|
|
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد من رحم الصواريخ والديون
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 18:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: لحظة التحول الكبرى
في خضم المتغيرات الكبرى التي تعصف بغرب آسيا، حيث تتداخل خيوط الجغرافيا مع مسارات التاريخ، وتتصارع إرادات الأمم مع مشاريع الهيمنة الخارجية، يطل مشهد استراتيجي جديد يعلن عن أفول عصر وولادة عصر. إنها لحظة تأمل عميق في تحولات القوى، حيث لم تعد المعادلات القديمة صالحة للقراءة، ولم تعد أدوات الردع التقليدية مجدية. على مساحة شاسعة تمتد لتوازي ثلاثاً من كبرى الدول الأوروبية، توزع حضور استراتيجي متكامل، ليصنع واقعاً جديداً يشتت العقل الإمبراطوري ويستنزف طاقاته. هنا، في هذه البقعة المتوهجة من العالم، تُكتب فصول نهاية الهيمنة المطلقة، وتُعلن ولادة نظام إقليمي جديد تتشكل ملامحه على وقع الصواريخ والمسيرات، وتتحدد مساراته بحتميات الجغرافيا وإرادات الشعوب.
ليس ما نشهده مجرد صراع عابر أو حرب بالوكالة من حروب الشرق الأوسط المعتادة. إنه لحظة تاريخية فارقة، تشبه في دلالتها تلك اللحظات التي سبقت انهيار الإمبراطوريات العظمى، حين تتراكم التناقضات الداخلية وتتفاقم الضغوط الخارجية حتى يبلغ الكيل مداه. إنها لحظة تضع حداً لمرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، مرحلة طال فيها الظلم واستطال فيها الاستكبار، مرحلة عاشت فيها الأمة العربية والإسلامية تحت وطأة مشاريع التفتيت والهيمنة، من سايكس بيكو إلى كامب ديفيد، ومن احتلال العراق إلى صفقة القرن.
في هذه المادة الصحفية ، نسعى إلى قراءة المشهد قراءة تحليلية عميقة، تستند إلى نظريات كبرى في علم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية، وإلى فهم دقيق لتوازنات القوى المتغيرة على الأرض. سنحاول أن نكشف النقاب عن الخيوط الخفية التي تربط ما يحدث في غزة بما يحدث في واشنطن، وما يجري في بيروت بما يجري في طهران، لنرسم صورة متكاملة لتحول جيوسياسي كبير تعيشه منطقتنا، ولبواكر نظام عالمي جديد تتشكل ملامحه على أنقاض النظام القديم.
في البدء كان الجغرافيا: الانتشار الاستراتيجي وإرباك العقل الإمبراطوري
تقول الحكمة الصينية القديمة: "إن أردت نصراً لا يهزم، فلا تعتمد على قوة جيوشك وحدها، بل اجعل من جغرافية عدوك حليفاً لك". هذه الحكمة تتجلى اليوم بأبهى صورها في غرب آسيا، حيث توزعت القدرات العسكرية وغير العسكرية على مساحة شاسعة، تمتد من شواطئ المتوسط إلى أعماق الخليج، ومن ربوع الشام إلى ثغور اليمن.
لنتأمل هذه المساحة قليلاً. إنها تمتد على رقعة جغرافية تزيد مساحتها عن مجموع مساحات فرنسا وبريطانيا وألمانيا مجتمعة. فرنسا، ذلك البلد الذي كان يوماً قلب أوروبا النابض، وبريطانيا، التي لا تغيب الشمس عن إمبراطوريتها السابقة، وألمانيا، القوة الاقتصادية العظمى في القارة العجوز، ثلاث دول تشكل بمجموعها ثقلاً سياسياً واقتصادياً هائلاً، ومع ذلك فإن مساحتها مجتمعة تقل عن مساحة الانتشار الاستراتيجي لقوى المقاومة في غرب آسيا.
هذه الجغرافيا المترامية الأطراف تتحول اليوم إلى كمين استراتيجي محكم للعقل الإمبراطوري الأمريكي. فالعقل الإمبراطوري، بطبعه، يعشق الحسم السريع، يريد ضربات خاطفة تردع الأعداء وتخضعهم لإرادته. إنه عقل مولع بالمشاريع الكبرى التي تنجز في سنوات قليلة، كما حدث مع غزو العراق في 2003، أو كما حدث مع مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي أعلن عنه جورج بوش الابن. لكن هذا العقل يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف تماماً: أمام جغرافية لا تُقهر، وأمام شعب ممتد في الزمان والمكان، وأمام قدرات موزعة تظهر هنا وتختفي هناك، تارة في لبنان وتارة في فلسطين وتارة في اليمن.
هذا التوزع الاستراتيجي للقدرات، هذه الشبكة المترابطة من الجبهات، تخلق حالة فريدة من "الشتات الإمبراطوري"، حيث يصبح العقل الفاشي الأمريكي مشتتاً بين جبهات متعددة، غير قادر على التركيز على جبهة واحدة وحسمها. كلما وجه ضربته إلى نقطة، تفاجأ بنيران تأتي من نقطة أخرى. كلما ظن أنه اقترب من النصر في غزة، أتاه الصوت من لبنان. كلما حاول تهدئة الجبهة اللبنانية، انفجر الوضع في الضفة. كلما راهن على تهدئة الضفة، تفجرت الأوضاع في العراق.
الاستنزاف الإمبراطوري: كيف تتحول الجغرافيا إلى فخ
إنها معادلة استنزاف مزدوجة: استنزاف للقدرات العسكرية، واستنزاف للقدرات الاقتصادية، والأخطر من ذلك كله، استنزاف للقدرات المعنوية والنفسية. فالإمبراطورية الأمريكية، التي تعودت على الانتصارات السريعة والحاسمة، تجد نفسها اليوم غارقة في مستنقع غرب آسيا، تماماً كما غرقت الإمبراطورية السوفيتية في مستنقع أفغانستان قبل عقود.
لنتأمل بعض الأرقام: تكلفة الحرب على الإرهاب التي شنتها أمريكا بعد 11 سبتمبر تجاوزت 8 تريليونات دولار، وخلفت أكثر من 900 ألف قتيل في العراق وأفغانستان وباكستان وسوريا واليمن. ومع ذلك، فإن النتيجة النهائية لهذه الحرب كانت فشلاً ذريعاً: طالبان عادت إلى حكم أفغانستان، والنفوذ الإيراني توسع في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقوى المقاومة أصبحت اليوم أقوى مما كانت عليه قبل عقدين.
هذه المعطيات تضعنا أمام مفارقة تاريخية كبرى: فبينما تسعى الإمبراطورية إلى بسط سيطرتها على الفضاءات، تصبح هذه الفضاءات ذاتها هي الفخ الذي يستنزفها. إنها عودة إلى نظرية "الإمبراطوريات المترامية الأطراف" التي درسها المؤرخون لعصور مضت، حيث كانت الإمبراطوريات التي تمتد على مساحات شاسعة تواجه دائماً صعوبات جمة في السيطرة عليها وفي الدفاع عنها، وتنتهي في النهاية إلى الانهيار تحت وطأة اتساعها ذاته.
هذه النظرية تنطبق تماماً على الإمبراطورية الأمريكية اليوم. فبعد عقود من التوسع العسكري في غرب آسيا، بعد عشرات القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج والعراق وأفغانستان وقطر والبحرين والكويت والسعودية وتركيا، بعد مئات آلاف الجنود الذين مروا من هذه المنطقة، تجد أمريكا نفسها اليوم عاجزة عن تحقيق أهدافها، مستنزفة الطاقات، مشتتة الاهتمامات. إنها تعيش لحظة أفول نظرية "المركز" المهيمن، وإعادة إنتاجها بشكل مقلوب، حيث تصبح الأطراف الممتدة هي المركز الحقيقي للقرار.
قراءة نظرية: عندما يصبح المركز تابعاً للأطراف
هنا يأتي دور التحليل النظري العميق لفهم هذه الظاهرة. ففي سياق تطور نظريات العلاقات الدولية، ظهرت مدرسة فكرية مهمة قلبت المفاهيم التقليدية رأساً على عقب. تقوم هذه المدرسة على فكرة أن التخلف في الأطراف ليس مجرد حالة عابرة أو تأخراً تاريخياً يمكن تداركه، بل هو نتاج طبيعي لعمل النظام الرأسمالي العالمي نفسه. فالمركز المتقدم (الدول الصناعية الكبرى) لا يمكنه أن يتقدم إلا من خلال استغلال الأطراف المتخلفة، عبر آليات التبادل التجاري غير المتكافئ، ونقل القيمة الفائضة، وفرض شروط التبعية الاقتصادية والسياسية.
هذه القراءة النظرية كانت تعني، في صيغتها الكلاسيكية، أن الأطراف محكوم عليها بالتبعية والضعف، وأن أي محاولة للخروج من هذه الدائرة تصطدم بجدار المركز المنيع. لكن ما نشهده اليوم في غرب آسيا يقدم صورة معكوسة تماماً لهذه النظرية. إنه يقدم نموذجاً لانعكاس الأدوار، حيث تصبح الأطراف (قوى المقاومة في غرب آسيا) قادرة على استنزاف المركز (الإمبراطورية الأمريكية) وإرهاقه وإجباره على التراجع.
هذا الانعكاس لم يحدث صدفة، ولم ينتج عن مجرد تراكم عسكري، بل هو نتاج وعي عميق بآليات عمل الإمبراطورية، وفهم دقيق لنقاط ضعفها، واستراتيجية واضحة لاستغلال هذه النقاط. إنه نموذج جديد للمقاومة، لا يعتمد فقط على المواجهة المباشرة، بل على استراتيجية متكاملة تشمل: الانتشار الجغرافي الذكي، والاستنزاف التدريجي، وبناء قوة مجتمعية لا تقهر، وخلق حالة من التضامن الإقليمي، واستثمار التناقضات الداخلية للعدو.
هذه الاستراتيجية وضعت العقل الإمبراطوري الأمريكي في حيرة بالغة. فكلما حاول حسم معركة، فتحت أمامه جبهة جديدة. كلما ظن أنه اقترب من النصر، تبين له أن النصر سراب. كلما راهن على الإنهاك السريع للخصم، وجد نفسه هو المنهك.
ترامب يحاول التواصل: قصة رفض لم تكتمل
في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز قصة غير مكتملة تعكس حجم التحول في موازين القوى. فمع صعود دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية، ومع إدراكه العميق لطبيعة اللعبة الكبرى في غرب آسيا، حاول هذا الرئيس الذي يتسم بالغرابة وعدم التقليدية أن يفتح قنوات تواصل مع إيران عبر وسطاء.
ترامب، الذي ورث حروباً لا نهاية لها في أفغانستان والعراق وسوريا، والذي أدرك أن تكلفة هذه الحروب تفوق بكثير أي عائد محتمل منها، حاول أن يجد مخرجاً من هذا المستنقع. كان يعتقد، ربما بسذاجته المعتادة، أنه قادر على عقد صفقة كبرى مع إيران، صفقة تشبه الصفقات العقارية التي اعتاد عقدها في نيويورك: أنتم تتنازلون عن بعض طموحاتكم، ونحن نتنازل عن بعض مطالبنا، وينتهي الأمر بصفقة مربحة للجميع.
لكن الرد الإيراني كان قاطعاً، حاسماً، لا يقبل التأويل. كان رفضاً صريحاً لأي تفاوض تحت أي وساطة. لم يكن هذا الرفض نابعاً من غرور أو تعنت، بل من قناعة راسخة بأن اللحظة التاريخية قد حانت لطي صفحة الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا، ليس تفاوضاً، بل بقوة الأمر الواقع الذي تمليه الجغرافيا والإرادة.
لقد أدركت القيادة الإيرانية أن أي تفاوض في هذه المرحلة سيكون بمثابة اعتراف بشرعية الوجود الأمريكي في المنطقة، وسيمنح أمريكا فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوراقها. وهم يدركون، من خلال تجاربهم السابقة، أن أمريكا لا تحترم إلا لغة القوة، وأنها لا تلتزم بأي اتفاق إلا عندما تفرض عليها الإرادات الصلبة ذلك.
إيران تقرأ المشهد: استراتيجية واضحة المعالم
هذا الرفض القاطع لم يأت من فراغ. إنه نتاج قراءة عميقة للمشهد الإقليمي والدولي، ونتاج استراتيجية واضحة المعالم ترسمها القيادة الإيرانية منذ عقود. هذه الاستراتيجية تقوم على عدة ركائز أساسية:
الركيزة الأولى: إدراك أن أمريكا قابلة للهزيمة. بعد عقود من المواجهة، بعد فيتنام وأفغانستان والعراق، بعد الأزمة المالية 2008 وبعد جائحة كورونا، بعد تراكم الدين العام الأمريكي وتآكل التفوق الاقتصادي، أدركت إيران أن الإمبراطورية الأمريكية لم تعد ذلك العملاق الذي لا يُقهر. إنها إمبراطورية تعيش أزمة داخلية عميقة، تعاني من الاستقطاب السياسي والتفكك الاجتماعي وتآكل القيم، وتواجه صعود قوى جديدة في العالم (الصين وروسيا) تنازعها الهيمنة.
الركيزة الثانية: استثمار العمق الحضاري. إيران ليست دولة عادية، وليست مجرد نظام سياسي. إيران هي حضارة تمتد جذورها لسبعة وعشرين قرناً من الزمان. هي وريثة إمبراطورية الفرس التي حكمت العالم ذات يوم، وهي صاحبة تراث ثقافي وفني وأدبي زاخر، وهي شعب يمتلك وعياً تاريخياً عميقاً وذارة جماعية لا تنسى. هذا العمق الحضاري يمنح إيران قدرة على الصمود لا تمتلكها الدول الحديثة التكوين. فالشعوب ذات التاريخ الطويل تعرف كيف تواجه المحن، وكيف تتكيف مع المتغيرات، وكيف تحافظ على هويتها في أشد الظروف قسوة.
الركيزة الثالثة: بناء محور إقليمي متماسك. لم تعتمد إيران على قوتها الذاتية فقط، بل عملت على بناء محور إقليمي يضم قوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن. هذا المحور ليس مجرد تحالف عسكري تقليدي، بل هو شبكة من العلاقات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية والأمنية، تجمعها رؤية مشتركة وأهداف متقاربة. هذا المحور يمنح إيران عمقاً استراتيجياً هائلاً، ويجعل من الصعب عزلها أو حصارها.
واشنطن بلا استراتيجية: التيه الإمبراطوري
في مقابل هذه الاستراتيجية الواضحة، تقف واشنطن بلا استراتيجية حقيقية. ما تمارسه الإدارة الأمريكية اليوم هو مجرد تكتيكات مرحلية، ردود أفعال على الأحداث، محاولات يائسة لإخماد الحرائق دون القدرة على السيطرة على مجريات الأمور.
لنتأمل المشهد الأمريكي الراهن: إدارة بايدن تعلن تارة أنها ستدافع عن إسرائيل حتى آخر رمق، وتارة أخرى تلمح إلى ضرورة تهدئة الأوضاع. تارة تبعث حاملات الطائرات إلى شرق المتوسط، وتارة تسحب بعض قواتها من المنطقة. تارة تفرض عقوبات جديدة على إيران، وتارة تغض الطرف عن تهريب النفط الإيراني. تارة تعلن دعمها للحلول الدبلوماسية، وتارة تواصل تزويد إسرائيل بأحدث الأسلحة الفتاكة.
هذا التخبط ليس مجرد سوء إدارة، بل هو تعبير عن أزمة أعمق: أزمة الرؤية الاستراتيجية الأمريكية في منطقة غرب آسيا. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تستطع أمريكا أن تقدم رؤية واضحة لمستقبل المنطقة. اكتفت بإدارة الأزمات، والحفاظ على النفوذ، وضمان أمن إسرائيل، والتحكم في تدفق النفط. لكنها لم تقدم مشروعاً إقليمياً حقيقياً يستجيب لطموحات الشعوب ويعالج جذور المشكلات.
هذا الفراغ الاستراتيجي خلقه في الأساس التناقض بين المصالح الأمريكية المتعددة في المنطقة. فأمريكا تريد في الوقت نفسه: الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، وضمان أمن الخليج، والتحكم في أسعار النفط، ومحاربة الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذه الأهداف المتضاربة تجعل من المستحيل بناء استراتيجية متماسكة، وتجبر الإدارات المتعاقبة على التخبط بين خيارات صعبة ومتناقضة.
الإبادة الجماعية التي انكشفت: لحظة الحقيقة الأخلاقية
في خضم هذا الصراع المحتدم، كان لغزة دورها الفريد في كشف الأقنعة وإسقاط الستار عن الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني. ما حدث في غزة منذ السابع من أكتوبر لم يكن مجرد حلقة جديدة في مسلسل الصراع العربي الإسرائيلي، بل كان لحظة انكشاف أخلاقي كبرى، كشفت للعالم أجمع حقيقة ما يمارس ضد الشعب الفلسطيني منذ ثلاثة أرباع القرن.
لقد رأى العالم، عبر شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي، مشاهد لم تكن متاحة من قبل. رأى الأطفال يُقتلون تحت الأنقاض، رأى المستشفيات تُقصف، رأى المدارس تُدمر، رأى الجوع يُستخدم كسلاح، رأى التهجير القسري يمارس على نطاق واسع. رأى العالم كل هذا بعينيه، ورأى أيضاً تواطؤ الغرب وصمته المخزي.
هذا الانكشاف لم يعد ممكناً إنكاره أو تبريره. لقد سقطت كل الأقنعة التي كان يتستر خلفها المشروع الصهيوني لعقود: قناع "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وقناع "جيش الدفاع الأخلاقي"، وقناع "الدولة اليهودية المضطهدة". ظهرت إسرائيل على حقيقتها: دولة فصل عنصري، تمارس التطهير العرقي، وتقتل الأطفال بدم بارد، وتدمر البيوت على رؤوس ساكنيها، وتمنع الماء والغذاء والدواء عن شعب أعزل.
هذا الانكشاف الأخلاقي كان له تأثيرات عميقة على مستوى العالم. ففي الجامعات الغربية، خرجت مظاهرات طلابية غير مسبوقة تضامناً مع فلسطين. وفي الشوارع الأوروبية والأمريكية، تظاهر الملايين منددين بالإبادة الجماعية. وفي المؤسسات الدولية، صدرت قرارات تدين إسرائيل وتطالب بوقف إطلاق النار. حتى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، بدأت تظهر أصوات ناقدة تتساءل عن مستقبل هذا الكيان وعن أخلاقية أفعاله.
الصهاينة: من التعاطف إلى النبذ العالمي
هذا الانكشاف الأخلاقي أدى إلى تحول جذري في صورة الصهاينة في الوعي الجمعي العالمي. فمنذ عقود، كانت إسرائيل تتمتع بدعم غير مشروط من الغرب، وبصورة إعلامية إيجابية، وبحماية دبلوماسية في المحافل الدولية. لكن اليوم، تبدلت المعادلة بشكل جذري.
أظهرت استطلاعات الرأي في الدول الغربية تراجعاً كبيراً في التأييد الشعبي لإسرائيل، خاصة بين الأجيال الشابة. كما أظهرت ارتفاعاً في التعاطف مع الفلسطينيين، وزيادة في الوعي بحقيقة ما يجري في الأراضي المحتلة. هذه التحولات في الرأي العام الغربي تشكل تحدياً كبيراً للحكومات الغربية التي تواصل دعمها لإسرائيل رغم معارضة شعوبها.
