أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي















المزيد.....



تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 23:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الهيمنة.. نزعة المركز أم طموح الطرف؟ تفكيك سردية "الخطر الصيني" في الخطاب الاقتصادي الغربي

الجزء الأول:

مقدمة: عندما يتحول التحليل الاقتصادي إلى خطاب قلق وجودي

في الحادي والعشرين من فبراير ٢٠٢٦، وتحديداً في الساعة الثامنة والنصف صباحاً، نشرت مجلة "لو بوان" (Le Point) الفرنسية مقالاً للاقتصادي البارز باتريك أرتوس حمل عنواناً لافتاً: "استراتيجية الصين غير المعروفة على نطاق واسع للهيمنة على العالم" . العنوان وحده كان كافياً لإثارة فضول القارئ المتابع، بل وإثارة قلق المواطن الغربي العادي الذي يقرأ صحيفته الصباحية. فالتركيب اللغوي هنا يحمل دلالات عميقة: "استراتيجية" توحي بالتخطيط والمنهجية، "غير المعروفة" توقظ شعور المؤامرة والخفاء، "الهيمنة على العالم" تضع القارئ أمام تهديد وجودي شامل.

لكن المقال، عندما نقرأه بعين المحلل الناقد، لا يقدم لنا وصفاً موضوعياً لسياسات دولة، بقدر ما يقدم لنا وثيقة استثنائية عن حالة ذهنية، وعن لحظة تاريخية يمر بها "المركز" الرأسمالي الغربي وهو يشاهد أسس هيمنته الممتدة منذ قرون تبدأ في الاهتزاز. إنه ليس مجرد مقال اقتصادي، بل هو صرخة مكتومة، واعتراف ضمني بالهزيمة، ومحاولة يائسة لإعادة إنتاج خطاب "الخطر" الذي طالما وظفه الغرب كلما ظهر منافس لا يمكن احتواؤه بالكامل.

يقول أرتوس في مستهل مقاله: "نحن نعرف استراتيجية الصين لزيادة حصتها في الإنتاج الصناعي العالمي (التي تبلغ اليوم ٣١٪): الحصول على تقدم تكنولوجي في السلع الاستراتيجية، والاستثمار بكثافة في القدرات الإنتاجية لهذه السلع، وتخفيض قيمة عملتها اليوان. لكننا نعرف أقل الجانب الثاني من استراتيجية بكين للهيمنة: استخدام فوائضها التجارية الضخمة لإقراض الصناعات الاستراتيجية (الطاقة، التكنولوجيات الجديدة) في البلدان الأخرى، وخاصة الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية، ولكن أيضاً بلدان جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية" .

هذا النص التأسيسي للمقال يحمل في طياته كل إشكاليات الخطاب الغربي عن الصين: فهو يبدأ باعتراف (٣١٪ من الإنتاج الصناعي العالمي)، ثم ينتقل إلى اتهام (تخفيض قيمة العملة)، ثم يختتم بإنذار (إقراض الصناعات الاستراتيجية). لكن السؤال الذي لا يطرحه أرتوس، ولا يطرحه أمثاله من المحللين، هو: لماذا يُنظر إلى النجاح الاقتصادي الصين بوصفه "هيمنة" بينما يُنظر إلى النجاح الأميركي أو الأوروبي بوصفه "قيادة"؟ ولماذا تصبح القروض الصينية "أدوات هيمنة" بينما تظل قروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي "مساعدات تنموية"؟

هذا المقال الموسوعي يسعى إلى تفكيك هذه السردية من جذورها، واضعاً إياها في سياقها التاريخي والنظري، مستنداً إلى رؤية مدرسة التبعية كما صاغها مفكروها الكبار، ومصنفاً الخطاب الغربي عن الصين وفق أطيافه المختلفة التي تمتد من اليمين المتطير إلى الليبرالية الناعمة.

الفصل الأول: قراءة في نص المقال - ما الذي يقوله باتريك أرتوس حقاً؟

١.١ البنية الحجاجية للمقال

يتكون مقال أرتوس من بنية حجاجية واضحة يمكن تفكيكها إلى العناصر التالية:

المقدمة: ثنائية العلن والخفاء
يبدأ أرتوس بتمييز حاد بين ما هو "معروف" وما هو "غير معروف" في الاستراتيجية الصينية. هذا التمييز يؤسس لخطاب "الخبرة" و"الاستثنائية": القارئ العادي يعرف فقط الجزء الظاهر، أما القارئ المميز (الذي يقرأ أرتوس) فيُكشف له على المستور. هذه تقنية بلاغية قديمة جديدة تهدف إلى خلق جماعة معرفية مميزة تشترك في امتلاك "الحقيقة" التي يجهلها العامة.

الجزء الأول: الأدوات المعلنة
يعدد أرتوس ثلاث أدوات تعتبر، في نظره، الجزء "المعروف" من الاستراتيجية الصينية :

· التقدم التكنولوجي في السلع الاستراتيجية
· الاستثمار الضخم في القدرات الإنتاجية
· تخفيض قيمة العملة

هذه الأدوات، برأيه، تؤدي إلى فائض تجاري ضخم ارتفع من ٣٥٠٤٥٠ مليار دولار سنوياً في الفترة ٢٠١٦٢٠١٨ إلى ما يقرب من ١٢٠٠ مليار دولار في ٢٠٢٥ .

الجزء الثاني: الأداة الخفية
هنا يأتي الجوهر: استخدام هذه الفوائض لإقراض الصناعات الاستراتيجية في الخارج. يستند أرتوس إلى بيانات جامعة وليام وماري في فرجينيا (برنامج AidData) ليظهر أن الصين توجه قروضها بشكل أساسي إلى قطاعات الطاقة والرقمنة والنقل والاتصالات .

المفارقة اللافتة التي يذكرها أرتوس، وكأنها تستحق الدهشة، هي أن الولايات المتحدة تأتي في مقدمة الدول المتلقية لهذه القروص، بـ ٢٠٢ مليار دولار بين ٢٠٠٠ و٢٠٢٣، تليها روسيا ثم الاتحاد الأوروبي ثم أستراليا .

الخاتمة: الدعوة إلى المواجهة
يختتم أرتوس مقاله بدعوة واضحة: "إذا كانت الولايات المتحدة وأوروبا ترفضان هذه الهيمنة الصينية، فسيتعين على واشنطن أن توقف عقيدة معاداة العلم التي وضعتها إدارة ترامب، وفي أوروبا سيتعين زيادة نفقات البحث والتطوير بشكل كبير، وممارسة رقابة على القروض التي تمنحها الصين للشركات الاستراتيجية" .

١.٢ اللغة والمفردات: معجم الخطر والتهديد

لعل أكثر ما يلفت في المقال هو معجمه اللغوي. دعونا نتأمل الكلمات المفاتيح التي يستخدمها أرتوس:

· "Domination" (الهيمنة): تتكرر في العنوان وفي المتن، وهي كلمة تحمل في السياق الغربي دلالات سلبية تماماً، على عكس كلمة "قيادة" (Leadership) التي تستخدم للدلالة على الدور الأميركي.
· "Conquête" (الغزو/الفتح): في عبارة "la seconde composante de cette conquête chinoise" (المكون الثاني لهذا الغزو الصيني). استخدام كلمة "غزو" في سياق اقتصادي ينقل الصراع من مجال التنافس التجاري إلى مجال الصراع الوجودي.
· "Stratégie" (استراتيجية): توحي بالتخطيط المحكم والمنهجية الواعية، وكأن كل خطوة صينية هي جزء من مخطط كوني.
· "Prêter massivement" (إقراض بشكل ضخم): الفعل "prêter" هنا يحمل دلالة سلبية، على الرغم من أن الإقراض في السياق المالي الغربي يعتبر خدمة وعملة إيجابية.

هذا المعجم ليس بريئاً، ولا هو مجرد اختيارات لغوية عابرة. إنه يعيد إنتاج خطاب "الخطر الأصفر" (Yellow Peril) الذي ساد في القرنين التاسع عشر والعشرين، حين كان يُخشى من "غزو" آسيوي لأوروبا وأميركا. الفارق الوحيد أن الغزو هذه المرة ليس عسكرياً ولا ديموغرافياً، بل هو "غزو مالي".

١.٣ ما الذي يسقطه المقال؟

لكن الأهم من ما يقوله المقال هو ما لا يقوله. هناك غيابات صارخة في تحليل أرتوس:

غياب السياق التاريخي: لا يذكر المقال أن الصين نفسها كانت ضحية "هيمنة" غربية استمرت قرناً كاملاً، من حروب الأفيون (١٨٣٩١٨٦٠) إلى "قرن المذلة" الذي مزق أوصال البلاد ونهب ثرواتها. كما لا يذكر أن القروض الغربية للصين، ولا سيما في فترة الإصلاح والانفتاح، كانت دائماً مصحوبة بشروط سياسية واقتصادية صارمة.

غياب المقارنة: لا يقارن المقال بين سلوك الصين وسلوك الغرب. حين استثمرت بريطانيا وفرنسا في العالم، كان ذلك عبر استعمار مباشر ونهب للموارد. حين استثمرت أميركا في أوروبا عبر مشروع مارشال، كان ذلك في سياق الحرب الباردة لمواجهة النفوذ السوفيتي. لكن حين تستثمر الصين، تصبح "هيمنة" و"غزواً".

غياب التحليل البنيوي: لا يحلل المقال طبيعة النظام الرأسمالي العالمي نفسه، والتفاوت البنيوي بين المركز والأطراف. يكتفي بوصف الظاهرة دون تعليلها، وبالتالي يقدم الصين كـ"شاذ" و"مخالف للقاعدة"، وليس كلاعب جديد يدخل ساحة لعبة قديمة وضعت قواعدها قبل وصوله.

١.٤ تناقضات داخلية في المقال

يحمل المقال تناقضات تكشف عن اضطراب في رؤية الكاتب:

التناقض الأول: يعترف أرتوس بأن الصين خفضت حيازتها من سندات الخزانة الأميركية (من ٧٦٩ مليار دولار إلى ٦٨٠ ملياراً) . هذا يعني أن الصين تتنوع في استثماراتها، وهو سلوك اقتصادي عقلاني. لكن هذا التنويع يُقرأ كتهديد وليس كسلوك طبيعي.

التناقض الثاني: يشير أرتوس إلى أن الولايات المتحدة هي أول المتلقين للقروض الصينية (٢٠٢ مليار دولار). إذا كانت الصين تسعى إلى "الهيمنة" على العالم، فلماذا تمول شركات في الدولة التي تعتبرها منافسها الأول؟ أليس من الأكثر عقلانية أن تحتفظ بفوائضها كأوراق ضغط؟

التناقض الثالث: يدعو أرتوس أوروبا إلى زيادة نفقات البحث والتطوير لمواجهة التحدي الصيني. لكنه في كتابه "فرنسا المعاد اختراعها" (La France réinventée) ينتقد النموذج الأميركي وينبه إلى أن محاكاته غير ممكنة ولا مرغوبة في أوروبا .

هذه التناقضات ليست مجرد أخطاء تحليلية، بل هي أعراض لأزمة أعمق: أزمة المركز الرأسمالي الذي يجد نفسه عاجزاً عن استيعاب صعود "آخر" لا يلعب وفق قواعده التقليدية.

الفصل الثاني: تصنيف الخطاب الغربي عن الصين - من اليمين المتطير إلى الليبرالية الناعمة

الخطاب الغربي عن الصين ليس كتلة واحدة متجانسة. بل هو طيف واسع من المواقف والرؤى، يمكن تصنيفه وفق معايير متعددة: درجة العدائية، العمق التحليلي، المنهجية المستخدمة، والأجندة السياسية الضمنية. هذا التصنيف ضروري لفهم مكانة مقالات مثل مقال أرتوس ضمن الخريطة الفكرية الغربية.

٢.١ اليمين المتطير (The Far-Right Alarmists)

الخصائص العامة:

يتبنى هذا التيار رؤية وجودية للصراع مع الصين. الصين هنا ليست منافساً اقتصادياً، بل هي "خطر حضاري" يهدد الغرب في كيانه. يتم استخدام لغة عسكرية صريحة: "الغزو"، "التهديد"، "الحرب"، "الخطر الأصفر" في ثوبه الجديد.

أبرز الممثلين:

· بيتر نافارو (Peter Navarro): مستشار البيت الأبيض السابق للتجارة، ومؤلف كتب مثل "Death by China". يقدم الصين كعدو وجودي ويستخدم لغة تهكمية وعنيفة.
· ستيف بانون (Steve Bannon): الاستراتيجي السابق لترامب، يرى في الصين تهديداً للحضارة الغربية ويدعو إلى مواجهة شاملة.
· مايك بومبيو (Mike Pompeo): وزير الخارجية الأميركي السابق، صاحب خطاب "التحالف الديمقراطي" ضد "الصين الشمولية".

اللغة والمفردات:

تتميز لغة هذا التيار بالقطعية والاستقطاب الحاد. الصيغ الثنائية هي المسيطرة: "ديمقراطية/شمولية"، "حرية/استبداد"، "غرب/صين". لا مكان للدرجات الرمادية، ولا اعتراف بتعقيد الظاهرة الصينية.

