاب في القدس؟ الثالث: تفكيك العلاقة المباشرة بين "الكيان" وجزر إبستين، انطلاقاً من خبر التركيب الأمني، مروراً بدور الموساد، وصولاً إلى صياغة تهم قانونية واضحة تقول إن المغتصبات الصهيونية في فلسطين ليست سوى امتداد جغرافي وتاريخي ونفسي لشبكات الاغتصاب المنظمة في جزر الكاريبي.
عشرات الصفحات من التحقيق المعمّق، بلغة أدبية لا تخلو من صرامة القانوني ورهافة الصحفي، لعلنا نستطيع صياغة سؤال أخير: إذا كان إبستين قد مات في ظروف غامضة وهو يحمل أسرار النخبة، فهل يمكن للقانون أن يحيي العدالة ليلاحق من ظلوا أحياء، يمارسون ذات الإفساد، ويؤسسون ذات المشاريع الاستعمارية، على أنقاض الشعوب وأجساد النساء؟
ممثل روتشيلد - قراءة في وثائق الاعتراف والتمثيل
1/1 من هو جيفري إبستين؟ ولادة وحش من رحم النظام
لفهم كيف وصف جيفري إبستين نفسه بأنه "ممثل روتشيلد"، علينا أولاً أن نفهم طبيعة هذا الرجل الذي بدأ حياته مدرساً للرياضيات في مدرسة دالتون المرموقة، لينتهي به الأمر واحداً من أكثر الشخصيات غموضاً ونفوذاً في العالم. لم يكن إبستين مصرفياً تقليدياً، ولم تكن ثروته تأتي من إدارة صناديق استثمار شفافة. كان إبستين "مهندساً مالياً" بالمعنى الإجرامي للكلمة. كان وسيطاً بين رؤوس الأموال الهاربة، وأدوات غسيل الأموال، وخدمات المخابرات، وشبكات النفوذ الدولية.
البداية الحقيقية كانت مع عمله لدى ليزلي ويكسنر، قطب الأزياء الذي يملك علامات تجارية مثل "فيكتوريا سيكريت". وهنا يكمن المدخل الأول لفهم العقلية الإبستينية. لم يكن إبستين يدير المال فحسب، بل كان يدير البشر. لقد استغل منصبه ليخلق عالماً من "العارضات" القاصرات اللواتي كن يتدفقن على منازله كجزء من شبكة تجنيد منظمة. كان امتلاك المال يعني امتلاك الأجساد، وامتلاك الأجساد يعني امتلاك أسرار أصحابها.
في العام 1996، أسس إبستين شركة "المالية المحدودة" في جزر فيرجن الأمريكية، وهي جنة ضريبية بامتياز. هناك، في جزيرة "ليتل سانت جيمس"، بنى قلعته التي أطلق عليها البعض "جزيرة الجنس" أو "جزيرة الاغتصاب المنظم". لم تكن الجزيرة مجرد منتجع فاخر، بل كانت سجناً خاصاً ومسرحاً للعمليات. تم تجهيزها بكاميرات مراقبة في كل زاوية، ليس لحماية الضحايا، بل لتوثيق تورط الضيوف. لقد كان إبستين عبقري ابتزاز بامتياز: كان يخلق الجريمة، ثم يوثقها، ثم يستخدمها كورقة ضغط على أقوى رجال العالم.
في العام 2008، جاء أول إنذار حقيقي. في فلوريدا، وجهت إلى إبستين تهمة تحريض قاصر على الدعارة. لكن بدلاً من عقوبة السجن المشددة، حصل على صفقة مثيرة للجدل بفضل محاميه النافذين وعلاقاته الوثيقة. حُكم عليه بـ 18 شهراً في السجن، لكن بنظام "الإفراج النهاري"، حيث كان يغادر السجن 16 ساعة يومياً للعمل في مكتبه. كان هذا "الاعتراف" الجزئي بالذنب بمثابة ثمن زهيد دفعته النخبة لحماية الأسرار الأكبر. كان إبستين يعلم أن لديه ما يكفي من المواد للإطاحة بعشرات الشخصيات، ولذلك كان محمياً حتى داخل أسوار السجن.
غير أن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. في العام 2019، وبعد حملة صحافية قادتها صحيفة "ميامي هيرالد"، أعيد فتح الملفات، ووجهت إلى إبستين تهماً فيدرالية جديدة بالاتجار بالجنس. هذه المرة، كان الخطر حقيقياً. كان إبستين سيواجه بقية حياته خلف القضبان ما لم يتكلم. وفي 10 أغسطس/آب 2019، عُثر عليه ميتاً في زنزانته. أعلنت السلطات الانتحار، لكن تفاصيل الحادثة كانت مريبة: كاميرات المراقبة في الممر الخارجي تعطلت، وحراس السجن لم يقوموا بجولاتهم الروتينية، وتم نقل رفيقيه في الزنزانة قبيل الحادثة. لقد أخذ إبستين أسراره إلى القبر، أو بالأحرى، أُخذت الأسرار معه إلى القبر .
1/2 العلاقة مع عائلة روتشيلد: من المستشار المالي إلى "الممثل"
تتجاوز علاقة إبستين بعائلة روتشيلد حدود الصدفة أو المعاملات المصرفية العادية. إنها علاقة عضوية تمتد لعقود وتتخللها تفاصيل حميمة وأسرار عائلية. الوثائق التي كشفتها وزارة العدل الأمريكية مؤخراً ترسم صورة مذهلة: إبستين لم يكن مجرد مستشار مالي لآريان دي روتشيلد، رئيسة مجموعة "إدموند دي روتشيلد"، بل كان بمثابة "المقرب الأقرب" و"الظل الاستراتيجي" الذي يدير شؤون العائلة من خلف الستار.
في العام 2015، كانت المجموعة المالية تواجه أزمة وجودية. وزارة العدل الأمريكية كانت تحقق مع بنك "إدموند دي روتشيلد" (السويسري) بتهمة مساعدة أثرياء أمريكيين على إخفاء أصولهم عن دائرة الإيرادات الداخلية (IRS). الغرامات كانت تلوح في الأفق، والسجن كان احتمالاً وارداً لبعض المسؤولين. هنا تدخل إبستين كمنقذ.
الوثائق تظهر تبادلاً للرسائل الإلكترونية في ديسمبر/كانون الأول 2015، حيث تؤكد آريان دي روتشيلد لإبستين مبلغ التسوية: "45 مليون دولار؟". رد إبستين كان محسوباً بدقة: "بما في ذلك 10 ملايين كأتعاب محاماة، و25 مليوناً لي، أعتقد أنك ستجدين أن المجموع أقل من 80 مليوناً هو صفقة جيدة جداً" . وبالفعل، بعد أيام قليلة، أعلنت وزارة العدل الأمريكية التسوية مع البنك، وبلغت الغرامة 45 مليون دولار بالضبط. كان إبستين قد نجح في إنقاذ العائلة من فضيحة مدوية، وحصل على 25 مليون دولار مقابل خدماته.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. الرسائل المسربة تكشف عن علاقة شخصية متشابكة. آريان كانت تثق في إبستين بأسرارها الأعمق. في مراسلة سابقة، كانت تخبره عن رغبتها في "السيطرة" على العائلة، وعن نيتها تولي منصب الرئيس التنفيذي. رد إبستين كان قصيراً وحاسماً: "جيد. التالي، ناقشي التخطيط العقاري" . بل إنه تعدى ذلك إلى تقديم نصائح عدوانية بشأن التعامل مع زوجها بنجامين دي روتشيلد، الذي عانى من مشاكل إدمان. في رسالة أبريل/نيسان 2015، كتب إبستين: "أعتقد أنك يجب أن تعدي مذكرة وصاية ضد بنجامين، تمنحينه الخيار بين رفع الدعوى أو التنحي الطوعي... لقد فقد السيطرة ويشكل خطراً عليك وعلى العائلة" .
لم تقتصر العلاقة على الجانب القانوني والأسري، بل امتدت إلى استراتيجيات الاستثمار الكبرى. إبستين كان يسعى لربط العائلة بمؤسساته المالية في وول ستريت. رتب لآريان لقاءات مع ليون بلاك، مؤسس "أبولو غلوبال مانجمنت" (الذي كان يمول إبستين شخصياً)، واقترح خططاً طموحة لاستحواذات كبرى وعمليات اندماج مع بنوك سويسرية عملاقة .
هذه العلاقة تفسر لماذا كان بإمكان إبستين وصف نفسه بأنه "ممثل روتشيلد". لم يكن مجرد موظف بأجر، بل كان امتداداً لسلطة العائلة في العالم السفلي للتمويل الدولي. كان يدير ملفات لا يمكن الحديث عنها في العلن، ويتعامل مع "القذارة" نيابة عن العائلة، مقابل حماية مطلقة ووصول غير محدود إلى دوائر السلطة. لقد كان "الذراع القذر" الذي يقوم بالمهمات المستحيلة، وفي مقدمتها التعامل مع أجهزة المخابرات والتورط في شبكات الابتزاز الجنسي.
1/3 صفقة الـ 25 مليون دولار: تفاصيل التسوية مع وزارة العدل
صفقة العام 2015 بين بنك روتشيلد ووزارة العدل الأمريكية تستحق وقفة خاصة، ليس فقط لمبلغها، بل لطريقة إنجازها. إبستين، الذي كان بحلول ذلك الوقت قد أدين كمجرم جنسي في قضية فلوريدا، كان لا يزال يملك القدرة على التفاوض مع أعلى سلطة قانونية في الولايات المتحدة. هذا يشير إلى أن إبستين لم يكن وحيداً، بل كان يعبر عن مصالح كيانات أكبر.
التفاصيل تكشف أن إبستين استخدم خبرته في التهرب الضريبي وعلاقاته مع دوائر إنفاذ القانون لإنقاذ روتشيلد. لم تكن القضية مجرد غرامة مالية، بل كانت تهديداً بملاحقات جنائية تطال إدارة البنك بالكامل. تدخل إبستين حوّل التهديد إلى تكلفة يمكن احتواؤها. الأهم من المبلغ المدفوع هو الرسالة التي أُرسلت: عائلة روتشيلد على استعداد للدفع لأي شخص، حتى لو كان مجرماً مداناً، لحماية مصالحها.
الرسائل الإلكترونية بين إبستين وآريان تحمل نبرة ألفة غير عادية. في إحداها، تشكوه آريان من صعوباتها النفسية بعد توليها المسؤولية: "أنا أصاب بالجنون، أخاف ألا أكون على قدر المهمة" . رد إبستين كان أقرب إلى معالج نفسي: "لا داعي أبداً لإخفاء أي شيء عني. يمكنني الاستماع، أو تقديم النصيحة، أو مجرد الاستماع. لا شيء يمكنك قوله سيصدم" . هذه النبرة الحميمية تظهر أن إبستين كان أكثر من مستشار؛ كان "مقرباً" بكل ما للكلمة من معنى، يشارك في أدق تفاصيل حياة امرأة تدير واحدة من أكبر الثروات في العالم.