على المستوى الدولي، أصبحت إسرائيل أكثر عزلة من أي وقت مضى. فقد صوتت الغالبية العظمى من دول العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرارات تدين إسرائيل وتطالب بوقف إطلاق النار. وانضمت دول جديدة إلى حركة المقاطعة (BDS)، وازدادت الدعوات لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية وسحب الاستثمارات من الشركات الداعمة للاحتلال.
هذا النبذ العالمي للصهاينة ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو تحول عميق في البنى الأيديولوجية التي قامت عليها العلاقة بين الغرب وإسرائيل. فطوال العقود الماضية، كان الدعم الغربي لإسرائيل يقوم على مزيج من الشعور بالذنب تجاه الهولوكوست، والمصالح الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتأثير القوي للوبي الصهيوني في مراكز القرار الغربية. لكن اليوم، بدأت هذه الأسس تتآكل: الشعور بالذنب تجاه الهولوكوست تلاشى مع مرور الزمن، والمصالح الجيوسياسية بدأت تتغير مع اكتشاف النفط الصخري وتراجع أهمية نفط الخليج، وتأثير اللوبي الصهيوني أصبح يواجه تحديات متزايدة من قوى جديدة.
من عام 1948 إلى غزة: سلسلة الإبادة المتصلة
لفهم عمق المأساة الفلسطينية، لا بد من النظر إلى ما يحدث اليوم في غزة ضمن سياق تاريخي أوسع. إن ما ترتكبه إسرائيل في غزة اليوم ليس حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الإبادة والتطهير العرقي امتدت من عام 1948 حتى يومنا هذا.
عام 1948، طردت العصابات الصهيونية أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم، في عملية تطهير عرقي منهجية شملت أكثر من 500 قرية ومدينة فلسطينية. هذه النكبة لم تكن مجرد نتيجة ثانوية للحرب، بل كانت جزءاً من خطة مدروسة لإقامة دولة يهودية على أنقاض فلسطين التاريخية.
عام 1967، تكررت المأساة مع نكسة جديدة، حيث طرد أكثر من 300 ألف فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة، وبدأت إسرائيل في بناء المستوطنات على الأراضي المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
على مدى العقود التالية، استمرت سياسات التطهير العرقي بطرق مختلفة: تهجير تدريجي عبر سياسات الاستيطان والضم، مصادرة الأراضي، هدم المنازل، تقييد حركة التنقل، حصار غزة، بناء جدار الفصل العنصري.
ما يميز العدوان على غزة اليوم هو حجم الدمار الهائل، وعدد الضحايا الكبير، والوحشية المفرطة في القتل، واستهداف المدنيين بشكل متعمد، واستخدام التجويع كسلاح. لقد تجاوزت حصيلة الضحايا في غزة، في بضعة أشهر فقط، حصيلة ضحايا سنوات طويلة من الصراع. وتجاوزت نسبة تدمير المساكن والمدارس والمستشفيات كل التوقعات.
الجبهات السبع: اعتراف نتنياهو بالعجز
في لحظة من لحظات الصدع النادر، خرج بنيامين نتنياهو ليعلن أن إسرائيل تواجه حرباً على سبع جبهات: غزة، الضفة، لبنان، سوريا، العراق، اليمن، وإيران. هذا الاعتراف، الذي قد يبدو للوهلة الأولى تعبيراً عن قوة وتحدٍ، هو في الحقيقة اعتراف بالعجز وضعف القدرة على الحسم.
فالجيوش العظيمة، والإمبراطوريات القوية، لا تواجه حروباً على سبع جبهات. إنها تحسم جبهة تلو الأخرى، وتختار توقيت المعارك ومكانها، وتفرض إرادتها على أعدائها. أما عندما تجد نفسها محاصرة بجبهات متعددة، مشتتة بين أعداء يضربونها من كل اتجاه، فهذا دليل على أنها فقدت زمام المبادرة، وأصبحت تتفاعل مع الأحداث بدلاً من أن تصنعها.
هذه الجبهات السبع تشكل كماشة خانقة حول إسرائيل، وتجعل من المستحيل عليها تحقيق نصر حاسم في أي منها. ففي غزة، تغوص قواتها في حرب عصابات مريرة. وفي الضفة، تواجه انتفاضة شعبية متصاعدة. وفي لبنان، تواجه قوة صاروخية هائلة قادرة على ضرب عمقها. وفي سوريا، تواجه تهديدات متجددة من الجولان المحتل. وفي العراق، تواجه فصائل مقاومة تتوعد بالثأر. وفي اليمن، تواجه قوة قادرة على قطع طرق الملاحة الدولية. وفي إيران، تواجه دولة كبرى تمتلك قدرات استراتيجية متطورة.
هذا التشتت بين الجبهات يضع الجيش الإسرائيلي في موقف بالغ الصعوبة. فهو مجبر على توزيع قواته على جبهات متعددة، مما يضعف قدرته على التركيز والحسم. وهو مجبر على مواجهة أعداء يمتلكون قدرات متنوعة واستراتيجيات مختلفة. وهو مجبر على حرب استنزاف طويلة، ليس مستعداً لها، ولا يملك القدرة على تحمل تكاليفها البشرية والمادية.
مئة ألف احتياطي: السؤال الذي لا يجد جواباً
تقول إسرائيل إنها استدعت مئة ألف جندي احتياط للخدمة في حربها على غزة والجبهات الأخرى. لكن السؤال الذي يتردد في أوساط المحللين العسكريين والخبراء الاستراتيجيين هو: كم من هؤلاء المئة ألف سيحضر فعلاً للخدمة؟
هذا السؤال ليس مجرد استفسار عددي، بل هو مفتاح لفهم الأزمة العميقة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي. فجيش الاحتياط الإسرائيلي، الذي كان يشكل على مدى عقود عموداً فقرياً للقوة العسكرية الإسرائيلية، يعاني اليوم من تآكل خطير في الروح المعنوية وفي الاستعداد للتضحية.
الأسباب متعددة: أولاً، فقدان الثقة في القيادة السياسية والعسكرية، بعد فشل ذريع في 7 أكتوبر، وبعد فضائح الفساد التي طالت كبار المسؤولين. ثانياً، الشعور بأن هذه الحرب لا تحقق أهدافاً واضحة، وأنها حرب استنزاف لا طائل منها. ثالثاً، الانقسام الداخلي الحاد في المجتمع الإسرائيلي حول قضايا جوهرية، مثل الإصلاح القضائي ومستقبل الديمقراطية. رابعاً، تآكل فكرة "الجيش الشعبي" مع تحول إسرائيل إلى مجتمع استهلاكي فرداني، يقدس الراحة والرفاهية أكثر من التضحية من أجل الدولة.
هذه العوامل مجتمعة تخلق ظاهرة جديدة في المجتمع الإسرائيلي: ظاهرة التهرب من الخدمة العسكرية، رفض الأوامر، الهجرة الخارجية للشباب هرباً من التجنيد. هذه الظاهرة، التي كانت محدودة في الماضي، أصبحت اليوم واسعة الانتشار وتشكل تهديداً وجودياً للجيش الإسرائيلي.
يقول بعض المحللين إن إسرائيل تواجه اليوم أزمة شبيهة بتلك التي واجهتها أمريكا في حرب فيتنام، حين بدأ الشباب الأمريكي يرفضون الالتحاق بالجيش ويهاجرون إلى كندا هرباً من التجنيد الإجباري. هذه الأزمة كانت من العوامل الرئيسية التي أجبرت أمريكا على الانسحاب من فيتنام، وقد تكون هي نفسها ما يجبر إسرائيل على التراجع اليوم.
الغزو البري للبنان: سراب النصر في مستنقع الجغرافيا
في خضم هذا المشهد المتأزم، يتردد الحديث في الكيان عن غزو بري إسرائيلي للبنان. يروج بعض القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين لفكرة أن القصف الجوي وحده لا يحسن الأمور على الأرض، وأن الحل الوحيد هو اجتياح بري يصل إلى الليطاني ويدمر قدرات حزب الله.
هذه الأفكار ليست جديدة. لقد جربتها إسرائيل من قبل، في عام 1982، وفي عام 2006. وفي المرتين، كانت النتيجة كارثية عليها. في عام 1982، غزت إسرائيل لبنان بجيش قوامه 78 ألف جندي، ووصلت إلى بيروت، وحاصرت منظمة التحرير الفلسطينية. لكن النتيجة النهائية كانت احتلالاً طويلاً استمر 18 عاماً، وخسائر بشرية كبيرة، وانتهى بانسحاب مخز تحت ضربات المقاومة اللبنانية. في عام 2006، شنت إسرائيل حرباً على لبنان استمرت 33 يوماً، وفشلت في تحقيق أي من أهدافها المعلنة، وخرجت مهزومة أمام صمود حزب الله.
فلماذا يعتقد البعض في إسرائيل أن النتيجة ستكون مختلفة هذه المرة؟ الجواب ببساطة: إنها أوهام القوة، وأحلام الانتقام، وضغوط السياسة الداخلية. فالقيادة الإسرائيلية الحالية، التي تواجه اتهامات بالفشل في 7 أكتوبر، تبحث عن أي انتصار تعيد به هيبتها. وهي مستعدة للمغامرة بمستقبل الكيان كله من أجل بقائها السياسي.
لكن الواقع على الأرض مختلف تماماً. حزب الله اليوم أقوى بعشرات المرات مما كان عليه في 2006. يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، تشمل صواريخ دقيقة قادرة على ضرب أي هدف في إسرائيل. يمتلك خبرة قتالية كبيرة اكتسبها في سوريا. يمتلك شبكة أنفاق معقدة في جنوب لبنان. ويمتلك إرادة قتالية عالية تستمد قوتها من الإيمان والعقيدة.
أي غزو بري إسرائيلي للبنان سيكون مغامرة انتحارية. سيواجه الجيش الإسرائيلي مقاومة شرسة من مقاتلي حزب الله الذين يعرفون أرضهم جيداً. سيتكبد خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. سيجد نفسه عاجزاً عن تحقيق أي تقدم حاسم. وسينتهي به الأمر إما إلى الانسحاب المذل، أو إلى الغرق في مستنقع الاحتلال لسنوات طويلة.
أوكرانيا وإسرائيل: تشابه المصائر المحتومة
هناك تشابه مثير للاهتمام بين ما يحدث لإسرائيل اليوم وما يحدث لأوكرانيا. في الحالتين، نرى جيشاً مدعوماً من الغرب، يواجه خصماً يمتلك إرادة قتالية عالية وعمقاً استراتيجياً كبيراً. وفي الحالتين، نرى شباباً يفرون من الخدمة العسكرية، وقادة فاسدين يضعون مصالحهم الخاصة فوق مصلحة الوطن.
في أوكرانيا، بعد أكثر من عامين من الحرب، أصبح الوضع كارثياً. مئات الآلاف من القتلى والجرحى من الجانبين. مدن بأكملها دمرت. اقتصاد منهك. سكان هاجروا بأعداد كبيرة. شباب يختبئون من التجنيد. قيادة متهمة بالفساد وسوء الإدارة. ومع ذلك، تستمر الحرب دون أفق واضح للنهاية.
هذا المصير نفسه ينتظر إسرائيل إذا استمرت في حروبها الاستنزافية. فإسرائيل، رغم تفوقها التكنولوجي والعسكري، لا تملك العمق السكاني الكافي لتحمل حرب استنزاف طويلة. عدد سكانها صغير، ومعدل الخصوبة في تراجع، والهجرة إلى الخارج في ازدياد. استمرار الحرب لسنوات طويلة سيؤدي إلى نزيف ديموغرافي خطير، سيهدد الوجود الديموغرافي للدولة.
علاوة على ذلك، فإن الحرب الطويلة ستؤدي إلى تآكل الاقتصاد الإسرائيلي. تكاليف الحرب باهظة: تعبئة الاحتياط تعطل الاقتصاد، وتحويل الموارد من الاستثمار إلى الإنفاق العسكري يقلل النمو، وتراجع السياحة والاستثمارات الأجنبية يفاقم الأزمة. إسرائيل لا تستطيع تحمل هذا العبء الاقتصادي لفترة طويلة، خاصة في ظل العزلة الدولية المتزايدة وتراجع الدعم الغربي.
الأخطر من ذلك كله هو التأثير على النسيج الاجتماعي الإسرائيلي. الحرب الطويلة ستزيد الانقسامات الداخلية، وستعمق الشرخ بين اليمين واليسار، بين العلمانيين والمتدينين، بين اليهود الشرقيين والأشكناز، بين المواطنين اليهود والعرب. هذه الانقسامات قد تصل إلى درجة تهدد تماسك الدولة.
القيادات الفاسدة: حين يصبح الخيانة واجباً وطنياً
في كل من أوكرانيا وإسرائيل، تبرز ظاهرة خطيرة: القيادات الفاسدة التي لا تهمها إلا مصالحها الشخصية، والمستعدة للتضحية بشعوبها ودولها من أجل البقاء في السلطة أو تحقيق مكاسب خاصة.
في إسرائيل، نتنياهو وحكومته يمثلون نموذجاً صارخاً لهذه الظاهرة. إنه رئيس وزراء متهم بالفساد في ثلاث قضايا مختلفة، ويخوض حالياً محاكمة علنية. إنه قائد يقود حكومة من المتطرفين والمستوطنين، الذين يحلمون بإقامة "الهيكل الثالث" على أنقاض المسجد الأقصى. إنه رجل مستعد لإشعال المنطقة كلها من أجل البقاء في منصعه والتهرب من المحاكمة.
هذه القيادة الفاسدة لا تعبأ بمستقبل إسرائيل، ولا بمصير شعبها، ولا بحياة جنودها. كل ما يهمها هو السلطة والبقاء. وهي مستعدة للمغامرة بحرب إقليمية شاملة، وبتحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة دولياً، وبجر أمريكا إلى مستنقع جديد، فقط من أجل مصالحها الشخصية.
الجنود الإسرائيليون يدركون هذه الحقيقة جيداً. إنهم يرون قادتهم يتحدثون عن التضحية والوطنية، بينما يعيشون في القصور ويسافرون بالطائرات الخاصة ويخبئون الأموال في الحسابات السرية. إنهم يشعرون بالخيانة، ويتساءلون: لماذا نموت من أجل هؤلاء الفاسدين؟
هذا الشعور بالخيانة هو الذي يفسر ظاهرة التهرب من الخدمة العسكرية، ورفض الأوامر، والهجرة الخارجية. إنه شعور يقول: إذا كان القادة لا يهتمون بنا، فلماذا نهتم بهم؟ إذا كانوا يضربون عرض الحائط بمستقبل البلاد، فلماذا نضحي من أجله؟
هذا التحول في العلاقة بين القادة والجنود هو أحد أخطر التهديدات التي تواجه إسرائيل اليوم. فالجيش الإسرائيلي لم يكن يوماً مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان عموداً فقرياً للهوية الوطنية الإسرائيلية. إذا انهار هذا العمود، فسينهار كل شيء.
إيران تخرج أقوى: دروس التاريخ الحضاري الطويل
بينما تترنح إسرائيل تحت وطأة الحروب والانقسامات الداخلية، تخرج إيران من هذه المواجهة أقوى وأكثر تأثيراً. ليس هذا تفاخراً إعلامياً، بل هو واقع تؤكده كل المؤشرات الميدانية والسياسية.
فإيران التي واجهت أعتى حملة عقوبات في التاريخ الحديث، استطاعت أن تصمد وأن تبني اقتصاداً مقاومةً قادراً على تجاوز الصعاب. إيران التي حوصرت سياسياً، استطاعت أن تكسر عزلها وتقيم علاقات متينة مع قوى عالمية صاعدة. إيران التي هددت عسكرياً، استطاعت أن تبني قدرات ردع رادعة تمنع أي مغامرة ضدها.
ما يفسر هذه الظاهرة الفريدة هو العمق الحضاري الإيراني. إيران ليست دولة حديثة التكوين، مثل كثير من دول المنطقة. إيران هي حضارة تمتد جذورها لسبعة وعشرين قرناً من الزمان. هي التي كانت يوماً إمبراطورية الفرس العظيمة، التي حكمت العالم من الهند إلى اليونان. هي التي صهرت الغزاة على مر العصور، وحولت الإسكندر من محتل إلى بطل أسطوري في الشعر الفارسي. هي التي واجهت الغزو العربي والإسلامي، فاندمجت معه وأنتجت حضارة إسلامية فارية فريدة. هي التي صمدت أمام الغزو المغولي والتتري، وحولت المغول من همج إلى ملوك متحضرين.
هذا العمق الحضاري يمنح إيران قدرة على الصمود لا تمتلكها الدول الحديثة. فالشعوب ذات التاريخ الطويل تمتلك ذاكرة جمعية تعلمها كيف تواجه المحن، وكيف تتكيف مع المتغيرات، وكيف تحافظ على هويتها في أشد الظروف قسوة. إنها تعلم أن الحضارات لا تموت، وأن الشعوب تبقى، وأن الأيام دول بين الأمم.
هذا الوعي التاريخي هو ما يجعل الإيرانيين يرفضون أي تفاوض من موقع ضعف، ويصرون على إنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة، ويؤمنون بأن النصر حليفهم في النهاية. إنهم يدركون أن أمريكا إمبراطوية عابرة في التاريخ، بينما إيران حضارة باقية. أمريكا موجودة منذ قرنين ونصف فقط، بينما إيران موجودة منذ سبعة وعشرين قرناً. هذا الفارق في العمر الزمني يعطي الإيرانيين ثقة هائلة بأنهم سيبقون بعد أن ترحل أمريكا.
سبعة وعشرون قرناً من الحضارة: الفرس والهوية التي لا تموت
لنقف قليلاً عند هذا الرقم: سبعة وعشرون قرناً من الحضارة المتصلة. إنه رقم مذهل، يصعب استيعابه في عصرنا الحديث الذي اعتاد على سرعة التغير وتقادم الأشياء. لكنه حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها.
الإمبراطورية الفارسية الأولى، التي أسسها كورش الكبير في القرن السادس قبل الميلاد، كانت أول إمبراطورية عظمى في التاريخ. امتدت من وادي السند إلى البحر المتوسط، وضمت شعوباً وقوميات متعددة تحت راية واحدة. كورش لم يكن مجرد فاتح، بل كان ملكاً عادلاً، أصدر وثيقة مشهورة تعتبر أول إعلان لحقوق الإنسان في التاريخ، سمحت فيها لليهود بالعودة إلى أورشليم وإعادة بناء هيكلهم.
بعد سقوط الإمبراطورية الأولى على يد الإسكندر، عادت الإمبراطورية الفارسية الثانية (الساسانية) لتحكم المنطقة لقرون أخرى. واجهت هذه الإمبراطورية الرومان والبيزنطيين، وصمدت في وجه أعتى الجيوش، وطورت حضارة مزدهرة في الفن والعمارة والعلوم.