المنهجية:

تعتمد هذه الكتابات على "الانتقائية الدوغمائية" (Dogmatic Selectivity): اختيار الحقائق التي تدعم الأطروحة المسبقة، وتجاهل كل ما يناقضها. يتم توظيف التاريخ بشكل أسطوري، وتقديم الصين ككيان ثابت غير متغير عبر الزمن.

العلاقة برأس المال:

المفارقة أن هذا التيار، رغم عدائه للصين، غالباً ما يكون مرتبطاً بمصالح رأسمالية تسعى إلى حماية مكاسبها من المنافسة. الدعوة إلى "حماية الوظائف الأميركية" تخفي غالباً دفاعاً عن أرباح الشركات المحلية.

الموقف من أدوات الصين المالية:

يرى هذا التيار في القروض الصينية "فخ ديون" (Debt Trap) بالمعنى الحرفي. الصين، في هذه الرؤية، تغري الدول بالقروض، ثم تستخدم هذه الديون كأدوات ضغط سياسي. تُقرأ مبادرة الحزام والطريق كمخطط استعماري جديد.

٢.٢ المحافظون الجدد (Neoconservatives)

الخصائص العامة:

يشارك هذا التيار اليمين المتطير في عدائه للصين، لكنه يختلف في الأسلوب والمنطق. هنا، الصين ليست تهديداً وجودياً بقدر ما هي "تحدي استراتيجي" يجب احتواؤه. اللغة أكثر تقنية، والتحليل أكثر تعقيداً.

أبرز الممثلين:

· روبرت كاغان (Robert Kagan): المفكر المحافظ الجديد، يرى في الصين التحدي الأكبر للهيمنة الأميركية.
· إيليوت كوهين (Eliot Cohen): أستاذ في جامعة جونز هوبكنز، يكتب عن "الاستراتيجية الكبرى" لمواجهة الصين.
· معاهد الفكر المحافظة: مثل American Enterprise Institute و Hudson Institute.

اللغة والمفردات:

لغة هذا التيار هي لغة الاستراتيجية والجيو-سياسة: "توازن القوى"، "الردع"، "التحالفات"، "المجال الحيوي". الهدف ليس شيطنة الصين، بل وضعها في إطار الصراع التقليدي بين القوى العظمى.

المنهجية:

يعتمد هذا التيار على "الواقعية السياسية" (Political Realism) في علاقاتها الدولية. يُنظر إلى الصين كلاعب عقلاني يسعى إلى تعظيم مصالحه، ويجب على الغرب أن يفعل المثل. التاريخ هنا يُقرأ من خلال نظريات "صراع الحضارات" أو "فخ ثوسيديدس".

العلاقة برأس المال:

هذا التيار أكثر ارتباطاً بالمؤسسة السياسية والعسكرية الأميركية منه برأس المال المباشر. يدعو إلى زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز التحالفات، وهو ما يخدم المجمع الصناعي-العسكري.

الموقف من أدوات الصين المالية:

يُقرأ التوسع المالي الصيني هنا كجزء من "الاستراتيجية الكبرى" لبكين. القروض الصينية هي أدوات "قوة ناعمة" تهدف إلى كسب النفوذ وليس بالضرورة استعباد الدول. التحليل أكثر دقة، لكنه يبقى أسيراً لنموذج "الصراع الصفري".

٢.٣ الليبراليون القلقون (Anxious Liberals)

الخصائص العامة:

يمثل هذا التيار الموقف الأكثر انتشاراً في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الغربية المعتدلة. لا عداء مبدئياً للصين، لكن قلق متزايد من "التهديد" الذي تمثله. اللغة متوازنة ظاهرياً، لكنها تحمل افتراضات عميقة حول "تفوق" النموذج الغربي.

أبرز الممثلين:

· باتريك أرتوس (Patrick Artus): نموذجنا هنا. اقتصادي ليبرالي، يكتب تحليلات تقنية، لكنه يقع في فخ "المركزية الغربية" دون وعي.
· مارتن وولف (Martin Wolf): كبير المعلقين الاقتصاديين في فايننشال تايمز، يكتب تحليلات عميقة عن الاقتصاد الصيني مع قلق متزايد.
· فاريد زكريا (Fareed Zakaria): معلق في CNN، يقدم صورة أكثر تعقيداً للصين لكنه يظل في إطار الليبرالية الغربية.

اللغة والمفردات:

لغة هذا التيار هي لغة "التحليل الموضوعي" و"البيانات" و"الرسوم البيانية". المفردات: "التحدي"، "المنافسة"، "عدم التوازن"، "المخاطر". لا توجد شيطنة صريحة، لكن "الهيمنة" و"الغزو" قد تظهران في العناوين الجاذبة للقراء.

المنهجية:

تعتمد هذه الكتابات على "الوضعية الكمية" (Quantitative Positivism): جمع البيانات، تحليل المؤشرات، استخلاص النتائج. المشكلة ليست في البيانات ذاتها، بل في الإطار التفسيري الذي تُقرأ من خلاله. نفس البيانات يمكن أن تقرأ بطرق مختلفة.

مقال أرتوس نموذج صارخ: البيانات التي يقدمها (٣١٪ من الصناعة العالمية، ١٢٠٠ مليار فائض، ٢٠٢ مليار قروض) يمكن أن تُقرأ كمؤشرات على نجاح نموذج تنموي، وليس كتهديد. لكن الإطار التفسيري (الهيمنة، الغزو، الخطر) يحولها إلى تهديد وجودي.

العلاقة برأس المال:

هذا التيار هو الأكثر تعبيراً عن مصالح "الرأسمالية العالمية" بمعناها الواسع. القلق هنا ليس أيديولوجياً بالدرجة الأولى، بل هو قلق على "استقرار النظام" و"قواعد اللعبة" التي تضمن استمرار تدفق رأس المال والسلع.

الموقف من أدوات الصين المالية:

يُقرأ التوسع المالي الصيني هنا كـ"مشكلة" تحتاج إلى "إدارة". القروض الصينية مقبولة طالما أنها تتبع "قواعد" النادي الغربي. المشكلة أن الصين تخلق نادياً موازياً. الدعوة إلى "الرقابة" على القروض الصينية (كما يفعل أرتوس) هي دعوة إلى إعادة فرض قواعد اللعبة القديمة.

٢.٤ اليسار التقليدي (Traditional Left)

الخصائص العامة:

هذا التيار أكثر تعقيداً. يمثل الموقف النقدي للرأسمالية، لكنه لا يتبنى بالضرورة دفاعاً عن الصين. النقد هنا مزدوج: نقد للهيمنة الغربية، ونقد للنموذج الصيني كشكل من أشكال "رأسمالية الدولة".

أبرز الممثلين:

· نعوم تشومسكي (Noam Chomsky): ينتقد السياسة الخارجية الأميركية، لكنه لا يتبنى موقفاً دفاعياً عن الصين.
· مجلات مثل Le Monde Diplomatique: تقدم تحليلات نقدية للسياسات الغربية، مع نظرة متشككة للنموذج الصيني.
· تيارات اليسار الأوروبي: تنتقد "الإمبريالية" عموماً، سواء كانت غربية أو صينية.

اللغة والمفردات:

لغة هذا التيار هي لغة النقد البنيوي: "الرأسمالية"، "الإمبريالية"، "الاستغلال"، "الطبقات". الصين ليست عدواً، لكنها ليست نموذجاً يُحتذى.

المنهجية:

تعتمد على التحليل الطبقي والماركسي. يُنظر إلى الصين كدولة رأسمالية، تختلف عن الغرب في شكلها السياسي لكنها تشترك معه في الجوهر الاقتصادي. النقاش يدور حول ما إذا كانت "رأسمالية الدولة" الصينية تشكل تهديداً للعامل الغربي، أم أنها تقدم فرصة لكسر احتكار الغرب.

الموقف من أدوات الصين المالية:

موقف مزدوج: من ناحية، يُرحب بكسر احتكار المؤسسات المالية الغربية (صندوق النقد، البنك الدولي). من ناحية أخرى، يُحذر من إعادة إنتاج علاقات تبعية جديدة. القروض الصينية قد تكون أفضل من قروض صندوق النقد، لكنها ليست بديلاً عن تنمية ذاتية حقيقية.

٢.٥ الليبرالية الناعمة (Soft Liberalism)

الخصائص العامة:

يمثل هذا التيار الموقف "التصالحي" مع الصين. ليبراليون يرون في الاندماج الصيني في النظام العالمي فرصة للجميع. الصين، في هذه الرؤية، ستتحول حتماً نحو الديمقراطية الليبرالية كلما ازدادت ثراءً.

أبرز الممثلين:

· جيفري ساكس (Jeffrey Sachs): اقتصادي التنمية الشهير، يرى في الصين شريكاً ضرورياً لحل مشاكل العالم.
· كيس فان دير بيل (Kees van der Pijl): مفكر قريب من مدرسة التبعية، يقدم قراءة أكثر تعقيداً للصين.
· بعض الدوائر الأكاديمية في دراسات التنمية: تركز على "التبادل المعرفي" و"التعلم من النماذج المختلفة".

اللغة والمفردات:

لغة "الشراكة"، "التعاون"، "الربح المشترك"، "العالمية". الصين هنا ليست تهديداً، بل فرصة.

المنهجية:

تعتمد على التفاؤل التطوري (Developmental Optimism): التنمية الاقتصادية تؤدي حتماً إلى التقدم السياسي. التجربة الصينية، مهما كانت مختلفة، ستتقارب مع النموذج الغربي في النهاية.

الموقف من أدوات الصين المالية:

تُقرأ القروض الصينية والاستثمارات كمساهمة إيجابية في تنمية الجنوب العالمي. "فخ الديون" أسطورة مبالغ فيها. التحذيرات من الهيمنة الصينية هي تعبير عن قلق الغرب من فقدان احتكاره.

٢.٦ أين يقع باتريك أرتوس في هذا الطيف؟

باتريك أرتوس ينتمي بوضوح إلى الفئة الثالثة: الليبراليون القلقون (Anxious Liberals). ليس يمينياً متطيراً مثل نافارو، ولا محافظاً جديداً مثل كاغان. لكنه، في الوقت نفسه، ليس من دعاة "الليبرالية الناعمة".

يمكن تحديد موقعه بدقة من خلال المعايير التالية:

اللغة: تحليلية، تقنية، تعتمد على البيانات. لا شيطنة صريحة، لكن العناوين تفعل ما لا يفعله المتن. عنوان "استراتيجية الصين للهيمنة على العالم" يختلف كثيراً عن تحليله التقني للفوائض التجارية.

المنهج: وضعي كمي. يعتمد على أرقام جامعة وليام وماري، ويحلل المؤشرات. لا يوجد تحليل بنيوي للنظام الرأسمالي، ولا مقارنة تاريخية مع سلوك الغرب.

الإطار التفسيري: ضمني وليس صريحاً. لا يقول أرتوس أن الصين "شريرة"، بل يقول أن لديها "استراتيجية هيمنة". الإطار هو "الصراع الصفري" بين القوى، وليس التكامل أو التعاون.

الدعوة الختامية: ليست دعوة إلى حرب باردة جديدة، بل دعوة إلى "المنافسة العادلة" عبر زيادة الإنفاق على البحث وتطوير ومراقبة القروض الصينية. هذا موقف "دفاعي" أكثر منه "هجومي".

ما يميز أرتوس عن غيره من الليبراليين القلقين هو عمقه التقني. تحليله للفوائض التجارية ولقروض الصين دقيق، لكن المشكلة في الإطار الذي يضع هذه الحقائق فيه. وكما سنرى في الفصول التالية، هذا الإطار هو نتاج "مركزية غربية" متأصلة، وليس نتاج تحليل موضوعي محايد.

الفصل الثالث: مدرسة التبعية - إطار نظري لتفكيك "سردية الهيمنة"

قبل أن ننتقل إلى تحليل مقال أرتوس من منظور مدرسة التبعية، لا بد من تقديم هذه المدرسة بشكل منهجي، لأنها تمثل الأداة النظرية الأقدر على تفكيك الخطاب الغربي عن الصين.

٣.١ النشأة والتطور التاريخي

ظهرت مدرسة التبعية (Dependency Theory) في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين كرد فعل على فشل نظريات التحديث (Modernization Theories) في تفسير تخلف دول العالم الثالث. كانت هذه النظريات السائدة ترى أن التخلف هو نتاج "عوامل داخلية": غياب رأس المال، ضعف المؤسسات، نقص المهارات. والحل، وفق هذه النظريات، هو "محاكاة" النموذج الغربي.

جاءت مدرسة التبعية لتقلب هذه الرؤية رأساً على عقب. التخلف، وفق هذه المدرسة، ليس نتاج "غياب" شيء، بل هو نتاج "وجود" علاقة محددة مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي. التخلف ليس مرحلة مبكرة من التطور، بل هو "نتاج" التطور الرأسمالي نفسه.

يمكن تتبع تطور المدرسة عبر مراحل:

المرحلة الأولى: التأسيس (الستينيات)

· أندريه غوندر فرانك (Andre Gunder Frank): في كتابه "الرأسمالية والتخلف في أميركا اللاتينية" (١٩٦٧)، طرح أطروحته الشهيرة "تطور التخلف" (Development of Underdevelopment). التخلف ليس حالة بدائية، بل هو عملية تاريخية نتجت عن اندماج الأطراف في النظام الرأسمالي العالمي بطريقة غير متكافئة.
· تودورو دوس سانتوس (Theotonio Dos Santos): عرّف التبعية بأنها "وضع تتحدد فيه اقتصاديات مجموعة من البلدان بتطور وتوسع اقتصاديات بلدان أخرى، وتخضع لها".