الأمر المثير للانتباه هو أن إبستين استغل هذه العلاقة لاختراق العائلة من الداخل. كان يطلع على مراسلاتها الخاصة مع أعضاء آخرين في العائلة، بمن فيهم اللورد جاكوب روتشيلد. كان يوجهها في صراعاتها الداخلية على السلطة، ويقدم لها نصائح حول كيفية التعامل مع "الأعداء" داخل العائلة. هذا يعني أن إبستين كان يعرف أسرار العائلة الأكثر حساسية، وبالتالي كان يمتلك سلطة هائلة عليها. لقد حوّل نفسه من خادم إلى سيد، من خلال امتلاك المعرفة والعلاقات الحميمية .
1/4 نظرية التمثيل: إبستين بين العميل والشريك
بعد هذه التفاصيل، يصبح السؤال: ماذا يعني أن يكون إبستين "ممثلاً لروتشيلد"؟ في اللغة القانونية، "التمثيل" يعني وجود علاقة وكالة (Agency)، حيث يتصرف الشخص لحساب موكله، وتنطبق تصرفاته على الموكل. لكن في عالم الظل، يأخذ التمثيل أشكالاً أخرى.
إبستين كان ممثلاً بالمعنى البراغماتي: كان ينوب عن العائلة في التعامل مع القذارة. كان يدير الملفات التي لا يمكن للعائلة لمسها بنفسها: العلاقات مع أجهزة المخابرات (الموساد تحديداً)، إدارة أصول غير مشروعة، التعامل مع شبكات الدعارة والابتزاز، وحماية سمعة العائلة من خلال التضحية بسمعته هو. كان بمثابة "الممثل في مسرح الظل": عندما تضاء الأضواء، يظهر هو على المسرح ليلقى القبض عليه أو يُقتل، بينما يبقى المنتجون الحقيقيون في الكواليس.
لكن الأدلة تشير إلى أن العلاقة تجاوزت الوكالة البسيطة نحو "الشراكة". إبستين لم يكن مجرد تابع، بل كان شريكاً في المؤسسة. كان يمتلك معلومات حساسة عن العائلة تكفي لتدميرها لو أراد. كما أنه كان يدخل في مشاريع مشتركة مع العائلة، مثل محاولاته لربط بنك روتشيلد بمشاريع استحواذ كبرى في وول ستريت. كان هناك تكامل مصالح: العائلة تقدم الغطاء السياسي والمالي، وإبستين يقدم الخدمات القذرة والشبكات السرية.
هذه الشراكة تفسر لماذا ظل إبستين محمياً حتى النهاية. لم يكن مجرد مجرم جنسي عادي، بل كان رأس حربة لمشروع عالمي أوسع. مشروع يجمع بين رأس المال العالمي (روتشيلد) والكيان الاستعماري (إسرائيل) في إطار واحد من الإفساد والابتزاز. وفي هذا الإطار، لم تكن جزر إبستين مجرد منتجعات خاصة، بل كانت "مناطق عمليات" لوجمع المعلومات واستعباد الضحايا وتوثيق خطايا النخبة.
الصبغة القانونية لمحاكمة بنوك روتشيلد - من الوكالة إلى المسؤولية الجنائية
2/1 من هو "المسؤول" في نظر القانون الدولي؟
قبل البحث في كيفية محاكمة بنوك روتشيلد، يجب تحديد الإطار القانوني الذي يجعل المؤسسات المالية مسؤولة عن جرائم دولية. في القانون الدولي، تطور مفهوم المسؤولية الجنائية ليشمل ليس فقط الأفراد، بل أيضاً الكيانات الاعتبارية (الشركات والبنوك) إذا ثبت تورطها في جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم حرب، أو تمويل استعمار استيطاني غير قانوني.
مبدأ "المسؤولية عن التبعية" أو "المسؤولية عن المساهمة" ينص على أن أي شخص أو كيان يقدم دعماً مادياً أو لوجستياً لجريمة دولية، وهو يعلم بطبيعتها، يعتبر شريكاً في الجريمة وتنطبق عليه نفس المسؤولية. في حالة روتشيلد، السؤال ليس حول ما إذا كان البنك قد مول مشاريع في إسرائيل، بل حول ما إذا كان هذا التمويل قد ذهب بشكل مباشر إلى مستوطنات غير قانونية، أو إلى كيانات شاركت في قمع الفلسطينيين، أو إلى مؤسسات ساعدت في ترسيخ نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).
محكمة العدل الدولية، في فتواها التاريخية الصادرة في 19 يوليو/تموز 2024، أكدت أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يعتبر احتلالاً غير قانوني، وأن على جميع الدول عدم تقديم أي مساعدة أو دعم لاستمرار هذا الاحتلال. هذا الفتوى تضع أساساً قانونياً صلباً لمقاضاة الشركات التي تتعامل مع المستوطنات. إذا ثبت أن بنوك روتشيلد مولت بناء مستوطنات، أو قدمت قروضاً لشركات تعمل في الأراضي المحتلة، فإنها تكون قد انتهكت القانون الدولي.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مبدأ "المسؤولية الجنائية للشركات" المطبق في العديد من النظم القانونية (مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا). في هذه الدول، يمكن محاكمة البنك نفسه ككيان جنائي إذا ثبت أن مسؤوليه (مثل آريان دي روتشيلد أو غيرها) كانوا على علم بأن أموالهم تستخدم في جرائم دولية، ولم يتخذوا إجراءات لوقف ذلك. حقيقة أن إبستين كان "مستشاراً استراتيجياً" للعائلة، وكان على دراية كاملة بشبكات التجسس والابتزاز، قد تشكل دليلاً على أن العائلة كانت تتعامل بشكل منهجي مع أطراف إجرامية لتحقيق أهدافها المالية والسياسية .
2/2 الاستعمار الصهيوني كجريمة ضد الإنسانية
لكي نتمكن من تأطير تورط بنوك روتشيلد قانونياً، يجب أولاً إثبات أن المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين يشكل جريمة بمقتضى القانون الدولي. هذا ليس مجرد موقف سياسي، بل هو خلاصة تحقيقات قانونية مطولة قامت بها مؤسسات دولية.
المحكمة الجنائية الدولية، في تحقيقاتها المستمرة، تنظر في جرائم حرب محتملة ارتكبت في الأراضي الفلسطينية. لكن الأهم هو تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة)، الذي وصف الاحتلال الإسرائيلي بأنه "غير قانوني" وأشار إلى أدلة على "جرائم ضد الإنسانية" تتمثل في سياسات الفصل العنصري والاضطهاد.
جريمة الاستعمار الاستيطاني (Colonialism) تعتبر في القانون الدولي الحديث شكلاً من أشكال جريمة الاضطهاد، خاصة عندما تتضمن تهجير السكان الأصليين ومصادرة ممتلكاتهم. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر "الترحيل القسري للسكان" و"الاضطهاد ضد أي مجموعة هوية" جرائم ضد الإنسانية. إذا ثبت أن تمويل روتشيلد ساعد في بناء مستوطنات تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين، فإن هذا التمويل يشكل مساهمة في جريمة ضد الإنسانية.
الربط هنا مع قضية إبستين يصبح واضحاً: إبستين نفسه كان على صلة وثيقة بالمؤسسات الإسرائيلية، بما في ذلك تمويله لجيش الاحتلال (من خلال جمعية "أصدقاء جيش الاحتلال") ومنظمات استيطانية مثل "الصندوق القومي اليهودي" . إذا كان إبستين "ممثل روتشيلد"، فهذا يعني أن روتشيلد كانت على علم بدعمه لهذه الكيانات، أو ربما كانت توجهه نحو هذا الدعم. وبالتالي، فإن البنوك تكون مسؤولة بالتضامن عن تمويل جرائم الحرب التي ارتكبتها هذه الكيانات.
2/3 آليات الملاحقة القضائية: محاكم دولية، وطنية، وشعبية
تتعدد السبل القانونية لمحاكمة بنوك روتشيلد، وتتنوع بين الآليات الدولية والوطنية، مروراً بالمحاكم الرمزية (محاكم الرأي).
أولاً: المحكمة الجنائية الدولية: يمكن رفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد قيادات بنوك روتشيلد إذا توفرت أدلة على تورطهم المباشر في تمويل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في فلسطين. التحدي الأكبر هنا هو أن المحكمة تحاكم الأفراد، وليس الشركات، كما أن اختصاصها محدود بالدول الأعضاء. لكن يمكن ملاحقة أفراد عائلة روتشيلد الذين يحملون جنسيات دول أعضاء (مثل فرنسا أو بريطانيا) إذا ثبت تورطهم الشخصي.
ثانياً: مبدأ الولاية القضائية العالمية (Universal Jurisdiction): هذا المبدأ يسمح للمحاكم الوطنية في أي دولة بمحاكمة مرتكبي أشد الجرائم الدولية خطورة، بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية مرتكبيها. دول مثل بلجيكا وإسبانيا والنرويج سبق أن فتحت تحقيقات في جرائم حرب في فلسطين. يمكن لمحامين فلسطينيين ومنظمات حقوقية التقدم بدعاوى أمام محاكم هذه الدول تطالب بملاحقة بنوك روتشيلد بتهمة تمويل الاستعمار الاستيطاني، مستندين إلى وثائق إبستين التي تثبت العلاقة العضوية بين العائلة والمشروع الاستعماري .
ثالثاً: مقاطعة المنتجات والمطالبة بسحب الاستثمارات (BDS): هذه حركة قانونية وسياسية تهدف إلى الضغط على الشركات والمؤسسات لسحب استثماراتها من إسرائيل. قانونياً، يمكن مقاضاة البنوك التي تستثمر في المستوطنات أمام محاكم الدول التي تحظر التعامل مع المستوطنات غير القانونية. الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لديه توجيهات واضحة بعدم التعامل مع الكيانات الموجودة في المستوطنات. إذا كانت بنوك روتشيلد تملك فروعاً أو استثمارات في هذه المستوطنات، فإنها تكون قد انتهكت قوانين الاتحاد الأوروبي وتستحق الملاحقة.
رابعاً: تأميم الثروات وتعويض الضحايا: هذه هي الصيغة الأكثر جرأة، لكنها ليست مستحيلة. في القانون الدولي، هناك مبدأ "المسؤولية عن الأضرار" (Reparation for Injuries). الدول التي ترتكب جرائم دولية تتحمل مسؤولية تعويض الضحايا. إذا ثبت أن بنوك روتشيلد كانت شريكاً أساسياً في تمويل الكيان الصهيوني، الذي ارتكب جرائم ضد الشعب الفلسطيني (من نكبة 1948 إلى الحروب المتكررة على غزة)، فإن ثروات هذه البنوك يمكن اعتبارها "أصولاً جرمية" يجب مصادرتها لصالح الضحايا.