مع الفتح الإسلامي، لم تختف الحضارة الفارسية، بل اندمجت مع الحضارة الإسلامية وأنتجت عصراً ذهبياً جديداً. الفرس ساهموا بشكل كبير في تطور العلوم الإسلامية، وفي الأدب والفلسفة والتصوف. أسماء مثل ابن سينا والخوارزمي والفارابي والغزالي وسهروردي وحافظ وسعدي وفردوسي، كلها أسماء فارسية أثرت الحضارة الإسلامية والعالمية.
في العصر الحديث، استمرت الهوية الفارسية في الصمود أمام موجات الاستعمار والتغريب. الحركة الدستورية في إيران (1905-1911) كانت أول حركة من نوعها في الشرق الأوسط. الثورة الإسلامية في 1979 كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة. والحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) كانت اختباراً قاسياً للصمود الإيراني.
هذا التاريخ الطويل من الصمود والإبداع والتجدد هو ما يفسر قدرة إيران على مواجهة أعتى قوى العالم اليوم. إنها ليست مجرد دولة، بل هي أمة حية، تمتلك مشروعاً حضارياً يمتد عبر القرون. وهذا المشروع لا يمكن أن يهزم بالصواريخ والقنابل.
الادعاء الأمريكي الباطل: محاربة الإسلام الراديكالي
من بين الادعاءات الكثيرة التي تطلقها أمريكا لتبرير وجودها العسكري في المنطقة، يأتي ادعاء "محاربة الإسلام الراديكالي" في المقدمة. تقدم أمريكا نفسها كقوة تحرر الشعوب من براثن التطرف والإرهاب، وتدعي أن وجودها في أفغانستان والعراق وسوريا كان ضرورياً لحماية العالم من خطر الإرهاب الإسلامي.
هذا الادعاء يصطدم بحقائق التاريخ التي لا تقبل الجدل. فالحقيقة أن أمريكا نفسها هي من صنع "الإسلام الراديكالي" وغذاه وسلحه ودعمه لعقود. في أفغانستان، دعمت أمريكا المجاهدين الأفغان بكل ما أوتيت من قوة، وسلحتهم بأحدث الأسلحة، ودربتهم على أيدي خبراء CIA، ثم تفاجأت بعد سنوات بأن هؤلاء المجاهدين أنفسهم يتحولون إلى تنظيم القاعدة الذي ضربها في 11 سبتمبر.
في سوريا، دعمت أمريكا جماعات "المعارضة المعتدلة" التي تبين لاحقاً أنها كانت تضم متطرفين من جبهة النصرة وتنظيم القاعدة. هذا الدعم استمر لسنوات، وأدى إلى إطالة أمد الحرب السورية وتعميق معاناتها.
أما اليوم، فإن النظام الذي وضعه ترامب في إدلب، بقيادة ما يسمى بـ"الجولاني"، هو نموذج صارخ للإسلام الوهابي الفاشي الذي تنتجه السياسات الأمريكية. هذه الجماعات، التي تتلقى الدعم التركي والأمريكي، تمارس أبشع أنواع القمع بحق السكان، وتفرض رؤيتها المتطرفة بالقوة، وتشكل تهديداً مستمراً للاستقرار في المنطقة.
في المقابل، تقف إيران كنموذج مختلف تماماً. إيران التي تمثل حضارة عريقة، وتقدم نموذجاً للجمهورية الإسلامية يجمع بين الدين والديمقراطية، بين الأصالة والمعاصرة، بين الاجتهاد الديني والتطور العلمي. إيران التي ترفض التطرف والتكفير، وتدعو إلى الوحدة الإسلامية والتقارب بين المذاهب. إيران التي تحارب داعش والقاعدة في العراق وسوريا، وتدفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائها في هذه المعركة.
هذه المفارقة تفضح الادعاء الأمريكي وتكشف زيفه. فمن يحارب الإسلام الراديكالي حقاً هي إيران، بينما أمريكا تتاجر به وتستخدمه ورقة في لعبتها الجيوسياسية الكبرى.
الوهابية والإخوان: وجوه التطرف المتعددة
إذا أردنا فهم ظاهرة التطرف في العالم الإسلامي، فلا بد من النظر إلى جذورها التاريخية والسياسية. فالتطرف ليس نتاجاً للدين الإسلامي ذاته، كما يروج بعضهم، بل هو نتاج لظروف تاريخية وسياسية معقدة، ونتاج لتدخلات خارجية بحثت عن قوى محلية تخدم مصالحها.
الوهابية، التي نشأت في جزيرة العرب في القرن الثامن عشر، كانت حركة إصلاحية داعية إلى العودة إلى "السلف الصالح". لكنها تحولت مع الوقت إلى أيديولوجيا متشددة ترفض الآخر وتكفره، وتدعو إلى العنف باسم الدين. هذا التحول لم يكن بريئاً، بل كان مرتبطاً بتحالفات سياسية مع آل سعود، ثم مع بريطانيا، ثم مع أمريكا.
المشروع الوهابي تلقى دعماً هائلاً من السعودية، التي استخدمت المال والنفط لنشر هذه الأيديولوجيا في العالم الإسلامي. آلاف المساجد والمدارس والمعاهد الدينية بنيت باسم الوهابية، وملايين الكتب وزعت، وآلاف الدعاة دربوا وأرسلوا إلى كل بقاع الأرض.
الإخوان المسلمون، من جهتهم، قدموا نموذجاً آخر من الإسلام السياسي. تأسست الجماعة في مصر عام 1928 كحركة إصلاحية اجتماعية، ثم تحولت إلى حركة سياسية تطالب بتطبيق الشريعة وإقامة الخلافة. الإخوان تلقوا دعماً من الغرب في مراحل معينة، خاصة في مواجهة التيار القومي العربي بزعامة عبد الناصر.
كل هذه التيارات، رغم اختلافاتها، تشترك في شيء واحد: أنها استخدمت من قبل القوى الكبرى في صراعاتها الإقليمية. الوهابية استخدمت ضد المد الشيوعي في أفغانستان. الإخوان استخدموا ضد القومية العربية والعلمانية. الجهاديون استخدموا ضد النظام السوري.
في المقابل، قدمت إيران نموذجاً مغايراً: الثورة الإسلامية التي تجمع بين الإسلام والديمقراطية، التي تحترم التعددية الدينية والمذهبية، التي تدعم حركات التحرر في العالم، التي تقف إلى جانب المستضعفين ضد المستكبرين. هذا النموذج هو الذي يزعج أمريكا وحلفاءها، لأنه يقدم بديلاً جذاباً للتطرف والعنف.
تركيا ومحميات الخليج: لحظة الحسم
في خضم هذا الصراع المحتدم، تبرز قوى إقليمية أخرى تجد نفسها أمام لحظة حاسمة. تركيا ودول الخليج العربية، التي كانت لعقود حليفة لأمريكا ومعتمدة على حمايتها، بدأت تعيد حساب مواقفها في ضوء المتغيرات الجديدة.
تركيا، بقيادة أردوغان، تحاول منذ سنوات أن تلعب دوراً إقليمياً مستقلاً. تدخلت في سوريا والعراق وليبيا وقره باغ، وسعت إلى بناء نفوذ في آسيا الوسطى وأفريقيا. لكنها بقيت ضمن التحالف الغربي، واستمرت عضويتها في الناتو، وحافظت على علاقاتها مع أمريكا رغم كل التوترات.
لكن التحولات الأخيرة تضع تركيا أمام خيارات صعبة. فاستمرار الوجود الأمريكي في المنطقة لم يعد يخدم مصالحها، بل قد يضر بها. تراجع النفوذ الأمريكي يخلق فراغاً يمكن لتركيا ملؤه، لكنه يخلق أيضاً مخاطر أمنية جديدة. إيران الصاعدة قد تكون شريكاً أو منافساً، حسب كيفية إدارة العلاقة.
دول الخليج، من جهتها، كانت تعيش منذ عقود تحت "المظلة الأمريكية" التي تحميها من أي تهديد خارجي. لكن هذه المظلة أظهرت هشاشتها في السنوات الأخيرة. فشل أمريكا في حماية السعودية والإمارات من هجمات الحوثيين، وتراجع التزاماتها الأمنية، وارتفاع تكلفة الحماية، كل ذلك دفع دول الخليج إلى إعادة النظر في تحالفاتها.
اليوم، وبعد أن أثبتت الصواريخ والمسيرات الإيرانية قدرتها على التأثير في موازين القوى، تجد تركيا ودول الخليج أنفسها أمام فرصة تاريخية. إنها فرصة للمطالبة برحيل القوات الأمريكية عن غرب آسيا، وبناء نظام أمني إقليمي جديد تتحمل فيه الدول مسؤولية أمنها بنفسها. هذا المطلب لم يعد حلماً بعيد المنال، بل أصبح ضرورة واقعية تفرضها المتغيرات الجديدة.
التضحية بالمصالح الأمريكية: عندما يصبح الكيان عبئاً
ما يجري اليوم في غرب آسيا يطرح سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين أمريكا وإسرائيل. هل ما زالت إسرائيل تشكل "قيمة مضافة" للمصالح الأمريكية في المنطقة، أم أنها تحولت إلى عبء ثقيل تستنزف أمريكا وتجرها إلى حروب لا طائل منها؟
لطالما قدم أنصار إسرائيل في أمريكا حججاً عديدة لأهمية التحالف: إسرائيل "حاملة الطائرات الأمريكية" في الشرق الأوسط، إسرائيل حليف استراتيجي في منطقة مضطربة، إسرائيل شريك في التكنولوجيا والاستخبارات، إسرائيل تمثل القيم الغربية والديمقراطية في محيط معادٍ.
لكن هذه الحجج تبدو اليوم واهية أمام الحقائق الجديدة. إسرائيل لم تعد حاملة طائرات، بل أصبحت مستنقعاً يجر أمريكا إلى الداخل. إسرائيل لم تعد حليفاً استراتيجياً، بل أصبحت ورقة ضغط على أمريكا في علاقاتها مع العالم العربي والإسلامي. إسرائيل لم تعد مصدراً للتكنولوجيا، بل أصبحت عبئاً اقتصادياً بسبب المساعدات الهائلة التي تقدمها أمريكا لها.
الأخطر من ذلك كله هو أن إسرائيل أصبحت مصدر إحراج لأمريكا على المستوى الدولي. فمع كل حرب تشنها إسرائيل على غزة، تتعرض أمريكا لإدانة عالمية، وتتسع الفجوة بينها وبين الرأي العام العالمي، وتتآكل مصداقيتها كداعية لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
هذه المعطيات تدفع بعض العقول الاستراتيجية في أمريكا إلى إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل. فهم يرون أن التضحية بالمصالح الأمريكية من أجل كيان في مرحلة احتضار هو أمر غير عقلاني. إنهم يدركون أن إسرائيل استنفدت أغراضها، وأن بقاءها أصبح يشكل خطراً على أمريكا أكثر من كونه نفعاً.
الكيان في مرحلة احتضار: مؤشرات الانهيار الداخلي
الحديث عن "احتضار الكيان" ليس مجرد شعار ترفعه قوى المقاومة، بل هو وصف دقيق لواقع تعيشه إسرائيل اليوم. هناك مؤشرات متعددة تؤكد أن هذا الكيان يدخل مرحلة الانحدار والتفكك، وأن مستقبله يبدو قاتماً.
المؤشر الأول: تفكك النسيج الاجتماعي. الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. الانقسام بين اليهود الشرقيين والأشكناز، بين العلمانيين والمتدينين، بين اليسار واليمين، بين المواطنين اليهود والعرب، كل هذه الانقسامات تتعمق وتتسع، وتجعل من الصعب الحديث عن "مجتمع إسرائيلي موحد".
المؤشر الثاني: تآكل الروح المعنوية. الحرب على غزة كشفت عن هشاشة الروح المعنوية الإسرائيلية. بعد أسابيع قليلة من القتال، ظهرت علامات الإنهاك والإحباط بين الجنود والمواطنين. الأسرى الإسرائيليون في غزة تحولوا إلى قضية رأي عام تضغط على الحكومة. الخسائر البشرية أحدثت صدمة في المجتمع.
المؤشر الثالث: تراجع الاقتصاد. الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من تباطؤ النمو، وارتفاع التضخم، وزيادة الدين العام، وتراجع الاستثمارات الأجنبية. الحرب تستنزف موارد هائلة، وتعطل قطاعات كاملة، وتدفع المستثمرين إلى الهروب.
المؤشر الرابع: العزلة الدولية. إسرائيل أصبحت أكثر عزلة من أي وقت مضى. حتى حلفاؤها التقليديون في أوروبا بدأوا ينتقدونها. حركة المقاطعة (BDS) تحقق نجاحات متزايدة. المحكمة الجنائية الدولية تهدد بمقاضاة قادتها.
المؤشر الخامس: أزمة القيادة. القيادة الإسرائيلية الحالية هي الأسوأ في تاريخ الكيان. نتنياهو متهم بالفساد. وزراؤه متطرفون وغير أكفاء. جيشه بلا رؤية. حكومته مشلولة. هذا الفراغ القيادي يجعل من المستحيل اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.
هذه المؤشرات مجتمعة ترسم صورة قاتمة لمستقبل إسرائيل. إنها صورة كيان يفقد أسباب بقائه، ويتجه نحو التفكك والانهيار.
إسرائيل بعد الحرب: التغيير الجذري المحتوم
حتى لو تمكنت إسرائيل من تجاوز الحرب الحالية، فإنها لن تعود كما كانت قبلها. التغيير سيكون جذرياً وعميقاً، وسيطال كل جوانب الحياة الإسرائيلية.
على المستوى العسكري: ستفقد إسرائيل قدرتها على الردع التي كانت عنوان قوتها لعقود. فكرة "الجيش الذي لا يقهر" تحطمت في غزة ولبنان. العدو لم يعد يخاف إسرائيل، بل أصبح هو من يخيفها. هذه الخسارة في الردع يصعب تعويضها، لأنها ترتبط بالصورة الذهنية أكثر مما ترتبط بالقدرات المادية.
على المستوى السياسي: ستدخل إسرائيل مرحلة من عدم الاستقرار السياسي الحاد. الانقسامات الداخلية ستتفاقم، والصراعات على السلطة ستشتد، وإمكانية الذهاب إلى انتخابات مبكرة متكررة ستزداد. هذا الفوضى السياسية ستعيق قدرة إسرائيل على مواجهة التحديات الخارجية.
على المستوى الاجتماعي: سيزداد النزيف الديموغرافي، مع هجرة الشباب إلى الخارج هرباً من الخدمة العسكرية ومن مستقبل قاتم. سيتحول المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع شيخوخة، مع تراجع نسبة الشباب وزيادة نسبة المسنين. سينعكس هذا على الاقتصاد، وعلى القدرة على التجنيد، وعلى الحيوية العامة للمجتمع.
على المستوى الدولي: ستستمر عزلة إسرائيل في التفاقم. الضغوط الدولية عليها ستزداد، ودعم الغرب لها سيتراجع، وحركة المقاطعة ستتوسع. قد تصل الأمور إلى حد فرض عقوبات دولية عليها، أو محاكمة قادتها أمام المحاكم الدولية.
هذا التغيير الجذري لا يعني بالضرورة زوال إسرائيل الفوري، لكنه يعني تحولها إلى كيان مختلف تماماً عما كان عليه. قد تبقى إسرائيل كياناً جغرافياً وسكانياً، لكنها ستفقد مبررات وجودها كـ"دولة يهودية" وكـ"قوة إقليمية". ستصبح مجرد دولة أخرى في منطقة مضطربة، تعاني من مشاكلها الداخلية، وتكافح من أجل البقاء.
نهاية غرب آسيا القديم: لحظة تاريخية فارقة
ما نشهده اليوم في غرب آسيا هو نهاية حقبة كاملة من تاريخ المنطقة. إنها نهاية "غرب آسيا القديم" كما رسمته القوى الاستعمارية قبل قرن من الزمان، وكما أعادت تشكيله الهيمنة الأمريكية بعد الحرب الباردة.
غرب آسيا القديم كان نتاج اتفاقية سايكس بيكو (1916)، التي قسمت المنطقة بين فرنسا وبريطانيا، ورسمت حدوداً مصطنعة فصلت الشعوب وخلقت كيانات هجينة. كانت هذه الحدود بمثابة قيود فرضت على الإرادات المحلية، وأدوات للسيطرة والهيمنة.
غرب آسيا القديم شهد كذلك ولادة "الكيان الصهيوني" في قلب العالم العربي، كمشروع استعماري استيطاني هدفه السيطرة على فلسطين وتهجير شعبها. هذا الكيان كان بمثابة طابور خامس للغرب في المنطقة، وأداة لضرب المشاريع الوحدوية العربية.
غرب آسيا القديم عاش عقوداً من الهيمنة الأمريكية، حيث كانت واشنطن تتحكم بمقدرات المنطقة، وتدير صراعاتها، وتحمي أنظمتها العميلة، وتضمن تدفق نفطها. هذه الهيمنة كانت تفرض شروطها بالقوة، وتقمع أي محاولة للخروج عن الطاعة.
اليوم، كل هذه المعالم آيلة للسقوط. حدود سايكس بيكو تتآكل تحت وطأة المتغيرات الديموغرافية والسياسية. الكيان الصهيوني يدخل مرحلة الاحتضار. الهيمنة الأمريكية تتراجع تحت ضربات المقاومة وتحت وطأة أزماتها الداخلية.
نحن نشهد ولادة غرب آسيا جديد، تتشكل ملامحه على أنقاض القديم. غرب آسيا الجديد سيكون أكثر استقلالية، وأكثر تنوعاً، وأكثر ديناميكية. ستعود إليه الشعوب لتلعب دوراً في تقرير مصيرها. وستبرز فيه قوى إقليمية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى.
أفول الهيمنة العسكرية والسياسية الأمريكية
في قلب هذا التحول الكبير، يقف أفول الهيمنة الأمريكية كحدث مفصلي. أمريكا التي حكمت المنطقة لعقود، تتراجع اليوم تحت ضربات متعددة: ضربات المقاومة في الميدان، وضربات المنافسين في الساحة الدولية، وضربات أزماتها الداخلية.
على المستوى العسكري: أثبتت السنوات الأخيرة أن القوة العسكرية الأمريكية لم تعد قادرة على فرض الإرادة الأمريكية في المنطقة. فشل أمريكا في أفغانستان والعراق، وعجزها عن حماية حلفائها من هجمات الحوثيين، وترددها في مواجهة إيران، كلها مؤشرات على تآكل القوة العسكرية الأمريكية.
على المستوى السياسي: فقدت أمريكا مصداقيتها كوسيط نزيه في المنطقة. انحيازها الأعمى لإسرائيل، ودعمها للأنظمة الاستبدادية، وتناقض مواقفها بين الشعار والواقع، كل ذلك جعلها موضع شك وريبة لدى الشعوب والحكومات على السواء.
على المستوى الاقتصادي: صعود الصين كقوة اقتصادية عظمى، وتحول مراكز الثقل الاقتصادي نحو آسيا، يقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة. دول الخليج تنظر شرقاً، وتنوع شراكاتها الاقتصادية، وتقلل اعتمادها على أمريكا.
هذا الأفول لا يعني اختفاء أمريكا من المنطقة نهائياً، لكنه يعني تراجعها من موقع "المهيمن الأوحد" إلى موقع "اللاعب الإقليمي" بين لاعبين آخرين. إنه يعني نهاية حقبة القطب الواحد، وبداية حقبة التعددية القطبية.