المرحلة الثانية: النضج النظري (السبعينات)

· إيمانويل والرشتاين (Immanuel Wallerstein): طور "نظرية المنظومات العالمية" (World-Systems Theory)، مقسماً العالم إلى مركز (Core)، وأطراف (Periphery)، وأطراف شبه هامشية (Semi-periphery). النظام الرأسمالي، وفق والرشتاين، هو نظام عالمي منذ نشأته في القرن السادس عشر.
· سمير أمين (Samir Amin): أضاف بعداً تحليلياً جديداً بمفهوم "التراكم على نطاق عالمي" و"التبادل غير المتكافئ".

المرحلة الثالثة: إعادة القراءة (الثمانينات والتسعينات)

· مع صعود "النمور الآسيوية" وبداية الإصلاح في الصين، اضطر المنظرون إلى إعادة النظر في بعض المسلمات. ظهرت مفاهيم مثل "التصنيع التابع" و"التبعية الجديدة".
· فرناندو كاردوسو (Fernando Henrique Cardoso): في كتابه مع إنزو فاليتو "التبعية والتطور في أميركا اللاتينية"، قدم قراءة أكثر دقة للعلاقة بين التبعية والتنمية.

المرحلة الرابعة: العولمة (٢٠٠٠الآن)

· مع صعود الصين كقوة اقتصادية كبرى، أصبحت المدرسة تواجه سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة كانت جزءاً من "الأطراف" أن تتحول إلى لاعب مركزي؟ الإجابات تتراوح بين من يعتبر الصين "طرفاً شبه هامشياً" يعيد إنتاج التبعية، وبين من يرى فيها "كسراً" للنموذج التقليدي.

٣.٢ المفاهيم الأساسية في مدرسة التبعية

لتفكيك مقال أرتوس، نحتاج إلى فهم مجموعة من المفاهيم الأساسية التي طورتها هذه المدرسة:

١. التبادل غير المتكافئ (Unequal Exchange)

هذا المفهوم هو حجر الزاوية في نظرية التبعية. يقوم على فكرة أن التجارة بين المركز والأطراف ليست تجارة بين متكافئين، بسبب تفاوت الأجور والإنتاجية والاحتكار التكنولوجي.

في صياغة سمير أمين، "التبادل غير المتكافئ" يعني أن الأطراف تبيع سلعاً أولية (نفط، معادن، منتجات زراعية) بأسعار منخفضة، وتشتري سلعاً مصنعة وتكنولوجيا من المركز بأسعار مرتفعة. الفارق لا يعود إلى "العرض والطلب" فقط، بل إلى بنية الاحتكار التكنولوجي وسيطرة رأس المال.

بتطبيق هذا المفهوم على مقال أرتوس: عندما يشتكي من أن الصين تمتلك ٣١٪ من الإنتاج الصناعي العالمي، فإنه لا يسأل: كم كان نصيب الصين قبل خمسين عاماً؟ وكيف كان توزيع الإنتاج الصناعي في ظل الاستعمار؟ الصين اليوم، من وجهة نظر التبعية، تطالب فقط بحصة عادلة من القيمة المضافة العالمية.

٢. التراكم على نطاق عالمي (Accumulation on a World Scale)

هذا المفهوم، الذي طوره سمير أمين في كتابه الشهير، ينظر إلى الرأسمالية كنظام عالمي متكامل، وليس كمجموعة من الاقتصاديات الوطنية. فائض القيمة المنتج في الأطراف ينتقل إلى المركز عبر آليات متعددة: التجارة، الاستثمار، خدمة الدين.

مقال أرتوس يتحدث عن الفوائض الصينية (١٢٠٠ مليار دولار) وكيف توجه إلى الخارج. لكنه لا يسأل: من أين أتت هذه الفوائض؟ هل أتت فقط من "استغلال" الصين للآخرين، أم من عمل وجهد ١.٤ مليار إنسان على مدى عقود؟

٣. البرجوازية التابعة (Comprador Bourgeoisie)

مفهوم آخر طورته مدرسة التبعية، ويشير إلى الطبقات الرأسمالية في الأطراف التي تعمل كوسيط لرأس المال العالمي، وتستفيد شخصياً من هذا الوضع فتديمه.

هذا المفهوم مهم لفهم لماذا تتعاون بعض النخب في الجنوب مع الخطاب الغربي عن "الخطر الصيني". هؤلاء يرون في الصين منافساً لمصالحهم المرتبطة بالمركز الغربي.

٤. التنمية والتبعية (Development and Dependency)

أحد أهم إسهامات المدرسة هو نفي العلاقة الخطية بين التنمية والاستقلال. النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة الخروج من التبعية. دول الخليج، مثلاً، ذات دخل مرتفع لكنها تظل تابعة في بنيتها الاقتصادية.

الصين هنا حالة خاصة: حققت نمواً هائلاً، وبنَت قاعدة صناعية متكاملة، وطورت تكنولوجيا مستقلة في قطاعات استراتيجية. هذا يجعلها "حالة شاذة" تحتاج إلى تفسير خاص.

٥. الإمبريالية الجديدة (New Imperialism)

طور سمير أمين في مرحلة متأخرة مفهوم "الإمبريالية الجماعية" أو إمبريالية "الثالوث" (الولايات المتحدة، أوروبا، اليابان). الإمبريالية هنا لا تعني بالضرورة الاحتلال المباشر، بل السيطرة عبر المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي)، وحقوق الملكية الفكرية، وتدفقات رأس المال.

هذا المفهوم بالغ الأهمية لفهم مقال أرتوس. "القلق" الغربي من الصين ليس قلقاً على "الحرية" أو "الديمقراطية"، بل هو قلق على أدوات السيطرة هذه. عندما تقدم الصين قروضاً بدون شروط سياسية، فإنها تكسر احتكار الغرب لأداة رئيسية من أدوات الإمبريالية الجديدة.

٣.٣ الفروق داخل المدرسة: من أندريه غوندر فرانك إلى سمير أمين

ليس هناك "مدرسة تبعية" واحدة، بل تيارات مختلفة:

أندريه غوندر فرانك (Andre Gunder Frank): الأكثر تطرفاً. يرى أن التخلف هو نتاج الرأسمالية حصراً، والحل هو الانفصال عن النظام الرأسمالي. نظرته للصين كانت متحمسة في البداية، ثم أصبحت أكثر تشاؤماً.

إيمانويل والرشتاين (Immanuel Wallerstein): الأكثر شمولية. يطور نظرية المنظومات العالمية التي ترى التاريخ ككل. نظرته أكثر تعقيداً، ويرى أن الصين هي "طرف شبه هامشي" يصعد داخل النظام، لكنه لا يخرجه من منطقه العام.

فرناندو كاردوسو (Fernando Henrique Cardoso): الأكثر تفاؤلاً. يرى أن "التنمية التابعة" ممكنة، أي أن بعض الدول يمكن أن تنمو وهي تابعة. هذا الموقف قاده لاحقاً إلى تبني سياسات نيوليبرالية كرئيس للبرازيل.

سمير أمين (Samir Amin): يمكن وصف موقفه بأنه "النقد البنيوي الراديكالي". هو الأكثر التزاماً بالتحليل الماركسي، والأكثر تشاؤماً بشأن إمكانية تحقيق تنمية حقيقية داخل النظام الرأسمالي. لكنه، في الوقت نفسه، الأكثر انفتاحاً على تحليل تناقضات الرأسمالية المعاصرة، بما فيها صعود الصين.

ما يميز سمير أمين عن غيره:

· التحليل التاريخي الطويل: لا يرى التبعية كلحظة، بل كعملية تاريخية ممتدة.
· ربط الاقتصادي بالسياسي والثقافي: التبعية ليست مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هي بنية متكاملة تشمل السياسة والثقافة.
· التركيز على "القطبية المتعددة": في مرحلة متأخرة من فكره، ركز أمين على أهمية بناء نظام عالمي "متعدد المراكز" (Polycentric) لكسر احتكار الغرب.

٣.٤ نقد مدرسة التبعية: نقاط الضعف والإشكاليات

لا يمكن تبني مدرسة التبعية دون وعي بنقاط ضعفها:

١. الاقتصادية المفرطة (Economic Determinism): يميل بعض منظري المدرسة إلى اختزال كل شيء في الاقتصاد، وإهمال العوامل السياسية والثقافية والدينية.

٢. ثنائية المركز/الأطراف المبسطة: في عالم اليوم المعولم، لم يعد التقسيم إلى "مركز" و"أطراف" بهذه البساطة. هناك مراكز داخل الأطراف، وأطراف داخل المركز.

٣. التبشير بالانفصال: بعض تيارات المدرسة دعت إلى الانفصال عن الاقتصاد العالمي كحل، وهذا موقف غير واقعي في عالم اليوم.

٤. صعوبة تفسير "النمور الآسيوية": كيف تفسر المدرسة صعود كوريا وتايوان وسنغافورة؟ هذه الدول حققت تنمية هائلة رغم بقائها في إطار التبعية (أو ربما بسببها؟).

٥. الصين كـ"حالة شاذة": الصين هي التحدي الأكبر للمدرسة، وهذا ما يجعل دراستها بهذا المنظور مثيرة للاهتمام بشكل خاص.

٣.٥ كيف تقرأ مدرسة التبعية مقالاً مثل مقال أرتوس؟

لو طبقنا أدوات مدرسة التبعية على مقال أرتوس، سنصل إلى نتائج مختلفة جذرياً:

أولاً: نزع الطابع "الطبيعي" عن الهيمنة الغربية

ما يسميه أرتوس "هيمنة صينية" هو، من منظور التبعية، محاولة لإعادة توزيع القوى داخل نظام عالمي كان الهيمنة فيه حكراً على الغرب لقرون. المشكلة ليست في أن الصين تسعى إلى موقع يتناسب مع حجمها، بل في أن الغرب اعتبر هيمنته "طبيعية" وأي تحدٍ لها "غير شرعي".

ثانياً: كشف "التبادل غير المتكافئ" في العلاقات الغربية-الصينية

أرتوس يقدم الصين كقوة "مفترسة" تقدم قروضاً للصناعات الغربية. لكنه لا يذكر أن هذه القروض هي نتاج فوائض تكونت عبر عقود من العمل الشاق، وأن هذه الفوائض نفسها كانت ستذهب إلى شراء سندات الخزانة الأميركية (أي تمويل الدين الأميركي) لو لم تغير الصين استراتيجيتها.

ثالثاً: نقد "مركزية الغرب" في التحليل

مقال أرتوس يعاني من "مركزية غربية" متأصلة. هو لا يسأل: كيف تنظر الدول المستقبلة لهذه القروض (في أميركا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا) إلى التمويل الصيني؟ هل تفضله على تمويل صندوق النقد؟ لماذا؟

رابعاً: ربط المقال بمصالح "البرجوازية التابعة"

المقال نفسه، وردود الفعل عليه، يعبر عن مصالح طبقات معينة في الغرب (وفي الأطراف) ترى في الصين تهديداً لمصالحها المرتبطة بالمركز. الدعوة إلى "مراقبة القروض الصينية" هي دعوة إلى حماية هذه المصالح.

الفصل الرابع: قراءة مقالات أرتوس في سياقها الكامل - تناقضات اقتصادي ليبرالي

لفهم مقال ٢١ فبراير ٢٠٢٦ بشكل أعمق، لا بد من وضعه في سياق كتابات أرتوس الأخرى عن الصين وعن الاقتصاد العالمي. أرتوس ليس كاتباً عابراً، بل هو واحد من أبرز الاقتصاديين الفرنسيين، ومؤلف عشرات الكتب والمئات من المقالات.

٤.١ صورة شاملة عن أرتوس والاقتصاد الصيني

من خلال مراجعة كتابات أرتوس، يمكن رسم صورة أكثر تعقيداً لموقفه من الصين:

في كتابه "الصين" (La Chine): يحلل آثار التطور الاقتصادي والتجاري والمالي الصيني على التوازن العالمي. يطرح السؤال: "هل الصين خطيرة؟" ويحلل "قنوات نقل" الاقتصاد الصيني إلى بقية العالم، الإيجابية منها والسلبية .

في مقال له في لو موند (يناير ٢٠٢٤): يتحدث عن "الدفع المتزايد تجاه الصين" كشريك تجاري أو كموقع للاستثمارات المباشرة. يلاحظ زيادة هائلة في عدد العوائق التجارية (من ٢٥٠ في بداية ٢٠١٠ إلى ٢٦٠٠ في ٢٠٢٢)، ويذكر تحديداً "استيراد هواتف صينية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو تصدير أشباه الموصلات إلى الصين" .

في مقال له في لو بوان (نوفمبر ٢٠٢٥): يتحدث عن "الوجهين للاقتصاد الصيني": التقدم العلمي والتكنولوجي السريع جداً بدفع من السلطة السياسية من جهة، والانكماش القوي من جهة أخرى .