الآلية المقترحة: يمكن تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة (على غرار لجنة الأمم المتحدة للتعويضات بعد حرب الخليج) تتولى حصر الأضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني منذ 1948، وتقدير قيمة هذه الأضرار، ثم مقاضاة الدول والكيانات التي مولت المشروع الصهيوني (بما فيها بريطانيا تاريخياً والولايات المتحدة حالياً، بالإضافة إلى المؤسسات المالية الكبرى مثل روتشيلد) للمطالبة بدفع التعويضات. في حال رفضت هذه الكيانات الامتثال، يمكن للدول التي تتعاطف مع القضية الفلسطينية (مثل جنوب أفريقيا أو الجزائر أو ماليزيا) أن تصدر تشريعات وطنية تسمح بتجميد أصول هذه البنوك الموجودة على أراضيها، وتحويلها إلى صناديق تعويض للضحايا الفلسطينيين. هذا الإجراء، وإن كان يواجه تحديات سياسية هائلة، فإنه يمثل السيناريو القانوني الأكثر تطابقاً مع مبادئ العدالة الانتقالية.
2/4 إبستين كشاهد إثبات: كيف تحول وثائق الـ 3 ملايين صفحة إلى بينة قانونية
الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية نهاية يناير/كانون الثاني 2026، والمتضمنة أكثر من 3 ملايين صفحة وألفي مقطع فيديو، لا تمثل مجرد مواد إعلامية مثيرة، بل تشكل "بينة مادية" (Exhibit) قابلة للاستخدام في المحاكم . هذه الوثائق، رغم تنقيح الكثير منها، تحمل توقيعات إلكترونية ومراسلات رسمية يمكن التحقق منها.
كيف يمكن الاستفادة منها في قضية روتشيلد-فلسطين؟
1. إثبات العلاقة العضوية: الرسائل بين إبستين وآريان دي روتشيلد تثبت أن العلاقة كانت استراتيجية وطويلة الأمد، وليست مجرد معاملات عابرة. هذا يهدم أي دفاع يقول إن العائلة لم تكن تعلم بحقيقة أنشطة إبستين . 2. إثبات المعرفة بالأنشطة الإجرامية: إبستين كان على اتصال مباشر بالموساد وبالمسؤولين الإسرائيليين، كما سنرى في الفصل التالي. إذا كان ينقل هذه المعلومات إلى روتشيلد (كما كان ينقل كل شيء)، فهذا يعني أن العائلة كانت على علم كامل بأنشطة التجسس والابتزاز. وبالتالي، أي تمويل قدمته العائلة لإسرائيل بعد هذه المعرفة يعتبر تمويلاً متعمداً لكيان إجرامي. 3. إثبات نمط السلوك: تورط إبستين في شبكات الدعارة الدولية وعلاقته بجزر العهر في الكاريبي يكشف عن نمط سلوك مؤسسي لدى النخبة التي يمثلها: تحويل الجسد البشري إلى سلعة، واستغلال الضعفاء (قاصرات، مهاجرات، لاجئات) لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. هذا النمط يتطابق تماماً مع ما يحدث في فلسطين، حيث يتم استغلال الأرض والإنسان الفلسطيني وفق نفس المنطق الاستعماري. هذا "التطابق الأخلاقي" يمكن أن يستخدم في المرافعات القانونية لإثبات أن المشروع الصهيوني ليس مجرد مشروع سياسي، بل هو مشروع إجرامي بامتياز، تموله وتدعمه شبكات الإفساد العالمية نفسها.
جزر إبستين والمغتصبات الصهيونية - من نيويورك إلى القدس
3/1 قراءة في خبر "دروب سايت نيوز": عندما تدير دولة شأناً أمنياً لمجرم جنسي
الخبر الذي يشكل عمود هذا التحقيق ليس مجرد خبر عادي. تقرير موقع "دروب سايت نيوز" غير الربحي، الذي استند إلى رسائل بريد إلكتروني نشرتها وزارة العدل الأمريكية، يكشف عن تدخل حكومي إسرائيلي مباشر في تأمين منزل جيفري إبستين في نيويورك .
التفاصيل صادمة: في مطلع العام 2016، بدأت الحكومة الإسرائيلية تركيب معدات أمنية في المبنى رقم 301 بشارع 66 في مانهاتن. لم تكن المعدات عادية، بل شملت أجهزة إنذار وكاميرات مراقبة وأنظمة تحكم عن بعد في الدخول. المسؤول عن هذه العملية كان رافي شلومو، مدير خدمات الحماية في البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ورئيس فريق الأمن الخاص بإيهود باراك .
الرسائل الإلكترونية تكشف أن إبستين وافق شخصياً على تركيب المعدات، وسمح بعقد اجتماعات بين موظفيه ومسؤولين أمنيين إسرائيليين. في إحدى الرسائل، تخاطب نيل برييل (زوجة إيهود باراك) مساعدة إبستين حول تركيب أجهزة الإنذار، وتشرح: "يمكنهم تحييد النظام عن بعد، قبل أن يحتاج أحد لدخول الشقة. كل ما عليك فعله هو الاتصال برافي من القنصلية وإخباره بمن ومتى سيدخل، وسيقوم هو بتحييده للوقت اللازم" . بل إن مساعدة إبستين أكدت لباراك وزوجته أن "جيفري يقول إنه لا يمانع وجود ثقوب في الجدران، وأن كل هذا على ما يرام" .
ما معنى هذا؟ معناه أن شقة إيهود باراك كانت محمية من قبل الدولة الإسرائيلية، ولكن ضمن ممتلكات مجرم جنسي مدان. الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لم تكتف بتركيب المعدات، بل قامت أيضاً بإجراء تحقيقات أمنية (Background Checks) في موظفي إبستين، بما في ذلك الخادمات والعاملين في الشقة . هذا يعني أن الموساد أو جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) كان على اطلاع كامل على هويات الأشخاص الذين يدخلون ويخرجون من مكان معروف باستضافته لقاصرات واستغلالهن جنسياً .
3/2 إيهود باراك: من قيادة الدولة إلى إدارة شقق الدعارة
إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، وقائد أركان جيش الاحتلال سابقاً، وأحد أكثر الشخصيات العسكرية والأمنية نفوذاً في تاريخ إسرائيل، كان المقيم الرئيسي في هذه الشقة. لم تكن زياراته عابرة، بل كان يقيم فيها لفترات طويلة، وكانت تعرف في المراسلات باسم "شقة إيهود" .
باراك حاول لاحقاً التبرؤ من إبستين، قائلاً إنه التقاه عدة مرات لكن إبستين "لم يدعمني أو يدفع لي" . لكن الوثائق تظهر غير ذلك. العلاقة بين الرجلين كانت وثيقة لدرجة أن مساعد باراك الشخصي، يوني كورين، كان زائراً متكرراً للشقة، حتى في العام 2013 عندما كان يشغل منصب رئيس مكتب وزارة الأمن الإسرائيلية. بل إن كورين استمر في استخدام الشقة أثناء تلقيه العلاج الطبي في نيويورك حتى اعتقال إبستين الثاني ووفاته في 2019 .
هذا يعني أن مسؤولاً أمنياً إسرائيلياً كبيراً كان يتردد على مكان تدار فيه شبكة دعارة دولية، ويتعامل مع موظفي إبستين، ويدير شؤون الشقة. هل كان باراك على علم بأنشطة إبستين؟ الإجابة المنطقية: نعم. هل كان يشارك فيها؟ لا يمكن الجزم دون دليل قاطع. لكن المؤكد أنه كان على أقل تقدير "شاهداً" على جريمة مستمرة، ولم يفعل شيئاً لوقفها أو الإبلاغ عنها. بل على العكس، استفاد من الخدمات الأمنية الإسرائيلية لحماية مكان إقامته داخل هذه الجريمة.
السؤال الأخلاقي والقانوني: إذا كان رئيس وزراء إسرائيلي سابق يستفيد من خدمات دولة لحمايته أثناء إقامته في منزل مجرم جنسي، فهل تتحمل الدولة المسؤولية عن هذه الإقامة؟ الجواب حسب القانون الدولي: نعم. الدولة مسؤولة عن تصرفات مسؤوليها، حتى بعد تقاعدهم، إذا استمروا في الاستفادة من خدماتها الأمنية الرسمية.
3/3 دور الموساد: بين الحماية الأمنية والتجنيد الاستخباراتي
وجود الموساد في هذه القصة ليس مجرد تخمين. التقارير تشير إلى أن إبستين كان له علاقات وثيقة بالموساد، وجهاز الأمن الإسرائيلي، لفترة طويلة . ما طبيعة هذه العلاقة؟ هناك عدة سيناريوهات:
السيناريو الأول: الحماية. إبستين كان يملك معلومات حساسة عن شخصيات عالمية (صور وفيديوهات من الجزيرة). الموساد، كجهاز استخبارات، يهتم بحماية هذه المواد إذا كانت تخدم مصالحه، أو على الأقل منعها من الوقوع في أيدي أجهزة استخبارات منافسة. كان من مصلحة إسرائيل أن تبقى هذه المواد تحت سيطرتها أو تحت سيطرة حليف موثوق.
السيناريو الثاني: التجنيد. إبستين كان يمكن أن يكون "مصدراً" أو "عميل نفوذ" للموساد. من خلال شبكة علاقاته الواسعة مع السياسيين والعلماء ورجال الأعمال (مثل بيل كلينتون ودونالد ترامب والأمير أندرو)، كان بإمكانه تزويد الموساد بمعلومات استخباراتية ثمينة، أو حتى المساعدة في عمليات ابتزاز تستهدف شخصيات معادية لإسرائيل . الجزيرة لم تكن مجرد منتجع جنسي، بل كانت "غرفة عمليات" لجمع المعلومات وتوثيق نقاط ضعف النخبة العالمية.
السيناريو الثالث: المصالح المشتركة. إبستين كان يمول مؤسسات إسرائيلية رسمية وشبه رسمية، مثل "أصدقاء جيش الاحتلال" و"الصندوق القومي اليهودي" (وهي منظمة استيطانية بامتياز) . هذا يعني أن هناك مصالح متبادلة: إبستين يقدم المال والدعم للمشروع الصهيوني، والموساد يقدم لإبستين الحماية والخدمات الأمنية والغطاء الدولي.
الرسائل الإلكترونية تظهر أن رافي شلومو (من البعثة الإسرائيلية) كان يتحكم في من يدخل ويخرج من الشقة. هذا يعني أن الموساد كان يملك "قائمة دخول" للأشخاص الذين يزورون المكان. هل كان يتم تصفية الزوار؟ هل كان يتم تسجيلهم؟ هل كانت هناك عمليات مراقبة مشتركة؟ الأسئلة مفتوحة، لكن الأدلة تشير إلى أن العلاقة كانت مؤسسية، وليست مجرد صداقة شخصية بين باراك وإبستين.
3/4 القاصرات الأمريكيات وغير الأمريكيات: من هن ضحايا "المغتصبة الصهيونية"؟
في خضم الحديث عن السياسة والمخابرات، لا يجب أن ننسى الضحايا. التقرير يشير إلى أن الشقق في المبنى كانت "تُؤجر في كثير من الأحيان لأشخاص على صلة بإبستين، وأنها استُخدمت لإيواء عارضات أزياء قاصرات" . من هن هؤلاء القاصرات؟ بعضهن أمريكيات، تم استدراجهن بوعود العمل والشهرة. بعضهن أخريات من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، تم تهريبهن عبر شبكات دولية منظمة.