أزمة المديونية: القنبلة الموقوتة في قلب أمريكا
لولا الأزمة الداخلية الأمريكية، لما كان الأفول بهذه السرعة وبهذه الحدة. فما يحدث داخل أمريكا اليوم لا يقل خطورة عما يحدث في غرب آسيا، بل قد يكون أكثر تأثيراً على المدى البعيد.
أمريكا تعيش أزمة مديونية غير مسبوقة. الدين العام الأمريكي تجاوز 34 تريليون دولار، أي ما يعادل 122% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الدين يتضاعف كل بضع سنوات، ويأكل جزءاً متزايداً من الميزانية الأمريكية في شكل فوائد.
الأخطر من ذلك هو مصير السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات. هذه السندات كانت لعقود الملاذ الآمن للمستثمرين في العالم، وأداة أساسية لتمويل العجز الأمريكي. لكن الثقة بهذه السندات بدأت تتآكل. الصين ودول أخرى بدأت تقلل من حيازاتها من السندات الأمريكية. التضخم المرتفع يقلل من قيمتها الحقيقية. رفع أسعار الفائدة يزيد تكلفة الاقتراض.
إذا انهارت الثقة بالسندات الأمريكية، فسينهار معها كل شيء. ستنهار قدرة أمريكا على تمويل عجزها، وستنهار قيمة الدولار، وستنهار قدرتها على الإنفاق العسكري، وستنهار مكانتها كقوة عظمى.
هذا السيناريو ليس خيالاً علمياً، بل هو احتمال حقيقي يتحدث عنه خبراء الاقتصاد بجدية. فهم يرون أن أمريكا تسير في طريق الإمبراطوريات السابقة التي انهارت بسبب الإسراف في الإنفاق العسكري وتراكم الديون. روما انهارت عندما عجزت عن سداد ديونها. بريطانيا تراجعت عندما استنزفتها تكاليف الإمبراطورية. أمريكا قد تواجه المصير نفسه.
نهاية داخلية أمريكية: تغيير كل شيء
ما يعنيه هذا كله هو أن النهاية التي نشهدها في غرب آسيا ليست نهاية منعزلة، بل هي جزء من نهاية داخلية أمريكية أشمل. النموذج الأمريكي نفسه، الذي قدم نفسه للعالم كنموذج يحتذى، يمر بأزمة وجودية.
الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل هي أزمة سياسية واجتماعية وثقافية. الانقسام السياسي في أمريكا وصل إلى حد الشلل. الحزب الديمقراطي والجمهوري يعيشان في عالمين مختلفين، ولا يستطيعان الاتفاق على أي شيء. العنصرية والعنف المسلح والاستقطاب الإعلامي تمزق النسيج الاجتماعي. تراجع التعليم وتآكل الطبقة الوسطى وفقدان الأمل لدى الشباب تقوض أسس المجتمع.
هذه الأزمة الداخلية تنعكس حتماً على السياسة الخارجية الأمريكية. فالإمبراطورية التي تفقد تماسكها الداخلي لا تستطيع الحفاظ على هيمنتها الخارجية. القادة الذين ينشغلون بصراعاتهم الداخلية لا يستطيعون التركيز على التحديات الخارجية. الشعب الذي يفقد الثقة بمؤسساته لا يدعم مغامرات خارجية جديدة.
لذلك، فإن ما نشهده في غرب آسيا ليس مجرد تراجع تكتيكي لأمريكا، بل هو انعكاس لأزمة وجودية تعيشها. إنها بداية نهاية الهيمنة الأمريكية كما عرفناها لعقود. إنها لحظة أفول إمبراطورية.
هذا الأفول سيغير كل شيء. سيعيد تشكيل النظام الدولي برمته. سيفتح المجال أمام قوى جديدة للصعود. سيعطي الشعوب فرصة لاستعادة سيادتها. سيفرض على الجميع إعادة النظر في تحالفاتهم واستراتيجياتهم.
الاتجاهات المستقبلية: نحو نظام إقليمي جديد
في ضوء كل ما تقدم، يمكننا رسم ملامح الاتجاهات المستقبلية المحتملة لغرب آسيا. هذه الاتجاهات ليست حتمية بالطبع، لكنها مرشحة بقوة في ضوء المتغيرات الراهنة.
الاتجاه الأول: تراجع النفوذ الأمريكي. ستواصل أمريكا انسحابها التدريجي من المنطقة، ليس بالضرورة بشكل كامل، لكن بشكل ملحوظ. ستقلص قواعدها العسكرية، وستخفض مساعداتها لحلفائها، وستكون أقل استعداداً للتدخل العسكري المباشر.
الاتجاه الثاني: صعود إيران كقوة إقليمية كبرى. ستخرج إيران من المواجهة الحالية أقوى وأكثر تأثيراً. سيتعزز دورها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ستصبح شريكاً لا يمكن تجاهله في أي تسوية إقليمية.
الاتجاه الثالث: إعادة تموضع القوى الإقليمية. ستضطر تركيا ودول الخليج ومصر والأردن إلى إعادة حساب مواقفها. ستبحث عن توازنات جديدة بين القوى الكبرى. ستسعى إلى تنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها على أمريكا.
الاتجاه الرابع: تفاقم أزمة إسرائيل. ستستمر إسرائيل في مسارها نحو المزيد من العزلة والضعف والتفكك الداخلي. ستفقد قدرتها على الردع. ستتحول من عبء على أمريكا إلى خطر على استقرار المنطقة.
الاتجاه الخامس: بروز أدوار جديدة لروسيا والصين. ستستغل روسيا والصين فرصة تراجع أمريكا لتعزيز وجودهما في المنطقة. ستقدمان بدائل اقتصادية وسياسية وعسكرية للدول الإقليمية. ستساهمان في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
الاتجاه السادس: تصاعد دور الشعوب. ستعود الشعوب إلى لعب دور أكبر في تقرير مصيرها. الحركات الشعبية، والنخب المثقفة، ومنظمات المجتمع المدني، كلها ستجد مساحة أكبر للتعبير عن نفسها والتأثير في القرار.
نهاية الكيان: تفريغ الشروط الاستعمارية
في خضم هذه التحولات الكبرى، يبقى مصير الكيان الصهيوني هو السؤال الأكثر إلحاحاً. هل يمكن لهذا الكيان أن يستمر في ظل المتغيرات الجديدة، أم أن نهايته أصبحت أقرب من أي وقت مضى؟
الكيان الصهيوني قام على ثلاث ركائز أساسية: الدعم الغربي اللامحدود، والتفوق العسكري المطلق، والانقسام العربي المزمن. هذه الركائز الثلاث تتآكل اليوم بسرعة.
الدعم الغربي لم يعد لامحدوداً. أوروبا بدأت تنتقد إسرائيل علناً. أمريكا تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة للحد من دعمها. الرأي العام العالمي أصبح أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين.
التفوق العسكري لم يعد مطلقاً. المقاومة طورت قدراتها بشكل كبير. حزب الله يمتلك ترسانة صاروخية مرعبة. حماس أثبتت قدرتها على الصمود. إيران تمتلك قدرات ردع متطورة. الجيش الإسرائيلي أصبح عاجزاً عن تحقيق النصر الحاسم.
الانقسام العربي لم يعد مزمناً. التطبيع مع إسرائيل فشل في تحقيق أهدافه. الشعوب العربية ما زالت ترفض التطبيع. الحكومات العربية بدأت تعيد النظر في مواقفها تحت ضغط شعوبها. قوى المقاومة العربية تنسق جهودها بشكل متزايد.
مع تآكل هذه الركائز، يدخل الكيان في مرحلة الاحتضار. قد لا يختفي بين ليلة وضحاها، لكنه سيفقد تدريجياً شروطه الاستعمارية التي قام عليها. سيتحول من "دولة يهودية" توسعية إلى كيان هجين يعاني من أمراض مزمنة. سيدخل في دوامة من الأزمات المتلاحقة التي قد تنتهي بزواله النهائي في مرحلة ما.
خاتمة: نشهد نهاية القديم وميلاد الجديد
ها نحن في ختام هذه الرحلة التحليلية الطويلة، نقف على حافة لحظة تاريخية فارقة. إنها لحظة تشبه في روعتها وهولها تلك اللحظات التي سبقت انهيار الإمبراطوريات العظمى في التاريخ، وتلك التي أعقبت الحروب الكبرى التي أعادت رسم خريطة العالم.
ما نشهده اليوم في غرب آسيا هو نهاية حقبة استمرت قرناً من الزمان. نهاية المشروع الاستعماري الذي قسم المنطقة ورسم حدودها. نهاية الكيان الصهيوني الذي زرع في قلبها ليظل طعنة نازفة. نهاية الهيمنة الأمريكية التي سيطرت على مقدراتها لعقود.
نحن نشهد ميلاد حقبة جديدة. حقبة تستعيد فيها شعوب المنطقة صوتها وقرارها. حقبة تبرز فيها قوى إقليمية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى. حقبة يتعدد فيها اللاعبون وتتنوع فيها التحالفات.
في هذه الحقبة الجديدة، ستكون إيران حاضراً قوياً وفاعلاً مؤثراً. ستكون المقاومة عنواناً للكرامة والتحرر. سيكون فلسطين القضية المركزية التي تختبر مصداقية كل الأطراف. سيكون المستقبل مفتوحاً على احتمالات متعددة، بعضها مشرق وبعضها مظلم.
لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أن غرب آسيا لن يعود كما كان. القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة، والجديد يطل برأسه من رحم المعاناة. نحن شهود على هذا التحول العظيم، نراه يحدث أمام أعيننا، وندرك أننا نعيش في واحدة من أكثر لحظات التاريخ إثارة وأهمية.
فليكن هذا التحول بداية عهد جديد من الكرامة والحرية والعدالة لشعوب المنطقة. فليكن نهاية للهيمنة والاستكبار والظلم. فلتكن غرب آسيا الجديدة وطناً آمناً لكل أبنائها، ومشرقاً ينير دروب الإنسانية جمعاء.
..............
المادة الساخرة :
نتنياهو المسخ: حكاية قزم يقود إمبراطوراً إلى الهاوية
أو: كيف جعل الابستيني الموسادي ترامب يصدق أن إسرائيل من الفرات إلى النيل بينما هو عاجز عن التقدم شبراً في جنوب لبنان
…..
مقدمة: حكاية المسخ الذي صدق أسطورته
في زمن انقلبت فيه الموازين، واختلطت فيه الأوراق، وتاهت فيه البوصلة بين أوهام العظمة وحقارة الواقع، ظهر على مسرح التاريخ شخصية لا تليق إلا بأن تكون مادة لرواية كوميدية تراجيدية، أو لوحة كاريكاتيرية متحركة. إنه "المسخ" الذي جمع في جيناته الوراثية والسياسية خلاصة التناقضات الصارخة: أبستيني النزعة، موسادي التكوين، إسرائيلي الهوية، عالمي الطموح، محلي القدرات.
إنه الرجل الذي أقنع نفسه أولاً، ثم أقنع ترامب ثانياً، ثم أقنع العالم ثالثاً، بأن إسرائيل ستمتد من الفرات إلى النيل، وأنها ستعيد رسم خريطة المنطقة وفق مقاسات أحلامه التوراتية، وأن جيشه الذي لا يقهر سيجتاح غزة ولبنان وسوريا في أسابيع قليلة.
لكن يا للمفارقة! بينما كان يتحدث عن الفرات والنيل، كان جيشه يتعثر في أزقة غزة. بينما كان يرسم خرائط الإمبراطورية الجديدة، كان مقاتلو حزب الله يضحكون على خطوطه الحمراء من على تلال جنوب لبنان. بينما كان يهدد بتدمير إيران، كانت صواريخ المقاومة تدك عمق كيانه.
هذه المادة الصحفية الساخرة لن ترحم هذا المسخ. ستقلبه على كل جوانبه، ستكشف هزائمه تحت ستار انتصاراته، وستفضح انهياراته خلف جدار صولجانه. ستكون رحلة في العبقرية الفاشلة، في القيادة التي أضاعت الطريق، في الرجل الذي قاد إمبراطوراً اسمه ترامب إلى الهاوية، بينما كان عاجزاً عن التقدم شبراً واحداً في جنوب لبنان أو الاستقرار في غزة.
استعدوا أيها السادة لقراءة أسخف فصل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فصل كتبه نتنياهو بيديه، ومحاه مقاتلو المقاومة بدمائهم، وضحك عليه العالم كله.
الفصل الأول: المسخ يتشكل - كيف يصنع الوهم نفسه
لكي نفهم كيف وصل بنا الحال إلى هذه المهزلة الكونية، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، إلى لحظة تشكل هذا المسخ العجيب. إنها قصة خيالية بامتياز، قصة رجل استطاع أن يبيع الوهم لأقوى رجل في العالم.
البيئة الحاضنة:
تخيلوا معي مختبراً علمياً ضخماً، لكنه ليس مختبر أبحاث عادي. إنه مختبر سياسي نفسي اجتماعي تاريخي. في هذا المختبر، تم وضع مجموعة من العناصر المتفجرة:
· طموح لامحدود يتجاوز حجم صاحبه بكثير. · عقدة نقص تاريخية تجاه العالم العربي. · قدرة فائقة على التمثيل وإيهام الآخرين. · قراءة توراتية للجغرافيا تخلط بين الأسطورة والواقع. · خبرة موسادية في التضليل والخداع. · أبستينية متطرفة تبحث عن مسيح سياسي.
تم خلط هذه العناصر في وعاء واحد، ووضعت على نار الغطرسة البطيئة، وتركت لتتخمر لعقود. وكانت النتيجة: نتنياهو المسخ!
مراحل التكوين:
في المرحلة الأولى، كان مجرد سياسي عادي، يتنقل بين المناصب، ويحاول البقاء على السطح مثل غيره. لكنه لاحظ شيئاً مهماً: العالم يحترم الأقوياء، والغرب يعشق المنتصرين، والإعلام يطارد أصحاب المشاريع الكبرى.
في المرحلة الثانية، بدأ يختبر نظريته: كلما زاد في التطرف، زاد الدعم. كلما بالغ في تهديد العرب، زادت شعبيته. كلما تحدث عن "إسرائيل الكبرى"، صفق له اليمين الديني.
في المرحلة الثالثة، وصل إلى قناعة خطيرة: أنا لا أمثل مجرد دولة، أنا أمثل مشروعاً تاريخياً. أنا لست مجرد رئيس وزراء، أنا مخلّص الشعب اليهودي. أنا الوريث الشرعي لكورش الفارسي الذي سمح لليهود بالعودة إلى صهيون.
وهنا بدأت الكارثة.
الفصل الثاني: ترامب يقع في الفخ - أو حين صدق كذاب كذاباً أكبر
في صيف عام 2017، وفي قاعات البيت الأبيض المذهبة، التقى اثنان من أعظم كذابي العصر: دونالد ترامب، ملك الكذب التجاري، وبنيامين نتنياهو، سلطان الكذب السياسي. كان اللقاء أشبه بلقاء جبلين من النرجسية، أو بمباراة في من سيكون أكثر قدرة على إيهام الآخر بأنه إمبراطور حقيقي.
ترامب: الإمبراطور الجاهل:
ترامب كان حالة فريدة. رجل وصل إلى أعلى منصب في العالم دون أن يعرف شيئاً عن العالم. كان يعتقد أن فنزويلا دولة في أفريقيا، وأن السويد تعرضت لهجوم إرهابي كبير (ولم تتعرض)، وأن النمسا لديها كنغر (والكنغر في أستراليا).
لكن ترامب كان يعرف شيئاً واحداً جيداً: كيفية البيع. باع العقارات الوهمية، باع الجامعات الوهمية، باع نفسه كرجل أعمال ناجح رغم إفلاسه مرات عديدة. وكان يعتقد أن السياسة مثل العقارات: تشتري، تبيع، تروج، تكذب، وتربح.
نتنياهو: البائع المتجول:
هنا دخل نتنياهو على الخط. هذا الرجل الذي أمضى حياته في الترويج لإسرائيل كقوة عظمى، كحاملة طائرات أمريكية في الشرق الأوسط، كدولة تشارك أمريكا قيمها ومصالحها. وجد في ترامب الزبون المثالي: ساذج بما يكفي ليصدق أي كذبة، ونرجسي بما يكفي ليعتقد أنه قادر على تحقيق أي شيء، وغني بما يكفي (باعتبار أمريكا أغنى دولة) ليدفع ثمن أي مغامرة.
صفقة القرن: أكبر نكتة في التاريخ:
اقترح نتنياهو على ترامب فكرة "صفقة القرن". تخيلوا معي: رجل يعجز عن إدارة دولة بحجم نيوجيرسي يقنع رجل يعجز عن إدارة فندق في لاس فيغاس بأنهما سيحلان أعقد صراع في التاريخ في بضعة أشهر!
قال نتنياهو لترامب: سأعطيك القدس عاصمة لإسرائيل، وسأعطيك الجولان أرضاً إسرائيلية، وسأعطيك الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية. وكل ما أطلبه منك هو أن تقول "نعم".
قال ترامب: هل هذه الصفقة حقيقية؟ هل يمكنني تحقيقها بسهولة؟
قال نتنياهو: بالتأكيد. الفلسطينيون لا وجود لهم، هم مجرد عرب كانوا يعيشون هنا وهاجروا للعمل. والعرب الآخرون مشغولون ببعضهم. هذه فرصة العمر.
وصدق ترامب!
الفصل الثالث: من الفرات إلى النيل - خريطة المسخ الوهمية
في إحدى ليالي الشتاء الباردة في القدس المحتلة، جلس نتنياهو مع مستشاريه يرسم خرائط إمبراطوريته الجديدة. على الحائط، علق خريطة كبيرة للمنطقة، وأخذ قلماً أحمر وبدأ يرسم:
الحدود الشمالية: الفرات.
قال نتنياهو: من هنا نبدأ. الفرات، ذلك النهر العظيم الذي يروي أرض الرافدين، سيكون حدودنا الشمالية الشرقية. سوريا كلها ستكون تحت نفوذنا. العراق أيضاً. من بغداد ستبدأ إمبراطوريتنا.
سأله أحد المستشارين: لكن سيدي، هناك إيران في الطريق. هناك حزب الله. هناك مقاومة.
ضحك نتنياهو: إيران؟ حزب الله؟ هذه مجرد أسماء. سنقصفهم بالطائرات الأمريكية، وسينتهي الأمر.
الحدود الجنوبية: النيل.
تابع نتنياهو الرسم: ومن هنا إلى النيل. مصر ستكون تحت حمايتنا. السودان أيضاً. وسنشق قناة تربط البحر الميت بالبحر الأحمر لنحول المياه إلى إسرائيل.
سأله مستشار آخر: لكن سيدي، مصر لديها جيش كبير. السودان لديه سيادة.
هز نتنياهو رأسه باستخفاف: السيسي صديقنا. والجنود المصريون جائعون. سنشتريهم بالمال.
غزة ولبنان: تفاصيل صغيرة.
وعندما وصل إلى غزة، قال: هذه قطعة صغيرة من الأرض، سنقضي على حماس في أسبوعين. ولبنان؟ حزب الله هناك، لكنه مجرد ميليشيا، سنسحقها في شهر.