في مقابلة مع مجلة Confrontations (٢٠٢٥): يتحدث عن ضعف أوروبا أمام الصين والولايات المتحدة، وعن "انعدام قوة التفاوض" الأوروبية .

ما نراه هو أرتوس الذي:

· يتابع التطور الصيني بدقة
· يعترف بالتقدم الهائل
· يقلق من التحدي الذي تمثله الصين
· يدعو أوروبا إلى الرد عبر الاستثمار في البحث والتطوير
· ينتقد في الوقت نفسه النموذج الأميركي ولا يدعو إلى محاكاته

٤.٢ أرتوس ناقداً للنموذج الأميركي: تعقيد إضافي

في مقابلته مع Confrontations، ينتقد أرتوس النموذج الأميركي بعنف :

"النموذج الأميركي هو نموذج يفضل ربحية الشركات على كل معايير الرفاهية الأخرى. سوق العمل قليل التنظيم، وتوزيع الدخل بين الأجراء والشركات منحاز بشدة لصالح الشركات (ومساهميها)، ومكافحة الاحتكار ضعيفة نسبياً، مما يؤدي إلى ظهور احتكارات القلة أو حتى احتكارات... معدل الفقر في الولايات المتحدة مرتفع جداً، وتركيز الثروة مفرط (مؤشر جيني ٠.٥ مقابل ٠.٣ في أوروبا)".

هذا النقد مهم لأنه يظهر أن أرتوس ليس "تابعاً" أعمى للنموذج الأميركي. هو يرى عيوبه بوضوح. لكن السؤال: لماذا لا يطبق نفس المعايير النقدية على قراءته للصين؟

المفارقة أن أرتوس، عندما ينتقد النموذج الأميركي، يستخدم لغة "العدالة الاجتماعية" و"التوزيع العادل". لكن عندما يقرأ النموذج الصيني، تختفي هذه اللغة ويحل محلها لغة "التهديد" و"الهيمنة". هذا الانزلاق في الإطار التحليلي يكشف عن "مركزية غربية" لا واعية: العدالة الاجتماعية مطلوبة في الغرب، لكن الهيمنة هي ما يهم عندما ننظر إلى الشرق.

٤.٣ تناقضات أرتوس: ثلاثية الموقف

يمكن تحليل موقف أرتوس من خلال ثلاثية:

١. كخبير اقتصادي: دقيق، موضوعي، يعتمد على البيانات. تحليله للفوائض الصينية، وللاستثمار في البحث والتطوير، وللقروض الخارجية، هو تحليل دقيق تقنياً. لا يمكن اتهامه بتزوير الحقائق.

٢. كمفكر ليبرالي: يؤمن بفوائد العولمة والسوق، لكنه يرى أن الصين "استغلت" هذه الفوائد بشكل غير عادل. هنا يظهر الانحياز: القواعد التي وضعها الغرب كانت جيدة عندما كان الغرب هو المسيطر، لكنها أصبحت "مشكلة" عندما تعلم الصينيون اللعب بها.

٣. كأوروبي: يشعر بالقلق على مستقبل أوروبا في عالم متعدد الأقطاب. هذا القلق مشروع، لكنه يتحول في كتاباته إلى خطاب "دفاعي" يبحث عن "مهدد" خارجي (الصين) بدلاً من البحث في الأسباب الداخلية لضعف أوروبا.

هذه الثلاثية تفسر التناقضات الظاهرية في موقف أرتوس: الدقة التقنية + الإطار الليبرالي + القلق الأوروبي = مقالات تقنية تصف الظاهرة بدقة، لكنها تضعها في إطار "التهديد" و"الهيمنة".

٤.٤ موقع أرتوس من "الرأسمالية الغربية" كمشروع

أرتوس ليس ناقداً للرأسمالية، بل هو جزء من مؤسستها. هو مدير الأبحاث في Natixis (بنك استثماري كبير)، وأستاذ في مؤسسات مرموقة، ومستشار اقتصادي. إنه يمثل "العقل المدبر" للرأسمالية، وليس معارضها.

هذا الموقع يفسر لماذا قراءته للصين هي قراءة "قلقة" وليست "محايدة". الصين تمثل تحدياً للنموذج الذي يمثله أرتوس: نموذج "السوق المفتوحة" الذي يخدم مصالح رأس المال الغربي. عندما تتعلم الصين اللعبة وتلعبها بشكل أفضل، يصبح النموذج مهدداً.

ما لا يقوله أرتوس، ولا يمكنه قوله بوصفه "اقتصادياً في الخدمة"، هو أن المشكلة ليست في أن الصين تلعب اللعبة بشكل أفضل، بل في أن اللعبة نفسها كانت غير عادلة منذ البداية. الصين تكتشف فقط كيف يمكن لطرف أن يستغل قواعد السوق العالمية لصالحه، كما فعل الغرب لقرون.

الفصل الخامس: مقارنة منهجية - كيف يقرأ "الآخر" نفس الظاهرة؟

لاختبار فرضية "مركزية الغرب" في تحليل أرتوس، لا بد من مقارنة قراءته مع قراءات أخرى للظاهرة نفسها من مواقع مختلفة.

٥.١ القراءة الصينية الرسمية: "الحلم الصيني" و"المجتمع ذو المستقبل المشترك"

الخطاب الرسمي الصيني لا يتحدث عن "هيمنة" (domination) بل عن "نهضة الأمة الصينية" (中华民族伟大复兴) و"بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية" (构建人类命运共同体).

في هذه القراءة:

· الصعود الصيني هو "عودة طبيعية" لدولة كانت في طليعة الحضارة العالمية لآلاف السنين.
· مبادرة الحزام والطريق هي مشروع "تنموي" وليس "هيمنياً".
· القروض والاستثمارات هي تعبير عن "التضامن جنوب-جنوب".
· التنوع في استثمارات الفوائض (الابتعاد عن سندات الخزانة الأميركية) هو قرار "عقلاني" لحماية الثروة الوطنية.

هذه القراءة لا تخلو من أيديولوجيتها بالطبع، لكنها تقدم إطاراً بديلاً لفهم نفس الظاهرة. من يصدق؟ يعتمد على موقعك في النظام العالمي.

٥.٢ القراءة من الجنوب العالمي: بين الأمل والتحذير

دول الجنوب العالمي (أفريقيا، أميركا اللاتينية، آسيا) تقدم قراءات أكثر تعقيداً:

القراءة المتفائلة: الصين تقدم بديلاً عن الهيمنة الغربية. قروضها بدون شروط سياسية، واستثماراتها في البنية التحتية تملأ فراغاً أهمله الغرب لعقود. مبادرة الحزام والطريق هي فرصة حقيقية للتنمية.

القراءة المتشائمة: الصين تعيد إنتاج علاقات تبعية جديدة. تستخرج الموارد، وتوظف عمالتها الصينية، ولا تنقل التكنولوجيا الحقيقية. "فخ الديون" حقيقي في بعض الحالات.

القراءة البراغماتية: الصين شريك مثل أي شريك آخر. نأخذ منها ما ينفعنا، ونحذر من مخاطرها. المهم هو تعزيز قدرتنا على التفاوض مع الجميع.

هذه القراءات المتعددة تظهر أن "الخطر الصيني" ليس حقيقة موضوعية، بل هو بناء يتشكل حسب الموقع من النظام العالمي.

٥.٣ تحليل مقارن للبيانات ذاتها: كيف نقرأ رقم ٢٠٢ مليار دولار؟

لنتأمل الرقم الذي يذكره أرتوس: ٢٠٢ مليار دولار قروض صينية للولايات المتحدة بين ٢٠٠٠ و٢٠٢٣ .

القراءة الغربية (أرتوس): دليل على "الاستراتيجية الخفية" للهيمنة. الصين تشتري نفوذاً في الاقتصاد الأميركي.

القراءة الصينية المحتملة: تنويع عقلاني للاستثمارات. الصين تستثمر في أكبر اقتصاد في العالم لحماية فوائضها.

القراءة من منظور التبعية: هذا الرقم يظهر أن العلاقة بين الصين والغرب هي علاقة "تبادل متكافئ" متزايد. الصين لم تعد مجرد مصدر للمواد الأولية، بل أصبحت دائناً. هذا تغيير جذري في بنية النظام العالمي.

القراءة الإحصائية المحايدة: ٢٠٢ مليار دولار على مدى ٢٣ عاماً هو متوسط ٨.٧ مليار سنوياً. مقارنة بالاستثمارات الأميركية في الصين (التي تفوق هذا الرقم بكثير)، أو بالدين الأميركي الإجمالي (أكثر من ٣٠ تريليون دولار)، هذا الرقم متواضع.

الرقم نفسه، لكنه يحمل معاني مختلفة حسب السياق والإطار التفسيري.

الفصل السادس: تفكيك مفاهيم المقال - "الهيمنة" بين المفهوم والاستعمال

٦.١ مفهوم الهيمنة في العلاقات الدولية

"الهيمنة" (Hegemony) مفهوم مركزي في العلاقات الدولية، لكنه يحمل دلالات متعددة:

في النظرية الواقعية (Realism): الهيمنة هي سيطرة دولة على النظام الدولي، بحيث تضع القواعد وتفرضها. الهيمنة هنا مسألة قوة مادية بالدرجة الأولى.

في النظرية البنيوية (Structuralism): الهيمنة أوسع من القوة المادية. تشمل "الهيمنة الثقافية" و"الهيمنة الأيديولوجية" كما طورها غرامشي. الدولة المهيمنة تفرض ليس فقط قواعد اللعبة، بل طريقة التفكير في اللعبة نفسها.

في مدرسة التبعية: الهيمنة هي قدرة المركز على تحديد شروط إدماج الأطراف في الاقتصاد العالمي، بحيث يظل التراكم لصالح المركز.

أرتوس يستخدم "الهيمنة" بمعناها الواقعي المبسط: الصين تسعى إلى السيطرة. لكنه لا يناقش التعقيدات: هل الهيمنة ممكنة في عالم متعدد الأقطاب؟ ما الفرق بين "الهيمنة" و"القيادة"؟ لماذا لا نصف الوجود العسكري الأميركي في ٨٠٠ قاعدة حول العالم بأنه "هيمنة"؟

٦.٢ "هيمنة الصين" مقابل "القيادة الأميركية": ازدواجية المعايير

المقارنة اللغوية كافية لكشف ازدواجية المعايير:

الوجود العسكري الأميركي: "قيادة عالمية"، "حماية للحلفاء"، "استقرار".

الوجود الاقتصادي الصيني: "هيمنة"، "غزو"، "فخ ديون".

التدخلات الأميركية في شؤون الدول: "نشر ديمقراطية"، "حماية حقوق الإنسان".

القروض الصينية: "أدوات ضغط سياسي".

الاحتياطي الفدرالي يطبع الدولار: "سياسة نقدية ضرورية".

البنك المركزي الصيني يدير اليوان: "تلاعب بالعملة".

هذه الازدواجية ليست مجرد خطأ لغوي، بل هي تعبير عن بنية معرفية كاملة ترى الغرب كـ"ذات" طبيعية للتاريخ، والآخرين كـ"موضوعات" يجب تقييمها وفق معايير الغرب.

٦.٣ إعادة قراءة "الأدوات الصينية" من منظور تابعي

١. الفائض التجاري (١٢٠٠ مليار دولار) :

من منظور تابعي، هذا الفائض هو نتاج عقود من العمل الشاق، والسياسات الصناعية، والتضحيات الاجتماعية. هو أيضاً نتاج "التبادل غير المتكافئ" في الاتجاه المعاكس: الصين كانت تبيع سلعاً مصنعة بأسعار منخفضة للأسواق الغربية، مما وفر للغرب سلعاً رخيصة لعقود.

٢. تخفيض قيمة اليوان:

أرتوس يدرج هذا ضمن "الأدوات المعروفة". لكن من منظور تابعي، هذا "حق سيادي" لأي دولة في إدارة عملتها. الولايات المتحدة تفعل الأمر نفسه عبر السياسة النقدية. الفرق أن الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية، فسياسة أميركا النقدية تفرض نفسها على العالم كله.

٣. القروض للصناعات الاستراتيجية :

أرتوس يقرأها كـ"هيمنة". لكن من منظور تابعي، يمكن قراءتها كـ"تأمين ضد المخاطر": الصين تستثمر في سلاسل التوريد العالمية لتحمي نفسها من التقلبات. كما يمكن قراءتها كـ"استثمار عقلاني" في أكثر القطاعات ربحية.

٤. الابتعاد عن سندات الخزانة الأميركية :

أرتوس يذكره عابراً. لكن هذا تحول جذري: الصين لم تعد تقبل بتمويل العجز الأميركي بنفس الطريقة. هذا "تخلص من التبعية" للدولار.

٦.٤ "السيادة" كمفهوم مضاد للهيمنة

ما لا يذكره أرتوس هو أن كل هذه الأدوات تخدم هدفاً واحداً: السيادة الوطنية. الصين تريد أن تكون قادرة على تحديد مصيرها بنفسها، دون وصاية خارجية. هذا هو الدرس الذي تعلمته من "قرن المذلة".

من منظور تابعي، السعي إلى السيادة هو السعي إلى كسر التبعية. الصين تريد أن تنتقل من موقع "الطرف" إلى موقع "المركز" (أو على الأقل إلى "طرف شبه هامشي قوي"). هذا السعي مشروع، لكنه يصطدم بمصالح المركز القائم.