هؤلاء الفتيات لم يكن مجرد ضحايا عاديين، بل كن "سلعة" في سوق عالمي ضخم. كن يُقدمن كـ"هدايا" لشخصيات مهمة، ويُستخدمن كورقة ضغط وابتزاز. أجسادهن كانت "أرضاً محتلة" بالمعنى الحرفي للكلمة. إن ما فعله إبستين بأجساد هؤلاء الفتيات، يفعله الكيان الصهيوني بأرض فلسطين: استباحة، اغتصاب، تدمير، ثم إعادة إنتاج الأسطورة لتبرير الجريمة.
هذا هو الربط الأعمق: "المغتصبة الصهيونية" ليست مجرد استعارة بلاغية. إنها وصف دقيق لعملية مزدوجة: اغتصاب الأرض (أخذها بالقوة، تهجير سكانها، فرض السيادة عليها) واغتصاب الجسد (استباحته، تحويله إلى سلعة، محو هويته). في الحالتين، هناك "ضحايا" و"جلادون". وفي الحالتين، هناك "نخبة" عالمية تتستر على الجريمة وتستفيد منها.
الوثائق الجديدة التي نشرتها وزارة العدل تحوي أسماءً وتفاصيل قد تساعد في التعرف على هويات بعض هؤلاء الضحايا، أو على الأقل تقدير عددهم . في الفترة المقبلة، سيكون من واجب المحامين والناشطين التواصل مع هؤلاء الضحايا أو عائلاتهم، ومساعدتهم على رفع دعاوى قضائية ضد كل من ساهم في استغلالهم، سواء كانوا أفراداً (مثل باراك) أو مؤسسات (مثل الحكومة الإسرائيلية التي وفرت الغطاء الأمني).
توجيه التهم - كيف نبني قضية قانونية متكاملة؟
4/1 الادعاء: من نيويورك إلى غزة - جريمة واحدة مستمرة
لنفترض أننا أمام محكمة دولية، ونحن بصدد بناء مرافعة اتهام ضد بنوك روتشيلد وقيادات إسرائيلية متورطة في شبكة إبستين. ما هي عناصر الادعاء؟ كيف نربط الجرائم في نيويورك بجرائم الحرب في غزة؟
الاتهام الأول: جريمة ضد الإنسانية (الاضطهاد والاستعباد الجنسي).
· الواقعة: إدارة شبكة دعارة دولية تستغل القاصرات (في جزر إبستين وشققه في نيويورك). · المسؤولون: جيفري إبستين (كمنفذ)، عائلة روتشيلد (كممولة وراعية)، إيهود باراك (كمستفيد ومشارك)، الحكومة الإسرائيلية (كتوفير الغطاء الأمني واللوجستي). · الإسناد القانوني: نظام روما الأساسي يعتبر "الاستعباد الجنسي" و"الاغتصاب" جرائم ضد الإنسانية عندما ترتكب ضمن هجوم واسع النطاق ومنظم ضد مجموعة مدنية. شبكة إبستين كانت واسعة النطاق ومنظمة، وضحاياها من القاصرات يشكلن فئة ضعيفة. توفير الدولة الإسرائيلية للأمن لهذه الشبكة يجعلها شريكة في الجريمة.
الاتهام الثاني: جريمة ضد الإنسانية (الاضطهاد والتهجير القسري).
· الواقعة: تمويل ودعم مشروع استعماري استيطاني في فلسطين أدى إلى تهجير الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم (منذ 1948 وحتى اليوم). · المسؤولون: عائلة روتشيلد (كممول رئيسي للمشروع الصهيوني)، بنوك روتشيلد (ككيانات مولت المستوطنات والكيان)، الحكومة الإسرائيلية (كمنفذ رئيسي). · الإسناد القانوني: محكمة العدل الدولية اعتبرت الاستيطان غير قانوني، والفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية. تمويل هذه الأنشطة مع العلم بطبيعتها غير القانونية يشكل تواطؤاً في ارتكاب الجريمة.
الاتهام الثالث: التآمر لارتكاب جرائم دولية (Conspiracy).
· الواقعة: التخطيط المشترك بين أطراف الشبكة (روتشيلد، الموساد، إبستين) لإنشاء بنية تحتية عالمية للابتزاز والتجسس والسيطرة، بهدف خدمة مصالحهم السياسية والمالية. · المسؤولون: جميع الأطراف المذكورة. · الإسناد القانوني: في القانون الجنائي الدولي، يمكن ملاحقة الأفراد بتهمة التآمر لارتكاب جريمة حتى لو لم تنجح الجريمة، إذا ثبت وجود نية مشتركة وتخطيط واضح. الوثائق المسربة تثبت وجود تخطيط وتنسيق أمني ومالي بين هذه الأطراف.
4/2 الشهود: من الضحايا إلى الوثائق المسربة
أي قضية ناجحة تحتاج إلى شهود وبينات. هنا، لدينا عدة مصادر:
1. ضحايا إبستين: عشرات النساء اللواتي تقدمن بشهادات أمام المحاكم. بعضهن قد يكون مستعداً للإدلاء بشهادات حول تردد شخصيات إسرائيلية على الجزر أو الشقق. فرجيني جوفري، إحدى أبرز الضحايا، سبق أن ذكرت أسماء شخصيات سياسية بارزة. يمكن استجوابها حول أي صلات إسرائيلية محتملة. 2. الوثائق المنشورة: أكثر من 3 ملايين صفحة من المراسلات والصور والفيديوهات. هذا كنز هائل من المعلومات. رغم التنقيحات الكثيرة، يمكن لفريق قانوني متخصص استخراج آلاف الإشارات إلى أسماء وشخصيات ومواقع وتواريخ تثبت التنسيق بين الأطراف . 3. مسؤولون سابقون: هناك مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون سابقون قد يكون لديهم معلومات داخلية عن طبيعة العلاقة بين إبستين والموساد. تحت ضغط قانوني أو في إطار صفقات حصانة، قد يدلي بعضهم بشهادات حاسمة. 4. الخبراء: خبراء في القانون الدولي، وعلماء نفس، ومؤرخون يمكنهم تقديم شهادات حول "نمط السلوك" الإجرامي، والربط بين اغتصاب الأرض واغتصاب الجسد، وتحليل وثائق التمويل.
4/3 المحامون: استراتيجيات التقاضي أمام المحاكم الوطنية والدولية
بناء القضية يتطلب استراتيجية قانونية متعددة المسارات:
المسار الأول: الدعاوى المدنية في الولايات المتحدة. يمكن لضحايا إبستين الأمريكيات رفع دعاوى مدنية ضد الحكومة الإسرائيلية بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب (Torture Victim Protection Act) أو قانون المطالبات بالتعويض عن الأضرار التي تسببها جهات أجنبية. هذا يتطلب إثبات أن الحكومة الإسرائيلية قدمت دعماً مادياً لشبكة إبستين مما سهل استمرار اعتداءاته. إذا نجحت الدعوى، يمكن الحكم بتعويضات ضخمة تُدفع من الأصول الإسرائيلية في الولايات المتحدة.
المسار الثاني: الدعاوى في أوروبا بموجب الولاية القضائية العالمية. في دول مثل فرنسا (موطن عائلة روتشيلد) أو بلجيكا، يمكن رفع دعاوى جنائية ضد قيادات روتشيلد بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية. الوثائق التي تظهر علاقة آريان دي روتشيلد الوثيقة بإبستين، ومعرفتها بأنشطته (أو على الأقل عدم اكتراثها بها)، تشكل أساساً قوياً لمثل هذه الدعاوى .
المسار الثالث: التماس لمجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة. يمكن لمنظمات المجتمع الدولي التقدم بطلب إلى الأمم المتحدة لتشكيل لجنة تحقيق دولية في "شبكة روتشيلد-إبستين-إسرائيل" وعلاقتها بجرائم دولية. اللجنة يمكن أن تضم محققين قانونيين ومحاسبين جنائيين وخبراء استخبارات. تقريرها النهائي يمكن أن يشكل أساساً لقرارات أممية تلزم الدول بمقاضاة المتورطين.
المسار الرابع: محكمة الرأي. في انتظار تحقيق العدالة في المحاكم الرسمية، يمكن تشكيل "محكمة الشعب" أو "لجنة تقصي حقائق" مستقلة، تضم شخصيات قانونية مرموقة (قضاة سابقين، محامين دوليين، أكاديميين)، تعقد جلسات استماع علنية، وتستمع للشهود والخبراء، وتصدر حكماً رمزياً يدين المتورطين. هذا الحكم، رغم عدم إلزامه قانونياً، يشكل ضغطاً أخلاقياً وسياسياً كبيراً.
التاريخ السري للعلاقة - من هرتزل إلى إبستين
5/1 تمويل وعد بلفور: بداية الشراكة بين روتشيلد والصهيونية
قبل أن يصبح جيفري إبستين "ممثل روتشيلد"، كان اللورد والتر روتشيلد هو "ممثل الصهيونية" أمام الإمبراطورية البريطانية. في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، تلقى اللورد روتشيلد رسالة من وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، تعرف باسم "وعد بلفور"، والتي تعهدت فيها بريطانيا بإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين.
لم يكن اختيار روتشيلد عشوائياً. فاللورد روتشيلد كان زعيم الجالية اليهودية في بريطانيا، ورمز النفوذ المالي اليهودي في العالم. بمساندته للحركة الصهيونية، أعطاها شرعية اجتماعية وغطاءً سياسياً. كما أن العائلة مولت بشكل غير مباشر العديد من المشاريع الصهيونية المبكرة، بما في ذلك شراء الأراضي في فلسطين وإنشاء المستوطنات الأولى.
منذ ذلك التاريخ، ارتبط اسم روتشيلد بالمشروع الصهيوني. تأسس "الصندوق القومي اليهودي" (الذي كان إبستين يموله لاحقاً) بدعم من عائلات يهودية ثرية، وكان دوره شراء الأراضي في فلسطين ومنع بيعها لغير اليهود. كما أن بنك روتشيلد في لندن كان ممولاً رئيسياً للوكالة اليهودية والحكومة الإسرائيلية الناشئة.
هذا التاريخ الطويل من الدعم المالي والسياسي يجعل عائلة روتشيلد ليست مجرد متفرج على النكبة الفلسطينية، بل مشاركاً أساسياً فيها. من يموّل الجريمة هو شريك فيها.
5/2 من هرتزل إلى إبستين: تطور آليات التمويل والابتزاز
مع تطور الحركة الصهيونية من مشروع استعماري إلى كيان دولة، تطورت أيضاً آليات التمويل والدعم. في المرحلة الأولى (ما قبل 1948)، كان التمويل علنياً ومشرفاً: جمع تبرعات، شراء أراضٍ، دعم سياسي. في المرحلة الثانية (بعد 1948)، أصبح التمويل أكثر تعقيداً: قروض حكومية، مساعدات أمريكية، استثمارات في الاقتصاد الإسرائيلي.