الخريطة التي رسمها نتنياهو كانت تمتد من نهر الفرات في الشرق إلى نهر النيل في الغرب، ومن تركيا في الشمال إلى السعودية في الجنوب. كانت إمبراطورية ضخمة، تفوق مساحة بريطانيا وفرنسا وألمانيا مجتمعة.
المشكلة الوحيدة: هذه الإمبراطورية كانت موجودة فقط في مخيلة نتنياهو، وعلى الخريطة المعلقة على حائط مكتبه.
الفصل الرابع: غزة - حيث تتحطم الأوهام على صخور الواقع
في السابع من أكتوبر، حدث ما لم يكن في الحسبان. المقاومة الفلسطينية شنت هجوماً أذهل العالم، وأظهرت للجميع أن الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر هو مجرد فقاعة صابون.
نتنياهو يتلقى الخبر:
تخيلوا المشهد: كان نتنياهو نائماً في سريره، يحلم بأنه يمتطي جواداً أبيض ويعبر نهر الفرات، عندما دق جرس الهاتف. على الطرف الآخر، رئيس الموساد:
· سيدي، حدث شيء كبير. · ماذا؟ هل بدأنا الهجوم على لبنان؟ · لا سيدي. الفلسطينيون هاجمونا. · أي فلسطينيين؟ لقد قلنا إنهم غير موجودين. · الموجودين سيدي. الذين في غزة. · غزة؟ تلك القطعة الصغيرة من الأرض التي قلنا إننا سنقضي على حماس فيها في أسبوعين؟ · هي نفسها سيدي. لكن يبدو أن حماس كانت تستعد لنا. · وكيف عرفت الموساد ذلك؟ · من خلال الاعترافات سيدي. اعترافات جنودنا الأسرى.
الرد الإسرائيلي: قصف غير مجدٍ:
قرر نتنياهو الرد بطريقة كلاسيكية: القصف الجوي. قال لجنرالاته: قصفتوا كل شيء؟ قالوا: كل شيء. قال: إذن حماس انتهت. قالوا: لا سيدي، مقاتلوها لا يزالون في الأنفاق. قال: ألقوا قنابل على الأنفاق. قالوا: ألقينا. قال: وماذا حدث؟ قالوا: الأنفاق لا تزال موجودة، والمقاتلون لا يزالون يقاتلون.
هنا بدأت تظهر ملامح الأزمة. الجيش الإسرائيلي، الذي أنفقت عليه أمريكا مليارات الدولارات، والذي يتفاخر بأنه الأقوى في المنطقة، كان عاجزاً عن هزيمة مجموعة من المقاتلين في قطاع ضيق محاصر منذ 17 عاماً.
الغزو البري: الفشل الذريع:
وبعد أسابيع من القصف، قرر نتنياهو الغزو البري. قال لجنوده: ادخلوا غزة واقضوا على حماس. دخل الجنود. وبعد أيام قليلة، بدأت تصل التقارير:
· سيدي، خسرنا 10 جنود اليوم. · سيدي، دبابتنا انفجرت. · سيدي، جنودنا محاصرون. · سيدي، نريد الانسحاب.
تراجع الجيش الإسرائيلي، تاركاً وراءه دبابات محترقة وجنوداً قتلى. وكانت هذه مجرد البداية.
الفصل الخامس: جنوب لبنان - حيث يضحك حزب الله على خطوط نتنياهو الحمراء
بعد الفشل في غزة، قرر نتنياهو تحويل الأنظار إلى لبنان. قال لجنرالاته: سنقصف لبنان، وسنقضي على حزب الله، وسنعيد رسم خريطة المنطقة.
الجنرالات يتشاورون:
اجتمع الجنرالات في غرفة العمليات. قال رئيس الأركان: سيدي، حزب الله ليس حماس. حزب الله لديه 150 ألف صاروخ. بعضها دقيق يصل إلى أي نقطة في إسرائيل.
قال نتنياهو: وماذا في ذلك؟ نحن لدينا طائرات إف-35.
قال الجنرال: سيدي، طائرات إف-35 لا تدمر الصواريخ المخبأة في الجبال.
قال نتنياهو: إذن سنقصف الجبال.
قال الجنرال: سيدي، الجبال في لبنان كبيرة جداً.
قال نتنياهو: وماذا تقترح؟
قال الجنرال: أن لا نقصف لبنان.
صمت نتنياهو قليلاً ثم قال: سأفكر في الأمر.
القصف المحدود:
لكن نتنياهو لم يستطع مقاومة إغراء القصف. أمر بطائراته بقصف أهداف في جنوب لبنان. قصفت الطائرات. وبعد ساعات، بدأت صواريخ حزب الله تتساقط على إسرائيل.
· سيدي، صواريخ على حيفا. · سيدي، صواريخ على تل أبيب. · سيدي، صواريخ على القدس. · سيدي، مليون إسرائيلي في الملاجئ.
قال نتنياهو: لكننا قصفنا أهدافاً في لبنان.
قال الجنرال: سيدي، هم يردون.
قال نتنياهو: أوقفوا الرد.
قال الجنرال: لا نستطيع. هم من يقررون متى يردون.
هنا أدرك نتنياهو حقيقة مرة: حزب الله هو من يحدد قواعد اللعبة، وليس هو.
خطوط نتنياهو الحمراء:
طوال سنوات، كان نتنياهو يرسم خطوطاً حمراء في لبنان: لا تقتربوا من الحدود، لا تمتلكوا صواريخ دقيقة، لا تهددوا منصات الغاز. وحزب الله كان يتجاوز كل هذه الخطوط، ونتنياهو كان يهدد ولا ينفذ.
في النهاية، أصبحت خطوط نتنياهو الحمراء مادة للسخرية في لبنان. يقولون: ما هو خط نتنياهو الأحمر هذا الأسبوع؟ أهو خط وهمي أم خط كاريكاتيري؟
الفصل السادس: الجبهات السبع - حين يعترف المسخ بعجزه
في لحظة تاريخية نادرة، وقف نتنياهو أمام الكاميرات ليعلن: إسرائيل تواجه حرباً على سبع جبهات: غزة، الضفة، لبنان، سوريا، العراق، اليمن، إيران.
تحليل التصريح:
هذا التصريح كان بمثابة اعتراف رسمي بالفشل. فالقائد العظيم لا يواجه سبع جبهات. القائد العظيم يختار جبهة واحدة ويحسمها ثم ينتقل إلى الأخرى. أما من يواجه سبع جبهات في آن واحد، فهو إما أحمق أو مهزوم.
لكن نتنياهو حاول أن يبيعها كانتصار. قال: انظروا كم نحن أقوياء، كل هؤلاء يحاربوننا. إنهم خائفون منا. إنهم يريدون تدميرنا لكننا صامدون.
ردود الفعل على التصريح:
في غزة: ضحك مقاتلو حماس. قالوا: سبع جبهات؟ نحن جبهة واحدة فقط ونعجز عن هزيمتنا.
في لبنان: قال حسن نصر الله في خطابه: نتنياهو يتحدث عن سبع جبهات. دعوه يعد الجبهات، نحن نعد الصواريخ.
في اليمن: قال الحوثيون: سبع جبهات؟ سنضيف ثامنة. ثم أطلقوا صاروخاً نحو إيلات.
في إيران: قال المرشد الإيراني: سبع جبهات؟ بارك الله فيكم. نتمنى لكم النجاح في مواجهة كل هذه الجبهات.
في واشنطن: قال بايدن لمساعديه: هل قال سبع جبهات؟ يا إلهي، كم ستكلفنا هذه الحرب؟
الرقم السحري:
الغريب أن نتنياهو اختار الرقم سبعة. ربما لأنه رقم مقدس في التوراة. ربما لأنه رقم الحظ. ربما لأنه ببساطة لم يستطع العد أكثر من سبعة.
لكن المحللين لاحظوا شيئاً: نتنياهو نسي أن يحصي جبهة ثامنة: الجبهة الداخلية الإسرائيلية. فالمجتمع الإسرائيلي كان منقسماً على نفسه، والاحتجاجات تعم الشوارع، والاقتصاد ينهار، والهجرة تزداد. هذه ربما كانت أخطر جبهة على الإطلاق.
الفصل السابع: مئة ألف احتياطي - أين ذهب الجنود؟
في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أعلن نتنياهو تعبئة مئة ألف جندي احتياط. قال: مئة ألف جندي سينضمون إلى جيشنا الباسل لتحقيق النصر.
الاستدعاء:
صدرت الأوامر. وصلت رسائل الاستدعاء إلى منازل الجنود الاحتياط. وفي اليوم التالي، حدثت المفاجأة.
من بين مئة ألف جندي تم استدعاؤهم، حضر خمسة وثلاثون ألفاً فقط. الباقون كان لديهم أعذار متنوعة:
· أحدهم قال: لدي امتحانات في الجامعة. · آخر قال: زوجتي مريضة. · ثالث قال: أنا أسافر للخارج هذا الأسبوع. · رابع قال: لقد أرسلت رسالة أني لست موجوداً.
التحقيق في الأسباب:
شكل الجيش لجنة تحقيق لمعرفة أسباب التهرب. بعد أسابيع من التحقيق، توصلت اللجنة إلى النتائج التالية:
السبب الأول: فقدان الثقة في القيادة. الجنود لا يريدون الموت من أجل نتنياهو المتهم بالفساد.
السبب الثاني: فقدان الثقة في الحرب. الجنود لا يفهمون لماذا يقاتلون. ما هو الهدف من الحرب؟ القضاء على حماس؟ لكن حماس ما زالت موجودة. تحرير الأسرى؟ لكن الأسرى ما زالوا في غزة.
السبب الثالث: الخوف. الجنود يشاهدون أقرانهم يقتلون في غزة ولبنان، ويعرفون أن الجيش الإسرائيلي ليس الجيش الذي لا يقهر.
السبب الرابع: بدائل أفضل. الكثير من الشباب الإسرائيلي يفضلون السفر إلى الهند أو أمريكا الجنوبية على الذهاب إلى الحرب.
نتنياهو يتفاجأ:
عندما علم نتنياهو بالأرقام، صرخ في وجه جنرالاته: كيف ذلك؟ كيف يتهرب الجنود من الخدمة؟ أليسوا وطنيين؟ أليسوا يهوداً؟ أليسوا يؤمنون بإسرائيل؟
قال أحد الجنرالات بهدوء: سيدي، يبدو أنهم يؤمنون بأنفسهم أكثر مما يؤمنون بك.
هنا أدرك نتنياهو أن مشكلته ليست مع حماس أو حزب الله فقط. مشكلته مع شعبه أيضاً.
الفصل الثامن: نتنياهو وترامب - قصة حب انتهت في الهاوية
العلاقة بين نتنياهو وترامب كانت أشبه بعلاقة مصاص الدماء بضحاياه. نتنياهو كان يمتص من ترامب القوة والمال والدعم، وترامب كان يمتص من نتنياهو الأوهام والأحلام.
البداية: حب من أول نظرة:
عندما التقى الرجلان لأول مرة، كان الانسجام تاماً. ترامب رأى في نتنياهو رجلاً قوياً لا يخاف أحداً، تماماً مثله. ونتنياهو رأى في ترامب رجلاً غبياً بما يكفي ليصدق أي شيء.
تطورت العلاقة بسرعة. ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بالجولان أرضاً إسرائيلية، وقطع المساعدات عن الفلسطينيين، وأغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن. وفي المقابل، كان نتنياهو يصفق بحرارة ويقول: ترامب أعظم رئيس في التاريخ.
الذروة: صفقة القرن:
وصلت العلاقة ذروتها مع "صفقة القرن". ترامب وقع على الخريطة التي رسمها نتنياهو، وأعلنها صفقة السلام الوحيدة الممكنة. الفلسطينيون رفضوها طبعاً، والعرب رفضوها، والعالم كله سخر منها. لكن ترامب كان سعيداً. لقد أنجز صفقة.
الانهيار: عندما بدأ الواقع يظهر:
مع بداية حرب غزة، بدأت العلاقة تتدهور. ترامب كان يتوقع نصراً سريعاً يعزز صورته كصانع سلام. بدلاً من ذلك، رأى جيش إسرائيل يتعثر، وحماس تصمد، والعالم يدين إسرائيل، وأمريكا تواجه عزلة دولية.
بدأ ترامب يسأل مساعديه: لماذا لم ينتصر نتنياهو بعد؟ أليس جيشه قوياً؟ أليس لديه طائرات إف-35؟
قال المساعدون: سيدي، المقاومة أقوى مما كنا نتوقع.
قال ترامب: لكن نتنياهو قال لي إنها مسألة أسابيع.
قال المساعدون: سيدي، يبدو أنه كان مخطئاً.
نهاية الحب:
عندما بدأت الخسائر تتزايد، وعندما بدأ الرأي العام العالمي ينقلب ضد إسرائيل، وعندما بدأت الضغوط تتزايد على الإدارة الأمريكية، بدأ ترامب يشعر بالندم. لقد وثق بالرجل الخطأ. لقد صدق الكذاب الأكبر.
في النهاية، انتهت العلاقة كما تنتهي كل علاقات ترامب: بالطلاق البارد. ترامب توقف عن الاتصال بنتنياهو، وتوقف عن الدفاع عنه علناً، واكتفى بتغريدات غامضة عن "الحروب الغبية" و"القادة الفاشلين".
أما نتنياهو، فقد بقي وحيداً يواجه سبع جبهات، وجيشاً منهكاً، وشعباً غاضباً، وعالماً ساخراً.
الفصل التاسع: القيادة الفاسدة - حين يصبح الهروب فناً وطنياً
في خضم هذه المهزلة الكبرى، برزت ظاهرة فريدة: القيادة الإسرائيلية الفاسدة التي تتقن فن الهروب بامتياز. هؤلاء القادة الذين أشعلوا الحرب وهم في مكاتبهم المكيفة، كانوا أول من فكر في الهروب عندما اشتعلت النيران.
نتنياهو: الأب الروحي:
نتنياهو نفسه كان نموذجاً للقائد الفاسد. متهم بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. يواجه محاكمة علنية. يقود حكومة من المتطرفين والمجرمين. ومع ذلك، يصر على البقاء في السلطة بأي ثمن.
في الأيام الأولى للحرب، كان نتنياهو يظهر على شاشات التلفاز ببدلاته الأنيقة وربطاته الحمراء، يتحدث عن النصر والبطولة والتضحية. لكن في الليل، كان يعقد اجتماعات سرية مع مستشاريه لمناقشة خيارات الهروب: إلى أين نذهب إذا انهار كل شيء؟ هل سويسرا آمنة؟ أم كندا؟ أم ربما ميامي؟
وزراء الحكومة: نجوم الهروب:
وزراء حكومة نتنياهو لم يكونوا أقل منه فساداً. وزير الأمن القومي بن غفير، المتطرف الذي كان يحلم بإقامة هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى، اختفى عن الأنظار بمجرد أن بدأت الصواريخ تتساقط. قيل إنه اختبأ في قبو منزله في مستوطنة كريات أربع، ولم يخرج إلا ليلاً.
وزير المالية سموتريتش، الذي كان يتحدث عن "إسرائيل الكبرى" و"طمس القرى الفلسطينية"، اكتشف فجأة أن لديه التزامات عائلية ملحة في مستوطنة إيلي، وأنه لا يستطيع مغادرتها.
وزير الدفاع غالانت، الذي كان يتوعد حزب الله بتدمير لبنان، طلب من الجيش توفير حماية خاصة له ولعائلته، ونقلهم إلى مكان آمن.
القادة العسكريون: الهروب تحت ستار التكتيك:
أما القادة العسكريون، فكانوا أكثر إبداعاً في ابتكار أعذار الهروب. رئيس الأركان هرتسي هليفي، الذي قاد الحملة على غزة، كان يظهر في الجبهة لالتقاط الصور التذكارية مع الجنود، ثم يعود سريعاً إلى مكتبه المكيف في تل أبيب.
قائد المنطقة الشمالية، الذي كان مسؤولاً عن جبهة لبنان، أمضى معظم أيام الحرب في غرفة العمليات تحت الأرض، ولم يزر الجبهة ولو مرة واحدة.
قائد سلاح الجو، الذي كان يتفاخر بتدمير أهداف في غزة ولبنان، كان يدير العمليات من قاعدة جوية بعيدة عن مرمى الصواريخ.
الجنود يكتشفون الحقيقة:
الجنود الإسرائيليون في الميدان لم يكونوا أغبياء. رأوا قادتهم يتحدثون عن التضحية وهم في مكاتبهم الآمنة. رأوا وزراء يتوعدون وهم في ملاجئهم المحصنة. رأوا رئيس وزراء يبكي على التلفاز ويمثل دور البطل، بينما هو يخطط للهروب.
هذا التناقض الصارخ بين خطاب التضحية وممارسة الهروب كان أحد الأسباب الرئيسية لتراجع الروح المعنوية بين الجنود. فالرجل الذي يقودك إلى المعركة يجب أن يكون معك في المعركة. أما إذا كان في الملجأ بينما أنت في الخندق، فلماذا تقاتل من أجله؟
الفصل العاشر: القصف الجوي - عندما يصبح التراب هدفاً استراتيجياً
منذ الأيام الأولى للحرب، اعتمد الجيش الإسرائيلي على القصف الجوي كحل سحري لكل المشاكل. قال الجنرالات: سنقصف غزة حتى تطلب حماس الاستسلام. سنقصف لبنان حتى يركع حزب الله. سنقصف إيران حتى تتراجع عن تهديداتها.
نظرية القصف الشامل:
الفكرة بسيطة: القنابل تحل كل شيء. أنت تقصف، والعدو يموت، وتنتهي الحرب. هذه النظرية كانت شائعة في الحرب العالمية الثانية، عندما قصفت الحلفاء ألمانيا واليابان حتى استسلما.
لكن النظرية تطورت منذ ذلك الحين. تبين أن القصف وحده لا يكفي لتحقيق النصر. تبين أن الشعوب التي تتعرض للقصف تصبح أكثر إصراراً على المقاومة. تبين أن الأنفاق تحمي المقاتلين، وأن الصواريخ يمكن إطلاقها من أي مكان.
تطبيق النظرية في غزة:
قرر الجيش الإسرائيلي تطبيق نظرية القصف الشامل على غزة. آلاف الطلعات الجوية. آلاف القنابل. مئات الأطنان من المتفجرات. والنتيجة؟
النتيجة: دمار هائل في المباني والبنية التحتية، لكن حماس لا تزال تقاتل. الصواريخ لا تزال تنطلق. المقاومة لا تزال مستمرة.
قال أحد الجنرالات لنتنياهو: سيدي، لقد قصفنا كل شيء. لم يعد هناك أهداف.
قال نتنياهو: كيف لا توجد أهداف؟ هناك حماس.
قال الجنرال: حماس تحت الأرض سيدي. في الأنفاق.
قال نتنياهو: إذن قصفوا الأنفاق.
قال الجنرال: الأنفاق عميقة جداً. القناص لا تصل إليها.
قال نتنياهو: إذن استخدموا قناص أكبر.
قال الجنرال: القنابل الأكبر قد تقتل أسرىنا أيضاً.
صمت نتنياهو. كان عاجزاً عن تقديم حل.
تطبيق النظرية في لبنان:
عندما انتقل القصف إلى لبنان، تكرر السيناريو نفسه. الطائرات الإسرائيلية قصفت أهدافاً في جنوب لبنان والبقاع. وحزب الله رد بصواريخه. والنتيجة: دمار في لبنان، ونزوح في إسرائيل.