……..

الهيمنة.. نزعة المركز أم طموح الطرف؟

تفكيك سردية "الخطر الصيني" في الخطاب الاقتصادي الغربي

الجزء الثاني

…..

الفصل السابع: القروض الصينية للصناعات الاستراتيجية الغربية - فخ ديون أم استثمار عقلاني؟

٧.١ قراءة في الأرقام: ماذا تعني ٢٠٢ مليار دولار حقاً؟

يستند أرتوس في مقاله إلى بيانات "مبادرة AidData" في جامعة وليام وماري، ليقدم لنا لوحة إحصائية تبدو للوهلة الأولى مثيرة للقلق: الولايات المتحدة في مقدمة الدول المتلقية للقروض الصينية، بـ ٢٠٢ مليار دولار بين ٢٠٠٠ و٢٠٢٣، تليها روسيا ثم الاتحاد الأوروبي ثم أستراليا .

لكن الأرقام، كما يعلم كل باحث، لا تتحدث عن نفسها. هي صامتة تنتظر من يمنحها المعنى. والسؤال الجوهري الذي لا يطرحه أرتوس: ٢٠٢ مليار دولار على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، أي بمتوسط ٨.٧ مليار دولار سنوياً، في مواجهة اقتصاد أميركي يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي ٢٥ تريليون دولار، وسوق مالية تقدر بالتريليونات، ودين عام يتجاوز ٣٠ تريليون دولار. هل هذه الأرقام، في سياقها الكلي، تبرر خطاب "الخطر" و"الهيمنة"؟

لنتأمل المقارنات التالية:

· الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الولايات المتحدة بلغت في ٢٠٢٣ وحده حوالي ٥٠٠ مليار دولار. القروض الصينية السنوية (٨.٧ مليار) تمثل أقل من ٢٪ من هذا الرقم.
· الحيازة الأجنبية لسندات الخزانة الأميركية تتجاوز ٧ تريليونات دولار. الصين، حتى في ذروة حيازتها، لم تتجاوز ١.٣ تريليون (قبل أن تخفض إلى ٦٨٠ ملياراً كما يذكر أرتوس).
· الاستثمارات الصينية في أوروبا بلغت ذروتها في ٢٠١٦ (حوالي ٨٠ مليار يورو) ثم انخفضت بشكل حاد بعد تشديد الرقابة الأوروبية.

ما يقدمه أرتوس هو "تأثير تضخيم" عبر عزل الرقم عن سياقه الكلي. ٢٠٢ مليار دولار تبدو كبيرة عندما تُقرأ منفردة، لكنها تتقلص عندما توضع في إطار الاقتصاد الأميركي الكلي.

٧.٢ كيف تقرأ الدول المتلقية هذه القروض؟

هناك غياب صارخ في مقال أرتوس: صوت الدول المتلقية نفسها. كيف تنظر الشركات الأميركية والأوروبية إلى هذه القروض؟

من المنطقي أن نفترض أن الشركة التي تقترض من الصين تفعل ذلك لأن شروط القرض أفضل مما هو متاح محلياً، أو لأنها لا تجد التمويل الكافي في أسواقها. القرار الاقتصادي العقلاني يدفعها إلى قبول التمويل الأفضل.

لكن أرتوس يقدم هذه القروض وكأنها "تُفرض" على الشركات الغربية، أو وكأنها "خدعة" صينية لا يراها إلا المحللون "الواعون". هذا التجريد من إرادة المتلقي وإرادته العقلانية هو شكل آخر من "المركزية": الشركات الغربية مفترض أن تكون واعية بمصالحها، فإذا قبلت القروض الصينية فذلك لأنها ترى فيها مصلحة لها. لكن هذا المنطق البسيط يختفي عندما نقرأ المقال.

٧.٣ "القطاعات الاستراتيجية": لماذا هي استراتيجية حقاً؟

يحدد أرتوس القطاعات المستهدفة: الطاقة، التقنيات الجديدة (البطاريات الكهربائية، أشباه الموصلات). ويسأل ضمنياً: لماذا تمول الصين هذه القطاعات بالتحديد في الخارج؟

السؤال مشروع، لكن الإجابة قد تكون أبسط مما يتصور: لأن هذه هي القطاعات الأكثر ربحية والأسرع نمواً في الاقتصاد العالمي. أي مستثمر عقلاني، صينياً كان أم غربياً، سيبحث عن هذه القطاعات.

ما يجعلها "استراتيجية" هو أمر آخر: إنها القطاعات التي تحدد ملامح المستقبل. من يسيطر على الطاقة الجديدة وأشباه الموصلات، يسيطر على الاقتصاد العالمي في العقود القادمة. الصين تدرك هذا، وتستثمر وفق هذه الرؤية. الغرب نفسه يفعل الشيء نفسه، لكن من موقف المدافع لا المهاجم.

المشكلة، من وجهة نظر أرتوس، ليست في أن الصين تستثمر في هذه القطاعات، بل في أنها تستثمر فيها داخل الغرب نفسه. هنا تتحول المنافسة من صراع على الأسواق الخارجية إلى صراع على "البيت الداخلي" للغرب.

٧.٤ مقارنة تاريخية: ماذا فعل الغرب بفوائضه؟

هنا يصلب التحليل التاريخي المقارن. لننظر كيف استخدم الغرب فوائضه المالية عبر التاريخ:

بريطانيا في القرن التاسع عشر: استخدمت فوائضها التجارية والمالية لتمويل شبكة سكك حديدية في الهند، وموانئ في أفريقيا، وقنوات في أميركا اللاتينية. كان هذا يسمى "نشر الحضارة" و"فتح الأسواق".

الولايات المتحدة بعد ١٩٤٥: استخدمت فوائضها (التي تحولت إلى هيمنة مطلقة بعد الحرب) لتمويل "مشروع مارشال" في أوروبا، و"الخطة الإنمائية" في اليابان وكوريا. كان هذا يسمى "القيادة الأميركية" و"الدفاع عن العالم الحر".

فرنسا في أفريقيا: استخدمت احتياطي العملة (Franc CFA) لتمويل شركاتها الكبرى، وضمان وصولها إلى المواد الأولية. كان هذا يسمى "التعاون" و"الفرانكوفونية".

اليوم، عندما تفعل الصين الشيء نفسه، يصبح "هيمنة" و"غزواً". ليس لأن ما تفعله مختلف جوهرياً، بل لأن من يفعله مختلف. الفعل واحد، لكن التقييم يختلف حسب فاعله.

هذه هي "مركزية الغرب" في أبهى صورها: الغرب له الحق في التوسع والاستثمار والنفوذ، لأن هذا "طبيعي" و"مشروع". أما الآخرون فتحرم عليهم نفس الأفعال، لأنها "هيمنة" و"عدوان".

٧.٥ فخ الديون: أسطورة أم حقيقة؟

أحد المفاهيم التي تتردد في الخطاب الغربي عن القروض الصينية هو "فخ الديون" (Debt Trap). الفكرة: الصين تقدم قروضاً مغرية للدول النامية، ثم عندما تعجز هذه الدول عن السداد، تستولي على أصولها الاستراتيجية (موانئ، مطارات، موارد طبيعية).

هذه الفكرة روّج لها بشكل خاص تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول ميناء هامبانتوتا في سريلانكا. لكن الدراسات الأكاديمية الجادة شككت في هذه الرواية. فقد أظهرت أبحاث ديبورا بروتيغام وزملائها في جامعة جونز هوبكنز أن "فخ الديون" هو استثناء وليس قاعدة، وأن معظم إعادة هيكلة الديون مع الصين تمت بشروط لا تختلف كثيراً عن شروط نادي باريس.

الأهم من ذلك: إذا كانت القروض الصينية "فخ ديون"، فماذا نقول عن قروض صندوق النقد الدولي التي تفرض على الدول المقترضة برامج تقشف قاسية، تزيد من معاناة شعوبها، وتجبرها على خصخصة قطاعاتها العامة لصالح الشركات الغربية؟ أيهما "أفخخ"؟

التمييز ليس بين "قروض جيدة" و"قروض سيئة"، بل بين قروض تأتي من الغرب (وتسمى "مساعدات") وقروض تأتي من الصين (وتسمى "فخاخ").

الفصل الثامن: الميزان التجاري والصناعي - ٣١٪ من الإنتاج العالمي ماذا تعني؟

٨.١ قراءة تاريخية: كيف توزع الإنتاج الصناعي عبر القرون

يقول أرتوس إن الصين تمتلك اليوم ٣١٪ من الإنتاج الصناعي العالمي. هذا الرقم يقدم كتهديد. لكن لنضعه في سياقه التاريخي:

· في ذروة الثورة الصناعية (حوالي ١٨٧٠)، كانت بريطانيا وحدها تنتج حوالي ٣٠٪ من الإنتاج الصناعي العالمي.
· في الخمسينيات، كانت الولايات المتحدة تنتج حوالي ٤٠٪ من الإنتاج الصناعي العالمي.
· في الثمانينيات، كانت اليابان تهدد بتجاوز الولايات المتحدة في قطاعات كاملة (السيارات، الإلكترونيات).

التاريخ يعلمنا أن توزيع الإنتاج الصناعي يتغير باستمرار. ما كان "طبيعياً" عندما كان الغرب هو المسيطر، يصبح "خطيراً" عندما يصعد الآخرون.

الأهم من الرقم الكلي هو تركيبة هذا الإنتاج. الصين لا تنتج فقط سلعاً منخفضة التقنية، بل تتقدم بسرعة في القطاعات الاستراتيجية التي ذكرها أرتوس نفسه: البطاريات الكهربائية، أشباه الموصلات، الطاقات الجديدة. هذا هو مصدر القلق الحقيقي: الصين تنتقل من "مصنع العالم" إلى "مختبر العالم".

٨.٢ هل ٣١٪ تعني هيمنة؟ مقارنة بالولايات المتحدة في الخمسينيات

لنتأمل حالة الولايات المتحدة في الخمسينيات. كانت تمتلك حوالي ٤٠٪ من الإنتاج الصناعي العالمي، و٦٠٪ من احتياطي الذهب، والقوة العسكرية الأكبر، والنفوذ السياسي الأوسع. هذا كان يسمى "القيادة الأميركية" و"العصر الأميركي".

اليوم، الصين تمتلك ٣١٪ من الإنتاج الصناعي، لكن حصتها من القوة المالية العالمية أقل بكثير (اليوان يمثل حوالي ٣٪ من الاحتياطيات العالمية)، ونفوذها السياسي محدود بالمقارنة مع الولايات المتحدة، وقوتها العسكرية لا تزال إقليمية بالدرجة الأولى.

إذا كانت الهيمنة تعني التفوق في كل المجالات، فالصين لا تزال بعيدة عنها. إذا كانت تعني التفوق في مجال واحد (الصناعة)، فالولايات المتحدة نفسها كانت "مهيمنة" في الخمسينيات بطريقة لا تقارن.

٨.٣ "مركزية الإنتاج" مقابل "مركزية التمويل"

ما لا يذكره أرتوس هو أن الهيمنة الحقيقية في الرأسمالية المعاصرة ليست في الإنتاج بل في التمويل. الولايات المتحدة تهيمن على العالم ليس لأنها تنتج أكثر، بل لأن الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية، ولأن وول ستريت هو مركز التمويل العالمي، ولأن المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي) تخضع لنفوذها.

الصين تتقدم في الإنتاج، لكنها لا تزال متخلفة في التمويل. تحركاتها الأخيرة (الابتعاد عن سندات الخزانة، الترويج لليوان دولياً) هي محاولات لتقليص هذه الفجوة، لكن الطريق ما زال طويلاً.

لهذا، يمكن القول إن ما يسميه أرتوس "هيمنة" هو في الحقيقة "لحاق بالركب" في مجال واحد من مجالات القوة العالمية. الصين تطالب بحصة تتناسب مع حجمها السكاني واقتصادها، وهذا حق مشروع.

الفصل التاسع: "الاستراتيجية غير المعروفة" - بين المؤامرة والشفافية

٩.١ خطاب "الخفاء" و"المؤامرة" في التحليل السياسي

أحد أقدم الحيل البلاغية في التحليل السياسي هي ادعاء كشف "الخفاء". "غير المعروفة على نطاق واسع" في العنوان هو استدعاء مباشر لخطاب المؤامرة: هناك شيء يحدث دون أن يعرفه العامة، وأنا (الكاتب) سأكشفه لكم.

هذه الحيلة فعالة نفسياً: القارئ يشعر أنه ينتمي إلى "نخبة" تعرف ما لا يعرفه الآخرون. لكنها مشكلة منهجياً: ماذا لو كان ما يقدم على أنه "خفي" هو في الحقيقة معروف ومتاح لأي باحث؟

الاستراتيجية الصينية في استخدام فوائضها ليست "خفية" على الإطلاق. هي موثقة في تقارير البنك المركزي الصيني، وفي خطابات المسؤولين، وفي الدراسات الأكاديمية. ما يقدمه أرتوس هو قراءة معينة لبيانات متاحة للجميع.