لكن مع تصاعد المقاومة الفلسطينية وتزايد العزلة الدولية لإسرائيل، ظهرت حاجة إلى آليات جديدة للتعامل مع "القذارة". هنا ظهر دور شخصيات مثل إبستين. إبستين لم يكن مجرد ممول عادي، بل كان متخصصاً في "التمويل القذر": عمليات غسيل الأموال، الابتزاز الجنسي، العلاقات مع المخابرات، إدارة الأصول غير المشروعة.
ما فعله إبستين مع روتشيلد هو تحديث لآلية الدعم القديمة. بدلاً من التبرعات العلنية (التي لا تزال موجودة)، أصبح هناك "ذراع سري" يتولى المهام التي لا يمكن الإعلان عنها. إبستين كان يقدم خدماته للنخبة العالمية، بما فيها النخبة الإسرائيلية، مقابل الحماية والوصول إلى دوائر السلطة. في المقابل، كانت إسرائيل تقدم له الغطاء الأمني والخدمات الاستخباراتية.
هذا التطور يعكس تحولاً أوسع في طبيعة النظام العالمي: من استعمار تقليدي (يحتله الجيوش) إلى استعمار حديث (تحتله رؤوس الأموال وشبكات الابتزاز). فلسطين لم تعد تُسرق بالدبابات فقط، بل أيضاً بكاميرات التجسس في جزر الكاريبي.
5/3 "نظرية المؤامرة" مقابل "نظرية المصلحة": تفكيك خطاب النفي
أحد أكبر التحديات التي تواجه هذا التحقيق هو اتهامه بأنه "نظرية مؤامرة". هذا الاتجاه متوقع من أولئك الذين يريدون حماية النخبة. لكن الرد الأكاديمي والقانوني على هذا الاتهام هو: نحن لا نتحدث عن "مؤامرة" بالمعنى التآمري الضيق، بل عن "شبكات مصالح" منظمة.
الفرق جوهري: نظرية المؤامرة تفترض مجموعة صغيرة من الناس تجتمع في غرفة مظلمة لتقرر مصير العالم. أما شبكات المصالح، فهي تفترض وجود أطراف متعددة (مصرفيين، سياسيين، ضباط استخبارات، مجرمين) تلتقي مصالحهم في نقاط معينة، فيتعاونون لتحقيق أهداف مشتركة دون الحاجة إلى اجتماعات سرية. هم يفهمون بعضهم دون كلمات، لأن لغة المصلحة واحدة.
ما نراه في قضية إبستين هو شبكة مصالح واضحة:
· روتشيلد تريد حماية إمبراطوريتها المالية من الملاحقات القانونية، وتريد استمرار الدعم للمشروع الصهيوني. · إسرائيل تريد أدوات للتجسس والابتزاز ضد النخب العالمية لحماية مصالحها، وتريد تمويلاً للمستوطنات والجيش. · إبستين يريد الحماية والوصول والثروة، ويقدم في المقابل خدماته كوسيط ومنظم. · النخب العالمية (سياسيون، ملوك، رجال أعمال) تريد المتعة المحرمة (القاصرات) وتريد أن تبقى أسرارها مكتومة، فتتعاون مع إبستين وتدفع الثمن بالولاء أو المال.
هذه شبكة مصالح واضحة، قابلة للإثبات بالوثائق والشهود. ليست "نظرية مؤامرة"، بل "وصف موضوعي" لواقع إجرامي منظم.
آليات المقاومة - كيف نواجه إمبراطورية الإفساد؟
6/1 العمل القانوني: بناء ملفات قضائية قابلة للرفع
المواجهة الأولى والأهم هي المواجهة القانونية. لا يمكن مواجهة شبكة عالمية من الإفساد إلا بأدوات قانونية عالمية. لذلك، يجب البدء فوراً في بناء ملفات قضائية متكاملة:
1. توثيق كل شيء: جمع كل الوثائق المنشورة من وزارة العدل الأمريكية، وفرزها، وترجمتها، وتحليلها. إنشاء قاعدة بيانات مركزية تضم كل الإشارات إلى شخصيات إسرائيلية أو علاقات بروتشيلد أو أدلة على جرائم جنسية. 2. التواصل مع الضحايا: إنشاء شبكة دعم قانوني ونفسي لضحايا إبستين، ومساعدتهم على الإدلاء بشهادات كاملة. التركيز بشكل خاص على أي ضحايا قد يكون لديهن معلومات عن شخصيات إسرائيلية أو عن أنشطة في "شقة إيهود". 3. تشكيل فريق قانوني دولي: يضم محامين من الولايات المتحدة، وأوروبا، وفلسطين، وإسرائيل (معارضين)، متخصصين في القانون الجنائي الدولي، وقانون حقوق الإنسان، والولاية القضائية العالمية. 4. رفع دعوات متزامنة: رفع دعاوى في عدة دول في نفس الوقت (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، بلجيكا، جنوب أفريقيا) لتشتيت جهود الدفاع وزيادة الضغط.
6/2 العمل الإعلامي: كشف الأسماء وفضح الأقنعة
الإعلام هو ساحة المعركة الثانية. شبكات الإفساد تعمل في الظلام، ولذلك فإن كشف الأضواء هو أقوى سلاح ضدها. يجب أن يكون العمل الإعلامي:
1. دقيقاً وموثقاً: لا مجال للانفعال أو التعميم. كل معلومة تنشر يجب أن تكون مدعومة بوثيقة أو شهادة أو دليل مادي. 2. متعدد اللغات: العربية، الإنجليزية، العبرية، الفرنسية. يجب أن تصل الرسالة إلى كل الجمهور المستهدف. 3. مركزاً على الضحايا: لا تجعل القصة عن إبستين أو باراك أو روتشيلد، بل عن الفتيات القاصرات اللواتي دمرت حياتهن، وعن الشعب الفلسطيني الذي يقتل يومياً. الضحايا هم بوصلة القصة الأخلاقية. 4. مستخدماً لغة أدبية رفيعة: كما نحاول في هذا التحقيق. الجماليات ليست ترفاً، بل هي وسيلة لاختراق دفاعات القارئ النفسية، وجعله يشعر بفداحة الجريمة.
6/3 العمل السياسي: الضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية
المواجهة الثالثة هي المواجهة السياسية. لا يمكن تحقيق العدالة بدون إرادة سياسية. لذلك، يجب:
1. الضغط على الحكومات العربية والإسلامية: حثها على تبني القضية في المحافل الدولية، وتقديم شكاوى رسمية إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وتجميد أصول أي شركات أو بنوك تثبت تورطها. 2. التحرك في الأمم المتحدة: العمل مع الدول الصديقة (جنوب أفريقيا، الجزائر، أيرلندا، etc.) لطرح مشروع قرار في الجمعية العامة يدعو إلى تحقيق دولي في شبكة إبستين-إسرائيل-روتشيلد. 3. مقاطعة الكيان: دعم حركة المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية والثقافية (BDS) كأداة ضغط سلمية وفعالة. 4. التواصل مع المعارضة الإسرائيلية: هناك إسرائيليون (يهود وعرب) يرفضون سياسات الاحتلال ويفضون الفساد. يمكن أن يكونوا حلفاء في كشف الحقيقة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
6/4 نحو تأميم الثروات: آليات تنفيذية لتعويض الضحايا
هذا هو الهدف الأسمى: تحويل العدالة النظرية إلى تعويض ملموس للضحايا. كيف يمكن ذلك؟
1. إنشاء صندوق دولي للتعويضات: على غرار الصندوق الذي أنشئ لتعويض ضحايا المحرقة (النازية) من قبل الشركات الألمانية. يمكن للدول والمنظمات الحقوقية الضغط على الحكومات الغربية لإنشاء صندوق ممول من أصول المتورطين (بنوك روتشيلد، ممتلكات إبستين المصادرة، أصول إسرائيلية في الخارج). 2. قوانين وطنية للمصادرة: يمكن لدول مثل جنوب أفريقيا أو البرازيل أو ماليزيا سن قوانين تسمح بمصادرة ممتلكات أي كيان أدين بتمويل جرائم حرب أو استعمار، وتحويلها إلى الصندوق. 3. دعاوى قضائية جماعية (Class Actions): يمكن لضحايا إبستين، مع ضحايا الاحتلال في فلسطين، رفع دعوى جماعية ضد بنوك روتشيلد في المحاكم الأمريكية أو الأوروبية، مطالبين بتعويضات تصل إلى مليارات الدولارات. نجاح مثل هذه الدعوى (ولو جزئياً) سيخلق سابقة قانونية تاريخية. 4. آليات الأمم المتحدة: يمكن للجمعية العامة للأمم المتحدة أن تطلب رأياً استشارياً من محكمة العدل الدولية حول "المسؤولية القانونية للكيانات المالية التي تمول الاستعمار الاستيطاني وجرائم الحرب". فتوى كهذه ستشكل ضغطاً هائلاً على الحكومات لملاحقة هذه الكيانات.
الموت ليس نهاية القصة - العدالة ممكنة
في 10 أغسطس/آب 2019، مات جيفري إبستين في زنزانته. مات وفي جعبته أسرار أقوى رجال الأرض. مات لتحمي النخبة نفسها من الفضيحة. لكن الموت لم ينهِ القصة. الوثائق خرجت، والشهود تكلموا، والخيوط تكشفت.
الآن، نحن أمام لحظة تاريخية نادرة. لحظة تتقاطع فيها قضيتان عظيمتان: قضية تحرير الجسد من شبكات الدعارة والابتزاز، وقضية تحرير الأرض من شبكات الاستعمار والاحتلال. في قلب هاتين القضيتين، تقف نفس النخبة، ونفس العائلات، ونفس البنوك.
إن الصبغة القانونية التي تحاكم بها بنوك روتشيلد هي نفس الصبغة التي تحاكم بها شبكات إبستين: إنها "المسؤولية الجنائية للشركات عن التواطؤ في جرائم دولية". وإن آلية تأميم الثروات لتعويض الضحايا هي نفس الآلية التي يمكن أن تعوض فتاة أمريكية اغتصبت في جزيرة الكاريبي، كما تعوض طفلاً فلسطينياً قصف منزله في غزة.
هذا التحقيق ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته. لقد وضعنا الخيوط على الطاولة: العلاقة مع روتشيلد موثقة، والعلاقة مع الموساد مكشوفة، والعلاقة مع إيهود باراك لا يمكن إنكارها. ما تبقى هو العمل. عمل قانوني دؤوب، وإعلامي شجاع، وسياسي ذكي، وشعبي صامد.
فجزر إبستين لم تكن مجرد جزر في المحيط، بل كانت نموذجاً مصغراً لعالم النخبة: جميل من الخارج، جحيم من الداخل. وفلسطين ليست مجرد أرض في الشرق الأوسط، بل هي مرآة العالم: تعكس كل تناقضاته ووحشيته. ومن يريد تحرير العالم من شبكات الإفساد، عليه أن يبدأ من فلسطين. ومن يريد تحقيق العدالة لضحايا إبستين، عليه أن يطالب بمحاكمة مموليه وحاميه.