قال أحد الجنرالات: سيدي، حزب الله أطلق 200 صاروخ اليوم.
قال نتنياهو: وكم هدفاً قصفنا؟
قال الجنرال: 50 هدفاً.
قال نتنياهو: إذن نحن متقدمون.
قال الجنرال: لكن صواريخهم وصلت إلى حيفا وتل أبيب.
قال نتنياهو: لكننا قصفنا 50 هدفاً.
هنا أدرك الجنرال أن نتنياهو لا يفهم الفرق بين القصف والنصر.
الفصل الحادي عشر: الإعلام الإسرائيلي - بطل الأوهام
في خضم هذه المهزلة، كان الإعلام الإسرائيلي يؤدي دوراً بطولياً في تضليل الجمهور وترويج الأوهام. القنوات الإخبارية كانت تتنافس في تقديم الرواية الأكثر تفاؤلاً، حتى لو كانت مخالفة للواقع.
بداية الحرب: نشوة النصر:
في الأيام الأولى للحرب، كانت النشوة تعم الإعلام الإسرائيلي. عناوين كبيرة: "الجيش يدمر أهدافاً في غزة"، "سلاح الجو يقصف مئات الأهداف"، "الاستعدادات للاجتياح البري". محللون عسكريون يتحدثون عن أيام قليلة وتنتهي حماس. سياسيون يتوعدون بتحويل غزة إلى مدينة أشباح.
بعد أسابيع: بداية الشك:
بعد أسابيع من القصف، بدأت تظهر علامات الشك. لماذا لم تستسلم حماس بعد؟ لماذا ما زالت الصواريخ تنطلق؟ لماذا يقتل جنودنا؟
لكن الإعلام كان سريعاً في تقديم التفسيرات: حماس تستخدم المدنيين دروعاً بشرية. حماس تختبئ في المستشفيات. حماس تمنع المدنيين من الإخلاء. كلها تبريرات مألوفة، تهدف إلى إلقاء اللوم على الضحية بدلاً من الجلاد.
بعد أشهر: أزمة ثقة:
مع مرور الأشهر، بدأت أزمة ثقة حادة بين الإعلام الإسرائيلي والجمهور. الناس لم يعودوا يصدقون البيانات الرسمية. الجنود العائدون من الجبهة كانوا ينشرون على وسائل التواصل قصصاً مختلفة عما تذيعه القنوات.
استطلاعات الرأي أظهرت أن غالبية الإسرائيليين لا يثقون في الإعلام، ويعتقدون أنه يخفي الحقائق عنهم. هذه الأزمة كانت تعبيراً عن أزمة أعمق: أزمة الثقة في المؤسسة الإسرائيلية برمتها.
السخرية تنتشر:
في ظل هذه الأجواء، بدأت السخرية تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية. نكات عن نتنياهو، نكات عن الجيش، نكات عن الحكومة. بعض هذه النكات كانت قاسية جداً:
· ماذا يفعل نتنياهو عندما يرى صاروخاً لحزب الله؟ يختبئ تحت الطاولة ويصرخ: يا ترامب، أنقذني. · لماذا يخاف الجيش الإسرائيلي من دخول غزة؟ لأنه يعرف أن حماس لديها صوره وهو يهرب. · ما الفرق بين نتنياهو وصاروخ حزب الله؟ صاروخ حزب الله يصيب هدفه أحياناً.
هذه النكات كانت أكثر من مجرد تسلية. كانت تعبيراً عن غضب شعبي وإحباط عميق من قيادة فاشلة.
الفصل الثاني عشر: الجنود يهربون - حين يصبح الانتحار واجباً وطنياً
في الجبهات، كان المشهد أكثر قتامة. الجنود الإسرائيليون، الذين أرسلوا لخوض معارك عبثية، بدأوا يبحثون عن طرق للهروب.
أنماط الهروب:
اكتشف المراسلون العسكريون أنماطاً متعددة من الهروب:
النمط الأول: الهروب الجسدي. بعض الجنود ببساطة يتركون مواقعهم ويعودون إلى ديارهم. يختبئون في البيوت، أو يسافرون للخارج، أو يغيرون هوياتهم.
النمط الثاني: الهروب النفسي. جنود آخرون يبقون في مواقعهم لكنهم لا يقاتلون. يطلقون النار في الهواء، أو يتعمدون إضاعة الذخيرة، أو يدّعون المرض.
النمط الثالث: الهروب المعنوي. جنود يبقون ويقاتلون لكن بدون روح. يؤدون واجبهم فقط، بدون أي حماس أو إيمان بالقضية.
شهادات من الميدان:
نشر أحد الجنود الإسرائيليين شهادة مؤثرة على فيسبوك قبل أن يحذفها الجيش. قال فيها:
"كنا في بيت لاهيا شمال غزة. حوالي 30 جندياً. تلقينا أوامر بالتقدم نحو منطقة مأهولة. كنا نعرف أن هناك مقاتلي حماس في الأنفاق. كنا نعرف أن الكثيرين منا سيموتون. تساءلنا: لماذا نموت؟ من أجل نتنياهو؟ من أجل بن غفير؟ من أجل أحلام الهيكل المزعوم؟
رفض ثلاثة منا التقدم. قالوا إنهم يفضلون السجن على الموت. أطلقنا النار في الهواء وقلنا إننا نواجه مقاومة. ثم انسحبنا.
هذه الحرب لا معنى لها. هذه القيادة لا تستحق التضحية. نحن نموت من أجل لا شيء."
التحول في الروح المعنوية:
هذه الشهادة وغيرها كشفت عن تحول كبير في الروح المعنوية للجيش الإسرائيلي. الجيش الذي كان يفخر بأنه "جيش الشعب"، وأن الجنود مستعدون للتضحية من أجل الدولة، تحول إلى جيش من المرتزقة المأجورين، الذين يقاتلون لأنهم مجبرون، ويهربون عندما تسنح الفرصة.
هذا التحول كان بمثابة زلزال في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فالروح المعنوية هي سلاح لا يقل أهمية عن الدبابات والطائرات. جيش بلا روح هو جيش منهزم حتى قبل أن يبدأ القتال.
الفصل الثالث عشر: صواريخ المقاومة - بطاقات بريدية إلى تل أبيب
في مقابل الفشل الإسرائيلي، كانت صواريخ المقاومة ترسل رسائل واضحة إلى العمق الإسرائيلي. كل صاروخ كان بمثابة بطاقة بريدية تقول: نحن هنا، لم ننته بعد، وما زلنا قادرين على إيذائك.
صواريخ غزة: مفاجآت غير سارة:
بدأت حماس إطلاق الصواريخ منذ اليوم الأول. في البداية، كانت صواريخ بدائية، قصيرة المدى. لكن مع تقدم الحرب، ظهرت مفاجآت غير سارة للجيش الإسرائيلي: صواريخ بعيدة المدى تصل إلى تل أبيب والقدس. صواريخ مضادة للدروع تدمر الدبابات. صواريخ مضادة للطائرات تعقد مهمات سلاح الجو. مسيرات انتحارية تضرب أهدافاً حساسة.
قال أحد المحللين العسكريين الإسرائيليين: كنا نعتقد أن حماس لديها 10 آلاف صاروخ بدائي. اكتشفنا أن لديها 30 ألف صاروخ متطور. كنا نعتقد أن قدراتها محدودة. اكتشفنا أنها تمتلك تكنولوجيا متطورة. كنا نعتقد أنها معزولة. اكتشفنا أنها مدعومة من قوى إقليمية.
صواريخ حزب الله: الجحيم الموعود:
أما صواريخ حزب الله، فكانت حديث الساعة. 150 ألف صاروخ، بعضها دقيق يصل إلى أي نقطة في إسرائيل. قدرات هائلة تضرب العمق الإسرائيلي وتشل الحياة فيه.
عندما بدأ حزب الله بقصف إسرائيل، كان المشهد كارثياً: مليون إسرائيلي في الملاجئ. حركة الطيران تتوقف. الاقتصاد يشل. الحياة اليومية تتعطل.
قال نتنياهو لجنرالاته: أوقفوا صواريخ حزب الله.
قال الجنرالات: لا نستطيع سيدي.
قال نتنياهو: كيف لا تستطيعون؟ لديكم القبة الحديدية.
قال الجنرالات: القبة الحديدية تعترض الصواريخ البسيطة. صواريخ حزب الله كثيرة ومتطورة.
قال نتنياهو: إذن ماذا نفعل؟
قال الجنرالات: ننتظر حتى تنتهي صواريخهم.
قال نتنياهو: ومتى تنتهي؟
قال الجنرالات: بعد أسابيع أو أشهر. وربما لا تنتهي.
صواريخ اليمن: مفاجأة من الجنوب:
المفاجأة الكبرى جاءت من اليمن. الحوثيون، الذين يبعدون آلاف الكيلومترات عن إسرائيل، أطلقوا صواريخ ومسيرات باتجاه إيلات والعُمق الإسرائيلي. العالم دهش. إسرائيل ارتبكت. أمريكا استنفرت.
قال نتنياهو: من هؤلاء؟ ماذا يريدون منا؟
قال مستشاروه: الحوثيون سيدي. في اليمن.
قال نتنياهو: وما علاقتنا باليمن؟
قال المستشارون: لا علاقة لنا بهم سيدي. لكنهم يريدون مساندة غزة.
هنا أدرك نتنياهو أن الحرب لم تعد حرباً مع فلسطين فقط. أصبحت حرباً مع أمة كاملة، تمتد من المحيط إلى الخليج، ومن العراق إلى اليمن.
الفصل الرابع عشر: إيران تخرج أقوى - أو كيف صنع نتنياهو نصراً لعدوه
المفارقة الكبرى في هذه الحرب أن نتنياهو، الذي قاد الحملة ضد إيران لسنوات، كان السبب الرئيسي في جعل إيران أقوى من أي وقت مضى.
حسابات خاطئة:
عندما شن نتنياهو الحرب على غزة، كان يعتقد أنه يضرب حماس وحماس فقط. كان يعتقد أن إيران ستقف مكتوفة الأيدي. كان يعتقد أن محور المقاومة لن يتحرك.
لكن الحسابات خابت تماماً. إيران لم تقف مكتوفة الأيدي. محور المقاومة تحرك بكامل قوته. والنتيجة: إيران خرجت من هذه الحرب أقوى مما دخلتها.
كيف أصبحت إيران أقوى:
أولاً: أثبتت إيران أنها قادرة على حماية حلفائها. حماس صمدت بفضل الدعم الإيراني. حزب الله امتلك القوة الرادعة بفضل التسليح الإيراني. الحوثيون استطاعوا تهديد الملاحة الدولية بفضل الخبرة الإيرانية.
ثانياً: أثبتت إيران أنها قادرة على استنزاف أمريكا وإسرائيل دون الدخول في حرب مباشرة. هذه استراتيجية ذكية: أن تجعل عدوك ينزف دون أن تنزف أنت.
ثالثاً: أثبتت إيران أنها قادرة على كسر العزلة الدولية. معارضة الحرب على غزة وحدت الموقف الدولي ضد إسرائيل وأمريكا، وكسبت إيران تعاطفاً عالمياً.
رابعاً: أثبتت إيران أن مشروعها المقاوم هو المشروع الوحيد القادر على مواجهة المشروع الصهيوني. هذا يعزز مكانتها في العالمين العربي والإسلامي.
نتنياهو يكتشف الفاتورة:
في نهاية الحرب، جلس نتنياهو مع مستشاريه لمراجعة الحسابات. كانت الفاتورة باهظة:
· خسائر بشرية ومادية فادحة. · تآكل قوة الردع الإسرائيلية. · عزلة دولية متزايدة. · انقسام داخلي حاد. · صعود إيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.
قال نتنياهو: كيف حدث هذا؟ لقد خططنا لهذه الحرب منذ سنوات. كنا نعتقد أنها ستكون سريعة وحاسمة.
قال أحد المستشارين: سيدي، يبدو أننا أخطأنا في تقدير الأمور.
قال نتنياهو: ولكن كيف؟
قال المستشار: سيدي، لقد استخدمنا نظرية قديمة. نظرية القوة الغاشمة. لكن العالم تغير. المقاومة تغيرت. موازين القوى تغيرت.
هنا أدرك نتنياهو أنه ليس فقط خسر الحرب، بل صنع نصراً لعدوه اللدود.
الفصل الخامس عشر: أمريكا تتراجع - عندما يصبح الحليف عبئاً
في خضم هذه المهزلة، كانت أمريكا تعيد حساباتها. فما كان يبدو حليفاً استراتيجياً لا غنى عنه، تحول إلى عبء ثقيل على كاهل الإمبراطورية.
بداية الشك:
بدأت الشكوك تتسلل إلى العقل الاستراتيجي الأمريكي منذ الأيام الأولى للحرب. لماذا ندعم إسرائيل بهذا الجنون؟ لماذا نخسر مصداقيتنا الدولية من أجلها؟ لماذا نغضب العالم العربي والإسلامي من أجل كيان لا يستطيع حماية نفسه؟
هذه الأسئلة كانت تتردد في أروقة البنتاغون والبيت الأبيض ووزارة الخارجية. الدبلوماسيون يحذرون. الجنرالات يتساءلون. المستشارون ينصحون بالتراجع.
ترامب يتراجع:
ترامب، الذي بدأ مغامرته مع نتنياهو بحماس كبير، بدأ يتراجع تدريجياً. لم يعد يتحدث عن "صفقة القرن". لم يعد يهاجم الفلسطينيين. لم يعد يدافع عن إسرائيل بشراسة. بل بدأ يلمح إلى أن إسرائيل يجب أن تتحمل مسؤوليتها.
في إحدى المقابلات التلفزيونية، سئل ترامب عن الحرب في غزة. قال: إسرائيل دولة مستقلة. يجب أن تدافع عن نفسها. نحن نساندها لكن القرار قرارها.
هذا التصريح كان بمثابة صدمة لنتنياهو. لقد اعتاد على دعم أمريكي غير محدود. فجأة، وجد نفسه وحيداً.
لماذا تتراجع أمريكا:
الأسباب متعددة:
أولاً: التكلفة الباهظة. دعم إسرائيل يكلف أمريكا مليارات الدولارات سنوياً. في زمن الأزمة الاقتصادية، هذا الدعم أصبح موضع تساؤل.
ثانياً: العزلة الدولية. دعم إسرائيل يجعل أمريكا منعزلة في المحافل الدولية. حتى حلفاؤها الأوروبيون يختلفون معها.
ثالثاً: صعود قوى جديدة. الصين وروسيا وإيران تملأ الفراغ الذي تتركه أمريكا. الانسحاب من المنطقة لم يعد خياراً، بل ضرورة.
رابعاً: الأزمة الداخلية. أمريكا تواجه مشاكل داخلية خطيرة: ديون متراكمة، استقطاب سياسي، تفكك اجتماعي. هذه المشاكل تستدعي الانكفاء على الذات، ليس التوسع الخارجي.
الفصل السادس عشر: محميات الخليج - من الرعية إلى المطالبة بالرحيل
في خضم التحولات الكبرى، كانت دول الخليج تراقب المشهد باهتمام شديد. هذه الدول التي كانت تعيش تحت "المظلة الأمريكية" لعقود، بدأت تعيد حساباتها.
الماضي: تبعية بلا حدود:
في الماضي، كانت دول الخليج تعتمد على أمريكا في كل شيء: الحماية العسكرية، الضمانات الأمنية، الدعم السياسي. القواعد الأمريكية تنتشر في أراضيها. الأساطيل الأمريكية ترسو في موانئها. الطائرات الأمريكية تحلق في أجوائها.
في المقابل، كانت هذه الدول تقدم لأمريكا ما تريد: نفط رخيص، دعم سياسي، تطبيع مع إسرائيل.
الحاضر: صدمة الواقع:
لكن الأحداث الأخيرة كانت صادمة. عندما هاجم الحوثيون منشآت أرامكو السعودية بصواريخ ومسيرات، وقفت أمريكا عاجزة عن حماية حليفتها. وعندما تصاعدت الحرب في غزة، وقفت أمريكا عاجزة عن حماية مصالحها في المنطقة.
هذا العجز أثار تساؤلات حادة في العواصم الخليجية: هل ما زالت أمريكا قادرة على حمايتنا؟ هل ما زالت ضماناتها موثوقة؟ هل ما زالت تحالفاتها مجدية؟
المستقبل: البحث عن بدائل:
النتيجة كانت طبيعية: البحث عن بدائل. دول الخليج بدأت تنوع شراكاتها: الصين تقدم استثمارات ضخمة. روسيا تقدم تعاوناً أمنياً. الهند تقدم شراكة اقتصادية. أوروبا تقدم تقارباً سياسياً.
والأهم من ذلك: دول الخليج بدأت تنظر إلى إيران نظرة مختلفة. لم تعد إيران العدو اللدود، بل أصبحت جاراً لا بد من التعايش معه. الحوار بدأ يتقدم. العلاقات بدأت تتحسن. التفاهمات بدأت تتراكم.
المطالبة برحيل أمريكا:
في هذا السياق، بدأت تظهر أصوات في الخليج تطالب برحيل القوات الأمريكية. ليس علناً بالطبع، لكن في المجالس الخاصة، وفي اجتماعات النخب، وفي تحليلات الخبراء.
المنطق بسيط: إذا كانت أمريكا عاجزة عن حمايتنا، فلماذا نستضيف قواعدها على أرضنا؟ وإذا كانت أمريكا تسبب لنا المشاكل مع جيراننا، فلماذا نتمسك بتحالفها؟ وإذا كانت أمريكا تخسر في المنطقة، فلماذا نرتبط بمصيرها؟
هذا التحول في الموقف الخليجي كان بمثابة زلزال في التحالفات الإقليمية. فدول الخليج كانت العمود الفقري للنفوذ الأمريكي في المنطقة. إذا تحولت هذه الدول، فسينهار كل شيء.
الفصل السابع عشر: الفرس والعرب - تحالف غير مقدس ضد نتنياهو
في مفارقة تاريخية عجيبة، وجد الفرس والعرب أنفسهم في خندق واحد ضد نتنياهو. هذا التحالف، الذي بدا مستحيلاً قبل سنوات، أصبح اليوم واقعاً ملموساً.
العدو المشترك:
ما جمع الفرس والعرب هو عدوانية نتنياهو وغطرسته. الرجل الذي كان يتحدث عن "إسرائيل من الفرات إلى النيل"، والذي كان يهدد العرب والفرس على السواء، خلق بنفسه هذا التحالف ضده.
فالفرس رأوا في نتنياهو تهديداً وجودياً. تصريحاته عن ضرورة تدمير إيران، وتهديداته المستمرة بضرب المنشآت النووية، ودعمه للانفصاليين والمنظمات المعادية لإيران، كل ذلك جعل منه عدواً لدوداً.
والعرب رأوا في نتنياهو امتداداً للمشروع الاستعماري الذي مزق بلادهم وسلب حقوقهم. دعمه للاستيطان، وتهويد القدس، وتهجير الفلسطينيين، كل ذلك جعل منه رمزاً للعدو التاريخي.