الفرق بين "الخفي" و"المعروف" ليس في البيانات ذاتها، بل في الإطار التفسيري. أرتوس يقدم إطاراً يقول: هذه القروض جزء من استراتيجية هيمنة. إطار آخر يمكن أن يقول: هذا تنويع عقلاني للاستثمارات.

٩.٢ السياسة الصينية: بين "التخطيط" و"الارتجال"

أرتوس يتحدث عن "استراتيجية الصين" وكأنها خطة محكمة ومرسومة منذ عقود. هذا تبسيط مفرط لصنع القرار في الصين.

صحيح أن الصين تمارس "التخطيط الاستراتيجي" عبر خططها الخمسية ووثائق السياسات العامة. لكن من الخطأ تصور أن كل ما تفعله الشركات الصينية هو تنفيذ أعمى لخطة مركزية. هناك درجة كبيرة من اللامركزية، والمبادرة الخاصة، والتكيف مع الظروف المتغيرة.

الاستثمارات الصينية في الخارج هي نتاج تفاعل معقد بين:

· التوجيه الاستراتيجي للحكومة (خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق)
· حسابات الربح للشركات الخاصة والعامة
· الفرص المتاحة في الأسواق المحلية
· الضغوط والقيود الدولية

اختزال هذا التعقيد في "استراتيجية هيمنة" هو تشويه للواقع.

٩.٣ مبدأ "عدم التدخل": سلاح ذو حدين

أحد مبادئ السياسة الخارجية الصينية هو "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى". هذا المبدأ يُقرأ بطرق مختلفة:

في الغرب: الصين تتجاهل قيم حقوق الإنسان والديمقراطية، وتدعم الأنظمة الاستبدادية.

في الجنوب: الصين تحترم سيادتنا، ولا تفرض علينا شروطاً سياسية مثل الغرب.

هذا المبدأ هو ما يجعل القروض الصينية جذابة للعديد من الدول: فهي تأتي بدون وعظ سياسي، وبدون شروط تقشف قاسية. لكنه أيضاً ما يجعل الصين موضع نقد: فهي تتعامل مع أي نظام بغض النظر عن سجله في حقوق الإنسان.

من منظور تابعي، هذا المبدأ يمكن أن يكون تحررياً (يكسر احتكار الغرب للشروط السياسية) أو تواطئياً (يدعم أنظمة قمعية). التقييم النهائي يعتمد على الحالة المحددة.

الفصل العاشر: ماذا سيقول سمير أمين عن هذا المقال لو كان حياً؟

هذا هو قلب المقال: محاكاة فكرية لموقف أحد أعمق مفكري مدرسة التبعية من تحليل أرتوس.

١٠.١ قراءة المقال كـ"عرض" لأزمة المركز

لو كان سمير أمين بيننا اليوم، وقرأ مقال أرتوس، لما قرأه في المقام الأول كتحليل للصين، بل كوثيقة عن حالة "المركز" الرأسمالي. كان سيقول: "هذا المقال لا يخبرنا الكثير عن الصين، لكنه يخبرنا كل شيء عن مخاوف الغرب".

في تحليله لـ"الإمبريالية الجماعية" (الولايات المتحدة، أوروبا، اليابان)، شدد أمين على أن هذه الإمبريالية تعيش أزمة بنيوية. صعود الصين ليس سبب الأزمة، بل هو عرض من أعراضها. الأزمة الحقيقية هي أزمة نموذج التراكم الرأسمالي نفسه، الذي بلغ حدوده القصوى.

ما يعبر عنه أرتوس، في قراءة أمين، هو "قلق النخبة" التي ترى أسس هيمنتها تتداعى، وتبحث عن تفسير بسيط (المؤامرة الصينية) بدلاً من مواجهة التعقيدات الداخلية (أزمة الرأسمالية الغربية، تراجع الاستثمار في البحث، شيخوخة السكان، تفاقم التفاوت).

١٠.٢ تفكيك "مركزية الغرب" في التحليل

كان أمين سيهاجم بشدة "المركزية الغربية" الضمنية في تحليل أرتوس. كان سيسأل: لماذا تُقرأ نفس الظواهر بشكل مختلف عندما تأتي من الغرب وعندما تأتي من الصين؟

· الغرب "يحمي أمنه القومي" عندما يمنع بيع شركات استراتيجية للأجانب. الصين "تسعى للهيمنة" عندما تستثمر في الخارج.
· الغرب "يدافع عن مصالحه" عندما يفرض رسوماً جمركية. الصين "تشن حرباً تجارية" عندما تفعل الشيء نفسه.
· الغرب "ينشر الديمقراطية" عندما يدعم أحزاباً في الخارج. الصين "تتدخل في الشؤون الداخلية" عندما تفعل الشيء نفسه.

هذه الازدواجية، في نظر أمين، ليست مجرد خطأ منهجي، بل هي تعبير عن "مركزية معرفية" متأصلة. الغرب يرى نفسه كـ"ذات" التاريخ، والآخرين كـ"موضوعات" يجب دراستها وتقييمها وفق معاييره.

١٠.٣ الصين كـ"طرف شبه هامشي" في طور الصعود

كان أمين سيصنف الصين ضمن "الأطراف شبه الهامشية" (Semi-periphery) في النظام العالمي. هذه الفئة، في تحليل والرشتاين وأمين، هي الأكثر ديناميكية: يمكنها أن تصعد نحو المركز، أو تهبط نحو الأطراف.

الصين، برأي أمين، نجحت في استغلال التناقضات الداخلية للرأسمالية العالمية لصالحها. استغلت العولمة لاكتساب التكنولوجيا، وحمت صناعاتها الناشئة بسياسات ذكية، وحافظت على سيادتها الوطنية في رسم السياسات الاقتصادية.

لكن هذا النجاح لا يعني الخروج من منطق الرأسمالية. الصين، كما كان يراها أمين، تبقى جزءاً من النظام الرأسمالي العالمي، وتتأثر بتناقضاته. التفاوت الداخلي في الصين، والتلوث البيئي، والضغوط الاجتماعية، كلها تعبيرات عن هذه التناقضات.

١٠.٤ "التبادل غير المتكافئ" في العلاقات الصينية-الجنوبية

كان أمين سينبه إلى نقطة غائبة عن مقال أرتوس، وهي علاقة الصين بالجنوب العالمي. إذا كانت الصين تقدم قروضاً للغرب، فإنها أيضاً تستثمر بكثافة في أفريقيا وأميركا اللاتينية. وهنا يظهر "التبادل غير المتكافئ" بشكل جديد.

الصين تستورد المواد الخام من أفريقيا (نفط، معادن، خشب) وتصدر لها سلعاً مصنعة. هذا هو نفس النمط الذي انتقده أمين في العلاقات بين المركز والأطراف. الفرق أن الصين، في هذه الحالة، تحتل موقع "المركز" النسبي، والدول الأفريقية تحتل موقع "الأطراف".

هذا لا يعني أن العلاقات الصينية-الأفريقية هي نفس العلاقات الغربية-الأفريقية. شروط القروض الصينية أقل قسوة، والاستثمارات في البنية التحتية أكثر فائدة. لكن البنية العامة تبقى بنية "مركز-أطراف"، وقد تعيد إنتاج التفاوت نفسه على المدى الطويل.

١٠.٥ نحو نظام عالمي متعدد المراكز

في مرحلة متأخرة من فكره، ركز أمين على فكرة "النظام العالمي متعدد المراكز" (Polycentric World Order). هذا المفهوم يختلف عن "تعدد الأقطاب" (Multipolarity) الذي يتحدث عنه الغرب.

"تعدد الأقطاب" يعني توزيع القوة بين عدة مراكز، لكنه يبقي على المنطق نفسه: صراع على الهيمنة بين قوى كبرى.

"متعدد المراكز" يعني بناء نظام عالمي جديد تكون فيه المراكز المتعددة قادرة على التعاون والتكامل، وليس فقط على التنافس والصراع. هذا النظام، في نظر أمين، هو الشرط الضروري لانتقال طويل نحو مجتمعات أكثر عدالة.

في هذا السياق، كان أمين سيرى في صعود الصين فرصة وتحدياً في آن:

· فرصة: لأن الصين تكسر احتكار الغرب، وتتيح مجالاً أوسع للمناورة لدول الجنوب.
· تحدياً: لأن الصين قد تعيد إنتاج منطق الهيمنة نفسه إذا لم تكن واعية بمسؤوليتها التاريخية.

١٠.٦ نقد "الرأسمالية الصينية" من الداخل

أخيراً، كان أمين سينتقد المقال ليس فقط من أجل الدفاع عن الصين، بل أيضاً من أجل نقد النموذج الصيني نفسه. كان سيرى أن الصين تواجه تناقضاً داخلياً عميقاً: كيف يمكن التوفيق بين منطق السوق الرأسمالي (الذي ينتج التفاوت والصراع) والهدف الاشتراكي المعلن (العدالة الاجتماعية).

هذا التناقض يظهر في:

· التفاوت المتزايد بين المناطق الساحلية والداخلية.
· التفاوت بين الطبقات (ازدهار برجوازية جديدة إلى جانب جماهير من العمال المهاجرين).
· الأزمة البيئية الناتجة عن عقود من النمو السريع.
· التوتر بين "الانفتاح" الاقتصادي و"الانغلاق" السياسي.

الصين، في نظر أمين، ليست نموذجاً مثالياً يجب اتباعه، بل هي تجربة تاريخية معقدة، تحمل في أحشائها إمكانيات التحرر وخطر إعادة إنتاج الهيمنة معاً.

الفصل الحادي عشر: الخطاب الغربي عن الصين بين "الخوف من الآخر" و"أزمة الذات"

١١.١ التحليل النفسي-السياسي للخطاب المعادي للصين

الخطاب الغربي عن الصين، كما يتجلى في مقال أرتوس، يمكن قراءته أيضاً من منظور نفسي-سياسي. إنه خطاب يعبر عن "قلق وجودي" أكثر منه تحليل موضوعي.

يمكن تحديد عدة مكونات لهذا القلق:

١. الخوف من فقدان المركزية: الغرب اعتاد لقرون على أن يكون مركز العالم. صعود الصين يعني أن هذه المركزية تنتقل إلى الشرق، وهذا يخلق أزمة هوية.

٢. الخوف من "الآخر" الذي يصبح مشابهاً: الصين لم تعد "الآخر" الغريب البعيد. هي أصبحت منافساً في كل المجالات: اقتصادياً، تكنولوجياً، ثقافياً. هذا القرب يخلق رعباً أكبر من البعد.

٣. الخوف من انكشاف "ازدواجية المعايير": نجاح الصين يظهر أن التطور ممكن دون اتباع وصفات الغرب. هذا يكشف أن "النموذج الغربي" ليس النموذج الوحيد، ولا بالضرورة الأفضل.

٤. الخوف من المستقبل: مع تراجع الهيمنة الغربية، يبرز سؤال: ماذا سيحدث للنظام العالمي؟ هل سيكون صينياً؟ هل سيكون فوضوياً؟ هذا الخوف من المجهول يجد تعبيراً له في خطاب "الخطر الصيني".

١١.٢ كيف كان الغرب يقرأ صعود قوى أخرى عبر التاريخ؟

هذا النمط من الخطاب ليس جديداً. الغرب استخدمه مع قوى صاعدة أخرى عبر التاريخ:

مع اليابان في الثمانينيات: كان الخطاب عن "الخطر الياباني" و"شراء اليابان لأميركا" و"النموذج الياباني" الذي يهدد تفوق الغرب. كتب مثل "The Japan That Can Say No" أثارت هلعاً في الغرب. ثم جاء "العقد الضائع" الياباني ليؤكد للغرب تفوقه.

مع النمور الآسيوية في التسعينيات: كوريا، تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ. الخطاب كان عن "معجزة شرق آسيا" التي تهدد النموذج الغربي. ثم جاءت الأزمة المالية الآسيوية ١٩٩٧ لتؤكد "هشاشة" هذا النموذج.

مع ألمانيا الموحدة في التسعينيات: كان هناك قلق أوروبي من "ألمانيا الكبرى" التي قد تهيمن على أوروبا. هذا القلق لم يختف تماماً حتى اليوم.

ما نراه اليوم مع الصين هو تكرار لهذا النمط، لكن على نطاق أوسع، لأن الصين أكبر بكثير من أي قوة صاعدة سابقة، ولأنها تختلف ثقافياً وسياسياً عن الغرب بشكل أعمق.

١١.٣ الفرق بين "القيادة" و"الهيمنة": معركة المفاهيم

التمييز بين "القيادة" و"الهيمنة" هو تمييز سياسي بامتياز. القيادة تفترض شرعية وقبولاً من الآخرين. الهيمنة تفترض فرضاً وإكراهاً.

الغرب يرى نفسه "قائداً" للعالم، حتى عندما يفرض إرادته على الآخرين. الصين، عندما تمد نفوذها، تُتهم بـ"الهيمنة".

لكن من يحدد الفرق؟ من يملك حق تسمية الأفعال؟ هذه هي معركة "السلطة الرمزية" التي يتحدث عنها بيير بورديو. السيطرة على اللغة والمفاهيم هي جزء أساسي من الصراع على الهيمنة.

ما يفعله أرتوس، ربما دون وعي، هو إعادة إنتاج هذه السلطة الرمزية للغرب: الغرب "يقود"، الصين "تهيمن". الغرب "يحمي مصالحه"، الصين "تشن غزواً". الغرب "يدافع عن قيمه"، الصين "تفرض نموذجها".