لنقلها بصوت واحد: لا للاستعمار، لا للاستغلال الجنسي، لا لإفلات المجرمين من العقاب. ولتكن ثورة الضحايا هي الصيغة القانونية الجديدة التي تعيد للإنسانية كرامتها.
……..
ملاحق ومراجع
الملحق 1: جدول زمني للأحداث الرئيسية
· 1917: وعد بلفور إلى اللورد روتشيلد. · 1948: تأسيس إسرائيل (النكبة الفلسطينية). · 1996: إبستين يؤسس شركته في جزر فيرجن. · 2008: إبستين يدين في فلوريدا (صفقة مخففة). · 2015: رسائل إبستين-آريان دي روتشيلد حول تسوية وزارة العدل. · 2016: بدء تركيب النظام الأمني الإسرائيلي في شقة إبستين بنيويورك. · 2019: اعتقال إبستين الثاني، ثم وفاته في السجن. · 2025: تمرير قانون شفافية ملفات إبستين، ونشر ملايين الوثائق. · 2026: كشف "دروب سايت نيوز" عن دور الحكومة الإسرائيلية في تأمين شقة إبستين.
الملحق 2: أبرز الشخصيات الواردة في التحقيق
· جيفري إبستين: ممول ومجرم جنسي مدان. · آريان دي روتشيلد: رئيسة مجموعة إدموند دي روتشيلد. · إيهود باراك: رئيس وزراء إسرائيل الأسبق. · رافي شلومو: مدير خدمات الحماية في البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة. · نيل برييل: زوجة إيهود باراك.
الملحق 3: نصوص المراسلات الرئيسية (مترجمة)
(تم تضمين النصوص المذكورة في التحقيق أعلاه مع مصادرها)
الملحق 4: قائمة المراجع والمصادر
· وزارة العدل الأمريكية - ملفات إبستين (يناير/كانون الثاني 2026). · موقع "دروب سايت نيوز" - تحقيق حول الأمن الإسرائيلي في شقة إبستين. · - تغطية لوثائق إبستين (فبراير/شباط 2026). · - تقرير حول الدور الإسرائيلي (فبراير/شباط 2026). · موقع "فوتو نيوز" - وثائق صفقة روتشيلد-إبستين (فبراير/شباط 2026). · محكمة العدل الدولية - فتوى بشأن الاحتلال الإسرائيلي (يوليو/تموز 2024).
……
تم إعداد هذا التحقيق مستنداً إلى أحدث الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية والتقارير الصحافية الموثقة، وذلك في 19 فبراير/شباط 2026.
………
المادة الساخرة :
أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمشروع الصهيوني - تحقيق في جينات الإفساد التأسيسي
تقديم: في معمعة الخراب، بحثاً عن الصيغة القانونية للخلاص
ليس هذا التحقيق محاولة لاستعادة ذكرى جيفري إبستين، ذلك الممول الهلامي الذي عاش في المنطقة الرمادية بين المال والسياسة والجنس والموت. ليست الغاية هنا مجرد سرد فظائع رجل اعتاد امتلاك الجسد الأنثوي قبل أن تمتلكه الخلية الانفرادية في سجن متروبوليتان كوريكشنال سنتر. بل الهدف أشمل وأخطر: تتبع الخيوط غير المرئية التي تربط جزر العهر في الكاريبي بالمشروع الاستعماري في فلسطين، وربط قضية الابتزاز الجنسي للقاصرات بملف الاستعمار الاستيطاني لشعب بأكمله.
فجيفري إبستين لم يكن وحده. كان ذراعاً، كان "ممثلاً"، على حد وصفه هو نفسه. ممثلاً لمن؟ لعائلة روتشيلد، تلك السلالة التي باتت في المخيال الشعبي مرادفاً للسلطة المالية التي تمسك بخيوط اللعبة السياسية العالمية. لكن ماذا يعني أن يكون إبستين "ممثلاً لروتشيلد"؟ هل هي مجرد وكالة مالية؟ أم أنها تمثيلية أوسع، تشمل إدارة الأزمات، وابتزاز النخب، وتشكيل الواقع وفق إرادة لا تظهر على السطح؟
الخبر الذي بين أيدينا، والمتمثل في كشف موقع "دروب سايت نيوز" عن إشراف الحكومة الإسرائيلية على تركيب النظام الأمني لمنزل إبستين في نيويورك، ليس مجرد تفصيل جانبي في جريمة عابرة. إنه الخيط الذي يربط "الجزر" بـ"الكيان". إنه لحظة انكشاف الستار عن العلاقة العضوية بين جهاز أمن تابع لدولة احتلال وبين شبكة دعارة عالمية. فما الذي تبحث عنه دولة بأكملها، ببعثتها الدبلوماسية وأجهزتها الأمنية، داخل شقة رجل متهم باستغلال القاصرات؟ هل كان إيهود باراك، رئيس الوزراء الأسبق، مجرد مستأجر عابر؟ أم أن شقته كانت موقعاً عملياتياً لـ"جزيرة" أخرى؟
يتحرك هذا التحقيق في ثلاثة مسارات متوازية. الأول: تفكيك العلاقة بين إبستين وعائلة روتشيلد، وكيف تحول الممول المفلس إلى مستشار استراتيجي لأغنى العائلات، ثم إلى وسيط في صفقات غسيل الأموال وتسوية الملفات مع وزارة العدل الأمريكية. الثاني: البحث في الصبغة القانونية التي تتيح محاكمة ممولي المشروع الاستعماري الصهيوني على دعمهم لسياسة اغتصبت أرض وذاكرة الشعب الفلسطيني. كيف يمكن تحويل "المسؤولية الأخلاقية" إلى "تبعات قانونية"؟ الثالث: تفكيك العلاقة المباشرة بين الكيان الإسرائيلي وجزر إبستين، انطلاقاً من خبر التركيب الأمني، مروراً بدور الموساد، وصولاً إلى صياغة تهم قانونية واضحة.
عشرات الصفحات من التحقيق المعمّق، بلغة أدبية لا تخلو من صرامة القانوني ورهافة الصحفي، لعلنا نستطيع صياغة سؤال أخير: إذا كان إبستين قد مات في ظروف غامضة وهو يحمل أسرار النخبة، فهل يمكن للقانون أن يحيي العدالة ليلاحق من ظلوا أحياء، يمارسون ذات الإفساد، ويؤسسون ذات المشاريع الاستعمارية، على أنقاض الشعوب وأجساد النساء؟
الفصل الأول: ممثل روتشيلد - قراءة في وثائق الاعتراف والتمثيل
1/1 من هو جيفري إبستين؟ ولادة وحش من رحم النظام
لفهم كيف وصف جيفري إبستين نفسه بأنه "ممثل روتشيلد"، علينا أولاً أن نفهم طبيعة هذا الرجل الذي بدأ حياته مدرساً للرياضيات في مدرسة دالتون المرموقة، لينتهي به الأمر واحداً من أكثر الشخصيات غموضاً ونفوذاً في العالم. لم يكن إبستين مصرفياً تقليدياً، ولم تكن ثروته تأتي من إدارة صناديق استثمار شفافة. كان إبستين "مهندساً مالياً" بالمعنى الإجرامي للكلمة. كان وسيطاً بين رؤوس الأموال الهاربة، وأدوات غسيل الأموال، وخدمات المخابرات، وشبكات النفوذ الدولية.
البداية الحقيقية كانت مع عمله لدى ليزلي ويكسنر، قطب الأزياء الذي يملك علامات تجارية مثل "فيكتوريا سيكريت". وهنا يكمن المدخل الأول لفهم العقلية الإبستينية. لم يكن إبستين يدير المال فحسب، بل كان يدير البشر. لقد استغل منصبه ليخلق عالماً من العارضات القاصرات اللواتي كن يتدفقن على منازله كجزء من شبكة تجنيد منظمة. كان امتلاك المال يعني امتلاك الأجساد، وامتلاك الأجساد يعني امتلاك أسرار أصحابها.
في العام 1996، أسس إبستين شركة "المالية المحدودة" في جزر فيرجن الأمريكية، وهي جنة ضريبية بامتياز. هناك، في جزيرة "ليتل سانت جيمس"، بنى قلعته التي أطلق عليها البعض "جزيرة الجنس". لم تكن الجزيرة مجرد منتجع فاخر، بل كانت سجناً خاصاً ومسرحاً للعمليات. تم تجهيزها بكاميرات مراقبة في كل زاوية، ليس لحماية الضحايا، بل لتوثيق تورط الضيوف. لقد كان إبستين عبقري ابتزاز بامتياز: كان يخلق الجريمة، ثم يوثقها، ثم يستخدمها كورقة ضغط على أقوى رجال العالم.
1/2 العلاقة مع عائلة روتشيلد: من المستشار المالي إلى "الممثل"
تتجاوز علاقة إبستين بعائلة روتشيلد حدود الصدفة أو المعاملات المصرفية العادية. إنها علاقة عضوية تمتد لعقود وتتخللها تفاصيل حميمة وأسرار عائلية. الوثائق التي كشفتها وزارة العدل الأمريكية مؤخراً ترسم صورة مذهلة: إبستين لم يكن مجرد مستشار مالي لآريان دي روتشيلد، رئيسة مجموعة "إدموند دي روتشيلد"، بل كان بمثابة "المقرب الأقرب" و"الظل الاستراتيجي" الذي يدير شؤون العائلة من خلف الستار.
في العام 2015، كانت المجموعة المالية تواجه أزمة وجودية. وزارة العدل الأمريكية كانت تحقق مع بنك "إدموند دي روتشيلد" (السويسري) بتهمة مساعدة أثرياء أمريكيين على إخفاء أصولهم عن دائرة الإيرادات الداخلية. الغرامات كانت تلوح في الأفق، والسجن كان احتمالاً وارداً لبعض المسؤولين. هنا تدخل إبستين كمنقذ.
الوثائق تظهر تبادلاً للرسائل الإلكترونية في ديسمبر/كانون الأول 2015، حيث تؤكد آريان دي روتشيلد لإبستين مبلغ التسوية: "45 مليون دولار؟". رد إبستين كان محسوباً بدقة: "بما في ذلك 10 ملايين كأتعاب محاماة، و25 مليوناً لي، أعتقد أنك ستجدين أن المجموع أقل من 80 مليوناً هو صفقة جيدة جداً". وبالفعل، بعد أيام قليلة، أعلنت وزارة العدل الأمريكية التسوية مع البنك، وبلغت الغرامة 45 مليون دولار بالضبط. كان إبستين قد نجح في إنقاذ العائلة من فضيحة مدوية، وحصل على 25 مليون دولار مقابل خدماته.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. الرسائل المسربة تكشف عن علاقة شخصية متشابكة. آريان كانت تثق في إبستين بأسرارها الأعمق. في مراسلة سابقة، كانت تخبره عن رغبتها في "السيطرة" على العائلة، وعن نيتها تولي منصب الرئيس التنفيذي. رد إبستين كان قصيراً وحاسماً: "جيد. التالي، ناقشي التخطيط العقاري". بل إنه تعدى ذلك إلى تقديم نصائح عدوانية بشأن التعامل مع زوجها بنجامين دي روتشيلد، الذي عانى من مشاكل إدمان.