التقاء المصالح:
التقاء المصالح بين الفرس والعرب لم يعد خافياً على أحد. فالفرس يريدون طرد أمريكا من المنطقة. والعرب يريدون التخلص من الهيمنة الأمريكية. الفرس يريدون دعم المقاومة الفلسطينية. والعرب يريدون نصرة القضية الفلسطينية. الفرس يريدون بناء نظام إقليمي جديد. والعرب يريدون التحرر من القيود القديمة.
هذا التقاء المصالح خلق واقعاً جديداً: تنسيقاً متزايداً بين إيران ودول عربية، حوارات سرية وعلنية، تفاهمات أمنية واقتصادية، وتبادل زيارات ورسائل.
دور الصواريخ والمسيرات:
ما ساعد على تسريع هذا التحالف هو الأداء البطولي للصواريخ والمسيرات الإيرانية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. هذه الصواريخ التي حطمت أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" أكسبت إيران احتراماً عربياً جديداً.
فالعرب، الذين كانوا ينظرون إلى إيران بارتياب، بدأوا ينظرون إليها بإعجاب. ها هي دولة إسلامية تواجه أعتى قوة في المنطقة. ها هي صواريخ تدك عمق الكيان. ها هي مسيرات تصل إلى حيث لا تصل طائرات العدو.
هذا الإعجاب ترجم إلى دعم سياسي ومعنوي، وإلى رغبة في التعاون والتنسيق.
الفصل الثامن عشر: الادعاءات الباطلة - حين يصبح الكذب مهنة
طوال حياته السياسية، بنى نتنياهو شهرته على الكذب. كذب على الإسرائيليين، كذب على الأمريكيين، كذب على العالم. لكن في هذه الحرب، انكشفت أكاذيبه كلها.
كذبة الجيش الذي لا يقهر:
أول وأكبر كذبة كانت "الجيش الذي لا يقهر". ظل نتنياهو يردد لعقود أن الجيش الإسرائيلي هو الأقوى في المنطقة، وأنه قادر على هزيمة أي عدو في أي وقت. لكن حرب غزة ولبنان أثبتت عكس ذلك.
الجيش الذي لا يقهر عجز عن التقدم شبراً في جنوب لبنان. الجيش الذي لا يقهر فشل في السيطرة على غزة. الجيش الذي لا يقهر تكبد خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. الجيش الذي لا يقهر أصبح أضحوكة في العالم.
كذبة الردع الإسرائيلي:
الكذبة الثانية كانت "الردع الإسرائيلي". ظل نتنياهو يقول إن إسرائيل تمتلك قدرة ردع رهيبة تمنع أي عدو من مهاجمتها. لكن حماس هاجمتها في 7 أكتوبر. وحزب الله هاجمها بعد ذلك. والحوثيون هاجموها من اليمن. والمقاومة العراقية هاجمتها من العراق.
هذه الهجمات المتتالية أثبتت أن الردع الإسرائيلي لم يعد موجوداً. الأعداء لم يعودوا يخافون إسرائيل. بل إسرائيل هي التي تخاف منهم.
كذبة إسرائيل القوية:
الكذبة الثالثة كانت "إسرائيل القوية". ظل نتنياهو يردد أن إسرائيل قوة عظمى صاعدة، وأن اقتصادها قوي، وأن مجتمعها متماسك، وأن مستقبلها مشرق.
لكن الحرب كشفت الهشاشة الإسرائيلية. اقتصاد ينهار تحت وطأة النفقات العسكرية. مجتمع منقسم على نفسه. شباب يهرب من الخدمة العسكرية. قيادة فاسدة غير قادرة على اتخاذ القرارات. مستقبل غامض يخيم على الكيان.
كذبة الدعم الدولي:
الكذبة الرابعة كانت "الدعم الدولي". ظن نتنياهو أن العالم سيقف مع إسرائيل كما وقف معها في حروب سابقة. لكن المفاجأة كانت صادمة: نصف العالم يدين إسرائيل. مظاهرات في كل العواصم الغربية تطالب بوقف الحرب. قرارات في الأمم المتحدة تدين إسرائيل. حتى الحلفاء التقليديين بدأوا ينتقدونها.
هذه الكذبة انكشفت أيضاً. الدعم الدولي ليس تلقائياً. الدعم الدولي له ثمن. وإسرائيل لم تعد قادرة على دفع هذا الثمن.
الفصل التاسع عشر: الفشل في جنوب لبنان - أو كيف ضحك حزب الله على نتنياهو
من بين كل جبهات الحرب، كانت جبهة جنوب لبنان الأكثر إيلاماً لنتنياهو. هنا، حيث تتاخم إسرائيل لبنان، تجسد الفشل الإسرائيلي في أبهى صوره.
الخطة الإسرائيلية:
كانت الخطة الإسرائيلية بسيطة: قصف مكثف للمواقع الحدودية، ثم توغل بري محدود لدفع حزب الله إلى شمال الليطاني، ثم إقامة منطقة عازلة تحت سيطرة الجيش اللبناني والقوات الدولية.
لكن حزب الله كان له رأي آخر.
المفاجأة الأولى: الأنفاق:
عندما بدأ الجيش الإسرائيلي توغله البري، اكتشف شيئاً لم يكن في الحسبان: شبكة أنفاق هائلة تمتد تحت الأرض لمسافات طويلة، ومجهزة بكل ما يحتاجه المقاتلون: غرف نوم، مستودعات أسلحة، غرف عمليات، مستشفيات ميدانية.
هذه الأنفاق جعلت من المستحيل تحقيق أي مفاجأة تكتيكية. فحزب الله كان يعرف كل تحركات الجيش الإسرائيلي، ويستعد لها مسبقاً.
المفاجأة الثانية: الصواريخ المضادة للدروع:
المفاجأة الثانية كانت الصواريخ المضادة للدروع. دبابات ميركافا الإسرائيلية، التي تتغنى بها الدعاية الإسرائيلية كأفضل دبابة في العالم، تحولت إلى أكوام خردة تحت وطأة صواريخ الكورنيت الروسية الصنع التي يمتلكها حزب الله.
مقاطع الفيديو التي نشرها حزب الله لدبابات إسرائيلية محترقة كانت بمثابة صدمة للمجتمع الإسرائيلي. الجنود الذين كانوا يعتقدون أنهم داخل حصن حديدي لا يُقهر، اكتشفوا أن هذا الحصن يتحول إلى نعش متحرك عند أول صاروخ.
المفاجأة الثالثة: المسيرات الانتحارية:
المفاجأة الثالثة كانت المسيرات الانتحارية. طائرات صغيرة بدون طيار، محملة بالمتفجرات، تتسلل إلى العمق الإسرائيلي وتضرب أهدافاً حساسة: ثكنات عسكرية، مراكز قيادة، تجمعات للجنود.
هذه المسيرات كانت كابوساً لسلاح الجو الإسرائيلي. فهي صغيرة الحجم، تطير على ارتفاع منخفض، ويصعب اكتشافها وإسقاطها. وكل واحدة منها كانت توقع خسائر بشرية ونفسية كبيرة.
نتنياهو يسأل:
في إحدى الليالي، اتصل نتنياهو بقائد المنطقة الشمالية:
· كيف تسير الأمور؟ · ليست جيدة سيدي. · ماذا تعني ليست جيدة؟ · أعني أننا نخسر. · كيف نخسر ونحن أقوى جيش في المنطقة؟ · يبدو أننا لسنا أقوى جيش سيدي. · إذن ماذا نفعل؟ · ننسحب سيدي. ننسحب قبل أن نخسر أكثر.
وهكذا، انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، تاركاً وراءه جثث جنوده، وحطام دباباته، وأحلام نتنياهو التوراتية.
الفصل العشرون: الاستقرار في غزة - أو المستحيل الرابع
إذا كان جنوب لبنان كابوساً، فغزة كانت جحيماً. هنا، في هذا القطاع الضيق المحاصر، تجسد الفشل الإسرائيلي بشكل مطلق.
الهدف: القضاء على حماس:
كان هدف نتنياهو الأول واضحاً: القضاء على حماس، تدمير قدراتها العسكرية، إنهاء حكمها في غزة. هدف طموح، لكنه كان مستحيلاً من البداية.
لماذا كان مستحيلاً:
أولاً: حماس ليست مجرد تنظيم عسكري، بل هي فكرة. والأفكار لا تقتل بالرصاص. كلما ازداد القصف، ازدادت شعبية حماس. كلما ازدادت التضحيات، ازداد الالتفاف الشعبي حولها.
ثانياً: حماس تمتلك شبكة أنفاق معقدة، تختبئ فيها وتتخفى بين السكان. قصف الأنفاق كان مستحيلاً بدون قتل آلاف المدنيين. وقتل المدنيين كان يعني كارثة إنسانية وإدانة دولية.
ثالثاً: حماس تمتلك قدرات صاروخية تستطيع بها تهديد العمق الإسرائيلي. هذه الصواريخ كانت ورقة ضغط قوية، تمنع إسرائيل من التصعيد المفرط.
رابعاً: حماس مدعومة من محور المقاومة. إيران وحزب الله والحوثيون كانوا جميعاً في حالة تأهب، مستعدين للتدخل إذا تجاوزت إسرائيل الخطوط الحمراء.
محاولات فاشلة:
حاول الجيش الإسرائيلي بشتى الطرق: قصف مركز، توغل بري، اغتيال قادة، تدمير بنية تحتية. لكن النتيجة كانت دائماً واحدة: حماس تصمد، والصواريخ تنطلق، والجنود يقتلون.
في كل مرة يعلن فيها الجيش الإسرائيلي عن "تدمير كتيبة" أو "اغتيال قائد"، كانت حماس ترد بإطلاق صواريخ جديدة، وبظهور قادة جدد. كانت أشبه بلعبة whack-a-mole: كلما ضربت واحداً، ظهر آخر.
الاستقرار: سراب في الصحراء:
كان حلم نتنياهو الاستقرار في غزة، إقامة منطقة عازلة، السيطرة على المعابر، منع تهريب الأسلحة. لكن هذا الحلم تحول إلى كابوس.
فكلما حاول الجيش الإسرائيلي التثبت في موقع، تعرض لهجوم من الأنفاق. كلما حاول فرض سيطرته على منطقة، وجد مقاومة شرسة. كلما حاول إقامة نقاط تفتيش، استهدفته القناصة.
في النهاية، كان الجيش الإسرائيلي يسيطر على الأرض نهاراً، وتسيطر حماس على الأرض ليلاً. وكان الجنود الإسرائيليون يعودون إلى قواعدهم منهكين، حاملين معهم جثث زملائهم، وأسئلة لا إجابة لها: لماذا نحن هنا؟ ماذا حققنا؟ متى ستنتهي هذه المهزلة؟
الفصل الحادي والعشرون: ترامب في الهاوية - كيف سقط الإمبراطور الجاهل
بينما كان نتنياهو يغرق في مستنقع غزة ولبنان، كان ترامب يسقط معه في الهاوية. الرجلان كانا مربوطين بحبل سري واحد: كلما غرق أحدهما، جر الآخر معه.
بداية السقوط:
بدأ سقوط ترامب عندما أدرك أن "صفقة القرن" التي تفاخر بها تحولت إلى نكتة عالمية. الخريطة التي وقع عليها كانت مجرد حبر على ورق. القدس التي اعترف بها عاصمة لإسرائيل كانت تتعرض للقصف. الجولان الذي ضمه كانت صواريخ المقاومة تصل إليه.
بدأت تساؤلات تتردد في واشنطن: كيف وثقنا بهذا الرجل؟ كيف صدقنا أكاذيبه؟ كيف انخدعنا بوعوده؟
التحقيقات تتوسع:
الكونغرس الأمريكي بدأ التحقيق في ملابسات القرارات التي اتخذها ترامب بشأن إسرائيل. لماذا نقل السفارة إلى القدس قبل وضع اللمسات النهائية على خطة السلام؟ لماذا اعترف بالجولان دون استشارة الخبراء؟ لماذا وافق على "صفقة القرن" دون دراسة تداعياتها؟
الشهود بدأوا يتحدثون: مستشارون سابقون، دبلوماسيون، خبراء. كلهم أكدوا أن ترامب كان يتخذ القرارات بناء على أهوائه الشخصية، وتأثره بنتنياهو، وعدم اكتراثه بالعواقب.
الديمقراطيون يهاجمون:
الديمقراطيون، الذين كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة للهجوم على ترامب، وجدوا ضالتهم. بدأوا حملة إعلامية شرسة: ترامب خان مصالح أمريكا من أجل صديقه نتنياهو. ترامب جر أمريكا إلى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. ترامب كلف أمريكا مليارات الدولارات من أجل مغامرة فاشلة.
هذه الحملة وجدت صدى لدى الرأي العام الأمريكي. استطلاعات الرأي أظهرت تراجعاً حاداً في شعبية ترامب، خاصة بين الناخبين المستقلين.
ترامب يتخلى عن نتنياهو:
عندما شعر ترامب أن العلاقة مع نتنياهو أصبحت سمّاً، بدأ يتخلى عنه تدريجياً. أولاً على المستوى الإعلامي: توقف عن الدفاع عنه، وأصبح يتجنب ذكره. ثم على المستوى الدبلوماسي: قلص الاتصالات معه، وأرجأ الزيارات المقررة. ثم على المستوى الاستراتيجي: بدأ يستمع لنصائح مستشاريه الذين يحذرونه من الانحياز الأعمى لإسرائيل.
في النهاية، وجد نتنياهو نفسه وحيداً، يواجه مصيره بمفرده، بينما كان ترامب يحاول إنقاذ ما تبقى من رئاسته المتعثرة.
الفصل الثاني والعشرون: نتنياهو بين المطرقة والسندان - قائد بلا جيش وجيش بلا قائد
مع استمرار الحرب، بدأت ملامح الأزمة القيادية تتضح بشكل صادم. نتنياهو وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه: بين مطرقة الإخفاقات العسكرية وسندان الضغوط السياسية.
المطرقة: الجيش المنهار:
الجيش الإسرائيلي، الذي كان يفترض أن يكون أداة النصر، تحول إلى عبء إضافي. الجنود يرفضون الأوامر، الضباط يشتكون من سوء التخطيط، الجنرالات يختلفون على الاستراتيجيات.
تقارير سرية وصلت إلى مكتب نتنياهو كانت ترسم صورة قاتمة: الجيش يفقد السيطرة على الوضع. الروح المعنوية في الحضيض. الخسائر تتزايد. والإمدادات تتناقص.
في إحدى جلسات مجلس الوزراء المصغر، انفجر وزير الدفاع غالانت في وجه نتنياهو: أنت تدمر الجيش! أنت تجرنا إلى حروب لا نستطيع خوضها! أنت تتخذ قرارات انتحارية!
نتنياهو رد بهدوء: أنا رئيس الوزراء. أنا المسؤول عن الأمن. أنا أعرف ما أفعله.
لكن الواقع كان يقول عكس ذلك.
السندان: السياسة المنهارة:
على الجانب السياسي، كانت الضغوط لا تقل خطورة. أحزاب الائتلاف تهدد بالانسحاب. المعارضة تطالب برحيله فوراً. الرأي العام يخرج في مظاهرات ضده. حتى داخل حزب الليكود بدأت تظهر أصوات تطالبه بالتنحي.
نتنياهو حاول التمسك بالسلطة بكل الطرق. عقد صفقات مع أحزاب المتطرفين. وزع مناصب وامتيازات. استخدم خطاب الكراهية والتحريض. لكن كل ذلك كان مثل مسكنات الألم: تخفف الألم مؤقتاً لكنها لا تعالج المرض.
النتيجة: شلل تام:
النتيجة النهائية كانت شللاً تاماً في القيادة. جيش بلا قائد واضح الرؤية. سياسة بلا توافق وطني. حكومة بلا قرارات حاسمة. ودولة بلا مستقبل واضح.
في هذه الأجواء، كان العدو يتقدم. حماس تعيد تنظيم صفوفها. حزب الله يزيد من هجماته. إيران تتعزز مكانتها. والعالم ينظر بسخرية إلى هذا القائد الذي قاد أمته إلى الهاوية.
الفصل الثالث والعشرون: الإعلام العالمي يضحك - أضحوكة القرن
لم يعد خافياً على أحد أن ما يحدث في إسرائيل أصبح مادة دسمة للسخرية العالمية. الإعلام العالمي، الذي كان يتعامل مع إسرائيل بجدية وحذر، بدأ يخفف من تحفظاته ويقدم تغطية أكثر جرأة، بل وأكثر سخرية.
الكاريكاتير يسبق الكلام:
الصحف العالمية امتلأت بالكاريكاتيرات الساخرة: نتنياهو يهرب من صاروخ، ترامب يدفع نتنياهو نحو الهاوية، الجيش الإسرائيلي يتعثر في أزقة غزة، حزب الله يضحك على خطوط نتنياهو الحمراء.
أحد الكاريكاتيرات الشهيرة كان يصور نتنياهو واقفاً على خريطة "إسرائيل من الفرات إلى النيل"، وهو يحاول الوصول إلى الفرات لكن قدمه تعلق في وحل غزة، ويده لا تصل إلى النيل لأن حزب الله يمسك بها من الخلف.
البرامج الكوميدية:
البرامج الكوميدية في أمريكا وأوروبا لم تترك فرصة دون استغلالها. مونولوجات عن نتنياهو وهزائمه. اسكتشات عن ترامب وسذاجته. فقرات ساخرة عن "الجيش الذي لا يقهر" الذي أصبح "الجيش الذي لا يتقدم شبراً".
في أحد البرامج الشهيرة، قال الممثل الكوميدي: سمعت أن نتنياهو أعلن أن إسرائيل تواجه حرباً على سبع جبهات. وأنا أتساءل: إذا كان يواجه سبع جبهات ولا ينتصر في أي منها، فكم جبهة يحتاج ليخسر في كل جبهات العالم؟
وسائل التواصل: فيضان من السخرية:
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فكانت فيضاناً من السخرية والتهكم. هاشتاغات ساخرة تتصدر الترند: #نتنياهو_البطل، #جيش_لا_يتقدم_شبراً، #إسرائيل_من_غزة_إلى_غزة.
مقاطع فيديو مركبة تظهر نتنياهو وهو يهرب من صاروخ، أو ترامب وهو يدفع نتنياهو نحو الهاوية، أو جنود إسرائيليين وهم يبحثون عن حماس في الأنفاق فلا يجدونها.
نكت لا تعد ولا تحصى:
· ماذا قال نتنياهو عندما رأى صاروخاً لحزب الله؟ قال: هذا ليس صاروخاً، هذا طائر مهاجر. · لماذا يخاف الجيش الإسرائيلي من دخول غزة؟ لأنه سمع أن حماس لديها صورته وهو يهرب من الخدمة العسكرية. · ما الفرق بين نتنياهو وصاروخ حزب الله؟ صاروخ حزب الله يصل إلى هدفه أحياناً.
العالم يضحك... وإسرائيل تبكي:
هذه السخرية العالمية كانت بمثابة صفعة قوية للكيان. فإسرائيل اعتادت على أن تؤخذ على محمل الجد. اعتادت على أن تكون محور الاهتمام العالمي، لكن بجدية واحترام. اليوم، أصبحت محور الاهتمام العالمي، لكن بسخرية وتهكم.
والأخطر من ذلك: هذه السخرية كانت تتسلل إلى الداخل الإسرائيلي أيضاً. الإسرائيليون أنفسهم بدأوا يسخرون من قادتهم، ومن جيشهم، ومن دولتهم. وعندما يسخر شعب من نفسه، فهذه بداية النهاية.