١١.٤ إسقاط أزمة الذات على الآخر

أحد آليات الدفاع النفسي المعروفة هو "الإسقاط": ننسب للآخر ما نخشاه في أنفسنا. في الخطاب الغربي عن الصين، نرى إسقاطاً واضحاً:

· الغرب يتهم الصين بـ"الهيمنة"، وهو نفسه مارس الهيمنة لقرون وما زال يمارسها.
· الغرب يتهم الصين بـ"نقص الديمقراطية"، وهو نفسه يعاني من أزمة ديمقراطية عميقة.
· الغرب يتهم الصين بـ"انتهاك حقوق الإنسان"، وهو نفسه له سجل طويل من الانتهاكات داخل وخارج حدوده.
· الغرب يتهم الصين بـ"الاستغلال"، وهو نفسه باني النظام الاستغلالي العالمي.

هذا الإسقاط يسمح للغرب بتجنب مواجهة أزماته الداخلية. بدلاً من السؤال: لماذا تتراجع صناعتنا؟ لماذا يتزايد التفاوت لدينا؟ لماذا تفقد ديمقراطياتنا مصداقيتها؟ يصب الغرب غضبه على الصين، كأنها سبب كل مشاكله.

الفصل الثاني عشر: أوروبا في مرآة الصين - الدروس الممكنة والتحولات الضرورية

١٢.١ ماذا يمكن أن تتعلم أوروبا من الصين؟

في خاتمة مقاله، يدعو أرتوس أوروبا إلى زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، ومراقبة القروض الصينية. هذه دعوة دفاعية، تبحث عن "حماية" من الصين. لكن ماذا لو قلبت السؤال: ماذا يمكن أن تتعلم أوروبا من الصين؟

١. الاستثمار في المستقبل: الصين تستثمر بكثافة في البحث والتطوير، وفي البنية التحتية، وفي التعليم. أوروبا، بالمقارنة، تعاني من تقشف مزمن في هذه المجالات.

٢. التخطيط الاستراتيجي: الصين تمارس تخطيطاً استراتيجياً طويل المدى (خطط خمسية، رؤية ٢٠٤٩، ٢٠٥٠). أوروبا تعاني من رؤية قصيرة المدى، تهيمن عليها الدورات الانتخابية.

٣. السيادة التكنولوجية: الصين تبني سيادتها التكنولوجية خطوة بخطوة. أوروبا تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الأميركية، خاصة في المجالات الاستراتيجية (الإنترنت، الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات).

٤. القدرة على اتخاذ قرارات صعبة: الصين قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية صعبة (مثل سياسة الطفل الواحد سابقاً، أو التحول إلى الطاقة النظيفة حالياً). أوروبا غالباً ما تشلّها الخلافات الداخلية والضغوط الانتخابية.

هذه الدروس لا تعني "تقليد" النموذج الصيني، بل استلهام بعض جوانبه بما يتناسب مع السياق الأوروبي.

١٢.٢ أوروبا والصين: شراكة استراتيجية ممكنة؟

بدلاً من خطاب "التهديد" و"الهيمنة"، يمكن بناء رؤية مختلفة للعلاقة بين أوروبا والصين:

في المجال الاقتصادي: التكامل وليس التنافس. أوروبا لديها تكنولوجيا متقدمة في مجالات معينة، والصين لديها سوق ضخمة وقدرة تصنيعية هائلة. التكامل بينهما يمكن أن ينتج قيمة مضافة للطرفين.

في المجال البيئي: التعاون ضروري لمواجهة التحدي المناخي. الصين وأوروبا هما أكبر لاعبين في مجال الطاقة النظيفة. تعاونهما يمكن أن يسرع التحول العالمي.

في المجال الجيوسياسي: أوروبا تحتاج إلى توازن بين الولايات المتحدة والصين. التبعية الكاملة لواشنطن ليست في مصلحة أوروبا، كما أن القطيعة مع الصين ستكون كارثية اقتصادياً.

هذه الرؤية تتطلب من أوروبا أن تنضج سياسياً، وأن تطور رؤية مستقلة لمصالحها، لا أن تكتفي بترديد الخطاب الأميركي عن "الخطر الصيني".

١٢.٣ مأزق الليبرالية الأوروبية أمام الصين

أوروبا تعيش مأزقاً حقيقياً أمام الصين. فهي من جهة:

· تريد الاستفادة من السوق الصينية والاستثمارات الصينية.
· تريد الحفاظ على قيمها "الليبرالية" و"الديمقراطية".
· تخشى من فقدان التفوق التكنولوجي.
· تخشى من التبعية للصين في قطاعات استراتيجية.

هذا المأزق ينتج خطاباً متناقضاً، يتأرجح بين "الانفتاح" و"الحماية"، بين "الشراكة" و"المواجهة". مقالات مثل مقال أرتوس تعبر عن هذا المأزق: هي تحاول أن تكون "موضوعية" و"تحليلية"، لكنها تقع في فخ "القلق" و"الخوف".

الفصل الثالث عشر: خاتمة - ما بعد "الهيمنة": نحو عالم متعدد الأقطاب حقاً

١٣.١ ملخص التحليل

حللنا في هذه المقالة الموسعة مقال باتريك أرتوس من عدة زوايا:

من حيث البنية: يبني مقاله على ثنائية "العلن/الخفاء"، ويستخدم معجم الخطر والتهديد، ويسقط السياق التاريخي والمقارن.

من حيث الموقع الفكري: ينتمي أرتوس إلى "الليبراليين القلقين"، الذين يرون في الصين تحدياً للنظام العالمي الذي يفضلونه.

من حيث المنهج: يعتمد على بيانات دقيقة، لكنه يضعها في إطار تفسيري أحادي، يتجاهل تعقيدات الظاهرة.

من حيث اللغة: يعيد إنتاج "مركزية الغرب" التي ترى في أفعال الآخرين "هيمنة" وفي أفعال الغرب "قيادة".

١٣.٢ ما تخفيه "الهيمنة" وما تظهره

ما يسميه أرتوس "هيمنة" هو في الحقيقة:

· صعود طبيعي لقوة كبرى بعد عقود من التهميش.
· محاولة للخروج من "التبادل غير المتكافئ" الذي فرضه الغرب.
· تنويع عقلاني للاستثمارات بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية.
· استثمار في قطاعات المستقبل لضمان موقع متقدم في الاقتصاد العالمي.

ما يخفيه خطاب "الهيمنة" هو:

· الهيمنة الغربية المستمرة عبر المؤسسات المالية الدولية.
· الازدواجية في المعايير بين "ما يفعله الغرب" و"ما يفعله الآخرون".
· أزمة النموذج الغربي الذي يعجز عن التعامل مع صعود الآخرين.
· الخوف من فقدان الامتيازات التاريخية.

١٣.٣ ما بعد "مركزية الغرب": نحو وعي جديد

الدرس الأعمق من هذه القراءة هو ضرورة تجاوز "مركزية الغرب" في تحليل العلاقات الدولية. هذا لا يعني تبني "مركزية صينية" بديلة، بل تطوير وعي "متعدد المراكز" حقاً.

الوعي متعدد المراكز يعني:

· الاعتراف بأن هناك مراكز متعددة للحضارة والتاريخ والفكر.
· الاعتراف بأن كل مركز له مشروعيته ومنظوره.
· الاعتراف بأن مستقبل البشرية يعتمد على قدرة هذه المراكز على التعاون، وليس على صراعها للهيمنة.

١٣.٤ دور الجنوب العالمي في النظام الجديد

في هذا النظام متعدد المراكز، يبرز سؤال: ما دور الجنوب العالمي؟ الدول التي كانت لفترة طويلة مجرد "أطراف" في النظام العالمي، كيف يمكنها أن تجد موقعاً لها في المستقبل؟

الجواب، من منظور مدرسة التبعية، هو: عبر بناء تحالفات جنوب-جنوب حقيقية، لا تخضع لمنطق "مركزية" جديدة. الصين يمكن أن تكون حليفاً في هذا المسار، لكنها لا يمكن أن تكون "قائدة" بالمعنى التقليدي. القيادة الحقيقية هي التي تمكن الآخرين من قيادة أنفسهم.

١٣.٥ خاتمة: الهيمنة كأزمة وليست كحل

ما يكشفه مقال أرتوس، في التحليل الأخير، هو أن "الهيمنة" أصبحت أزمة أكثر منها حلاً. محاولة الغرب التمسك بهيمنته تنتج صراعات وأزمات، ولا تنتج استقراراً. محاولة الصين بناء "هيمنة" جديدة، إن كانت هدفاً حقيقياً، ستنتج نفس النتائج.

الطريق إلى الأمام ليس في "الهيمنة" بأشكالها المختلفة، بل في تجاوز منطق الهيمنة نفسه. هذا يتطلب:

· بناء نظام عالمي متعدد المراكز حقاً.
· إصلاح جذري للمؤسسات المالية الدولية.
· احترام التنوع الحضاري والسياسي.
· التعاون في مواجهة التحديات المشتركة (المناخ، الأوبئة، الفقر).

هل هذا ممكن؟ لا أحد يعرف. لكنه، على الأقل، ممكن أكثر من عالم تهيمن فيه قوة واحدة، أو تتصارع فيه قوى كبرى على تقسيم النفوذ.

ما نعرفه يقيناً هو أن خطاب "الخطر الصيني"، الذي يمثله مقال أرتوس، لا يساعد في بناء هذا المستقبل. هو يعيد إنتاج الصراعات القديمة، ويغذي المخاوف، ويحجب التحديات الحقيقية التي تواجه البشرية جمعاء.

---

ملاحق

ملحق ١: نقد ذاتي - حدود هذه القراءة

لا بد من الإشارة إلى حدود هذه القراءة:

١. الموقعية: هذه القراءة نفسها ليست "محايدة". هي مكتوبة من منظور متعاطف مع مدرسة التبعية، ومنتقد لـ"مركزية الغرب". القارئ المنتمي إلى تيارات فكرية أخرى قد يقدم قراءات مختلفة.

٢. التعميم: هناك خطر التعميم المفرط في تصنيف "الخطاب الغربي". الغرب ليس كتلة واحدة، وفيه أصوات نقدية كثيرة تختلف مع تحليل أرتوس.

٣. التبسيط: تحليل مقال واحد لا يكفي لفهم ظاهرة معقدة مثل العلاقات الدولية. هو مجرد مساهمة متواضعة في نقاش أوسع.

٤. المستقبل المفتوح: كل التحليلات تخضع للتغيير مع تطور الأحداث. ما نكتبه اليوم قد تحتاج غداً إلى مراجعة.

ملحق ٢: مراجع للاستزادة

بالعربية:

· سمير أمين، "التراكم على نطاق عالمي"
· سمير أمين، "الإمبريالية والتطور غير المتساوي"
· سمير أمين، "رأس المال في عصر العولمة"

بالفرنسية:

· Samir Amin, "L Empire du chaos"
· Samir Amin, "Les défis de la mondialisation"
· Patrick Artus, "La Chine"

بالإنكليزية:

· Immanuel Wallerstein, "World-Systems Analysis"
· Andre Gunder Frank, "Capitalism and Underdevelopment in Latin America"
· Giovanni Arrighi, "Adam Smith in Beijing"

ملحق ٣: مسرد بالمفاهيم الأساسية

التبعية (Dependency): وضع تتحدد فيه اقتصاديات مجموعة من البلدان بتطور وتوسع اقتصاديات بلدان أخرى.

التبادل غير المتكافئ (Unequal Exchange): آلية يتم من خلالها نقل فائض القيمة من الأطراف إلى المركز عبر التجارة غير المتكافئة.

التراكم على نطاق عالمي (Accumulation on a World Scale): عملية تراكم رأس المال باعتبارها عملية عالمية متكاملة، وليست مجرد مجموع عمليات وطنية.

المركز والأطراف (Core and Periphery): تقسيم العالم إلى مناطق مهيمنة (مركز) ومناطق خاضعة (أطراف) ضمن النظام الرأسمالي العالمي.

الأطراف شبه الهامشية (Semi-periphery): مناطق تقع في موقع وسط بين المركز والأطراف، وتتميز بديناميكية صعود وهبوط.

الإمبريالية الجديدة (New Imperialism): أشكال جديدة من السيطرة الإمبريالية تقوم على السيطرة المالية والتكنولوجية أكثر من السيطرة العسكرية المباشرة.

مركزية الغرب (Eurocentrism): رؤية للتاريخ والعالم تضع أوروبا والغرب كمركز للتاريخ ومعيار للحضارة.

فخ الديون (Debt Trap): فكرة أن الدائنين يستخدمون الديون كأداة للضغط السياسي والاستيلاء على أصول المدينين.

……

تمت

هذا المقال يحاول أن يكون مساهمة متواضعة في تفكيك خطاب "الخطر الصيني" الذي يهيمن على الكثير من التحليلات الغربية. ليس الهدف منه "الدفاع" عن الصين، بل "تفكيك" الإطار الذي تُقرأ من خلاله الظواهر. النقد الحقيقي يبدأ عندما نستطيع أن نرى كيف تشكل رؤانا، قبل أن ننظر إلى ما تراه تلك الرؤى.