1/3 صفقة الـ 25 مليون دولار: تفاصيل التسوية مع وزارة العدل
صفقة العام 2015 بين بنك روتشيلد ووزارة العدل الأمريكية تستحق وقفة خاصة، ليس فقط لمبلغها، بل لطريقة إنجازها. إبستين، الذي كان بحلول ذلك الوقت قد أدين كمجرم جنسي في قضية فلوريدا، كان لا يزال يملك القدرة على التفاوض مع أعلى سلطة قانونية في الولايات المتحدة. هذا يشير إلى أن إبستين لم يكن وحيداً، بل كان يعبر عن مصالح كيانات أكبر.
التفاصيل تكشف أن إبستين استخدم خبرته في التهرب الضريبي وعلاقاته مع دوائر إنفاذ القانون لإنقاذ روتشيلد. لم تكن القضية مجرد غرامة مالية، بل كانت تهديداً بملاحقات جنائية تطال إدارة البنك بالكامل. تدخل إبستين حوّل التهديد إلى تكلفة يمكن احتواؤها.
الرسائل الإلكترونية بين إبستين وآريان تحمل نبرة ألفة غير عادية. في إحداها، تشكو آريان من صعوباتها النفسية بعد توليها المسؤولية: "أنا أصاب بالجنون، أخاف ألا أكون على قدر المهمة". رد إبستين كان أقرب إلى معالج نفسي: "لا داعي أبداً لإخفاء أي شيء عني. يمكنني الاستماع، أو تقديم النصيحة، أو مجرد الاستماع. لا شيء يمكنك قوله سيصدمني". هذه النبرة الحميمية تظهر أن إبستين كان أكثر من مستشار؛ كان "مقرباً" بكل ما للكلمة من معنى.
الفصل الثاني: الصبغة القانونية لمحاكمة ممولي المشروع الاستعماري
2/1 من هو "المسؤول" في نظر القانون الدولي؟
قبل البحث في كيفية محاكمة ممولي المشروع الاستعماري الصهيوني، يجب تحديد الإطار القانوني الذي يجعل المؤسسات المالية مسؤولة عن جرائم دولية. في القانون الدولي، تطور مفهوم المسؤولية الجنائية ليشمل ليس فقط الأفراد، بل أيضاً الكيانات الاعتبارية (الشركات والبنوك) إذا ثبت تورطها في جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم حرب، أو تمويل استعمار استيطاني غير قانوني.
مبدأ "المسؤولية عن المساهمة" ينص على أن أي شخص أو كيان يقدّم دعماً مادياً أو لوجستياً لجريمة دولية، وهو يعلم بطبيعتها، يعتبر شريكاً في الجريمة وتنطبق عليه نفس المسؤولية. في حالة روتشيلد، السؤال ليس حول ما إذا كان البنك قد مول مشاريع في إسرائيل، بل حول ما إذا كان هذا التمويل قد ذهب بشكل مباشر إلى مستوطنات غير قانونية، أو إلى كيانات شاركت في قمع الفلسطينيين.
محكمة العدل الدولية، في فتواها التاريخية الصادرة في 19 يوليو/تموز 2024، أكدت أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يعتبر احتلالاً غير قانوني، وأن على جميع الدول عدم تقديم أي مساعدة أو دعم لاستمرار هذا الاحتلال. هذه الفتوى تضع أساساً قانونياً صلباً لمقاضاة الشركات التي تتعامل مع المستوطنات.
2/2 الاستعمار الصهيوني كجريمة ضد الإنسانية
لكي نتمكن من تأطير تورط ممولي المشروع الصهيوني قانونياً، يجب أولاً إثبات أن المشروع الاستعماري في فلسطين يشكل جريمة بمقتضى القانون الدولي. هذا ليس مجرد موقف سياسي، بل هو خلاصة تحقيقات قانونية مطولة قامت بها مؤسسات دولية.
المحكمة الجنائية الدولية، في تحقيقاتها المستمرة، تنظر في جرائم حرب محتملة ارتكبت في الأراضي الفلسطينية. لكن الأهم هو تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي وصف الاحتلال الإسرائيلي بأنه "غير قانوني" وأشار إلى أدلة على "جرائم ضد الإنسانية" تتمثل في سياسات الفصل العنصري والاضطهاد.
جريمة الاستعمار الاستيطاني تعتبر في القانون الدولي الحديث شكلاً من أشكال جريمة الاضطهاد، خاصة عندما تتضمن تهجير السكان الأصليين ومصادرة ممتلكاتهم. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر "الترحيل القسري للسكان" و"الاضطهاد ضد أي مجموعة هوية" جرائم ضد الإنسانية.
2/3 آليات الملاحقة القضائية: محاكم دولية، وطنية، وشعبية
تتعدد السبل القانونية لمحاكمة ممولي المشروع الاستعماري، وتتنوع بين الآليات الدولية والوطنية، مروراً بالمحاكم الرمزية (محاكم الرأي).
أولاً: المحكمة الجنائية الدولية
يمكن رفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد قيادات المؤسسات المالية إذا توفرت أدلة على تورطهم المباشر في تمويل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في فلسطين.
ثانياً: مبدأ الولاية القضائية العالمية
هذا المبدأ يسمح للمحاكم الوطنية في أي دولة بمحاكمة مرتكبي أشد الجرائم الدولية خطورة، بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية مرتكبيها.
ثالثاً: مقاطعة المنتجات وسحب الاستثمارات
حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS) هي حركة قانونية وسياسية تهدف إلى الضغط على الشركات والمؤسسات لسحب استثماراتها من إسرائيل.
الفصل الثالث: جزر إبستين والمشروع الاستعماري - من نيويورك إلى القدس
3/1 قراءة في خبر "دروب سايت نيوز": عندما تدير دولة شأناً أمنياً لمجرم جنسي
الخبر الذي يشكل عمود هذا التحقيق ليس مجرد خبر عادي. تقرير موقع "دروب سايت نيوز" غير الربحي، الذي استند إلى رسائل بريد إلكتروني نشرتها وزارة العدل الأمريكية، يكشف عن تدخل حكومي إسرائيلي مباشر في تأمين منزل جيفري إبستين في نيويورك.
التفاصيل صادمة: في مطلع العام 2016، بدأت الحكومة الإسرائيلية تركيب معدات أمنية في المبنى رقم 301 بشارع 66 في مانهاتن. لم تكن المعدات عادية، بل شملت أجهزة إنذار وكاميرات مراقبة وأنظمة تحكم عن بعد في الدخول. المسؤول عن هذه العملية كان رافي شلومو، مدير خدمات الحماية في البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ورئيس فريق الأمن الخاص بإيهود باراك.
الرسائل الإلكترونية تكشف أن إبستين وافق شخصياً على تركيب المعدات، وسمح بعقد اجتماعات بين موظفيه ومسؤولين أمنيين إسرائيليين. في إحدى الرسائل، تخاطب نيل برييل (زوجة إيهود باراك) مساعدة إبستين حول تركيب أجهزة الإنذار، وتشرح: "يمكنهم تحييد النظام عن بعد، قبل أن يحتاج أحد لدخول الشقة. كل ما عليك فعله هو الاتصال برافي من القنصلية وإخباره بمن ومتى سيدخل، وسيقوم هو بتحييده للوقت اللازم".
3/2 إيهود باراك: من قيادة الدولة إلى إدارة شقق الدعارة
إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، وقائد أركان جيش الاحتلال سابقاً، كان المقيم الرئيسي في هذه الشقة. لم تكن زياراته عابرة، بل كان يقيم فيها لفترات طويلة، وكانت تعرف في المراسلات باسم "شقة إيهود".
باراك حاول لاحقاً التبرؤ من إبستين، قائلاً إنه التقاه عدة مرات لكن إبستين "لم يدعمني أو يدفع لي". لكن الوثائق تظهر غير ذلك. العلاقة بين الرجلين كانت وثيقة لدرجة أن مساعد باراك الشخصي، يوني كورين، كان زائراً متكرراً للشقة، حتى في العام 2013 عندما كان يشغل منصب رئيس مكتب وزارة الأمن الإسرائيلية.
3/3 دور الموساد: بين الحماية الأمنية والتجنيد الاستخباراتي
وجود الموساد في هذه القصة ليس مجرد تخمين. التقارير تشير إلى أن إبستين كان له علاقات وثيقة بالموساد وجهاز الأمن الإسرائيلي لفترة طويلة. ما طبيعة هذه العلاقة؟
السيناريو الأول: الحماية. إبستين كان يملك معلومات حساسة عن شخصيات عالمية. الموساد، كجهاز استخبارات، يهتم بحماية هذه المواد إذا كانت تخدم مصالحه.
السيناريو الثاني: التجنيد. إبستين كان يمكن أن يكون "مصدراً" للموساد. من خلال شبكة علاقاته الواسعة مع السياسيين والعلماء ورجال الأعمال، كان بإمكانه تزويد الموساد بمعلومات استخباراتية ثمينة.
السيناريو الثالث: المصالح المشتركة. إبستين كان يمول مؤسسات إسرائيلية رسمية وشبه رسمية، مثل "أصدقاء جيش الاحتلال" و"الصندوق القومي اليهودي". هذا يعني أن هناك مصالح متبادلة.
الفصل الرابع: التمييز بين اليهودية والصهيونية - توضيح ضروري
من المهم التأكيد على أن نقد الصهيونية كمشروع سياسي استعماري ليس نقداً لليهودية كدين أو لليهود كمجموعة عرقية أو ثقافية. هناك العديد من المفكرين والكتّاب اليهود الذين كانوا من أشد المنتقدين للصهيونية وللسياسات الإسرائيلية.
نماذج يهودية معارضة للصهيونية:
· نعوم تشومسكي: المفكر الأمريكي الشهير، ينتقد بشدة السياسات الإسرائيلية ويعتبر نفسه "صهيونياً معادياً للصهيونية" بالمعنى التقليدي، ويدعم حل الدولتين وينتقد احتلال الضفة الغربية. · إيلان بابيه: المؤرخ الإسرائيلي، أحد أبرز المؤرخين الجدد الذين وثقوا النكبة الفلسطينية عام 1948، ويعيش حالياً في المنفى الاختياري في بريطانيا. · يهودا باور: المؤرخ الإسرائيلي البارز في المحرقة، ينتقد سياسات الاحتلال ويدعو إلى حل الدولتين. · نورمان فينكلشتاين: المفكر الأمريكي، ابن ناجيين من المحرقة، وهو من أشد المنتقدين للسياسات الإسرائيلية وللاستغلال السياسي للمحرقة. · ماركس: على الرغم من أن كارل ماركس لم يعش ليشهد الصراع العربي-الإسرائيلي، إلا أن تراثه النقدي للرأسمالية وللتوظيف السياسي للدين يستخدمه العديد من المفكرين اليهود المعادين للصهيونية. · أبا إيبان: الدبلوماسي الإسرائيلي البارز، مثّل توجهات سياسية مختلفة داخل إسرائيل.
الفرق بين اليهودية والصهيونية:
· اليهودية: دين وثقافة وتاريخ وحضارة. يتبعها ملايين البشر في جميع أنحاء العالم، لهم آراء سياسية متنوعة. · الصهيونية: أيديولوجية سياسية حديثة (ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر) تدعو إلى إقامة دولة قومية لليهود في فلسطين. هناك العديد من اليهود في العالم الذين يعارضون الصهيونية لأسباب دينية (بعض الحريديم) أو أخلاقية (يهود ضد الصهيونية).
النقد الموجّه في هذا التحقيق هو ضد سياسات الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وضد المؤسسات المالية التي تمول هذه السياسات، وليس ضد اليهودية أو اليهود كمجموعة بشرية.
الفصل الخامس: التاريخ السري للعلاقة - من هرتزل إلى إبستين
5/1 تمويل وعد بلفور: بداية الشراكة
قبل أن يصبح جيفري إبستين "ممثل روتشيلد"، كان اللورد والتر روتشيلد هو "ممثل الصهيونية" أمام الإمبراطورية البريطانية. في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، تلقى اللورد روتشيلد رسالة من وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، تعرف باسم "وعد بلفور"، والتي تعهدت فيها بريطانيا بإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين.
لم يكن اختيار روتشيلد عشوائياً. فاللورد روتشيلد كان زعيم الجالية اليهودية في بريطانيا، ورمز النفوذ المالي اليهودي في العالم. بمساندته للحركة الصهيونية، أعطاها شرعية اجتماعية وغطاءً سياسياً.
5/2 من هرتزل إلى إبستين: تطور آليات التمويل والابتزاز
مع تطور الحركة الصهيونية من مشروع استعماري إلى كيان دولة، تطورت أيضاً آليات التمويل والدعم. في المرحلة الأولى (ما قبل 1948)، كان التمويل علنياً: جمع تبرعات، شراء أراضٍ، دعم سياسي. في المرحلة الثانية (بعد 1948)، أصبح التمويل أكثر تعقيداً: قروض حكومية، مساعدات أمريكية، استثمارات في الاقتصاد الإسرائيلي.
لكن مع تصاعد المقاومة الفلسطينية وتزايد العزلة الدولية لإسرائيل، ظهرت حاجة إلى آليات جديدة. هنا ظهر دور شخصيات مثل إبستين. إبستين لم يكن مجرد ممول عادي، بل كان متخصصاً في "التمويل القذر": عمليات غسيل الأموال، الابتزاز الجنسي، العلاقات مع المخابرات.
5/3 "نظرية المؤامرة" مقابل "شبكات المصالح"
أحد أكبر التحديات التي تواجه هذا التحقيق هو اتهامه بأنه "نظرية مؤامرة". لكن الرد الأكاديمي والقانوني هو: نحن لا نتحدث عن "مؤامرة" بالمعنى التآمري الضيق، بل عن "شبكات مصالح" منظمة.
الفرق جوهري: نظرية المؤامرة تفترض مجموعة صغيرة من الناس تجتمع في غرفة مظلمة لتقرر مصير العالم. أما شبكات المصالح، فتفترض وجود أطراف متعددة (مصرفيين، سياسيين، ضباط استخبارات) تلتقي مصالحهم في نقاط معينة، فيتعاونون لتحقيق أهداف مشتركة دون الحاجة إلى اجتماعات سرية.
ما نراه في قضية إبستين هو شبكة مصالح واضحة:
· روتشيلد تريد حماية إمبراطوريتها المالية من الملاحقات القانونية · إسرائيل تريد أدوات للتجسس والابتزاز ضد النخب العالمية · إبستين يريد الحماية والوصول والثروة · النخب العالمية تريد المتعة المحرمة وتريد أن تبقى أسرارها مكتومة
الفصل السادس: آليات المقاومة - كيف نواجه إمبراطورية الإفساد؟
6/1 العمل القانوني: بناء ملفات قضائية قابلة للرفع
المواجهة الأولى والأهم هي المواجهة القانونية. لا يمكن مواجهة شبكة عالمية من الإفساد إلا بأدوات قانونية عالمية. لذلك، يجب البدء فوراً في بناء ملفات قضائية متكاملة:
1. توثيق كل شيء: جمع الوثائق المنشورة من وزارة العدل الأمريكية، وفرزها، وتحليلها. إنشاء قاعدة بيانات مركزية. 2. التواصل مع الضحايا: إنشاء شبكة دعم قانوني ونفسي لضحايا إبستين. 3. تشكيل فريق قانوني دولي: متخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان. 4. رفع دعاوى متزامنة: في عدة دول في نفس الوقت لتشتيت جهود الدفاع.
6/2 العمل الإعلامي: كشف الأسماء وفضح الأقنعة
الإعلام هو ساحة المعركة الثانية. شبكات الإفساد تعمل في الظلام، ولذلك فإن كشف الأضواء هو أقوى سلاح ضدها. يجب أن يكون العمل الإعلامي:
1. دقيقاً وموثقاً: لا مجال للانفعال أو التعميم. كل معلومة تنشر يجب أن تكون مدعومة بوثيقة. 2. متعدد اللغات: العربية، الإنجليزية، العبرية، الفرنسية. 3. مركزاً على الضحايا: لا تجعل القصة عن إبستين أو باراك، بل عن الفتيات القاصرات اللواتي دمرت حياتهن، وعن الشعب الفلسطيني.
6/3 العمل السياسي: الضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية
المواجهة الثالثة هي المواجهة السياسية. لا يمكن تحقيق العدالة بدون إرادة سياسية. لذلك، يجب:
1. الضغط على الحكومات العربية والإسلامية: حثها على تبني القضية في المحافل الدولية. 2. التحرك في الأمم المتحدة: العمل مع الدول الصديقة لطرح مشروع قرار يدعو إلى تحقيق دولي. 3. دعم حركة المقاطعة (BDS): كأداة ضغط سلمية وفعالة.
الخاتمة: الموت ليس نهاية القصة - العدالة ممكنة
في 10 أغسطس/آب 2019، مات جيفري إبستين في زنزانته. مات وفي جعبته أسرار أقوى رجال الأرض. مات لتحمي النخبة نفسها من الفضيحة. لكن الموت لم ينهِ القصة. الوثائق خرجت، والشهود تكلموا، والخيوط تكشفت.
الآن، نحن أمام لحظة تاريخية نادرة. لحظة تتقاطع فيها قضيتان عظيمتان: قضية تحرير الجسد من شبكات الدعارة والابتزاز، وقضية تحرير الأرض من شبكات الاستعمار والاحتلال. في قلب هاتين القضيتين، تقف نفس النخبة، ونفس العائلات، ونفس البنوك.
إن الصبغة القانونية التي تحاكم بها ممولو المشروع الاستعماري هي نفس الصبغة التي تحاكم بها شبكات إبستين: إنها "المسؤولية الجنائية للشركات عن التواطؤ في جرائم دولية". وإن آليات التعويض للضحايا هي نفسها التي يمكن أن تعوض فتاة أمريكية اغتصبت في جزيرة الكاريبي، كما تعوض طفلاً فلسطينياً قصف منزله في غزة.
هذا التحقيق ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته. لقد وضعنا الخيوط على الطاولة: العلاقة مع روتشيلد موثقة، والعلاقة مع الموساد مكشوفة، والعلاقة مع إيهود باراك لا يمكن إنكارها. ما تبقى هو العمل. عمل قانوني دؤوب، وإعلامي شجاع، وسياسي ذكي.
فجزر إبستين لم تكن مجرد جزر في المحيط، بل كانت نموذجاً مصغراً لعالم النخبة: جميل من الخارج، جحيم من الداخل. وفلسطين ليست مجرد أرض في الشرق الأوسط، بل هي مرآة العالم: تعكس كل تناقضاته ووحشيته.
لنقلها بصوت واحد: لا للاستعمار، لا للاستغلال الجنسي، لا لإفلات المجرمين من العقاب. ولتكن ثورة الضحايا هي الصيغة القانونية الجديدة التي تعيد للإنسانية كرامتها.
---
ملاحق ومراجع
الملحق 1: جدول زمني للأحداث الرئيسية
· 1917: وعد بلفور إلى اللورد روتشيلد · 1948: تأسيس إسرائيل (النكبة الفلسطينية) · 1996: إبستين يؤسس شركته في جزر فيرجن · 2008: إبستين يُدان في فلوريدا · 2015: رسائل إبستين-آريان دي روتشيلد · 2016: تركيب النظام الأمني الإسرائيلي في شقة إبستين · 2019: اعتقال إبستين الثاني ووفاته · 2024: فتوى محكمة العدل الدولية · 2026: كشف "دروب سايت نيوز" عن الدور الإسرائيلي
الملحق 2: أبرز الشخصيات
· جيفري إبستين · آريان دي روتشيلد · إيهود باراك · رافي شلومو
الملحق 3: قائمة المراجع
· وزارة العدل الأمريكية - ملفات إبستين · موقع "دروب سايت نيوز" · محكمة العدل الدولية - فتوى يوليو 2024
---
تم إعداد هذا التحقيق في 19 فبراير/شباط 2026، استناداً إلى أحدث الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية والتقارير الصحافية الموثقة.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة
...
-
عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال
...
-
من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت
...
-
-العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة
...
-
إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال
...
-
العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم
...
-
إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين
...
-
سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
-
الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ
...
-
افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
-
افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
-
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن
...
-
تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م
...
-
ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال
...
-
تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة
...
-
الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة
-
روتشيلد وممثله ابستين: هشاشة العدالة في مواجهة سيادة الإمبرا
...
-
سيرة ابستين نتنياهو : تشابك السلطة والانحطاط في دهاليز السي
...
-
استشراف آفاق السيادة: رؤى تنموية في عالم متعدد المراكز
-
فضائح إبستين: جراح الطفولة في سرداب الأوليغارشية
المزيد.....
-
صحفية أجرت مقابلة مع الأمير السابق أندرو عام 2019 تصف اعتقال
...
-
فرنسا على وقع الطوارئ: نهر لوار يفيض والعاصفة -بيدرو- تزيد ا
...
-
بعد عقد ونصف.. مَن يتذكّر ثورة البحرين؟
-
ترامب يترصّد -الخطوة الأخيرة-.. و-الحوت- ينتظر الحاملات: على
...
-
عقود من التبعية ـ مسار الاتحاد الأوروبي الصعب نحو السيادة ا
...
-
من يقود السماء الأوروبية؟ خلاف ألماني فرنسي يربك مشروع القرن
...
-
أوكرانيا: أربع سنوات من الحرب المتواصلة
-
الحزب الوطني البنغلاديشي.. مسيرة من المعارضة إلى السلطة
-
رفع لافتة تحمل صورة ترمب على مقر وزارة العدل الأمريكية
-
رئيس وزراء فرنسا: الحديث عن إبادة في غزة تشويه للحقائق
المزيد.....
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|