الفصل الرابع والعشرون: الاحتضار الإسرائيلي - مؤشرات لا تُخطئ
مع استمرار الحرب، بدأت مؤشرات الاحتضار تظهر بوضوح. مؤشرات لا تُخطئ، ترسم صورة كيان يلفظ أنفاسه الأخيرة.
المؤشر الأول: الانهيار الاقتصادي:
الاقتصاد الإسرائيلي تلقى ضربة قاسية. الناتج المحلي تراجع بنسبة كبيرة. العملة انخفضت قيمتها. الاستثمارات الأجنبية هربت. البطالة ارتفعت. الشركات أغلقت أبوابها.
تكلفة الحرب كانت باهظة: مليارات الشيكلات تنفق يومياً على العمليات العسكرية. مئات الآلاف من جنود الاحتياط يعطلون عن العمل. قطاعات كاملة (السياحة، البناء، الزراعة) تشل تماماً.
التقارير الاقتصادية كانت قاتمة: إسرائيل تخسر مليارات الدولارات. الدين العام يرتفع. العجز في الميزانية يتسع. وكالات التصنيف الائتماني تخفض تصنيف إسرائيل.
المؤشر الثاني: النزيف الديموغرافي:
الخطر الأكبر كان النزيف الديموغرافي. الشباب الإسرائيلي بدأ يهاجر بأعداد كبيرة. كندا وأمريكا وأوروبا كانت وجهاتهم المفضلة. الأسباب متعددة: الهروب من الخدمة العسكرية، الخوف على المستقبل، فقدان الأمل في حل الصراع، البحث عن فرص أفضل.
الأرقام كانت صادمة: عشرات الآلاف هاجروا خلال أشهر قليلة. معظمهم من الشباب المتعلم، أصحاب المهارات العالية، الذين يشكلون عماد أي مجتمع.
هذا النزيف الديموغرافي كان بمثابة انتحار بطيء. فدولة بلا شباب هي دولة بلا مستقبل.
المؤشر الثالث: التفكك الاجتماعي:
المجتمع الإسرائيلي كان يتفكك على مرأى ومسمع. الانقسام بين اليهود والعرب يتسع. الانقسام بين العلمانيين والمتدينين يتعمق. الانقسام بين اليمين واليسار يصل إلى حد العنف.
مظاهرات ضخمة في الشوارع تطالب برحيل نتنياهو. اعتصامات أمام منازل الوزراء. اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. حتى داخل الجيش، بدأت تظهر حالات عصيان ورفض للأوامر.
هذا التفكك الاجتماعي كان بمثابة زلزال في أساس الدولة. فالدولة تقوم على تماسك مجتمعها. إذا تفكك المجتمع، تفككت الدولة.
المؤشر الرابع: العزلة الدولية:
على المستوى الدولي، كانت العزلة تتزايد. دول كثيرة قطعت علاقاتها مع إسرائيل. دول أخرى خفضت مستوى تمثيلها. حتى الدول الصديقة بدأت تنتقد إسرائيل علناً.
القرارات الدولية تدين إسرائيل تتوالى. التحقيقات في جرائم الحرب تتوسع. مذكرات الاعتقال بحق القادة الإسرائيليين تلوح في الأفق. حركة المقاطعة (BDS) تحقق نجاحات غير مسبوقة.
إسرائيل لم تعد "الدولة الوحيدة" في الشرق الأوسط التي تحترمها العالم. أصبحت "الدولة المنبوذة" التي يتجنبها الجميع.
الفصل الخامس والعشرون: النظام الإقليمي الجديد - إيران تمسك بزمام المبادرة
بينما كانت إسرائيل تحتضر، كان النظام الإقليمي الجديد يولد. نظام تتولى إيران قيادته، ويعيد تشكيل المنطقة وفق مصالحها ورؤيتها.
إيران: المنتصر الأكبر:
إيران خرجت من هذه الحرب منتصرة بكل المقاييس. حققت أهدافها دون أن تدفع ثمناً باهظاً. عززت نفوذها في المنطقة دون أن تخوض حرباً مباشرة. أثبتت قدرتها على استنزاف العدو دون أن تستنزف هي.
الآن، إيران تمسك بزمام المبادرة. هي من تحدد قواعد اللعبة. هي من ترسم خريطة المستقبل. هي من تقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.
محور المقاومة: أكثر تماسكاً:
محور المقاومة خرج من هذه الحرب أكثر تماسكاً مما كان عليه. حماس أثبتت قدرتها على الصمود. حزب الله أثبت قدرته على الردع. الحوثيون أثبتوا قدرتهم على تهديد المصالح الغربية. المقاومة العراقية أثبتت حضورها.
هذا المحور لم يعد مجرد تحالف تكتيكي، بل أصبح تحالفاً استراتيجياً متماسكاً، له رؤية واضحة، وأهداف محددة، وقدرات متطورة.
التحالفات الجديدة:
اللافت أن إيران نجحت في بناء تحالفات جديدة مع قوى إقليمية كانت بالأمس القريب في المعسكر الآخر. تقارب مع السعودية، تفاهم مع الإمارات، حوار مع مصر، تنسيق مع تركيا.
هذه التحالفات الجديدة تعيد تشكيل خريطة المنطقة. لم يعد هناك معسكران متصارعان (إيران والعرب)، بل أصبح هناك نظام إقليمي جديد تتعدد فيه الأطراف وتتنوع المصالح.
الولايات المتحدة: خارج اللعبة:
في هذا النظام الجديد، الولايات المتحدة لم تعد لاعباً رئيسياً. نفوذها تراجع، حلفاؤها تخلوا عنها، قواعدها مهددة، مصالحها معرضة للخطر.
الانسحاب الأمريكي من المنطقة لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة. فالوجود الأمريكي لم يعد يحقق أي هدف استراتيجي، بل أصبح عبئاً على واشنطن ومصدر توتر في المنطقة.
الفصل السادس والعشرون: أزمة المديونية الأمريكية - القنبلة الموقوتة
لم يكن الانهيار الإسرائيلي بمعزل عن الانهيار الأمريكي. فما حدث في غرب آسيا كان انعكاساً لأزمة داخلية أمريكية أعمق، أزمة المديونية التي تهدد بإنهاء الهيمنة الأمريكية إلى الأبد.
الدين العام: 34 تريليون دولار:
الدين العام الأمريكي تجاوز 34 تريليون دولار. رقم خرافي يصعب تصوره. لو وضعنا هذه الأموال في كومة، لارتفعت إلى عنان السماء. لو قسمناها على كل أمريكي، لكان نصيب الفرد أكثر من 100 ألف دولار.
هذا الدين ينمو بمعدل مذهل: تريليون دولار كل بضعة أشهر. فوائده تلتهم جزءاً كبيراً من الميزانية الأمريكية. خدمته ترهق الاقتصاد وتعيق الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة.
السندات الأمريكية: أزمة ثقة:
الأخطر من حجم الدين هو أزمة الثقة في السندات الأمريكية. هذه السندات كانت لعقود الملاذ الآمن للمستثمرين في العالم. اليوم، بدأ المستثمرون يشكون.
الصين تبيع سنداتها الأمريكية. اليابان تقلل من حيازاتها. صناديق الثروة السيادية تنوع استثماراتها. حتى المستثمرون الأفراد بدأوا يتجهون إلى بدائل أكثر أماناً.
هذه الأزمة في الثقة قد تؤدي إلى انهيار قيمة الدولار، وارتفاع أسعار الفائدة، وتضخم جامح، وركود عميق.
التأثير على السياسة الخارجية:
أزمة المديونية تنعكس حتماً على السياسة الخارجية الأمريكية. أمريكا لم تعد قادرة على تحمل تكاليف الهيمنة العالمية. قواعدها العسكرية في الخارج تكلفها مليارات الدولارات. حروبها في الشرق الأوسط تستنزف خزينتها. مساعداتها لحلفائها تثقل ميزانيتها.
الانسحاب من الخارج أصبح ضرورة اقتصادية، وليس مجرد خيار سياسي. أمريكا مضطرة لتقليص وجودها في العالم، والتركيز على مشاكلها الداخلية.
التأثير على إسرائيل:
هذا الانسحاب الأمريكي كان له تأثير مباشر على إسرائيل. فالدعم الأمريكي، الذي كانت تعتمد عليه إسرائيل لعقود، أصبح مهدداً. المساعدات العسكرية قد تتقلص. الضمانات الأمنية قد تتراجع. الحماية الدبلوماسية قد تضعف.
إسرائيل وجدت نفسها وحيدة، تواجه أعداءها دون السند الأمريكي القوي. وهذا ما يفسر انهيارها السريع في هذه الحرب.
الفصل السابع والعشرون: نهاية غرب آسيا القديم - بشارة ميلاد جديد
ما نشهده اليوم في غرب آسيا ليس مجرد تغيير في موازين القوى، بل هو نهاية حقبة كاملة وبداية حقبة جديدة. إنها نهاية "غرب آسيا القديم" الذي رسمته القوى الاستعمارية قبل قرن، وميلاد "غرب آسيا الجديد" الذي تصنعه إرادات الشعوب.
نهاية سايكس بيكو:
غرب آسيا القديم كان نتاج اتفاقية سايكس بيكو (1916)، التي قسمت المنطقة بين فرنسا وبريطانيا، ورسمت حدوداً مصطنعة فصلت الشعوب وخلقت كيانات هجينة. هذه الحدود، التي كانت لأكثر من قرن إطاراً للصراعات والأزمات، بدأت تتآكل اليوم.
الشعوب تعبر الحدود بحرية. الأفكار تنتقل دون عوائق. التحالفات تتجاوز الخطوط المرسومة على الخرائط. غرب آسيا الجديد سيكون أكثر تكاملاً، وأقل تجزؤاً، وأكثر انسجاماً مع إرادات الشعوب.
نهاية الكيان الصهيوني:
غرب آسيا القديم شهد أيضاً ولادة الكيان الصهيوني، ذلك المشروع الاستعماري الذي زرع في قلب المنطقة ليظل طعنة نازفة. هذا الكيان، الذي كان لأكثر من سبعة عقود مصدر صراع وعدم استقرار، يدخل اليوم مرحلة الاحتضار.
إسرائيل لن تزول بين ليلة وضحاها، لكنها ستفقد تدريجياً شروط وجودها: الدعم الغربي سيتآكل، التفوق العسكري سيتلاشى، الانقسام العربي سينتهي. وبدون هذه الشروط، سيتحول الكيان إلى كيان عادي، يعيش أزماته الداخلية، ويكافح من أجل البقاء.
نهاية الهيمنة الأمريكية:
غرب آسيا القديم عاش تحت الهيمنة الأمريكية لعقود. واشنطن كانت تتحكم بمقدرات المنطقة، وتدير صراعاتها، وتحمي أنظمتها العميلة. هذه الهيمنة تتراجع اليوم تحت ضربات المقاومة وتحت وطأة الأزمات الداخلية الأمريكية.
أمريكا لن تختفي من المنطقة، لكنها ستتحول من "المهيمن الأوحد" إلى "لاعب إقليمي" بين لاعبين آخرين. وهذا التحول سيغير كل المعادلات، ويفتح المجال أمام تشكيل نظام إقليمي جديد متعدد الأقطاب.
بشارة ميلاد جديد:
في رحم هذه النهايات، يولد جديد. غرب آسيا الجديد سيكون أكثر استقلالية، وأكثر تنوعاً، وأكثر ديناميكية. ستعود إليه الشعوب لتلعب دوراً في تقرير مصيرها. وستبرز فيه قوى إقليمية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى.
هذا الميلاد الجديد سيكون مؤلماً، مثل كل ولادة. لكنه سيكون بشير خير لشعوب المنطقة، التي عانت طويلاً من ويلات الهيمنة والصراعات.
الفصل الثامن والعشرون: العبرة لمن اعتبر - دروس من مهزلة القرن
قبل أن نطوي صفحة هذه المهزلة الكبرى، لا بد من وقفة تأمل لاستخلاص الدروس والعبر. فما حدث في هذه الحرب يحمل دروساً كثيرة، لمن أراد أن يتعلم.
الدرس الأول: الأوهام لا تصنع انتصارات:
نتنياهو بنى سياسته على الأوهام: أوهام إسرائيل الكبرى، أوهام الجيش الذي لا يقهر، أوهام الدعم الأمريكي اللامحدود. لكن الأوهام تحطمت على صخور الواقع. غزة لم تسقط. لبنان لم يركع. إيران لم تتراجع.
الدرس واضح: السياسة لا تبنى على الأوهام، بل على قراءة واقعية للقوى والقدرات. من يصدق أساطيره يخسر حتماً.
الدرس الثاني: الجغرافيا تنتصر دائماً:
حاول نتنياهو تغيير الجغرافيا بالخيال. تحدث عن الفرات والنيل، بينما كان جيشه يتعثر في أزقة غزة وتلال جنوب لبنان. الجغرافيا كانت له بالمرصاد.
الدرس واضح: الجغرافيا لا تُقهر. الجبال تبقى جبالاً، والأنفاق تبقى أنفاقاً، والشعوب تبقى في أرضها. من يحاول تغيير الجغرافيا بالقوة يخسر حتماً.
الدرس الثالث: الإرادة تصنع المستحيل:
ما صنع الفارق في هذه الحرب لم يكن الأسلحة المتطورة، ولا الدعم الخارجي، ولا التفوق التكنولوجي. ما صنع الفارق كان الإرادة. إرادة شعب يريد الحرية. إرادة مقاتل يريد النصر. إرادة أمة تريد الكرامة.
الدرس واضح: الشعوب التي تملك إرادة قوية لا تُقهر. مهما كانت التكنولوجيا متطورة، ومهما كان الدعم كبيراً، فإن الإرادة تنتصر في النهاية.
الدرس الرابع: القيادة الفاسدة تهلك الأمم:
نتنياهو وقيادته الفاسدة كانوا السبب الرئيسي في انهيار إسرائيل. فسادهم الأخلاقي، وانشغالهم بمصالحهم الشخصية، وانفصالهم عن هموم شعبهم، كل ذلك قاد الكيان إلى الهاوية.
الدرس واضح: القيادة الفاسدة سم قاتل للأمم. الفساد يقتل الروح المعنوية، ويدمر الثقة، ويشل القدرة على اتخاذ القرارات. من يضع مصلحته فوق مصلحة شعبه يخسر حتماً.
الدرس الخامس: العالم يتغير:
ما حدث في هذه الحرب يؤكد أن العالم يتغير بسرعة. القوى التقليدية تتراجع. قوى جديدة تصعد. التحالفات القديمة تتفكك. تحالفات جديدة تتشكل. من لا يواكب هذا التغيير يخسر حتماً.
الدرس واضح: علينا أن نواكب تغيرات العالم، وأن نقرأ التحولات الكبرى بعمق، وأن نعد أنفسنا للمستقبل. فمن يعيش في الماضي لا مكان له في المستقبل.
الخاتمة: نهاية المسخ - أو حين يصبح التاريخ كوميديا
ها نحن في ختام هذه الرحلة الطويلة مع المسخ نتنياهو. رحلة كانت كوميدية تراجيدية بامتياز. بدأت بأحلام العظمة وانتهت بكوابيس الانهيار. بدأت بخطابات الفرات والنيل وانتهت بجثث في غزة وانهيار في تل أبيب.
ماذا تبقى من نتنياهو؟
لا شيء تقريباً. سيبقى اسمه في التاريخ، لكن كرمز للفشل والانحطاط. سيبقى في الذاكرة، لكن كموضوع للسخرية والتهكم. سيبقى في الكتب، لكن في فصل "كيف تقود الأمم إلى الهاوية".
ماذا تبقى من إسرائيل؟
إسرائيل تبقى، لكنها لن تعود كما كانت. ستبقى كياناً جغرافياً، لكنها ستفقد جوهرها الصهيوني. ستبقى دولة، لكنها ستدخل في دوامة أزمات لا نهاية لها. ستبقى موجودة، لكنها ستفقد أسباب وجودها.
ماذا تبقى من المقاومة؟
المقاومة تبقى، لكنها ستخرج من هذه الحرب أقوى. ستبقى صامدة، وستتعزز مكانتها. ستبقى حاضرة، وسيتسع نفوذها. ستبقى المقاومة، لأنها تعبر عن إرادة حقيقية للتحرر والكرامة.
ماذا تبقى من أمريكا؟
أمريكا تبقى، لكن هيمنتها انتهت. ستبقى قوة عظمى، لكنها لن تكون القطب الأوحد. ستبقى موجودة في المنطقة، لكن حضورها سيتقلص. ستبقى أمريكا، لكنها ستعيد تعريف دورها في العالم.
نهاية المسخ:
أما المسخ نتنياهو، فسينتهي كما ينتهي كل المسوخ في التاريخ: في مزبلة التاريخ. سيرحل عن السلطة مهزوماً مذموماً. سيواجه مصيره القضائي بتهم الفساد. سيعيش بقية حياته يتذكر أيام المجد الوهمي التي صنعها في مخيلته.
وربما، في إحدى ليالي الشتاء الباردة في القدس، سيجلس نتنياهو وحيداً في بيته، يتأمل خريطة "إسرائيل من الفرات إلى النيل" المعلقة على الحائط، ويسأل نفسه: كيف حدث أنني لم أستطع التقدم شبراً في جنوب لبنان أو الاستقرار في غزة؟
ولن يجد جواباً.
لأنه ببساطة، كان مسخاً صدق أسطورته، فقاد إمبراطوراً إلى الهاوية، وقاد أمته إلى الدمار، وقاد نفسه إلى النسيان. ….. عن المسخ نتنياهو الذي أوهم ترامب بأن إسرائيل من الفرات إلى النيل وهو عاجز عن التقدم شبراً في جنوب لبنان أو الاستقرار في غزة
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
-
صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
-
إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
-
كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
-
كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي
...
-
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
-
كتاب : الغريب الذي يرى
-
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
-
سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب
...
-
قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية،
...
-
كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
-
تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
-
دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب
...
-
كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب
...
-
دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
-
أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون
...
-
بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة
...
-
عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال
...
-
من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت
...
-
-العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة
...
المزيد.....
-
من 15 حلقة.. المسلسلات المصرية في النصف الثاني من رمضان 2026
...
-
رئيس وزراء الأردن: محاولة إيرانية فاشلة لـ-إلحاق الضرر- بصوا
...
-
مذيع CNN يسأل يائير لابيد عن سبب تزايد الانتقادات لإسرائيل ف
...
-
البيت الأبيض يرد على ادعاءات حول مسؤولية أمريكا عن استهداف م
...
-
البيت الأبيض: تغيير النظام في إيران ليس من أهداف حرب ترامب ب
...
-
جريمي بوين: لا أحد يعرف أين تتجه هذه الحرب
-
فيديو للبنتاغون يوثق هجوما أميركيا بطوربيد على سفينة حربية إ
...
-
هل تراهن واشنطن على أكراد إيران؟ تقرير يكشف عن خطة أمريكية ل
...
-
إسبانيا تنفي موافقتها على التعاون مع أمريكا بشأن إيران
-
قرار الحظر وحصرية السلاح .. اختبار قوة بين حزب الله والحكومة
...
المزيد.....
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
المزيد.....
|