…….

المادة الساخرة :


الهيمنة... نزعة المركز أم طموح الطرف؟!

تفكيك السردية الغربية عن "الخطر الصيني": قراءة في هستيريا استعمارية متقاعدة

نحن... و"هم"... والبقية تأتي

مقدمة: عندما يتحول القلق الوجودي إلى "تحليل اقتصادي"

في صباح يوم عادي من شهر فبراير ٢٠٢٦، وبينما كان المواطن الغربي الفخور يتجرع قهوته الصباحية، فتح مجلة "لو بوان" الفرنسية ليصدم بعنوان يقطر رعباً وجودياً: "استراتيجية الصين غير المعروفة على نطاق واسع للهيمنة على العالم" .

يا للرعب! "استراتيجية" تعني مؤامرة! "غير معروفة" تعني أنهم يخبئون لنا شيئاً في الظل! "الهيمنة على العالم" تعني أن الصينيين قادمون ليأكلوا معجناتنا ويشربوا نبيذنا!

هذا المقال ليس تحليلاً اقتصادياً بالمعنى الدقيق. إنه بكائية متحضرة، ونحيب أرستقراطي على أمجاد ولت. إنه ذلك الشعور المزعج الذي ينتاب "سيد العالم" السابق عندما يكتشف أن خدمه السابقين لم يعد بإمكانهم أن يخدموه، بل ويجرؤون على بناء قصور لأنفسهم!

يقول باتريك أرتوس، الاقتصادي الفذ، في مقاله: "نحن نعرف استراتيجية الصين لزيادة حصتها في الإنتاج الصناعي العالمي... لكننا نعرف أقل الجانب الثاني من استراتيجية بكين للهيمنة: استخدام فوائضها التجارية الضخمة لإقراض الصناعات الاستراتيجية...".

لنلاحظ البراءة الطفولية في عبارة "نحن نعرف... لكننا نعرف أقل". إنه اعتراف ضمني بأن الغرب كان متفرجاً يتفرج على مسرحية "نهضة الصين" من الصف الأول، لكنه الآن يتظاهر بالدهشة عندما تطلب البطلة أجرها! أيها السادة، هذه الدهشة المتأخرة لا تشرف أطفالاً اكتشفوا أن اللعبة التي كانوا يلعبونها مع الصين كانت بلا قواعد، والآن وقد تعلمت الصين القواعد وأصبحت تلعبها بمهارة، تسمونها "هيمنة"؟!

باتريك أرتوس... أو عندما يبكي الذئب على خروفه الضائع!

١.١ براءة المفترس... عندما تصبح التجارة "غزواً"!

يقدم أرتوس مقالته كما لو كان يرفع الستار عن مؤامرة كونية. إنه يريد أن يخبرنا أن الصين لديها فائض تجاري! نعم، أيها العالم، الصين تبيع أكثر مما تشتري. هذا هو الخبر المدوي!

ثم ينتقل إلى الجريمة الكبرى: الصين تستخدم فوائضها لإقراض العالم! تخيلوا حجم الوقاحة! أن تأتي دولة وتقول: "لدينا مال، ومن يرد الاقتراض فليأتِ". أليست هذه وقاحة لا تُغتفر في عالم اعتاد أن يكون الغرب فيه هو المُقرض الوحيد، بشروطه التي تمليها مؤسسات "الخير العالمية" مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟!

ثم تأتي المفاجأة الكبرى التي لا يذكرها أرتوس، لكنها تتسرب من بين سطوره: الولايات المتحدة هي أكبر متلقٍ لهذه القروض الصينية! نعم، سيد أرتوس، العم سام نفسه، القطب الوحيد، أقوى دولة في التاريخ، يقترض من الصين! هذه ليست هيمنة صينية، هذا هو انهيار الأعصاب الغربي على طاولة المفاوضات!

١.٢ لغة المقال: عندما يصبح المعجم الاقتصادي قاموساً حربياً!

لنتأمل في "براءة" اختيارات أرتوس اللغوية:

· "الهيمنة": كلمة جميلة، كانت تستخدم لوصف أفعال الغرب على مر القرون، لكنها كانت تسمى حينها "تحضير" أو "تمدن" أو "حمل الصليب". الآن، وبعد أن انتقلت إلى الشرق، أصبحت "هيمنة" بكل ما تحمله الكلمة من بشاعة.
· "الغزو" المالي: جميل! لأن الغزو العسكري الغربي لمدة ٥٠٠ عام كان مجرد "حروب تحريرية". وعندما تبني الصين جسراً أو ميناء، فهذا غزو!
· "الاستراتيجية الخفية": وكأن الصين هي النينجا المختبئ في الظل. كل ما تفعله الصين شفاف ومنشور. المشكلة أن الغرب اعتاد على أن يكون هو من يضع القواعد ويتحكم في اللعبة. وعندما يجد أن هناك لاعباً جديداً لا يتبع القواعد القديمة، يصرخ: "هذه خيانة!"

١.٣ ما لا يقوله المقال: ثقوب سوداء في تحليل ناصع البياض!

السيد أرتوس ينسى، أو يتناسى، بعض التفاصيل الصغيرة جداً:

· السياق التاريخي: نعم، الصين اليوم تقرض العالم. لكن منذ ١٨٠ عاماً، كانت بريطانيا تغزو الصين لتجبرها على استيراد الأفيون! كان ذلك يسمى "التجارة الحرة". الآن، عندما تبيع الصين بطاريات سيارات، تسمى "هيمنة". ما أجملك أيتها الازدواجية!
· المقارنة العادلة: أين كان تحليل السيد أرتوس عندما كان صندوق النقد الدولي يملي على الدول الأفريقية شروطاً تستعبدها لعقود؟ لماذا تسمى قروض الصين "فخ ديون" بينما تسمى قروض الغرب "مساعدات إنمائية"؟ هل لأن الأول يأتي مع جسور وموانئ، بينما الثاني يأتي مع وعاظ بالديمقراطية وحقوق الإنسان وبنادق؟
· التناقض الصارخ: السيد أرتوس يعترف بأن الصين خفضت حيازتها من سندات الخزانة الأميركية. وهذا يعني أن الصين تقول لأميركا: "لم نعد نرغب في تمويل رفاهيتكم بعد الآن". فهل كان على الصين أن تستمر في تمويل العجز الأميركي إلى الأبد؟ أم أن هذا هو تعريف "العلاقة الصحية" في نظر الغرب: أن تعمل الصين بينما ننعم نحن نحن بالعيش؟


الخطر الأصفر... يعود بثوب جديد!

السيد أرتوس ينتمي إلى عائلة فكرية عريقة: عائلة "الليبراليين القلقين". هم ليسوا متطرفين مثل ستيف بانون الذي يرى في كل صيني "جندياً في جيش الشيطان"، لكنهم يشبهون ذلك الجار الذي يشتكي دائماً من أن حديقتك أجمل من حديقته، دون أن يعترف بأنه لم يسقِ حديقته منذ سنوات!

هؤلاء القوم يرون في نجاح الصين "إهانة شخصية". إنهم لا يستطيعون تقبل فكرة أن هناك من ينجح خارج "النموذج الغربي" المقدس. إنها صدمة نفسية حادة: "كيف لهذا الآسيوي أن ينجح وأنا، الأوروبي الأبيض المتطور، أعاني من البطالة؟!"

مدرسة التبعية... أو عندما يكتشف العالم أن الشمس تشرق من الشرق أيضاً!

لنتحدث بجدية، أو بسخرية من الجدية. تقول مدرسة التبعية إن الغرب لم يتطور في فراغ. لقد تطور على حساب الآخرين. عندما كانت بريطانيا تبني مصانعها، كانت الهند تنسج الأقمشة التي تباع في لندن، لكن الأرباح كانت تذهب إلى لندن. كان هذا يسمى "التبادل غير المتكافئ".

الآن، تفعل الصين الشيء نفسه، لكن مع فارق صغير: الصين تبني مصانعها داخل الصين، وأرباحها تبقى في الصين، وتقرض العالم بشروطه هو. يا للفظاعة! كيف تجرؤ هذه الدولة على أن تفعل بنا ما كنا نفعله بالعالم لقرون؟!

ما يقوله سمير أمين، لو كان حياً، هو: "يا جماعة الخير، استيقظوا. الرجل يبكي لأن اللعبة انقلبت عليه. الصين لا تخلق نظاماً عالمياً جديداً، هي فقط تطبق قواعد اللعبة القديمة، لكن من الجانب الآخر من الطاولة. والمشكلة أن الجانب الآخر من الطاولة لم يعد خاوياً!"


أوروبا... العجوز التي تخشى المرآة!

السيد أرتوس يدعو أوروبا إلى "زيادة الإنفاق على البحث والتطوير" و"مراقبة القروض الصينية". هذا مثل عجوز تخشى النظر في المرآة، فتقرر أن تغطيتها بالكامل هو الحل.

أوروبا، يا سيد أرتوس، لا تحتاج إلى حماية من الصين بقدر ما تحتاج إلى حماية من كسلها. عندما كانت أوروبا تبتكر، كانت هي التي تقرض العالم. وعندما توقفت عن الابتكار، بدأت تخشى من يبتكر.

الصين لا تهدد أوروبا. الصين تقدم لأوروبا درساً مجانياً في "كيف تبني مستقبلك". الصين تستثمر في البحث لأنها تؤمن بأن المعرفة هي القوة. أوروبا، للأسف، أصبحت تؤمن بأن "التراث" هو القوة، فبقيت تحرس متاحفها بينما الصين تبني مختبراتها.

الخلاصة: "الهيمنة"... صرخة ألم من مفترس يتقاعد!

ما نراه في مقالات مثل مقال أرتوس ليس تحليلاً، بل هو صرخة ألم من إمبراطورية تترنح. إنه بكاء الأسد المريض الذي يرى الضباع تقترب، لكنه ينسى أنه قضى عمره يفترس الضباع نفسها.

الصين لا "تهيمن" على العالم. الصين تستعيد موقعها الطبيعي في العالم. كانت الصين أكبر اقتصاد في العالم لمعظم التاريخ البشري، ثم جاء الاستعمار الغربي وقلب الطاولة. الآن، تعيد الصين الطاولة إلى مكانها، والغرب يصرخ لأن أطباقه أصبحت على الأرض.

المشكلة ليست في "الخطر الصيني". المشكلة في "الذنب الغربي" الذي لم يُعالج. الغرب يشعر بالذنب لأنه يعرف أنه بنى ثروته على خراب الآخرين، وعندما يرى آخرين يبنون ثرواتهم بطريقة "مشروعة" (وفقاً لقواعده هو)، يشعر بأن هذا "غير عادل"!

في النهاية، يمكننا أن نقول للسيد أرتوس: اهدأ يا صديقي. العالم يتغير. إما أن تتعلم السباحة في النهر الجديد، أو ستقف على الشاطئ تبكي على الأيام الخوالي. الصين لا تسرق مستقبلك، أنت من تبيع مستقبلك عندما ترفض تجديد أدواتك.

وتذكّر دائماً: عندما كان أجدادك يجوبون البحار ليستعبدوا الشعوب، كان أجداد الصينيين يخترعون الورق والبارود. الفرق أن أجدادك استخدموا البارود لقتل الناس، بينما استخدمه الصينيون للألعاب النارية. الآن، وبعد أن أصبح البارود "استراتيجياً"، تتفاجأ بأن الصينيين يعرفون كيف يصنعونه أيضاً؟!

تمت... مع تحيات: ضحكة تاريخية لا تموت!

……..



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب ...
- كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب ...
- دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
- أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون ...
- بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة ...
- عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال ...
- من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت ...
- -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة ...
- إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال ...
- العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم ...
- إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين ...
- سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
- الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ ...
- افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
- افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم
- الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إِيرَانُ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ بَيْن ...
- تمهيد في تفكيك البنى الخطابية الوهابية للهيمنة المعاصرة في م ...
- ما وراء واجهةدي ويفر -رئيس الجميع-: تفكيك الخطاب النيوليبرال ...
- تأملات في التشكل الإبيستيني للنظام الصهيوني وأسطورة السيادة ...
- الجزر المعتمة: جغرافيا التعذيب في خدمة الإمبريالية المعاصرة


المزيد.....




- بزشكيان يؤكد استعداد إيران لـ-أي سيناريو- وسط الحشد العسكري ...
- أزمة خرائط حول الحدود تشتعل بين العراق والكويت.. إلى أين تتج ...
- تهديد أمريكي ورد إيراني حاد.. حرب تصريحات مفتوحة
- بين النار والماء.. فلسفة التطهر في فكر الحكماء
- ممداني يغلق شبكة مواصلات نيويورك استعدادا لعاصفة ثلجية كبرى ...
- مهرجان برلين.. مخرج فلسطيني يتهم ألمانيا بالمساهمة في إبادة ...
- -الحلو مر-.. أول إفطار جماعي في شوارع الخرطوم منذ الحرب
- -أيام الله- يستعرض فقه الدعاء من قلب غزة الأبية
- على بعد أسبوع واحد.. هل هي ذريعة أمريكية جديدة لضرب إيران؟
- -مائدة المدينة المنورة- ترياق للإنسانية المنهكة


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي