أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين















المزيد.....



كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 21:25
المحور: الادب والفن
    


مقدمة: بين الصندوق والوثيقة - رحلة إلى جحيم الذاكرة

١. في البدء كان الصندوق

قبل أن يكون هذا الكتاب، كان هناك صندوق.

صندوق كرتوني عادي، من تلك الصناديق التي تُستخدم لنقل الأغراض المنزلية، أو تخزين الملابس القديمة، أو التخلص من أشياء لم نعد بحاجة إليها. كان مركوناً بجانب حاوية نفايات في أحد شوارع تل أبيب، حي رامات هاحايل الراقي، حيث يسكن الأثرياء ورجال الأعمال، وحيث تطل نوافذ الفلل الزجاجية على حدائق مُعتنى بها وشوارع هادئة.

في نهاية شهر مارس ٢٠٢٤، مرت امرأة من هناك. اسمها رونيت زيلبرمان. هي عالمة حيوانات، اعتادت أن تنظر إلى الأرض، تتفقد آثار أقدام الحيوانات الصغيرة، أو أنماط سلوك الحشرات. في تلك اللحظة، لم تكن تبحث عن شيء. كانت تمشي فقط.

لكن عينيها المدربتين على ملاحظة التفاصيل الصغيرة، التقطتا شيئاً غير عادي. الصناديق لم تكن تحوي أثاثاً عادياً، بل أوراقاً. آلاف الأوراق. اقتربت، فضولها العلمي يدفعها للنظر. لم تكن تعلم أنها توشك أن تفتح صندوق باندورا.

فتحت صندوقاً. ثم آخر. ثم ثالثاً. كانت الأوراق صفراء، بعضها هش يكاد يتفتت عند اللمس. كانت مكتوبة بالعبرية، بعضها على آلات كاتبة قديمة، وبعضها بخط اليد. كانت هناك خرائط عسكرية، وصور فوتوغرافية بالأبيض والأسود، ومذكرات يومية، ومراسلات رسمية.

رأت كلمات مثل "عمليات عسكرية"، "كتيبة ١٢"، "لواء غولاني". رأت تواريخ: ١٩٤٨. ورأت كلمات صادمة، مكتوبة بخط اليد، واضحة كالشمس: "إعدام"، "قتل"، "تطهير".

لم تفهم كل التفاصيل، لكنها فهمت أنها أمام شيء مهم. ربما كان حدسها العلمي هو الذي تحرك. ربما كان مجرد فضول إنساني. المهم أنها لم تمر مرور الكرام.

بدأت تنقل الصناديق إلى منزلها. كانت ثقيلة. بعضها كان مبللاً، ربما من ندى الليل، ربما من سوء التخزين. حملتها واحدة تلو الأخرى، متعبة، متلهفة. لم تكن تعلم أنها تحمل أكثر من مجرد ورق. كانت تحمل تاريخ شعب بأكمله. كانت تحمل إدانة كيان. كانت تحمل الحقيقة التي ظلت تبحث عن قابض سبعة وسبعين عاماً.

هذه اللحظة، لحظة انحناء امرأة فوق صندوق في شارع تل أبيبي، هي التي ولدت هذا الكتاب. لأن ما وجدته رونيت لم يكن مجرد أوراق قديمة. كان شهادة ميلاد الجريمة. كان اعتراف الجلاد. كان الدليل المادي على أن النكبة لم تكن صدفة، ولا خطأ، ولا نتيجة حرب، بل كانت مشروعاً.

هذا الكتاب هو رحلة في تلك الأوراق. هو محاولة لفهم ما حدث، ولماذا حدث، وكيف استمر سبعة عقود. هو صرخة في وجه النسيان. هو وثيقة ضد الإخفاء. هو شاهد على الجريمة.

٢. من صاحب الصندوق؟ رافي كوتسير

السؤال الأول الذي يطرح نفسه: لمن كانت هذه الوثائق؟ كيف وصلت إلى هذا الصندوق، ثم إلى هذه الحاوية؟

الجندي العجوز يحتضر، كما يحدث لجميع الجنود العجاز. وأولاده وأحفاده يفتشون بيته بعد رحيله. أمامهم أكوام من الأوراق. مذكرات، صور، رسائل. بالنسبة لهم، هذه مجرد أوراق صفراء. ذكرى رجل عجوز لا معنى لها في عصر الآيباد والفيسبوك. ما قيمة هذه الأوراق في شقة في تل أبيب تبلغ قيمتها ملايين الشواقل؟

ربما اعتقدوا أنهم يقومون بعملية تنظيف. ربما ظنوا أنهم يخففون العبء عن أنفسهم. ربما لم يسألوا أنفسهم أبداً: ماذا تحتوي هذه الأوراق؟ من صاحبها؟

كان صاحبها اسمه رافي كوتسير (أو كوتزر حسب بعض الترجمات). لم يكن جندياً عادياً. كان أحد أوائل مقاتلي لواء غولاني، اللواء الذي يعتبر النخبة في الجيش الإسرائيلي القديم والجديد. بل كان أكثر من ذلك: كان أحد مؤسسي وحدة الكوماندوز في الكتيبة الثانية عشرة، الوحدة التي تطورت لاحقاً لتصبح "سايرت غولاني"، وحدة الاستطلاع النخبوية في اللواء.

في عام ١٩٤٨، كان كوتسير في مقتبل العمر. قاد معارك. رأى الموت. وأمر بالموت. حمل سلاحه، وحمل معه دفتراً وأقلاماً. كان يوثق.

وثق أوامر قادته. وثق مذكراته الشخصية. وثق الاجتماعات السياسية التي حضرها. جمع خرائط العمليات التي شارك فيها. احتفظ بصور زملائه. بالنسبة له، كانت هذه الأشياء تذكارات شخصية، دليل على أنه كان هناك، على أنه صنع التاريخ.

لكن التاريخ الذي صنعه لم يكن ذلك الذي كتبته الصحف الإسرائيلية. التاريخ الذي صنعه كان مليئاً بالدم الفلسطيني. كان يحمل في أوراقه تفاصيل لم تنشر أبداً. تفاصيل عن أوامر بقتل مدنيين، وتفجير قرى، وإعدام أسرى.

بعد الحرب، عاد كوتسير إلى الحياة المدنية. لكنه بقي جندياً في روحه. أسس لاحقاً "منظمة الجرحى المعاقين" في الجيش الإسرائيلي. أمضى حياته متنقلاً بين بيروقراطية الجيش وروتين الحياة اليومي. لكنه احتفظ بصناديقه. ظلت تنتقل معه من بيت إلى بيت. تذكر كلما رآها بسنوات شبابه. لكنه لم ينشرها. لم يعرضها على متحف. لم يعطها لأرشيف.

لماذا؟ ربما لأنه كان يعرف ما فيها. ربما لأنه لم يرد أن يفتح صندوق باندورا هذا. ربما لأنه كان يؤمن، كما يؤمن كثير من الإسرائيليين، بأن هذه الأسرار يجب أن تبقى دفينة.

ومضت السنوات. تزوج وأنجب. كبر وكبرت أوراقه معه. تحولت من وثائق حية إلى آثار عتيقة. ثم جاء الموت. ثم جاء الأولاد ليفتشوا البيت. ثم جاء الصندوق ليجد طريقه إلى الشارع.

كم من صناديق كهذه رُميت قبل أن يراها أحد؟ كم من تاريخ ضاع في مكبات النفايات الإسرائيلية؟ هذا هو السؤال الذي لا يمكن الإجابة عنه، لكنه يظل معلقاً في الهواء كشبح ثقيل.

٣. منقذة الذاكرة: رونيت زيلبرمان

إذا كان رافي كوتسير هو صاحب الوثائق، فإن رونيت زيلبرمان هي منقذتها. هي المرأة التي لم تكن تبحث عن التاريخ، لكن التاريخ وجدها.

رونيت ليست مؤرخة. ليست سياسية. ليست ناشطة حقوقية. هي عالمة حيوانات. امرأة في الخمسينيات من عمرها، اعتادت النظر إلى الأرض، إلى تفاصيل الطبيعة الصغيرة. لكن هذه العادة، هذه النظرة الثاقبة، هي التي جعلتها تلتقط ما لم يلتقطه غيرها.

في اليوم الذي عثرت فيه على الصناديق، كان بإمكانها أن تمر. كان بإمكانها أن تتجاهل. كان بإمكانها أن تعتقد أن هذه مجرد أوراق قديمة لا قيمة لها. لكنها لم تفعل. توقفت. فضولها العلمي دفعها للنظر. وعندما رأت، لم تستطع أن تنسى.

نقلت الصناديق إلى منزلها. فرغت محتوياتها على الأرض. أمامها الآن مدينة ورقية. آلاف الصفحات. بعضها منظم في مجلدات، وبعضها مرصوص بشكل عشوائي. خرائط تفصيلية للقرى الفلسطينية. صور جنود. مذكرات شخصية. وأوامر عسكرية.

في هذه اللحظة، كان أمامها خياران. الأول: أن تغض الطرف. أن تعيد الأوراق إلى حيث وجدتها، أو أن ترميها بنفسها. بعد كل شيء، هي ليست مؤرخة. ليس لديها الوقت ولا الخبرة للتعامل مع مثل هذه المواد. الثاني: أن تفعل شيئاً.

اختارت الخيار الثاني.

لكنها لم تكن تعرف إلى أين تتجه. في إسرائيل، التعامل مع مثل هذه الوثائق ليس بالأمر السهل. الأجهزة الأمنية تراقب. الأرشيفات الرسمية تخضع للرقابة. أي محاولة لنشر معلومات عن تاريخ ١٩٤٨ تواجه عقبات بيروقراطية وسياسية هائلة.

لحسن الحظ، سمعت رونيت عن "معهد عكيفوت لدراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" (Akevot Institute). هذا المعهد، الذي أسسه باحثون إسرائيليون مستقلون، متخصص في كشف النقاب عن الوثائق التاريخية المخفية المتعلقة بالصراع. مهمته الأساسية هي تحدي الرقابة الإسرائيلية وإتاحة المواد التاريخية للباحثين والجمهور.

اتصلت رونيت بالمعهد. كان رد فعلهم سريعاً. أدركوا على الفور قيمة ما عثرت عليه. انتقلت الصناديق من منزل رونيت إلى مقر المعهد. وهناك، بدأ العمل الحقيقي.

رونيت زيلبرمان لم تبحث عن الشهرة. لم تبحث عن الثناء. فعلت ما فعلته لأنه كان الشيء الصحيح. لأنها آمنت بأن الحقيقة أهم من الصمت. لأنها لم تستطع أن تتخلى عن هذه الأوراق لمكب نفايات.

في عالم يميل إلى نسيان الماضي، كانت رونيت استثناء. تذكرت. وحفظت. وأنقذت.

٤. الباحث الذي فك الشيفرة: آدم راز

عندما وصلت الصناديق إلى معهد عكيفوت، كان في استقبالها رجل اسمه آدم راز. مؤرخ إسرائيلي، متخصص في تفكيك الخطاب الإسرائيلي الرسمي وكشف التناقضات بين الرواية المنشورة والوثائق المخفية. أمامه الآن كنز حقيقي.

راز ليس مؤرخاً عادياً. هو مناضل في سبيل الحقيقة. كرس حياته لكشف ما تحاول المؤسسة الإسرائيلية إخفاءه. كتب عن مجزرة كفر قاسم، وعن سياسات التطهير العرني، وعن إخفاء الوثائق. واجه تهديدات وانتقادات، لكنه استمر.

عندما رأى الوثائق، أدرك فوراً حجمها وأهميتها. لم تكن مجرد وثائق عسكرية عادية. كانت سجلاً كاملاً لسياسة التطهير العرقي الإسرائيلي، موقعة بخط اليد، ومؤرخة، ومؤكدة بشهادات قادة كبار.

بدأ راز بفرز المواد بشكل منهجي. قارنها بما هو موجود في الأرشيفات الرسمية. حلل الخطوط. تأكد من التوقيعات. تواصل مع خبراء آخرين. واستغرق في البحث شهوراً.

ما اكتشفه كان أكبر مما توقعه أي منهم. وثائق إسحاق بروشي، قائد الكتيبة ١٢، التي تأمر بقتل "كل عربي من قبيلة الصبيح" وتفجير القرى وإعدام "كل رجل عاشر". شهادات مردخاي ماكليف (رئيس الأركان لاحقاً) وماكسيم كوهين وحاييم بن دافيد، التي تعترف بأن الهدف كان الطرد، وأن الإرهاب كان وسيلة، وأن القيادة العليا كانت تعلم وتوافق. وثيقة المخابرات الإسرائيلية التي تؤكد أن "٧٠٪ من العرب غادروا فلسطين بتأثير من العمليات العسكرية اليهودية".

الأهم من ذلك، أن العديد من هذه الوثائق كانت مزدوجة الأهمية: بعضها كان نادراً وفريداً، وبعضها الآخر كان متطابقاً مع وثائق موجودة في أرشيف الجيش الإسرائيلي، لكن تلك الوثائق كانت لا تزال مصنفة "سرية" وممنوعة من النشر. وجود نسخ منها في مجموعة كوتسير الخاصة كان يعني كسر الاحتكار الحكومي للمعرفة التاريخية.

آدم راز لم يكتفِ بدراسة الوثائق. كتب عنها. نشر مقالات. أجرى مقابلات. كشف ما اكتشفه للعالم. واجه هجوماً شرساً من اليمين الإسرائيلي، لكنه صمد. لأنه آمن بأن الحقيقة أهم من الراحة. بأن العدالة أهم من الصمت.

٥. لماذا هذا الكتاب الآن؟

بعد سبعة وسبعين عاماً من النكبة، وبعد سنتين من الإبادة في غزة، لماذا هذا الكتاب الآن؟ ما الذي يضيفه إلى ما كتبه المؤرخون من قبل؟ ما الجديد فيه؟

الجواب بسيط: هذا الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي. هو تحقيق استقصائي في وثائق لم تكن معروفة من قبل. هو كشف لأسرار ظلت مخبأة لعقود. هو شهادة حية على جريمة مستمرة.

وثائق كوتسير تقدم لنا شيئاً ثميناً: الدليل المادي. ليس مجرد تحليل أكاديمي، بل أوامر عسكرية مكتوبة. ليس مجرد استنتاجات باحثين، بل شهادات قادة تحت القسم. ليس مجرد نظريات، بل وثائق تقول بالعبرية الواضحة: "كل عربي يصادف يجب إبادته".

هذه الوثائق تحول النقاش من "هل حدث هذا؟" إلى "كيف يمكننا التعامل مع حقيقة أنه حدث؟". إنها تسحب البساط من تحت أقدام من ينكرون، وتضع إسرائيل أمام مرآة تاريخية لا تستطيع كسرها.

كما أن هذا الكتاب يأتي في لحظة حاسمة. لحظة تشهد فيها المنطقة العربية أسوأ إبادة منذ النكبة. لحظة يقتل فيها آلاف الأطفال في غزة، ويدمر فيها آلاف البيوت، ويهجر فيها ملايين البشر. لحظة يكتشف فيها العالم، مرة أخرى، أن إسرائيل لم تتغير. أن المنهج واحد. أن الأهداف واحدة. وأن الإفلات من العقاب لا يزال هو القاعدة.

هذا الكتاب هو محاولة لفهم هذه الاستمرارية. كيف أن ما حدث في ١٩٤٨ يتكرر في ٢٠٢٣٢٠٢٦. كيف أن أوامر بروشي تشبه تصريحات غالانت. كيف أن مجزرة الصفصاف تشبه مجزرة المعمداني. كيف أن إخفاء "مالاب" للوثائق يشبه إنكار إسرائيل لجرائمها اليوم.

هذا الكتاب هو أيضاً محاولة للمساءلة. توثيق الجرائم هو الخطوة الأولى نحو محاكمة المجرمين. حفظ الذاكرة هو الشرط لمنع تكرار المأساة. ونقل الحقيقة هو واجب على كل من يعرفها.

٦. الإطار النظري: كيف نفهم ما نراه؟

لكن الوقائع وحدها لا تكفي. الوقائع وحدها لا تفسر نفسها. لماذا حدث هذا؟ لماذا استمر سبعة عقود؟ لماذا يتكرر اليوم؟ ما العلاقة بين هذه الجرائم والنظام العالمي؟ لماذا تدعم أمريكا إسرائيل بهذا العمى؟ لماذا تصمت الأنظمة العربية؟ لماذا يتواطأ الغرب؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى نظرية. إلى إطار فكري يربط الوقائع ببعضها، ويضعها في سياقها التاريخي والاقتصادي والسياسي. ليس مجرد وصف لما حدث، بل تفسير لماذا حدث.

لهذا السبب، يتضمن هذا الكتاب فصولاً عن مدرسة التبعية وسمير أمين. عن إسرائيل كـ"دولة وكيل" في خدمة الإمبريالية الغربية. عن المركزية الأوروبية وكيف تبرر الإبادة. عن دور الشركات والبنوك في تمويل الموت. عن فشل الأمم المتحدة وتواطؤها.

هذه النظريات ليست مجرد إضافات أكاديمية. هي أدوات لفهم الواقع. هي عدسات ترى من خلالها ما هو أبعد من الظاهر. هي مفاتيح تحل ألغازاً تبدو معقدة.

سمير أمين، المفكر المصري-الفرنسي الكبير، قضى حياته في تحليل علاقات التبعية بين "المركز" الرأسمالي (أمريكا وأوروبا) و"الأطراف" (العالم الثالث). رؤيته للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عميقة، ثاقبة، ومازالت صالحة لفهم ما يحدث اليوم.

يقول أمين: إسرائيل ليست مجرد دولة يهودية، بل "قاعدة متقدمة" للإمبريالية في المنطقة العربية. وظيفتها الأساسية: حماية مصالح المركز الرأسمالي، وتأمين تدفق النفط، وإخضاع الشعوب العربية، ومنع ظهور أي مشروع تنموي مستقل في المنطقة.

هذا التحليل يفسر لماذا تدعم أمريكا إسرائيل بهذا العمى. ليس بسبب اللوبي اليهودي فقط، بل بسبب المصالح الاستراتيجية. إسرائيل تؤدي وظيفة لا تستطيع أمريكا أداءها بنفسها.

هذا التحليل يفسر أيضاً لماذا تتكرر الإبادة. ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة. كلما اشتدت أزمة النظام، كلما ازدادت وحشيته. فلسطين هي المختبر الدائم للوحشية الرأسمالية.

٧. المنهج: كيف كتب هذا الكتاب؟

هذا الكتاب ليس رواية. ليس مقالاً رأياً. ليس خطاباً سياسياً. هو تحقيق تاريخي يستند إلى وثائق وشهادات ومصادر موثقة.

الوثائق التي اعتمدنا عليها هي في الأساس من مجموعة رافي كوتسير، التي عثرت عليها رونيت زيلبرمان ودرسها آدم راز. هذه الوثائق تشمل أوامر عسكرية، ومذكرات شخصية، وشهادات قادة، وتقارير مخابراتية، ومراسلات رسمية.

إضافة إلى ذلك، اعتمدنا على:

· شهادات القادة الإسرائيليين في محاكمة شموئيل لاهيس (١٩٤٩١٩٥٠)
· وثائق من أرشيفات إسرائيلية مختلفة (أرشيف "يد يعاري"، أرشيف الجيش الإسرائيلي، أرشيف وزارة الخارجية)
· تقارير الأمم المتحدة والمحاكم الدولية
· كتب ومقالات المؤرخين الإسرائيليين (بيني موريس، إيلان بابيه، أفي شلايم) والفلسطينيين (وليد الخالدي، رشيد الخالدي، نور مصالحة)
· تقارير منظمات حقوق الإنسان (منظمة العفو الدولية، هيومن رايتس ووتش، بتسيلم، مؤسسة الحق)
· مقابلات مع ناجين وشهود عيان
· تصريحات رسمية لمسؤولين إسرائيليين ودوليين
· تغطية إعلامية من مصادر متعددة (هآرتس، الغارديان، الجزيرة، وكالات الأنباء)

كل معلومة في هذا الكتاب موثقة. كل رقم له مصدر. كل شهادة لها مرجع. هذا ليس كتاباً في الدعاية، بل كتاباً في التوثيق. ليس كتاباً في العواطف، بل كتاباً في الحقائق.

لكن التوثيق لا يعني الجفاف. حاولنا أن نكتب بلغة أدبية رفيعة، تنقل الألم، وتصور المشهد، وتحرك المشاعر. لأن القضية الفلسطينية ليست مجرد أرقام وإحصائيات. هي قصص إنسانية. هي دموع وأحلام وآمال. هي أطفال يموتون تحت الأنقاض، ونساء يلدن في الشوارع، وشيوخ يموتون جوعاً. هذه القصص تحتاج إلى لغة تليق بها. لغة تخلدها في الذاكرة.

٨. هيكل الكتاب: رحلة في سبعة أقسام

ينقسم هذا الكتاب إلى سبعة أقسام رئيسية، كل قسم يتناول جانباً مختلفاً من القضية:

القسم الأول: وثائق الخطيئة الأولى، يحكي قصة اكتشاف أرشيف كوتسير، ويقدم تحليلاً مفصلاً لأهم الوثائق التي احتواها: أوامر بروشي، شهادات القادة، مجزرة الصفصاف، قضية شموئيل لاهيس، وحدة "مالاب"، ووثيقة الـ٧٠٪.

القسم الثاني: النكبة المستمرة، يتناول الإطار النظري لمفهوم النكبة المستمرة، ويوثق استمرار التطهير في ١٩٤٩١٩٥٦، ويحلل الإبادة في غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦ كحلقة جديدة في هذه السلسلة.

القسم الثالث: تحليل الإطار النظري، يقدم مدرسة التبعية وسمير أمين كأداة لفهم الصراع، ويحلل إسرائيل كـ"دولة وكيل"، وينتقد المركزية الأوروبية، ويناقش إشكالية دور إيران.

القسم الرابع: شبكة التواطؤ الدولية والإقليمية، يكشف الدور الغربي في الإبادة، وتورط الشركات والتكنولوجيا، ودور القطاع المصرفي في تمويل الموت، وحركة المقاطعة كأداة مقاومة، وفشل الأمم المتحدة وتواطؤها.

القسم الخامس: نحو مساءلة شاملة، يتناول المسار القانوني لمحاكمة مجرمي الحرب، والمحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، والولاية القضائية العالمية، والدروس من التاريخ، والتحديات التي تواجه المساءلة.

الخاتمة: من النكبة إلى التحرير، تقدم رؤية للمستقبل، وتحدد التحديات، وتستخلص الدروس، وتوجه رسالة إلى القارئ.

الملاحق تحتوي على نصوص الوثائق الأصلية مترجمة، وشهادات القادة كاملة، ووثائق الإخفاء المنهجي، وخرائط وصور، ونصوص قانونية، ومسرد شخصيات، وجدول زمني، وقائمة القرى الفلسطينية المدمرة.

هذا الهيكل ليس تعسفياً. هو رحلة فكرية تبدأ بالاكتشاف (الصندوق والوثائق)، ثم تنتقل إلى التحليل (لماذا حدث هذا؟)، ثم إلى الكشف عن شبكة التواطؤ (من ساعد؟)، ثم إلى المساءلة (كيف نحاسب؟)، وأخيراً إلى الرؤية (إلى أين نحن ذاهبون؟).

٩. لمن هذا الكتاب؟

هذا الكتاب لكل إنسان في هذا العالم.

للفلسطيني في غزة، تحت الأنقاض، الذي يبحث عن أمل. للفلسطيني في الضفة، تحت الاحتلال، الذي يبحث عن حرية. للفلسطيني في الداخل، تحت التمييز، الذي يبحث عن مساواة. للفلسطيني في الشتات، في المخيمات، الذي يبحث عن عودة. هذا الكتاب هو توثيق لمعاناتكم، وشهادة على صمودكم، ودليل على حقكم.

للعربي في كل مكان، الذي يحمل فلسطين في قلبه، ويتألم لما يحدث، ويسأل: ماذا أفعل؟ هذا الكتاب يعطيك إجابة. يعطيك فهماً أعمق للقضية. يعطيك أدوات للتحرك. يعطيك أملاً بأن النصر ممكن.

للغربي الذي يؤمن بحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة، ويرى تناقضاً صارخاً بين ما تعلنه حكوماته وما تفعله. هذا الكتاب يكشف لك هذا التناقض. يفضح ازدواجية المعايير. يدعوك إلى التحرك لتغيير سياسات بلدك.

لليهودي في إسرائيل أو في الشتات، الذي يسأل نفسه: هل هذا هو اليهودية التي أؤمن بها؟ هل هذه هي القيم التي تربيت عليها؟ هذا الكتاب يدعوك إلى التفكير. إلى رفض أن تكون أداة في يد نظام عنصري. إلى الانضمام إلى قوى السلام والعدالة.

للإنسان في كل مكان، الذي يؤمن بأن الظلم يجب أن يزول، وأن الحرية حق للجميع، وأن الكرامة الإنسانية لا تقبل المساومة. هذا الكتاب هو شهادة على أن هذه القيم يمكن أن تنتصر، إذا آمنا بها وناضلنا من أجلها.

١٠. بين الألم والأمل

في كل صفحة من هذا الكتاب، ستجد ألماً. ألماً يقطر من كل سطر. ألماً يصرخ من كل وثيقة. ألماً ينزف من كل شهادة.

ستجد أوصافاً لمجازر لا يمكن تصورها. ستجد تفاصيل عن اغتصاب وقتل وتشريد. ستجد أرقاماً تخدر العقل. ستجد صوراً تقطع القلب.

لكنك ستجد أيضاً، في كل صفحة، أمل. أمل في أن الصمود ممكن. أمل في أن المقاومة مشروعة. أمل في أن العدالة آتية. أمل في أن التحرير قادم.

ستجد قصصاً عن أطفال نجوا من الموت ليصبحوا مقاومين. عن نساء فقدن كل شيء لكنهن لم يفقدن الأمل. عن رجال قاتلوا حتى الرمق الأخير دفاعاً عن أرضهم. عن شعب بأكمله يرفض الاستسلام.

هذا التناقض، بين الألم والأمل، هو جوهر القضية الفلسطينية. هي مأساة إنسانية كبرى، لكنها أيضاً ملحمة صمود فريدة. هي قصة شعب اقتلع من أرضه، لكنه لم ينسَها. هي قصة شعب واجه أقوى آلة حرب في المنطقة، لكنه لم يهزم.

هذا الكتاب يحاول أن ينقل هذا التناقض. أن يصور الألم دون أن يقتل الأمل. أن يفضح الجريمة دون أن ينسى المقاومة. أن يوثق الماضي دون أن يغلق باب المستقبل.

١١. كلمة شكر

في نهاية هذه المقدمة، لا بد من كلمة شكر.

شكراً لرونيت زيلبرمان، عالمة الحيوانات التي أنقذت التاريخ من مكب النفايات. بدون فضولها وشجاعتها، لكانت هذه الوثائق قد تحولت إلى عجينة ورقية في مكب نفايات تل أبيب.

شكراً لآدم راز، المؤرخ الذي أمضى شهوراً في دراسة هذه الوثائق، وكشف أسرارها، ونشرها للعالم. بدون عمله الدؤوب، لبقيت هذه الوثائق مجرد أوراق صفراء لا معنى لها.

شكراً لمعهد عكيفوت، الذي آوى هذه الوثائق، ووفر للباحثين منصة لدراستها. بدون هذا المعهد، لكانت هذه الوثائق قد بقيت في الظل.

شكراً لجميع المؤرخين والصحفيين والناشطين الذين كرسوا حياتهم لكشف الحقيقة عن فلسطين. من بيني موريس إلى إيلان بابيه، من وليد الخالدي إلى رشيد الخالدي، من فرانشيسكا ألبانيزي إلى كريج موكيهر. أنتم أبطال الحقيقة.

شكراً لشهداء فلسطين، الذين سقطوا من أجل أن تبقى القضية حية. شكراً لأسرى فلسطين، الذين يقضون سنوات في سجون الاحتلال وهم أبرياء. شكراً لجرحى فلسطين، الذين فقدوا أطرافهم وهم يدافعون عن أرضهم. شكراً لصامدي فلسطين، الذين يرفضون الرحيل.

شكراً لكل من ساهم في هذا الكتاب، بشكل مباشر أو غير مباشر. لكل من قرأ المسودة وعلق عليها. لكل من قدم معلومة أو وثيقة. لكل من آمن بأن هذا الكتاب يجب أن يكتب.

وشكراً لك، أيها القارئ، لأنك اخترت أن تقرأ هذا الكتاب. لأنك اخترت أن تعرف الحقيقة. لأنك اخترت ألا تبقى متفرجاً. أنت الآن جزء من هذه الرحلة. وأنت أيضاً جزء من المسؤولية.

١٢. قبل أن تبدأ

قبل أن تبدأ في قراءة هذا الكتاب، هناك بعض الأشياء التي يجب أن تعرفها.

أولاً: هذا الكتاب صادم. يحتوي على مشاهد وأوصاف قد تكون مزعجة. إذا كنت من ذوي القلوب الرقيقة، قد تحتاج إلى أخذ فترات راحة. لكن تذكر: ما تقرأه هو مجرد كلمات على ورق. ما عاشه الفلسطينيون كان واقعاً مرعباً.

ثانياً: هذا الكتاب طويل. يغطي سبعة وسبعين عاماً من التاريخ، وعشرات الأحداث، ومئات الشخصيات. لا تتعجل. اقرأه على مهل. خذ وقتك لاستيعاب كل فصل. ارجع إلى الملاحق إذا احتجت. هذا الكتاب ليس رواية تقرأها في ليلة واحدة، بل موسوعة تدرسها على مدى أسابيع.

ثالثاً: هذا الكتاب موضوعي. حاولنا قدر الإمكان أن نعرض الحقائق كما هي، دون تحيز أو مبالغة. اعتمدنا على وثائق إسرائيلية وشهادات إسرائيلية لتجنب اتهامنا بالتحيز. لكن هذا لا يعني أن الكتاب محايد. لا يمكن أن تكون محايداً بين الجلاد والضحية. لكننا حاولنا أن نكون عادلين، حتى في عرض جرائم الجلادين.

رابعاً: هذا الكتاب ملتزم. ملتزم بالقضية الفلسطينية، بحقوق الإنسان، بالعدالة الدولية. هذا ليس كتاباً أكاديمياً بارداً، بل كتاباً نضالياً ساخناً. لكن الالتزام لا يعني التضحية بالموضوعية. بالعكس، الالتزام الحقيقي يتطلب الموضوعية، لأن الحقيقة هي أقوى سلاح للمظلومين.

خامساً: هذا الكتاب ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها. بعد أن تقرأه، ستعرف الحقيقة. لكن المعرفة وحدها لا تكفي. يجب أن تتحرك. يجب أن تفعل شيئاً. هذا الكتاب هو دعوة للعمل، لا للتفرج.

١٣. أخيراً: إلى روح الحقيقة

في اللحظات الأخيرة من هذه المقدمة، قبل أن تغوص في صفحات هذا الكتاب، أريدك أن تتوقف لحظة. أغمض عينيك. تخيل صندوقاً كرتونياً بجانب حاوية نفايات في تل أبيب. تخيل امرأة تنحني لتفتحه. تخيل أوراقاً صفراء تكشف عن أسرار سبعة عقود. تخيل أن هذه الأوراض تحمل في طياتها شهادات قتلى، ودماء أطفال، ودموع أمهات.

هذه الأوراق كانت ستضيع إلى الأبد، لولا تلك المرأة. كانت ستتحول إلى عجينة ورقية في مكب نفايات، وتختفي كما اختفى آلاف الضحايا دون أثر. لكنها لم تضع. بقيت. ووصلت إلينا. والآن، وصلت إليك.

ما ستفعله بهذه الحقيقة، هو ما سيحدد مستقبل فلسطين. ستظل متفرجاً؟ ستكتفي بالأسف؟ أم ستتحرك؟ ستشارك؟ ستقاطع؟ ستكتب؟ ستتظاهر؟ ستضغط؟

الخيار لك. لكن تذكر: التاريخ لن يرحم المتفرجين. كما قال الشاعر الألماني مارتن نيمولر عن صمت الألمان إزاء النازية:

"جاء النازيون أولاً إلى الشيوعيين، فلم أتكلم لأنني لم أكن شيوعياً.
ثم جاءوا إلى اليهود، فلم أتكلم لأنني لم أكن يهودياً.
ثم جاءوا إلى النقابيين، فلم أتكلم لأنني لم أكن نقابياً.
ثم جاءوا إلى الكاثوليك، فلم أتكلم لأنني كنت بروتستانتياً.
ثم جاءوا إلي، ولم يبق أحد ليتكلم".

لا تكن مثل ذلك الألماني. كن صوتاً للحقيقة. كن يداً للعدالة. كن أملاً للفلسطينيين.

فلسطين تستحق ذلك.

---

والآن... لنبدأ الرحلة.


الفصل الأول: كنز في القمامة - قصة اكتشاف غير مسبوقة

١. مقدمة: حيث ينتهي التاريخ يبدأ

في البدء كانت الكلمة. ثم كانت الوثيقة. ثم كان الصمت.

هكذا يمكن اختصار سبعة عقود من إنكار ممنهج، سكب فيها الحبر على الورق ليسجل تفاصيل جريمة، ثم سكب الظلام على الحبر ليخفيها. بين فعل الكتابة وفعل الإخفاء، تشكلت هوية كيان كامل، وقُذفت في الوجود أمة من اللاجئين، وترسخت في الذاكرة الجمعية صدمة لا تندمل.

لكن للتاريخ نزواته الساخرة. فبينما كانت المؤسسة الإسرائيلية تنفق عقوداً من الزمن وسخريات من المال والجهد لـ"تنظيف" الأرشيفات مما يفضح جرائم التأسيس، كانت لعبة القدر تبحث عن وعاء آخر للحقيقة: صندوق كرتوني ملقى بجانب حاوية نفايات في أحد أرقى أحياء تل أبيب.

هذا الفصل هو حكاية ذلك الصندوق. حكاية امرأة فضولية، وجندي عجوز يحتضر، وأوراص صفراء كادت أن تتحول إلى عجينة ورقية في مكب نفايات، لكنها تحولت بدلاً من ذلك إلى مفتاح يفك أقدم وأعتى طلاسم الصراع العربي الإسرائيلي: هل هرب الفلسطينيون أم طُردوا؟

إنها حكاية الحقيقة التي كانت مختبئة على مرأى من الجميع، تنتظر من يلتقطها من الشارع.

٢. تل أبيب: المدينة التي تبني نفسها على النسيان

لفهم المفارقة العظيمة التي يمثلها هذا الاكتشاف، يجب أن نقف لحظة عند طبيعة المكان الذي وقع فيه.

تل أبيب. المدينة التي بُنيت على كثبان الرمال شمال يافا عام ١٩٠٩. المدينة التي تروج لنفسها باعتبارها "المدينة العبرية الأولى"، "المدينة التي لا تتوقف"، واجهة الحداثة الإسرائيلية البهيجة، بشواطئها الذهبية ومقاهيها المزدحمة وناطحات سحابها الزجاجية. إنها المدينة التي تطل على البحر المتوسط وتدير ظهرها للشرق. بل تدير ظهرها تحديداً ليافا، تلك الجارة الفلسطينية العتيقة التي ابتلعتها وضمتها إليها، لكنها تظل ندبة في ضميرها الجغرافي.

في تل أبيب، يُبنى الماضي ليهدم، ويُهدم ليبني. كل حفارة تصل إلى عمق معين في الأرض تستخرج بقايا حضارات سابقة، لكن المدينة تتجاهلها أو تعيد دفنها تحت الأساسات. الماضي هنا ليس ذكرى تُقدس، بل عبء يُتخلص منه.

حي رامات هاحايل، حيث وقع الاكتشاف، هو نموذج مصغر لهذه الروح التل أبيبية. اسمه يعني "مرتفعات الجندي"، وقد بُني في الخمسينيات على أراضي قرية الشيخ مونس الفلسطينية المهجرة. سكانه الأصليون من الفلسطينيين شردوا عام ١٩٤٨، ولم يعد منهم أحد. اليوم، يسكنه أثرياء إسرائيليون وعمالقة التكنولوجيا الفائقة. إنه حي يطل على الفضاء الإلكتروني كما يطل على البحر، لكنه لا يطل على جرحه التاريخي.

في شوارعه الهادئة المرصوفة بأشجار الظل، تمشي الكلاب مع أصحابها، ويدفع المربون عربات الأطفال، وتُغلق أبواب الفلل الزجاجية خلف سكانها. لا شيء يوحي بأن هذه الأرض كانت يوماً ما تابعة لقرية فلسطينية اسمها الشيخ مونس. لا لوحة، لا نصب تذكاري، لا حتى اسم شارع. الشيخ مونس مُنيت بمصير أسوأ من الموت: مصير النسيان التام.

في مثل هذه البيئة، في نهاية شهر مارس/آذار من عام ٢٠٢٤، كانت رونيت زيلبرمان تمشي كعادتها. كانت في الخمسينيات من عمرها، عالمة حيوانات، امرأة اعتادت ملاحظة التفاصيل الدقيقة في الطبيعة. عيناها المدربتان على تمييز أنماط سلوك الطيور ومسارات الزواحف كانت تنظر إلى الأرض، كما يفعل عادة من يعمل في الحقل.

لكنها لم تكن تبحث عن شيء. كانت في نزهة عادية. حتى رأت الصناديق.

٣. الاكتشاف: لحظة الصدفة التي هزت الذاكرة

كانت الصناديق مكدسة بجانب حاوية نفايات كبيرة. مشهد مألوف في أي مدينة: أثاث قديم، أدوات منزلية بالية، بقايا حياة انتهت صلاحيتها. لكن هذه الصناديق كانت مختلفة. لم تكن تحوي أثاثاً عادياً، بل أوراقاً. آلاف الأوراق.

يقول الذين عاصروا تلك اللحظة إن رونيت توقفت للحظة، ثم اقتربت بحذر. فضولها العلمي دفعها للنظر. ما هذه الأوراق؟ لمن كانت؟ لماذا تُرمى بهذا الشكل العشوائي؟

بدأت تتصفح. كانت الأوراق صفراء، بعضها هش يكاد يتفتت عند اللمس. كانت مكتوبة بالعبرية، بعضها مطبوع على آلات كاتبة قديمة، وبعضها مكتوب بخط اليد. كانت هناك خرائط عسكرية، صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود، مذكرات يومية، مراسلات رسمية.

رونيت ليست مؤرخة. هي عالمة حيوانات. لكن ما رأته كان غريباً بما يكفي لتلتقطه. رأت كلمات مثل "عمليات عسكرية"، "كتيبة ١٢"، "لواء غولاني". رأت تواريخ: ١٩٤٨. ورأت كلمات صادمة، مكتوبة بخط اليد، واضحة كالشمس: "إعدام"، "قتل"، "تطهير".

لم تكن تفهم كل التفاصيل، لكنها فهمت أنها أمام شيء مهم. ربما كان حدسها العلمي، الذي اعتاد على التعامل مع العينات النادرة، هو الذي أيقظها. ربما كان مجرد فضول إنساني. المهم أنها لم تمر مرور الكرام.

بدأت تنقل الصناديق إلى منزلها. كانت ثقيلة. بعضها كان مبللاً، ربما من ندى الليل، ربما من سوء التخزين. حملتها واحدة تلو الأخرى، متعبة، متلهفة. لم تكن تعلم أنها تحمل أكثر من مجرد ورق. كانت تحمل تاريخ شعب بأكمله. كانت تحمل أدانة كيان. كانت تحمل الحقيقة التي ظلت تبحث عن قابض سبعة وسبعين عاماً.

في منزلها، فرغت المحتويات على الأرض. أمامها الآن مدينة ورقية. آلاف الصفحات. بعضها منظم في مجلدات، وبعضها مرصوص بشكل عشوائي. خرائط تفصيلية للقرى الفلسطينية. صور جنود. مذكرات شخصية. وأوامر عسكرية.

هنا، في غرفة معيشة عادية في تل أبيب، كانت فلسطين التاريخية تعود إلى الحياة. ليس كشعر أو أسطورة، بل كوثائق رسمية، مكتوبة بالعبرية، موقعة بأيدي الضباط الإسرائيليين أنفسهم.

٤. رافي كوتسير: حياة في صندوق

السؤال الأول الذي يطرح نفسه: لمن كانت هذه الوثائق؟ كيف وصلت إلى هذا الصندوق، ثم إلى هذه الحاوية؟

الجندي العجوز يحتضر، كما يحدث لجميع الجنود العجاز. وأولاده وأحفاده يفتشون بيته بعد رحيله. أمامهم أكوام من الأوراق. مذكرات، صور، رسائل. بالنسبة لهم، هذه مجرد أوراق صفراء. ذكرى رجل عجوز لا معنى لها في عصر الآيباد والفيسبوك. ما قيمة هذه الأوراق في شقة في تل أبيب تبلغ قيمتها ملايين الشواقل؟

ربما اعتقدوا أنهم يقومون بعملية تنظيف. ربما ظنوا أنهم يخففون العبء عن أنفسهم. ربما لم يسألوا أنفسهم أبداً: ماذا تحتوي هذه الأوراق؟ من صاحبها؟

كان صاحبها اسمه رافي كوتسير. لكن من هو رافي كوتسير؟

رافي كوتسير (أو كوتزر حسب بعض الترجمات) لم يكن جندياً عادياً. كان أحد أوائل مقاتلي لواء غولاني، اللواء الذي يعتبر النخبة في الجيش الإسرائيلي القديم والجديد. بل كان أكثر من ذلك: كان أحد مؤسسي وحدة الكوماندوز في الكتيبة الثانية عشرة، الوحدة التي تطورت لاحقاً لتصبح "سايرت غولاني"، وحدة الاستطلاع النخبوية في اللواء .

في عام ١٩٤٨، كان كوتسير في مقتبل العمر. قاد معارك. رأى الموت. وأمر بالموت. حمل سلاحه، وحمل معه دفتراً وأقلاماً. كان يوثق.

وثق أوامر قادته. وثق مذكراته الشخصية. وثق الاجتماعات السياسية التي حضرها. جمع خرائط العمليات التي شارك فيها. احتفظ بصور زملائه. بالنسبة له، كانت هذه الأشياء تذكارات شخصية، دليل على أنه كان هناك، على أنه صنع التاريخ.

لكن التاريخ الذي صنعه لم يكن ذلك الذي كتبته الصحف الإسرائيلية. التاريخ الذي صنعه كان مليئاً بالدم الفلسطيني. كان يحمل في أوراقه تفاصيل لم تنشر أبداً.

بعد الحرب، عاد كوتسير إلى الحياة المدنية. لكنه بقي جندياً في روحه. أسس لاحقاً "منظمة الجرحى المعاقين" في الجيش الإسرائيلي . أمضى حياته متنقلاً بين بيروقراطية الجيش وروتين الحياة اليومي. لكنه احتفظ بصناديقه. ظلت تنتقل معه من بيت إلى بيت. تذكر كلما رآها بسنوات شبابه. لكنه لم ينشرها. لم يعرضها على متحف. لم يعطها لأرشيف.

لماذا؟ ربما لأنه كان يعرف ما فيها. ربما لأنه لم يرد أن يفتح صندوق باندورا هذا. ربما لأنه كان يؤمن، كما يؤمن كثير من الإسرائيليين، بأن هذه الأسرار يجب أن تبقى دفينة.

ومضت السنوات. تزوج وأنجب. كبر وكبرت أوراقه معه. تحولت من وثائق حية إلى آثار عتيقة. ثم جاء الموت. ثم جاء الأولاد ليفتشوا البيت. ثم جاء الصندوق ليجد طريقه إلى الشارع.

كم من صناديق كهذه رُميت قبل أن يراها أحد؟ كم من تاريخ ضاع في مكبات النفايات الإسرائيلية؟ هذا هو السؤال الذي لا يمكن الإجابة عنه، لكنه يظل معلقاً في الهواء كشبح ثقيل.

٥. نظرة أولى: أوراق لا تقدر بثمن

في منزل رونيت، بدأت عملية الفرز الأولي. كانت المهمة شاقة. كيف تفرز آلاف الصفحات؟ كيف تفهم ما هو مهم وما هو ثانوي؟

كانت أقسام الملفات تشي بتنظيم سابق. بدا أن كوتسير كان شخصاً منظماً. قسم أوراقه حسب الموضوع. كان هناك جزء شخصي: رسائل عائلية، بطاقات مدرسية، رسومات أطفال. هذا الجزء، كما تبين لاحقاً، لم يكن مهماً للبحث التاريخي .

لكن الأقسام الأخرى كانت كنوزاً.

كان هناك جزء مخصص للنقاشات السياسية. كوتسير كان قريباً من حركة "مابام" (حزب العمال الموحد)، أحد الأحزاب اليسارية الصهيونية التي لعبت دوراً رئيسياً في العقود الأولى لإسرائيل. احتفظ بمحاضر اجتماعات نوقشت فيها قضايا مصيرية: خطر الأسلحة النووية، الحكم العسكري الذي فرض على العرب الإسرائيليين من ١٩٤٨ حتى ١٩٦٦ . هذه المحاضر وحدها كانت كافية لقلب الكثير من المفاهيم عن الديمقراطية الإسرائيلية.

لكن الجزء الأكثر أهمية، الجزء الذي جعل قلب رونيت يخفق، كان الجزء العسكري. هنا كانت التفاصيل الدقيقة لحرب ١٩٤٨. ليس كما روتها الكتب المدرسية الإسرائيلية، بل كما حدثت على الأرض. أوامر عمليات. تقارير معارك. شهادات من الميدان. وأشياء صُنفت على أنها "سرية للغاية".

كان من الواضح أن كوتسير لم يكن مجرد جندي عادي. موقعه كقائد ومؤسس وحدة نخبوية جعله في قلب الأحداث. الوثائق التي بحوزته لم تكن مجرد أوراق هامشية، بل كانت سجلاً مركزياً للعمليات العسكرية في الجبهة الشمالية.

من بين هذه الأوراق، برزت وثيقة واحدة. كانت مكتوبة على ورق أصفر، بخط يد واضح وجميل. كانت موقعة ومؤرخة: يوليو ١٩٤٨. كاتبها: يتسحاق بروشي، قائد الكتيبة الثانية عشرة في لواء غولاني. عنوانها: "التصرف في القرى المحتلة المأهولة بالسكان" .

لم تكن رونيت تعلم أنها تمسك بين يديها بأحد أكثر الوثائق إثارة للجدل في تاريخ الصراع.

٦. ما فعلته رونيت: من المواطنة إلى المؤرخة

في هذه المرحلة، كان أمام رونيت خياران. الأول: أن تغض الطرف. أن تعيد الأوراق إلى حيث وجدتها، أو أن ترميها بنفسها. بعد كل شيء، هي ليست مؤرخة. ليس لديها الوقت ولا الخبرة للتعامل مع مثل هذه المواد. الثاني: أن تفعل شيئاً.

اختارت الخيار الثاني.

لكنها لم تكن تعرف إلى أين تتجه. في إسرائيل، التعامل مع مثل هذه الوثائق ليس بالأمر السهل. الأجهزة الأمنية تراقب. الأرشيفات الرسمية تخضع للرقابة. أي محاولة لنشر معلومات عن تاريخ ١٩٤٨ تواجه عقبات بيروقراطية وسياسية هائلة.

لحسن الحظ، سمعت رونيت عن "معهد عكيفوت لدراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" (Akevot Institute). هذا المعهد، الذي أسسه باحثون إسرائيليون مستقلون، متخصص في كشف النقاب عن الوثائق التاريخية المخفية المتعلقة بالصراع. مهمته الأساسية هي تحدي الرقابة الإسرائيلية وإتاحة المواد التاريخية للباحثين والجمهور.

اتصلت رونيت بالمعهد. كان رد فعلهم سريعاً. أدركوا على الفور قيمة ما عثرت عليه. انتقلت الصناديق من منزل رونيت إلى مقر المعهد. وهناك، بدأ العمل الحقيقي.

تولى المهمة المؤرخ آدم راز، أحد باحثي المعهد. راز ليس مؤرخاً عادياً. هو متخصص في تفكيك الخطاب الإسرائيلي الرسمي وكشف التناقضات بين الرواية المنشورة والوثائق المخفية. أمامه الآن كنز حقيقي.

بدأ راز بفرز المواد بشكل منهجي. قارنها بما هو موجود في الأرشيفات الرسمية. حلل الخطوط. تأكد من التوقيعات. تواصل مع خبراء آخرين. واستغرق في البحث شهوراً.

ما اكتشفه كان أكبر مما توقعه أي منهم. لم تكن هذه مجرد وثائق عسكرية عادية. كانت سجلاً كاملاً لسياسة التطهير العرقي الإسرائيلي، موقعة بخط اليد، ومؤرخة، ومؤكدة بشهادات قادة كبار.

الأهم من ذلك، أن العديد من هذه الوثائق كانت مزدوجة الأهمية: بعضها كان نادراً وفريداً، وبعضها الآخر كان متطابقاً مع وثائق موجودة في أرشيف الجيش الإسرائيلي، لكن تلك الوثائق كانت لا تزال مصنفة "سرية" وممنوعة من النشر. وجود نسخ منها في مجموعة كوتسير الخاصة كان يعني كسر الاحتكار الحكومي للمعرفة التاريخية.

٧. الجندي الذي تحدث: شهادات أخرى في الصناديق

لكن كنز كوتسير لم يقتصر على أوراقه هو. كانت الصناديق تحوي أيضاً وثائق من مصادر أخرى. كيف حصل عليها كوتسير؟ ربما من زملائه، ربما من القادة الذين عمل معهم، ربما من جلسات النقاش التي حضرها.

من بين هذه الوثائق، كانت هناك مواد نادرة من محاكمات عسكرية جرت في السنوات الأولى لإسرائيل. محاكمات لم يُسمح بنشر وقائعها كاملة. محاكمات حاولت المؤسسة العسكرية إخفاء تفاصيلها.

أهم هذه المحاكمات كانت قضية شموئيل لاهيس. لاهيس كان قائد سرية في لواء كرميلي. متهم بارتكاب مجزرة في قرية حولا اللبنانية، حيث قتل بيديه عشرات المدنيين . كانت هذه الحالة الوحيدة التي حوكم فيها جندي إسرائيلي بتهمة قتل عرب خلال حرب ١٩٤٨.

لكن محاكمة لاهيس لم تكن محاكمة حقيقية بالمعنى القانوني. كان لاهيس "كبش فداء"، كما وصفه أحد القضاة. حوكم ليس لأنه ارتكب جريمة، بل لأن المؤسسة احتاجت إلى إظهار أنها تحاكم أحداً. حكم عليه بالسجن سنة واحدة، لكنه قضى فترة قصيرة في قاعدة عسكرية ثم نال عفواً رئاسياً سريعاً. لاحقاً أصبح مديراً عاماً للوكالة اليهودية .

في محاكمته، استدعى الدفاع عدداً من كبار الضباط للإدلاء بشهاداتهم. هؤلاء الضباط، الذين أصبح بعضهم لاحقاً رؤساء أركان وقادة كبار، أدلوا بشهادات صادمة. شهاداتهم كانت محفوظة في أرشيف المحكمة، لكنها ظلت سرية لعقود.

مجموعة كوتسير احتوت على نسخ من هذه الشهادات. كيف حصل عليها؟ ربما من خلال صلاته العسكرية. ربما ببساطة لأنه كان مهتماً بالقضية. المهم أنها الآن بين يدي الباحثين.

هذه الشهادات تشكل القسم الأكثر إثارة في الأرشيف. لأنها ليست مجرد أوراق مكتوبة، بل أصوات حية لقادة إسرائيليين كبار يعترفون، تحت القسم، بأن الجيش الإسرائيلي ارتكب مجازر ممنهجة، وأن هذه المجازر كانت معروفة للقيادة العليا، بل وأحياناً بأوامر منها.

٨. مدينة على صفيح ساخن: ردود الفعل الأولى

بمجرد أن بدأت نتائج أبحاث آدم راز في التسرب، بدأ الاهتمام يتزايد. كان من الواضح أن هذا الاكتشاف سيهز إسرائيل.

الصحفيون بدأوا بالاتصال. المؤرخون طلبوا الاطلاع. منظمات حقوق الإنسان أبدت اهتماماً. حتى وسائل إعلام دولية بدأت ترصد القصة.

لكن ردود الفعل لم تكن كلها إيجابية. في إسرائيل، الحديث عن "النكبة" لا يزال من المحرمات. القول بأن إسرائيل طردت الفلسطينيين عمداً واستخدمت الإرهاب كأداة حرب هو كسر لتابو وطني مقدس.

المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي اعتادت السيطرة على الأرشيفات، لم تكن سعيدة بهذا الاكتشاف المستقل. كيف يمكن لصندوق ملقى في الشارع أن يحتوي على ما أخفته لعقود؟ كيف يمكن لمواطنة عادية أن تعثر على ما منعته الرقابة العسكرية؟

بدأت تظهر أصوات تشكك في صحة الوثائق. بعض المعلقين اليمينيين زعموا أنها مزورة. آخرون قالوا إنها مجرد وثائق قديمة لا تعكس سياسة رسمية. فريق ثالث حاول تجاهل القصة تماماً، على أمل أن تموت في مهدها.

لكن قوة الوثائق كانت في تفاصيلها. ليس سهلاً تزوير آلاف الصفحات. ليس سهلاً تزوير خط يد يتسحاق بروشي وتوقيعه. ليس سهلاً تزوير شهادات قادة معروفين أمثال مردخاي ماكليف وماكسيم كوهين.

الأمر الأكثر إحراجاً هو أن بعض هذه الوثائق كانت مطابقة تماماً لما هو موجود في الأرشيفات الرسمية. لو كانت مزورة، لكانت قد اختلفت عن الأصل. لكنها تطابقت. وهذا يعني فقط شيئاً واحداً: أن الأرشيفات الرسمية تخفي الحقيقة، لكن الحقيقة وجدت طريقاً آخر للنور.

٩. معنى الاكتشاف: لماذا هذا مهم؟

لماذا كل هذه الضجة حول وثائق قديمة عمرها ثمانية عقود؟ لماذا يهمنا اليوم ما كتبه جندي إسرائيلي في يوليو ١٩٤٨؟

لأن هذه الوثائق تجيب عن السؤال الذي ظل معلقاً منذ سبعة وسبعين عاماً: هل هرب الفلسطينيون أم طُردوا؟

الرواية الإسرائيلية الرسمية، التي ظلت تدرس في المدارس وتتكرر في الخطابات السياسية، تقول إن الفلسطينيين غادروا طواعية. تقول إن القيادات العربية طلبت منهم المغادرة لإفساح المجال للجيوش الغازية. تقول إن إسرائيل لم تطرد أحداً، بل استقبلت من بقي منها كمواطنين.

هذه الرواية انهارت عملياً مع ظهور "المؤرخين الجدد" في الثمانينات، أمثال بيني موريس وإيلان بابي وأفي شلايم. هؤلاء المؤرخون، بالاعتماد على الأرشيفات الإسرائيلية التي بدأت تفتح أبوابها جزئياً، أثبتوا أن الطرد كان منهجياً وواسع النطاق.

لكن الرواية الرسمية ظلت صامدة في الوعي الشعبي الإسرائيلي. ظلت حجة للدفاع عن "أخلاقية الجيش" و"نقاء السلاح". ظلت سوراً يحمي الهوية الإسرائيلية من مواجهة ماضيها المظلم.

ما تفعله وثائق كوتسير هو توفير "الدليل المادي" الذي كان ناقصاً. ليس مجرد تحليل أكاديمي، بل أوامر عسكرية مكتوبة. ليس مجرد استنتاجات باحثين، بل شهادات قادة تحت القسم. ليس مجرد نظريات، بل وثائق تقول بالعبرية الواضحة: "كل عربي يصادف يجب إبادته" .

هذه الوثائق تحول النقاش من "هل حدث هذا؟" إلى "كيف يمكننا التعامل مع حقيقة أنه حدث؟". إنها تسحب البساط من تحت أقدام من ينكرون، وتضع إسرائيل أمام مرآة تاريخية لا تستطيع كسرها.

١٠. خاتمة: الصندوق الذي فتح أبواب الجحيم

في الأساطير القديمة، كانت الصناديق تحوي أسراراً خطيرة. صندوق باندورا فتحه الفضول فأطلق الشرور على العالم. لكن في أسطورة باندورا، بقي الأمل في القاع.

صندوق رونيت زيلبرمان هو عكس ذلك. لقد أطلق الحقيقة. وهذه الحقيقة قد تكون أكثر إيلاماً من كل الشرور.

لأنه إذا كانت إسرائيل قد بنيت على التطهير العرني، وإذا كان جيشها قد ارتكب مجازر ممنهجة، وإذا كان قادتها قد أمروا بقتل المدنيين، فماذا يعني ذلك بالنسبة لشرعية الكيان؟ ماذا يعني بالنسبة للصراع الحالي؟ ماذا يعني بالنسبة لمستقبل السلام؟

هذه الأسئلة هي ما ستحاول بقية فصول هذا الكتاب الإجابة عليها. لكن قبل ذلك، يجب أن نقرأ الوثائق نفسها. يجب أن نرى بأعيننا ما كتبه يتسحاق بروشي. يجب أن نسمع بأذاننا ما قاله مردخاي ماكليف. يجب أن نعترف بأن ما حدث لم يكن حرباً عادية، بل كان مشروعاً دموياً منظمًا.

الصناديق التي عثرت عليها رونيت بجانب حاوية النفايات في تل أبيب لم تكن مجرد أوراق قديمة. كانت شهادة ميلاد الجريمة. كانت اعتراف الجلاد. كانت الحقيقة التي لا يمكن دفنها بعد الآن.

في الأقسام التالية، سنفتح هذه الصناديق واحدة تلو الأخرى. سنقرأ الوثائق كما هي. سنحلل مضامينها. سنتتبع تأثيرها. سنسأل: لماذا أخفيت؟ ومن أمر بإخفائها؟ وماذا يعني بقاؤها في الظل كل هذه السنوات؟

لكن قبل أن نمضي، يجب أن نتوقف لحظة لنشكر رونيت زيلبرمان. عالمة الحيوانات التي لم تكن تبحث عن التاريخ، لكن التاريخ وجدها. المرأة التي لم تكن تعرف ماذا تفعل بكنز عثرت عليه في الشارع، لكنها فعلت الشيء الصحيح.

بفضلها، وبفضل معهد عكيفوت، وبفضل المؤرخ آدم راز، أصبحت هذه الوثائق متاحة للعالم. وأصبح بإمكاننا أن نروي القصة كاملة.

القصة التي تبدأ بصندوق في قمامة تل أبيب، وتنتهي بإبادة جماعية في غزة، وتمتد بينهما سبعة وسبعون عاماً من الدم والإنكار والمقاومة.

هذه هي قصة النكبة المستمرة.

وهذه هي بدايتها.



……


الفصل الثاني: هندسة الطرد - أوامر بروشي المكتوبة

١. مقدمة: الورقة التي تفوق الرصاصة

في صيف عام ١٩٤٨، كان يتسحاق بروشي جالساً في مكتبه الميداني في الجليل الأسفل. حوله ضباط ينتظرون الأوامر. أمامه خريطة لفلسطين، مرسوم عليها خطوط التقدم ومواقع القرى العربية. وبين يديه قلم.

ذلك القلم، في تلك اللحظة، كان أكثر فتكاً من أي بندقية كان يحملها جنوده. لأن ما سيكتبه بروشي سيتحول إلى واقع دموي. سيتحول إلى موت. سيتحول إلى تهجير. سيتحول إلى مأساة تمتد سبعة وسبعين عاماً وما زالت.

بروشي كان قائد الكتيبة الثانية عشرة في لواء غولاني. لم يكن فيلسوفاً، ولم يكن مفكراً سياسياً. كان جندياً محترفاً، يؤدي مهمته بأقصى كفاءة. ومهمته كانت واضحة: تطهير الجليل من سكانه العرب.

لكن بروشي كان يدرك شيئاً لا يدركه كثير من العسكريين: أن الحرب لا تدار بالرصاص فقط. تدار أيضاً بالكلمات. بالتعليمات. بالنظام. بالروتين. عندما تتحول جريمة الحرب إلى "أمر عسكري"، فإنها تفقد صفة الجريمة وتكتسب صفة الواجب. عندما يُكتب القتل على الورق، ويوقع بالاسم، ويختم بالختم الرسمي، يصبح الجلاد موظفاً أدى واجبه، لا مجرماً ارتكب فظيعة.

هذا ما فعله بروشي في يوليو ١٩٤٨. كتب وثيقة حولت الإبادة إلى بروتوكول. حولت المجزرة إلى إجراء روتيني. حولت قتل المدنيين إلى "أمر عمليات".

تلك الوثيقة، التي بقيت في حوزة رافي كوتسير سبعة عقود، ثم رُميت في شوارع تل أبيب، ثم أنقذتها رونيت زيلبرمان، هي محور هذا الفصل. إنها ليست مجرد ورقة صفراء. إنها شهادة ميلاد الكيان كما هو حقاً: كيان يقوم على هندسة الطرد، على إدارة الموت، على تحويل الإبادة إلى نظام.

في هذا الفصل، سنقرأ هذه الوثيقة سطراً سطراً. سنفكك بنيتها. سنتتبع كلماتها. سنرى كيف تحولت الكلمات إلى رصاص، والرصاص إلى نكبة، والنكبة إلى شتات ممتد حتى اليوم.

٢. صيف ١٩٤٨: الجليل على صفيح ساخن

لفهم وثيقة بروشي، يجب أن نفهم أولاً السياق الذي كُتبت فيه.

صيف ١٩٤٨. التاريخ لا يعرف الترف. في الجليل، كانت المعارك على أشدها. العصابات الصهيونية، التي كانت حتى أشهر قليلة مضت تعمل بشكل شبه مستقل، قد توحدت رسمياً تحت اسم "جيش الدفاع الإسرائيلي". لكن التوحد كان شكلياً. في الميدان، كان كل قائد يتمتع بهامش واسع من التصرف. وكانت العقيدة العسكرية لا تزال في طور التشكل.

الجليل كان منطقة استراتيجية. جباله تطل على السهل الساحلي. قراه العربية تشكل نسيجاً بشرياً كثيفاً. بالنسبة للقيادة الصهيونية، كان لابد من "تخفيف" هذا النسيج. كان لابد من تقليص الوجود العربي في المنطقة لتأمين الدولة الجديدة.

لكن كيف تفعل ذلك؟ كيف تجعل مئات الآلاف من البشر يغادرون بيوتهم التي سكنوها لأجيال؟

هذا هو السؤال الذي كان يشغل بال القادة الصهاينة في ذلك الصيف الحارق. وكان الجواب يتشكل تدريجياً: بالإرهاب. بالقتل. بالمجازر. بجعل الحياة مستحيلة لمن يبقى.

يتسحاق بروشي كان واحداً من الذين فهموا هذه المعادلة جيداً. بل كان واحداً من الذين صاغوها في كلمات.

بروشي، الرجل الذي وقع هذه الأوامر، لم يكن متطرفاً مجنوناً. كان ضابطاً محترفاً، ذا سمعة جيدة. قبل الحرب، كان عضوًا في حركة "مابام"، الحزب اليساري الذي كان يتغنى بالتعايش والسلام. لكن في الحرب، تحول اليساري إلى جلاد. وتحولت مُثُل التعايش إلى أوامر قتل.

هذا التحول ليس فردياً. إنه بنيوي. عندما يكون المشروع قائماً على إزالة شعب، يصبح حتى "اليساريون" مجرمين. عندما يكون الهدف هو "الدولة اليهودية النقية"، يصبح التطهير العرني ضرورة عسكرية.

بروشي فهم هذا. وكتبه.

٣. الوثيقة: قراءة في المتن

الوثيقة التي كتبها بروشي في يوليو ١٩٤٨ تحمل عنواناً إدارياً عادياً: "التصرف في القرى المحتلة المأهولة بالسكان". العنوان لا يوحي بأي شيء مريب. يمكن أن يكون دليلاً إدارياً لتنظيم الحياة في القرى بعد احتلالها.

لكن المحتوى مختلف.

الوثيقة موجهة إلى قادة السرايا في شمال البلاد. لغتها عسكرية جافة. تعليماتها واضحة ومفصلة. لا تترك هامشاً للتأويل. هي بمثابة "بروتوكول" للتعامل مع المدنيين بعد الاحتلال.

دعنا نقرأها معاً، ونفكك بنودها واحداً واحداً.

البند الأول: بطاقات التعريف

يكتب بروشي: بعد احتلال قرية عربية، سيتم إصدار بطاقات تعريف للسكان. وإذا قام أحد السكان بتسليم بطاقته لشخص آخر، يجب إطلاق النار على الاثنين معاً .

هذا البند يثير دهشة أي قارئ عادي. ما المشكلة في أن يسلم شخص بطاقته لآخر؟ لماذا يستحق هذا الفعل البسيط الموت؟

الإجابة تكمن في فلسفة الاحتلال. بطاقات التعريف هنا ليست مجرد وثائق إدارية. إنها أداة للسيطرة. من خلالها، يعرف الجيش من هو المقيم الشرعي ومن هو "الدخيل". تبادل البطاقات يعني تعطيل هذه السيطرة. يعني إرباك النظام. يعني إمكانية اختباء "مشبوهين" تحت هويات الآخرين.

لكن العقوبة? إطلاق النار? هذا ليس إجراءً إدارياً. هذا إرهاب.

ما يعنيه هذا البند، بلغة واضحة: أنتم، أيها الجنود، مخولون بقتل أي فلسطيني يخالف النظام الجديد. النظام هو المطلق. وحياة الفلسطيني لا قيمة لها إذا خالفته.

البند الثاني: التفتيش العسكري

يكتب بروشي: إذا لم يمتثل أحد السكان للتفتيش العسكري في الموعد المحدد، يجب إطلاق النار عليه وتفجير منزله .

هذا البند يحول "التخلف عن الموعد" إلى جريمة عقوبتها الإعدام. ليس محاكمة. ليس تحقيقاً. ليس استفساراً عن الأسباب. فقط رصاصة ثم تفجير.

ما معنى هذا؟ معناه أن الجيش الإسرائيلي لا يعترف للفلسطينيين بالحق في التأخر. لا يعترف لهم بأن يكونوا مرضى، أو مشغولين، أو خائفين، أو حتى نائمين. الموعد مقدس. والحضور إجباري. ومن يتخلف يموت.

هذا البند يحول الحياة اليومية إلى كابوس. أي فلسطيني يعيش تحت الاحتلال يعرف هذا الشعور: أن أي تأخير، أي خطأ بسيط، أي سوء تفاهم، يمكن أن يكون قاتلاً. بروشي أسس لهذا الكابوس قبل سبعة عقود.

البند الثالث: "العرب الغرباء"

يكتب بروشي: إذا تواجد في القرية "عربي غريب"، يجب إطلاق النار عليه فوراً .

من هو "العربي الغريب"؟ الوثيقة لا تحدد. هل هو شخص من قرية مجاورة؟ هل هو قريب يزور أهله؟ هل هو تاجر مار بالصدفة؟ هل هو طفل ضل الطريق؟

الغموض هنا متعمد. "الغريب" هو كل من لا تعرفه. هو كل من لا تحمل بطاقة من تلك البطاقات التي أصدرها الجيش. هو كل من يخرج عن النظام.

إطلاق النار "فوراً" يعني دون تحقيق. دون أسئلة. دون فرصة لتبرير الوجود. الرؤية كافية. إذا رأيت عربياً لا تعرفه، اقتله.

هذا البند يحول كل فلسطيني إلى هدف محتمل. يخلق جواً من الرعب يجعل أي حركة خارج البيت مغامرة قد تنتهي بالموت.

البند الرابع: سياسة "الرجل العاشر"

وهذا هو البند الأكثر دموية. يكتب بروشي: يجب إطلاق النار على "كل رجل عاشر" في قرية محتلة يتواجد فيها شخص غريب .

سياسة الرجل العاشر. عقاب جماعي. إعدام عشوائي. اختيار عشرة رجال عشوائيين، وقتل واحد منهم. أو قتل عشرة رجال، والإبقاء على الباقين. الصيغة غير واضحة، لكن الجوهر واضح: القتل الجماعي كعقاب على وجود "غريب".

هذه السياسة كانت معروفة في التاريخ العسكري القديم. استخدمها الرومان، واستخدمها المغول، واستخدمها الغزاة عبر العصور. لكن في القرن العشرين، وبعد ميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان، تعتبر هذه السياسة جريمة حرب واضحة.

بروشي لا يهتم بهذا. هو في مهمة. والمهمة تتطلب إرهاباً جماعياً. إذا كان أهل القرية لا يستطيعون منع "الغرباء" من الدخول، فسيدفعون الثمن بدمائهم.

البند الخامس: الممتلكات "المسروقة"

يكتب بروشي: يجب إعدام جميع الرجال في المنزل الذي توجد به ممتلكات سُرقت من يهود .

هذا البند يثير سؤالاً: ما هي هذه "الممتلكات"؟ ومتى سُرقت؟ ومن يثبت ذلك؟

في حرب ١٩٤٨، كانت الممتلكات تنتقل بين الأيدي بشكل عشوائي. جنود من الطرفين ينهبون. مدنيون ينهبون. فوضى الحرب تخلق فوضى في الممتلكات. لكن بروشي لا يهتم بهذه التفاصيل.

المهم عنده: أي منزل فلسطيني يحتوي على شيء "يهودي"، يدفع ثمنه الرجال. إعدام جماعي دون تحقيق. دون محاكمة. دون تمييز بين من نهب ومن اشترى ومن وجد بالصدفة.

هذا البند يحول البيوت الفلسطينية إلى أفخاخ موت. أي شيء يمكن أن يكون "يهودياً" (غطاء، إناء، كتاب) يصبح سبباً للإعدام.

البند السادس: هدم القرى

يكتب بروشي: يجب هدم القرى بشكل كامل .

ليس جزئياً. ليس انتقائياً. "بشكل كامل". كل بيت. كل حجر. كل شجرة. كل بئر. كل مسجد. كل مقبرة. لا شيء يبقى.

هدم القرى هو المرحلة الأخيرة من التطهير. بعد أن يقتل من يقتل، ويهرب من يهرب، يأتي دور المحو الجسدي. لا عودة. لا مكان للعودة إليه. البيوت التي كانت تؤوي أجيالاً تتحول إلى ركام. الحجارة التي شيدها الأجداد تتحول إلى غبار.

هذا البند هو إعلان نفي جماعي. هو حكم بالإعدام على الذاكرة نفسها.

البند السابع والأكثر بشاعة: عرب "الصبيح"

يكتب بروشي: عدم إبقاء أي ذكر من عرب الصبيح. يجب قتل أي عربي من الصبيح .

ويوقع بخط يده.

عرب الصبيح (أو "الذباح" كما يسميهم البعض) هم قبيلة بدوية كانت تقطن في منطقة قرية الشبلي، عند سفح جبل طابور في الجليل الأسفل . لم يكونوا مقاتلين. لم يكونوا جيشاً. كانوا رعاة ومزارعين، يعيشون على هامش التاريخ.

بروشي أمر بقتلهم جميعاً. ليس تهجيرهم. ليس طردهم. قتلهم. إبادتهم. كل عربي من هذه القبيلة يجب أن يموت.

هذا ليس تطهيراً عرقياً فقط. هذا إبادة جماعية مصغرة. إبادة قبيلة كاملة لأنها موجودة في المكان الخطأ في الزمن الخطأ.

تخيلوا معي: رجل عجوز جالس أمام خيمته. امرأة تحلب الماعز. أطفال يلعبون بالحجارة. كل هؤلاء، بموجب أمر موقع من قائد كتيبة في الجيش الإسرائيلي، يجب أن يموتوا.

لماذا؟ لأن وجودهم يعيق المشروع الصهيوني. لأنهم "عرب" في منطقة يريدها الجيش "نقية". لأنهم ليسوا يهوداً.

٤. ما بعد الوثيقة: من الأمر إلى التنفيذ

الوثائق لا تشرح كيف نفذ الجنود هذه الأوامر. لكن التاريخ يروي.

في الأسابيع التي تلت صدور أمر بروشي، شهد الجليل الأسفل موجة من عمليات التطهير. قرى سُويت بالأرض. سكان هُجروا قسراً. وعشرات، إن لم يكن مئات، قتلوا.

جبل طرعان، حيث أمر بروشي بقتل كل المختبئين، شهد عمليات تمشيط واسعة. جنود غولاني فتّشوا الكهوف والمغارات. كل من وجدوه أعدموا على الفور. لا أسئلة. لا تحقيق. فقط رصاص.

قبيلة الصبيح؟ لا أحد يعرف ماذا حدث لهم بالضبط. ذابوا في النسيان. اختفوا من التاريخ. لم يعد لهم وجود. ربما بعض الناجين فروا إلى القرى المجاورة. ربما بعضهم قتل. ربما بعضهم غير هويته. لكن القبيلة ككيان، كمجتمع، كذاكرة جماعية، لم تعد موجودة.

هذا هو معنى الإبادة. ليس القتل فقط. بل محو الوجود. جعل الناس يختفون كما لو أنهم لم يكونوا أبداً.

٥. بين بروشي و"خطة دالت": هل كانت الأوامر فردية؟

أحد الأسئلة التي تطرحها هذه الوثائق: هل كانت أوامر بروشي مجرد "تجاوزات فردية" من قائد متحمس، أم أنها تعكس سياسة مركزية؟

الجواب، بناءً على الأدلة التاريخية، هو أن بروشي كان ينفذ سياسة عليا، حتى لو لم تكن مكتوبة بالتفصيل.

"خطة دالت" (خطة د)، التي وضعتها الهاغاناه في مارس ١٩٤٨، كانت الإطار الاستراتيجي العام. الخطة نصت على "تطهير" المناطق التي ستكون ضمن الدولة اليهودية من السكان العرب، باستخدام "تدمير القرى" و"طرد السكان" كوسائل مشروعة .

ما فعله بروشي هو ترجمة هذه الخطة العامة إلى أوامر تكتيكية تفصيلية. هو الذي ملأ الفراغات. هو الذي قال: "تطهير" يعني "قتل كل مختبئ". و"طرد" يعني "إعدام كل رجل عاشر". و"تدمير القرى" يعني "هدمها بشكل كامل".

لذلك، ليس صحيحاً القول إن بروشي كان متطرفاً وحيداً. كان جندياً مطيعاً، نفذ روح الخطة العليا بأفضل ما يستطيع. الفرق بينه وبين غيره من القادة أنه كان صريحاً. كتب ما كان الآخرون يفكرون به فقط.

٦. لغة الوثيقة: عندما يصبح الموت روتينياً

تأملوا معي لغة هذه الوثيقة. إنها لغة إدارية جافة. لا عاطفة. لا تردد. لا شعور بالذنب. فقط تعليمات.

"يجب إطلاق النار على كلاهما."
"يجب إطلاق النار عليه وتفجير منزله."
"يجب إطلاق النار عليه فوراً."
"يجب إطلاق النار على كل رجل عاشر."
"يجب إعدام جميع الرجال."
"يجب هدم القرى بشكل كامل."
"يجب قتل أي عربي من الصبيح."

ثماني مرات تتكرر كلمة "يجب". الوجوب هنا ليس أخلاقياً. هو عسكري. هو واجب وظيفي. الجندي الذي لا يطلق النار يخالف الأمر. الجندي الذي يتردد يعرض نفسه للمساءلة.

هذا هو سر فتك الأنظمة الشمولية. إنها تحول الجريمة إلى واجب. تحول القتل إلى روتين. تحول الإبادة إلى "عمل". الجلاد لا يشعر بأنه مجرم، لأنه فقط يؤدي وظيفته.

بروشي كتب هذه الأوامر بقلمه، ووقعها بخط يده، ولم يخطر بباله للحظة أنه يرتكب جريمة. كان يؤمن أنه يفعل الصواب. كان يؤمن أنه يخدم دولته. كان يؤمن أن هؤلاء "العرب" هم عقبة في طريق التاريخ، ويجب إزالتهم.

هذا الإيمان هو ما يجعل الكيان الصهيوني فريداً في تاريخ الاستعمار. ليس فقط لأنه ارتكب جرائم، بل لأنه آمن بها. ليس فقط لأنه قتل، بل لأنه اعتقد أن القتل "ضرورة أخلاقية" لقيام الدولة.

٧. المقارنة: بروشي وقادة آخرون

بروشي لم يكن الوحيد. وثائق كوتسير تظهر أن قادة آخرين أصدر أوامر مماثلة، بل وأكثر وضوحاً.

في وثيقة أخرى من يوليو ١٩٤٨، نقرأ: "يجب تنظيف المنطقة من العرب" و"أي عربي تتم مصادفته يجب إبادته" .

التنظيف. الإبادة. كلمات تتردد في أكثر من وثيقة. ليس هذا قاموس قائد واحد، بل معجم جيش كامل.

في جبل طرعان، كان الأمر: "قتل جميع المختبئين". ليس بعضهم. جميعهم. لا تمييز بين رجال ونساء وأطفال. لا تمييز بين مسلحين ومدنيين. كل من اختبأ خوفاً من الموت، يستحق الموت.

هذا المنطق الجنوني هو منطق التطهير العرقي بامتياز. الخوف نفسه يصبح جريمة. الهروب من الموت يصبح سبباً للموت.

٨. الأثر: كيف شكلت هذه الأوامر النكبة؟

من المستحيل تقدير عدد الضحايا الذين سقطوا بسبب أوامر بروشي تحديداً. لكن من الممكن تقدير الأثر العام.

الجليل، قبل ١٩٤٨، كان موطناً لنحو ١١٤ ألف عربي . بعد الحرب، لم يبق منهم سوى أقلية صغيرة. البقية طردوا أو فروا أو قتلوا.

مردخاي ماكليف، الذي أصبح رئيساً للأركان لاحقاً، اعترف في شهادته أن "لا يمكن طرد ١١٤ ألف شخص من الجليل بدون إرهاب" .

بروشي كان أحد مهندسي هذا الإرهاب. أوامره خلقت الجو العام من الرعب الذي جعل الفلسطينيين يفضلون الموت في الطرقات على الموت في بيوتهم. أوامره جعلت القرى تخلو من سكانها. أوامره جعلت الأرض "نقية" لاستقبال المهاجرين اليهود.

النكبة لم تكن صدفة. لم تكن نتيجة حرب. كانت نتيجة قرارات مئات القادة مثل بروشي، الذين حولوا أوامر القتل إلى روتين، وحولوا روتين القتل إلى سياسة، وحولوا سياسة القتل إلى دولة.

٩. ما بعد ١٩٤٨: مصير بروشي

ماذا حدث ليتسحاق بروشي بعد أن وقع هذه الأوامر؟

لم يحاكم. لم يسجن. لم يعاقب. لم يعتذر.

مثل معظم مجرمي الحرب الإسرائيليين، عاش حياته الطبيعية. ربما تقاعد. ربما حصل على ميداليات. ربما كتب مذكراته (دون أن يذكر التفاصيل الكاملة لأوامره). ربما مات في شيخوخة هادئة، محاطاً بأحفاده، في دولة قامت على أنقاض القرى التي أمر بتدميرها.

هذا هو الإفلات من العقاب في أقصى تجلياته. ليس فقط أن المجرم لا يعاقب، بل أن المجتمع يكرمه. ليس فقط أن الجريمة تُنسى، بل أن التاريخ يُعاد كتابته ليحول الجلادين إلى أبطال.

لكن وثائق بروشي، التي رُميت في شوارع تل أبيب ثم أنقذتها امرأة فضولية، أعادت الجريمة إلى الواجهة. أظهرت أن البطل القومي كان مجرماً. أظهرت أن الدولة التي يقدسها الإسرائيليون قامت على جثث الأطفال والنساء والشيوخ.

١٠. من ١٩٤٨ إلى ٢٠٢٦: استمرارية المنهج

قراءة أوامر بروشي اليوم، في زمن الإبادة الجماعية في غزة، تثير شعوراً غريباً بالدهشة. ليس لأنها وحشية، بل لأنها مألوفة.

نفس اللغة نسمعها اليوم من قادة إسرائيل. "تطهير". "تنظيف". "إبادة". نفس المنطق: المدنيون ليسوا مدنيين، بل "عدو محتمل". نفس العقيدة: الإرهاب أداة مشروعة لتحقيق الأهداف السياسية.

ما فعله بروشي في الجليل عام ١٩٤٨، يفعله قادة إسرائيل اليوم في غزة. نفس السياسة. نفس الأساليب. نفس المبررات. الفرق فقط في التكنولوجيا: القنابل الذكية بدل البنادق، والطائرات المسيرة بدل دوريات المشاة.

هذه الاستمرارية تؤكد شيئاً: أن إسرائيل لم تتغير. أنها لا تزال تعمل بنفس العقلية التي أسستها. أنها لا تزال ترى في الفلسطيني عائقاً يجب إزالته، وليس إنساناً له حق في الحياة.

بروشي كتب أوامره في يوليو ١٩٤٨. بعد سبعة وسبعين عاماً، في يوليو ٢٠٢٤، كان الجيش الإسرائيلي يقصف مدرسة في غزة تؤوي نازحين. نفس المنطق. نفس الإرهاب. نفس الإفلات من العقاب.

١١. الخلاصة: الدرس الذي لم نتعلمه

وثيقة بروشي ليست مجرد قطعة أثرية. إنها مرآة. ترينا وجه الكيان كما هو حقاً، وليس كما يحب أن يرى نفسه.

الدرس الأول: الجرائم الجماعية لا ترتكبها الوحوش. يرتكبها بشر عاديون، يوقعون أوراقاً عادية، بأقلام عادية. بروشي لم يكن استثناء. كان قاعدة. كان النموذج المثالي للجندي المطيع.

الدرس الثاني: التوثيق مهم. هذه الوثائق كانت ستضيع إلى الأبد لولا أن رونيت زيلبرمان أنقذتها. كل ورقة تنقذها من النسيان هي شاهد على جريمة. كل وثيقة تحفظها هي دليل في محاكمة مستقبلية.

الدرس الثالث: النسيان ليس حلاً. إسرائيل حاولت أن تنسى. حاولت أن تخفي. حاولت أن تعيد كتابة التاريخ. لكن الحقيقة تظهر دائماً. في صناديق القمامة. في أوراق الجندي العجوز. في شهادات الضباك السابقين. في ذاكرة الضحايا.

الدرس الرابع والأهم: ما بدأ في ١٩٤٨ لم ينته. النكبة مستمرة. التطهير العرقي مستمر. الإبادة مستمرة. طالما بقي المشروع الصهيوني قائماً على إزالة الفلسطيني، ستبقى الجرائم تتكرر.

بروشي كتب أوامره قبل سبعة وسبعين عاماً. لكن روح أوامره لا تزال تتحكم في سياسات إسرائيل. والوثائق التي عثر عليها في تل أبيب تذكرنا بأن المستقبل لا يمكن أن يكون مختلفاً عن الماضي، ما لم نعترف بالماضي كما كان حقاً.



…….

الفصل الثالث: اعترافات القادة - شهادات رؤساء الأركان والمستشارين العسكريين

١. مقدمة: صوت الجلاد

في التاريخ، هناك أصوات كثيرة. صوت الضحية يعلو أحياناً، لكنه غالباً ما يُطمس. صوت المؤرخ يحاول الإنصاف، لكنه يبقى بعيداً. صوت الوثيقة بارد، لكنه صادق.

لكن هناك صوت آخر، نادر، ثمين، مفجع. صوت الجلاد وهو يعترف.

ليس اعترافاً في محكمة، تحت التهديد. ليس اعترافاً في مذكرة، للتقرب إلى الله. بل اعتراف عابر، في جلسة تحقيق مغلقة، بين ضباط وجنود، حيث يظن المتكلم أن كلماته لن تخرج إلى النور أبداً.

هذا الفصل هو عن تلك الاعترافات. عن شهادات قادة إسرائيليين كبار، أدلوا بها تحت القسم في محاكمات نادرة، ثم ظلت مدفونة في أرشيفات الجيش لعقود. شهادات يقول فيها رؤساء أركان سابقون إن الجيش ارتكب مجازر. شهادات يقول فيها قادة ألوية إن سياسة الطرد كانت ممنهجة. شهادات يقول فيها ضباط عمليات إن القيادة العليا كانت تعلم وتوافق.

هذه الشهادات هي أثمن ما في مجموعة كوتسير. لأنها ليست مجرد أوراق. إنها أصوات بشرية. أصوات رجال كانوا في القمة، يرون كل شيء، ثم يتحدثون.

في هذا الفصل، سنستمع إلى هذه الأصوات. سنحلل كلماتها. سنتتبع خلفياتها. سنفهم لماذا قالوا ما قالوا. والأهم: سنسأل لماذا ظلت هذه الشهادات سرية كل هذه السنين.

٢. محاكمة شموئيل لاهيس: عندما يحاكم الجيش نفسه

لفهم هذه الشهادات، يجب أن نبدأ بقصة المحاكمة التي أنتجتها.

في عام ١٩٤٩، بعد انتهاء الحرب رسمياً، كانت إسرائيل تحتفل بالنصر. لكن في زاوية مظلمة من زوايا الجيش، كانت هناك فضيحة تختمر.

شموئيل لاهيس، قائد سرية في لواء كرميلي، كان متورطاً في حادثة مروعة في قرية حولا اللبنانية. القصة، باختصار مروع، هي أن لاهيس وجنوده دخلوا القرية، جمعوا العشرات من السكان، وأعدموهم بإطلاق النار. ليس في معركة. ليس بعد مقاومة. فقط إعدام جماعي .

لبنان لم يكن حتى هدف الحرب الرئيسي. لكن الجيش الإسرائيلي توغل في أراضيه، وارتكب مجزرة، ثم عاد.

الخبر تسرب. الصحافة الدولية تحدثت. الضغط على إسرائيل بدأ يتصاعد. كان لابد من فعل شيء.

فعلت إسرائيل ما تفعله دائماً في مثل هذه الحالات: شكلت لجنة تحقيق، ثم محكمة عسكرية، ثم قدمت كبش فداء.

شموئيل لاهيس كان ذلك الكبش. حوكم بتهمة قتل عشرات المدنيين. أدين. حكم عليه بالسجن سنة واحدة.

سنة واحدة! لمجزرة راح ضحيتها عشرات الأبرياء!

لكن حتى هذه السنة لم تكتمل. قضى لاهيس فترة قصيرة في معسكر اعتقال عسكري، ثم صدر عفو رئاسي. خرج حراً. وعُيّن لاحقاً مديراً عاماً للوكالة اليهودية. نعم، الوكالة اليهودية، المؤسسة المسؤولة عن استيطان اليهود في فلسطين .

هذه هي المفارقة: مجرم الحرب يصبح مسؤولاً عن استمرار المشروع الذي ارتكب الجريمة من أجله.

لكن محاكمة لاهيس، رغم فشلها في تحقيق العدالة، أنتجت شيئاً ثميناً: شهادات القادة الكبار. لأن الدفاع، في محاولة لتخفيف عقوبة لاهيس، استدعى كبار الضباط ليشهدوا. وكان منطق الدفاع واضحاً: إذا كان لاهيس مجرماً، فكل هؤلاء مجرمون أيضاً. لأن ما فعله لاهيس هو ما كان يفعله الجميع.

وهكذا، ولأول مرة، جلس رؤساء الأركان المستقبليون وقادة الألوية والضباط الكبار في قفص الشهود، وتحدثوا. وتحت القسم، وبعيداً عن أعين الصحافة، قالوا الحقيقة.

٣. مردخاي ماكليف: الرجل الذي رأى كل شيء

أول هذه الأصوات هو صوت مردخاي ماكليف.

ماكليف لم يكن جندياً عادياً. كان رئيس قسم العمليات في هيئة الأركان العامة خلال حرب ١٩٤٨. وبعد الحرب، أصبح رئيس الأركان الرابع لإسرائيل (١٩٥٢١٩٥٣). رجل في القمة، يعرف كل الأسرار، ويحمل كل المسؤوليات.

في شهادته في محاكمة لاهيس، تحدث ماكليف بوضوح نادر:

"كانت هناك عمليات أبادوا فيها العدو المحتمل، أي المواطنين."

توقف هنا. "العدو المحتمل، أي المواطنين." هذا اعتراف مذهل. العدو المحتمل هو المدني. هو الفلاح في حقله. هو المرأة في بيتها. هو الطفل في مدرسته. كلهم "عدو محتمل"، لأن وجودهم في المكان الخطأ (فلسطين) يشكل تهديداً للمشروع الصهيوني.

ثم يواصل ماكليف:

"الهدف كان الطرد. ولا يمكن طرد ١١٤ ألف شخص من الجليل دون إرهاب، وكان لا بد من عنصر إرهاب أولي كي يرحلوا" .

١١٤ ألف شخص. هذا هو عدد الفلسطينيين الذين كانوا في الجليل قبل النكبة. معظمهم رحل. كيف؟ ماكليف يعترف: بالإرهاب. ليس بالصدفة. ليس بالحتمية التاريخية. بالإرهاب الممنهج.

"عنصر إرهاب أولي". هذه العبارة هي اعتراف بأن الإرهاب لم يكن عرضياً، بل كان "عنصراً" في خطة أكبر. كان البداية التي تليها النهاية. كان الوقود الذي يحرك المحرك.

ماكليف لا يتحدث عن لاهيس فقط. يتحدث عن السياسة العامة. عن الاستراتيجية. عن ما كان يحدث في كل الجبهات.

هذا الرجل، الذي أصبح لاحقاً رئيس الأركان، يقول تحت القسم إن الجيش الإسرائيلي استخدم الإرهاب كأداة لطرد المدنيين. هذا ليس رأي مؤرخ معادٍ. هذا اعتراف قائد.

٤. ماكسيم كوهين: الأذن المقطوعة

إذا كان ماكليف يتحدث عن النظرية، فإن ماكسيم كوهين يتحدث عن التطبيق. كوهين كان قائد لواء كرميلي، اللواء نفسه الذي كانت فيه سرية لاهيس. رجل ميداني، يعرف التفاصيل.

شهادته صادمة بوحشيتها الصريحة:

"كيف تُهجَّر قرية؟ نقطع أذن أحد العرب أمام الجميع، فيهربون جميعاً. عملياً، لم تُخل قرية من دون طعن أحدهم في البطن أو استخدام أساليب مشابهة. انتصرنا فقط بفضل الخوف الذي شعر به العرب، ولم يخافوا إلا من الأفعال التي لا تتوافق مع القانون" .

تأمل هذه الكلمات: "نقطع أذن أحد العرب أمام الجميع". هذا ليس قتلاً في معركة. هذا تعذيب. هذا إرهاب بيولوجي. هذا استخدام الجسد البشري كأداة لبث الرعب.

كوهين لا يتحدث عن حادثة واحدة. يتحدث عن "كل قرية". عن "أساليب مشابهة". عن نظام. عن منهج.

والجزء الأكثر إدانة: "لم يخافوا إلا من الأفعال التي لا تتوافق مع القانون". كوهين يعترف أن هذه الأفعال غير قانونية. يعرف ذلك. لكنه يبررها لأنها "تنجح". لأن الخوف الذي تخلقه أقوى من الخوف من القانون.

هذا هو تعريف الجريمة المنظمة. معرفة أن ما تفعله غير قانوني، والاستمرار في فعله لأنه يحقق الهدف.

كوهين أيضاً يتحدث عن "الانتصار". انتصرنا بفضل الخوف. ليس بفضل التفوق العسكري. ليس بفضل القضية العادلة. بفضل الخوف. بفضل الإرهاب. بفضل قطع الآذان وطعن البطون.

أي انتصار هذا الذي يُبنى على جثث الأطفال ودماء العزل؟

٥. حاييم بن دافيد: الأوامر الشفهية

ثم يأتي صوت حاييم بن دافيد. بن دافيد كان ضابط عمليات في لواء غولاني، أحد أكثر الوحدات نخبوية في الجيش. بعد الحرب، أصبح لواءً. رجل مؤسسة بامتياز.

شهادته تكشف الآلية البيروقراطية للجريمة:

"في أوامر العمليات كنا نحذر ألا نذكر القتل، والأوامر صدرت شفهياً لقادة الكتائب... إذا أصر عربي على البقاء في بيته، يتلقى رصاصة. كنا نعرف القوانين الدولية، لكننا استخدمنا وسائل غير قانونية، وكذلك ضد نساء وأطفال، وقد نُفذت بعلم القيادة العليا" .

هذا هو المفتاح. "الأوامر صدرت شفهياً". لماذا؟ لأن الأوامر المكتوبة تترك أثراً. تترك دليلاً. تترك وثائق يمكن استخدامها في المحاكم الدولية. لذلك كان القادة يتحدثون شفهياً. كانوا يقولون ما يريدون للجنود أن يفعلوه، دون أن يكتبوه.

لكن بن دافيد كتبه الآن. تحت القسم. اعترف أن النظام كان يعمل بطريقة مزدوجة: أوامر مكتوبة "نظيفة" للتغطية، وأوامر شفهية قذرة للتنفيذ.

"إذا أصر عربي على البقاء في بيته، يتلقى رصاصة". هذا هو جوهر التطهير العرقي. ليس القتل أثناء القتال. القتل لأن الضحية يريد البقاء في بيته. في بيته الذي بناه هو أو أبوه أو جده. في بيته الذي هو كل ما يملك. الرصاصة هي الجواب على إصراره على حقه.

"كنا نعرف القوانين الدولية". إذن هم لم يكونوا جهلة. لم يكونوا مقاتلين أميين لا يعرفون الفرق بين الخطأ والصواب. كانوا يعرفون. كانوا يعرفون أن ما يفعلونه جريمة. وفعلوه رغم ذلك.

"بعلم القيادة العليا". هذا هو الإدانة الأكبر. ليست مجرد تجاوزات فردية. ليست حماسة جنود صغار. القيادة العليا كانت تعلم. كانت توافق. كانت تغطي.

بن دافيد يضع المسؤولية حيث يجب: في القمة.

٦. يسرائيل كرمي: إبادة كل شيء

يسرائيل كرمي كان قائد كتيبة في اللواء السابع. رجل آخر من رجال الميدان. شهادته تركز على حدث واحد: احتلال بئر السبع.

يقول كرمي:

"أصدرت أمراً بإبادة من يتواجد في الشوارع، سواء اعترض أم لم يعترض. صدر الأمر العسكري بإبادة كل شيء. قُتلوا جميعهم، النساء والأطفال. ثم صدر الأمر للسكان بالذهاب إلى الخليل. ومن لم يذهب، تم ترحيله" .

"إبادة كل شيء". "النساء والأطفال". هذه ليست لغة تقارير عسكرية جافة. هذه لغة وحشية مكشوفة.

كرمي لا يخفي شيئاً. لا يبرر. لا يختلق أعذاراً. يقول ببساطة: أمرت بقتل الجميع، وقتلوا.

ثم يضيف التفاصيل الإدارية: "ثم صدر الأمر للسكان بالذهاب إلى الخليل". بعد القتل، يأتي الترحيل. من بقي حياً، عليه أن يذهب. إلى الخليل. إلى أي مكان. المهم ألا يبقى في بئر السبع.

بئر السبع اليوم مدينة إسرائيلية كبيرة. لا يكاد يذكر أحد أنها كانت مدينة عربية. كرمي يعترف كيف تم ذلك.

٧. يوسف إيتان: التلميح لا التصريح

يوسف إيتان كان قائد اللواء السابع. رجل في قمة الهرم العسكري. شهادته تكمل صورة بن دافيد عن آلية إعطاء الأوامر:

"أمر خطي بإبادة أي نفس حية لم أرَ، لكن هذا كان بالتلميح. كان للضباط الميدانيين مسموح بتفسير الأوامر، وجنودنا أبادوا سكاناً بموجب أوامر صدرت لهم" .

"بالتلميح". هذه هي التقنية. لا تكتب "اقتلوا". لكن قل ما يكفي ليفهم الجندي أن القتل مطلوب. استخدم كلمات مثل "تطهير"، "تنظيف"، "تحييد". اترك للضباط الميدانيين "تفسير" الأوامر.

وهم فسروها جيداً. "أبادوا سكاناً". ليس مقاتلين. سكاناً. مدنيين. عائلات.

"بموجب أوامر صدرت لهم". إيتان يؤكد أن هؤلاء الجنود لم يكونوا مارقين. كانوا ينفذون أوامر. الأوامر لم تكن مكتوبة، لكنها كانت واضحة. القيادة تتحمل المسؤولية.

٨. القاضي إيلات: كبش فداء

ليس فقط القادة العسكريين شهدوا. القاضي جدعون إيلات، الذي كان عضواً في هيئة المحكمة التي حاكمت لاهيس، أدلى بتصريح خارج المحكمة وثق في الأوراق. يقول:

"جرائم حرب عديدة ارتكبها قادة وجنود، ولاهيس مجرد كبش فداء" .

هذا اعتراف من داخل النظام القضائي نفسه. المحكمة التي حاكمت لاهيس كانت تعرف أنه ليس الوحيد. تعرف أن ما فعله كان يفعله غيره. لكنهم احتاجوا إلى شخص يتحمل المسؤولية. احتاجوا إلى "كبش فداء" يرضي الرأي العام العالمي.

لاهيس كان هذا الكبش. دفع الثمن قليلاً، ثم عاد ليكون مسؤولاً كبيراً. والمجرمون الحقيقيون، الذين أمروا وسهلوا وغطوا، بقوا في الظل.

٩. لماذا الآن؟ لماذا تحدثوا؟

سؤال يطرح نفسه: لماذا تحدث هؤلاء القادة؟ لماذا اعترفوا بهذه الجرائم تحت القسم؟

الجواب معقد. بعضهم ربما شعر بأنه مضطر تحت القسم. بعضهم ربما أراد تخفيف العقوبة عن لاهيس. بعضهم ربما اعتقد أن هذه الشهادات ستبقى سرية، ولن ترى النور أبداً.

لكن هناك سبب أعمق. هؤلاء القادة لم يكونوا يعتقدون أنهم يرتكبون جرائم. كانوا يعتقدون أنهم يفعلون ما يجب فعله لقيام الدولة. في نظرهم، التطهير العرقي لم يكن جريمة، بل كان "ضرورة وطنية". ولذلك، تحدثوا عنه بصراحة، كما يتحدث المرء عن عمل روتيني.

ماكسيم كوهين لم يخجل من قطع الآذان. كان فخوراً به، لأنه "نجح". يسرائيل كرمي لم يتردد في الاعتراف بقتل النساء والأطفال، لأنه كان "أمراً عسكرياً".

هذه البراءة الوحشية هي ما يجعل هذه الشهادات مروعة. الجلادون لا يرون أنفسهم جلادين. يرون أنفسهم أبطالاً.

١٠. سرية الشهادات: الإخفاء المنهجي

بعد المحاكمة، أودعت هذه الشهادات في أرشيف الجيش. وصنفت "سرية". ومنعت من النشر لعقود.

لماذا؟ لأنها تدين. لأنها تظهر أن الجيش الإسرائيلي، الذي يقدسه الإسرائيليون، ارتكب جرائم حرب. لأنها تثبت أن النكبة لم تكن صدفة، بل كانت سياسة.

المؤرخ بيني موريس، الذي يعتبر من "المؤرخين الجدد"، اطلع على بعض هذه الشهادات في الثمانينات. لكن حتى هو لم يرَ الصورة الكاملة. لأن الأرشيفات ظلت مغلقة.

مجموعة كوتسير كسرت هذا الاحتكار. نسخ هذه الشهادات كانت موجودة في أوراقه. كيف حصل عليها؟ ربما من خلال علاقاته. ربما لأنه كان مهتماً. ربما بالصدفة. المهم أنها الآن متاحة.

١١. المقارنة مع جرائم اليوم

قراءة هذه الشهادات اليوم، والإبادة في غزة مستمرة، تثير شعوراً بالدéjà vu المروع.

نفس اللغة. نفس المبررات. نفس الإنكار. نفس الإفلات من العقاب.

في ١٩٤٨، قال القادة إنهم يقتلون المدنيين لأنهم "عدو محتمل". في ٢٠٢٤، يقول القادة إنهم يقصفون المدارس لأن فيها "مراكز قيادة".

في ١٩٤٨، قالوا إنهم يستخدمون الإرهاب لأن الفلسطينيين "لا يفهمون إلا لغة القوة". في ٢٠٢٤، يقولون إن غزة يجب أن تُدمر لأنها "عش الدبابير".

في ١٩٤٨، غطت القيادة العليا على المجازر. في ٢٠٢٤، تقف القيادة العليا في طابور التصفيق لكل مجزرة.

الفرق الوحيد: في ١٩٤٨، كانت هناك محاكمة واحدة على الأقل. كبش فداء واحد. في ٢٠٢٤، لا محاكمات. لا كبش فداء. فقط إباحة كاملة.

١٢. قراءة في السيكولوجيا: كيف يبرر الجلادون جرائمهم

هذه الشهادات تقدم مادة غنية لعلماء النفس. لأنها تكشف كيف يبرر البشر أكثر الأفعال وحشية.

المبرر الأول: "الضرورة". يكرره كل الشهود تقريباً. كان لابد من فعل هذا. لم يكن هناك خيار. الحرب قاسية.

المبرر الثاني: "العدو". الفلسطيني ليس إنساناً عادياً. هو "عدو محتمل". حتى الطفل يمكن أن يكبر ليصبح مقاوماً. حتى المرأة يمكن أن تخفي سلاحاً. لذلك، قتلهم الآن هو دفاع عن النفس.

المبرر الثالث: "الانتصار". ماكسيم كوهين واضح: هذا نجح. الإرهاب نجح. جعل الفلسطينيين يهربون. إذا نجح، فلماذا نندم؟

المبرر الرابع: "التبعية". نحن فقط ننفذ الأوامر. القيادة العليا تعلم. نحن لسنا مسؤولين.

هذه المبررات الأربعة تتكرر في كل جرائم التاريخ. استخدمها النازيون. استخدمها الصرب. استخدمها الفرنسيون في الجزائر. والآن يستخدمها الإسرائيليون.

١٣. الأهمية القانونية: شهادات تحت القسم

من الناحية القانونية، هذه الشهادات لا تقدر بثمن. لأنها "اعترافات" أدلي بها تحت القسم، في محكمة رسمية. ليست تصريحات صحافية. ليست مقابلات تلفزيونية. هي أقوال قانونية يمكن استخدامها في الملاحقات القضائية.

أي محكمة دولية تنظر في جرائم إسرائيل يمكنها الاستناد إلى هذه الشهادات. لأنها تأتي من أفواه المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم. إنهم يقولون: نحن أمرنا بقتل المدنيين. نحن استخدمنا الإرهاب. نحن طردنا السكان.

لا يحتاج المدعي العام إلى شهود جدد. الشهود موجودون في هذه الأوراق. يتحدثون بأصواتهم، بكلماتهم، بتوقيعاتهم.

١٤. من هم هؤلاء الرجال؟ سيرة ذاتية مختصرة

قبل أن نغلق هذا الفصل، لنلق نظرة سريعة على حياة هؤلاء الشهود بعد الحرب:

· مردخاي ماكليف: أصبح رئيس الأركان الرابع لإسرائيل (١٩٥٢١٩٥٣). خدم في مناصب عليا. عاش حياة محترمة. مات في شيخوخة هادئة .
· ماكسيم كوهين: واصل خدمته العسكرية. عمل في مناصب قيادية. لم يحاكم. لم يحاسب. عاش حياته كبطل حرب .
· حاييم بن دافيد: ترقى حتى أصبح لواءً. شغل مناصب مهمة في الجيش. لم يندم. لم يعتذر .
· يسرائيل كرمي: واصل مسيرته العسكرية. كتب مذكراته. لم يذكر تفاصيل الإبادة التي أمر بها .
· يوسف إيتان: تقاعد وعاش حياته. لم يواجه أي مساءلة .

هؤلاء الرجال شهدوا على جرائمهم، ثم عاشوا حياتهم كأن شيئاً لم يكن. هذا هو الإفلات من العقاب في أقصى تجلياته.

١٥. الخلاصة: شهادات لا تُنسى

شهادات هؤلاء القادة هي أثمن ما في مجموعة كوتسير. لأنها ليست مجرد وثائق. إنها أصوات. أصوات رجال كانوا في القمة، ورأوا كل شيء، ثم تحدثوا.

تحدثوا عن إرهاب ممنهج. عن قتل مدنيين. عن طرد جماعي. عن أوامر شفهية. عن تغطية من القيادة العليا.

تحدثوا عن كل هذا وهم يعتقدون أن كلماتهم ستبقى سرية. أن لا أحد سيسمعها. أن التاريخ سينساها.

لكن التاريخ لم ينس. الأوراق بقيت. والآن، بعد سبعة وسبعين عاماً، نسمع أصواتهم. نسمع اعترافاتهم. نسمع إدانتهم لأنفسهم.

هذه الشهادات تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النكبة كانت مشروعاً. أن التطهير العرقي كان سياسة. أن الجرائم ضد الإنسانية كانت منهجاً.

وتذكرنا بأن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم.


……

الفصل الرابع: مجزرة الصفصاف - نموذج للجريمة والتغطية

١. مقدمة: قرية منسية، جريمة لا تنسى

في شمال الجليل الأعلى، على بعد كيلومترات قليلة من الحدود اللبنانية، كانت تقف قرية الصفصاف. لم تكن قرية كبيرة، ولا مشهورة، ولا غنية. كانت واحدة من مئات القرى الفلسطينية التي تنتشر على سفوح الجبال، تعيش على الزيتون والرعي، وترسل أبناءها إلى المدارس القليلة، وتتزوج وتنجب وتموت في دورة الحياة الهادئة التي لا تعرف الضجيج.

لكن في صباح التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول ١٩٤٨، توقف الزمن في الصفصاف. تحولت ساحتها إلى مسرح جريمة. تحولت عين الماء فيها إلى مقبرة جماعية. وتحول سكانها، الذين كانوا حتى ساعات قبل ذلك فلاحين عاديين، إلى ضحايا مجزرة لا تختلف عن مجازر النازيين في أوروبا.

هذا الفصل هو عن تلك المجزرة. ليس لأنها الأكبر، فمجازر أكبر منها حدثت في دير ياسين والطنطورة والدوايمة. لكن لأنها المجزرة الأفضل توثيقاً. لأن شهوداً إسرائيليين وفلسطينيين رووا تفاصيلها. ولأن الوثائق التي عثر عليها في مجموعة كوتسير وفي أرشيفات أخرى تقدم صورة كاملة، مروعة، لا تقبل الجدل، عن ما حدث في ذلك الصباح البارد من خريف ١٩٤٨.

الصفصاف نموذج. نموذج للجريمة المنظمة، نموذج للوحشية الممنهجة، نموذج للصمت الرسمي، نموذج للإفلات من العقاب. وفي هذا الفصل، سنروي قصتها كما لم ترو من قبل.

٢. خلفية جغرافية وتاريخية: الصفصاف قبل النكبة

الصفصاف. الاسم عربي، أصيل، جميل. ربما سميت كذلك لكثرة أشجار الصفصاف التي كانت تنمو على جوانب عيونها. أو ربما لأن موقعها على سفح الجبل كان يذكر بغصن صفصاف يميل مع الريح.

كانت القرية تقع على بُعد ٨ كيلومترات شمال غرب مدينة صفد، في منطقة الجليل الأعلى التي تمتعت بمناخ معتدل وأمطار وافرة. كانت بيوتها الحجرية تنتشر على مساحة تزيد على ١٢٠ دونماً، تحيط بها بساتين الزيتون واللوز والعنب. كان فيها مسجد واحد، ومدرسة ابتدائية، وعين ماء تتدفق على مدار السنة .

سكانها كانوا فلاحين، مثل معظم فلاحي فلسطين. يزرعون أراضيهم التي تمتد على ١٣,٨٠٠ دونم، يعتنون بمواشيهم، يبيعون منتجاتهم في أسواق صفد وعكا. الحياة كانت بسيطة، قاسية أحياناً، لكنها كانت حياتهم.

في عام ١٩٤٥، قدر عدد سكان الصفصاف بحوالي ٩٢٠ نسمة. لكن العدد زاد خلال السنوات التالية، كما يحدث في القرى، بالولادات الطبيعية. عندما وقعت النكبة، كان عددهم يقترب من الألف .

الموقع الجغرافي للصفصاف جعلها ذات أهمية استراتيجية. كانت تشرف على طرق المواصلات بين الجليل والجولان. وكانت قريبة من الحدود اللبنانية، مما يجعلها بوابة للقادمين من الشمال. لذلك، عندما خططت القيادة الصهيونية لاحتلال الجليل، كانت الصفصاف هدفاً رئيسياً.

٣. السياق العسكري: عملية حيرام

لكي نفهم ما حدث في الصفصاف، يجب أن نفهم السياق العسكري الأكبر. أواخر أكتوبر ١٩٤٨ كان وقتاً حاسماً في الحرب.

الجيش الإسرائيلي، الذي كان قد تشكل رسمياً قبل أشهر، كان قد حقق انتصارات كبيرة في الجبهة الجنوبية والوسطى. الآن، كان دوره على الجبهة الشمالية. كانت المنطقة المتبقية تحت السيطرة العربية هي "الجيب" المركزي في الجليل، الذي يضم حوالي ٧٥ قرية عربية.

في ٢٨ أكتوبر، أطلق الجيش الإسرائيلي عملية "حيرام" (سميت على اسم الملك حيرام الفينيقي، حليف الملك سليمان). الهدف الرسمي كان "تدمير العدو في الجيب المركزي في الجليل، والسيطرة على كل الجليل، وإنشاء خط دفاع على الحدود الشمالية للبلاد" .

لكن الهدف الحقيقي، كما يعترف القادة العسكريون في شهاداتهم، كان تطهير المنطقة من سكانها العرب. مردخاي ماكليف قالها بصراحة: "لا يمكن طرد ١١٤ ألف شخص من الجليل دون إرهاب" . عملية حيرام كانت الآلية التي تم بها هذا الإرهاب.

اللواء السابع، وهو وحدة نخبوية في الجيش الإسرائيلي، قاد الهجوم في منطقة الجليل الأعلى. وكانت الصفصاف أول قرية تسقط في العملية . كان ذلك فجر ٢٩ أكتوبر.

٤. سقوط القرية: معركة غير متكافئة

في مساء ٢٨ أكتوبر، بدأت طائرات إسرائيلية بقصف القرية. كان الهدف تدمير أي قدرة على المقاومة وإرباك المدافعين. أبو إسماعيل، الذي كان طفلاً في الثانية عشرة من عمره، يتذكر تلك اللحظات:

"في ليلة ٢٩ أكتوبر، حوالي الساعة الخامسة بعد الظهر، جاءت طائرتان وألقتا قنابل على القرية. دمّرا صوامع الح grain والطاحونة. فعرفنا أن إسرائيل ستهاجمنا اليوم" .

القرية كانت تدافع عنها وحدات من جيش الإنقاذ العربي، الكتيبة اليرموك الثانية. لكن الدفاع لم يدم طويلاً. التفوق الجوي والمدفعي الإسرائيلي كان ساحقاً. بالإضافة إلى ذلك، كما يروي أبو إسماعيل، انسحب جيش الإنقاذ أثناء الليل، تاركين القرويين وحدهم .

استمر القتال طوال الليل. دافع رجال القرية ببسالة، وألحقوا خسائر كبيرة بالمهاجمين . لكن مع بزوغ الفجر، كانت النتيجة محسومة. الجيش الإسرائيلي احتل القرية.

هذا هو المشهد: قرية فلاحية صغيرة، دافعت عن نفسها بضع ساعات، ثم سقطت. من بقي حياً من المدافعين فر إلى الجبال أو القرى المجاورة. وبقي في القرية النساء والأطفال والشيوخ، والعشرات من الرجال الذين إما استسلموا أو لم يتمكنوا من الفرار.

هؤلاء هم الضحايا.

٥. لحظة الصفر: دخول الجنود

مع شروق شمس ٢٩ أكتوبر، دخل جنود اللواء السابع الإسرائيلي إلى الصفصاف. كانوا منتصرين. كانوا متعبين. كانوا غاضبين من الخسائر التي تكبدوها أثناء الليل. وكانوا يحملون أوامر، واضحة أو ضمنية، بتطهير المنطقة.

أول ما فعلوه: جمع السكان.

جاء الأمر فجأة. جنود يدخلون البيوت، يصرخون، يدفعون الناس بالبنادق إلى خارج القرية. النساء يجررن أطفالهن. الشيوخ يتكئون على العصي. الرجال يسيرون وأيديهم مرفوعة.

يقول أبو إسماعيل: "جاء اليهود إلى المبنى. لم يتحرك أحد. اخرجوا، اخرجوا، اخرجوا صرخوا... أخرجوا كل الرجال. أغلقوا الباب علينا. ثم سمعنا إطلاق نار" .

جمعوا السكان في ساحة القرية. ثم بدأ الفصل: الرجال من جهة، النساء والأطفال من جهة أخرى. هذا الفصل لم يكن عادياً. كان تحضيراً لما سيأتي.

٦. المجزرة: تفاصيل لا تحتمل

المجزرة بدأت بعد الفصل مباشرة. الروايات تختلف في التفاصيل لكنها تتفق في الجوهر.

الرواية الإسرائيلية الأولى: يوسف نحماني

بعد أيام قليلة من المجزرة، زار يوسف نحماني، مدير الصندوق القومي اليهودي في الجليل الشرقي، المنطقة برفقة وزير الأقليات الإسرائيلي. استمع إلى تقرير من إيمانويل فريدمان، ممثل الوزارة، عن "الأعمال القاسية لجنودنا".

في مذكراته التي نشرت لاحقاً (بعد حذف المقاطع الحساسة في البداية)، كتب نحماني:

"في الصفصاف، بعد أن رفع السكان الراية البيضاء، جمع [الجنود] الرجال والنساء وفرقوهم، ربطوا أيدي خمسين أو ستين فلاحاً، وأطلقوا النار عليهم وقتلوهم، ودفنوهم في حفرة. كما اغتصبوا عدة نساء" .

ثم أضاف نحماني تعليقاً شخصياً: "من أين أتوا بهذا المقدار من القسوة، مثل النازيين؟ ألا توجد طريقة أكثر إنسانية لطرد السكان من هذه الأساليب؟" .

هذا التعليق مهم. نحماني، وهو صهيوني وقومي يهودي، يرى ما حدث بعينيه ويقول: هذا ما فعله النازيون. هذا اعتراف من الداخل بأن الجيش الإسرائيلي تبنى أساليب تشبه أساليب النازية.

الرواية الإسرائيلية الثانية: موشيه إيريم

بعد أيام من المجزرة، عُقد اجتماع للجنة السياسية لحزب "مابام" (حزب العمال الموحد). تحدث موشيه إيريم عن ما حدث في الصفصاف. لكن كلماته حذفت من محضر الاجتماع الرسمي. لحسن الحظ، كان هناك شخص آخر في الغرفة يدون ملاحظات خاصة: أهارون كوهين.

ملاحظات كوهين، التي عثر عليها في أرشيف "يد يعاري"، ونشرها المؤرخ بيني موريس، تقول:

"الصفصاف: ٥٢ رجلاً ربطوا معاً بحبل. ألقوا في بئر وأطلق عليهم النار. قُتل ١٠. النساء توسلن للرحمة. ٣ حالات اغتصاب... فتاة ١٤ سنة اغتصبت. ٤ آخرين قتلوا. خواتم أُخذت بالسكاكين" .

هذه الرواية أكثر تفصيلاً. تتحدث عن ٥٢ رجلاً. عن ربطهم بحبل واحد. عن إلقائهم في بئر. عن إطلاق النار عليهم وهم في البئر. عن ١٠ منهم كانوا لا يزالون "يرتعشون" بعد إطلاق النار، كما ورد في رواية أخرى . عن النساء يتوسلن. عن اغتصاب. عن فتاة عمرها ١٤ سنة. عن قتل ٤ آخرين. عن سرقة الخواتم بقطع الأصابع.

الرواية الإسرائيلية الثالثة: وثيقة تامار نوفيك

في عام ٢٠١٥، عثرت المؤرخة تامار نوفيك على وثيقة أخرى في أرشيف "يد يعاري". كانت ضمن ملف يوسف فاشيتز، من القسم العربي في حزب مابام. الوثيقة، التي لم تكن موقعة، تروي نفس الأحداث بتفاصيل إضافية:

"الصفصاف – ٥٢ رجلاً أمسكوا بهم، ربطوهم ببعض، حفروا حفرة وأطلقوا عليهم النار. ١٠ كانوا لا يزالون يرتعشون. جاءت النساء، توسلن للرحمة. عثر على جثث ٦ رجال مسنين. كان هناك ٦١ جثة. ٣ حالات اغتصاب، واحدة شرق صفد، فتاة ١٤ سنة، ٤ رجال أطلق عليهم النار وقتلوا. من أحدهم قطعوا أصابعه بسكين ليأخذوا الخاتم" .

الرقم هنا ٦١ جثة، وليس ٥٢. التفاصيل أكثر دموية. "الارتعاش" بعد إطلاق النار يعني أن بعض الضحايا لم يموتوا فوراً. النساء "توسلن"، لكن دون جدوى.

الرواية الفلسطينية: شهود العيان

أبو إسماعيل، الذي كان في الثانية عشرة، يروي ما رآه بعينيه. بعد أن أخرجوا الرجال وأغلقوا عليهم الباب، سمع إطلاق النار. ثم:

"فتحنا الباب وخرجنا. كان هناك خط، ربما خمسين متراً، من الرجال. قتلى. كانوا قد صفّوهم على الحائط وأطلقوا عليهم النار بالرشاشات" .

لم يرَ الإعدام بعينيه. لكنه رأى الجثث. رأى والده بينها. رأى أخاه الأكبر.

محمد عبد الله إدغيم، ناجٍ آخر، روى للباحثين تفاصيل إضافية. قال إن الجنود الإسرائيليين أمروا أربع فتيات بمرافقتهم لحمل الماء للجنود. لكن بدلاً من ذلك، أخذوهن إلى بيوت خالية واغتصبوهن. ثم أخذوا حوالي سبعين رجلاً، عصبوا أعينهم، وأطلقوا النار عليهم واحداً تلو الآخر أمام الجميع. ثم ألقوا الجثث فوق بئر القرية وغطوها بالرمل .

جميل حمد، الذي كان في الثانية عشرة أيضاً، فقد أخوين في المجزرة: أحمد ٢٧ سنة، ومحمود ١٧ سنة. يقول:

"صفّوا ٧٤ رجلاً على الحائط. بينهم اثنان من إخوتي، أحمد ومحمود، وأبي، وأعمامي، وأبناء عمومتي. كنت صغيراً جداً، لم يأخذوني. منعوني من رؤية الإعدام، لكنني سمعت الرشاشات" .

ويضيف: "في المجموع، كان هناك أكثر من مئة قتيل. ثم ألقى الإسرائيليون الجثث في البئر. لم يعد لدينا ماء، والرائحة كانت فظيعة. اضطررنا لمغادرة القرية" .

٧. عين الماء التي صارت مقبرة

العنصر الأكثر بشاعة في هذه القصة هو البئر. عين الماء التي كانت تروي القرية، التي كان يشت منها الفلاحون ماء الشرب والزرع، التي كانت مكاناً للتجمع والحديث، تحولت إلى مقبرة جماعية.

بعد أيام من المجزرة، لاحظ الأهالي أن طعم الماء تغير. أصبح كريهاً. فسد. رائحة الموت تتصاعد من العين. كانوا يشربون ماء مختلطاً بدماء ذويهم.

لم يجرؤ أحد على فتح البئر أو تنظيفه. كانت الجثث هناك. تتحلل. تلوث الماء. تلوث الحياة.

هذه الصورة: عين ماء تتفجر منها الحياة، تتحول إلى ينبوع موت. بئر كان يروي العطشى، يتحول إلى قبر. هذا هو التطهير العرقي في أقصى تجلياته. لا يكفي أن تقتل الناس. يجب أن تلوث كل ما كان لهم. يجب أن تجعل الحياة مستحيلة لمن يبقى.

٨. الاغتصاب: الجريمة الصامتة

في كل الروايات، تذكر حالات الاغتصاب. ثلاث حالات، أربع حالات، فتاة عمرها ١٤ سنة، اغتصاب ثم قتل.

الاغتصاب في الحرب ليس مجرد جريمة جنسية. هو أداة إرهاب. هو وسيلة لإذلال المجتمع بأكمله. هو رسالة للرجال: نحن نستطيع أن ننتهك نساءكم وأنتم عاجزون عن الدفاع. هو رسالة للنساء: أجسادكم ليست آمنة، حتى في بيوتكم.

لكن الاغتصاب أيضاً هو الجريمة الأكثر صمتاً. الضحايا نادراً ما يتحدثون. العار يلاحقهم. المجتمع أحياناً يلقي اللوم على الضحية. لذلك، فإن وجود حالات اغتصاب موثقة في المصادر الإسرائيلية نفسها له دلالة كبيرة. يعني أن هذه الجرائم لم تكن مجرد شائعات، بل كانت حقيقة معروفة للقيادة.

الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً التي اغتصبت ثم قتلت: اسمها غير معروف. قبرها غير معروف. ذكراها بقيت فقط في هذه السطور الباردة من التقارير السرية.

٩. سرقة الخواتم: التفاصيل الصغيرة التي تقول الكثير

في كل الروايات تقريباً، تذكر تفصيلة صغيرة: "قطعوا أصابعهم بالسكاكين ليأخذوا الخواتم" . هذا التفصيل يقول الكثير.

الجنود الذين ارتكبوا هذه المجزرة لم يكونوا مجرد "جنود يؤدون واجبهم". كانوا بشراً يتصرفون بطاقة وحشية مطلقة. بعد أن قتلوا، فتشوا الجثث. رأوا خواتم في أصابع القتلى. بدلاً من أن ينزعوها بالطريقة العادية، قطعوا الأصابع. بسرعة. بوحشية.

هذا الفعل لا يمكن تفسيره بالضرورة العسكرية. لا يمكن تبريره بالدفاع عن النفس. إنه وحشية خالصة. نهب. تشويه للجثث. انتهاك لحرمة الموتى.

إذا كان هذا ما فعلوه بالقتلى، فماذا فعلوا بالأحياء؟

١٠. الناجون: رحلة العودة المؤجلة

بعد المجزرة، بقي في القرية النساء والأطفال والشيوخ. كانوا في حالة صدمة. لا يعرفون ماذا يفعلون.

يقول أبو إسماعيل إن القائد الإسرائيلي، الذي يعرفه من أيام الطفولة (كان يهودياً من صفد يأتي مع والده لشراء الحليب من القرية)، أرسل إليهم برسالة: "ابقوا في القرية، لا تذهبوا إلى لبنان. سنعتني بكم، وسآتي إلى القرية بعد بضع ساعات" .

وجاء فعلاً. أحضر طعاماً. تحدث معهم. حاول طمأنتهم. لكن النساء كن مرعوبات. البيوت تفوح منها رائحة الدم. البئر ملوث بالجثث. الرجال قتلوا أو فروا. كيف يمكن البقاء؟

قررن الرحيل. في الليل، جمعة أطفالهن وقليل من المتاع، واتجهن شمالاً، نحو الحدود اللبنانية. كن يعتقدن أن هذه رحلة مؤقتة. أيام قليلة، ثم يعودن. لكنهن لم يعدن أبداً.

كامل شريدة، الذي كان في الثالثة عشرة، يروي كيف أن والدته، خوفاً عليه من الإعدام (كان طويلاً ويبدو أكبر من عمره)، قصت بنطاله ليبدو أقصر. يقول: "أخبرتني أمي أن أحمل أخي الصغير على كتفي. قبل أن أعرف ما يحدث، كان جندي إسرائيلي يشير ببندقيته إلى صدري. تمكنّا من الهرب والاختباء بين أغصان الزيتون" .

ويروي كيف شهد المشهد من بعيد: "صعدنا تلاً ورأينا كل الذين قتلوا. أخي، الذي كان في الثالثة من عمره، بدأ يشير إلى الجثث ويقول: هذا جارنا. هذا صديقنا . قلت له ليصمت حتى لا يطلقوا النار علينا" .

شريدة، مثل آلاف غيره، ظن أن اللجوء إلى لبنان سيكون لأيام. لكنه أمضى حياته كلها في مخيمات اللجوء. مات وهو يحلم بالعودة إلى صفصاف.

١١. المخيم: حياة على الهامش

الذين وصلوا إلى لبنان استقبلوا في مخيمات مؤقتة. برج البراجنة، شاتيلا، عين الحلوة. خيام على أرض جرداء. شتاء بارد ممطر. صيف حار ترابي.

أم وحيد، التي كانت في الحادية والعشرين عندما وصلت إلى لبنان، تروي: "عندما وصلنا إلى لبنان، أسكنونا على الشواطئ. كل شيء كان رطباً وعاصفاً في الشتاء. في الصيف كان كل شيء مليئاً بالرمل. لكننا صمدنا" .

جميل حمد تزوج أرملة أخيه التي كانت تكبره بسبع سنوات. عاش في شاتيلا، وعمل في البناء ثم في الخياطة. كافح ليعلم أطفاله. يقول: "أكبر ندم في حياتي هو أنني لم أستطع مواصلة تعليمي. لذلك كان مهماً جداً أن يتعلم كل أطفالي" .

اليوم، أطفال جميل في أوروبا وأمريكا. هاجروا بحثاً عن حياة كريمة. وهو بقي في شاتيلا، مع أشرطة الكاسيت التي تسجل أغاني زوجته الراحلة عن مأساة اللاجئين. كلما استمع إليها، بكى.

١٢. التحقيقات الداخلية: عندما يعرف الجيش

لم تمر المجزرة دون رد فعل داخل إسرائيل. القيادة العسكرية علمت بها. حزب مابام، الذي كان العديد من ضباط الجيش أعضاء فيه، ناقشها. وفتح الجيش تحقيقين داخليين على الأقل في ١٩٤٨١٩٤٩ .

ماذا كانت نتائج هذه التحقيقات؟ لا أحد يعرف. لأن التقارير لا تزال مصنفة "سرية" حتى اليوم. بعد سبعة وسبعين عاماً، لا تزال هذه التقارير محبوسة في خزائن الجيش .

هذا التصنيف يعني شيئاً واحداً: التحقيقات وجدت ما يدين. لو كانت النتائج تبرئ الجيش، لتم نشرها منذ زمن. لكنها تدين. لذلك تبقى سرية.

في اجتماع اللجنة السياسية لحزب مابام، نوقشت المجزرة بجدية. يقول محضر الاجتماع (الذي عثر عليه لاحقاً): "ما حدث في الجليل – هذه أعمال نازية! كل عضو في حزبنا يجب أن يبلغ بما يعرفه" .

"أعمال نازية". هذا هو الوصف الذي استخدمه اليساريون الصهاينة أنفسهم لوصف ما فعله جيشهم. ثم ماذا فعلوا بعد ذلك؟ لا شيء.

١٣. الإخفاء المنهجي: عندما تختفي الوثائق

قصة مجزرة الصفصاف لم تنتهِ بالمذبحة، ولا بالتحقيقات المغلقة، ولا برحلة اللجوء. استمرت في معركة أخرى: معركة الذاكرة.

في عام ١٩٨٦، نشر المؤرخ بيني موريس مقالاً عن وثيقة مهمة تتعلق بأسباب تهجير الفلسطينيين. استند في بحثه إلى وثيقة من أرشيف "يد يعاري". بعد نشر المقال، اختفت الوثيقة من الأرشيف. نقلت إلى خزائن مغلقة بأمر من وزارة الدفاع .

في عام ٢٠١٥، وجدت المؤرخة تامار نوفيك وثيقة مهمة عن مجزرة الصفصاف في نفس الأرشيف. استشارت بيني موريس، فأخبرها عن وثيقة أهارون كوهين التي استخدمها في أبحاثه. عندما عادت نوفيك لتبحث عن وثيقة كوهين، لم تجدها. أخبرها المسؤولون أنها نُقلت إلى خزائن مغلقة بأمر من وزارة الدفاع .

هذه العملية المنهجية لإخفاء الوثائق ليست صدفة. يقودها جهاز سري في وزارة الدفاع اسمه "مالاب" (رئيس أمن المؤسسة الدفاعية). منذ بداية الألفية، يجوب موظفو هذا الجهاز الأرشيفات الإسرائيلية، ينتشلون الوثائق التاريخية "الحساسة" ويخبئونها في خزائن حديدية .

يهئيل حوريف، الذي ترأس "مالاب" لعقدين، اعترف بذلك صراحة: "إخفاء أحداث ١٩٤٨ ضروري ومنطقي، لأن كشفها قد يولد اضطرابات بين السكان العرب في إسرائيل". وعن إزالة وثائق نُشرت بالفعل، قال: "الهدف هو تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين. حكم على ادعاء باحث مدعوم بوثيقة ليس كالحكم على ادعاء لا يمكن إثباته أو تفنيده" .

هذا اعتراف صريح: إسرائيل تخفي الوثائق ليس لأسباب أمنية، بل لمنع الفلسطينيين من إثبات روايتهم.

١٤. الذاكرة الفلسطينية: ما لا يمكن إخفاؤه

لكن إخفاء الوثائق لا يعني إخفاء الذاكرة. الذاكرة الفلسطينية حية، تنبض، تنتقل من جيل إلى جيل.

أبو إسماعيل في شاتيلا يرسم خريطة قريته من الذاكرة، بيتاً بيتاً، زقاقاً زقاقاً. حفيده يدون التفاصيل. الخريطة ستبقى، حتى لو اختفت الوثائق.

أم وحيد في برج البراجنة تغني أغانيها: "تركنا البواب مفتوحة". هذه الأغنية تروي للأطفال تاريخاً لا يجده في الكتب.

جميل حمد يربي أولاده على حب فلسطين التي لم يروها. يعلمهم أن الصفصاف ليست مجرد اسم، بل بيت. بيت كان لهم، وسيعودون إليه يوماً.

الناجون من الصفصاف لم يحتفظوا بوثائق. لكنهم احتفظوا بذاكرة. وهذه الذاكرة أقوى من كل محاولات الإخفاء.

١٥. الدلالة القانونية: جريمة لا تسقط بالتقادم

من الناحية القانونية، مجزرة الصفصاف هي "جريمة حرب" و"جريمة ضد الإنسانية" وربما "إبادة جماعية". القتل العمد للمدنيين، الاغتصاب، التعذيب، التهجير القسري – كل هذه جرائم لا تسقط بالتقادم بموجب القانون الدولي.

شعبان جبارين، مدير مؤسسة الحق، يقول: "هناك جرائم لا تسقط بالتقادم، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. الوثائق دليل واضح لا يقبل الجدل على جرائم إسرائيل" .

الرواية الإسرائيلية الرسمية تقول إن الفلسطينيين غادروا طواعية. لكن وثائق الصفصاف تقول العكس. تقول إنهم قتلوا، اغتصبوا، شردوا. تقول إن جيشاً نظامياً ارتكب مجازر ممنهجة. تقول إن القيادة العليا علمت وغطت.

هذه الأدلة يمكن استخدامها في المحاكم الدولية. يمكن أن تكون أساساً لدعاوى ضد إسرائيل والدول التي تدعمها. يمكن أن تتحول إلى أداة للعدالة، ولو بعد حين.

١٦. من الصفصاف إلى غزة: استمرارية الإبادة

قراءة تفاصيل مجزرة الصفصاف اليوم، ونحن نشاهد الإبادة الجماعية في غزة، تثير شعوراً بالرعب من التشابه.

نفس الأساليب: قتل المدنيين، تدمير البيوت، التهجير القسري.
نفس المبررات: "ضرورة عسكرية"، "دفاع عن النفس"، "محاربة الإرهاب".
نفس التغطية: تحقيقات داخلية سرية، تقارير مصنفة، رقابة على الأرشيف.
نفس الصمت الدولي: لا عقوبات، لا محاكمات، لا مساءلة.

ما حدث في الصفصاف عام ١٩٤٨، يتكرر في غزة عام ٢٠٢٤. نفس الجيش، نفس العقيدة، نفس الإفلات من العقاب. الفرق فقط في التكنولوجيا: قنابل ذكية بدل رشاشات، وطائرات مسيرة بدل دوريات مشاة.

هذه الاستمرارية تقول شيئاً واحداً: إسرائيل لم تتغير. جوهرها واحد. التطهير العرقي ليس خطأ ارتكبته ثم تابت عنه، بل هو مشروع مستمر.

١٧. الخلاصة: قرية ترفض الموت

الصفصاف اليوم لم تعد موجودة. على أنقاضها أقيمت مستعمرة "صفصوفة" الإسرائيلية. بيوتها هدمت. حقولها استولى عليها المستوطنون. مسجدها هجر. مقبرتها نسيت.

لكن الصفصاف ما زالت حية. حية في ذاكرة الناجين وأحفادهم. حية في الوثائق التي عثر عليها في الأرشيفات الإسرائيلية. حية في اعترافات القادة الإسرائيليين أنفسهم.

كلما حاولت إسرائيل إخفاء الحقيقة، ظهرت من مكان آخر. من مذكرات يوسف نحماني. من ملاحظات أهارون كوهين. من أرشيفات حزب مابام. من وثائق رافي كوتسير التي عثر عليها في قمامة تل أبيب.

الحقيقة كالبئر: يمكن أن تلوث، يمكن أن تغطى، يمكن أن تنسى. لكنها تبقى. وفي النهاية، تتفجر.

الصفصاف كانت قرية صغيرة، عادية، لا تختلف عن مئات القرى الفلسطينية. لكن ما حدث فيها يمثل ما حدث في كل تلك القرى. إنها نموذج مصغر للنكبة. نموذج مصغر للجريمة. نموذج مصغر للإخفاء.

وفي هذا النموذج، نرى كل شيء: الجناة، الضحايا، الشهود، المتواطئين، المغطين، المنسيين. نرى الإنسان في أسوأ حالاته. ونرى أن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم.



………

الفصل الخامس: شموئيل لاهيس - كبش فداء والإفلات من العقاب

١. مقدمة: الجلاد الذي دفع الثمن

في تاريخ الجرائم الكبرى، ثمّة قاعدة ثابتة: المجرمون الحقيقيون لا يُعاقبون أبداً. مَنْ يدفع الثمن دائماً هو الصغير، التابع، المنفذ الأبله الذي لم يتعلم بعد فن التغطية. الكبار يجلسون في المكاتب المكيفة، يوقعون الأوراق، يعطون الأوامر الشفهية، ثم يتركون المجال للجنود في الميدان ليحصدوا الدماء ويحصدوا التهم.

شموئيل لاهيس كان واحداً من هؤلاء الصغار. جندي في الميدان. قائد سرية في لواء كرميلي. رجل في العشرينيات من عمره، حمل سلاحه ونفذ أوامره. ثم وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام، وحيداً، أمام تهمة قتل عشرات المدنيين.

لكن المفارقة أن محاكمة لاهيس، التي أرادت إسرائيل أن تكون "دليلاً" على نقائها الأخلاقي، تحولت إلى دليل على العكس تماماً. فقد كشفت الشهادات التي أدلي بها في المحكمة أن ما فعله لاهيس كان يفعله الجميع. وأن الجيش الإسرائيلي بكامل هيئته كان متورطاً في جرائم حرب. وأن القيادة العليا كانت تعلم وتوافق وتغطي.

هذا الفصل هو عن لاهيس. لكنه ليس عن لاهيس وحده. هو عن آلة الإفلات من العقاب الإسرائيلية. عن كيف يُحاكم الصغار ويُكرَّم الكبار. عن كيف تُستثمر المحاكمات "العادلة" لتلميع صورة دولة مجرمة. عن كيف تتحول الجريمة إلى "تجاوز فردي"، والمجزرة إلى "حادث مؤسف".

قصة لاهيس هي قصة النموذج المصغر. فيها نرى كيف تعمل المؤسسة. كيف تتعامل مع جرائمها. كيف تخلق "كبش فداء" كلما اشتد الضغط الدولي. ثم كيف تعيده إلى أحضانها بعد أن تنتهي الضجة.

٢. من هو شموئيل لاهيس؟ شاب عادي في زمن غير عادي

قبل أن يصبح "المجرم الوحيد" في تاريخ النكبة، كان شموئيل لاهيس شاباً يهودياً عادياً. وُلد في بولندا أو رومانيا (المصادر تختلف)، وهاجر إلى فلسطين في شبابه. التحق بالحركة الصهيونية. تدرب على حمل السلاح. أصبح ضابطاً في لواء كرميلي، أحد ألوية "الهاغاناه" التي تحولت لاحقاً إلى جيش إسرائيل الرسمي.

في خريف عام ١٩٤٨، كان لاهيس في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين من عمره. قائد سرية. مسؤول عن مجموعة من الجنود. تحت قيادته، شاركت وحدته في عملية "حيرام"، العملية العسكرية التي اجتاحت الجليل وامتدت إلى جنوب لبنان.

عملية "حيرام" كانت من أكثر العمليات دموية في حرب ١٩٤٨. خلال ستين ساعة فقط، احتل الجيش الإسرائيلي أربع عشرة قرية لبنانية، بالإضافة إلى عشرات القرى الفلسطينية في الجليل. المجازر رافقت الاحتلال في كل مكان. في الصفصاف، في سعسع، في المالكية، وفي حولا .

في حولا، كانت التعليمات واضحة: احتلال القرية، جمع السكان، التعامل معهم. كيف كان يجب التعامل معهم؟ الأوامر الشفهية كانت تختلف عن الأوامر المكتوبة. شهادات القادة التي رأيناها في الفصل الثالث تؤكد أن الجو العام كان يشجع على "التصفية" و"التطهير".

لاهيس كان هناك. نفذ ما فهمه من أوامر. جمع الرجال. حشرهم في منزل. ثم فجّر المنزل فوق رؤوسهم.

هكذا باختصار. ليس في معركة. ليس بعد مقاومة. ليس دفاعاً عن النفس. فقط إعدام جماعي.

٣. مجزرة حولا: تفاصيل الجريمة

قرية حولا تقع في جنوب لبنان، على مقربة من الحدود الفلسطينية. يوم ٣١ تشرين الأول/أكتوبر ١٩٤٨، دخلت قوات لواء كرميلي القرية. كان جيش الإنقاذ قد انسحب منها فجأة، تاركاً السكان بلا حماية .

الجنود الإسرائيليون كانوا متنكرين بزي جيش الإنقاذ، لابسين الكوفية والعقال. عندما رأى الأهالي الجنود، ظنوا أنهم عرب، فخرجوا لاستقبالهم. هذا الخطأ كلفهم حياتهم .

بدأ الجنود باعتقال الرجال. جمعوهم في ساحة القرية. ثم حشروهم في منزل حجري قديم. بعد ذلك، أطلقوا النار على المنزل، وفجّروه بالديناميت. انهارت الجدران على من كان بالداخل. ماتوا اختناقاً ورضّاً وحريقاً.

تختلف التقديرات حول عدد الضحايا. بعض المصادر تتحدث عن ٣٣ قتيلاً . البعض الآخر يرفع العدد إلى ٧٠ أو ٨٠ أو حتى ٩٤ . إيلان بابيه، المؤرخ الإسرائيلي المعروف، يقول إن "القوات اليهودية أعدمت أكثر من ٨٠ قروياً في حولا وحدها" .

المهم ليس العدد الدقيق. المهم أن الجريمة وقعت. وأنها لم تكن خطأ عسكرياً. لم تكن تبادل نيران. كانت إعداماً جماعياً لمدنيين عُزَّل.

بعد المجزرة، نزح معظم أهالي حولا إلى بيروت. أقامت لهم الدولة اللبنانية بيوتاً من صفيح في مخيم ضبية. بعد ستة أشهر، عاد بعضهم إلى القرية، بموجب اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل . لكن الذين عادوا لم يجدوا بيوتهم. وجدوا ركاماً. وجدوا قبوراً. وجدوا ذاكرة مثقوبة بالرصاص.

٤. اكتشاف الجريمة: كيف وصل الخبر إلى العالم؟

الجيش الإسرائيلي حاول التغطية. حاول إخفاء ما حدث. لكن الأخبار تسربت. الجنود الذين شاركوا في المجزرة تحدثوا. بعضهم شعر بالندم. بعضهم كان فخوراً لكنه ثرثار. بعضهم كتب لأهله.

صحفيون إسرائيليون سمعوا بالخبر. بدأوا بالتحقيق. الضغط على الحكومة ازداد. كان لابد من رد.

في ١٢ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٨، اعتُقل شموئيل لاهيس. كان القائد المسؤول عن السرية التي نفذت المجزرة. كانت الرسالة واضحة: سنحاكم مجرماً واحداً، ونبرئ أنفسنا جميعاً.

في ٢ كانون الأول/ديسمبر ١٩٤٨، قُدمت لائحة اتهام ضد لاهيس أمام محكمة عسكرية خاصة في حيفا. التهمة: قتل ٣٣ مدنياً لبنانياً . اثنان وثلاثون قتيلاً في جريمة واحدة. رجل واحد يتهم بارتكابها.

لكن السؤال الذي ظل معلقاً: هل كان لاهيس وحده؟ هل هو من أصدر الأمر بتفجير المنزل؟ هل هو من اختار الضحايا؟ أم أنه كان ينفذ تعليمات عليا، تعليمات شفهية، تعليمات ضمنية، تعليمات مفهومة من الجو العام؟

هذه الأسئلة هي ما جعلت المحاكمة مثيرة. لأن الدفاع، في محاولة لإنقاذ لاهيس، بدأ يكشف خيوط الجريمة الأكبر.

٥. المحاكمة: مسرح عدالة

بدأت المحاكمة في ١٩٤٩. القاعة كانت مكتظة بالصحفيين والمحامين والفضوليين. كانت هذه أول محاكمة من نوعها في تاريخ إسرائيل. جندي إسرائيلي يحاكم بتهمة قتل مدنيين عرب.

الادعاء قدم أدلته. شهود عيان. جنود شاركوا في العملية. صور الركام. تقارير طبية. القضية بدت واضحة: لاهيس أمر بتفجير المنزل، والمنزل كان مليئاً بمدنيين عُزَّل.

لكن الدفاع كان له رأي آخر. المحامون قالوا إن لاهيس لم يفعل شيئاً استثنائياً. ما فعله كان يفعله الجميع. كانت الحرب قاسية. الأوامر كانت غامضة. المسؤولية تقع على القيادة العليا، لا على جندي صغير في الميدان.

لإثبات هذا الكلام، استدعى الدفاع سلسلة من الشهود الكبار. رؤساء ألوية. ضباط عمليات. مستشارون عسكريون. رجال يعرفون الأسرار الكبرى. وهؤلاء، تحت القسم، قالوا الحقيقة .

شهدوا عن سياسة الطرد الممنهج. عن أوامر قتل المدنيين. عن استخدام الإرهاب كأداة حرب. عن معرفة القيادة العليا بكل التفاصيل.

هذه الشهادات، التي ناقشناها في الفصل الثالث، كانت أكثر إدانة من جريمة لاهيس نفسها. لأنها أظهرت أن لاهيس لم يكن استثناء. كان قاعدة. كان نموذجاً مصغراً لما كان يحدث في كل الجبهات.

لكن المحكمة تجاهلت هذا البعد. ركزت على لاهيس وحده. حاكمته على أفعاله الشخصية. وكأن الجو العام لم يكن موجوداً. وكأن الأوامر العليا لم تصدر. وكأن القيادة العليا لم تكن تعلم.

٦. الحكم: العدالة الهزلية

بعد أشهر من المداولات، صدر الحكم في ٣١ تشرين الأول/أكتوبر ١٩٤٩. المحكمة أدانت لاهيس بقتل المدنيين. وحكمت عليه بالسجن سبع سنوات .

سبع سنوات! لمجزرة راح ضحيتها عشرات الأبرياء. سبع سنوات فقط، مع إمكانية تخفيف العقوبة لاحقاً.

لكن حتى هذه السنوات السبع لم تكتمل. استأنف الدفاع أمام محكمة الاستئناف العسكرية. المحكمة العليا تركت الإدانة قائمة، لكنها خفضت العقوبة من سبع سنوات إلى سنة واحدة فقط .

سنة واحدة. ٣٦٥ يوماً. مقابل ٨٠ قتيلاً. هذا يعني أن كل قتيل دفع ثمنه بأقل من خمسة أيام من سجن الجلاد.

والأكثر إثارة أن لاهيس لم يقضِ حتى هذه السنة كاملة. في يوم "الاستقلال" الإسرائيلي عام ١٩٥٠، أصدر الرئيس حاييم وايزمان عفواً رئاسياً، خفّض بموجبه العقوبة إلى ما قضاه لاهيس بالفعل. خرج من السجن حراً .

وفي عام ١٩٥٥، صدر عفو رئاسي كامل، محا كل أثر للإدانة. سُمح للاهيس بأن يصبح محامياً. نعم، محامياً. الرجل الذي أدين بقتل العشرات، أصبح مسموحاً له بالترافع أمام المحاكم .

هذه هي العدالة الإسرائيلية. إدانة شكلية، عقوبة هزلية، عفو سريع، ثم إعادة تأهيل كاملة.

٧. بعد السجن: صعود الجلاد

لكن المفاجآت لم تنتهِ. ففي عام ١٩٧٨، بعد ثلاثين عاماً من المجزرة، اختير شموئيل لاهيس ليكون مديراً عاماً للوكالة اليهودية .

الوكالة اليهودية! المؤسسة المسؤولة عن استيطان اليهود في فلسطين. المؤسسة التي كانت وراء هجرة مئات الآلاف من اليهود إلى الأراضي التي طُرد منها الفلسطينيون. لاهيس، الذي ساهم في طرد اللبنانيين من قريتهم، أصبح مسؤولاً عن جلب يهود جدد لاستيطان فلسطين.

الترشيح أثار جدلاً كبيراً في إسرائيل. صحفيون وكتّاب وسياسيون تساءلوا: كيف يمكن لمدان بقتل مدنيين أن يتولى هذا المنصب الرفيع؟ كيف يمكن لمجرم حرب أن يمثل اليهودية في العالم؟

لكن الجدل لم يدم طويلاً. المؤسسة تدخلت. الداعمون تحدثوا. قالوا إن لاهيس دفع ثمن خطئه. إنه ندم وتاب. إنه يستحق فرصة ثانية. وإن الماضي يجب أن يدفن.

ودُفن الماضي بالفعل. تمت الموافقة على التعيين. أصبح لاهيس مديراً عاماً للوكالة اليهودية. بقي في المنصب سنوات. سافر حول العالم. قابل رؤساء ووزراء. مثل إسرائيل في المحافل الدولية. وكل من كان يعرف ماضيه فضّل الصمت .

هذه هي إسرائيل. لا تسقط جريمة بالتقادم فقط، بل تتحول إلى وسام شرف أحياناً. الجلادون لا يُعاقبون فحسب، بل يُكرَّمون.

٨. ماذا عن البقية؟ الإفلات الجماعي من العقاب

لاهيس كان الوحيد. الجندي الوحيد الذي حوكم على جرائم حرب في تاريخ النكبة. لكن السؤال: كم جندياً آخر ارتكب جرائم مماثلة؟ كم قائداً أمر بجرائم أفظع؟ كم سياسياً غطى على كل هذا؟

الجواب: المئات. بل الآلاف.

يتسحاق بروشي، الذي أمر بقتل كل عربي من قبيلة الصبيح وتفجير القرى، لم يحاكم. عاش حياته في سلام. مات في شيخوخة هادئة .

مردخاي ماكليف، الذي اعترف بأن "لا يمكن طرد ١١٤ ألف شخص بدون إرهاب"، أصبح رئيساً للأركان. نعم، رئيس الأركان. الرجل الذي أشرف على سياسة الإرهاب قاد الجيش كله .

ماكسيم كوهين، الذي شرح كيف تُطرد قرية بقطع أذن أحد سكانها، ترقى في مناصبه. لم يسأله أحد عن تفاصيل قطع الآذان .

حاييم بن دافيد، الذي اعترف بأن الأوامر الشفهية كانت تقضي بقتل كل من يصر على البقاء، أصبح لواءً. رتبة عالية في الجيش الذي كان يعطي تلك الأوامر .

يسرائيل كرمي، الذي أمر "بإبادة كل شيء" في بئر السبع، عاش ومات ولم يحاكم. لم يعتذر. لم يندم.

يوسف إيتان، الذي شرح آلية "التلميح" في إعطاء أوامر القتل، تقاعد ونسي.

هذه القائمة تطول. عشرات القادة. مئات الضباط. آلاف الجنود. كلهم ارتكبوا جرائم. كلهم عاشوا حياتهم. كلهم ماتوا في أسرّتهم. واحد فقط دفع الثمن: شموئيل لاهيس.

٩. لماذا لاهيس؟ كبش الفداء

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا وقع الاختيار على لاهيس تحديداً؟

الجواب متعدد الأوجه.

أولاً، جريمته كانت فاضحة. تفجير منزل مليء بالمدنيين أمام شهود عيان. ليس سهلاً التغطية على مثل هذه الجريمة. الصحفيون وصلوا إليها. الرأي العام العالمي بدأ يضغط. كان لابد من ضحية تقدم للعالم.

ثانياً، لاهيس كان صغيراً. قائد سرية فقط. ليس لديه حماية سياسية كبرى. تضحيته لا تكلف المؤسسة كثيراً. يمكن التضحية به دون أن ينهار الجيش.

ثالثاً، هو كان في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. بعد الحرب، كان هناك حاجة لإظهار "نقاء الجيش". لإثبات أن إسرائيل تحاكم مجرميها. لاهيس كان الأنسب لهذا الدور.

رابعاً، لم يكن لاهيس ذكياً بما يكفي. بعض القادة الآخرين كانوا أكثر دهاءً. تخلصوا من الأدلة. حافظوا على صمتهم. بنوا شبكات حماية. لاهيس لم يفعل.

لذلك، دفع الثمن. لكن الثمن كان زهيداً. سنة واحدة، ثم عفو، ثم مناصب عليا. حتى هو، "كبش الفداء"، لم يُذبح حقيقة. فقط قُدِّم للمسرح، ثم عاد إلى الكواليس ليحصل على دوره.

١٠. شهادات المحاكمة: كنز في الظل

رغم كل سلبيات محاكمة لاهيس، أنتجت شيئاً ثميناً: الشهادات.

لأن الدفاع، في محاولته إنقاذ موكله، استدعى كبار القادة للشهادة. وهؤلاء، تحت القسم، وبعيداً عن أعين الصحافة (في معظمها)، قالوا الحقيقة.

شهادات مردخاي ماكليف، ماكسيم كوهين، حاييم بن دافيد، وآخرين، كانت موجودة في ملفات المحكمة. لكنها ظلت سرية لعقود. لم تنشر. لم تُتلف. فقط بقيت في الأدراج.

مجموعة كوتسير احتوت على نسخ من هذه الشهادات. كيف حصل عليها؟ ربما من خلال علاقاته العسكرية. ربما لأنه كان مهتماً. ربما بالصدفة البحتة. المهم أنها نجت.

هذه الشهادات هي أثمن ما في الأرشيف. لأنها ليست مجرد أوراق. إنها أصوات. أصوات رجال كانوا في القمة، ورأوا كل شيء، ثم تحدثوا.

فيها يقول ماكليف إن الهدف كان الطرد والإرهاب وسيلة مشروعة. فيها يقول كوهين إن قطع الآذان كان أسلوباً متبعاً. فيها يقول بن دافيد إن الأوامر الشفهية كانت بالقتل.

هذه الشهادات تدين ليس لاهيس فقط، بل المؤسسة بأكملها. تظهر أن الجرائم لم تكن استثناء، بل قاعدة. وأن القيادة العليا كانت تعلم وتوافق وتغطي.

١١. القاضي يتحدث: إيلات وكبش الفداء

ليس فقط الشهود تحدثوا. القاضي نفسه، جدعون إيلات، الذي كان عضواً في هيئة المحكمة، أدلى بتصريح خارج المحكمة يقول فيه:

"جرائم حرب عديدة ارتكبها قادة وجنود، ولاهيس مجرد كبش فداء" .

هذا اعتراف من داخل النظام القضائي. القاضي الذي حكم على لاهيس يقول إنه مجرد كبش فداء. إنه ليس المجرم الحقيقي. إنه فقط من دفع الثمن.

إيلات يعرف ما يقول. كان داخل المحكمة. سمع الشهادات. رأى الأدلة. عرف أن ما فعله لاهيس كان يفعله غيره. لكن المحكمة اختارته وحده.

هذا التصريح نادر وقيم. لأن القضاة عادة لا يتحدثون. يحافظون على صمتهم المهني. لكن إيلات كسر الصمت. قال الحقيقة. وسجلها التاريخ.

لاهيس كبش فداء. والعبارة ليست مجرد رأي، بل حكم قضائي من داخل المنظومة نفسها.

١٢. مقارنة: لاهيس ومجرمون آخرون في التاريخ

قصة لاهيس ليست فريدة. التاريخ مليء بـ"كباش فداء" قدموا للعدالة بينما اختبأ الكبار.

في ألمانيا النازية، بعد الحرب، حوكم بعض الحراس الصغار بينما هرب كبار القادة أو انتحروا أو حصلوا على حماية. أدولف أيخمان، الذي خطط للترحيل الجماعي لليهود، هرب إلى الأرجنتين وعاش عشرات السنين قبل أن يُخطف ويُحاكم. بينما حراس معسكرات صغار حوكموا في السنوات الأولى.

في يوغوسلافيا السابقة، حوكم جنود صغار بارتكاب مجازر، بينما قادة كبار مثل سلوبودان ميلوشيفيتش ماتوا قبل أن تصدر الأحكام النهائية بحقهم.

في رواندا، آلاف المنفذين الصغار حوكموا في محاكم تقليدية، بينما المخططون الكبار فروا أو حصلوا على حماية.

القاعدة ثابتة: العدالة تصطاد الصغار دائماً. الكبار إما يهربون، أو يموتون قبل المحاكمة، أو يتحولون إلى قادة محترمين.

لاهيس كان واحداً من هؤلاء الصغار. الفرق أنه حوكم صورياً، ثم أُعيد تأهيله، ثم أصبح مسؤولاً كبيراً. هذا هو الإفلات من العقاب في أبهى صوره.

١٣. دروس من القضية: ماذا تعلمنا محاكمة لاهيس؟

محاكمة لاهيس تقدم دروساً متعددة.

الدرس الأول: إسرائيل تعرف كيف تحمي نفسها. عندما يحدث شيء فاضح، تقدم كبش فداء للعالم. ثم تعيده إلى الحظيرة بعد أن تهدأ الضجة.

الدرس الثاني: القضاء الإسرائيلي ليس مستقلاً. المحكمة التي حاكمت لاهيس كانت تعرف أنه ليس الوحيد. لكنها حاكمته وحده. لأن الضغط السياسي كان واضحاً.

الدرس الثالث: الشهادات مهمة. ما قاله القادة في المحاكمة كان ثميناً. لولا محاكمة لاهيس، لما حصلنا على هذه الاعترافات. أحياناً، حتى الأنظمة القمعية تنتج أدلة تدينها.

الدرس الرابع: الإفلات من العقاب منهج. ليس استثناء. لاهيس عوقب قليلاً ثم كوفئ كثيراً. غيره لم يعاقب أبداً. هذا هو النظام.

الدرس الخامس: العدالة الدولية ضرورية. بما أن الأنظمة الوطنية لا تحاسب مجرميها، يجب أن تتدخل المحاكم الدولية. لكن حتى هذه المحاكم تواجه عقبات سياسية هائلة.

١٤. من حولا إلى غزة: استمرارية الإفلات

بعد سبعة وسبعين عاماً من مجزرة حولا، لا يزال الإفلات من العقاب هو القاعدة.

في غزة اليوم، تُرتكب مجازر يومية. عشرات الآلاف من القتلى. تدمير ممنهج. تجويع جماعي. قادة إسرائيل يتباهون بجرائمهم على شاشات التلفزيون. ولا أحد يحاكم.

لا محاكمات. لا كباش فداء. فقط إباحة كاملة.

بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب، يسافر حول العالم. يستقبل في عواصم الغرب. يصافح الرؤساء. يوقع الاتفاقيات. وكأن شيئاً لم يكن.

يوآف غالانت، الذي أشرف على قصف غزة، ما زال وزيراً. ما زال يتخذ القرارات. ما زال يُصفق له في الكنيست.

أين كبش الفداء اليوم؟ لا أحد. لأن العالم اعتاد على جرائم إسرائيل. لأن الإفلات من العقاب أصبح هو القاعدة الدولية. لأن القوي لا يحاسب أبداً.

هذا هو الدرس الأقسى: لاهيس كان "محظوظاً" لأنه حوكم. اليوم، لا أحد يحاكم. المجازر أصبحت عادية. القتل أصبح سياسة. والإفلات أصبح مطلقاً.

١٥. الخلاصة: الرجل الذي دفع الثمن ولم يدفع

شموئيل لاهيس هو نموذج معقد. هو مجرم بلا شك. أمر بقتل مدنيين عُزَّل. دماء الأبرياء في رقبته. لكنه أيضاً ضحية نظام. ضحية آلة تستخدم الصغار وتتخلص منهم ثم تعيد تدويرهم.

دفع الثمن قليلاً. سنة واحدة في السجن. ثم عاد ليصبح مسؤولاً كبيراً. مديراً للوكالة اليهودية. رمزاً للنجاح الصهيوني.

لم يدفع الثمن كاملاً أبداً. لم يعترف بخطئه حقاً. لم يطلب الصفح من عائلات الضحايا. لم يزر حولا ليرى قبور من قتلهم. فقط عاش حياته، وتوفي في هدوء.

لكن محاكمته أنتجت شيئاً قيماً: الشهادات. تلك الأصوات التي خرجت من القاعة لتقول الحقيقة. أصوات القادة الذين اعترفوا بأن الجيش الإسرائيلي قتل مدنيين، طرد سكاناً، استخدم إرهاباً.

هذه الشهادات بقيت. وخرجت من الظل بعد عقود. وأصبحت جزءاً من أرشيف الجريمة الصهيونية.

لاهيس لم يعد موجوداً. مات منذ زمن. لكن شهادات محاكمته لا تزال حية. تنتظر من يستخدمها في المحاكم الدولية. في الملاحقات المستقبلية. في كتابة التاريخ كما حدث حقاً.

هذا هو انتقام الحقيقة: حتى كباش الفداء يتركون أثراً. حتى المجرمون الصغار يمكن أن تصبح محاكماتهم أدلة إدانة للكبار. حتى الجلادون، أحياناً، يساهمون في كشف الجريمة.



…….


الفصل السادس: وحدة "مالاب" - جهاز محو الذاكرة

١. مقدمة: عندما تصبح الوثائق خطراً وجودياً

في البدء كان الفعل. ثم كانت الكتابة. ثم جاء دور المحو.

هكذا يمكن تلخيص العلاقة الإسرائيلية مع تاريخ النكبة. جيل المؤسسين ارتكب الجرائم، وسجل تفاصيلها في وثائق رسمية. جيل الأبناء والأحفاد ورث هذه الوثائق، واكتشف أنها قنبلة موقوتة. فبدأ عملية تنظيف كبرى: تنظيف الأرشيفات من كل ما يمكن أن يدين.

ما تفعله إسرائيل ليس مجرد "رقابة" عادية. ليس مجرد منع وصول الباحثين إلى مواد حساسة لفترة معينة. إنها عملية ممنهجة، منظمة، ممولة رسمياً، تمتد لعقدين على الأقل، بهدف واحد: محو الأدلة المادية على جريمة التأسيس.

في قلب هذه العملية تقف وحدة غامضة، لا يعرف عنها الإسرائيليون أنفسهم شيئاً تقريباً. اسمها "مالاب" (ראש המטה לביטחון המערכת - رئيس أمن المؤسسة الدفاعية). ميزانيتها سرية. موظفوها مجهولون. صلاحياتها غير محدودة. مهمتها: حماية أمن إسرائيل. لكن تعريف "الأمن" هنا يشمل حماية صورة إسرائيل، حتى لو كان الثمن تزوير التاريخ.

هذا الفصل هو عن "مالاب". عن الرجل الذي قادها عشرين عاماً. عن آلاف الوثائق التي سُحبت من الأرشيفات. عن الباحثين الذين عادوا ليبحثوا عن وثائق استخدموها سابقاً فلم يجدوها. عن المنطق الذي يبرر محو الذاكرة باسم "الأمن القومي". وعن الوجه الحقيقي لدولة لا تكتفي بارتكاب الجرائم، بل تمحو أدلتها أيضاً.

٢. يهئيل حوريف: مهندس النسيان

أي قصة عن "مالاب" يجب أن تبدأ بالرجل الذي خلقها وشكلها وقادها لعقدين من الزمن: يهئيل حوريف.

حوريف ليس اسماً معروفاً في إسرائيل. ليس جنرالاً متقاعداً يظهر في البرامج الحوارية. ليس سياسياً يخطب في الكنيست. إنه رجل ظل في الظل طوال حياته المهنية، يدير واحدة من أكثر الوحدات حساسية في المؤسسة الدفاعية، دون أن يعرف عنه الإسرائيليون شيئاً.

لكن في عام ٢٠١٩، عندما كشفت صحيفة "هآرتس" النقاب عن عملية إخفاء الوثائق المنهجية، تحدث حوريف. وافق على مقابلة مطولة مع الصحيفة. لأول مرة، خرج الرجل من الظل ليدافع عن عمله. ولأول مرة، سمع الإسرائيليون والعالم المنطق الحقيقي وراء إخفاء تاريخ النكبة.

كان حوريف في الثمانينيات من عمره عندما تحدث. رجل عجوز، ذو شعر أبيض ونظارات سميكة، يتحدث بهدوء وثقة رجل قضى حياته يقرر ما يجب أن يعرفه الإسرائيليون عن تاريخهم وما لا يجب أن يعرفوه.

قال حوريف للصحيفة إنه بدأ المشروع في أوائل الألفية الجديدة. كان يشعر بالقلق من أن الوثائق التاريخية "الحساسة" أصبحت متاحة بسهولة للباحثين. في نظره، هذه الوثائق تشكل خطراً أمنياً. ليس لأنها تتعلق بأسرار عسكرية أو تكنولوجية، بل لأنها تتحدث عن النكبة.

لماذا تشكل وثائق النكبة خطراً أمنياً؟ سألته الصحيفة. أجاب بصراحة نادرة:

"كشف هذه الوثائق قد يولد اضطرابات بين السكان العرب في إسرائيل" .

هذا هو المنطق: الحقيقة خطر. معرفة الفلسطينيين في إسرائيل أن دولتهم قامت على تهجير أهاليهم قد تجعلهم يثورون. لذلك، من الأمن حجب هذه الحقيقة عنهم. عنهم، وعن الباحثين، وعن العالم.

٣. المنطق الحوريفي: لماذا نخفي ما نُشر؟

لكن السؤال الأصعب الذي واجه حوريف كان: لماذا تخفون وثائق سبق أن نُشرت؟ وثائق استخدمها باحثون في كتبهم؟ وثائق ظلت متاحة لعقود ثم اختفت فجأة؟

هنا كان جواب حوريف أكثر إثارة للجدل، وأكثر كشفاً للعقلية التي تدير هذه العملية. قال:

"الهدف هو تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين. حكم على ادعاء باحث مدعوم بوثيقة ليس كالحكم على ادعاء لا يمكن إثباته أو تفنيده" .

تأمل هذه العبارة. حوريف يقول بصراحة إن الهدف ليس فقط منع نشر وثائق جديدة، بل تقويض مصداقية الدراسات التي نُشرت بالفعل. كيف؟ بإخفاء الوثائق التي استندت إليها تلك الدراسات.

إذا عاد باحث بعد عشرين عاماً ليبحث عن وثيقة استخدمها في كتابه، فلم يجدها، ماذا سيحدث؟ سيبدأ القراء في الشك. ربما كان الكتاب يعتمد على وثائق غير موجودة؟ ربما اختلق الباحث اقتباساته؟ ربما الرواية الفلسطينية مبنية على أكاذيب؟

هذا هو المنطق الحوريفي: اجعل الناس يشكون في كل شيء. اجعلهم يعتقدون أنه لا توجد حقائق، فقط روايات. وعندما يشك الجميع في كل شيء، تنتصر الرواية الأقوى، رواية الدولة، رواية المنتصر.

حوريف يعرف أن الفلسطينيين لديهم ذاكرة شفوية قوية. لكن الذاكرة الشفوية وحدها لا تكفي في المحاكم الدولية. الذاكرة الشفوية يمكن اتهامها بالمبالغة، بالتحيز، بالعاطفة. الوثائق هي الدليل المادي الذي لا يقبل الجدل. بدون وثائق، تبقى القضية الفلسطينية في إطار "الروايات المتضاربة".

لذلك، يجب إخفاء الوثائق. ليس فقط الوثائق الجديدة، بل القديمة أيضاً. ليس فقط الوثائق السرية، بل المنشورة أيضاً. ليس فقط الوثائق الحساسة، بل كل ما يمكن أن يدعم الرواية الفلسطينية.

٤. كيف تعمل الآلة: عملية "تنظيف" الأرشيفات

عملية إخفاء الوثائق لم تكن عشوائية. كانت منظمة، ممنهجة، بخطة واضحة وتنفيذ دقيق.

فريق من "مالاب" يجوب الأرشيفات الإسرائيلية. ليس مرة واحدة، بل باستمرار. يفتشون في الملفات. ينتقون الوثائق "الحساسة". يأخذونها. يضعونها في خزائن حديدية في مكان سري. في بعض الحالات، يستبدلونها بورق أبيض في الملف الأصلي. في حالات أخرى، يتركون الملف ناقصاً دون إشارة إلى ما نُزع .

مديرو الأرشيفات، حتى الخاصة منها، تلقوا تعليمات. في بعض الحالات، تم تهديدهم. قال حوريف للصحيفة إنه عندما بدأ المشروع، "كانت بعض الأرشيفات مثل السوق المفتوحة. أي باحث يمكنه الدخول وأخذ أي شيء. كان يجب فرض النظام" .

ما يعني "فرض النظام" في لغة حوريف؟ يعني تحديد ما يمكن للباحثين رؤيته وما لا يمكن. يعني تحويل الأرشيفات من مؤسسات علمية مفتوحة إلى مخازن خاضعة للرقابة الأمنية. يعني جعل القرار النهائي بيد رجال الأمن، لا بيد المؤرخين.

العملية بدأت في أوائل الألفية، واستمرت لعقدين على الأقل. لا أحد يعرف عدد الوثائق التي أُخفيت. آلاف مؤكدة. ربما عشرات الآلاف. لكن الحجم الدقيق يبقى سراً، مثل كل شيء يتعلق بهذه الوحدة.

٥. قصة تامار نوفيك: الباحثة التي فقدت وثيقتها

واحدة من أكثر الحكايا كشفاً عن عمل "مالاب" هي قصة المؤرخة تامار نوفيك.

في عام ٢٠١٥، كانت نوفيك تبحث في أرشيف "يد يعاري" في كيبوتس غفعات حبيبة. هذا الأرشيف خاص بحزب "مابام" اليساري، ويحتوي على وثائق تاريخية مهمة عن فترة النكبة.

عثرت نوفيك على وثيقة مذهلة في ملف يوسف فاشيتز، من القسم العربي في الحزب. الوثيقة كانت تصف ما حدث في قرية الصفصاف خلال عملية حيرام. تقول الوثيقة:

"الصفصاف: ٥٢ رجلاً أمسكوا بهم، ربطوهم ببعض، حفروا حفرة وأطلقوا عليهم النار. ١٠ كانوا لا يزالون يرتعشون. جاءت النساء، توسلن للرحمة. عثر على جثث ٦ رجال مسنين. كان هناك ٦١ جثة. ٣ حالات اغتصاب، واحدة شرق صفد، فتاة ١٤ سنة، ٤ رجال أطلق عليهم النار وقتلوا. من أحدهم قطعوا أصابعه بسكين ليأخذوا الخاتم" .

نوفيك كانت مصدومة. هذه وثيقة مهمة جداً، تدعم روايات المجازر التي تحدث عنها الناجون. قررت استشارة مؤرخين آخرين. تحدثت مع بيني موريس، المؤرخ الإسرائيلي الشهير. قال لها موريس إنه يعرف وثيقة مشابهة، استخدمها في كتابه الشهير "ميلاد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين". كانت تلك الوثيقة عبارة عن ملاحظات كتبها أهارون كوهين، عضو اللجنة المركزية لحزب مابام، عن إفادة قدمها يسرائيل جاليلي، رئيس أركان الهاغاناه السابق، في نوفمبر ١٩٤٨. ما نشرته موريس في كتابه كان:

"الصفصاف ٥٢ رجلاً ربطوا بحبل. ألقوا في حفرة وأطلق عليهم النار. قُتل ١٠. النساء توسلن للرحمة. [كانت] ٣ حالات اغتصاب. فتاة ١٤ سنة اغتصبت. قُتل ٤ آخرون. خواتم قطعت بالسكاكين" .

عندما عادت نوفيك لتبحث عن وثيقة أهارون كوهين، فوجئت بأنها اختفت. سألت المسؤولين عن الأرشيف. قالوا لها إن الوثيقة نُقلت إلى خزائن مغلقة، بأمر من وزارة الدفاع .

نوفيك لم تستسلم. بحثت في أماكن أخرى. استشارت باحثين آخرين. في النهاية، وبمساعدة صحيفة "هآرتس"، تمكنت من العثور على نسخة من مذكرة أهارون كوهين. كانت لا تزال موجودة، لكن ليس في المكان المتوقع.

هذه القصة نموذج مصغر لما تفعله "مالاب". وثائق مهمة عن مجازر ١٩٤٨ تختفي من الأرشيفات. باحثون يعودون لمراجعة وثائق استخدموها سابقاً فلا يجدونها. المعرفة التاريخية تصبح هشة، غير مؤكدة، قابلة للشك.

٦. قصة بيني موريس: المؤرخ الذي حوصر بأدلته

بيني موريس هو أشهر المؤرخين الإسرائيليين الذين كتبوا عن النكبة. كتبه تعتبر مراجع أساسية في الموضوع. ورغم أنه صهيوني ويبرر التطهير العرقي أحياناً، إلا أنه كان دقيقاً في توثيقه، معتمداً على وثائق أصلية من الأرشيفات الإسرائيلية.

في عام ٢٠١٨، كان موريس يعد مجموعة مقالات لكتاب جديد بالعبرية بعنوان "من دير ياسين إلى كامب ديفيد". احتاج إلى الرجوع إلى وثائق عن مجزرة دير ياسين كان قد استخدمها سابقاً. هذه الوثائق كانت متاحة للباحثين في بداية الألفية، وقد اقتبس منها موريس في مقال بالإنجليزية نشره عام ٢٠٠٥ في مجلة "تاريخ إسرائيل" بجامعة تل أبيب.

لكن عندما تقدم موريس بطلب للاطلاع على هذه الوثائق مرة أخرى، قوبل بالرفض. مسؤولو الأرشيف قالوا له ببساطة: "الوثائق مغلقة الآن" .

موريس فوجئ. كيف تغلق وثائق كانت مفتوحة؟ طلب تفسيراً. لم يحصل على تفسير مقنع. فقط علم أن الأمر صادر عن "مالاب".

الوثائق التي مُنع منها موريس لم تكن فقط من عام ١٩٤٨. بعضها كان من عام ١٩٧١. هذه الوثائق تتعلق بنقاشات سرية بين مسؤولين سابقين في الهاغاناه والجيش الإسرائيلي وبين مسؤولين في وزارة الخارجية، حول ما حدث في دير ياسين. سبب النقاشات كان كتيباً نشرته دائرة الإعلام في وزارة الخارجية عام ١٩٦٩، بإشراف أبا إيبان.

الكتيب زعم أنه "لا توجد مجزرة في دير ياسين، والقصة مجرد خيال عربي، جزء من مجموعة أساطير". المفارقة أن كاتب الكتيب كان يعقوب موريس، والد بيني موريس نفسه! .

نشر الكتيب أثار غضب قدامى المحاربين في الحركة العمالية، الذين كانوا قادة في الميليشيات الصهيونية والجيش الإسرائيلي عام ١٩٤٨. اشتكوا للخارجية. في عام ١٩٧١، أرسل شاؤول أفيغدور، مسؤول هجرة سابق في الهاغاناه، شكوى إلى جدعون رافائيل، المدير العام لوزارة الخارجية. أرفق أفيغدور رأياً من يهودا سلوتسكي، مؤلف الكتاب الرسمي لتاريخ الهاغاناه، يؤكد فيه أن مجزرة وقعت فعلاً في دير ياسين .

كما كتب يتسحاق ليفي، الذي كان رئيس الاستخبارات في القدس عام ١٩٤٨ وأصبح لاحقاً نائب مدير عام مكتب رئيس الوزراء، إلى مناحيم بيغين (قائد الأرغون ورئيس الوزراء لاحقاً) في نفس العام. بيغين كان ينكر المجزرة. ليفي كتب أنه حقق في القصة في حينها، ووجد أن دير ياسين كانت قرية هادئة، لم تشارك في معارك ١٩٤٨، وأن مجزرة ارتُكبت فيها بالفعل على يد الأرغون وشتيرن .

كما اشتكى يسرائيل جاليلي، من قادة الهاغاناه عام ١٩٤٨ وكان آنذاك وزيراً كبيراً في الحكومة الإسرائيلية، مباشرة إلى إيبان. في النهاية، رد إيبان بأن مكتبه سحب الكتيب من التداول .

هذه المراسلات من عام ١٩٧١ كانت متاحة للباحثين في ٢٠٠٣٢٠٠٤. لكن بأمر من "مالاب"، أغلقت. ولذلك، في ٢٠١٨، مُنع بيني موريس من الاطلاع عليها. كما أغلقت معظم المواد "المدانة" من أبريل ١٩٤٨، التي كتبها ضباط الاستخبارات .

كتب موريس بسخرية عن هذه العملية، واصفاً إياها بـ"مديرية مراجعة التاريخ" في وزارة الدفاع. لكن سخريته لم تخفِ مرارته. المؤرخ الذي قضى حياته يجمع الوثائق، أصبح الآن ممنوعاً من رؤيتها.

٧. تقرير ليفي عن دير ياسين: ما قاله رئيس الاستخبارات

الوثائق التي أغلقها "مالاب" تحتوي على تفاصيل مروعة عن مجزرة دير ياسين. يتسحاق ليفي، رئيس الاستخبارات في القدس عام ١٩٤٨، كتب في تقريره:

"احتلال القرية تم بقسوة شديدة. عائلات كاملة، نساء، شيوخ وأطفال صغار قتلوا... بعض الأسرى أخذوا إلى مراكز اعتقال، بما في ذلك نساء وأطفال، وقتلوا بوحشية على يد آسريهم" .

وفي اليوم التالي، أضاف ليفي تقريراً آخر بناءً على شهادات من مقاتلي شتيرن أنفسهم:

"مقاتلو شتيرن اغتصبوا عدداً من النساء وقتلوهم لاحقاً" .

هذه ليست رواية فلسطينية. هذا تقرير استخباراتي إسرائيلي، كتبه رئيس الاستخبارات في القدس، يوثق اغتصاب وقتل في دير ياسين. نفس القرية التي زعم الكتيب الرسمي الإسرائيلي أنها لم تشهد مجزرة.

هذه الوثائق، لو بقيت متاحة، لكانت كافية لدحض الرواية الإسرائيلية الرسمية إلى الأبد. لذلك، أغلقت. لذلك، اختفت. لذلك، مُنع المؤرخون من رؤيتها.

٨. التوثيق الأهم: وثيقة "هجرة عرب فلسطين"

من بين الوثائق الأكثر أهمية التي حاولت "مالاب" إخفاءها، كانت وثيقة كتبها ضابط في "شاي" (جهاز الاستخبارات الميدانية، precursor للشاباك) في نهاية يونيو ١٩٤٨. عنوانها: "هجرة عرب فلسطين" .

هذه الوثيقة المكونة من ٢٥ صفحة هي واحدة من أهم الوثائق في تاريخ النكبة. لأنها تحلل، بشكل منهجي وموثق، أسباب هجرة الفلسطينيين. وهي تكتب من منظور إسرائيلي، للاستخدام الداخلي، ليس للدعاية.

تبدأ الوثيقة بمقدمة غير خجولة في تأييد إخلاء القرى العربية. يقول المؤلف إن شهر أبريل "تميز بزيادة في الهجرة"، بينما مايو "تبارك بإخلاء أقصى عدد من الأماكن" .

ثم تنتقل الوثيقة إلى "أسباب الهجرة العربية". وهنا المفاجأة: الترتيب.

السبب الأول: "أعمال عدائية يهودية مباشرة ضد أماكن الاستيطان العربية".
السبب الثاني: تأثير هذه الأعمال على القرى المجاورة.
السبب الثالث: "عمليات المنشقين" (الأرغون وشتيرن).
السبب الرابع: أوامر صادرة عن المؤسسات العربية و"العصابات" (هكذا تسمي الوثيقة كل الجماعات العربية المقاتلة).
السبب الخامس: "عمليات همس يهودية" لحث السكان العرب على الفرار.
السبب السادس: "إنذارات بالإخلاء" .

ثم تأتي العبارة الحاسمة: "بدون شك، العمليات العدائية كانت السبب الرئيسي لحركة السكان" .

الوثيقة تحلل بالتفصيل أسباب الهجرة من كل قرية عربية على حدة. على سبيل المثال:

· عين الزيتون: "تدميرنا للقرية"
· قيطية: "مضايقات، تهديد بعمل"
· المنية: "عملنا، قتل كثيرون"
· الطيرة: "نصيحة ودية يهودية"
· العمامر: "بعد سرقة وقتل من قبل المنشقين"
· سمسم: "إنذارنا"
· بئر سالم: "هجوم على دار الأيتام"
· زرنوقة: "احتلال وطرد" .

هذه الوثيقة كانت أساساً لمقال نشره بيني موريس عام ١٩٨٦. بعد نشر المقال، اختفت الوثيقة من الأرشيف. ظلت مخفية لسنوات. ثم أعاد فريق "مالاب" فحصها، وأمر بإبقائها سرية .

لكن المفاجأة أن باحثين من معهد "عكيفوت" عثروا على نسخة من الوثيقة لاحقاً، وعرضوها على الرقباء العسكريين، الذين وافقوا على نشرها دون قيود. هكذا، بعد سنوات من الإخفاء، أصبحت هذه الوثيقة متاحة مرة أخرى .

هذا يظهر أن معركة الذاكرة لم تُحسم بعد. كلما أخفت "مالاب" وثيقة، تظهر نسخة منها في مكان آخر. كلما أغلقت أرشيفاً، يفتح أرشيف بديل.

٩. مقابلات القادة: ما حُذف منها

لم تكتف "مالاب" بإخفاء الوثائق المكتوبة. امتد عملها إلى التسجيلات الشفهية أيضاً.

في أوائل الألفية، أجرى مركز يتسحاق رابين سلسلة مقابلات مع شخصيات عسكرية وسياسية سابقة، كجزء من مشروع لتوثيق نشاطهم في خدمة الدولة. يد "مالاب" الطويلة وصلت إلى هذه المقابلات أيضاً.

صحيفة "هآرتس" حصلت على النصوص الأصلية لبعض هذه المقابلات، وقارنتها بالنسخ المتاحة للجمهور بعد أن أعلن جزء كبير منها "سرياً". الفروق صادمة.

على سبيل المثال، مقابلة مع العميد (احتياط) أريه شاليف. في النسخة المتاحة للجمهور، حُذفت أجزاء كبيرة يتحدث فيها شاليف عن طرد سكان قرية أطلق عليها اسم "صبرا". يقول النص المحذوف:

"كانت هناك مشكلة خطيرة جداً في الوادي. كان هناك لاجئون أرادوا العودة إلى الوادي، إلى المثلث. طردناهم. قابلتهم لأقنعهم بعدم الرغبة في ذلك. لدي أوراق عن هذا" .

في مقابلة أخرى أجراها المؤرخ بوعاز ليف طوف مع لواء، حذفت أجزاء تتحدث عن قتل مدنيين وتفجير قرى .

هذه المقابلات كانت مع أشخاص ما زالوا على قيد الحياة عندما أجريت. أصواتهم مسجلة. شهاداتهم موثقة. لكن "مالاب" قررت أن هذه الشهادات لا يجب أن تصل إلى الجمهور.

١٠. اجتماع حزب مابام: "أعمال نازية"

واحدة من الوثائق التي تمكنت "هآرتس" من العثور عليها هي مذكرة أهارون كوهين، التي تقدم ملخصاً لاجتماع اللجنة السياسية لحزب مابام حول موضوع المجازر وعمليات الطرد في ١٩٤٨. هذه المذكرة هي التي اختفت من أرشيف "يد يعاري" وبحثت عنها تامار نوفيك.

المذكرة تتحدث عن مناقشات في الحزب حول "أعمال خطيرة" ارتُكبت في قرية الدوايمة شرق كريات جات. أحد المشاركين أشار إلى تورط عصابة "لحي" المنحلة في هذه الأعمال. كما وردت تقارير عن أعمال نهب واسعة: "اللد والرملة، بئر السبع، لا يوجد متجر [عربي] لم يُقتحم. لواء ٩ يقول ٧، لواء ٧ يقول ٨" .

لكن الجزء الأكثر إدانة في الوثيقة هو العبارة الأخيرة:

"ما حدث في الجليل – هذه أعمال نازية! كل عضو في حزبنا يجب أن يبلغ بما يعرفه" .

"أعمال نازية"! هذا ما قاله أعضاء الكنيست الإسرائيليون عن جرائم جيشهم في عام ١٩٤٨. نفس التعبير استخدمه يوسف نحماني بعد زيارته للصفصاف. اليساريون الصهاينة أنفسهم رأوا ما فعله جيشهم بعيونهم، وشبهوه بالنازية.

لكن ماذا فعلوا بعد ذلك؟ استمروا في مناقشاتهم. قرروا تشكيل لجنة تحقيق. ثم مرت السنوات، ونسي الجميع. والوثائق نفسها اختفت.

١١. المنطق الحوريفي: "ليس كل شيء أبيض وأسود"

في مقابلته مع "هآرتس"، حاول حوريف تبرير عمله بطريقة تبدو "معقولة". قال:

"السؤال هو ما إذا كان يمكن أن يسبب ضرراً أم لا. إنها مسألة حساسة جداً. لم يُنشر كل شيء عن قضية اللاجئين، وهناك كل أنواع الروايات. البعض يقول لم يكن هناك فرار على الإطلاق، فقط طرد. آخرون يقولون كان هناك فرار. إنها ليست أبيض وأسود" .

هذا هو المنطق الذي يبرر إخفاء الحقيقة. عندما يكون هناك روايتان متناقضتان، لماذا ننشر وثائق تدعم إحداهما؟ الأفضل إخفاء الكل، وترك الساحة فارغة للصراع.

حوريف يتحدث عن "الضرر". الضرر لمن؟ لإسرائيل طبعاً. ليس للفلسطينيين الذين قتلوا وشردوا. ليس للحقيقة التي تبحث عن ظهور. الضرر الذي يقلقه هو ضرر صورة إسرائيل، ضرر سمعتها، ضرر شرعيتها.

لكن ما لا يقوله حوريف هو أن إخفاء الوثائق هو بحد ذاته اعتراف. لو كانت الوثائق تبرئ إسرائيل، لما كان هناك سبب لإخفائها. لو كانت المجازر أكاذيب، لكان من السهل نشر الوثائق وتفنيد الروايات الفلسطينية. لكن إسرائيل تخفي، لأن ما في الوثائق يدينها.

١٢. السخرية الكبرى: بني موريس ومراجعة التاريخ

من السخرية أن بيني موريس، المؤرخ الذي كشف الكثير من جرائم ١٩٤٨، هو نفسه صهيوني متحمس. في مقابلة مع "هآرتس" عام ٢٠٠٤، قال موريس العبارة الشهيرة:

"إسرائيل ما كانت لتقوم دون اقتلاع ٧٠٠ ألف فلسطيني. لذلك كان من الضروري اقتلاعهم. لم يكن هناك خيار سوى طرد هؤلاء السكان" .

موريس لا يندم على النكبة. لا يعتذر عنها. يعتبرها ضرورة تاريخية قاسية. لكنه مع ذلك يصر على توثيقها بدقة. يريد أن يعرف العالم الحقيقة، حتى لو كان يعتقد أن هذه الحقيقة كانت ضرورية.

هذا التناقض يجعل قضيته مع "مالاب" أكثر إثارة. الرجل الذي يبرر الجريمة، مع ذلك يمنع من الوصول إلى أدلتها. الرجل الذي يعتبر التطهير العرقي "ضرورة"، لا يسمح له برؤية وثائق هذه الضرورة.

في مقاله عن "مالاب"، كتب موريس بسخرية لاذعة عن "حماقة" إخفاء هذه المواد. قال إن القصة كلها رويت ونشرت منذ ١٩٨٨ في كتب كثيفة بالعبرية والإنجليزية، من قلمه ومن أقلام آخرين. لكنه يقر بالمنطق وراء العملية: رؤساء "مالاب" يأملون أن عدم إتاحة المواد الإسرائيلية سيثير الشكوك حول عمل الباحثين، حول استنتاجاتهم، حول مصداقيتهم نفسها، في عيون من يقرأ كتبهم ومقالاتهم .

هذا هو الهدف النهائي: جعل الناس يشكون في كل شيء. إذا شك الجميع، لا يصدق أحد. وإذا لم يصدق أحد، تبقى الرواية الرسمية وحدها في الساحة.

١٣. الميزانية السرية والصلاحيات المطلقة

ما هي "مالاب" تحديداً؟ من يمولها؟ من يديرها؟ ما حجمها؟ هذه أسئلة لا توجد إجابات رسمية عليها.

"مالاب" هي اختصار لـ"رئيس أمن المؤسسة الدفاعية". هي وحدة في وزارة الدفاع، لكن ميزانيتها سرية، وصلاحياتها غير محددة قانونياً، وعملها غير خاضع للرقابة العامة.

بحسب تقرير معهد "عكيفوت"، فإن "مالاب" تقوم بإزالة وثائق تاريخية بشكل غير قانوني ودون سلطة، وفي بعض الحالات تغلق وثائق سبق أن سمح الرقيب العسكري بنشرها .

مديرو الأرشيفات الذين تحدثوا إلى "هآرتس" وصفوا كيف تعامل موظفو "مالاب" مع الأرشيفات وكأنها ملكهم الخاص. في بعض الحالات، هددوا المديرين أنفسهم. لا أحد يستطيع مقاومتهم، لأنهم يمثلون "الأمن القومي". ومن يعترض يصبح متهماً بخيانة الدولة.

هذا الوضع يخلق واقعاً غريباً: مؤسسة سرية، غير منتخبة، غير خاضعة للمساءلة، تقرر ما يمكن للباحثين الإسرائيليين معرفته عن تاريخ بلادهم. هي التي تحدد أي وثيقة "تسبب ضرراً" وأيها لا تسبب. هي التي تقرر أي جزء من الماضي يمكن رؤيته وأي جزء يجب أن يبقى في الظلام.

١٤. لماذا الآن؟ توقيت الحملة

سؤال يطرح نفسه: لماذا بدأت حملة إخفاء الوثائق في أوائل الألفية، واستمرت بقوة حتى اليوم؟

الجواب يتعلق بصعود "المؤرخين الجدد" في الثمانينات والتسعينات. بيني موريس، إيلان بابيه، أفي شلايم، وغيرهم، نشروا كتباً اعتمدت على وثائق إسرائيلية وكشفت حقائق النكبة. هذه الكتب ترجمت إلى لغات عديدة، وقرأها ملايين الناس حول العالم. الرواية الإسرائيلية الرسمية بدأت تتآكل.

في نفس الوقت، ازداد الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية. حركة المقاطعة (BDS) بدأت تكتسب زخماً. الشباب في الجامعات الغربية بدأوا يسألون أسئلة محرجة. الضغط على إسرائيل ازداد.

كان لابد من رد. لكن الرد لم يكن بتحسين الصورة، بل بإخفاء الأدلة. إذا كانت الوثائق هي التي تغذي هذه الكتب، فلنخفِ الوثائق. إذا كانت المصادر الأولية هي التي تعطي المصداقية للباحثين، فلنجعل هذه المصادر غير متاحة.

هكذا بدأت حملة "مالاب". ليس لحماية أسرار عسكرية حقيقية، بل لحماية الرواية الرسمية من التفنيد.

١٥. التأثير: ماذا يعني إخفاء الوثائق؟

ماذا يعني إخفاء الوثائق بالنسبة للمعرفة التاريخية؟

أولاً: يجعل البحث صعباً. المؤرخون يحتاجون إلى وثائق أصلية ليكتبوا تاريخاً موثوقاً. بدون وثائق، يعودون إلى الروايات الشفوية، أو إلى وثائق ثانوية، أو إلى التكرار.

ثانياً: يخلق شكاً حول الأبحاث السابقة. عندما تختفي وثائق استخدمها باحثون، يبدأ القراء بالتساؤل: هل كانت تلك الوثائق موجودة أصلاً؟ هل كان الباحث دقيقاً في اقتباساته؟ هذا هو هدف حوريف المعلن.

ثالثاً: يطيل أمد الصراع. عندما لا تعترف إسرائيل بجرائم التأسيس، وعندما تخفي أدلة هذه الجرائم، يصبح المصالحة مستحيلة. الفلسطينيون يعرفون ما حدث، لكن بدون اعتراف إسرائيلي، يبقى الجرح مفتوحاً.

رابعاً: يعطي ذريعة لمن ينكرون النكبة. هناك من يقول إن النكبة "أسطورة" فلسطينية، وإن الفلسطينيين غادروا طواعية. إخفاء الوثائق يخدم هؤلاء، لأنهم يستطيعون القول: "لا توجد أدلة مادية على المجازر".

١٦. المقاومة: معهد عكيفوت وغيره

لكن عملية الإخفاء لم تمر دون مقاومة. في إسرائيل نفسها، هناك باحثون ومؤسسات يكافحون لكشف الحقيقة.

أهم هذه المؤسسات هو "معهد عكيفوت لدراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني". هذا المعهد، الذي أسسه باحثون إسرائيليون مستقلون، متخصص في كشف الوثائق المخفية ومقاومة الرقابة. هم من اكتشفوا عملية "مالاب" أولاً. هم من نشروا التقارير التي فضحت إخفاء الوثائق. هم من يساعدون الباحثين في العثور على نسخ بديلة من الوثائق المحجوبة.

في حالة وثيقة "هجرة عرب فلسطين"، كان باحثو عكيفوت هم من عثروا على نسخة منها وعرضوها على الرقباء العسكريين، الذين وافقوا على نشرها. هكذا، بعد سنوات من الإخفاء، عادت الوثيقة إلى النور.

هذه معركة مستمرة. كلما أخفت "مالاب" وثيقة، يحاول عكيفوت وغيره إيجاد نسخة منها. كلما أغلقت وزارة الدفاع أرشيفاً، يبحث الباحثون في أرشيفات خاصة. المعركة طويلة، لكنها ليست ميؤوساً منها.

١٧. التوازي مع جرائم اليوم: من إخفاء الماضي إلى تبرير الحاضر

ما تفعله "مالاب" ليس مجرد عملية أرشيفية. له علاقة مباشرة بالحاضر.

عندما تخفي إسرائيل أدلة مجازر ١٩٤٨، فإنها تمهد الطريق لارتكاب مجازر جديدة في ٢٠٢٤. لأن الإفلات من العقاب يولد المزيد من الجرائم. عندما يرى الجيش الإسرائيلي أن جرائم التأسيس لم تُحاسب، بل أخفيت، يستنتج أنه يمكنه فعل أي شيء اليوم دون خوف.

في غزة اليوم، تُرتكب مجازر يومية. القادة الإسرائيليون يتفاخرون بها على شاشات التلفزيون. ولا أحد يخاف من محاكمة مستقبلية. لأن الجميع يعرف أن الأدلة ستختفي، والوثائق ستُخفى، والذاكرة ستمحى.

ما تفعله "مالاب" هو جزء من نفس المنظومة. منظومة تبدأ بالجريمة، ثم توثيقها، ثم إخفاء التوثيق، ثم إنكار الجريمة. وهكذا تستمر الدورة.

١٨. الخلاصة: محاربة الذاكرة

يهئيل حوريف قضى عشرين عاماً من حياته في محاربة الذاكرة. جمع الوثائق، أخفاها، خزّنها في أقبية مظلمة، على أمل أن ينساها العالم. كان يعتقد أنه يحمي إسرائيل. كان يعتقد أنه يؤدي واجباً وطنياً.

لكن محاربة الذاكرة أصعب من محاربة الجيوش. الذاكرة الفلسطينية لا تحتاج إلى وثائق. هي في صدور الناس، تنتقل من جيل إلى جيل. هي في أسماء المخيمات التي تحمل أسماء القرى المدمرة. هي في مفاتيح البيوت القديمة، التي ما زالت تعلق على الجدران.

حوريف لم يفهم هذا. ظن أن إخفاء الورق يعني إخفاء الحقيقة. لكن الحقيقة أكبر من الورق. الحقيقة تعيش في الندوب، في الأغاني، في الحكايات، في الدموع.

وثائق النكبة قد تختفي من الأرشيفات. لكن النكبة نفسها لا تختفي. هي حاضرة كل يوم. في وجوه اللاجئين. في مخيمات الشتات. في صمود غزة. في مقاومة الضفة. في عيون الأطفال الذين يحلمون بالعودة.

هذا هو انتصار الفلسطيني: أن ذاكرته لا تعتمد على أوراق يمكن إخفاؤها. ذاكرته تعتمد على جرح لا يندمل. وهذا الجرح هو الذي سيبقى شاهداً على الجريمة، حتى بعد أن تتعفن كل وثائق "مالاب" في خزائنها الحديدية.


…….

الفصل السابع: الوثيقة الأكثر فظاعة - ٧٠% بسبب العمليات اليهودية

١. مقدمة: اعتراف من الداخل

في عالم التوثيق التاريخي، هناك وثائق عادية، وأخرى مهمة، وقلة قليلة استثنائية. ثم هناك وثائق نادرة، فريدة، يمكن وصفها بكلمة واحدة: فظيعة. فظيعة ليس لأنها تصف جريمة، بل لأنها تصف الجريمة من فم مرتكبها. فظيعة ليس لأنها تكشف سراً، بل لأنها تكشف أن السر كان مكشوفاً لمن أراد رؤيته. فظيعة ليس لأنها تدين، بل لأنها تدين ذاتياً، بلا مواربة، بلا دفاع، بلا تبرير.

هذه هي الوثيقة التي سنتحدث عنها في هذا الفصل. وثيقة صيف ١٩٤٨، التي كتبتها المخابرات الإسرائيلية (الشاي) لاستخدامها الداخلي، والتي تقول ببساطة مربكة: سبعون بالمئة من الفلسطينيين غادروا بسبب العمليات العسكرية اليهودية المباشرة.

سبعون بالمئة. رقم صريح، قاطع، لا يحتمل التأويل. ليس "بعضهم"، ليس "الكثير"، بل سبعون بالمئة. أكثر من ثلثي اللاجئين. وفي تقديرات أخرى، ترتفع النسبة إلى ثمانين بل وتسعين بالمئة إذا أضيفت العمليات غير المباشرة.

هذه الوثيقة هي القنبلة التي حاولت إسرائيل إخفاءها طوال عقود. هي الدليل المادي الذي يفضح الرواية الرسمية. هي الاعتراف الذي لا يمكن إنكاره. وفي هذا الفصل، سنحلل هذه الوثيقة سطراً سطراً، كلمة كلمة، حرفاً حرفاً. سنرى كيف كتبها ضابط مخابرات إسرائيلي في يونيو ١٩٤٨، وكيف ظلت مخبأة، وكيف عادت لتظهر من جديد، وكيف تحولت إلى سلاح في معركة الرواية.

٢. اكتشاف الوثيقة: قصة عودة من الموت

للوثيقة قصة اكتشاف مثيرة، تشبه قصة وثائق كوتسير. لكن هذه المرة، البطل ليس صندوقاً في قمامة، بل باحثاً في أرشيف.

في عام ١٩٨٥، كان المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس يبحث في أوراق أهارون كوهين، أحد قادة حزب "مابام" اليساري. كوهين كان مسؤولاً عن "الملف العربي" في الحزب، وجمع خلال حياته آلاف الوثائق عن الصراع. بعد وفاته، تبرعت عائلته بأوراقه إلى أرشيف "يد يعاري" في كيبوتس غفعات حبيبة .

بين هذه الأوراق، عثر موريس على وثيقة مذهلة. كانت عبارة عن تقرير مطبوع على استنسل، من ٢٤ صفحة، يحمل عنواناً بسيطاً: "هجرة عرب فلسطين في الفترة ١ ديسمبر ١٩٤٧ - ١ يونيو ١٩٤٨". وكان موقعاً من "خدمة المعلومات" (الشاي)، جهاز المخابرات الميدانية الذي سبق الشاباك والموساد .

الوثيقة كانت مؤرخة في ٣٠ يونيو ١٩٤٨. أي بعد أقل من شهرين من إعلان قيام إسرائيل، وفي خضم الحرب الأولى. كانت مكتوبة للاستخدام الداخلي البحت، ليس للنشر، ليس للدعاية، بل لتحليل ما يجري على الأرض.

أدرك موريس فوراً قيمة ما بين يديه. كانت هذه أول وثيقة رسمية إسرائيلية تحلل أسباب النكحة بشكل منهجي، وتعترف بأن الطرد كان العامل الرئيسي. نشر موريس مقالاً عن الوثيقة في مجلة "Middle Eastern Studies" في يناير ١٩٨٦ . ومنذ ذلك الحين، أصبحت الوثيقة مرجعاً أساسياً لكل من يدرس النكبة.

لكن القصة لم تنته هنا. بعد نشر مقال موريس، اختفت الوثيقة من الأرشيف. نُقلت إلى خزائن مغلقة بأمر من وزارة الدفاع. الباحثون الذين حاولوا العودة إليها لم يجدوها. وظلت الوثيقة في عداد المفقودين لسنوات .

في عام ٢٠١٥، بدأ باحثو معهد "عكيفوت" بالبحث عنها. بعد جهد كبير، عثروا على نسخة منها في مكان آخر. وعرضوها على الرقباء العسكريين، الذين وافقوا على نشرها دون قيود. هكذا، بعد ثلاثين عاماً من اكتشافها الأول، عادت الوثيقة إلى النور مجدداً .

هذه القصة تعكس معركة الذاكرة المستمرة. كلما حاولت إسرائيل إخفاء وثيقة، تظهر من مكان آخر. كلما أغلقت أرشيفاً، يفتح أرشيف بديل. الحقيقة كالماء: تجد طريقها دوماً إلى السطح.

٣. شكل الوثيقة ومحتواها العام

الوثيقة تتكون من جزأين رئيسيين: نص من تسع صفحات، وملحق من خمس عشرة صفحة .

النص يحلل الأرقام العامة: عدد اللاجئين، مراحل النزوح، أسبابه، وجهات السكان، ومشكلة استيعابهم في المناطق المضيفة. اللغة عسكرية جافة، لكن التحليل دقيق وشامل.

الملحق هو الأكثر قيمة. وهو عبارة عن جدول مفصل، منطقة منطقة، قرية قرية، يسجل تاريخ النزوح، أسبابه، وعدد السكان الذين غادروا. كل قرية من مئات القرى الفلسطينية لها سطر خاص بها، وتحت كل سطر حكاية مأساة .

الوثيقة تبدأ بتقدير عدد السكان العرب في المناطق التي خصصتها خطة التقسيم للدولة اليهودية عشية ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧. العدد: ٣٤٢ ألفاً، موزعين على ٢١٩ قرية وأربع بلدات مختلطة. وبحلول ١ يونيو ١٩٤٨، أي بعد ستة أشهر فقط، كانت ١٨٠ من هذه القرى قد أخليت بالكامل أو جزئياً، وغادر منها ٢٣٩ ألف عربي .

بالإضافة إلى ذلك، غادر ١٥٢ ألف عربي من المناطق المخصصة للدولة العربية الفلسطينية. المجموع: ٣٩١ ألف لاجئ، بزيادة أو نقصان ١٠١٥%. وبقي في منطقة الدولة اليهودية حوالي ١٠٣ آلاف عربي فقط .

هذه الأرقام، التي كتبتها المخابرات الإسرائيلية في صيف ١٩٤٨، تظهر بوضوح أن التطهير العرقي كان واسع النطاق وسريع الوتيرة. في ستة أشهر فقط، فقد ثلث مليون فلسطيني بيوتهم.

٤. أسباب النزوح: سبعة عوامل مرتبة حسب الأهمية

الجزء الأكثر أهمية في الوثيقة هو تحليلها لأسباب النزوح. كاتب التقرير (يُعتقد أنه موشيه ساسون، مساعد مدير الدائرة العربية في المخابرات، الذي أصبح لاحقاً سفيراً لإسرائيل في إيطاليا ومصر) يحدد سبعة عوامل، ويرتبها حسب الأهمية:

السبب الأول والأهم: "أعمال عدائية يهودية مباشرة ضد المستوطنات العربية" .

يكتب كاتب التقرير: "بدون شك، كانت العمليات العدائية العامل الرئيسي". ويضيف: "كل منطقة مرت بموجة نزوح كلما ازدادت وتيرة عملياتنا فيها وتوسعت" .

السبب الثاني: تأثير هذه الأعمال على القرى المجاورة.

وهذا اعتراف مهم. فالعمليات العسكرية لم تكن تطرد سكان القرى المهاجمة فقط، بل كانت تخلق موجة ذعر تمتد إلى القرى المجاورة. "إخلاء قرية معينة نتيجة هجومنا عليها جرف معها قرى مجاورة كثيرة" .

السبب الثالث: عمليات "المنشقين" (الأرغون وشتيرن) .

هذه إشارة إلى أن الجماعات اليهودية الأكثر تطرفاً كانت أكثر وحشية، وأن عملياتها ساهمت بشكل خاص في بث الرعب. مجزرة دير ياسين (التي نفذتها الأرغون وشتيرن في ٩ أبريل ١٩٤٨) تذكر بشكل خاص: "عملية دير ياسين كان لها تأثير خاص على النفسية العربية. الكثير من النزوح الفوري الذي شهدناه عندما شننا هجماتنا كان هروباً مذعوراً ناتجاً عن هذا العامل، الذي يمكن تعريفه كمحفز حاسم" .

السبب الرابع: أوامر صادرة عن المؤسسات العربية وجيش الإنقاذ .

هذا هو العامل الوحيد في القائمة الذي يمكن أن يدعم الرواية الإسرائيلية. لكن الوثيقة تحدد بدقة متى وأين حدث هذا. ففي بعض القرى، لأسباب استراتيجية، أجلت القيادات العربية السكان لتسهيل العمليات العسكرية. لكن الوثيقة تؤكد أن هذا العامل كان محدوداً ولم يكن "حاسماً" مقارنة بالعوامل الأخرى .

السبب الخامس: "عمليات همس" يهودية (حرب نفسية) .

استخدم الجيش الإسرائيلي مكبرات الصوت بالعربية لبث الرعب والدعوة إلى المغادرة. كما استخدم عملاء سريين لنشر شائعات عن مجازر قادمة. الوثيقة تقول إن هذه الوسائل أثبتت فعاليتها، خاصة عندما اقترنت بالعمليات العسكرية .

السبب السادس: إنذارات بالإخلاء .

في بعض القرى، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر طرد مباشرة. لكن الوثيقة تشير إلى أن هذه الإنذارات كانت عادة تأتي بعد أن تكون العمليات العسكرية قد "مهدت المسرح"، فكانت أشبه بدفعة أخيرة .

السبب السابع: عوامل نفسية عامة.

وهذا يشمل حالة الذعر العامة التي اجتاحت المجتمع الفلسطيني بعد سلسلة الهزائم والمجازر.

هذا الترتيب واضح وصريح. العوامل اليهودية (المباشرة وغير المباشرة) تحتل المراكز الخمسة الأولى من سبعة. العوامل العربية (أوامر الإخلاء) تأتي في المركز الرابع فقط، وبصيغة محدودة.

٥. الرقم الصادم: سبعون بالمئة

ثم تأتي العبارة الحاسمة، التي ستظل عالقة في ذاكرة كل من يقرأ هذه الوثيقة:

"حوالي ٧٠٪ من السكان غادروا مجتمعاتهم وهاجروا نتيجة لهذه الأعمال [العدائية اليهودية]" .

سبعون بالمئة. رقم لا يحتمل التأويل. ليس بعضاً، ليس غالبية، بل نسبة محددة، قابلة للقياس، مبنية على بحث ميداني وتقارير من القرى نفسها.

كاتب التقرير لا يترك مجالاً للشك. قبل أن يذكر العوامل الأخرى، يضع هذا الرقم كحقيقة أساسية. العمليات العسكرية اليهودية هي المسؤولة عن سبعة من كل عشرة لاجئين.

وفي سياق آخر من الوثيقة، ترد الصيغة: "بعض ٧٠٪ من السكان غادروا قراهم نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية اليهودية (الهاغاناه والمنشقين)" .

هذا هو الاعتراف الذي حاولت إسرائيل إخفاءه طوال هذه العقود. ليس من عدو، ولا من باحث معادٍ، بل من مخابراتها العسكرية، في تقرير سري كتب في خضم الحرب.

٦. التفنيد الممنهج للرواية الإسرائيلية

الوثيقة لا تكتفي بتقديم الأرقام، بل تفند بشكل منهجي الرواية الإسرائيلية التقليدية التي تلقى الفلسطينيون أوامر من قياداتهم بالمغادرة.

تقرأ في الوثيقة:

"قارن بالعوامل الأخرى، هذا العنصر [أوامر الجهات العربية] لم يكن له وزن حاسم" .

هذا تفنيد صريح للرواية التي روجتها إسرائيل لعقود. لقد قال القادة الصهاينة مراراً إن المفتي أمين الحسيني والقادة العرب أمروا الفلسطينيين بالمغادرة لتسهيل اجتياح الجيوش العربية. هذه الوثيقة تقول إن هذا غير صحيح. كانت هناك بعض الإخلاءات لبعض القرى لأسباب استراتيجية، لكن هذا لم يكن العامل الرئيسي ولا الحاسم.

بل أكثر من ذلك، تشير الوثيقة إلى أن القيادات العربية كانت تصدر أوامر معاكسة أحياناً. فقد التقطت المخابرات الإسرائيلية في مايو ١٩٤٨ أوامر من الملك عبد الله وجيش الإنذار وإذاعة دمشق تحث الفلسطينيين على البقاء في بيوتهم، أو العودة إذا كانوا قد غادروا .

بيني موريس يعلق على هذه النقطة في كتابه:

"إذا كانت الأوامر العربية قد صدرت في ١٠ أبريل، فلماذا انتظر سكان حيفا أسبوعين، وسكان صفد شهراً كاملاً قبل المغادرة؟ وإذا صدرت الأوامر في ٢٥ أبريل، فلماذا غادر سكان طبريا قبلها بثلاثة أيام؟" .

هذا المنطق البسيط يدحض الرواية الإسرائيلية. الأوامر لا تفسر توقيت النزوح المتفاوت من قرية إلى أخرى. لكن العمليات العسكرية تفسره تماماً: كل قرية نزح سكانها عندما هوجمت.

٧. جدول القرى: مئات المآسي في سطور

الملحق الطويل للوثيقة هو الأكثر إيلاماً. صفحة بعد صفحة، يسرد كاتب التقرير مئات القرى، وفي مقابل كل قرية كلمات قليلة تصف مصيرها.

على سبيل المثال:

· عين الزيتون: "تدمير القرية بواسطتنا" .
· قيطية: "مضايقات، تهديد بعملية" .
· فرعم: "هجومنا عليهم" .
· المنية: "عملنا، قتل كثيرون" .
· الطيرة: "نصيحة ودية يهودية" .
· بئر سالم: "هجوم على دار الأيتام" .
· زرنوقة: "احتلال وطرد" .

وبجانب بعض القرى، العبارة الأكثر رعباً: "كثيرون قتلوا" .

هذه السطور الجافة تخفي وراءها آلاف المآسي الإنسانية. كل كلمة "قتل كثيرون" تعني عشرات الجثث. كل "احتلال وطرد" تعني عائلات بأكملها على طرقات اللجوء. كل "تدمير القرية" تعني تاريخاً كاملاً يمحى من الوجود.

الملحق هو شاهد صامت على جريمة كبرى. هو دليل مادي على أن ما حدث لم يكن "حرباً" عادية، بل كان تطهيراً عرقياً ممنهجاً.

٨. دير ياسين: المحفز الحاسم

الوثيقة تولي اهتماماً خاصاً لمجزرة دير ياسين، التي وقعت في ٩ أبريل ١٩٤٨ على يد عصابتي الأرغون وشتيرن.

تقرأ في الوثيقة:

"عملية دير ياسين كان لها تأثير خاص على النفسية العربية. الكثير من النزوح الفوري الذي شهدناه عندما شننا هجماتنا كان هروباً مذعوراً ناتجاً عن هذا العامل، الذي يمكن تعريفه كمحفز حاسم" .

دير ياسين لم تكن مجرد مجزرة أخرى. كانت نقطة تحول. عندما سمع الفلسطينيون في القرى المجاورة والمدن البعيدة أن نساء وأطفالاً وشيوخاً قتلوا بوحشية، وأن جثثهم مثلت بها، وأن أياً من الناجين لم يعد ليحكي القصة كاملة، استولى الرعب على الجميع.

الوثيقة تعترف بأن المجزرة كانت "محفزاً حاسماً". وهذا اعتراف بأن الإرهاب كان سياسة واعية. ليس خطأ عسكرياً، ولا تجاوزاً فردياً، بل أداة مصممة لبث الرعب ودفع الناس للهروب.

المفارقة أن قادة الأرغون أنفسهم ساعدوا في نشر أخبار المجزرة. أرسلوا بيانات إلى الصحافة، وأعلنوا بفخر ما فعلوه. كانوا يعرفون أن الرعب سلاح، وأن هذا السلاح سيفرغ الأرض من سكانها الأصليين .

٩. منع العودة: سياسة مستمرة

الوثيقة لا تتحدث فقط عن الطرد، بل عن منع العودة أيضاً. تقرأ فيها:

"كانت هناك أيضاً حركة عودة إلى القرى التي أخليت، مما أجبرنا على الانخراط، في أكثر من مناسبة، في طرد سكان قرية معينة" .

هذا اعتراف بأن بعض الفلسطينيين حاولوا العودة إلى بيوتهم بعد أن هدأت المعارك. لم يكونوا يقبلون بفقدان كل شيء. لكن الجيش الإسرائيلي كان يطردهم مجدداً. بعض القرى هوجمت مرتين: مرة لإخلائها أولاً، ومرة لطرد العائدين.

منع العودة أصبح سياسة إسرائيلية ثابتة منذ البداية. قرار المنع صدر رسمياً في يونيو ١٩٤٨، وطبق بقسوة. الجنود كانوا يطلقون النار على كل من يقترب من القرى المدمرة. والوثيقة تؤكد أن هذه السياسة كانت معروفة ومطبقة منذ الأشهر الأولى.

١٠. التقارير اللاحقة: تأكيد الاستنتاجات

وثيقة يونيو ١٩٤٨ لم تكن الوحيدة. بعد أشهر، في أكتوبر ١٩٤٨، كتب ضابط المخابرات الإسرائيلية تقريراً آخر، قُدم إلى رئيس الحكومة دافيد بن غوريون. هذا التقرير أكد استنتاجات التقرير الأول، وأضاف تفاصيل جديدة عن العمليات في الجليل.

كما أن تقريراً آخر من ١٩٤٩، أعده مستشار بن غوريون لشؤون الأقليات، يشير إلى أن ٧٠٨٠٪ من اللاجئين غادروا بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية المباشرة. النسبة ترتفع قليلاً، لكن الجوهر واحد.

هذه التقارير المتعددة، من مصادر مختلفة، تعطي صورة متسقة: الطرد لم يكن حادثاً جانبياً، بل كان السياسة الرئيسية.

١١. شهادات القادة: تطابق مع الوثيقة

وثيقة المخابرات لا تقف وحدها. هي تتطابق تماماً مع شهادات القادة التي رأيناها في الفصول السابقة.

مردخاي ماكليف قال: "لا يمكن طرد ١١٤ ألف شخص من الجليل بدون إرهاب" . الوثيقة تقول: العمليات العسكرية هي السبب الأول.

ماكسيم كوهين قال: "كيف تُطرد قرية؟ نقطع أذن أحد العرب أمام الجميع". الوثيقة تقول: العوامل النفسية (الإرهاب) كانت فعالة جداً.

حاييم بن دافيد قال: "إذا أصر عربي على البقاء، يتلقى رصاصة". الوثيقة تسجل قرى "احتلال وطرد" وأخرى "كثيرون قتلوا".

هذا التطابق بين اعترافات القادة والوثائق الرسمية يخلق صورة لا تقبل الجدل. الصورة التي ترسمها المصادر الإسرائيلية بنفسها تؤكد رواية الفلسطينيين: لقد طردوا بقوة السلاح.

١٢. لماذا كتبت الوثيقة؟ دوافع المخابرات

سؤال يطرح نفسه: لماذا كتبت المخابرات الإسرائيلية هذا التقرير الصريح أصلاً؟ لماذا وثقت جرائمها بهذه الدقة؟

الجواب متعدد الأوجه.

أولاً، التقرير كتب للاستخدام الداخلي، ليس للنشر. كان الغرض منه تحليل الموقف على الأرض، وفهم لماذا يتحرك السكان، وتوقع التطورات المستقبلية. لم يتوقع كاتبه أن يُنشر يوماً.

ثانياً، الجيش الإسرائيلي كان يحتاج إلى معلومات دقيقة عن القرى المهجورة. أي القرى أخليت بالكامل؟ أيها بقي فيها سكان؟ كيف يمكن التعامل مع العائدين؟ هذه معلومات استخبارية ضرورية.

ثالثاً، ربما كان هناك فضول أكاديمي بحت. بعض ضباط المخابرات كانوا باحثين في الأصل. يريدون فهم الظاهرة التي كانوا جزءاً منها.

لكن مهما كانت الدوافع، النتيجة هي وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن. وثيقة تقول الحقيقة، لأن كاتبها لم يتوقع أن تُستخدم ضده يوماً.

١٣. محاولات الإخفاء: قصة وثيقة تطارد إسرائيل

بعد أن نشر بيني موريس اكتشافه في ١٩٨٦، بدأت مشاكل الوثيقة.

في البداية، كانت متاحة في أرشيف "يد يعاري". الباحثون يمكنهم الاطلاع عليها. لكن في مرحلة ما، تدخلت وزارة الدفاع. الوثيقة نُقلت إلى خزائن مغلقة. اختفت من المكان الذي كانت فيه.

ليهئيل حوريف، رئيس "مالاب"، كان وراء هذا الإخفاء. عندما سألته صحيفة "هآرتس" عن سبب إخفاء وثائق سبق أن نشرت، قال بصراحة: "الهدف هو تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين" .

أي أن إسرائيل تدرك أن وجود الوثيقة نفسها، حتى بعد نشرها، يشكل خطراً. لأن الباحثين الجدد قد يعودون إليها، ويستشهدون بها، ويؤكدون صحة المعلومات. إخفاؤها يخلق شكاً: هل كانت موجودة أصلاً؟ هل اقتبس منها موريس بدقة؟

لكن معهد "عكيفوت" كان له رأي آخر. باحثوه بحثوا عن نسخ أخرى من الوثيقة. وعثروا عليها في مكان آخر. وعرضوها على الرقباء العسكريين. وبعد مراجعة، سُمح بنشرها مجدداً .

هكذا، في عام ٢٠١٩، عادت الوثيقة إلى النور. ترجمها "عكيفوت" إلى الإنجليزية، ونشرها على الإنترنت. وأصبحت متاحة للباحثين في كل أنحاء العالم .

هذه القصة تظهر أن معركة الذاكرة لم تحسم بعد. إسرائيل تخفي، والباحثون يبحثون ويجدون. الحقيقة كالنبع: ينضب في مكان، وينبثق في آخر.

١٤. الرد على الانتقادات: ماذا يقول المشككون؟

بالطبع، حاول المدافعون عن إسرائيل التشكيك في الوثيقة. بعض الحجج التي ساقوها:

الحجة الأولى: الوثيقة كتبت في يونيو ١٩٤٨، قبل نهاية الحرب، لذلك لا تغطي كل النكبة.

هذا صحيح جزئياً. الوثيقة تغطي الأشهر الستة الأولى فقط. لكن هذه الأشهر شهدت الموجة الأكبر من النزوح (حوالي ٤٠٠ ألف لاجئ). الموجات اللاحقة جاءت بعد يونيو، لكن النسبة المئوية قد تختلف قليلاً دون أن تغير الصورة العامة .

الحجة الثانية: الوثيقة تعترف بوجود أوامر عربية بإخلاء بعض القرى، وهذا يدعم الرواية الإسرائيلية.

صحيح أن الوثيقة تذكر هذا العامل، لكنها تضعه في المرتبة الرابعة، وتؤكد أنه "لم يكن حاسماً" مقارنة بالعوامل اليهودية. استخدام هذه الحجة هو تشويه متعمد لمحتوى الوثيقة .

الحجة الثالثة: الوثيقة مجرد تقرير مؤقت، وليس تحليلاً نهائياً.

هذا صحيح، لكنه لا يقلل من قيمته. التقرير كتب بناء على معلومات ميدانية، وكان دقيقاً بما يكفي ليصبح مرجعاً أساسياً للباحثين. دقته تؤكدها تقارير لاحقة توصلت إلى استنتاجات مماثلة.

١٥. المقارنة مع مصادر أخرى: شهادة يوسف نحماني

الوثيقة ليست الوحيدة التي تؤكد هذه الأرقام. يوسف نحماني، مدير الصندوق القومي اليهودي في الجليل الشرقي، كتب في مذكراته بعد زيارة للقرى المهجورة في نوفمبر ١٩٤٨:

"رأيت بعيني ما فعله جنودنا. قرى مدمرة بالكامل، سكان طردوا، ومجازر لا يمكن تصورها. من أين أتوا بهذا المقدار من القسوة، مثل النازيين؟" .

نحماني لم يكن باحثاً معادياً لإسرائيل. كان صهيونياً ملتزماً، يعمل في مؤسسة وطنية. لكنه رأى الحقيقة بعينيه، وسجلها في مذكراته. ومذكراته ظلت مخبأة أيضاً، ونشرت بعد وفاته بحذف المقاطع "الحساسة".

هذه الشهادات المتعددة، من مصادر مختلفة، تخلق صورة متكاملة لا يمكن إنكارها.

١٦. الأهمية القانونية: دليل إدانة ذاتي

من الناحية القانونية، وثيقة المخابرات الإسرائيلية هي "اعتراف ضد المصلحة". في القانون، اعتراف المتهم ضد نفسه يعتبر أقوى أنواع الأدلة. هنا، إسرائيل (ممثلة بمخابراتها) تعترف بأنها تسببت في نزوح ٧٠٪ من اللاجئين.

هذا الاعتراف يمكن استخدامه في المحاكم الدولية. أي محاكمة مستقبلية لجرائم إسرائيل يمكن أن تستند إلى هذه الوثيقة كدليل قاطع. لأنها ليست شهادة عدو، ولا رواية فلسطينية، بل تقرير رسمي إسرائيلي.

المحامون الدوليون يمكنهم القول: أنتم اعترفتم. ليس مرة، بل مراراً. في وثائقكم السرية، في شهادات قادتكم، في تقارير مخابراتكم. هذه الاعترافات تكفي لإدانتكم.

١٧. التعتيم الإعلامي: لماذا لا يعرف الإسرائيليون؟

المفارقة أن معظم الإسرائيليين لا يعرفون شيئاً عن هذه الوثيقة. هي غير موجودة في المناهج المدرسية. نادراً ما تذكر في وسائل الإعلام العبرية. حتى عندما نشرتها "هآرتس" (الصحيفة الأكثر ليبرالية في إسرائيل)، كانت القراءة محدودة.

يهئيل حوريف قالها بصراحة: الهدف من إخفاء هذه الوثائق هو منع "الاضطرابات بين السكان العرب في إسرائيل" . لكن الحقيقة الأعم هي أن إخفاءها يمنع الاضطرابات بين اليهود أيضاً. يمنعهم من مواجهة الحقيقة المروعة عن تأسيس دولتهم.

الجهل هو حليف إسرائيل الأكبر. عندما لا يعرف الإسرائيلي العادي حقيقة ما حدث، يمكنه الاستمرار في تصديق الرواية الرسمية. يمكنه الاستمرار في اعتبار نفسه ضحية، لا جلاداً.

١٨. من ١٩٤٨ إلى ٢٠٢٦: استمرارية الإنكار

ما تفعله إسرائيل اليوم في غزة يرتبط مباشرة بما فعلته في ١٩٤٨. ليس فقط في الأساليب، بل في آلية الإنكار أيضاً.

في ١٩٤٨، أنكرت إسرائيل أنها طردت الفلسطينيين. قالت إنهم غادروا طواعية. وعندما ظهرت وثائق تدحض هذا الادعاء، أخفتها.

في ٢٠٢٤، تنكر إسرائيل أنها ترتكب إبادة جماعية في غزة. تقول إنها تدافع عن نفسها. وعندما تظهر أدلة على مجازر، تشكك في مصداقيتها أو تتهم من ينشرها بمعاداة السامية.

الآلية نفسها: جريمة، ثم إنكار، ثم تشكيك في الأدلة، ثم إخفاء ما يمكن إخفاؤه.

لكن كما أن وثيقة ١٩٤٨ عادت لتظهر بعد عقود، فإن أدلة جرائم اليوم ستبقى. مهما حاولت إسرائيل إخفاءها، ستجد طريقها إلى النور. والأجيال القادمة ستحكم.

١٩. الخلاصة: الوثيقة التي تقلب الموازين

وثيقة المخابرات الإسرائيلية ليست مجرد ورقة قديمة. إنها ميزان عدالة. فيها يرتفع كفة الحقيقة ويهبط كفة الكذب.

فيها يقول كاتب التقرير، بلا مواربة، إن سبعة من كل عشرة لاجئين فلسطينيين طردوا بقوة السلاح. إن العمليات العسكرية اليهودية هي السبب الرئيسي للنكبة. إن دير ياسين كانت "محفزاً حاسماً". إن "كثيرين قتلوا".

هذه الاعترافات، التي كتبها جلادون لأنفسهم، هي أقوى سلاح في معركة الرواية. لأنها تجرد إسرائيل من دفاعها الوحيد: الجهل. لم يعودوا يستطيعون القول إنهم لم يعرفوا. لقد عرفوا. وسجلوا. وأخفوا. والآن، ظهرت الوثائق من جديد.

الوثيقة تقول أيضاً شيئاً عن المستقبل. تقول إن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم. تقول إن الحقيقة كالنار، تحرق كل ما يغطيها وتخرج أقوى. تقول إن جرائم الماضي ستحاكم، ليس اليوم ربما، لكن غداً حتماً.

وكلما قرأنا هذه الوثيقة اليوم، ونحن نرى ما يحدث في غزة، ندرك أن التاريخ يعيد نفسه. ليس ككوميديا، ولا كمأساة فقط، بل كجريمة متكررة. وأن مهمتنا هي أن نكون شهوداً، نقرأ الوثائق، نفضح الإخفاء، ننقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة.

لأنه فقط بالاعتراف بالماضي يمكن بناء مستقبل مختلف. مستقبل لا تكون فيه مثل هذه الوثائق ضرورية، لأن الجرائم نفسها لن ترتكب.

……



الفصل الثامن: النكبة المستمرة - الإطار النظري

١. مقدمة: من حدث إلى عملية

في البدء كان الظن أن النكبة حدث. نقطة فاصلة في الزمن. بداية ونهاية. صيف ١٩٤٨، ثم خريف، ثم شتاء اللجوء. ماتت القرى، ورحل السكان، وأغلقت دفاتر التاريخ. هذا ما أراد الصهيوني قوله، وهذا ما صدقه كثيرون.

لكن الفلسطيني، في مخيمه، عرف غير ذلك. عرف أن النكبة لم تنتهِ بمغادرته قريته. هي مستمرة معه كل يوم. في صباح المخيم البارد، في مساء البطاقة الغذائية، في غبار الطرقات التي تؤدي إلى لا مكان. النكبة ليست ذكرى، بل واقع. ليست ماضياً، بل حاضراً.

هذا ما سنتحدث عنه في هذا الفصل. الإطار النظري الذي يحول النكبة من "حدث" في كتب التاريخ إلى "عملية" مستمرة في الحياة اليومية. من كارثة وقعت وانقضت إلى بنية متواصلة من العنف والسلب والإفقار والإذلال.

ظهر مصطلح "النكبة المستمرة" في أواخر التسعينيات . لكن الفكرة كانت موجودة منذ البداية. في قصص الأطفال التي سمعها اللاجئون عن قراهم، في دموع الأمهات عند المساء، في صمت الآباء حين يسألهم الأبناء: "متى نعود؟".

في هذا الفصل، سنقرأ النكبة بعيون جديدة. بعيون من يرى أن ١٩٤٨ لم تكن نهاية المأساة، بل بدايتها. وأن ما نراه اليوم في غزة والضفة والداخل المحتل والشتات هو نفس النكبة، بنفس الوجوه، بنفس الأسباب، ونفس النتائج.

٢. تعريف المفهوم: النكبة ليست ذكرى

عندما نتحدث عن "النكبة المستمرة"، نحن نتحدث عن تحول في فهم التاريخ. عن انتقال من النظرة "الحدثية" إلى النظرة "العملياتية". عن رؤية المأساة الفلسطينية كسلسلة متصلة، لا كقطع منفصلة.

في الخطاب التقليدي، كانت النكبة تعني ما حدث في ١٩٤٨. تهجير، قتل، تدمير قرى، ثم لجوء. وبعد ذلك، تأتي النكسة (١٩٦٧) كحدث آخر. ثم حرب لبنان (١٩٨٢) كحدث ثالث. وهكذا، تتحول القضية الفلسطينية إلى سلسلة من الأحداث المتفرقة.

لكن "النكبة المستمرة" تقدم رؤية مغايرة. تقول إن كل هذه الأحداث ليست منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة. إنها فصول من كتاب واحد. كتاب بدأ في ١٩٤٨ ولم ينته بعد.

جوهر هذه الرؤية أن النكبة ليست "ما حدث"، بل "ما يحدث". هي ليست ذكرى نستحضرها في أيار/مايو من كل عام، بل واقع نعيشه كل يوم. هي ليست حكايات الجدات عن البيوت المسلوبة، بل صفعات الجنود على خدود الشباب اليوم.

شير ألون، الباحثة في جامعة كاليفورنيا، تصف "النكبة المستمرة" بأنها "وسيلة لفهم الحاضر التاريخي الفلسطيني" . إنها إعادة تشكيل لمعنى طرد ١٩٤٨. فبدلاً من أن تكون "صدعاً صادماً يؤذن بفترة جديدة"، هي "عملية مستمرة وتجربة مستمرة من العنف والسلب" .

هذا التحول في الرؤية ليس أكاديمياً فقط. له نتائج عملية عميقة. فإذا كانت النكبة حدثاً مضى، يصبح الحديث عن "حق العودة" حديثاً عن تعويض شيء فات. أما إذا كانت النكبة مستمرة، يصبح حق العودة حقاً في وقف اعتداء متواصل، لا في إصلاح ضرر قديم.

٣. النشأة والتطور: من قالها أولاً؟

مثل كل الأفكار الكبرى، لم تولد "النكبة المستمرة" من فراغ. لها آباء وأمهات. لها سياق تاريخي. لها لحظة ولادة.

يُنسَب أول استخدام واسع النطاق للمصطلح إلى الباحثة والناشطة السياسية حنان عشراوي . كان ذلك في كلمتها أمام المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية في ديربان عام ٢٠٠١. قالت عشراوي عن الشعب الفلسطيني إنه "أمة في الأسر، محتجزة كرهينة لنكبة مستمرة، باعتبارها التعبير الأكثر تعقيداً وانتشاراً عن استمرار الاستعمار والفصل العنصري والعنصرية والإيذاء" .

كانت ديربان لحظة فارقة. المؤتمر الذي تحول إلى منصة لتعرية العنصرية العالمية، ومنها العنصرية الإسرائيلية. كلمة عشراوي وضعت الإصبع على الجرح: النكبة لم تنتهِ.

بعد ديربان، تبنى المصطلح باحثون كبار. جوزيف مسعد، المفكر الفلسطيني-الأمريكي، شرح المفهوم بالتفصيل في مقال بمجلة "الأهرام ويكلي" عام ٢٠٠٨ . قال مسعد إن الفلسطينيين لا يعيشون في "عالم ما بعد النكبة"، بل يعيشون (ويقاومون) النكبة باعتبارها "حقبة تاريخية مستمرة" .

ثم جاء إلياس خوري، الروائي والمفكر اللبناني الكبير. في مقال عام ٢٠١٢، قدم خوري "النكبة المستمرة" باعتبارها "نظام عنف مادي" و"معركة مستمرة للتفسير" . نظام يهدف إلى "إسكات ومحو القصة الفلسطينية بنقلها إلى الماضي" .

هذا هو جوهر الفكرة: محاولة نقل القصة الفلسطينية إلى "الماضي". جعلها ذكرى، لا واقعاً. جعلها حكايات تروى، لا جراحاً تنزف. "النكبة المستمرة" تقاوم هذا النقل. تقول: نحن هنا. نحن الآن. ما يحدث اليوم هو ما حدث أمس. والغد سيكون مثله ما لم نقاوم.

٤. من النكبة إلى النكبة: تطور المصطلح

المصطلح نفسه له قصة. في البداية، كان هناك "النكبة". كلمة أطلقها المؤرخ السوري قسطنطين زريق في كتيب صدر عام ١٩٤٨ بعنوان "معنى النكبة" . كانت الكلمة جديدة، قوية، معبرة. هي ليست "هزيمة" عادية. هي "نكبة": كارثة، مصيبة، انهيار.

بعد ١٩٦٧، ظهرت "النكسة". الهزيمة الجديدة، الاحتلال الجديد، اللاجئون الجدد. في الخطاب التقليدي، كانت النكسة حلقة منفصلة، لها أسبابها ونتائجها.

لكن "النكبة المستمرة" تقول: لا. النكسة ليست منفصلة. هي امتداد. هي نفس المشروع، نفس الأيديولوجيا، نفس الأساليب. الفرق أن الفلسطينيين في ١٩٦٧ كانوا أقل عدداً، وأقل تنظيماً، وأكثر تشتتاً.

ثم جاءت حروب لبنان، وحروب الخليج، والانتفاضات، واتفاقات أوسلو، والمقاطعة، والحصار، والإبادة في غزة. كلها حلقات في السلسلة نفسها.

اليوم، بعد سبعة وسبعين عاماً، بات واضحاً أن "النكبة المستمرة" ليست مجرد شعار، بل وصف دقيق للواقع. فمع كل جيل جديد، يعاد إنتاج النكبة. مع كل موجة تهجير، تعاد كتابة المأساة. مع كل مجزرة، يتجدد الجرح.

٥. الإطار الفلسفي: الاستعمار الاستيطاني كبنية

لفهم "النكبة المستمرة" فلسفياً، يجب فهم طبيعة المشروع الصهيوني. هذا المشروع ليس مجرد حركة قومية، بل هو "استعمار استيطاني". والفرق جوهري.

الاستعمار التقليدي يأتي ليستغل، ثم يرحل. ينهب الثروات، ثم يعود إلى بلاده. يترك السكان الأصليين أحياء، وإن كانوا فقراء.

أما الاستعمار الاستيطاني فيأتي ليحل محلك. هدفه ليس استغلالك، بل إزالتك. أنت في المكان الذي يريده. لذلك، يجب أن ترحيل. وإذا لم ترحل، يجب أن تُقتل. وإذا لم تُقتل، يجب أن تُذل حتى تندثر.

هذا هو الفرق الجوهري. الاستعمار الاستيطاني ليس "حدثاً"، بل "بنية". إنه نظام دائم من العلاقات يهدف إلى إحلال مجموعة محل أخرى. وهذا النظام لا يتوقف عند لحظة معينة، بل يستمر ما دامت المجموعة الأصلية موجودة.

الباحثون في المعهد الأسترالي للشؤون الدولية يشرحون هذا بوضوح: "الاستعمار الاستيطاني ليس حدثاً؛ بل هو هيكل يتجلى في دورات من العنف والتهجير ونزع ملكية السكان المحليين الأصليين. يتم الحفاظ على الهيكل الاستعماري الاستيطاني لإسرائيل من خلال السعي المستمر للسيطرة - وفي بعض الأحيان - القضاء على السكان الأصليين في فلسطين" .

هذا هو الإطار الفلسفي لـ"النكبة المستمرة". إنها استمرار الاستعمار الاستيطاني عبر الزمن. كلما ظن الفلسطيني أنه استقر، يأتي الموج الجديد ليجرفه. كلما بنى بيتاً، يهدم. كلما زرع أرضاً، تُسلَب. كلما أنجب أطفالاً، يُقتلون أو يشردون.

٦. من أوسلو إلى غزة: السياق السياسي للمفهوم

"النكبة المستمرة" لم تظهر في فراغ سياسي. ظهرت في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية، بعد فشل اتفاقيات أوسلو.

أوسلو كانت محاولة لتحويل النكبة إلى "مشكلة لاجئين" يمكن حلها بالتفاوض. كانت محاولة لدفن الماضي وبناء المستقبل. لكن أوسلو فشلت. فشلت لأنها تجاهلت أن النكبة مستمرة. فشلت لأنها تعاملت مع الاحتلال كطارئ، لا كبنية.

بعد أوسلو، ازداد الاستيطان. ضعفت السلطة. تدهورت الأوضاع الاقتصادية. وزادت الحواجز والاعتقالات. الفلسطينيون اكتشفوا أن "عملية السلام" لم توقف النكبة، بل سرعتها.

هذا الفشل خلق حاجة لفهم جديد. لم يعد ممكناً تصديق أن ١٩٤٨ انتهت، وأن ١٩٦٧ فقط هي المشكلة. أصبح واضحاً أن ١٩٤٨ مستمرة في ١٩٦٧ وفي أوسلو وفي كل ما بعدها.

شير ألون تشير إلى أن من العوامل التي ساهمت في ترسيخ رواية النكبة المستمرة "تحول منظمة التحرير الفلسطينية من المقاومة المناهضة للاستعمار إلى فن الحكم"، فضلاً عن فشل اتفاقيات أوسلو في تحقيق دولة فلسطينية مستقلة .

هكذا، أصبحت النكبة المستمرة إطاراً لفهم ليس الماضي فقط، بل الحاضر أيضاً. أصبحت طريقة لقراءة السياسة الإسرائيلية اليوم على ضوء سياسات الأمس.

٧. تجسيدات النكبة المستمرة: من التهجير إلى التدمير

كيف تتجسد النكبة المستمرة في الحياة اليومية للفلسطينيين؟ ليس في الكتب، بل في الشوارع. ليس في النظريات، بل في الجسد.

أولاً: التهجير القسري المستمر. منذ ١٩٤٨ وحتى اليوم، لم تتوقف إسرائيل عن تهجير الفلسطينيين. في ١٩٤٩١٩٥٠، هجّرت ٣٠٤٠ ألف بدوي من النقب. في ١٩٦٧، هجّرت ٣٠٠ ألف من الضفة وغزة. في ٢٠٢٣٢٠٢٤، هجّرت ١.٩ مليون من غزة. كل جيل له نكبته الخاصة.

ثانياً: تدمير المنازل والممتلكات. آلاف المنازل دمرتها إسرائيل بعد ١٩٤٨ بحجج أمنية أو إدارية. في القدس وحدها، دمرت مئات المنازل منذ ١٩٦٧. في غزة، دمرت عشرات الآلاف. التدمير مستمر.

ثالثاً: مصادرة الأراضي. منذ ١٩٤٨، صادرت إسرائيل ملايين الدونمات من الأراضي الفلسطينية. هذا ليس حدثاً مضى. كل يوم، تُصادر أراض جديدة لصالح المستوطنات.

رابعاً: الفصل العنصري. نظام قانوني متكامل يمنح اليهود حقوقاً ويمنعها عن الفلسطينيين. قوانين الجنسية، قوانين الأرض، قوانين الإقامة. كلها تخلق واقعاً من التمييز المستمر.

خامساً: الاعتقال الإداري. آلاف الفلسطينيين يعتقلون دون محاكمة، لمدة أشهر وسنوات، بناءً على "ملفات سرية". هذا ليس جديداً. هو استمرار لسياسات بدأت في ١٩٤٨.

سادساً: الحصار والتجويع. غزة محاصرة منذ ٢٠٠٧. لكن الحصار بدأ قبل ذلك بكثير. إسرائيل تسيطر على كل مدخل ومنفذ، وتقرر من يدخل ومن يخرج، وماذا يدخل وماذا يخرج.

هذه كلها ليست "انتهاكات" منفصلة. هي تجسيدات للنكبة المستمرة. هي ممارسات يومية تعيد إنتاج التهجير والتدمير والقمع، جيلاً بعد جيل.

٨. المخيم: النكبة المتجسدة في المكان

لا يوجد مكان تتجسد فيه النكبة المستمرة كما في مخيمات اللجوء.

المخيم ليس مجرد تجمع سكاني. هو شاهد حي على الجريمة. هو اعتراف دائم بأن شيئاً فظيعاً حدث. أهل المخيم ليسوا هناك لأنهم أرادوا، بل لأنهم طردوا.

في المخيم، يعيش الفلسطيني في مساحة مؤقتة صارت دائمة. الخيام تحولت إلى بيوت إسمنتية. الأزقة الضيقة تحولت إلى شوارع. لكن جوهر المخيم بقي: أهل هذا المكان ليسوا في وطنهم.

العودة هي الهاجس. المفتاح القديم، وصك الملكية، وشهادة الميلاد المسجلة في قرية لم تعد موجودة. هذه ليست رموزاً فقط، بل أدلة على أن النكبة لم تنتهِ.

كرمة النابلسي تصف كيف أن "الطبيعة القاسية والديناميكية للكارثة" والتجربة اليومية للنكبة تجعل "المحاولات الحالية لتدمير المجتمع الفلسطيني اليوم تربط هذا الجيل مباشرة بالجيل الأكبر سناً، وتربط النفي إلى جوهر سياسات الجسد الفلسطيني" .

في المخيم، يعيش الفلسطيني النكبة كل يوم. يراها في وجوه الأطفال الذين يلعبون في الأزقة الضيقة. يشمها في رائحة الخبز على التنور. يسمعها في أغاني العودة القديمة.

٩. الذاكرة والرواية: معركة التفسير المستمرة

النكبة المستمرة ليست فقط عنفاً مادياً. هي أيضاً معركة تفسير. معركة على الرواية. معركة على من يكتب التاريخ.

إلياس خوري يصف النكبة المستمرة بأنها "معركة مستمرة للتفسير، نظام يهدف إلى إسكات ومحو القصة الفلسطينية بنقلها إلى الماضي" .

هذه معركة حقيقية. إسرائيل تريد أن تجعل النكبة حدثاً مضى. تقول: كان هناك حرب، ونتج عنها لاجئون. هذا أمر مؤسف، لكنه انتهى. الآن يجب أن ننظر إلى الأمام.

الفلسطينيون يقولون: لا. النكبة لم تنتهِ. ما زلنا نعيشها. ما زلنا لاجئين. ما زلنا ممنوعين من العودة. ما زلنا نقتل ونشرد.

هذه المعركة تدور في المحافل الدولية، في الجامعات، في الإعلام، في الكتب. كل وثيقة تُكتشف، كل شهادة تُنشر، كل رواية تُكتب، هي سلاح في هذه المعركة.

لذلك تحارب إسرائيل التوثيق. لذلك تخفي الوثائق. لذلك تضغط على الجامعات. لأنها تعرف أن إثبات استمرار النكبة يعني إثبات استمرار الجريمة. يعني أن المسؤولية لا تسقط بالتقادم.

١٠. النكبة والقانون: من الحدث إلى الحالة

في السنوات الأخيرة، بدأ مفهوم "النكبة المستمرة" يجد طريقه إلى الخطاب القانوني. وهذا تطور مهم.

القانون الدولي، في صيغته التقليدية، يتعامل مع الجرائم كأحداث منفصلة. هناك جريمة حرب هنا، وجريمة ضد الإنسانية هناك. لكن كيف نتعامل مع جريمة مستمرة لعقود؟ كيف نصوغها قانونياً؟

ربيع إغبارية، الباحث الفلسطيني في كلية حقوق هارفارد، حاول الإجابة على هذا السؤال في مقال رفضت المجلة نشره . قال إغبارية إن الإبادة الجماعية في غزة هي استمرار للنكبة، وإن الصمت الأكاديمي الغربي عن تسميتها يعكس نفاقاً أخلاقياً.

هذا هو التحدي القانوني: تحويل النكبة من "حدث" إلى "حالة". من جريمة وقعت إلى وضع مستمر. من ماضي إلى حاضر.

محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري حول الجدار الفاصل، اقتربت من هذا المفهوم عندما تحدثت عن "استمرار انتهاك" إسرائيل لحق تقرير المصير. لكن الأمر يحتاج إلى تطوير أكبر.

النكبة المستمرة تعني أن المسؤولية القانونية لإسرائيل لا تنتهي. تعني أن جيلاً جديداً من الفلسطينيين يحق له المطالبة بالتعويض، لأن الضرر يتجدد مع كل جيل. تعني أن حق العودة ليس حقاً تاريخياً فقط، بل حقاً آنياً في وقف تهجير مستمر.

١١. العلاقة مع النكسة: وحدة المأساة

من الإشكاليات الكبرى في الخطاب الفلسطيني العلاقة بين النكبة والنكسة. هل هما حدثان منفصلان؟ أم هما واحد؟

في الرؤية التقليدية، النكبة حدث ١٩٤٨، والنكسة حدث ١٩٦٧. لكل أسبابه، ولكل نتائجه. لكن "النكبة المستمرة" تقدم رؤية توحيدية.

النكسة ليست حدثاً جديداً، بل استمرار للنكبة. إسرائيل احتلت ما تبقى من فلسطين في ١٩٦٧ ليس لأنها "هزمت" العرب، بل لأن مشروعها الاستعماري يتوسع باستمرار. الهدف من ١٩٤٨ هو فلسطين كلها، وليس جزءاً منها.

هذه الرؤية تفسر لماذا استمر الاستيطان بعد ١٩٦٧. لماذا بنت إسرائيل مستوطنات في الضفة وغزة. لماذا ضمت القدس. كل هذا ليس "احتلالاً" بالمعنى التقليدي، بل استمرار للاستعمار الاستيطاني الذي بدأ في ١٩٤٨.

كما أنها تفسر لماذا لم تنسحب إسرائيل من غزة عام ٢٠٠٥ بشكل حقيقي. بقيت تسيطر على المعابر والمجال الجوي والمياه والسكان. غزة ما زالت محتلة، حتى بعد "فك الارتباط". لأن الاحتلال في المنظور الصهيوني ليس وجوداً عسكرياً فقط، بل سيطرة شاملة على الأرض والبشر.

١٢. المقاومة المستمرة: الوجه الآخر

النكبة المستمرة لها وجه آخر: المقاومة المستمرة. كلما تجددت النكبة، تجددت المقاومة. كلما ظهر شكل جديد من القمع، ظهر شكل جديد من النضال.

هذا ما يسميه إلياس خوري "المقاومة المستمرة التي لم ولن تتوقف" . ليست مقاومة عابرة، بل ثابتة. ليست رد فعل على أحداث، بل أسلوب حياة.

من الإضرابات في الثلاثينات، إلى الثورة الكبرى، إلى الفدائيين في الستينات، إلى الانتفاضة الأولى، إلى الانتفاضة الثانية، إلى المقاومة المسلحة في غزة، إلى حركة المقاطعة العالمية. كلها أشكال من مقاومة مستمرة لنكبة مستمرة.

المقاومة المستمرة تثبت شيئاً: أن الشعب الفلسطيني حي. أن النكبة لم تنجح في محوه. أن الذاكرة باقية. أن العودة حلم لا يموت.

في بيان "المسار الثوري البديل" بمناسبة ذكرى النكبة ٢٠٢٥، ورد: "طوفان الأقصى نقل حق العودة والتحرير من الحيّز التاريخي إلى حيّز الإمكانية الواقعية" . هذا هو المعنى: مقاومة اليوم تجعل حلم الأمس واقع الغد.

١٣. التضامن العالمي: النكبة في الوعي الدولي

من تطورات النكبة المستمرة أن الوعي بها بدأ ينتشر عالمياً. لم تعد قضية فلسطين "قضية عربية" فقط. أصبحت قضية إنسانية عالمية.

حركة المقاطعة (BDS) لعبت دوراً كبيراً في هذا. فضحت إسرائيل في الجامعات الغربية، في النقابات، في الكنائس. كشفت أن النكبة ليست ذكرى قديمة، بل عملية مستمرة من التطهير العرقي والفصل العنصري.

المظاهرات المليونية في عواصم العالم بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ كانت تعبيراً عن هذا الوعي الجديد. مئات الآلاف خرجوا في لندن ونيويورك وباريس وبرلين وروما، ليس تضامناً فقط، بل إدانة للنكبة المستمرة.

حركات التضامن الأممي، كما تصفها البيانات الفلسطينية، أصبحت "الركن الأساس في بناء حركة عالمية موحدة، ومناهضة للاستعمار، والإمبريالية، والصهيونية" .

هذا التضامن يعيد إنتاج معنى النكبة. لم تعد قصة شعب وحيد يعاني. أصبحت جزءاً من نضال عالمي ضد الظلم والاضطهاد والعنصرية.

١٤. النكبة والحاضر: غزة نموذجاً

لا يوجد نموذج أوضح للنكبة المستمرة من غزة اليوم.

غزة هي فلسطين المصغرة. فيها كل شيء: اللاجئون (أكثر من ٧٠٪ من سكانها لاجئون)، الاحتلال، الحصار، المقاومة، والإبادة.

في غزة، تعاد النكبة كل يوم. تهجير، قتل، تدمير بيوت، تجويع، حرمان من الماء والدواء والكهرباء. المشاهد التي رآها العالم في ١٩٤٨ تعاد اليوم على شاشات التلفزة.

لكن الفرق أن اليوم هناك توثيق. كاميرات الهواتف، وسائل التواصل، الصحفيون الشجعان. النكبة لم تعد تحدث في الظلام. العالم يراها.

لهذا السبب تصر إسرائيل على قتل الصحفيين. قتل أكثر من ١٤٠ صحفياً في غزة ليس خطأ، بل سياسة. لأن التوثيق عدو الإفلات من العقاب.

غزة تثبت أن النكبة مستمرة. وأن المقاومة مستمرة أيضاً. وأن العالم لم يعد يستطيع أن يقول "لم نعرف".

١٥. الإطار النظري في الأدب والرواية

الأدب الفلسطيني كان سباقاً في التعبير عن النكبة المستمرة. قبل أن يكتب الأكاديميون، كتب الرواة والشعراء.

غسان كنفاني في "عائد إلى حيفا"، وإميل حبيبي في "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، ومحمود درويش في قصائده، كلهم عبروا عن فكرة أن النكبة لم تنتهِ.

إلياس خوري، في روايته "باب الشمس"، جسّد هذه الفكرة بأجمل صورة. العودة ليست لحظة، بل طريق. المخيم ليس مكاناً، بل حالة. الحب والموت والنضال كلها جزء من نكبة مستمرة.

في مقالاته عن النكبة المستمرة، يعود خوري دائماً إلى درويش وكنفاني وحبيبي . هم الذين علموه أن القضية الفلسطينية ليست سياسة فقط، بل أدب. ليست أرقاماً فقط، بل قصصاً. ليست ماضياً فقط، بل حاضراً حياً.

الأدب يحقق ما لا يحققه القانون: يجعل القارئ يشعر بالنكبة. ليس فقط يفهمها. يشعر بألم التهجير، بمرارة الغربة، بحرارة الشمس على طريق العودة.

١٦. المفتاح والعودة: رموز الاستمرار

في الثقافة الفلسطينية، هناك رموز تعبر عن النكبة المستمرة. أهمها: المفتاح.

المفتاح الفلسطيني القديم، الكبير، الحديدي، الذي علق على جدران البيوت في المخيمات. ليس لأنه يُفتح به باب. الباب لم يعد موجوداً. بل لأنه رمز. رمز أن هناك بيتاً في مكان ما، ينتظر.

المفتاح يقول: لم ننسَ. لم نتنازل. سنعود.

العودة هي الرد الفلسطيني على النكبة المستمرة. إذا كانت النكبة تهجيراً مستمراً، فالعودة هي حلم دائم. ليس حلماً سلبياً، بل دافعاً للعمل.

حق العودة ليس مطلباً سياسياً فقط. هو جوهر الهوية الفلسطينية. بدونه، تصبح القضية مجرد نزاع على حدود. به، تبقى قضية شعب يريد العودة إلى أرضه.

الباحثون يقولون إن حق العودة هو "الحق غير القابل للتصرف" . ليس حقاً يمكن التفاوض عليه. هو أساسي، مثل حق الحياة.

١٧. النكبة والأجيال: نقل الذاكرة

النكبة المستمرة تعني أن الذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل. خمسة أجيال من اللاجئين، كما يصفون . كل جيل يعيد رواية القصة. كل جيل يحلم بالعودة.

هذا النقل ليس سهلاً. الأطفال الذين يولدون في المخيمات، في بلاد اللجوء، كيف يعرفون أن فلسطين وطنهم؟ كيف يحبون أرضاً لم يروها؟

الجواب: بالحكايات. بالصور. بالأغاني. بالزيارات إلى القرى المدمرة. بتعليم التاريخ الحقيقي في المنازل، حين تهمل المدارس تعليمه.

المنظمات الفلسطينية تعمل بجد للحفاظ على الذاكرة. توثيق شهادات كبار السن. تسجيل أسماء القرى. رسم خرائط للمدن المندثرة. إنشاء متاحف افتراضية. كل هذا لمواجهة محاولات النسيان.

النكبة المستمرة تعني أن الذاكرة تحتاج إلى جهد مستمر. ليس شيئاً يورث تلقائياً، بل يصان بالعمل.

١٨. من النكبة إلى التحرير: آفاق المستقبل

في نهاية المطاف، النكبة المستمرة ليست قدراً. يمكن أن تنتهي. بالعدالة. بالعودة. بالتحرير.

هذا هو الأمل الذي يحرك الفلسطينيين. أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. أن الأجيال القادمة قد لا تعيش نفس المأساة.

لكن هذا الأمل ليس سلبياً. ليس انتظاراً لمعجزة. هو أمل في عمل. في مقاومة. في نضال مستمر حتى تحقيق الهدف.

"طوفان الأقصى نقل التحرير والعودة من الحيّز التاريخي إلى حيّز الإمكانية الواقعية" . هذه العبارة تلخص الأمل. ما كان حلماً أصبح ممكناً. ما كان بعيداً أصبح قريباً.

النكبة المستمرة تتحول إلى مقاومة مستمرة. والمقاومة المستمرة تتحول إلى تحرير محتمل.

١٩. الخلاصة: النكبة كإطار لفهم فلسطين

النكبة المستمرة ليست مجرد شعار. هي إطار نظري متكامل لفهم القضية الفلسطينية. هي عدسة ترى من خلالها التاريخ والحاضر والمستقبل.

من خلال هذه العدسة، نرى أن ١٩٤٨ لم تنتهِ في ١٩٤٩. استمرت في ١٩٦٧، في ١٩٨٢، في ٢٠٢٣. استمرت في كل تهجير، كل قتل، كل تدمير بيت، كل مصادرة أرض.

من خلال هذه العدسة، نرى أن المخيمات ليست مؤقتة، بل دائمة ما دامت النكبة دائمة. أن حق العودة ليس مطلباً تاريخياً، بل حقاً آنياً في وقف تهجير مستمر.

من خلال هذه العدسة، نرى أن المقاومة ليست خياراً، بل ضرورة. أن الصمود ليس مجرد شعار، بل أسلوب حياة.

من خلال هذه العدسة، نفهم لماذا تخفي إسرائيل الوثائق، وتحرّف التاريخ، وتضغط على الأكاديميين. لأنها تعلم أن الاعتراف بالنكبة المستمرة يعني الاعتراف بجريمة مستمرة. وجريمة مستمرة تعني مسؤولية لا تسقط بالتقادم.

النكبة المستمرة هي الجواب الفلسطيني على محاولات الدفن. هي رفع الصوت عالياً: نحن هنا. ما زلنا هنا. وسنبقى هنا.


…….


الفصل التاسع: تهجير ١٩٤٩١٩٥٦ - استمرار التطهير

١. مقدمة: عندما لا تنتهي الحرب

في الأسطورة الإسرائيلية الرسمية، ثمّة تاريخان لا ثالث لهما: ١٤ أيار ١٩٤٨، يوم إعلان الدولة، و٢٠ تموز ١٩٤٩، يوم توقيع آخر اتفاق هدنة. بين هذين التاريخين، دارت حرب. بعد الثاني، حل السلام. وما بينهما كان "الاستثناء". ما بعده كان "القاعدة".

لكن الفلسطيني الذي بقي في وطنه بعد ١٩٤٩، وتحول بين ليلة وضحاها من "صاحب أرض" إلى "أقلية عربية" في دولة يهودية، عرف غير ذلك. عرف أن الحرب لم تنتهِ. عرف أن ما حدث في ١٩٤٨ كان مجرد فصل أول. الفصول التالية كانت أكثر قسوة، وأكثر تنظيماً، وأكثر صمتاً.

في ١٩٤٩١٩٥٦، لم تكن إسرائيل في حالة حرب رسمية مع جيرانها. لكنها كانت في حالة حرب دائمة مع مواطنيها الفلسطينيين. حرب من نوع آخر: حرب إدارية، حرب قانونية، حرب اقتصادية، حرب عسكرية أحياناً، كلها تهدف إلى شيء واحد: إنهاء الوجود الفلسطيني في المناطق التي سقطت تحت السيطرة الإسرائيلية.

هذا الفصل هو عن تلك السنوات السبع. عن استمرار التطهير العرقي بعد انتهاء الحرب الرسمية. عن عمليات الطرد التي لم تتوقف. عن القرى التي هُجِّرت في ١٩٤٩، ١٩٥٠، ١٩٥١، ١٩٥٦. عن الفلسطينيين الذين تحولوا إلى لاجئين في وطنهم. عن المجازر التي ارتكبت باسم "الأمن" و"النظام". عن نظام الحكم العسكري الذي حوّل ربع المواطنين إلى أسرى في بلادهم.

هذا الفصل هو عن الوجه الآخر للنكبة: الوجه الذي لا يظهر في الذكرى السنوية، الوجه الذي تفضل إسرائيل نسيانه، الوجه الذي يثبت أن النكبة لم تكن حدثاً، بل عملية مستمرة.

٢. اتفاقيات الهدنة: الحدود التي لم تحمِ أحداً

في شباط ١٩٤٩، بدأت إسرائيل ومصر محادثات هدنة في جزيرة رودس. تبعتها لبنان، ثم الأردن، ثم سوريا. بحلول تموز ١٩٤٩، كانت كل اتفاقيات الهدنة موقعة. الحرب، رسمياً، انتهت.

لكن اتفاقيات الهدنة لم تحسم شيئاً. تركت الحدود مؤقتة. تركت القدس مقسمة. وتركت قضية اللاجئين مفتوحة. والأهم: تركت عشرات الآلاف من الفلسطينيين داخل إسرائيل، في وضع قانوني غامض، تحت حكم عسكري مباشر.

الهدنة لم تكن سلاماً. كانت مجرد توقف لإطلاق النار. وخلف هذا التوقف، كانت إسرائيل تعد العدة للمرحلة التالية من مشروعها: توحيد الدولة، استكمال السيطرة على الأرض، وتقليص الوجود الفلسطيني المتبقي إلى أدنى حد.

الوثائق الإسرائيلية التي كُشفت في السنوات الأخيرة تظهر أن القيادة الإسرائيلية لم تتعامل مع الهدنة كنهاية، بل كبداية. بداية لمرحلة جديدة من التطهير، أكثر هدوءاً، وأقل دموية على السطح، لكنها لا تقل فتكاً في النتائج.

٣. يوسف فايتس واللجنة الثالثة: إكمال المهمة

تذكرون يوسف فايتس من الفصول السابقة؟ الرجل الذي أشرف على تدمير القرى الفلسطينية في ١٩٤٨، وكتب في مذكراته: "لم أندم ولم أكره، هكذا هي طريقة العالم" . هذا الرجل لم يتقاعد بعد انتهاء الحرب. بل واصل عمله بشراسة أكبر.

فايتس كان عضواً في "لجنة النقل" الثالثة، التي تشكلت في أيار ١٩٤٨ واستمرت حتى أواخر تشرين الأول ١٩٤٨ . لكن نفوذه امتد إلى ما بعد ذلك بكثير. في ١٩٤٩ و١٩٥٠، كان لا يزال يدير عملية "تنظيف" المناطق من الوجود الفلسطيني.

في رسالة إلى بن غوريون في ١٩٤٩، اقترح فايتس خطة شاملة لمنع عودة اللاجئين. من بين توصياته: تدمير القرى المهجورة بالكامل، تحويل أراضيها إلى غابات (مشروع غابات الصندوق القومي اليهودي بدأ هنا)، ومنع أي نشاط زراعي فلسطيني في المناطق المصادرة .

لكن الأخطر كان توصيته بشأن الفلسطينيين الذين بقوا. اقترح فايتس أنهم إذا اضطروا لاستقبال بعض اللاجئين في المستقبل، يجب ألا تزيد نسبتهم عن ١٥٪ من السكان . هذا أقل من النسبة التي كان بن غوريون مستعداً لقبولها (٢٠٪) قبل عامين. التطهير كان يتطور، ويصبح أكثر تطرفاً مع الوقت.

٤. إقرت وكفر برعم: قصة قريتين مسيحيتين

في الجليل الأعلى، على سفوح الجبال القريبة من الحدود اللبنانية، كانت تقف قريتان مسيحيتان: إقرت وكفر برعم. سكانهما من المسيحيين الموارنة، الذين عاشوا في المنطقة لقرون، ونسجوا علاقات حسن جوار مع المستوطنين اليهود في المستعمرات المجاورة.

في تشرين الأول ١٩٤٨، خلال عملية "حيرام"، احتل الجيش الإسرائيلي القريتين. لكن سكانهما لم يطردوا فوراً. طلب منهم الجنود المغادرة "مؤقتاً"، بحجة عمليات عسكرية في المنطقة. وعدوهم بالعودة بعد أيام .

صدق الأهالي. غادروا بيوتهم حاملين مفاتيحهم. توجه بعضهم إلى القرى المجاورة، وبعضهم عبر الحدود إلى لبنان. انتظروا أياماً، ثم أسابيع، ثم شهوراً. لم يسمح لهم بالعودة أبداً.

في ١٩٥١، رفع أهالي إقرت أول دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام المحكمة العليا. طالبوا بالعودة إلى قراهم. المحكمة، في قرار مفاجئ، قبلت دعواهم. قضت بأنه لا يوجد مبرر أمني لمنع عودتهم، وأن لهم الحق في استعادة ممتلكاتهم .

بدا الأمر انتصاراً للعدالة. بدا أن القانون الإسرائيلي يمكن أن يحمي حقوق الأقلية. لكن الفرح لم يدم طويلاً.

في ٢٤ كانون الأول ١٩٥٣، عشية عيد الميلاد، وصلت وحدات عسكرية إلى قرية إقرت. فجروا منازلها الواحد تلو الآخر. بحلول الصباح، لم يبق من القرية سوى الكنيسة والمقبرة .

لماذا؟ لأن الجيش قرر أن العودة "غير مرغوب فيها". لأن قرار المحكمة كان "خطأ" يجب تصحيحه. لأن الأرض كانت مطلوبة لأغراض "أمنية".

كفر برعم واجهت مصيراً مشابهاً. هدمت منازلها تدريجياً. بقي الأهالي ينتظرون العودة سبعة عقود. بعضهم ما زال على قيد الحياة، يحمل مفتاح بيته، وينتظر.

هاتان القريتان أصبحتا رمزاً للنكبة المستمرة. رمزاً لوعد لم يُوفَ به. رمزاً لقضاء يُحترم فقط عندما يناسب الدولة. رمزاً لعودة مؤجلة إلى الأبد.

٥. مخطط ترحيل الجليل: وثيقة إيتان السرية

في ٤ كانون الأول ١٩٤٩، بعد ستة أشهر من انتهاء الحرب الرسمية، كتب والتر إيتان، المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، رسالة سرية إلى وزير الخارجية موشيه شاريت، الذي كان في نيويورك آنذاك .

محتوى الرسالة صادم: خطة لطرد أكثر من عشرة آلاف عربي من الجليل.

يكتب إيتان أن بن غوريون وافق على "نقل سكان عدد من القرى العربية" قسراً. القرى المذكورة: فسوطة، ترشيحا، الجش، حرفيش، ريحانية، مجدل كفر سميع، وزكريا . معظم سكان هذه القرى كانوا مسيحيين، مع أقلية درزية في حرفيش وشركسية في الريحانية.

السبب المعلن: "أمني". لكن إيتان يضيف تفصيلاً مهماً: بن غوريون يريد موافقة شاريت ووزير المالية كابلان، لأن تكلفة العملية ستكون حوالي مليون جنيه إسرائيلي (تشمل إعادة توطين المهجرين) .

لحسن الحظ، لم تُنفذ الخطة. شاريت، الذي كان أكثر حساسية للرأي العام الدولي، عارضها. لكن الوثيقة نفسها تكشف عن نوايا القيادة الإسرائيلية. لم يكن ١٩٤٨ نهاية الطرد، بل بدايته. الخطط استمرت، والتهديد ظل قائماً.

والأكثر إثارة أن هذه الوثيقة، التي كانت متاحة للباحثين لأكثر من ٢٥ عاماً، أزيلت من الأرشيف قبل سنوات. لم يعد بإمكان أحد الاطلاع عليها . محو الذاكرة مستمر.

٦. النقب: ترحيل البدو

في النقب، كان الوضع مختلفاً. المنطقة شاسعة، قليلة السكان، ذات أهمية استراتيجية. البدو الذين عاشوا فيها لقرون كانوا العقبة الوحيدة أمام السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

في تشرين الثاني ١٩٥١، بدأ الجيش الإسرائيلي عملية كبرى لطرد البدو من شمال غرب النقب. القائد: موشيه دايان، قائد المنطقة الجنوبية. الخطة: نقل البدو قسراً من مناطقهم إلى منطقة شرقية محدودة، شمال خط الخليل-بئر السبع .

في رسالة كتبها دايان، وصف العملية: "نقل البدو إلى مناطق جديدة سيلغي حقهم كمالكين للأراضي، وسيتحولون إلى مستأجرين لأراضي الحكومة" .

هذه العبارة تكشف الهدف الحقيقي: ليس "أمنياً" فقط، بل ملكية الأرض. بدو النقب كانوا يملكون أراضيهم منذ قرون. طردهم من مناطقهم يعني مصادرة هذه الأراضي، وتحويلهم إلى نازحين في وطنهم.

رئيس الأركان يغائيل يادين وافق على الخطة. وكتب أنه إذا لم ينتقل البدو "طوعاً"، فسيضطر الجيش إلى "نقلهم قسراً" .

كيف نُفذت العملية؟ بالتهديد، والعنف، والرشوة، والاحتيال. هكذا وصفتها وثائق رسمية كشفت مؤخراً . الجنود كانوا يداهمون الخيام، ويجمعون العائلات، ويجبرونهم على التوجه جنوباً. من رفض، كان يتعرض للضرب أو الاعتقال. من عاد، كان يُطرد مجدداً.

المؤرخ الإسرائيلي غادي ألجازي، الذي درس هذه الوثائق لثماني سنوات، يقول إن كبار المسؤولين الإسرائيليين كانوا يعرفون أن هذه العملية "غير قانونية". لذلك تجنبوا إصدار أوامر طرد كتابية. كل شيء كان شفهياً .

ويضيف ألجازي: "كان من المذهل رؤية العناد الذي تشبث به البدو بأرضهم، حتى مع الجوع والعطش والتهديدات والعنف العسكري" .

العملية لم تنجح تماماً. بعض البدو بقوا. لكن آلافاً آخرين هُجروا. حتى اليوم، هناك ٣٥ قرية بدوية "غير معترف بها" في النقب، يسكنها حوالي ١٠٠ ألف مواطن فلسطيني، محرومون من الماء والكهرباء والخدمات الأساسية . التطهير مستمر.

٧. قانون أملاك الغائبين: شرعنة السرقة

في آذار ١٩٥٠، أقر الكنيست الإسرائيلي "قانون أملاك الغائبين". كان هذا القانون تتويجاً لعملية بدأت في ١٩٤٨، وهدفها شرعنة مصادرة أملاك اللاجئين الفلسطينيين.

من هو "الغائب"؟ حسب القانون، هو أي شخص كان في فلسطين بين ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ و ١ أيلول ١٩٤٨، وغادرها إلى أي مكان خارج إسرائيل. حتى لو غادر قريته المجاورة، أو حتى بيته المجاور، يعتبر "غائباً".

أملاك الغائبين تنتقل إلى "وصي أملاك الغائبين"، وهو مسؤول حكومي، يُديرها ويستثمرها، ويمكنه بيعها للغير. هكذا، صودرت مئات آلاف الدونمات، وعشرات آلاف المنازل، والمتاجر، والمصانع، والحقول.

لكن القانون لم يطبق على اللاجئين فقط. طبق أيضاً على الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل. إذا غادر شخص قريته أثناء الحرب، حتى لو عاد بعد أسابيع، يعتبر "غائباً". أملاكه تصادر. حتى لو كان لا يزال في البلاد.

هذا ما حدث لآلاف الفلسطينيين الذين تحولوا إلى "غائبين حاضرين". كانوا موجودين جسدياً في إسرائيل، لكن القانون عاملهم كغائبين. أملاكهم صودرت، وحقوقهم ألغيت.

القانون كان ذكياً في وحشيته. لم يكن بحاجة إلى جيوش ولا مجازر. فقط إلى بيروقراطية باردة، توقع أوراقاً، وتصادر ممتلكات، وتشرعن السرقة.

٨. الحكم العسكري: ١٩٤٨١٩٦٦

في ٢١ تشرين الأول ١٩٤٨، وقبل انتهاء الحرب، فرض الجيش الإسرائيلي حكماً عسكرياً على المناطق ذات الأغلبية الفلسطينية. هذا الحكم استمر رسمياً حتى ١٩٦٦. ثمانية عشر عاماً من الاستثناء.

ماذا يعني الحكم العسكري؟ يعني أن الفلسطينيين في إسرائيل لم يكونوا مواطنين عاديين. كانوا "أقلية معادية" تحت المراقبة. كل تحركاتهم تحتاج إلى تصاريح. الخروج من القرية، الدخول إلى المدينة، السفر للعمل، زيارة الأقارب. كل شيء يحتاج إلى ورقة من الحاكم العسكري.

التصاريح كانت تُمنح أو تُرفع حسب المزاج. أحياناً تُعطى، وأحياناً ترفع. أحياناً تُلغى فجأة. العمال كانوا يستيقظون باكراً، يسافرون إلى المدن للعمل، ثم يجدون أن تصاريحهم ألغيت، ولا يستطيعون العودة. أو يجدون أن قراهم أعلنت منطقة عسكرية مغلقة، فلا يستطيعون الدخول.

الحكم العسكري كان أداة ضغط دائمة. الفلسطيني يعيش تحت تهديد مستمر. أي خطأ، أي شبهة، أي علاقة غير مرغوب فيها، يمكن أن تعني الطرد، أو الاعتقال، أو مصادرة التصريح.

لكن الحكم العسكري كان أيضاً أداة لمصادرة الأراضي. إعلان منطقة "منطقة عسكرية مغلقة" يعني منع الفلسطينيين من زرع أراضيهم. وإذا لم يزرعوها، تصبح "أرض بور"، وتصادرها الدولة. دائرة مفرغة من السرقة القانونية.

الوثائق التي كشفها الباحث آدم راز تظهر أن الحكومة الإسرائيلية كانت تخشى من أن الحكم العسكري قد يثير انتقادات دولية. لذلك، كانوا حريصين على إبقائه "مؤقتاً" نظرياً، ودائماً عملياً .

٩. مجزرة كفر قاسم: ٤٩ قتيلاً في نصف ساعة

في ٢٩ تشرين الأول ١٩٥٦، قبل يومين من العدوان الثلاثي على مصر، ارتكب الجيش الإسرائيلي واحدة من أبشع مجازره بحق مواطنيه الفلسطينيين.

قرية كفر قاسم، في المثلث الشمالي، كانت خاضعة للحكم العسكري. في ذلك اليوم، فرضت السلطات حظر تجول على القرى العربية، يبدأ من الساعة الخامسة مساءً. لكن العمال الذين كانوا يعملون خارج القرية لم يعلموا بالتغيير. عادوا كعادتهم بين الخامسة والسادسة.

عند مدخل القرية، كان جنود حرس الحدود في انتظارهم. القائد، الرائد شموئيل ملينكي، تلقى تعليمات من المقدم يشاحار شادمي: "أطلق النار على كل من يخالف الحظر". عندما سأل ملينكي: "ماذا عن النساء والأطفال؟" أجاب شادمي: "الله يرحمهم" (Allahu Yerhamaum)، عبارة عربية تعني الدعاء للميت .

وهكذا بدأت المذبحة. العمال يعودون إلى بيوتهم، على دراجات هوائية أو سيراً على الأقدام، فيفاجأون بنيران كثيفة. ٤٩ قتيلاً في نصف ساعة. بينهم نساء، وأطفال، واحدهم كان في الثامنة من عمره، وآخر في الثانية عشرة. امرأة حامل قتلت هي وجنينها.

المجزرة هزت الرأي العام الإسرائيلي. لكن التعامل معها كان نموذجياً. تحقيق عسكري. محاكمة شكلية. إدانة ثمانية جنود. أحكام بالسجن تراوحت بين ٧ سنوات و١٥ سنة. لكن الأحكام خُففت سريعاً. بحلول ١٩٦٠، كان جميع المدانين طلقاء.

أما شادمي، القائد الأعلى، فقد حوكم بتهمة "تجاوز السلطة"، وأدين، وغرّم بـ"عشرة قروش" (١٠ بروتوت). نعم، عشرة قروش . هذه هي قيمة حياة ٤٩ فلسطينياً في العدالة الإسرائيلية.

بعد إطلاق سراحه، كافئته الدولة بعقود مربحة كمقاول في وزارة الدفاع. اعترف لاحقاً في مقابلة أن محاكمته كانت "مسرحية" .

مجزرة كفر قاسم لم تكن حادثاً منفرداً. كانت تتويجاً لمنهج. رسالة واضحة للفلسطينيين في إسرائيل: أنتم مواطنون من الدرجة الثانية، وحياتكم لا تساوي أكثر من عشرة قروش.

١٠. عملية الخلد (مابيريت): خطة ترحيل جماعي

لكن كفر قاسم لم تكن مجرد خطأ. كانت جزءاً من خطة أكبر. خطة سرية اسمها "عملية الخلد" (מבצע חפרפרת)، أو "المخطط الأزرق-٥٩" .

هذه الخطة، التي أعدتها القيادة العسكرية الإسرائيلية في ١٩٥٤١٩٥٥، كانت تهدف إلى ترحيل جماعي للفلسطينيين من إسرائيل في حالة نشوب حرب مع الأردن. الفكرة: استغلال الفوضى المتوقعة لطرد أكبر عدد ممكن من المواطنين الفلسطينيين عبر الحدود.

تفاصيل الخطة لا تزال سرية حتى اليوم. الباحث آدم راز، الذي كتب كتاباً عن مجزرة كفر قاسم، يقول إن معظم المواد المتعلقة بالعملية لا تزال مصنفة . ويضيف المفارقة: "اكتشفت أنه من الأسهل الكتابة عن تاريخ البرنامج النووي الإسرائيلي من الكتابة عن سياسات إسرائيل تجاه مواطنيها العرب" .

لكن المعلومات المتاحة تشير إلى أن الخطة كانت تتضمن إنشاء حالة من الفوضى، ثم دفع الفلسطينيين للفرار. مجزرة كفر قاسم، التي وقعت قبل أيام من العدوان الثلاثي على مصر، ربما كانت اختباراً لهذه الخطة. أو ربما كانت بداية تنفيذها.

راز يعتقد أن محاكمة شادمي كانت مسرحية متقنة لحماية القيادة العليا: بن غوريون، موشيه دايان، وتسفي تسور . بن غوريون حرص على تعيين قضاة عسكريين خدموا تحت قيادة تسور. جزء من المحاكمة جرى خلف أبواب مغلقة. والنتيجة كانت إدانة صغار المنفذين وتبرئة كبار المخططين.

شادمي نفسه اعترف لراز قبل وفاته بعام: "قيل لي لا تقلق. ستحصل على أفضل دفاع. يمكنك الاعتراض على القضاة إذا كنت لا تثق بهم". وبالفعل، لم يقلق. حصل على عشرة قروش، ثم على عقود مربحة.

١١. الاغتصاب في بن غوريون: ما كتبه في مذكراته

في عام ٢٠٢١، كشفت صحيفة "هآرتس" عن مفاجأة مدوية. مذكرات بن غوريون غير الخاضعة للرقابة تحتوي على إشارات إلى اغتصاب جنود إسرائيليين لفلسطينيات خلال حرب ١٩٤٨ .

بن غوريون، أبو الأمة، المؤسس، الأول بين المتساوين، كتب في مذكراته عن "قضايا اغتصاب" حدثت. لم يدينها بقوة. لم يأمر بمحاكمة مرتكبيها. فقط سجلها، ثم مر إلى موضوع آخر.

هذه المذكرات كانت متاحة للباحثين لعقود، لكن بنسخ "منقحة". النسخ الكاملة بقيت سرية. وعندما نُشرت أخيراً، ظهرت التفاصيل المخفية.

الاغتصاب لم يكن مجرد "تجاوزات فردية". كان جزءاً من منهج الإرهاب الذي تحدث عنه ماكسيم كوهين في شهادته. كان وسيلة لبث الرعب، وإذلال المجتمع، ودفع الناس للهروب. وقد استمر بعد ١٩٤٨، في المناطق الخاضعة للحكم العسكري، وفي القرى المهجورة، وفي كل مكان تواجد فيه جنود إسرائيليون ونساء فلسطينيات بلا حماية.

إخفاء هذه المذكرات لعقود هو جزء من عملية محو الذاكرة. بن غوريون نفسه أراد أن تبقى بعض أسراره مدفونة. لكن الحقيقة تظهر دائماً، ولو بعد حين.

١٢. تهجير ٣٠٤٠ ألفاً: الأرقام الصامتة

كم فلسطينياً هُجِّر بعد ١٩٤٨؟ الإجابة الدقيقة مستحيلة، لأن السجلات غير مكتملة، وكثير من العمليات تمت سراً. لكن التقديرات تشير إلى أرقام كبيرة.

المؤرخ بيني موريس يتحدث عن ٣٠٤٠ ألف فلسطيني هُجِّروا بين ١٩٤٩ و١٩٥٦ . هذا العدد لا يشمل سكان النقب الذين طردوا، ولا القرى الحدودية التي أُخليت، ولا "المتسللين" الذين أعيد طردهم.

٣٠٤٠ ألف. هذا يعني أن النكبة استمرت بعد ١٩٤٨ بنسبة ٥١٠٪ من العدد الأصلي للاجئين. يعني أن كل عام من تلك السنوات السبع شهد تهجير آلاف جدد.

وهذا العدد لا يشمل من منعوا من العودة. آلاف الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى بيوتهم بعد انتهاء الحرب، وأطلق عليهم النار على الحدود، أو اعتقلوا، ثم طردوا مجدداً. هؤلاء لم يُحصوا كـ"لاجئين جدد"، لأنهم كانوا لاجئين أصلاً.

عملية "التسلل" كانت كبيرة. الفلسطينيون لم يقبلوا بفقدان بيوتهم. حاولوا العودة، أو استعادة ممتلكاتهم، أو زيارة عائلاتهم. الجيش الإسرائيلي تعامل معهم بقسوة. قتل مئات، واعتقال آلاف، وطرد متكرر.

اتفاقية يونيو ١٩٤٩ بين يوشع بالمون، مستشار رئيس الوزراء لشؤون العرب، والمطران جورج حكيم، سمحت بعودة ٥٠٠ لاجئ يوناني كاثوليكي، ومنحت ٢٠٠٠ آخرين حق البقاء. في المقابل، تعهد المطران بمكافحة "التسلل" والتحدث ضد عودة اللاجئين في المحافل الدولية . هذا الاتفاق، الذي ظل سرياً لعقود، يكشف كيف استخدمت إسرائيل "العودة الجزئية" كورقة ضغط، وليس كحق إنساني.

١٣. المثلث: تبادل الأراضي والسكان

اتفاقيات الهدنة مع الأردن تركت قضية "المثلث" معلقة. المثلث هو منطقة من القرى العربية غرب الخط الأخضر، التي احتلتها إسرائيل خلال الحرب. في البداية، كان مصيرها غير واضح.

في ١٩٤٩، تم تبادل أراض بين إسرائيل والأردن. إسرائيل تنازلت عن أراضٍ في الخليل، والأردن تنازل عن أراضٍ في المثلث. ونتيجة لذلك، ضمت إسرائيل رسمياً حوالي ٣٠ قرية عربية في المثلث، وسكانها (حوالي ٣٠ ألف نسمة) أصبحوا مواطنين إسرائيليين .

هذه القرى نجت من التدمير، لكنها لم تنجو من المصادرة. أراضيها صودرت بموجب قوانين مختلفة. سكانها وضعوا تحت الحكم العسكري. حرموا من حقوقهم كمواطنين. عاشوا في حالة من التهميش الدائم.

المثلث أصبح نموذجاً للفلسطيني "الموجود" في إسرائيل. موجود جسدياً، لكنه غائب قانونياً. موجود كمواطن، لكنه محروم من المساواة. موجود كإنسان، لكنه يعامل كعدو.

١٤. المواطنة والولاء: قانون العودة وقانون الجنسية

في ١٩٥٠، أقر الكنيست "قانون العودة". هذا القانون يمنح كل يهودي في العالم الحق في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية فور وصوله. اليهودي الذي لم تطأ قدماه فلسطين من قبل له حقوق أكثر من الفلسطيني الذي عاش فيها لألف عام.

في ١٩٥٢، أقر "قانون الجنسية". هذا القانون حدد شروط الحصول على الجنسية الإسرائيلية. الفلسطينيون الذين بقوا حصلوا عليها، لكن بشروط مجحفة. كان عليهم إثبات وجودهم في إسرائيل بين ١٩٤٨ و١٩٥٢، وتقديم طلبات، واجتياز اختبارات ولاء.

آلاف الفلسطينيين الذين هُجروا ثم عادوا (أو "تسللوا") وجدوا أنفسهم بلا جنسية. أصبحوا "مقيمين دائمين" أو "غائبين حاضرين". يعيشون في وطنهم بلا وطنية.

هذه القوانين مجتمعة خلقت نظاماً قانونياً عنصرياً. نظام يعطي اليهودي من أي بلد في العالم حقوقاً لا تُمنح للفلسطيني المولود في أرضه. نظام يكرس "يهودية الدولة" على حساب سكانها الأصليين.

١٥. سياسة منع العودة: القتل على الحدود

من أهم عناصر استمرار التطهير كانت سياسة منع عودة اللاجئين. إسرائيل قررت، منذ البداية، أن لا أحد سيعود.

الحدود أصبحت منطقة موت. دوريات عسكرية على مدار الساعة. حقول ألغام. أوامر صارمة: أطلق النار على كل من يقترب. آلاف الفلسطينيين قتلوا وهم يحاولون العودة إلى بيوتهم. آلاف آخرون اعتقلوا، ثم طردوا مجدداً.

في بعض الحالات، سمحت إسرائيل بعودة محدودة كجزء من "لم الشمل". لكن الشروط كانت تعجيزية. المرأة المتزوجة من رجل في إسرائيل يمكنها العودة، لكن أولادها لا يمكنهم. الرجل لا يمكنه العودة إلا في حالات نادرة جداً.

سياسة منع العودة كانت عنصراً أساسياً في "لجنة النقل". فايتس ودانون وساسون كتبوا في مذكرتهم لبن غوريون: يجب "منع عودة الفلسطينيين إلى بيوتهم" . ونفذوا.

العودة هي الهاجس الإسرائيلي الأكبر. لأن عودة لاجئ واحد تعني اعترافاً بالجريمة. وإذا عاد واحد، لماذا لا يعود الباقون؟ لذلك، فضلت إسرائيل القتل على العودة. وآلاف القتلى على الحدود هم شهداء حق العودة.

١٦. الاعترافات الدولية: محاولات حل والرفض الإسرائيلي

المجتمع الدولي لم يصمت تماماً. قرار الجمعية العامة ١٩٤ (١٩٤٨) نص على حق اللاجئين في العودة أو التعويض. لكن القرارات بقيت حبراً على ورق.

في ١٩٤٩، اقترحت لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة عودة ٢٠٠٢٥٠ ألف لاجئ. إسرائيل رفضت. بن غوريون قال إن هذا العدد سيرفع نسبة العرب إلى ٣٠٪، وهذا "غير مقبول" .

الضغط الأمريكي كان موجوداً. ترومان دعا إسرائيل إلى قبول عودة عدد كبير من اللاجئين. لكن بن غوريون كان ذكياً. لم يرفض بشكل مطلق. قال إن المسألة يجب أن تُحل في مؤتمر سلام شامل. ووضع الكرة في ملعب العرب. وبما أن العرب رفضوا التفاوض، بقي الموقف الإسرائيلي ثابتاً .

هكذا، استخدمت إسرائيل الدبلوماسية لشراء الوقت. ومع مرور الوقت، تلاشى الضغط الدولي. أصبحت القضية "مجردة" تُذكر في البيانات، ولا تُعالج على الأرض.

١٧. منع التأريخ: إخفاء الوثائق

كل هذه الجرائم لم تكن لتحدث دون تغطية. والتغطية كانت على مستويين: التغطية العسكرية المباشرة، والتغطية الأرشيفية اللاحقة.

بعد عقود من الأحداث، بدأت إسرائيل في إخفاء الوثائق التي تثبت استمرار التطهير بعد ١٩٤٨. وثائق عن إقرت وكفر برعم اختفت. وثائق عن خطة ترحيل الجليل أغلقت. وثائق عن النقب صنفت "سرية". وثائق عن عملية الخلد لا تزال ممنوعة.

الباحث آدم راز، الذي طالب بكشف وثائق كفر قاسم، قال إن "معظم المواد لا تزال سرية" . وهذا بعد سبعة عقود.

محو الذاكرة ليس مجرد حادث. هو سياسة. سياسة تهدف إلى جعل المستقبل غير قادر على محاكمة الماضي. سياسة تهدف إلى جعل الفلسطينيين عاجزين عن إثبات روايتهم.

لكن كما رأينا في الفصول السابقة، الوثائق تظهر من مكان آخر. في أرشيفات الأحزاب. في مذكرات القادة. في مجموعات خاصة مثل مجموعة كوتسير. إسرائيل تخفي، لكن الحقيقة تبحث عن نفسها.

١٨. من ١٩٥٦ إلى ٢٠٢٦: استمرارية التطهير

ما حدث في ١٩٤٩١٩٥٦ لم يتوقف عند ١٩٥٦. استمر في ١٩٦٧، عندما احتلت إسرائيل الضفة وغزة، وطردت ٣٠٠ ألف جديد. استمر في ١٩٨٢، عندما اجتاحت لبنان، وطردت منظمة التحرير، وارتكبت مجزرة صبرا وشاتيلا. استمر في ٢٠٢٣٢٠٢٦، عندما هجّرت ١.٩ مليون من غزة.

كل هذه ليست حوادث منفصلة. هي حلقات في سلسلة واحدة. سلسلة التطهير العرقي المستمر. سلسلة النكبة التي لا تنتهي.

الأساليب تطورت. في ١٩٤٨، كان الطرد بالرصاص والرشاشات. في ١٩٥٠، كان بالحكم العسكري والتصاريح. في ٢٠٢٤، كان بالقنابل الذكية والحصار والتجويع. لكن الهدف واحد: تقليص الوجود الفلسطيني، وإحلال المستوطنين محله.

الوثائق التي كُشفت عن الخمسينات تساعدنا على فهم الحاضر. تظهر أن القتل الجماعي ليس خطأ، بل سياسة. تظهر أن منع العودة ليس إجراءً مؤقتاً، بل استراتيجية دائمة. تظهر أن إسرائيل لم تتغير، بل أصبحت أكثر كفاءة في جرائمها.

١٩. الذاكرة الفلسطينية: ما لا يمكن إخفاؤه

لكن رغم كل محاولات الإخفاء، بقيت الذاكرة الفلسطينية حية. أهالي إقرت ما زالوا يزورون كنيستهم كل عام. أهالي كفر برعم ما زالوا يصلون فيها. أهالي كفر قاسم ما زالوا يروون قصة المجزرة لأطفالهم. بدو النقب ما زالوا يزرعون أراضيهم رغم كل المحاولات لطردهم.

الذاكرة الفلسطينية أقوى من كل وثائق "مالاب". لأنها ليست مخزنة في أدراج، بل في قلوب. ليست مكتوبة بحبر يبهت، بل بدم لا يجف.

في كل ذكرى للنكبة، يخرج الفلسطينيون في مسيرات العودة. في كل عام، يرفعون مفاتيحهم القديمة. في كل جيل، يعيدون سرد القصة. ليس لأنهم يعيشون في الماضي، بل لأن الماضي ما زال حياً في حاضرهم.

النكبة المستمرة تعني أن الجرح مفتوح. أن الذاكرة حية. أن العودة ليست حلماً، بل حقاً. حقاً غير قابل للتصرف.

٢٠. الخلاصة: سبع سنوات من التطهير الصامت

١٩٤٩١٩٥٦. سبع سنوات. ليست حرباً مفتوحة، لكنها ليست سلاماً. ليست مجازر كبرى مثل ١٩٤٨، لكنها موت بطيء. ليست تهجيراً جماعياً مثل ١٩٤٨، لكنها تهجير متواصل.

في هذه السنوات السبع، تعلمت إسرائيل كيف تمارس التطهير بدون ضجيج. بالتصاريح، بالقوانين، بالبيروقراطية، بالعنف الخفي، بالقتل على الحدود، بالمصادرة الهادئة.

تعلمت كيف تجعل الفلسطيني يعيش في وطنه كغريب. كيف تحوله من مالك أرض إلى مستأجر. كيف تحوله من مواطن إلى "حالة أمنية".

هذه السنوات السبع هي التي شكلت واقع الفلسطينيين في إسرائيل حتى اليوم. واقع التهميش، والتمييز، والمصادرة، والحنين إلى قرًى لم تعد موجودة.

وثائق هذه السنوات، التي بدأت تظهر مؤخراً، تكشف ما حاولت إسرائيل إخفاءه: أن التطهير لم ينتهِ في ١٩٤٨. استمر. وما زال مستمراً.


……..

الفصل العاشر: غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦ - النكبة الثانية

١. مقدمة: حين يعيد التاريخ نفسه

في صباح السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، اخترقت المقاومة الفلسطينية السياج الفاصل حول غزة. في المساء، بدأت إسرائيل قصفها الانتقامي. وفي الأيام التالية، تحول القصف إلى إبادة. وفي الأسابيع التالية، تحولت الإبادة إلى نكبة جديدة.

منذ ذلك التاريخ، والعالم يشاهد مشاهد لم يشهدها منذ ١٩٤٨. عائلات تمحى من السجل المدني. أطفال ينتشلون من تحت الأنقاض. شيوخ يموتون جوعاً. مستشفيات تقصف. مدارس تتدمر. مخيمات تسوى بالأرض. ومليونا إنسان يهجرون من شمال القطاع إلى جنوبه، ثم من جنوبه إلى موت محقق.

"إنها النكبة بعينها"، قالها فلسطينيون كبار في السن، عاشوا ١٩٤٨ ورأوا ٢٠٢٤. "نفس المشاهد. نفس الخوف. نفس الطرقات المليئة بالناس يحملون أطفالهم وأكفانهم. الفرق أن الكاميرا موجودة هذه المرة".

هذا الفصل هو عن تلك النكبة الثانية. عن غزة التي أصبحت مختبراً للإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين. عن استمرارية التطهير العرقي من ١٩٤٨ إلى ٢٠٢٦. عن التواطؤ الدولي الذي يجعل الجريمة تتكرر. وعن الصمود الفلسطيني الذي يحول النكبة إلى مقاومة.

في هذا الفصل، سنقرأ غزة بعيون ١٩٤٨. سنرى كيف تعيد إسرائيل إنتاج أساليبها نفسها، بنفس المنطق، وبنفس الوحشية، ولكن بقدرة تدميرية أكبر وإفلات أوسع من العقاب. سنرى أن ما يحدث في غزة ليس حرباً، بل هو "النكبة المستمرة" في أقصى تجلياتها.

٢. سبعة أكتوبر: الذريعة والثمن

في ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، شنت حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية هجوماً غير مسبوق على المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لغزة. العملية، التي أسموها "طوفان الأقصى"، أسفرت عن مقتل حوالي ١٢٠٠ إسرائيلي، وأسر أكثر من ٢٤٠ آخرين.

كان هذا الحدث هو الذريعة التي انتظرتها إسرائيل. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعلن فوراً: "سنحول غزة إلى مدينة أشلاء". وزير الدفاع يوآف غالانت وصف الفلسطينيين بـ"الحيوانات البشرية". وقيادة الجيش أعلنت "حصاراً شاملاً": لا ماء، لا طعام، لا كهرباء، لا وقود.

لكن المؤرخ والمحلل الإسرائيلي آدم راز يرى أن هذا الرد لم يكن مجرد "رد فعل" على هجوم ٧ أكتوبر. هو استمرار لعقيدة قتالية تكونت في ١٩٤٨. في مقال نشرته "هآرتس" عام ٢٠٢٦، كتب راز: "ما نراه في غزة اليوم هو نفس العقلية التي أنتجت أوامر إسحاق بروشي في ١٩٤٨. نفس الفكرة: أن الفلسطيني عدو يجب إزالته، وأن الإرهاب وسيلة مشروعة، وأن المدنيين ليسوا مدنيين، بل عدو محتمل" .

نعم، ٧ أكتوبر كان صادماً لإسرائيل. لكنه لم يكن مبرراً لقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتدمير أحياء سكنية كاملة، وتجويع مليوني إنسان. هذا ليس "دفاعاً عن النفس". هذا تطهير عرقي.

٣. أول مئة يوم: إبادة بالتقسيط

في الأيام المئة الأولى من الحرب، ارتكبت إسرائيل مجازر يومية. لم يكن هناك يوم يمر دون قصف مدرسة، أو مستشفى، أو سوق شعبي، أو مبنى سكني.

الأرقام وحدها لا تعبر عن المأساة، لكنها ضرورية للتوثيق. بحلول منتصف كانون الثاني ٢٠٢٤، كانت حصيلة القتلى قد تجاوزت ٢٤ ألفاً، أكثر من ٧٠٪ منهم نساء وأطفال. الجرحى تجاوزوا ٦٠ ألفاً. المفقودون تحت الأنقاض عشرات الآلاف .

لكن الرقم الأكثر دلالة كان عدد المهجرين: ١.٩ مليون إنسان. هذا يعني أن أكثر من ٨٥٪ من سكان غزة أجبروا على ترك منازلهم، معظمهم أكثر من مرة. بعضهم هجر خمس أو ست مرات، يبحث عن مكان آمن لا وجود له في غزة.

المشاهد كانت تتكرر كالكابوس: عائلات تمشي على الأقدام تحت القصف، تحمل أطفالها وأكفانها. نساء يولدن في الشوارع. شيوخ يموتون على قارعة الطريق. أطفال يكتبون أسماءهم على أذرعهم بالماركر، ليعرفهم أحد إذا قتلوا.

الصحفي الفلسطيني وائل الدحدوح، الذي استشهد عدد من أفراد عائلته في القصف، وصف المشهد: "هذه ليست حرباً. هذه إبادة جماعية. العالم يرانا نموت، ولا يفعل شيئاً".

هذه المشاهد هي بالضبط ما وصفه الناجون من نكبة ١٩٤٨. في كل الروايات الشفوية، يتكرر وصف "الطرق المليئة بالناس"، "الخوف من الموت"، "فقدان كل شيء". الفرق أن كاميرات الهواتف المحمولة وثقت هذه المرة ما لم يستطع أحد توثيقه في ١٩٤٨.

٤. مستشفى المعمداني: مجزرة على الهواء

في ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، وقعت واحدة من أبشع مجازر الإبادة في غزة. الطيران الإسرائيلي قصف المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في مدينة غزة، الذي كان يؤوي آلاف النازحين.

الانفجار هائل. النيران تلتهم كل شيء. الجثث متناثرة في كل مكان. المشهد لا يحتمل. حصيلة القتلى الأولية تجاوزت ٥٠٠. كثيرون احترقوا حتى الموت. كثيرون بترت أطرافهم. كثيرون فقدوا كل عائلاتهم في لحظة.

الجيش الإسرائيلي نفى مسؤوليته. قال إن الصاروخ أطلق بالخطأ من حركة الجهاد الإسلامي. لكن الأدلة كانت كلها ضده. شكل الحفرة، نوع القنبلة، مسار الصاروخ، كل شيء يشير إلى أن القصف إسرائيلي.

الجزيرة ووسائل إعلام أخرى وثقت التفاصيل. لكن الإدانة الدولية كانت هزيلة. بعض البيانات. بعض التغريدات. ثم الانتقال إلى الخبر التالي.

مستشفى المعمداني لم يكن مجرد جريمة حرب. كان رسالة: لا مكان آمناً في غزة. لا مستشفى يحمي. لا كنيسة (المعمداني تابع للكنيسة الأسقفية) تقدس. الجميع هدف.

هذا يذكرنا بمجزرة دير ياسين في ١٩٤٨. هناك أيضاً، قتل المدنيون في بيوتهم، في ملاجئهم، في أماكن عبادتهم. الرسالة نفسها: لا مكان لكم هنا. ارحلوا أو موتوا.

٥. مدرسة الشابورة: تكرار سيناريو الصفصاف

في تشرين الثاني ٢٠٢٣، قصفت إسرائيل مدرسة الشابورة في مخيم جباليا، التي تؤوي آلاف النازحين. مئات القتلى والجرحى. معظمهم نساء وأطفال. الجثث تتطاير في الهواء. الأشلاء تملأ ساحات المدرسة.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان مجزرة الصفصاف في ١٩٤٨. هناك أيضاً، كان المدنيون يبحثون عن ملجأ. هناك أيضاً، قصفوا وهم في أماكن لجوئهم. الفرق أن الصفصاف كانت قرية صغيرة، والشابورة كانت مدرسة مكتظة.

المجزرة لم تكن الأولى ولا الأخيرة. مدارس الأونروا قصفت تباعاً. أكثر من ١٩٠ مدرسة ومنشأة تعليمية دمرت كلياً أو جزئياً بحلول منتصف ٢٠٢٤. المنظومة التعليمية في غزة انهارت بالكامل. نصف مليون طفل حرموا من التعليم.

هذا هو التطهير العرقي الحديث: لا يكفي أن تقتل الناس. يجب أن تقتل مستقبلهم. الأطفال الذين يموتون تحت الأنقاض لن يعودوا ليطالبوا بحق العودة. الأطفال الذين يعيشون بصدمات لن يكونوا قادرين على بناء وطن.

٦. التهجير القسري: مسيرات الموت الجديدة

في ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٣، أصدر الجيش الإسرائيلي أمراً بإخلاء شمال غزة. أكثر من مليون إنسان طلب منهم المغادرة خلال ٢٤ ساعة. إلى أين؟ لا أحد يعرف. فقط "اذهبوا جنوباً".

بدأت مسيرات الموت الجديدة. طوابير لا تنتهي من البشر تمشي تحت القصف. بعضهم يحمل أطفاله على الأكتاف. بعضهم يدفع كبار السن في عربات خشبية. بعضهم يحمل أكفان الموتى تحسباً للقادم.

على الطرقات، كان الموت يتربص. قوافل النازحين قصفت. سيارات مدنية قصفت. حتى من وصل إلى "المناطق الآمنة" المزعومة، لم يكن آمناً. الجنوب يقصف مثل الشمال. رفح تقصف مثل غزة.

هذه المشاهد هي بالضبط ما حدث في "مسيرة الموت" من اللد والرملة عام ١٩٤٨. هناك أيضاً، أجبر عشرات الآلاف على السير تحت حرارة الصيف الحارقة، والجنود يطلقون النار على من يتخلف. مات المئات عطشاً وإرهاقاً في الطريق .

المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس وصف تلك المسيرة: "كانت مشاهد مروعة. الأطفال يموتون. الشيوخ يسقطون. والجنود يواصلون السير" . ما يحدث في غزة اليوم هو إعادة إنتاج لتلك المشاهد، بدقة مرعبة.

٧. التجويع كسلاح حرب

منذ اليوم الأول للحرب، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على غزة. لا ماء، لا طعام، لا دواء، لا وقود. هذا الحصار استمر شهوراً، وتسبب في مجاعة حقيقية.

تقارير الأمم المتحدة حذرت من أن نصف سكان غزة على حافة المجاعة. الأطفال يموتون سوء تغذية. المرضى يموتون لأن المستشفيات بلا وقود. الجرحى يموتون لأن الإسعاف لا يستطيع الوصول.

استخدام التجويع كسلاح حرب هو جريمة حرب بموجب القانون الدولي. لكن إسرائيل تجاهلت كل التحذيرات. وزير الدفاع غالانت قال صراحة: "لا كهرباء، لا طعام، لا ماء، لا وقود. نحن نحارب حيوانات بشرية".

هذه العبارة: "حيوانات بشرية". نفس اللغة التي استخدمها القادة الإسرائيليون في ١٩٤٨. نفس التجريد من الإنسانية الذي يسبق الإبادة. إذا كان الفلسطيني "حيواناً"، فليس هناك مانع أخلاقي من تجويعه وقتله.

الشاهد هنا هو ربيع إغبارية، الباحث في كلية الحقوق بجامعة هارفارد. في مقال رفضت مجلة أكاديمية نشره، كتب إغبارية أن ما يحدث في غزة هو "إبادة جماعية"، وأن الصمت الأكاديمي الغربي عن تسميتها يعكس "نفاقاً أخلاقياً" .

٨. المستشفيات تحت القصف

استهداف المستشفيات كان جزءاً مركزياً من خطة الإبادة. أكثر من نصف مستشفيات غزة توقف عن العمل خلال الأشهر الأولى. البقية تعمل بحدها الأدنى، بدون كهرباء، بدون ماء، بدون أدوية.

مستشفى الشفاء، أكبر مستشفى في غزة، كان مسرحاً لأبشع الجرائم. حاصرته الدبابات لأيام. قصفت أقسامه. اعتقل أطباؤه. وتحت الأنظار، مات مرضى العناية المركزة لأن الكهرباء قطعت. دفن عشرات الجثث في مقبرة جماعية داخل المستشفى لأن لا مكان تذهب إليه.

مستشفى الكويت في رفح قصف. مستشفى الأقصى في دير البلح قصف. مستشفى ناصر في خانيونس قصف. كل المستشفيات كانت أهدافاً.

المنظمات الدولية شبهت تدمير المنظومة الصحية في غزة بـ"كارثة صحية غير مسبوقة". لكن لا شيء حرك المجتمع الدولي. الصمت مستمر. والإبادة مستمرة.

٩. المخيمات: إعادة إنتاج ١٩٤٨

مخيمات اللجوء في غزة كانت هدفاً خاصاً. هذه المخيمات، التي أقيمت بعد ١٩٤٨ لإيواء اللاجئين الفلسطينيين، أصبحت الآن مستهدفة للتدمير.

مخيم جباليا قصف مراراً. بيوته دمرت فوق رؤوس سكانه. مخيم الشاطئ قصف. مخيم البريج قصف. مخيم المغازي قصف. كل المخيمات الثمانية في غزة تعرضت للقصف.

هذه المخيمات ليست مجرد تجمعات سكنية. هي رموز. رموز النكبة الأولى. عندما تقصف إسرائيل مخيم جباليا، هي تقصف ذاكرة ١٩٤٨. عندما تدمر بيوت اللاجئين، هي تقول لهم: نكبتكم لم تنتهِ. هي مستمرة. وهذه المرة، سندمر ملاجئكم أيضاً.

سليمان بشارات، الخبير بالشأن الإسرائيلي، يرى أن ما يحدث في المخيمات هو "جزء من عملية منظمة لإعادة تشكيل الوعي والبيئة الفلسطينية، في محاولة لخلق واقع جديد يفصل الإنسان عن تاريخه وأرضه" .

١٠. الصحفيون: شهداء الكلمة

في حرب الإبادة هذه، كان الصحفيون في ساحة الموت. أكثر من ١٤٠ صحفياً استشهدوا خلال الأشهر الأولى. بعضهم قتل مع عائلته بكاملها. بعضهم قتل وهو يصور. بعضهم قتل في مكاتبهم.

لماذا يستهدف الصحفيون؟ لأنهم شهود. لأن توثيقهم هو العدو الأكبر للإفلات من العقاب. في ١٩٤٨، لم يكن هناك صحفيون كثر. ما حدث بقي غامضاً جزئياً بسبب قلة التوثيق. في ٢٠٢٤، الصحفيون موجودون في كل مكان. والكاميرا لا تكذب.

لكن إسرائيل وجدت طريقة: اقتل الصحفيين. اقتل الشهود. اقتل التوثيق. هكذا، يمكن أن تستمر الجريمة دون أن يراها العالم. أو إذا رآها، فلا أحد يبقى ليحكي.

الصحفي وائل الدحدوح، الذي فقد عائلته، واصل التصوير حتى بعد استشهادهم. قال: "شهداء الصحافة هم ضمير الأمة. هم من ينقلون معاناة شعبنا للعالم. استهدافهم هو استهداف للحقيقة نفسها".

١١. المقابر الجماعية: تكرار سيناريو الصفصاف

بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض المناطق، بدأت تظهر مقابر جماعية. في مجمع الشفاء الطبي وحده، عُثر على مئات الجثث دفنت في مقبرة جماعية. بعض الجثث كانت مقيدة الأيدي. بعضها كان مقطوع الرأس. بعضها كان لنساء وأطفال.

هذه المشاهد تعيد إلى الأذهان مقابر الصفصاف الجماعية. هناك أيضاً، عُثر على عشرات الجثث في بئر القرية. هناك أيضاً، كان بعض الضحايا مقيدي الأيدي. هناك أيضاً، كان بينهم نساء وأطفال .

المنظمات الحقوقية طالبت بتحقيق دولي. إسرائيل نفت مسؤوليتها. قالت إن الفلسطينيين هم من دفنوا موتاهم. لكن شكل الجثث والأدلة المادية تشير إلى أن الكثيرين قتلوا بإعدامات ميدانية قبل الدفن.

الرقم الذي وثقه الدفاع المدني في غزة تجاوز ٣٠٠٠ جثة في مقابر جماعية مؤقتة، دفنت أثناء الحرب لعدم القدرة على دفنها بشكل لائق. كثير منها لا يزال مفقوداً تحت الأنقاض.

١٢. محكمة العدل الدولية: جنوب إفريقيا تتقدم

في كانون الأول ٢٠٢٣، اتخذت جنوب إفريقيا خطوة تاريخية. تقدمت بدعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة.

المرافعة كانت مفصلة. اعتمدت على تصريحات القادة الإسرائيليين التي تظهر "نية الإبادة". وزير الدفاع قال: "نحن نحارب حيوانات بشرية". رئيس الوزراء قال: "نحن شعب النور وهم شعب الظلام". جنود نشروا فيديوهات يرددون: "امح ذكر عماليق".

في كانون الثاني ٢٠٢٤، أصدرت المحكمة حكمها الأولي. اعتبرت أن "هناك خطراً حقيقياً ووشيكاً بارتكاب إبادة جماعية". وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الإبادة، والسماح بدخول المساعدات، وتقديم تقرير خلال شهر.

إسرائيل تجاهلت القرار. استمرت في القصف. استمرت في الحصار. استمرت في التدمير. واستمر المجتمع الدولي في الصمت.

الدعوى في محكمة العدل الدولية تذكرنا بدعوى جنوب إفريقيا السابقة ضد نظام الفصل العنصري. هناك أيضاً، كان القانون أداة في يد المظلومين. هناك أيضاً، استغرق الأمر عقوداً لتحقيق العدالة.

١٣. المحكمة الجنائية الدولية: مذكرات اعتقال تاريخية

في أيار ٢٠٢٤، اتخذ مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية كريم خان قراراً تاريخياً. طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين وقادة حماس.

القادة الإسرائيليون الذين طلب اعتقالهم: بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء، ويوآف غالانت وزير الدفاع. التهم: ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك التجويع كسلاح حرب، والقتل العمد، واستهداف المدنيين.

القرار أثار ضجة عالمية. إسرائيل نددت. أمريكا هددت بفرض عقوبات على المحكمة. وبعض الدول الأوروبية أعلنت دعمها.

لكن القرار كان خطوة مهمة. لأول مرة في التاريخ، يواجه قادة إسرائيليون خطر الاعتقال الدولي. لأول مرة، قد لا يستطيعون السفر إلى دول عديدة خوفاً من الملاحقة القضائية.

مذكرات الاعتقال تذكرنا بقضية شموئيل لاهيس في ١٩٤٩. لكن الفرق أن لاهيس كان جندياً صغيراً، دفع الثمن وحده. نتنياهو وغالانت هما القمة. هذه المرة، إسرائيل لا تستطيع تقديم "كبش فداء". المسؤولية تقع على الكبار.

١٤. التصريحات الإسرائيلية: اعترافات على الهواء

أحد الفروق الكبرى بين ١٩٤٨ و٢٠٢٤ هو أن القادة الإسرائيليين أصبحوا يصرحون بجرائمهم علناً. في ١٩٤٨، كانت الأوامر شفهية، والتصريحات سرية. في ٢٠٢٤، التصريحات على شاشات التلفزيون.

آفي ديختر، وزير الزراعة الإسرائيلي، قال في تصريح متلفز: "نحن الآن نشن حملة النكبة في غزة. إنها نكبة غزة ٢٠٢٣، وهكذا ستنتهي" .

أرييل كالنر، عضو الكنيست عن الليكود، قال: "هدفنا واحد: النكبة! نكبة ستطغى على نكبة ١٩٤٨" .

جنود إسرائيليون نشروا فيديوهات من غزة، وهم يرددون: "امح ذكر عماليق". عماليق في التوراة هو العدو الذي أمر الله بمحوه بالكامل: "رجالاً ونساءً أطفالاً ورضعاً". هذا ليس مجرد شعار. هو عقيدة دينية تبرر الإبادة.

هذه التصريحات هي الآن جزء من ملفات المحاكم الدولية. هي أدلة على "نية الإبادة" التي تتطلبها جريمة الإبادة الجماعية. إسرائيل لم تعد تخفي نواياها. أصبحت تعلنها بكل فخر.

١٥. التواطؤ الدولي: أمريكا والأسلحة

لم تكن إسرائيل لتستمر في الإبادة دون دعم دولي. الدعم الأمريكي كان الأساس.

منذ اليوم الأول، أعلنت إدارة بايدن دعمها الكامل لإسرائيل. أرسلت حاملات طائرات. زودت بالأسلحة والذخائر. واستخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع إصدار قرار بوقف إطلاق النار.

في كانون الأول ٢٠٢٣، استخدمت أمريكا الفيتو ضد قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار لأغراض إنسانية. في شباط ٢٠٢٤، استخدمت الفيتو مجدداً. وفي نيسان ٢٠٢٤، هددت بقطع تمويل الأونروا لأن الوكالة "متواطئة مع حماس".

ألمانيا كانت ثاني أكبر داعم. زودت إسرائيل بأسلحة بقيمة مئات الملايين. وبريطانيا أيضاً. وكندا. وفرنسا. وإيطاليا. كل الدول التي تتغنى بحقوق الإنسان كانت تمد يد العون للإبادة.

هذا التواطؤ يذكرنا بدعم الغرب لإسرائيل في ١٩٤٨. في ذلك الوقت، كان الدعم سياسياً ودبلوماسياً. اليوم، هو عسكري ومباشر. إسرائيل تذبح، والغرب يوفر السكاكين.

١٦. التواطؤ العربي: التطبيع والصمت

الجانب الآخر من التواطؤ كان عربياً. دول طبعت مع إسرائيل (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) لم تقطع علاقاتها. بعضها استمر في التعاون الاقتصادي والأمني.

مصر، التي تسيطر على معبر رفح، شاركت في الحصار. أغلقت المعبر لأيام وأسابيع، ومنعت دخول المساعدات. بعض المساعدات كانت تدخل، لكن بكميات لا تكفي إلا لخداع الضمير.

الأردن، الذي وقع معاهدة سلام مع إسرائيل، استمر في العلاقات. السلطة الفلسطينية في رام الله، التي تديرها حركة فتح، كانت في حالة انقسام مع حماس، ولم تلعب دوراً كبيراً في الضغط.

هذا الصمت العربي يذكرنا بصمت ١٩٤٨. في ذلك الوقت، كانت الجيوش العربية تدخل الحرب، لكنها خسرت. اليوم، لا جيوش تدخل. فقط بيانات غاضبة لا تسمن ولا تغني من جوع.

سليمان بشارات يعلق: "ما يجري اليوم هو صراع وجود، تحاول فيه إسرائيل إعادة تعريف علاقة الفلسطيني بأرضه وهويته، في وقت يخوض فيه الفلسطيني معركة الدفاع عن الرواية والحق في العودة في وجه محاولات الطمس والتشويه" .

١٧. المقاومة مستمرة: طوفان الأقصى

في مقابل كل هذا الرعب، كانت المقاومة مستمرة. طوفان الأقصى لم يكن مجرد هجوم عسكري. كان بياناً بأن الشعب الفلسطيني لا يزال موجوداً. لا يزال يقاوم. لا يزال يرفض النكبة.

المقاومون في غزة قاتلوا ببسالة. استخدموا الأنفاق. استخدموا الصواريخ البدائية. استخدموا أجسادهم دروعاً. واجهوا أقوى جيش في المنطقة بوسائلهم المتواضعة.

الخسائر كانت هائلة. آلاف المقاتلين استشهدوا. لكن الرسالة وصلت: نحن هنا. لن نرحل. لن نستسلم.

هذه المقاومة تذكرنا بمقاومة ١٩٤٨. في ذلك الوقت أيضاً، قاتل الفلسطينيون ببسالة. لكنهم كانوا وحيدين، منظمين بشكل سيئ، وخانهم قادتهم. اليوم، هم أكثر خبرة، وأكثر تنظيماً، وأكثر وعياً.

بيان "المسار الثوري البديل" في ذكرى النكبة ٢٠٢٥ قال: "طوفان الأقصى نقل حق العودة والتحرير من الحيّز التاريخي إلى حيّز الإمكانية الواقعية" . هذا هو الأمل: أن ما كان حلماً أصبح ممكناً.

١٨. المظاهرات العالمية: تغير في الوعي

رغم كل التواطؤ الرسمي، كان هناك تغير كبير في الوعي الشعبي العالمي. مظاهرات مليونية في عواصم العالم. جامعات تحتج. فنانين يرفضون. ووسائل إعلام تكشف.

في لندن، خرجت مظاهرات كل أسبوع. مئات الآلاف يهتفون: "أوقفوا إطلاق النار الآن". في نيويورك، تظاهر آلاف أمام مقر الأمم المتحدة. في باريس، وبرلين، وروما، ومدريد، وفي عواصم عربية وإسلامية.

الجامعات الغربية شهدت أكبر احتجاجات منذ حرب فيتنام. طلاب في هارفارد، وكولومبيا، وبيركلي، والسوربون، نصبوا خياماً في الحرم الجامعي. واجهوا الشرطة. اعتقلوا. لكنهم واصلوا.

هذه المظاهرات تعكس تغيراً عميقاً في الوعي. الأجيال الجديدة لم تعد تقبل الخطاب الإسرائيلي التقليدي. ترى الإباعة بأم عينيها على وسائل التواصل. وتعرف أن ما يحدث في غزة ليس "دفاعاً عن النفس"، بل جريمة.

الحراك العالمي هذا يذكرنا بالتضامن مع جنوب إفريقيا في الثمانينات. استغرق الأمر سنوات، لكن المقاطعة العالمية أسقطت الفصل العنصري. قد يستغرق الأمر وقتاً، لكن إسرائيل ستواجه المصير نفسه.

١٩. الناجون: شهادات من الجحيم

من بين كل الأرقام والإحصائيات، تبقى الشهادات الشخصية هي الأكثر تأثيراً. شهادات من عاشوا الجحيم في غزة.

شهادة أحمد، طفل ١٠ سنوات، فقد عائلته كلها. قال لمراسلة: "كانوا يلعبون في الشارع. أنا كنت في البيت. سمعت الصوت. لما خرجت، لقيتهم كلهم تحت الركام. أمي، أبي، أخي، أختي. كلهم".

شهادة فاطمة، امرأة حامل، أنجبت طفلها تحت القصف. قالت: "لا حليب، لا حفاضات، لا ماء. ابني يموت جوعاً. ولا أحد يهتم".

شهادة محمود، طبيب في مستشفى الشفاء، ظل يعمل أياماً بلا نوم: "كنا نجري العمليات على الأرض. بلا تخدير. بلا إضاءة. المرضى يصرخون. ونحن نبكي ونحن نعمل".

هذه الشهادات هي نفس شهادات ١٩٤٨. الأمهات الثكالى. الأطفال اليتامى. الأطباء العاجزون. الجرحى على الأرض. الموتى في الشوارع. النكبة تتكرر، والجرح يتجدد.

٢٠. المقابر تحت الركام

بعد مرور أشهر على الحرب، ما زالت عشرات الآلاف من الجثث تحت الأنقاض. لا يمكن الوصول إليها. لا يمكن دفنها. تتحلل في العراء، أو تحت البيوت المدمرة.

الدفاع المدني في غزة يقدر عدد المفقودين تحت الأنقاض بأكثر من ١٠ آلاف. كثير منهم لن يُعثَر عليهم أبداً. سيبقون تحت الركام، شهداء صامتين على الجريمة.

هذه المقابر تحت الركام تذكرنا بمقابر الصفصاف تحت البئر. في ١٩٤٨، دفن الضحايا في البئر، وتلوثت مياه القرية. في ٢٠٢٤، يدفن الضحايا تحت البيوت، وتتلوث الأرض والذاكرة.

لكن الأرض لا تنسى. والذاكرة لا تموت. سيبقى هؤلاء الضحايا شهوداً على الإبادة. سيبقون في قلوب أهاليهم. سيبقون في سجلات التاريخ. وسيبقون دليلاً في المحاكم الدولية.

٢١. من ١٩٤٨ إلى ٢٠٢٦: نفس المنهج، أدوات مختلفة

عندما نقارن بين ١٩٤٨ و٢٠٢٦، نرى تشابهاً مذهلاً في المنهج، واختلافاً كبيراً في الأدوات.

المنهج واحد: قتل مدنيين، تدمير بيوت، تهجير قسري، منع عودة، تجويع، إرهاب نفسي. كل ما فعله بروشي وقادته في ١٩٤٨، يفعله الجيش الإسرائيلي اليوم.

الأدوات مختلفة: في ١٩٤٨، كانت الأسلحة بنادق ورشاشات. في ٢٠٢٤، هي طائرات إف-٣٥، وقنابل ذكية، وصواريخ دقيقة. في ١٩٤٨، كان التهجير مشياً على الأقدام. في ٢٠٢٤، هو مشي أيضاً، لكن تحت قصف جوي متواصل.

الإفلات من العقاب متشابه: في ١٩٤٨، حوكم جندي واحد (لاهيس) وحكم عليه بسنة ثم عفي عنه. في ٢٠٢٤، لم يحاكم أحد. كل المحاولات الدولية تصطدم بالفيتو الأمريكي.

الاختلاف الأكبر هو التوثيق: في ١٩٤٨، بقي الكثير غامضاً. في ٢٠٢٤، كل شيء موثق. كل جريمة مصورة. كل شهادة مسجلة. هذا التوثيق سيكون سلاح الأجيال القادمة.

٢٢. الخلاصة: غزة ليست استثناء

ما حدث في غزة بين ٢٠٢٣ و٢٠٢٦ ليس استثناء. ليس حرباً عادية. ليس رد فعل على ٧ أكتوبر. هو استمرار للنكبة التي بدأت عام ١٩٤٨.

نفس العقلية. نفس السياسة. نفس الأساليب. نفس الإفلات من العقاب. إسرائيل لم تتغير. تغيرت فقط قدرتها على القتل.

الوثائق التي عُثر عليها في قمامة تل أبيب ، وشهادات القادة في محاكمة لاهيس ، وتقرير المخابرات عن أسباب الهجرة ، كلها تثبت أن ما يحدث اليوم هو امتداد لما حدث أمس.

المجزرة في دير ياسين ١٩٤٨ هي نفس المجزرة في المعمداني ٢٠٢٣. مسيرة الموت من اللد والرملة هي نفس مسيرات الموت من شمال غزة إلى جنوبها. مقابر الصفصاف الجماعية هي نفس مقابر الشفاء الجماعية.

هذه الاستمرارية تثبت شيئاً واحداً: أن إسرائيل لم تتعلم شيئاً. لم تندم. لم تعتذر. لم تتغير. هي كما كانت في ١٩٤٨: كيان يقوم على إزاحة السكان الأصليين، بأي ثمن، وبأي وسيلة.

لكنها تثبت شيئاً آخر: أن الفلسطينيين لم يتغيروا أيضاً. صامدون كما كانوا. مقاومون كما كانوا. متمسكون بحق العودة كما كانوا.

النكبة مستمرة. لكن الصمود مستمر. والمقاومة مستمرة. والعدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم.

غزة ليست نهاية القصة. غزة هي فصل آخر في كتاب طويل. وكل فصل يكتبه الفلسطينيون بدمائهم، وكل فصل يقربهم من النهاية السعيدة: العودة والتحرير.


…….

الفصل الحادي عشر: تحليل الإطار النظري - مدرسة التبعية وسمير أمين

١. مقدمة: لماذا نحتاج إلى نظرية؟

في الأبواب السابقة، سردنا الوقائع. وثائق بروشي، شهادات القادة، مجزرة الصفصاف، إخفاء "مالاب"، وثيقة الـ٧٠٪، تهجير الخمسينات، والإبادة في غزة. سردنا كل ذلك بتفصيل دقيق، اعتماداً على وثائق إسرائيلية وشهادات موثقة. كان السرد ضرورياً. كان الأساس.

لكن السرد وحده لا يكفي. الوقائع وحدها لا تفسر نفسها. لماذا حدث هذا؟ لماذا استمر سبعة عقود؟ لماذا يتكرر اليوم؟ ما العلاقة بين هذه الجرائم والنظام العالمي؟ لماذا تدعم أمريكا إسرائيل بهذا العمى؟ لماذا تصمت الأنظمة العربية؟ لماذا يتواطأ الغرب؟

هذه الأسئلة تحتاج إلى نظرية. إلى إطار فكري يربط الوقائع ببعضها، ويضعها في سياقها التاريخي والاقتصادي والسياسي. ليس مجرد وصف لما حدث، بل تفسير لماذا حدث.

هذا الفصل هو عن تلك النظرية. عن مدرسة التبعية، وعن مفكرها الأبرز: سمير أمين. هذه المدرسة تقدم لنا أدوات لفهم ما نراه. تقول إن ما يحدث في فلسطين ليس مجرد صراع محلي، بل هو جزء من صراع عالمي. ليس مجرد نزاع على أرض، بل هو تعبير عن آليات الرأسمالية العالمية. ليس مجرد عدوان إسرائيلي، بل هو وظيفة يؤديها الكيان الصهيوني لصالح المركز الرأسمالي.

سمير أمين، الاقتصادي والمفكر المصري-الفرنسي، قضى حياته في تحليل علاقات التبعية بين "المركز" الرأسمالي (أمريكا وأوروبا) و"الأطراف" (العالم الثالث). رؤيته للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عميقة، ثاقبة، ومازالت صالحة لفهم ما يحدث اليوم.

في هذا الفصل، سنقدم هذه النظرية، ونطبقها على ما توصلنا إليه في الفصول السابقة. سنرى كيف أن إسرائيل ليست مجرد دولة، بل "دولة وكيل". كيف أن الإبادة ليست مجرد جريمة، بل وظيفة. كيف أن الصمت الدولي ليس مجرد تقصير، بل تواطؤ منهجي. وكيف أن مقاومة الفلسطينيين ليست مجرد نضال وطني، بل جزء من نضال عالمي ضد النظام الرأسمالي.

٢. من هو سمير أمين؟ سيرة مفكر

وُلد سمير أمين في القاهرة عام ١٩٣١. أب مصري، أم فرنسية. نشأ في بيئة متعددة الثقافات، مما أعطاه نظرة واسعة للعالم. درس في باريس، حيث حصل على الدكتوراه في الاقتصاد عام ١٩٥٧ .

كانت الخمسينات فترة صاخبة. حرب الجزائر، الثورة المصرية، حركات التحرر في أفريقيا وآسيا. أمين تأثر بكل ذلك. انخرط في النضال الفكري ضد الاستعمار. وبدأ يطور أدواته النظرية لفهم علاقات القوة في العالم.

عمل أمين في مصر لفترة، لكنه سرعان ما اصطدم مع نظام عبد الناصر. انتقل إلى أفريقيا، حيث عمل مستشاراً اقتصادياً لعدة حكومات. ثم استقر في داكار، السنغال، حيث قضى معظم حياته. ترأس "منتدى العالم الثالث" ومجلة "الإنسان والمجتمع". درّس في جامعات عالمية، وألّف عشرات الكتب التي ترجمت إلى لغات عديدة .

توفي سمير أمين في باريس عام ٢٠١٨، عن عمر يناهز ٨٧ عاماً. لكن أفكاره بقيت. ولا تزال تقدم لنا أدوات لفهم عالمنا المضطرب.

٣. مدرسة التبعية: نظرة عامة

مدرسة التبعية هي تيار فكري ظهر في أمريكا اللاتينية في الستينات والسبعينات. مفكرون مثل فرناندو كاردوسو، وإنزو فاليتو، وثيونيتو دوس سانتوس، وأندريه غوندر فرانك، بدأوا في نقد النظريات التقليدية للتنمية.

هذه النظريات كانت تقول إن العالم الثالث "متخلف" لأنه لم يلحق بركب التطور الغربي. الحل، حسبها، هو أن تحذو دول العالم الثالث حذو الغرب: رأسمالية، تصنيع، انفتاح على الأسواق العالمية.

مدرسة التبعية قالت العكس. قالت إن تخلف العالم الثالث ليس نتيجة "تخلفه" عن الركب، بل هو نتيجة وضعه في النظام الرأسمالي العالمي. العالم الغربي تطور لأنه استغل العالم الثالث. والعالم الثالث تخلف لأنه وقع ضحية هذا الاستغلال. التخلف والتنمية وجهان لعملة واحدة.

سمير أمين كان من أبرز منظري هذه المدرسة، لكنه طورها بشكل مستقل. ركز على مفهوم "التراكم على المستوى العالمي". قال إن الرأسمالية ليست أنظمة وطنية منفصلة، بل نظام عالمي متكامل. في هذا النظام، هناك "مركز" (الدول الرأسمالية المتقدمة) و"أطراف" (دول العالم الثالث). العلاقة بينهما هي علاقة استغلال وتبعية .

المركز يهيمن على التكنولوجيا ورأس المال. الأطراف تنتج المواد الأولية وتستهلك المنتجات المصنعة. التبادل غير متكافئ. الأطراف تظل فقيرة لأن فوائضها الاقتصادية تتدفق إلى المركز. وأي محاولة للخروج من هذه الدائرة تواجه مقاومة شرسة من المركز ومن حلفائه المحليين.

٤. إسرائيل في نظرية التبعية: دولة وكيل

كيف تنظر مدرسة التبعية إلى إسرائيل؟ ليس كدولة يهودية، ولا ككيان استعماري فقط، بل كـ"دولة وكيل" (Proxy State) للرأسمالية العالمية.

سمير أمين كان واضحاً في هذا. في مقالاته وكتبه، وصف إسرائيل بأنها "قاعدة متقدمة" للإمبريالية في المنطقة العربية. وظيفتها الأساسية: حماية مصالح المركز الرأسمالي، وتأمين تدفق النفط، وإخضاع الشعوب العربية، ومنع ظهور أي مشروع تنموي مستقل في المنطقة .

لماذا يحتاج الغرب إلى إسرائيل؟ لأن المنطقة العربية غنية بالنفط. النفط هو شريان الحياة للاقتصاد الرأسمالي. السيطرة على النفط تعني السيطرة على العالم. وأي حركة قومية عربية تحاول استغلال النفط لصالح شعوبها، تهدد هذه السيطرة.

إسرائيل، من هذا المنظور، هي "حاملة الطائرات الأمريكية التي لا تغرق" في قلب العالم العربي. وظيفتها: تفتيت المنطقة، إضعافها، وإبقائها في حالة صراع دائم يمنعها من التركيز على التنمية والتحرر.

أمين كتب: "إسرائيل ليست مجرد دولة استعمارية استيطانية، بل هي أيضاً أداة في يد الإمبريالية لضمان هيمنتها على المنطقة العربية" . هذا التحليل يفسر لماذا تدعم أمريكا إسرائيل بهذا العمى. ليس بسبب اللوبي اليهودي فقط، بل بسبب المصالح الاستراتيجية. إسرائيل تؤدي وظيفة لا تستطيع أمريكا أداءها بنفسها.

٥. الإبادة كوظيفة: ليس خطأ، بل نظام

منطق مدرسة التبعية يقودنا إلى استنتاج صادم: الإبادة في فلسطين ليست خطأ، ولا تجاوزاً، ولا حادثاً جانبياً. هي وظيفة. هي جزء من النظام.

لماذا؟ لأن وجود الفلسطيني في أرضه هو العقبة الكبرى أمام المشروع الصهيوني. طالما بقي الفلسطيني، تبقى القضية. طالما بقي، يظل السؤال مطروحاً: من صاحب الأرض؟ إزالة الفلسطيني، جسدياً وحضورياً، هي شرط لنجاح المشروع.

لكن إزالة الفلسطيني ليست هدفاً بحد ذاتها. هي وسيلة لهدف أكبر: ضمان هيمنة المركز على المنطقة. فلسطين هي بوابة العالم العربي. السيطرة عليها تعني السيطرة على محيطها. تهجير الفلسطينيين يخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم تبرر التدخلات الخارجية.

سمير أمين كتب: "الصراع في فلسطين ليس صراعاً محلياً، بل هو صراع عالمي. ما يحدث في غزة اليوم هو تعبير عن أزمة النظام الرأسمالي العالمي، ومحاولة يائسة للحفاظ على هيمنته" .

هذا التحليل يفسر لماذا تتكرر الإبادة. ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة. كلما اشتدت أزمة النظام، كلما ازدادت وحشيته. فلسطين هي المختبر الدائم للوحشية الرأسمالية.

٦. التراكم على المستوى العالمي: نهب فلسطين

مفهوم "التراكم على المستوى العالمي" عند سمير أمين يساعدنا على فهم البعد الاقتصادي للصراع.

التراكم الرأسمالي يحتاج إلى موارد. هذه الموارد تأتي من نهب الأطراف. فلسطين، رغم صغرها، غنية بالموارد: أرض خصبة، مياه، موقع استراتيجي، وقوى عاملة. لكن الأهم من ذلك، فلسطين هي مفتاح المنطقة.

عندما صادرت إسرائيل أراضي الفلسطينيين، لم تكن تسرق أرضاً فقط. كانت تسرق إمكانية التنمية. عندما دمرت قرى، دمرت مجتمعات. عندما شردت شعباً، خلقت قوة عاملة رخيصة يمكن استغلالها. عندما سيطرت على المياه، سيطرت على الحياة.

هذا هو "التراكم عبر نزع الملكية". إسرائيل لا تنتج الثروة فقط، بل تنهبها. ولا تكتفي بنهب الماضي، بل تراهن على المستقبل.

أمين يرى أن هذا النهب ليس مجرد عمل إسرائيلي منفرد، بل هو جزء من التراكم العالمي. الشركات الغربية تستثمر في إسرائيل. التكنولوجيا الغربية تدعم جيشها. الأسواق الغربية تستهلك منتجات مستوطناتها. إسرائيل هي حلقة في سلسلة النهب العالمية.

٧. الاستغلال الفائق (Super-exploitation)

مفهوم آخر مهم عند سمير أمين هو "الاستغلال الفائق". في الرأسمالية الطرفية، لا يكتفي الرأسمالي باستغلال العامل بالطرق التقليدية (دفع أقل من قيمة العمل). يضيف إليه أشكالاً أخرى من الاستغلال.

في فلسطين، نرى هذا بوضوح. العامل الفلسطيني في إسرائيل يتقاضى أجراً أقل من اليهودي، رغم أنه يقوم بنفس العمل. يشتغل ساعات أطول. يفتقر إلى الضمانات الاجتماعية. يعيش تحت تهديد دائم بالفصل والترحيل.

في غزة، الوضع أسوأ. الحصار جعل الاقتصاد يعتمد كلياً على المساعدات. لا إنتاج. لا تصدير. لا استيراد إلا بما تسمح به إسرائيل. مليونان من البشر عالقون في سجن كبير، يعيشون على فتات الموائد.

هذا هو الاستغلال الفائق. ليس استغلالاً في العمل فقط، بل استغلالاً في الحياة نفسها. استغلال الحاجة، استغلال الخوف، استغلال اليأس.

أمين يرى أن هذا النوع من الاستغلال هو سمة الرأسمالية الطرفية. وهو يتزايد مع تفاقم أزمات المركز. كلما ضغطت الأزمة على أرباح الرأسماليين في الغرب، زاد استغلالهم للأطراف. وفلسطين هي نموذج مصغر لهذا الاستغلال الفائق.

٨. التبادل غير المتكافئ: لماذا تدعم أمريكا إسرائيل؟

مفهوم "التبادل غير المتكافئ" هو أحد أسس نظرية التبعية. الفكرة: عندما تبيع دول الأطراف مواد أولية رخيصة وتشتري منتجات مصنعة غالية، يحدث تدفق للقيمة من الأطراف إلى المركز. هذا التدفق هو جوهر الاستغلال.

كيف يرتبط هذا بإسرائيل؟ إسرائيل ليست طرفاً في التبادل غير المتكافئ بالمعنى التقليدي. هي دولة متطورة نسبياً. لكن موقعها الجغرافي والسياسي يجعلها أداة لتعميق هذا التبادل.

وجود إسرائيل يمنع الدول العربية من التكتل. يمنعها من استغلال ثرواتها بشكل مستقل. يبقيها في حالة ضعف وتبعية. النفط العربي يستمر في التدفق إلى الغرب بأسعار تحددها الأسواق العالمية، وليس احتياجات الشعوب العربية.

هذا هو دور إسرائيل الاستراتيجي: ضمان استمرار التبعية. ضمان أن تبقى المنطقة العربية "سوقاً" و"مصدر مواد أولية"، ولا تتحول إلى "قوة مستقلة".

لذلك تدعم أمريكا إسرائيل. ليس لأنها تحبها، بل لأنها تحتاجها. إسرائيل هي الدرع الذي يحمي المصالح الأمريكية في المنطقة. هي الرصيد الذي يمكن استثماره في أي أزمة.

٩. المركزية الأوروبية: نقد الغرب من الداخل

أحد أهم إسهامات سمير أمين هو نقده للمركزية الأوروبية (Eurocentrism). هذه النزعة الفكرية التي ترى أن أوروبا (والغرب عموماً) هي مركز التاريخ، والنموذج الذي يجب على الجميع اتباعه.

المركزية الأوروبية تقول إن الغرب تطور لأنه "عقلاني"، "ديمقراطي"، "مبتكر". والباقي تخلف لأنه "غير عقلاني"، "استبدادي"، "تقليدي". هذه النظرة تبرر الاستعمار: نحن نأتي لننقذكم من تخلفكم.

أمين يكشف زيف هذه الرواية. يقول إن تطور الغرب لم يكن بسبب عبقريته الذاتية، بل بسبب نهبه للعالم. الثورة الصناعية لم تكن ممكنة بدون العبيد والقطن والذهب القادم من الأطراف. "التراكم البدائي" كان قائماً على العنف والنهب.

في فلسطين، نرى المركزية الأوروبية في أبهى صورها. إسرائيل تُصوَّر كـ"دولة ديمقراطية وحيدة في الشرق الأوسط". الفلسطيني يُصوَّر كـ"إرهابي" أو "متخلف". عندما تقتل إسرائيل، يُقال إنها "تدافع عن نفسها". عندما يقاوم الفلسطيني، يُقال إنه "يهدد السلام".

هذه اللغة ليست محايدة. هي تعبير عن مركزية أوروبية ترى أن حياة الغربي أثمن من حياة العربي. وأن دم الفلسطيني أقل قيمة من دم الإسرائيلي.

١٠. نقد الخطاب الغربي: من "الديمقراطية" إلى "الإبادة"

سمير أمين لم يكتف بتحليل الاقتصاد، بل حلل الخطاب أيضاً. كيف يتحدث الغرب عن نفسه وعن الآخرين.

الغرب يدّعي أنه حامل قيم "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و"حرية التعبير". لكن هذه القيم تتوقف عند حدود مصالحه. عندما يتعلق الأمر بفلسطين، تختفي الديمقراطية. عندما تقصف إسرائيل المدارس، تصمت حقوق الإنسان. عندما يقتل الصحفيون، تغيب حرية التعبير.

هذا التناقض ليس عيباً في التطبيق، بل هو جوهر النظام. القيم الغربية كانت دائماً انتقائية. طبقت عندما تخدم المصالح، وتجاهلت عندما تتعارض معها.

أمين يرى أن هذا النفاق هو سمة الرأسمالية المعاصرة. هي تتحدث عن "العولمة" و"السوق الحرة"، لكنها تدعم الاحتكارات وتحميها. تتحدث عن "الديمقراطية"، لكنها تدعم الديكتاتوريات إذا كانت موالية. تتحدث عن "حقوق الإنسان"، لكنها تغض الطرف عن أبشع الجرائم إذا ارتكبها حلفاؤها.

فلسطين هي المرآة التي ترى فيها الإنسانية وجهها الحقيقي. وجه النفاق والازدواجية. وجه النظام الذي يتحدث عن القيم ويمارس الجريمة.

١١. فك الارتباط (Déconnexion): الحل عند سمير أمين

بعد أن شخص المرض، قدم سمير أمين الدواء: "فك الارتباط" (Déconnexion). ليس انعزالاً عن العالم، بل إعادة هيكلة العلاقات معه وفق مصالح الشعوب.

فك الارتباط يعني أن تتوقف دول الأطراف عن كونها مجرد ملحق للرأسمالية العالمية. أن تبني اقتصاداً وطنياً مستقلاً، يعتمد على السوق الداخلية والتعاون الإقليمي، بدلاً من التصدير والانفتاح غير المشروط. أن تختار أولوياتها بنفسها، لا وفق إملاءات صندوق النقد والبنك الدولي.

في فلسطين، هذا المفهوم له معنى خاص. فك الارتباط يعني التحرر من الاحتلال، طبعاً. لكنه يعني أيضاً بناء اقتصاد مقاوم، لا يعتمد على إسرائيل. تطوير زراعة وصناعة محلية. الاستثمار في التعليم والصحة. خلق شبكات تضامن اجتماعي. كل ذلك في مواجهة سياسة الفصل والتبعية.

مقاومة فلسطين، من هذا المنظور، ليست مجرد مقاومة عسكرية. هي مقاومة شاملة: اقتصادية، اجتماعية، ثقافية. هي محاولة لفك الارتباط القسري بالكيان الصهيوني، وبناء بديل مستقل.

أمين كتب: "التحرر الحقيقي لا يأتي من المساعدات الخارجية، بل من قدرة الشعوب على تنظيم نفسها وبناء قواها الذاتية" . هذا هو الدرس الذي تقدمه المقاومة الفلسطينية للعالم.

١٢. تطبيق النظرية على وثائق ١٩٤٨

الآن، لنطبق هذه النظرية على ما اكتشفناه في الفصول السابقة. كيف تفسر مدرسة التبعية وثائق بروشي وشهادات القادة وتقرير المخابرات؟

أولاً: الأوامر بقتل المدنيين وتفجير القرى لم تكن مجرد "قسوة حرب". كانت ضرورة للتراكم. الأرض يجب أن تخلو من سكانها لتكون صالحة للاستيطان. الاستيطان هو آلية التوسع الرأسمالي في فلسطين.

ثانياً: سياسة منع العودة لم تكن إجراءً أمنياً، بل شرطاً للاستغلال. عودة اللاجئين تعني إعادة توزيع الأرض والثروة. تعني إضعاف السيطرة الصهيونية على الموارد. لذلك قتل على الحدود، ومنعت العودة بكل السبل.

ثالثاً: إخفاء الوثائق ليس مجرد رقابة، بل دفاع عن الشرعية. إذا عرف العالم أن إسرائيل قامت على الإبادة، ستتزعزع شرعيتها. وانهيار الشرعية يعني إمكانية المساءلة والمقاضاة والتعويضات.

رابعاً: الدعم الغربي لإسرائيل ليس خطأ، بل وظيفة. أمريكا وأوروبا تدعمان إسرائيل لأنها تؤدي وظيفتها في الحفاظ على النظام. إضعاف إسرائيل يعني تقوية قوى التحرر في المنطقة. وهذا ما لا يريده المركز.

١٣. إسرائيل والتبعية العربية: دور الأنظمة

نظرية التبعية لا تحلل إسرائيل فقط، بل تحلل الأنظمة العربية أيضاً. كيف أصبحت هذه الأنظمة جزءاً من النظام، بدلاً من مقاومته.

سمير أمين كان قاسياً في نقده للأنظمة العربية. وصفها بأنها "أنظمة تابعة" (Comprador)، تعمل لصالح المركز، ليس ضدّه. تستورد من الغرب، وتصدر له، وتحمي مصالحه في الداخل.

علاقة هذه الأنظمة بإسرائيل معقدة. بعضها حاربها، ثم ساومها. بعضها طبع معها علناً. كلها، في النهاية، تتعامل معها كأمر واقع. تنسق معها أمنياً. تتبادل معها معلومات. تفتح لها أسواقاً.

هذه العلاقات ليست مجرد "خيانة". هي تعبير عن موقع هذه الأنظمة في النظام العالمي. هي أنظمة تبحث عن بقائها، وتجد أن التعايش مع إسرائيل أسهل من مواجهتها. لأن مواجهة إسرائيل تعني مواجهة أمريكا. ومواجهة أمريكا تعني المجهول.

لذلك، يصمت الحكام العرب على الإبادة في غزة. يكتفون ببيانات الشجب والاستنكار. يسمون القناصل. ويستقبلون الوفود. بينما الدم الفلسطيني يسيل.

هذا الصمت ليس غباءً، بل هوية. هوية تبعية. هوية تعرف أن الانتصار لفلسطين يعني الهزيمة للنظام القائم.

١٤. المقاومة في نظرية التبعية

ماذا عن المقاومة؟ كيف تنظر مدرسة التبعية إلى نضال الفلسطينيين؟

المقاومة الفلسطينية، في هذا الإطار، ليست مجرد دفاع عن وطن. هي نضال ضد النظام العالمي نفسه. هي محاولة لكسر التبعية، وبناء بديل.

كل انتصار للمقاومة، ولو صغيراً، هو ضربة للهيمنة الغربية. كل صمود في غزة هو درس للشعوب الأخرى. كل عملية تحرير أسير هي رسالة أن الاستعمار ليس قدراً.

سمير أمين رأى في المقاومة الفلسطينية نموذجاً للنضال ضد الإمبريالية. كتب: "فلسطين هي بوصلة النضال العالمي. ما يحدث فيها يعكس موازين القوى في العالم. انتصار الفلسطينيين سيكون انتصاراً لكل المضطهدين" .

المقاومة المسلحة هي شكل من أشكال فك الارتباط. رفض الاعتراف بشرعية الاحتلال. رفض التعايش مع الظلم. إعلان أن الخيار الوحيد هو التحرير الكامل.

لكن المقاومة ليست عسكرية فقط. هي أيضاً ثقافية: رواية القصة، حفظ الذاكرة، تعليم الأجيال. هي اجتماعية: بناء مؤسسات موازية، خلق تضامن، تنظيم مجتمعي. هي اقتصادية: مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، دعم المنتج المحلي، تطوير الزراعة.

كل هذه أشكال من فك الارتباط. كلها تهدف إلى خلق واقع جديد، لا يعتمد على الهيمنة الصهيونية.

١٥. فلسطين والعالم: دور التضامن الدولي

نظرية التبعية لا تغفل البعد الدولي. التضامن مع فلسطين ليس مجرد عاطفة، بل هو ضرورة استراتيجية.

سمير أمين كتب كثيراً عن أهمية تحالف شعوب الأطراف. عن ضرورة بناء حركة دولية مناهضة للإمبريالية. عن دور التضامن في كسر العزلة.

المظاهرات المليونية في عواصم الغرب بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ هي تعبير عن هذا التضامن. طلاب الجامعات، والنقابات، والكنائس، والمنظمات الحقوقية، كلها خرجت لتقول: كفى.

هذه الحركة لم تخلقها الدعاية الفلسطينية. خلقها الظلم نفسه. خلقها المشهد المباشر للإبادة على شاشات الهواتف. خلقها كشف زيف الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان.

أمين كان يرى أن مستقبل فلسطين مرتبط بمستقبل حركات التحرر في العالم. إذا انتصرت الشعوب في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا، فسينتصر الفلسطينيون. وإذا انهزمت، سيزداد القمع.

لذلك، مقاومة فلسطين ليست قضية محلية. هي قضية عالمية. هي اختبار للإنسانية جمعاء.

١٦. مستقبل الصراع: رؤية سمير أمين

ماذا قال سمير أمين عن مستقبل الصراع؟ لم يتنبأ بالمستقبل، لكنه حدد الشروط.

المستقبل، في رؤيته، ليس محكوماً مسبقاً. هو نتاج صراع. هناك سيناريوهات ممكنة.

السيناريو الأول: استمرار الوضع الحالي. إسرائيل تواصل توسعها، والأنظمة العربية تتعايش، والفلسطينيون يقاومون. هذا السيناريو مرجح، لكنه غير مستدام. لأن الصراع سيتصاعد حتماً.

السيناريو الثاني: انتصار كامل لإسرائيل. قمع المقاومة، توطين اللاجئين، إنهاء القضية. هذا السيناريو مستبعد، لأن المقاومة أثبتت قدرتها على الصمود. ولأن العدالة التاريخية في صف الفلسطينيين.

السيناريو الثالث: انتصار الفلسطينيين. تحرير الأرض، عودة اللاجئين، إقامة دولة ديمقراطية. هذا السيناريو ممكن، لكنه يحتاج إلى تغييرات كبرى في موازين القوى. يحتاج إلى هزيمة الإمبريالية في المنطقة. يحتاج إلى وحدة عربية حقيقية. يحتاج إلى تضامن دولي واسع.

أمين لم يكن متفائلاً فارغاً، ولا متشائماً مستسلماً. كان واقعياً ثورياً. يعرف صعوبة المهمة، لكنه يؤمن بإمكانية التغيير.

١٧. نقد النظرية: هل تفسر كل شيء؟

لا نظرية كاملة. ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة. مدرسة التبعية، رغم أهميتها، لها نقادها.

بعض النقاد يقولون إنها تركز على الاقتصاد أكثر من السياسة. تهمش دور الأيديولوجيا والدين والثقافة. في حالة إسرائيل، هذا النقد مهم. فالصهيونية ليست مجرد أداة إمبريالية، بل هي حركة قومية دينية أيضاً. لها جذورها التاريخية والأيديولوجية. تجاهل هذا الجانب يبسط الواقع.

نقاد آخرون يقولون إنها تنظر إلى العالم من أعلى. تركز على العلاقات الدولية، وتهمش الصراع الداخلي. في فلسطين، هذا يعني إهمال دور الفصائل الفلسطينية، والانقسامات الداخلية، والصراع على التمثيل.

نقاد ثالثون يرون أنها متشائمة. تركز على آليات التبعية وتهمل إمكانيات التغيير. تعطي صورة قاتمة عن العالم، لا تترك مجالاً للأمل.

هذه الانتقادات مشروعة. لكنها لا تلغي قيمة النظرية. كل نظرية تركز على جوانب معينة، وتغفل أخرى. المهم أن نستخدمها كأداة، لا كعقيدة. وأن ندمجها مع تحليلات أخرى للحصول على صورة أشمل.

١٨. تطبيق النظرية على غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦

كيف تفسر نظرية التبعية ما حدث في غزة؟

أولاً: غزة مختبر. تختبر إسرائيل فيها أسلحتها وتكتيكاتها. لكنها أيضاً تختبر ردود الفعل الدولية. كم يمكن أن تقتل دون أن يتحرك العالم؟ الجواب صادم: كثيراً جداً.

ثانياً: غزة نموذج. ما يحدث فيها هو إعلان نوايا. هذه هي معاملة "الأطراف" عندما تتمرد. عندما تقاوم شعب، ستلقى نفس المصير. القتل الجماعي، التدمير الشامل، التهجير القسري. هذا هو جزاء المقاومين.

ثالثاً: غزة رسالة. رسالة إلى الشعوب العربية: انظروا ماذا يحدث لمن يقاوم. انظروا إلى الدعم الغربي اللامحدود لإسرائيل. انظروا إلى صمت حكامكم. فكروا قبل أن تتحركوا.

رابعاً: غزة اختبار. اختبار للإنسانية. هل تستطيع أن ترى هذه المجازر وتتحرك؟ الجواب الأولي: لا. المجتمع الدولي فشل. لكن الحراك الشعبي يقول عكس ذلك. الشعوب تحركت، حتى لو تخلفت الحكومات.

سمير أمين لو كان حياً لرأى في غزة تأكيداً لنظريته. ورأى أيضاً بدايات التغيير. المظاهرات العالمية، مقاطعة الشركات، الضغط على الحكومات. كلها مؤشرات على أن الوعي يتغير. وأن النظام العالمي قد يواجه تحدياً وجودياً قريباً.

١٩. من النكبة إلى التحرير: رؤية مستقبلية

ما بعد الإبادة؟ ماذا بعد غزة؟

نظرية التبعية لا تقدم وصفات جاهزة. لكنها تقدم توجهاً. المستقبل ليس محكوماً. هو يصنع. والإرادة البشرية مهمة.

التحرير الحقيقي، في رؤية سمير أمين، يحتاج إلى شروط. ليس مجرد طرد الاحتلال، بل بناء بديل. ليس مجرد دولة، بل مجتمع جديد.

في فلسطين، هذا يعني:

· تحرير الأرض من الاستيطان.
· عودة اللاجئين إلى ديارهم.
· بناء دولة ديمقراطية لكل مواطنيها.
· فك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي.
· تطوير اقتصاد وطني مستقل.
· تعاون إقليمي مع الدول العربية.
· تضامن دولي مع حركات التحرر.

هذه مهام صعبة. لكنها ليست مستحيلة. شعوب أخرى حققت انتصارات. فيتنام، الجزائر، جنوب إفريقيا، كلها كانت مستعمرات، وخرجت منها.

فلسطين ليست مختلفة. قد تستغرق وقتاً أطول. قد تدفع ثمناً أكبر. لكن النهاية واحدة: انتصار العدالة على الظلم.

٢٠. الخلاصة: لماذا سمير أمين مهم اليوم

بعد سبعة عقود من النكبة، وبعد الإبادة في غزة، يبقى سمير أمين مهماً. لأن نظريته تقدم لنا أدوات لفهم ما يحدث. ليس فقط وصفه، بل تفسيره. ليس فقط السرد، بل التحليل.

سمير أمين يعلمنا:

· أن ما يحدث في فلسطين ليس صراعاً محلياً، بل جزء من صراع عالمي.
· أن إسرائيل ليست مجرد دولة، بل أداة في يد الإمبريالية.
· أن الإبادة ليست خطأ، بل وظيفة.
· أن الأنظمة العربية ليست محايدة، بل متواطئة.
· أن المقاومة ليست خياراً، بل ضرورة.
· أن التضامن الدولي ليس رفاهية، بل حاجة.
· أن التحرير ممكن، لكن بشروط.

هذه الدروس لا تنطبق على فلسطين فقط. تنطبق على كل شعوب العالم الثالث. على كل من يعاني من التبعية والاستغلال. فلسطين هي القضية المركزية، لكنها ليست الوحيدة.

في النهاية، ما قاله سمير أمين يلخص الرؤية: "مستقبل الإنسانية يتوقف على قدرة شعوب الجنوب على تحرير نفسها من التبعية، وبناء عالم جديد يقوم على العدالة والمساواة والتضامن" .

هذا هو الأمل. وهذا هو الطريق.


……



الفصل الثاني عشر: إسرائيل كدولة وكيل - درع الإمبريالية

١. مقدمة: ما وراء الدولة

في الأذهان العامة، إسرائيل هي دولة يهودية. دولة لشعب مضطهد عبر التاريخ، وجد أخيراً ملاذاً آمناً. دولة ديمقراطية في محيط استبدادي. دولة متطورة علمياً وتكنولوجياً. هذا هو الوجه الذي تقدمه للعالم.

لكن تحت هذا الوجه، هناك وجه آخر. وجه إسرائيل كـ"دولة وكيل". كأداة في خدمة مصالح أكبر منها. كذراع عسكرية وسياسية للإمبريالية الغربية في المنطقة العربية. هذا الوجه لا يظهر في الكتيبات السياحية، ولا في خطابات السفراء، لكنه موجود في كل قرار استراتيجي، وفي كل حرب، وفي كل سياسة.

مصطلح "دولة وكيل" (Proxy State) يعني دولة تعمل، بشكل رسمي أو غير رسمي، لصالح قوة كبرى، مقابل حماية هذه القوة لها ودعمها. العلاقة هنا ليست مجرد تحالف، بل تكامل وظيفي. الدولة الوكيلة تؤدي مهاماً لا تستطيع القوة الكبرى أداءها بنفسها، سواء لأسباب سياسية أو قانونية أو عسكرية. وفي المقابل، تحصل على الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي الذي يضمن بقاءها.

إسرائيل هي النموذج الأمثل للدولة الوكيلة. منذ نشأتها، وهي تؤدي وظائف حيوية للمصالح الغربية في المنطقة العربية. حماية إمدادات النفط، تفتيت الحركة القومية العربية، توجيه ضربات استباقية لأي تهديد محتمل، وتقديم نموذج استعماري ناجح يمكن تقليده. هذا التحليل يفسر ما لا تستطيع النظريات الأخرى تفسيره: لماذا تدعم أمريكا إسرائيل بهذا العمى، رغم كل جرائمها؟ لماذا تستخدم حق النقض (الفيتو) لصالحها في مجلس الأمن، رغم إدانة العالم؟ لماذا تستمر المساعدات العسكرية بالتدفق، رغم كل تقارير حقوق الإنسان؟

في هذا الفصل، سنحلل دور إسرائيل كدولة وكيل. سنرى كيف تشكلت هذه العلاقة مع بريطانيا أولاً، ثم مع أمريكا لاحقاً. كيف تطورت عبر العقود. وكيف تجلت في الأحداث الكبرى: حرب ١٩٦٧، الغزو الأمريكي للعراق، الربيع العربي، والإبادة في غزة. سنقرأ التاريخ بعيون جديدة، ليس كصراع عربي-إسرائيلي فقط، بل كحلقة في صراع عالمي أوسع.

٢. الجذور التاريخية: من وعد بلفور إلى نكبة ١٩٤٨

قصة إسرائيل كدولة وكيل تبدأ قبل نشأتها بثلاثة عقود. تبدأ في ٢ نوفمبر ١٩١٧، عندما أصدر آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني، وعداً مشهوراً: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين" .

وعد بلفور لم يكن نابعاً من حب بريطانيا لليهود. كان نابعاً من مصالحها الاستعمارية. بريطانيا كانت في خضم الحرب العالمية الأولى، وتريد حشد الدعم اليهودي. كما كانت تطمح إلى السيطرة على فلسطين بعد انهيار الدولة العثمانية. وكانت ترى في الحركة الصهيونية حليفاً طبيعياً: حركة أوروبية، تهدف إلى إنشاء كيان موالٍ للغرب في موقع استراتيجي حساس.

ثلاثون عاماً من الانتداب البريطاني كانت بمثابة فترة حضانة للكيان الصهيوني. بريطانيا وفرت الحماية السياسية، والغطاء القانوني، والدعم الإداري. سمحت ببناء مؤسسات "الدولة على الطريق"، وهجرة الآلاف من اليهود، وتدريب الميليشيات المسلحة. كل ذلك تحت رعاية الانتداب.

عندما قررت بريطانيا الانسحاب عام ١٩٤٧، كانت تركت وراءها بنية تحتية كاملة: اقتصاد، إدارة، جيش. كان المشروع الصهيوني قد أصبح قادراً على الاعتماد على نفسه. لكنه لم يتخلَّ عن الحماية الخارجية. فقط تغير الوصي: من بريطانيا المنهكة إلى أمريكا الصاعدة.

في ١٩٤٨، عندما أعلنت إسرائيل قيامها، كانت أول دولة تعترف بها هي الولايات المتحدة. الرئيس ترومان ضغط على الأمم المتحدة لتمرير قرار التقسيم، واعترف بإسرائيل بعد دقائق من إعلانها . هذا لم يكن صدفة. كان تتويجاً لعلاقة بدأت تتشكل خلال الحرب.

٣. التحول إلى أمريكا: حرب ١٩٦٧ كعلامة فارقة

عشرين عاماً الأولى من عمر إسرائيل شهدت تطوراً في العلاقة مع أمريكا. من اعتراف دبلوماسي إلى تحالف استراتيجي. حرب ١٩٦٧ كانت نقطة التحول.

في حرب الأيام الستة، حققت إسرائيل نصراً ساحقاً. احتلت الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء. فجأة، لم تعد إسرائيل مجرد دولة صغيرة في الزاوية، بل قوة إقليمية عظمى. وكان هذا بالضبط ما تحتاجه أمريكا.

الحرب الباردة كانت في أوجها. أمريكا تخوض صراعاً مع الاتحاد السوفيتي على النفوذ في العالم. المنطقة العربية كانت مسرحاً رئيسياً لهذا الصراع. مصر وسوريا والعراق كانت تتجه نحو المعسكر السوفيتي. النفط العربي كان في خطر. أمريكا بحاجة إلى حليف قوي في المنطقة.

إسرائيل قدمت نفسها كحليف مثالي. دولة غربية، ديمقراطية، متطورة، وقوية عسكرياً. يمكنها أن تكون "حاملة الطائرات الأمريكية" في قلب العالم العربي. بعد ١٩٦٧، أصبح هذا الدور واضحاً.

المساعدات الأمريكية لإسرائيل قفزت بشكل كبير. من ملايين قليلة إلى مليارات الدولارات سنوياً. التنسيق العسكري والاستخباراتي ازداد. إسرائيل أصبحت المخبر الأميني للمصالح الأمريكية في المنطقة.

سمير أمين يصف هذا التحول: "بعد ١٩٦٧، أصبحت إسرائيل ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. وظيفتها لم تعد مجرد البقاء، بل السيطرة والردع والهيمنة" .

٤. وظائف الدولة الوكيلة: ماذا تفعل إسرائيل لأمريكا؟

ما هي الوظائف المحددة التي تؤديها إسرائيل كدولة وكيل؟ يمكن تلخيصها في عدة نقاط:

أولاً: حماية إمدادات النفط. النفط العربي هو شريان الحياة للاقتصاد العالمي. أي تهديد لهذه الإمدادات يعتبر تهديداً وجودياً للمصالح الأمريكية. إسرائيل تشكل رادعاً عسكرياً لأي قوة إقليمية قد تفكر في استخدام النفط سلاحاً سياسياً. وجودها يمنع الدول العربية من توحيد جهودها لاستخدام النفط ضد الغرب.

ثانياً: تفتيت الحركة القومية العربية. الخمسينات والستينات شهدت صعود القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر. هذه الحركة كانت تهدد المصالح الغربية. كانت تدعو إلى استقلال حقيقي، وتأميم الموارد، وتوحيد العرب. إسرائيل كانت أداة تفتيت مثالية. كلما حاولت قومية عربية الصعود، كانت إسرائيل توجه لها ضربة. حرب ١٩٥٦ مع مصر، حرب ١٩٦٧، غزو لبنان ١٩٨٢. كلها كانت ضربات استباقية للتيار القومي.

ثالثاً: اختبار الأسلحة والتكتيكات. إسرائيل هي مختبر للأسلحة الأمريكية. كل حرب تختبر فيها أسلحة جديدة. طائرات إف-١٦، دبابات ميركافا، صواريخ موجهة. ثم تباع هذه الأسلحة للعالم. الشركات الأمريكية تتعلم من تجارب إسرائيل، وتطور منتجاتها. هذا التعاون العسكري-الصناعي يدر أرباحاً طائلة.

رابعاً: تصدير نموذج "الديمقراطية بالقوة". إسرائيل تقدم نموذجاً لدولة غربية في محيط شرقي. نموذج يبرر التدخل العسكري باسم الديمقراطية والحرية. "نحن ندافع عن الحضارة ضد الهمجية". هذا الخطاب تبنته أمريكا لاحقاً في حروبها في أفغانستان والعراق.

خامساً: تصفية القضية الفلسطينية. القضية الفلسطينية هي مصدر إحراج دائم للغرب. هي تذكره بجرائم الاستعمار، وبازدواجية معاييره. إسرائيل تتولى مهمة "تصفية" هذه القضية، بالتهجير والقتل والمصادرة، بينما يتفرج الغرب أو يدعم. هذا يريح الضمير الغربي من عناء المواجهة المباشرة.

٥. الدعم الأمريكي: أرقام وحقائق

لفهم عمق العلاقة، يجب النظر إلى الأرقام. منذ ١٩٤٨ حتى اليوم، تلقت إسرائيل من الولايات المتحدة:

· أكثر من ١٥٠ مليار دولار مساعدات مباشرة (مع تعديل التضخم).
· مساعدات عسكرية سنوية تزيد عن ٣ مليارات دولار.
· ضمانات قروض بمليارات إضافية.
· دعم دبلوماسي لا محدود: ٤٢ مرة استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) ضد قرارات تدين إسرائيل في مجلس الأمن.
· نقل تكنولوجيا عسكرية متطورة لا تباع لأي دولة أخرى.
· مخزونات أسلحة أمريكية في إسرائيل يمكنها استخدامها في الطوارئ.

هذه الأرقام لا تشمل المساعدات غير المباشرة: التبرعات الخاصة (التي تعفى من الضرائب)، وسندات إسرائيل، والدعم السياسي من اللوبيات.

بالمقابل، ماذا تقدم إسرائيل لأمريكا؟ ليس فقط الخدمات الاستراتيجية المذكورة، بل أيضاً: قواعد عسكرية، معلومات استخباراتية، تكنولوجيا متطورة (تشارك فيها الصناعات العسكرية الإسرائيلية)، ونفوذ في الكونغرس عبر اللوبي الموالي لإسرائيل.

العلاقة ليست مجانية. هي صفقة. إسرائيل تدفع ثمناً أيضاً. التبعية لأمريكا تكلفها استقلالاً سياسياً، وتحولها إلى أداة في صراعات ليست صراعاتها. لكن القيادة الإسرائيلية ترى أن هذا الثمن مقبول مقابل البقاء.

٦. التعاون الاستخباراتي: الموساد وكالة أمريكية؟

واحد من أهم جوانب العلاقة هو التعاون الاستخباراتي. الموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي) يعتبر من أكثر الأجهزة كفاءة في العالم. وأمريكا تستفيد من هذه الكفاءة إلى أقصى حد.

العلاقة وثيقة لدرجة أن بعض المراقبين يصفون الموساد بأنه "فرع غير رسمي" لوكالة المخابرات المركزية (CIA). تبادل المعلومات شبه كامل. عمليات مشتركة كثيرة. حتى أن الموساد قام بمهام لا تستطيع CIA القيام بها لأسباب قانونية أو سياسية.

مثال: عملية اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين. يُعتقد أن الموساد نفذها بتنسيق أمريكي. إسرائيل تفعل ما لا تستطيع أمريكا فعله علناً. وهذا هو جوهر علاقة الدولة الوكيلة.

في المقابل، أمريكا تقدم لإسرائيل المعلومات الاستخباراتية التي تحتاجها لضرباتها. الأقمار الصناعية الأمريكية ترسل صوراً فورية. التنصت الأمريكي يزود بمكالمات الأعداء. كل هذا يجعل إسرائيل أقوى وأكثر قدرة على تنفيذ وظيفتها.

٧. العلاقة مع أوروبا: التبعية المتعددة الأطراف

إسرائيل ليست وكيلاً أمريكياً فقط. لها علاقات وثيقة مع أوروبا أيضاً. الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل. العلاقات الثقافية والعلمية متطورة. لكن الدور الأوروبي مختلف.

أوروبا، تاريخياً، كانت شريكاً في المشروع الصهيوني. بريطانيا كانت الوصي الأول. فرنسا زودت إسرائيل بالمفاعل النووي. ألمانيا تدفع تعويضات وتقدم أسلحة. إيطاليا وإسبانيا وهولندا تدعم سياسياً.

لكن أوروبا اليوم في موقع تابع لأمريكا. هي تدعم إسرائيل، لكن ليس بنفس الحماس الأمريكي. هناك انتقادات أوروبية أكثر، وهناك انقسامات داخلية. لكن في النهاية، المواقف الأوروبية الرسمية تدعم إسرائيل في المحافل الدولية، وتصوت معها أو تمتنع عن التصويت ضدها.

سمير أمين يرى أن أوروبا هي "الشريك الصغير" في هذه العلاقة. هي تتبع القيادة الأمريكية، لكنها تحتفظ بهامش من الاستقلال. وهذا الهامش يتسع أحياناً (مثل عندما تنتقد الاستيطان) ويضيق أحياناً (مثل عندما تقف مع إسرائيل في الحرب).

٨. الأنظمة العربية: تبعية في مواجهة تبعية

ما موقع الأنظمة العربية في هذه المعادلة؟ هل هي جزء من حلقة التبعية، أم خارجها؟

سمير أمين يصف الأنظمة العربية بأنها "أنظمة تابعة" (Comprador) أيضاً. لكن تبعيتها مختلفة. هي تبعية مباشرة للغرب، وليس عبر إسرائيل. بعضها يتعاون مع إسرائيل (مصر، الأردن، الإمارات)، وبعضها يعاديها (سوريا، إيران)، لكن كلها تظل في دائرة التبعية.

الدول التي طبعت مع إسرائيل (مصر ١٩٧٩، الأردن ١٩٩٤، الإمارات ٢٠٢٠) لم تفعل ذلك لأنها تحب إسرائيل. فعلته لأنها ترى في التطبيع مصلحة. ولأن أمريكا طلبت ذلك. هي تتبع القيادة الأمريكية، حتى لو كان الثمن التخلي عن القضية الفلسطينية.

الدول التي تعادي إسرائيل (سوريا، لبنان، إيران) تفعل ذلك في إطار صراع إقليمي. لكنها أيضاً دول تابعة في جوانب أخرى. إيران مثلاً، رغم عدائها لإسرائيل، تظل جزءاً من النظام الرأسمالي العالمي، تبيع نفطها، وتتعامل مع الغرب عندما تسمح المصالح.

الخلاصة: الأنظمة العربية ليست بديلاً حقيقياً. هي جزء من المشكلة، لا الحل. لأنها تشارك في نظام التبعية نفسه. الفرق أن بعضها يقف في صف إسرائيل، وبعضها في الصف المعادي. لكن كلها تبقى داخل الحلبة التي رسمها المركز.

٩. الربيع العربي: تهديد للتبعية؟

الربيع العربي (٢٠١٠٢٠١٢) كان لحظة مهمة في تاريخ المنطقة. ملايين الشباب خرجوا يطالبون بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. كان هذا تهديداً للأنظمة التابعة، ولكل نظام التبعية.

كيف تعاملت إسرائيل وأمريكا مع الربيع العربي؟ بحذر. في البداية، كانت أمريكا مترددة. ثم ركبت موجته و قررت دعم بعض الأنظمة الجديدة بانتخابات مزورة (مصر تحت حكم الإخوان) من خلال دعم السفارة الأمريكية تنصيب مرسي مع أن الفائز كان الفريق أحمد شفيق
إسرائيل كانت أكثر وضوحاً. حاربت الأنظمة العسكرية التقليدية. و دعمت العصابات الإرهابية التي صنعتها مثل النصرة والجيش الحر والقاعدة وداعش متجاوزة كذبها "خطر الإسلاميين". وفي بعض الحالات، قدمت دعماً ضمنياً للانفصاليين (مثل الأكراد في سوريا والعراق) بهدف تفتيت الدول العربية.

الربيع العربي فشل في تحقيق أهدافه الكبرى. لكنه كشف هشاشة الأنظمة التابعة. وأظهر أن الشعوب العربية تريد التغيير. هذا الخوف من التغيير هو ما يوحد الأنظمة العربية العميلة في محميات الخليح وإسرائيل وأمريكا: كلهم يريدون الحفاظ على الوضع القائم، أو إدارته فقط، لا تغييره جذرياً.

١٠. غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦: الإبادة كخدمة

في ضوء هذا التحليل، يمكن فهم الإبادة في غزة بشكل أعمق. ما حدث ليس مجرد حرب انتقامية. هو خدمة تؤديها إسرائيل للمصالح الغربية.

لماذا؟

أولاً: تدمير المقاومة الفلسطينية. المقاومة في غزة تمثل نموذجاً يحتذى. نموذج شعب يواجه أقوى جيش في المنطقة. نموذج تحدٍ للإمبريالية. تدمير هذا النموذج رسالة لكل من يفكر في المقاومة.

ثانياً: تصفية القضية الفلسطينية. القضية الفلسطينية هي مصدر إزعاج دائم للغرب. هي تذكر العالم بجرائمه. هي محور تحرك الشعوب العربية. الإبادة في غزة هي محاولة يائسة لإنهاء هذه القضية، أو على الأقل تقليصها إلى حد لا يمكن معه الحديث عنها.

ثالثاً: إعادة تأكيد الهيمنة. بعد سنوات من التراجع النسبي (الانسحاب من أفغانستان، الفشل في سوريا)، احتاجت أمريكا إلى إظهار القوة. إسرائيل فعلت ذلك نيابة عنها. أظهرت أن "الغرب" لا يزال قادراً على الفتك، إذا لزم الأمر.

رابعاً: تحويل الأنظار. العالم يواجه أزمات متعددة: تغير مناخي، أوبئة، حروب تجارية، صعود الصين. الإبادة في غزة تشغل الرأي العام، وتبرر استمرار الهيمنة العسكرية الأمريكية في المنطقة.

لهذه الأسباب، استمر الدعم الأمريكي رغم المجازر. لهذه الأسباب، استخدمت أمريكا الفيتو ضد وقف إطلاق النار. ليس حباً بإسرائيل، بل خدمة للمصالح.

١١. نقد نظرية الدولة الوكيل

مثل كل نظرية، تواجه "نظرية الدولة الوكيل" نقداً. من المهم ذكره، حتى نكون موضوعيين.

النقد الأول: يقلل من دور الفاعل المحلي. النظرية تركز على العوامل الخارجية، وتهمل الديناميكيات الداخلية. في حالة إسرائيل، هذا يعني تجاهل الصهيونية كحركة قومية لها قواعدها وأيديولوجيتها الخاصة. إسرائيل ليست مجرد أداة، بل لها مشروعها الذاتي.

النقد الثاني: يبسّط العلاقة. العلاقة بين إسرائيل وأمريكا ليست علاقة "وكيل وموكل" بسيطة. هي علاقة معقدة، فيها مصالح متبادلة، وتناقضات أحياناً. إسرائيل تضغط على أمريكا عبر اللوبي، وتؤثر في سياستها. ليست مجرد منفذة للأوامر.

النقد الثالث: يتجاهل الصراعات داخل المعسكر الغربي. ليس كل الدول الغربية تتفق في دعم إسرائيل بنفس الدرجة. هناك خلافات أوروبية-أمريكية، وخلافات داخل أمريكا نفسها بين الإدارات المختلفة. النظرية تهمل هذه الفروق.

النقد الرابع: يغفل المقاومة الفلسطينية. إذا كانت إسرائيل مجرد أداة، فالمقاومة الفلسطينية تصبح مقاومة لأداة، وليس للنظام نفسه. هذا يقلل من شأن النضال الفلسطيني.

هذه الانتقادات مشروعة. النظرية بحاجة إلى تكامل مع تحليلات أخرى. لكنها تبقى أداة قوية لفهم البعد الدولي للصراع.

١٢. الخلاصة: إسرائيل بين الذات والأداة

إسرائيل ليست مجرد أداة. لها مشروعها الخاص، وأيديولوجيتها، وقواها الذاتية. لكنها في الوقت نفسه تؤدي وظائف حيوية للإمبريالية الغربية. هي ذات وأداة في آن. وكيل له إرادة.

هذا المزيج هو ما يجعلها قوية. لأنها لا تعتمد على الدعم الخارجي فقط، بل لها قواعد داخلية متينة. وفي نفس الوقت، الدعم الخارجي يجعلها أقوى، ويوسع هامش مناورتها.

لكن هذا المزيج له ثمن. إسرائيل تدفع ثمن التبعية: استقلال محدود، اعتماد على الخارج، صراعات داخلية بين من يريدون المزيد من الارتباط بالغرب ومن يريدون الحفاظ على الذات.

المستقبل سيكون حاسماً. إذا انهارت الهيمنة الأمريكية، قد تجد إسرائيل نفسها وحيدة. وإذا صمدت، ستستمر في أداء وظيفتها. لكن كل السيناريوهات مفتوحة.

في النهاية، يبقى الفلسطيني هو الضحية. يدفع ثمن هذا التحالف الكبير بدمه وأرضه. إلى أن يأتي يوم تتغير فيه موازين القوى، ويعيد فيه التاريخ ترتيب حساباته.


…….


الفصل الثالث عشر: رفض المركزية الأوروبية - كشف الوجه الحقيقي للحداثة

١. مقدمة: ما بعد السرد، ما بعد التحليل

في الفصول السابقة، سردنا الوقائع. وثائق بروشي، شهادات القادة، مجازر الصفصاف وكفر قاسم، إخفاء "مالاب"، وثيقة الـ٧٠٪، تهجير الخمسينات، والإبادة في غزة. ثم حللناها بمقاييس مدرسة التبعية، ورأينا كيف أن إسرائيل ليست مجرد دولة، بل "دولة وكيل" في خدمة الإمبريالية الغربية.

لكن يبقى سؤال أعمق: كيف يمكن لهذه الجرائم أن تستمر سبعة عقود، تحت أنظار العالم، بدعم من دول ترفع شعارات "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية" و"الحرية"؟ كيف يمكن لقادة غربيين أن يقفوا على منابر الأمم المتحدة وهم يتحدثون عن الكرامة الإنسانية، بينما يدعمون في اللحظة نفسها آلة قتل فلسطينية؟ كيف يمكن للخطاب الغربي عن "التقدم" و"الحضارة" أن يتعايش مع هذا الكم الهائل من الوحشية؟

الجواب يكمن في شيء اسمه "المركزية الأوروبية". ليست مجرد عنصرية عابرة، ولا مجرد تحيز ثقافي. هي بنية فكرية كاملة، نظام معرفي متكامل، يحدد من هو "الإنسان" ومن هو "دون الإنسان". يحدد من له حق الحياة ومن هو "عقبة في طريق التاريخ". يحدد من يبكي العالم موته، ومن تمر مجازره كأنها لم تكن.

هذا الفصل هو عن تلك المركزية الأوروبية. عن كيف نظر الغرب إلى نفسه عبر التاريخ كـ"مركز" للعالم، وإلى الآخرين كـ"أطراف" هامشية. عن كيف بنى خطاباً عن "الحضارة" و"الهمجية" يبرر الإبادة والاستعمار. عن كيف استمر هذا الخطاب حتى اليوم، ليصبح الغطاء الأيديولوجي للإبادة في غزة.

سمير أمين، في كتابه الكلاسيكي "المركزية الأوروبية" (Eurocentrism)، حلل هذه الظاهرة بعمق. قال إن المركزية الأوروبية ليست مجرد نزعة عنصرية، بل هي "ظاهرة حداثية" بامتياز، جذورها تمتد إلى عصر النهضة، وازدهرت في القرن التاسع عشر مع صعود الرأسمالية. وهي تشكل "بعداً من أبعاد ثقافة وأيديولوجية العالم الرأسمالي الحديث" .

في هذا الفصل، سنعرض تحليل سمير أمين للمركزية الأوروبية، ثم نطبقه على القضية الفلسطينية. سنرى كيف أن الخطاب الغربي عن فلسطين هو خطاب مركزية أوروبية بامتياز. كيف أن وصف الفلسطيني بـ"الإرهابي" أو "الحيوان البشري" هو استمرار لخطاب استعماري قديم. وكيف أن "الحداثة" الغربية، بوجهها المشرق (العلم، الديمقراطية، حقوق الإنسان)، هي نفسها التي تنتج هذا الوجه المظلم من الإبادة والدمار.

٢. سمير أمين والمركزية الأوروبية: تفكيك الخطاب

في عام ١٩٨٩، نشر سمير أمين كتابه الأكثر تأثيراً: "المركزية الأوروبية" (Eurocentrism) . كان الكتاب بمثابة صدمة للفكر الغربي، وللمفكرين في العالم الثالث الذين استوعبوا المقولات الغربية دون نقد.

أمين يبدأ بسؤال بسيط: كيف نظر الغرب إلى نفسه عبر التاريخ؟ وكيف نظر إلى الآخرين؟ الإجابة معقدة.

المركزية الأوروبية، كما يعرفها أمين، هي "ظاهرة ثقافية" تفترض وجود "ثوابت ثقافية غير قابلة للاختزال" تشكل المسارات التاريخية للشعوب المختلفة. إنها تعتقد أن لكل شعب "جوهراً" ثقافياً ثابتاً، يحدد مصيره. الأوروبيون "جوهرهم" عقلاني، ديمقراطي، مبتكر. الآخرون "جوهرهم" غير عقلاني، استبدادي، تقليدي .

هذه النظرة، كما يشرح أمين، هي "معادية للعالمية" (anti-universalist) في جوهرها. لأنها لا تبحث عن قوانين عامة للتطور الإنساني، بل تكتفي بتقسيم البشر إلى "أنواع" ثقافية ثابتة. لكنها في الوقت نفسه "تقدم نفسها كعالمية"، لأنها تدّعي أن تقليد النماذج الغربية هو "الحل الوحيد لتحديات عصرنا" .

بعبارة أخرى: أنتم مختلفون عنا، وهذا الاختلاف يجعلكم أقل منا. لكن الحل الوحيد لمشاكلكم هو أن تصبحوا مثلنا. هذا هو التناقض الأساسي للمركزية الأوروبية.

أمين يرى أن جذور هذه النظرة تعود إلى عصر النهضة الأوروبي (القرن الخامس عشر والسادس عشر). في ذلك العصر، بدأت أوروبا تخرج من "ظلام" العصور الوسطى، وتبني حضارة جديدة تقوم على العقل والعلم والفردية. في الوقت نفسه، بدأت تغزو العالم. اكتشاف أمريكا، والالتفاف حول أفريقيا، والوصول إلى آسيا، كل ذلك خلق لقاءً مع "الآخر" لم يكن موجوداً من قبل.

هذا اللقاء أنتج حاجة أيديولوجية: تبرير الغزو والنهب. كيف يمكن لأوروبا المسيحية "المتحضرة" أن تستعبد الأفارقة وتقتل الهنود الحمر وتنهب ثروات آسيا؟ الجواب كان: لأنهم أقل منا. لأنهم "همج" و"متوحشون" و"غير عقلانيين". نحن نأتي لننقذهم من تخلفهم، أو على الأقل نستغل مواردهم التي لا يعرفون قيمتها.

هكذا وُلدت المركزية الأوروبية. ليست مجرد فكرة، بل أداة استعمارية. ليست مجرد تحيز، بل نظام تبرير كامل.

٣. الثنائيات القاتلة: متحضر/همجي، عاقل/مجنون، إنسان/حيوان

المركزية الأوروبية تعمل عبر ثنائيات قاتلة. ثنائيات تبسط الواقع، وتخلق حدوداً صارمة بين "نحن" و"هم".

الثنائية الأولى: متحضر/همجي. الغرب "متحضر". لديه مدن، علوم، قوانين، فنون. الآخر "همجي". يعيش في الغابات، لا يعرف التنظيم، يتبع الغرائز. هذه الثنائية تبرر "مهمة التمدين" (mission civilisatrice) التي قام بها الاستعمار. نحن نأتي لننقذكم من همجيتكم. حتى لو كان الثمن قتلكم واستعبادكم.

الثنائية الثانية: عاقل/مجنون. الغرب "عاقل". يفكر بمنطق، يحسب النتائج، يخطط للمستقبل. الآخر "مجنون" أو "طفولي". لا يفكر، يندفع وراء العواطف، يعيش في الحاضر فقط. هذه الثنائية تبرر الوصاية. نحن نقرر نيابة عنكم، لأنكم غير قادرين على اتخاذ القرارات الصحيحة.

الثنائية الثالثة: إنسان/حيوان. الغرب "إنسان" بالمعنى الكامل. له روح، له كرامة، له حقوق. الآخر "دون إنسان". أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان. هذه هي أخطر الثنائيات. لأنها تخرج الآخر من دائرة الإنسانية، وتجعل قتله أمراً عادياً. من يقتل حيواناً لا يرتكب جريمة. من يقتل "دون إنسان" لا ينتهك حقوقاً.

هذه الثنائيات ليست منفصلة. هي متداخلة. "الهمجي" هو أيضاً "غير عاقل" و"شبيه بالحيوان". كلها تخدم هدفاً واحداً: إخراج الآخر من دائرة الالتزام الأخلاقي.

عندما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت سكان غزة بأنهم "حيوانات بشرية"، كان يستدعي هذه الثنائية القاتلة . عندما قال "نحن نتعامل وفقاً لذلك"، كان يعني: لأنهم حيوانات، فكل الوسائل مباحة. لا قوانين حرب تحميهم. لا أخلاقيات تحدنا. هم خارج دائرة الإنسانية.

هذا ليس خطأ لسانياً عابراً. هو تعبير عن بنية فكرية عميقة. بنية ترى الفلسطيني ككائن أدنى، لا يستحق الحياة الكريمة. بنية تبرر الإبادة باسم "الدفاع عن الحضارة" ضد "الهمجية".

٤. الاستشراق: إدوارد سعيد وقراءة الغرب للشرق

لا يمكن الحديث عن المركزية الأوروبية دون ذكر إدوارد سعيد وكتابه العظيم "الاستشراق" (Orientalism) الذي صدر عام ١٩٧٨. سعيد حلل كيف أن الغرب "اخترع" الشرق كموضوع للدراسة والتحكم.

الاستشراق، كما عرّفه سعيد، هو "أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، وإعادة بنائه، وممارسة السلطة عليه". إنه ليس مجرد دراسة أكاديمية محايدة، بل هو خطاب قوة. الغربي يدرس الشرقي، يصنفه، يحلله، ثم يقرر مصيره .

في هذا الخطاب، يُصوَّر الشرقي كـ"آخر" ثابت، لا يتغير. هو انفعالي، غير عقلاني، شهواني، كسول، متخلف. والغربي، بالمقابل، عقلاني، متحضر، نشيط، متقدم. هذه الصور النمطية تبرر الهيمنة الغربية.

تطبيق هذا على فلسطين واضح. الفلسطيني في الخطاب الغربي هو "الإرهابي" بالفطرة، هو "العنيف" بلا سبب، هو "المتعصب" دينياً. لا يسأل الغربي لماذا يقاوم الفلسطيني؟ ما التاريخ الذي مر به؟ ما الظلم الذي يعانيه؟ يكفي أنه "فلسطيني" ليصبح مشبوهاً.

الاستشراق يخلق أيضاً "تسلسلاً زمنياً" غريباً. الغرب في "المستقبل"، والشرق في "الماضي". عندما يرى الغربي الفلسطيني، لا يراه كإنسان يعيش في زمنه، بل كبقايا من عصور غابرة. هذا يبرر "تحديثه" بالقوة، حتى لو كان الثمن ثقافته وهويته.

إدوارد سعيد نفسه كان فلسطينياً، وكتب عن فلسطين بنفس الروح النقدية. فضح كيف أن وسائل الإعلام الغربية تصور الفلسطيني كـ"مشكلة" وليس كـ"إنسان". كيف أن "حق إسرائيل في الوجود" يُطرح كمسلّمة، بينما "حق الفلسطيني في العودة" يُناقش كفرضية.

٥. نقد أمين للمركزية الأوروبية: لماذا هي "معادية للعالمية"؟

سمير أمين يذهب أبعد من سعيد. لا يكتفي بفضح الصور النمطية، بل يحلل البنية الاقتصادية والسياسية التي تنتج هذه الصور.

المركزية الأوروبية، في تحليل أمين، هي "معادية للعالمية" لأنها تنكر وحدة الجنس البشري. هي تقول إن هناك "قوانين تاريخ" مختلفة لكل شعب. الأوروبيون يسيرون في طريق "التقدم"، وغير الأوروبيين عالقون في "التخلف". لا يمكن تطبيق نفس المعايير على الجميع.

لكن المفارقة أن المركزية الأوروبية "تقدم نفسها كعالمية". هي تقول إن النموذج الغربي (الديمقراطية الليبرالية، الرأسمالية، العلمانية) هو النموذج الوحيد الصالح للبشرية. على الجميع أن يتبعوه. هذا هو "نهاية التاريخ" كما قال فرانسيس فوكوياما.

هذا التناقض يخدم مصالح الرأسمالية العالمية. من ناحية، يبرر استمرار الهيمنة الغربية. الغرب هو "القائد" الطبيعي للبشرية. من ناحية أخرى، يمنع ظهور بدائل حقيقية. أي محاولة لبناء طريق مختلف تُتهم بـ"الانعزالية" أو "الرجعية".

في فلسطين، هذا واضح. إسرائيل تُصوَّر كـ"دولة غربية" في الشرق، كـ"جزيرة ديمقراطية" في بحر من الاستبداد. الفلسطينيون الذين يقاومونها يُصوَّرون كـ"رجعيين" يرفضون "الحداثة". لا يُنظر إلى مقاومتهم كحق مشروع، بل كعقبة في طريق "السلام" و"التقدم".

٦. المركزية الأوروبية في الخطاب الإسرائيلي: هرتزل و"حائط دفاع ضد الهمجية"

الخطاب الإسرائيلي نفسه مشبع بالمركزية الأوروبية. منذ البداية، رأى مؤسسو الحركة الصهيونية أنفسهم كحاملي لواء "الحضارة" في مواجهة "الهمجية" العربية.

تيودور هرتزل، أبو الحركة الصهيونية، كتب في كتابه "دولة اليهود" (١٨٩٦) عن الدولة اليهودية المستقبلية باعتبارها "جزءاً من حائط دفاع لأوروبا في آسيا، موقعاً متقدماً للحضارة ضد البربرية" . هذه العبارة تلخص كل شيء: إسرائيل هي "أوروبا" في الشرق، هي "الحضارة" في مواجهة "الهمجية"، هي "الدفاع" عن القيم الغربية ضد "البرابرة".

هذا التصور ليس هامشياً. هو أساسي. الصهيونية لم تكن مجرد حركة قومية يهودية، بل كانت أيضاً حركة استعمارية أوروبية. حملت معها كل افتراضات المركزية الأوروبية: التفوق الغربي، حق "التمدن"، ازدراء السكان الأصليين.

عندما جاء المستوطنون الأوائل إلى فلسطين، نظروا إلى الفلسطينيين كما نظر المستعمرون الأوروبيون إلى الأفارقة والآسيويين. رأوهم ككائنات بدائية، لا تستحق الأرض التي يعيشون عليها. "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، كما قال إسرائيل زانغويل. كانت الأرض "فارغة" ليس لأنها خالية من السكان، بل لأن سكانها لا يُعتبرون "شعباً" حقيقياً.

هذا الخطاب استمر عبر العقود. القادة الإسرائيليون يتحدثون عن "تخلف" العرب، عن "فجوتهم الحضارية"، عن "عدم فهمهم إلا لغة القوة". عندما وصف غولدا مائير الفلسطينيين بأنهم "غير موجودين"، كانت تعبر عن نفس المركزية الأوروبية: من لا يشبهنا، لا وجود له.

٧. المركزية الأوروبية في الخطاب الغربي المعاصر: بايدن والحيوانات البشرية

في الإبادة الحالية على غزة، تجلت المركزية الأوروبية بأبشع صورها. القادة الغربيون لم يكتفوا بدعم إسرائيل عسكرياً، بل قدموا لها الغطاء الأخلاقي عبر خطاب ينزع الإنسانية عن الفلسطينيين.

الرئيس الأمريكي جو بايدن تحدث عن "وحشية حماس" دون أن ينبس بكلمة عن قتل آلاف الأطفال الفلسطينيين. وصف إسرائيل بأنها "دولة ديمقراطية" تدافع عن نفسها، متجاهلاً أنها قوة احتلال ترتكب إبادة. قال إن لديه "ثقة" في أن إسرائيل تتبع "قوانين الحرب"، رغم كل الأدلة على العكس.

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك سافر إلى إسرائيل وأعلن "وقوفه إلى جانبها" دون قيد أو شرط. نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا إلى تشكيل "تحالف دولي ضد حماس" . المستشار الألماني أولاف شولتز أعلن أن "مكان ألمانيا الوحيد" هو إلى جانب إسرائيل، وقطع المساعدات عن الفلسطينيين .

هذا الخطاب يستخدم خمس استراتيجيات رئيسية، كما يحلل الباحثون إبراهيم فريحات وريما أبو رمدان :

١. الاختزال الثنائي (إسرائيل-حماس): يتم اختزال الصراع إلى "إسرائيل ضد حماس"، متجاهلاً الشعب الفلسطيني بأسره، وتاريخه، وحقوقه، ومعاناته.

٢. نزع التاريخية عن المعاناة الفلسطينية: يتم تقديم الأحداث كما لو أنها بدأت في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، متجاهلة ٧٥ عاماً من النكبة والتهجير والقتل.

٣. إنكار حق الفلسطيني في الدفاع عن نفسه: بينما يتم تقديم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها كمسلّمة، يُنظر إلى أي مقاومة فلسطينية كـ"إرهاب" غير مشروع.

٤. تجريد الأطفال الفلسطينيين من إنسانيتهم: يتم الحديث عن "قتلى" و"ضحايا" دون تمييز، وكأن موت الأطفال الفلسطينيين أمر عادي.

٥. الانتقائية في التعاطف مع الأسرى: يتم تضخيم معاناة الأسرى الإسرائيليين، بينما يتم تجاهل آلاف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

هذه الاستراتيجيات ليست عشوائية. هي تعبير عن مركزية أوروبية ترى أن حياة الغربي أثمن من حياة غيره، وأن دم الفلسطيني أقل قيمة من دم الإسرائيلي.

٨. نزع الإنسانية: من "الهمجي" إلى "الحيوان البشري"

نزع الإنسانية (Dehumanisation) هو الآلية النفسية المركزية للمركزية الأوروبية. عندما يتم نزع الإنسانية عن مجموعة بشرية، تصبح خارج دائرة الالتزام الأخلاقي. يمكن قتلها دون شعور بالذنب. يمكن تهجيرها دون تعاطف. يمكن تجويعها دون احتجاج.

سوزان أوبوتو (Susan Opotow) تعرف نزع الإنسانية بأنه "فعل إقصاء قاطع من المجتمع الأخلاقي، مما يجعل الناس غير مبالين بمعاناة الآخرين ومعاملتهم غير العادلة" . عندما يتم إخراج شخص من "دائرة الالتزام الأخلاقي"، تفقد آلامه معناها. يصبح غير مرئي أخلاقياً.

نيك هاسلام (Nick Haslam) يميز بين نوعين من نزع الإنسانية :

١. نزع إنسانية حيواني: يتم فيه إنكار الصفات الإنسانية المميزة (الذكاء، ضبط النفس، الرقي) وتصوير الآخر كشبيه بالحيوان.

٢. نزع إنسانية ميكانيكي: يتم فيه إنكار المشاعر الإنسانية (الدفء، العاطفة) وتصوير الآخر كآلة باردة.

في حالة الفلسطينيين، النوع الأول هو السائد. "حيوانات بشرية" هو التعبير الأوضح. هذا التصوير يبرر العنف. من الطبيعي أن نذبح الحيوانات. من الطبيعي أن نستخدم القوة مع من لا يستحقون معاملة إنسانية.

الخطر الأكبر هو أن نزع الإنسانية يعمل على مستويين. أولاً، يسهل على الجلادين ارتكاب الجرائم دون شعور بالذنب. ثانياً، يسهل على المتفرجين (المجتمع الدولي) التفرج دون تدخل. عندما يصبح الفلسطيني "حيواناً"، يصبح موته خبراً عادياً، لا يستحق الوقوف عنده طويلاً.

٩. النزعة الإنسانية الانتقائية: لماذا حياة إسرائيلية تساوي مئة فلسطينية؟

أحد تجليات المركزية الأوروبية هو "النزعة الإنسانية الانتقائية". أي أن بعض البشر أكثر إنسانية من بعض. بعض الدماء أغلى من بعض.

في تغطية الإعلام الغربي لحرب غزة، تجلت هذه الانتقائية بوضوح. كل قتيل إسرائيلي كان له اسم، وصورة، وقصة. عائلته تظهر على الشاشات. جنازته تُذاع. العالم يبكي معه. أما القتلى الفلسطينيون، فكانوا أرقاماً فقط. "استشهد ١٠٠ فلسطيني اليوم". مجرد رقم. لا أسماء، لا صور، لا قصص، لا بكاء.

هذه الانتقائية ليست خطأ صحفياً. هي تعبير عن مركزية أوروبية ترى أن حياة الغربي (أو شبيه الغربي) أثمن من حياة الآخر. الإسرائيلي "قريب" منا، يشبهنا، يتكلم لغتنا، يشاركنا قيمنا. الفلسطيني "غريب" عنا، لا يشبهنا، لا يفهمنا، لا نعرفه. لذلك، موته لا يؤلمنا كما يؤلمنا موت شبيهنا.

الخبير القانوني الدولي يجيب على سؤال افتراضي: لو قتل ١٠٠ فلسطيني مقابل كل إسرائيلي، هل هذا توازن؟ الجواب: لا، ليس توازناً، بل هو ميزان عنصري. كل إسرائيلي يساوي مئة فلسطيني في ميزان الإعلام الغربي والضمير الغربي.

هذا الميزان العنصري هو جوهر المركزية الأوروبية. هو الذي يفسر كيف يمكن للعالم أن يرى إبادة جماعية تحدث أمام عينيه، ولا يحرك ساكناً.

١٠. ازدواجية المعايير: القانون الدولي للضعفاء فقط؟

ازدواجية المعايير هي الوجه الآخر للمركزية الأوروبية. القانون الدولي، الذي يفترض أنه عالمي، يطبق بانتقائية صارخة.

عندما غزت روسيا أوكرانيا، اجتمع العالم ضدها. فرضت عقوبات. أرسلت أسلحة. دعمت المقاومة. وعُزل بوتين دولياً. كان الموقف واضحاً: العدوان غير مقبول، ومرتكبوه يجب أن يحاسبوا.

أما عندما ترتكب إسرائيل جرائم حرب في غزة، فإن المعايير تنقلب. الولايات المتحدة تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإسقاط أي قرار يدين إسرائيل. المساعدات العسكرية تستمر في التدفق. القادة الإسرائيليون يستقبلون في البيت الأبيض. والجرائم تمر دون عقاب.

هذا التناقض ليس نتيجة صدفة. هو تعبير عن مركزية أوروبية ترى أن بعض الدول "فوق القانون" لأنها تمثل "الحضارة" في مواجهة "الهمجية". روسيا، رغم أنها بيضاء وأوروبية، انحرفت عن المسار، لذلك عوقبت. إسرائيل، لأنها تمثل "الغرب" في الشرق، تحظى بحماية خاصة.

منذ ١٩٤٨ وحتى اليوم، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) أكثر من ٤٠ مرة لصالح إسرائيل، معظمها ضد قرارات تدين جرائمها . هذا الرقم يعكس عمق الانحياز. ليس مجرد دعم عابر، بل حماية منهجية من المساءلة الدولية.

١١. الفلسفة الأوروبية والمركزية الأوروبية: كانط وهيغل و"شعوب بلا تاريخ"

المركزية الأوروبية ليست مجرد خطاب سياسي. لها جذور فلسفية عميقة. كبار فلاسفة أوروبا، الذين يعتبرون آباء "الحداثة"، كانوا في كثير من الأحيان مركزية أوروبيين بامتياز.

إيمانويل كانط، فيلسوف التنوير الأكبر، صاحب مقال "ما هي الأنوار؟" وداعية الكرامة الإنسانية، كان في الوقت نفسه عنصرياً. في كتاباته عن الأنثروبولوجيا، صنف البشر إلى "أعراق"، وجعل الأوروبيين في القمة، والأفارقة في القاع. قال عن الأفارقة إنهم "لا يشعرون بأي إحساس سامٍ، إنهم خائفون، لكنهم كسالى، ولا أخلاقيين" .

جورج فيلهلم فريدريش هيغل، فيلسوف التاريخ الأعظم، رأى أن التاريخ يسير من الشرق إلى الغرب، ويبلغ ذروته في أوروبا. قال إن أفريقيا "ليست جزءاً من التاريخ" وإنها "مازالت في طور الطفولة". عن شعوب آسيا قال إنهم "خارج مسار التاريخ العالمي". فقط الأوروبيون هم "شعوب تاريخية" .

هذه الفلسفة ليست مجرد آراء شخصية. هي أساس "فلسفة التاريخ" الأوروبية. التاريخ يسير في خط مستقيم، من "البدائية" إلى "الحضارة"، ومن "الهمجية" إلى "التقدم". وأوروبا هي نقطة النهاية. كل ما قبلها مجرد إعداد. كل ما بعدها مجرد تقليد.

هذا التصور شكل الأساس الأيديولوجي للاستعمار. إذا كانت بعض الشعوب "بلا تاريخ"، فمن حق الشعوب "التاريخية" أن تقودها وتوجهها. إذا كان غير الأوروبيين "في طور الطفولة"، فمن حق الأوروبيين "الرشدين" أن يقرروا مصيرهم.

في فلسطين، هذا التصور واضح. الفلسطينيون "شعب بلا تاريخ"، وجودهم مجرد عائق في طريق "التاريخ" الصهيوني. إسرائيل هي "التقدم"، هم "التخلف". إسرائيل هي "الحضارة"، هم "الهمجية". لذلك، من الطبيعي أن تنتصر إسرائيل، حتى لو كان الثمن إبادتهم.

١٢. نقد هامش دبشي: الغرب ليس حضارة، بل همجية متجلية

في كتابه الصادر عام ٢٠٢٥ بعنوان "بعد الهمجية: غزة، الإبادة الجماعية، ووهم الحضارة الغربية" (After Savagery: Gaza, Genocide, and the Illusion of Western Civilization)، يوجه هامش دبشي، أستاذ الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، نقداً لاذعاً للمركزية الأوروبية من زاوية فلسطينية.

دبشي يرى أن ما حدث في غزة ليس مجرد جريمة حرب، بل هو "تتويج للعنصرية الغربية والوحشية الاستعمارية". ويكتب: "الهمجية الإسرائيلية التي ظهرت خلال الحرب الأخيرة على غزة، لكنها كانت واضحة دائماً منذ اختراعها الاستعماري، ليست السبب بل هي عَرَض لعلة الوهم المسماة الغرب " .

هذه العبارة تحول النقاش رأساً على عقب. عادة، يتم اتهام "الآخر" (العربي، المسلم) بالهمجية. دبشي يقول: لا، الهمجية هي جوهر "الغرب". الهمجية ليست استثناء من الحضارة الغربية، بل هي نتاجها الطبيعي. "الغرب ليس حضارة. إنه همجية متجلية" .

دبشي يتتبع هذه الهمجية عبر التاريخ: من إبادة الهنود الحمر في أمريكا، إلى تجارة الرقيق الأفارقة، إلى الاستعمار في آسيا وأفريقيا، إلى المحرقة النازية، وأخيراً إلى الإبادة في غزة. كلها حلقات في سلسلة واحدة. كلها تعبير عن "الحداثة الاستعمارية" التي تقوم على إبادة "الآخر" لصالح "الأنا".

ويخلص إلى أن "غزة هي عتبة للعالم مثل المحرقة". بعد المحرقة النازية، تم تفكيك مشروع التنوير الأوروبي وفحصه نقدياً. بعد الإبادة في غزة، يجب أن يبدأ "مشروع ما بعد الغرب" (post-Western world) بشكل جدي .

هذا هو التحدي: ليس إصلاح الغرب، بل تجاوزه. ليس تحسين المركزية الأوروبية، بل بناء عالم جديد لا يقوم على مركزية أي ثقافة.

١٣. الجامعات الغربية: معقل المركزية الأوروبية

الجامعات الغربية، التي يفترض أنها معاقل العقل والنقد، كانت في الغالب معاقلاً للمركزية الأوروبية. ليس فقط في الماضي، بل في الحاضر أيضاً.

خلال الإبادة في غزة، شهدت الجامعات الغربية موجة من قمع حرية التعبير. طلاب وأساتذة انتقدوا إسرائيل تعرضوا للفصل والتهديد والتحقيق. بعضهم فقد وظائفه لمجرد تغريدات داعمة لفلسطين. بعضهم حوسب على منشورات قديمة. بعضهم منع من السفر.

في المقابل، الخطاب المؤيد لإسرائيل كان حراً طليقاً. سياسيون وصحفيون دعوا إلى "مسح غزة من على وجه الأرض" دون أن يحاسبهم أحد. أكاديميون برروا قتل الأطفال باسم "حق الدفاع عن النفس". هذا الانحياز كشف الوجه الحقيقي للجامعات الغربية.

الدراسات الفلسطينية نفسها تواجه صعوبات كبيرة. في كثير من الجامعات، لا يوجد قسم للدراسات الفلسطينية. وعندما توجد، تواجه ضغوطاً وتهديدات. الأساتذة الذين يدرسون النكبة يتهمون بـ"معاداة السامية". الطلاب الذين ينظمون فعاليات تضامنية يتهمون بـ"دعم الإرهاب".

هذا القمع يعكس خوفاً عميقاً. الخوف من أن كشف الحقيقة عن فلسطين سيكشف زيف الخطاب الغربي عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. سيكشف أن هذه القيم كانت دائماً انتقائية. سيكشف أن "الحداثة" الغربية قامت على إبادة الآخرين.

١٤. المركزية الأوروبية والإعلام: كيف تُصوَّر فلسطين؟

الإعلام الغربي هو أداة رئيسية لنشر المركزية الأوروبية. طريقة تغطيته للأحداث تخلق "حقيقة" معينة، وتخفي حقائق أخرى.

في تغطية حرب غزة، استخدم الإعلام الغربي لغة تحمل في طياتها انحيازاً صارخاً. إسرائيل "تدافع عن نفسها"، فلسطينيون "يموتون" أو "يقتلون" (بصيغة المبني للمجهول التي تخفي الفاعل). إسرائيل "ترد"، فلسطينيون "يهاجمون". إسرائيل لديها "حق في الوجود"، فلسطينيون لهم "حق في المقاومة" (إذا ذُكر أصلاً).

المصطلحات نفسها انتقائية. "إرهابيون" يطلق على المقاومين الفلسطينيين. "مدنيون" يطلق على المستوطنين الإسرائيليين. "اغتيالات" للقادة الفلسطينيين، و"عمليات أمنية" لاعتقالات الإسرائيليين.

الصور أيضاً انتقائية. عندما يُقتل إسرائيلي، تُنشر صورته وقصته. عندما يُقتل آلاف الفلسطينيين، تُنشر صور الجثث (غالباً من زوايا بعيدة) دون تفاصيل عن الضحايا. الأطفال الفلسطينيون القتلى يصبحون مجرد "أرقام" في إحصائية، بينما الأطفال الإسرائيليون الأسرى يصبحون "قصصاً إنسانية" تتابعها وسائل الإعلام يومياً.

هذه الانتقائية ليست مجرد خطأ مهني. هي تعبير عن مركزية أوروبية ترى أن بعض البشر يستحقون أن تُروى قصصهم، وبعضهم لا يستحقون.

١٥. الهمجية والحداثة: الوجه المظلم للتنوير

أحد أكبر الأوهام التي تروجها المركزية الأوروبية هو أن "الحداثة" و"التنوير" هما نقيضا "الهمجية". الحداثة تعني العقل، العلم، الديمقراطية، حقوق الإنسان. الهمجية تعني اللاعقل، الخرافة، الاستبداد، القمع.

لكن المفكرين النقديين، من فرانز فانون إلى إيمي سيزير إلى هامش دبشي، قلبو هذه المعادلة. قالوا إن الهمجية ليست خارج الحداثة، بل هي داخلها. إنها وجهها الآخر، وجهها المظلم، وجهها الحقيقي.

إيمي سيزير، الشاعر والمفكر المارتينيكي، كتب في كتابه "خطاب حول الاستعمار" (١٩٥٠): "الاستعمار يعمل على تهميش المستعمر، على توحشه بالمعنى الحقيقي للكلمة، على إذلاله، على إيقاظ غرائزه الدفينة، على الجشع والعنف وكراهية الأعراق والنسبية الأخلاقية". ثم أضاف: "من المدهش أن نرى كيف أن الهمجية الأوروبية، التي طالما اعتبرت نفسها حضارة، تتفوق في القسوة على كل ما كان يُعتقد أنه همجي" .

هذا هو النقد الجذري: ليس الاستعمار هو من "يُحضر" الهمج، بل هو من يكشف الهمجية الكامنة في "الحضارة" نفسها. التقنيات التي استخدمها النازيون في معسكرات الموت كانت نفس التقنيات التي استخدمها الأوروبيون في مستعمراتهم. الفرق أن الأولى استخدمت في أوروبا، فاعتبرت جريمة، والثانية استخدمت خارج أوروبا، فاعتبرت "مهمة حضارية".

في غزة، نرى الوجه المظلم للحداثة. طائرات إف-٣٥، وقنابل ذكية، وصواريخ موجهة، وأنظمة ذكاء اصطناعي. كلها منتجات "الحداثة" التكنولوجية. تستخدم لقتل الأطفال وتدمير المدارس والمستشفيات. الحداثة التي يفترض أنها تخدم الإنسان، تتحول إلى أداة لإبادته.

١٦. سلاح العودة: كيف يواجه الفلسطيني المركزية الأوروبية؟

في مواجهة هذا النظام المعرفي القاتل، يمتلك الفلسطيني سلاحاً عجيباً: العودة. ليس مجرد حق سياسي، بل أداة نقدية تكشف زيف المركزية الأوروبية.

حق العودة يقول: هذا البيت ما زال ينتظر. هذه الأرض ما زالت لنا. هذا المفتاح ما زال صالحاً. نحن لم ننسَ. نحن لم نتنازل. نحن ما زلنا هنا.

هذا التحدي يفند ادعاءات المركزية الأوروبية. يقول إن "الآخر" الذي يفترض أنه اختفى، ما زال موجوداً. يقول إن "التاريخ" لم ينتهِ، بل ما زال مستمراً. يقول إن "الحداثة" التي حاولت محونا، فشلت.

العودة هي "اللاء" الفلسطينية الكبرى. لا للتهجير، لا للنسيان، لا للاستسلام. هي إعلان أن الفلسطيني ليس "حيواناً" يمكن إبادته، بل إنسان له حق في الحياة والكرامة والعودة إلى وطنه.

في وجه المركزية الأوروبية التي تريد جعل الفلسطيني "غير مرئي"، يقول الفلسطيني: أنا هنا. في وجه الخطاب الذي يصوره كـ"إرهابي"، يقول: أنا إنسان. في وجه الآلة التي تريد محو ذاكرته، يحمل مفتاحه القديم ويقول: هذا بيتي.

هذه المقاومة ليست عسكرية فقط. هي مقاومة معرفية. هي معركة على الرواية، على الذاكرة، على الإنسانية نفسها. هي التي تجعل القضية الفلسطينية قضية عالمية، لأنها تمس جوهر العدالة والكرامة الإنسانية.

١٧. ما بعد المركزية الأوروبية: نحو عالم متعدد المراكز

ماذا بعد؟ إذا كانت المركزية الأوروبية هي المرض، فما هو العلاج؟

سمير أمين لا يدعو إلى "مركزية أخرى" (مركزية عربية، أو إسلامية، أو صينية) تحل محل المركزية الأوروبية. هذا، في نظره، مجرد تكرار للخطأ نفسه. ما يحتاجه العالم هو "تعددية مراكز" حقيقية. عالَم تتعدد فيه مراكز القرار، وتتنوع فيه نماذج التنمية، وتُحترم فيه الاختلافات الثقافية .

هذا هو "فك الارتباط" (Déconnexion) الذي تحدثنا عنه في الفصل الحادي عشر. ليس انعزالاً عن العالم، بل بناء علاقات جديدة مع العالم، تقوم على الندية، لا التبعية. ليس رفضاً للحداثة، بل بناء حداثات متعددة، تعبر عن تجارب الشعوب المختلفة.

في هذا العالم الجديد، سيكون لفلسطين مكانها. ليس كـ"مشكلة" يجب حلها، بل كشعب له حق تقرير مصيره. ليس كـ"عقبة" في طريق "السلام"، بل كأمة تساهم في بناء حضارة إنسانية جديدة.

فلسطين، كما يقول هامش دبشي، هي "مركز ثقل لتصور مختلف جذرياً للتحرر، غير قابل للاختزال إلى أي انتماء طائفي". هي "صرخة عالمية من أجل الحرية، مستودع لجميع نضالات مناهضة الاستعمار في العالم، ومركز مقاومة للوحشية الإسرائيلية-الغربية" .

١٨. الخلاصة: المركزية الأوروبية في ميزان التاريخ

المركزية الأوروبية ليست مجرد نظرية خاطئة. هي نظام معرفي قاتل. هي التي جعلت الملايين يموتون دون أن يبكيهم أحد. هي التي جعلت الإبادة تمر كأنها أمر عادي. هي التي جعلت العالم ينظر إلى فلسطين بعينين مغمضتين.

لكن المركزية الأوروبية ليست قدراً. يمكن نقدها، يمكن تجاوزها، يمكن بناء بديل عنها. النقد الذي بدأه سمير أمين وإدوارد سعيد وفرانز فانون وإيمي سيزير، واستمر مع هامش دبشي وغيره، هو بداية الطريق.

المظاهرات المليونية في عواصم الغرب، وحركة المقاطعة (BDS)، والصحفيون الذين وثقوا الإبادة رغم القصف، والأكاديميون الذين كسروا جدار الصمت، كلها مؤشرات على أن الوعي يتغير. أن "الآخر" بدأ يظهر. أن الفلسطيني بدأ يُرى كإنسان.

غزة، رغم كل الدمار، كشفت زيف المركزية الأوروبية. كشفت أن "الحضارة" الغربية ليست إلا قناعاً للهمجية. كشفت أن "القيم الإنسانية" ليست إلا شعاراً فارغاً. كشفت أن "النظام الدولي" ليس إلا أداة في يد القوي.

بعد غزة، لن يكون العالم كما كان. بعد غزة، كما يقول دبشي، يجب أن يبدأ "مشروع ما بعد الغرب" بشكل جدي. مشروع يقوم على احترام كل الثقافات، والاعتراف بإنسانية كل البشر، وبناء عالم تسود فيه العدالة حقاً.

فلسطين، في النهاية، ليست مجرد قضية سياسية. هي مرآة ترى فيها الإنسانية وجهها الحقيقي. هي اختبار أخلاقي لكل قيمنا ومبادئنا. هي فرصة لبناء عالم جديد، لا تقوم فيه "المركزية" على استبعاد الآخر، بل على الاعتراف بكرامته وحقه في الوجود.



……



الفصل الرابع عشر: إيران والمقاومة - إشكالية التصنيف القانوني

١. مقدمة: موقع إيران في معادلة الصراع

على مدى العقود الأربعة الماضية، حفرت إيران اسماً لها في الصراع مع إسرائيل. ليس كدولة عربية، بل كقوة إقليمية ذات أيديولوجيا ثورية. ليس كجبهة مواجهة مباشرة فقط، بل كـ"داعم" رئيسي لحركات المقاومة في المنطقة: حماس في فلسطين، حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، وفصائل عراقية وسورية متعددة.

هذا الدور وضع إيران في موقع فريد. هي ليست طرفاً في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بالمعنى التقليدي. ليس لها حدود مع فلسطين. ليس لها لاجئون فلسطينيون على أرضها (باستثناء جاليات صغيرة). لكنها، في الخطاب الإسرائيلي والغربي، صارت "العدو الأكبر" و"رأس الأفعى" و"الخطر الوجودي".

في المقابل، تقدم إيران نفسها كحامية للقضية الفلسطينية، وكصوت الحق في وجه الظلم، وكداعم لا يتزعزع للمقاومة. شعار "الموت لإسرائيل" يرفع في شوارع طهران، والقدس تزين جدران مساجدها، وقضية فلسطين حاضرة في خطابات قادتها.

هذا الموقع الفريد يثير إشكالية قانونية وسياسية معقدة: كيف نصنف دور إيران قانونياً؟ هل هي دولة تدعم المقاومة المشروعة لشعب تحت الاحتلال؟ أم هي دولة متواطئة في "الإرهاب" كما تصفها إسرائيل والغرب؟ هل يمكن مساءلتها قانونياً على أفعالها في الصراع؟ أم أن دعمها يقع ضمن إطار الحقوق السيادية للدول؟

في هذا الفصل، سنحاول تفكيك هذه الإشكالية. سنبدأ بتحليل طبيعة الدور الإيراني في الصراع، وتطوره التاريخي. ثم سنعرض رؤية إيران نفسها لدورها، وموقفها القانوني من القضية الفلسطينية. بعد ذلك، سنناقش الاتهامات الموجهة إليها من إسرائيل والغرب، ونقارنها بمعطيات الواقع. وسنختتم بمحاولة تصنيف قانوني موضوعي لهذا الدور، في ضوء قواعد القانون الدولي، وخاصة تلك المتعلقة بحق الشعوب في المقاومة، ومسؤولية الدول عن دعم الجماعات المسلحة.

هدفنا ليس تبرئة إيران ولا إدانتها مسبقاً، بل فهم موقعها في المشهد المعقد، والتمييز بين ما هو قانوني وما هو غير قانوني، بين ما هو مشروع وما هو مرفوض، وفق معايير القانون الدولي، لا وفق أهواء السياسة.

٢. جذور الدور: من ثورة ١٩٧٩ إلى دعم القضية الفلسطينية

لولا ثورة ١٩٧٩، لكانت إيران اليوم ربما حليفة لإسرائيل. في عهد الشاه، كانت العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية وثيقة. إسرائيل كانت تزود إيران بالنفط مقابل التكنولوجيا والتدريب العسكري. كانت هناك علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية متطورة. إسرائيل كانت تعتبر إيران "حليفاً استراتيجياً" في المنطقة.

كل ذلك انقلب بعد الثورة الإسلامية والشيوعية بمشاركة حزب تودة بفعالية . الإمام الخميني جعل من "تحرير فلسطين" و"محاربة إسرائيل" ركيزتين أساسيتين لسياسته الخارجية. القضية الفلسطينية لم تعد مجرد قضية عربية، بل أصبحت "قضية إسلامية" تخص كل المسلمين. إسرائيل لم تعد مجرد دولة معادية، بل أصبحت "الورم السرطاني" الذي يجب استئصاله.

في خطاباته، ربط الخميني بين الثورة الإيرانية والقضية الفلسطينية. قال إن انتصار الثورة في إيران هو "بداية الطريق لتحرير فلسطين". وإن "إسرائيل هي تجسيد للغطرسة العالمية". وإن "يوم القدس" (الذي أعلنه الخميني في آخر جمعة من رمضان) يجب أن يكون يوماً عالمياً للمسلمين يتضامنون فيه مع فلسطين .

هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في السياسة الخارجية. كان إعادة تعريف لهوية إيران ذاتها. إيران لم تعد دولة قومية فارسية، بل أصبحت "قلب الأمة الإسلامية" و"حاملة لواء المقاومة". القضية الفلسطينية أصبحت جزءاً من الهوية الوطنية الإيرانية، يتعلمها الأطفال في المدارس، وتتردد في خطب الجمعة، وتصاغ في شعارات الجدران.

منذ ذلك الحين، والدعم الإيراني للقضية الفلسطينية يتصدر الخطاب الرسمي. في كل مناسبة، يكرر المسؤولون الإيرانيون موقفهم الثابت: دعم فلسطين "واجب ديني وأخلاقي وإنساني". ولا يفوتون فرصة للتأكيد أن إسرائيل "كيان غاصب" و"غير شرعي" و"محكوم بالزوال".

٣. إيران والاحتلال: موقف مبدئي أم استراتيجي؟

السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا الموقف الإيراني نابع من قناعات أيديولوجية عميقة، أم هو مجرد استراتيجية سياسية لخدمة مصالح إيران الإقليمية؟

الجواب، كما هي العادة، معقد. هناك عناصر من كلا الجانبين.

من ناحية، لا شك أن القضية الفلسطينية تمثل بُعداً أيديولوجياً أساسياً في النظام الإيراني. الخميني كان صادقاً في عدائه لإسرائيل. خلفه، الخامنئي، واصل على نفس الدرب. الخطاب الإيراني عن فلسطين مليء بالإشارات الدينية والأخلاقية. لا يبدو مجرد خطاب دعائي. هو جزء من نسيج الثورة.

من ناحية أخرى، خدم دعم القضية الفلسطينية المصالح الإقليمية الإيرانية بشكل كبير. منح إيران شرعية في الشارع العربي والإسلامي. مكنها من بناء تحالفات مع قوى إقليمية (حزب الله، حماس، الجهاد). واستخدم كورقة ضغط في صراعاتها مع الغرب وإسرائيل.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في كلمته (فبراير ٢٠٢٦)، قال إن "الحل العادل للقضية الفلسطينية هو حجر الزاوية لتحقيق الأمن المستقر في المنطقة والعالم". وأضاف أن "فلسطين ليست مجرد قضية إنسانية أو إقليمية، بل هي اختبار لالتزام المجتمع الدولي بمبادئ القانون الدولي" .

هذا التصريح يجمع بين البعدين: الأيديولوجي (الحل العادل) والاستراتيجي (الأمن المستقر). فلسطين عند إيران هي "اختبار" للمجتمع الدولي، و"حجر زاوية" للأمن الإقليمي. هي قضية مبدئية، لكنها أيضاً أداة في معركة أكبر.

عندما زار علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية، بيروت في يناير ٢٠٢٣، التقى بنعيم قاسم وأكد على "الدور المركزي للشيعة في لبنان كركيزة للمقاومة" مشيراً إلى أن "قيادة الإمام الخامنئي تظلل العالم الإسلامي بأسره" . هذا يظهر البعد المذهبي أيضاً في السياسة الإيرانية.

٤. إيران والمقاومة الفلسطينية: شراكة استراتيجية

العلاقة بين إيران والفصائل الفلسطينية ليست وليدة اليوم. بدأت بعد الثورة مباشرة، وتطورت عبر العقود.

في الثمانينات، كان الدعم محدوداً بسبب الحرب العراقية-الإيرانية. في التسعينات، ازداد مع صعود حماس والجهاد الإسلامي. في الألفية الجديدة، أصبحت العلاقة أوثق. وبعد حرب غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦، وصلت إلى ذروتها.

هذه العلاقة تتخذ أشكالاً متعددة:

الدعم المالي: إيران تقدم ملايين الدولارات سنوياً لحركات المقاومة. تقارير غربية تتحدث عن ١٠٠ مليون دولار سنوياً لحماس وحدها، ومبالغ مماثلة للجهاد الإسلامي. تقرير لقناة "إيران إنترناشيونال" ذكر أن دبلوماسيين إيرانيين نقلوا "ملايين الدولارات نقداً" إلى حزب الله في لبنان باستخدام حقائب دبلوماسية .

الدعم العسكري: إيران تزود المقاومة بصواريخ وطائرات مسيرة وخبرات عسكرية. تكنولوجيا الصواريخ التي تستخدمها حماس والجهاد هي في الغالب إيرانية المنشأ أو التصميم. الحوثيون في اليمن استخدموا صواريخ إيرانية لاستهداف إسرائيل.

الدعم السياسي: إيران تدافع عن حقوق الفلسطينيين في المحافل الدولية، وتستضيف قادة الفصائل، وتنسق المواقف السياسية. المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني دعا إلى "محاكمة قادة النظام الصهيوني" و"اتخاذ خطوات عملية لإنهاء عدوان هذا النظام على الفلسطينيين" .

الدعم الإعلامي: وسائل الإعلام الإيرانية (خاصة العربية منها) تسلط الضوء على القضية الفلسطينية، وتوثق جرائم إسرائيل، وتمجد المقاومة.

هذا الدعم جعل من إيران "الحاضنة الكبرى" للمقاومة، وشريكاً أساسياً في معادلة الصراع. لكنه جعلها أيضاً هدفاً للاتهامات الغربية والإسرائيلية بـ"دعم الإرهاب" و"زعزعة الاستقرار".

٥. الإشكالية القانونية الأولى: حق الشعوب في المقاومة

لفهم الإشكالية القانونية لدور إيران، يجب أن نبدأ بمبدأ أساسي في القانون الدولي: "حق الشعوب في تقرير المصير" والحق في مقاومة الاحتلال.

القانون الدولي يعترف بحق الشعوب الخاضعة للاحتلال في مقاومة هذا الاحتلال بكل الوسائل المشروعة. هذا الحق مستمد من ميثاق الأمم المتحدة، ومن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومن قرارات الجمعية العامة المتعددة.

أهم هذه القرارات هو قرار الجمعية العامة ٣٢٣٦ (دورة ٢٩) الذي "يعيد تأكيد شرعية نضال الشعوب من أجل تحررها من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح" .

هذا القرار واضح: الكفاح المسلح ضد الاحتلال مشروع. الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو احتلال عسكري. الفلسطينيون شعب تحت الاحتلال. إذن، مقاومتهم المسلحة مشروعة قانوناً.

إذا كانت المقاومة مشروعة، فهل دعم هذه المقاومة مشروع أيضاً؟ هذا هو السؤال المحوري.

القانون الدولي لا يمنع صراحة دعم الشعور المحتلة. لكنه يحظر "التدخل في الشؤون الداخلية للدول" و"التهديد باستخدام القوة أو استخدامها". كما أن هناك اتفاقيات تحظر تمويل "الإرهاب". الإشكالية هنا: هل تعتبر المقاومة الفلسطينية "إرهاباً"؟ هذا هو النقاش الأكبر.

إسرائيل والغرب يصنفون حماس والجهاد الإسلامي كـ"منظمات إرهابية". وبالتالي، دعمهم يعتبر دعماً للإرهاب. الفلسطينيون وداعموهم (بمن فيهم إيران) يرونهم "حركات مقاومة مشروعة". وبالتالي، دعمهم يعتبر دعماً لحق مشروع.

هذا الخلاف في التصنيف هو جوهر الإشكالية القانونية. ولا يوجد مرجعية دولية واحدة حاسمة. الأمم المتحدة لم تصنف حماس كمنظمة إرهابية. محكمة العدل الدولية اعترفت بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. لكن دولاً كثيرة صنفتها كذلك.

المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني صرحت: "إيران تقف دائماً إلى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل الحرية. دعم شعب غزة ليس قراراً سياسياً بالنسبة لنا، بل هو واجب أخلاقي متجذر في التزامنا بحقوق الإنسان والعدالة" . هنا، إيران تقدم دعمها كحق أخلاقي وقانوني، لا كتدخل غير مشروع.

٦. الإشكالية القانونية الثانية: مفهوم "الدعم المادي" في القانون الدولي

حتى لو قبلنا جدلاً بأن المقاومة مشروعة، يبقى سؤال: هل يجوز لدولة أخرى أن تقدم دعماً عسكرياً ومالياً وسياسياً لهذه المقاومة؟ وما هي حدود هذا الدعم؟

القانون الدولي يعرف قاعدة "عدم التدخل". هذه القاعدة تحظر على الدول التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. لكن الاحتلال ليس "شأناً داخلياً" بالمعنى التقليدي. فلسطين ليست دولة ذات سيادة كاملة. وهي تحت الاحتلال. هل يحق لدولة ثالثة أن تدعم شعباً تحت الاحتلال؟

هناك مبدأ آخر: "مسؤولية الحماية". هذا المبدأ يقول إن المجتمع الدولي مسؤول عن حماية الشعوب التي تتعرض لانتهاكات جسيمة. الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في غزة، يتضمن انتهاكات جسيمة. هل يمكن لدعم إيران أن يندرج تحت "الحماية"؟

الرأي الغالب في الفقه القانوني هو أن دعم الشعوب المحتلة، في حدود القانون الإنساني، جائز. لكن الخلاف يدور حول شكل الدعم وحدوده.

الدعم المالي: جائز طالما لا يستخدم في جرائم حرب. الدعم السياسي: جائز بكل تأكيد. الدعم العسكري: أكثر إشكالية، خاصة إذا كان يستهدف المدنيين أو يشمل عمليات خارج إقليم الاحتلال.

إيران تقدم دعماً عسكرياً مباشراً لحماس والجهاد. هذا الدعم يمكّنها من إطلاق صواريخ على إسرائيل. بعض هذه الصواريخ أصابت مدنيين. هنا، تدخل إيران في منطقة رمادية: هل هي تدعم حقاً مشروعاً في المقاومة؟ أم أنها تشارك في هجمات قد ترقى إلى جرائم حرب؟

تقرير المعهد الليبر ويست بوينت العسكري يرى أن إيران "طرف في نزاع مسلح دولي مع إسرائيل" منذ أبريل ٢٠٢٤، عندما بدأت الهجمات المباشرة بين الطرفين. الكاتبة أوليفيا فلاش تستند إلى التعليقات المحدثة للجنة الدولية للصليب الأحمر على المادة ٢ المشتركة من اتفاقيات جنيف، والتي تقول إن "حتى المناوشات البسيطة بين القوات المسلحة، سواء كانت برية أو جوية أو بحرية، تؤدي إلى قيام نزاع مسلح دولي" .

هذا التصنيف له تبعات خطيرة: إذا كانت إيران طرفاً في نزاع مسلح دولي، فإنها تتحمل مسؤولية الامتثال للقانون الدولي الإنساني. أي انتهاكات ترتكبها قواتها أو الجماعات التي تسيطر عليها يمكن أن تنسب إليها دولياً. كما أن إسرائيل تصبح مخولة قانوناً باستهداف أهداف عسكرية إيرانية رداً على الهجمات.

٧. الإشكالية القانونية الثالثة: مسؤولية الدولة عن أفعال الجماعات المسلحة

سؤال آخر: هل تتحمل إيران المسؤولية القانونية عن أفعال حماس وحزب الله والحوثيين؟ أم أن هذه الجماعات مستقلة، ودعم إيران لا يجعلها مسؤولة عنها؟

هنا، ننتقل إلى مفهوم "السيطرة الشاملة" (Overall Control) الذي طورته محكمة يوغوسلافيا السابقة في قضية "تاديتش" (Tadić). المحكمة قالت إن الدولة تتحمل المسؤولية عن أفعال جماعة مسلحة إذا كانت تمارس "سيطرة شاملة" عليها. هذا يعني: تمويلها، تزويدها بالسلاح، توجيه نشاطها العام، والمشاركة في تخطيط عملياتها. لا يشترط إصدار أوامر محددة لكل عملية .

تقرير المعهد الليبر يستشهد بتقارير متعددة تظهر أن إيران تمارس هذا النوع من السيطرة على حزب الله:

· وجود ضباط إيرانيين (مثل العميد محمد رضا زاهدي) في هيئات صنع القرار في حزب الله.
· حاجة حزب الله إلى "الضوء الأخضر" من الخامنئي للموافقة على وقف إطلاق النار مع إسرائيل.
· استخدام حزب الله لمعلومات استخباراتية إيرانية لاستهداف مواقع عسكرية إسرائيلية.
· تقارير وزارة الخارجية الأمريكية تؤكد أن الحرس الثوري الإيراني يزود حزب الله بـ"التوجيه والإرشاد" .

إذا صحت هذه المعلومات، فإن إيران قد تكون مسؤولة عن أفعال حزب الله بمقتضى مبدأ "السيطرة الشاملة". لكن هل ينطبق هذا على حماس؟ العلاقة مع حماس أقل وثاقة. حماس حركة سنية، لها قيادتها المستقلة، ولها مصادر دعم أخرى (تركيا، قطر، تبرعات شعبية). إيران تدعمها، لكن لا تسيطر عليها بنفس درجة السيطرة على حزب الله.

وزير الخارجية عراقجي قال في مقابلة (فبراير ٢٠٢٦): "حزب الله هو الذي سيقرر ما إذا كان سيتدخل في حالة وقوع هجوم أمريكي على إيران. نحن ندعم الحزب، وهو يدعمنا، لكن إيران لا تحتاج إلى أحد ويمكنها الدفاع عن نفسها ضد الولايات المتحدة والنظام الصهيوني بالإمكانيات المتاحة لديها" . هذا التصريح يظهر أن إيران تحافظ على مسافة ما: الحزب يدعم إيران، لكنه ليس مجرد أداة.

٨. الرد الإيراني: الاتهامات الغربية ليست نزيهة

كيف ترد إيران على الاتهامات بأنها "تدعم الإرهاب" و"تزعزع استقرار المنطقة"؟

الرد الإيراني يقوم على عدة محاور:

أولاً: نزع الشرعية عن الاتهام ذاته. إيران ترى أن الاتهامات الغربية ليست نزيهة، بل هي جزء من سياسة ازدواجية المعايير. المتحدث باسم الخارجية كنعاني قال إن استمرار "الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني والعدوان على لبنان" بدعم أمريكي وغربي هو "السبب الرئيسي للتوتر وانعدام الأمن في المنطقة" . بعبارة أخرى: الذين يتهمون إيران هم شركاء في الجريمة.

ثانياً: التمييز بين "الإرهاب" و"المقاومة". إيران ترفض بشدة وصف المقاومة الفلسطينية واللبنانية بـ"الإرهاب". ترى فيها حركات تحرر وطني مشروعة. كنعاني وصف الشعب الفلسطيني بأنه "شعب مضطهد" يمارس "حق تقرير المصير" في مواجهة "الاحتلال والفصل العنصري والاستعمار" .

ثالثاً: التأكيد على شرعية الدعم. إيران تستند في دعمها للمقاومة إلى القانون الدولي، وتحديداً إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية التي توجب على الدول منع الإبادة. كنعاني قال إن "المسؤولية القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي" تستدعي دعم "نضال الشعب الفلسطيني المشروع والقانوني لتحقيق حقه في تقرير المصير والتحرر من نير الاحتلال" .

رابعاً: تقديم بديل سياسي. إيران تطرح رؤيتها للحل: "إجراء استفتاء عام بمشاركة جميع السكان الأصليين والمواطنين في فلسطين، بما في ذلك المسلمون واليهود والمسيحيون" . هذا الطرح، الذي يعود إلى الخميني، يتجاوز حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة الديمقراطية.

وزير الخارجية عراقجي دعا إلى "تنسيق بين الدول الإسلامية والدول العربية ودول الجنوب العالمي لدعم حقوق الشعب الفلسطيني بشكل فعال" . إيران تقدم نفسها كجزء من تحالف عالمي أوسع، لا كدولة منعزلة.

٩. هل يمكن مساءلة إيران قانونياً؟

في ضوء ما سبق، هل يمكن مساءلة إيران قانونياً عن دعمها للمقاومة؟ الجواب يعتمد على عدة عوامل:

عامل النية: هل تهدف إيران إلى دعم حق مشروع في تقرير المصير؟ أم إلى زعزعة استقرار إسرائيل لأغراضها الخاصة؟ النية صعبة الإثبات قانونياً. لكن التصريحات الإيرانية الرسمية تتحدث عن "الواجب الأخلاقي" و"حق تقرير المصير". هذا لا يبدو كدعم "للإرهاب" بمفهومه الجنائي.

عامل الوسائل: هل تستخدم الجماعات المدعومة وسائل مشروعة في مقاومتها؟ هنا المشكلة. حماس أطلقت صواريخ على مدن إسرائيلية، مما أدى لقتل مدنيين. في حرب ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، قتلت مقاتلو حماس مدنيين إسرائيليين في هجوم غير مسبوق. هذا يعتبر جريمة حرب بموجب القانون الدولي. إذا كانت إيران تدعم هذه العمليات (بالتمويل أو السلاح أو التخطيط)، فإنها تتحمل جزءاً من المسؤولية.

عامل السيطرة: هل تمارس إيران "سيطرة شاملة" على هذه الجماعات؟ في حالة حزب الله، الأدلة أقوى. في حالة حماس، أضعف. محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية قد تنظر في هذه العلاقات لتحديد مسؤولية إيران.

عامل الردع الدولي: المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت. هل ستصدر مذكرات بحق قادة إيرانيين؟ هذا مستبعد سياسياً، لكنه ممكن قانونياً إذا توفرت الأدلة.

تقرير فولكرريسشبلوغ (Völkerrechtsblog) يشير إلى أن "الفشل في استجابة المؤسسات القانونية الدولية للتصعيد بين إسرائيل وإيران يكشف عن شلل أوسع". ويضيف: "حتى الآن، لم تبدأ المحكمة الجنائية الدولية أي إجراءات رسمية، ولا يزال مجلس الأمن مشلولاً. في هذا السياق، يصبح الصمت القانوني شكلاً من أشكال التواطؤ السياسي" .

١٠. المقارنة مع الدعم الأمريكي لإسرائيل: ازدواجية المعايير

لا يمكن مناقشة دور إيران دون مقارنته بالدعم الأمريكي لإسرائيل. هذه المقارنة تكشف عن ازدواجية معايير صارخة في القانون الدولي.

الدعم المالي: أمريكا تقدم لإسرائيل أكثر من ٣ مليارات دولار سنوياً. إيران تقدم للمقاومة مئات الملايين (تقديرات غير مؤكدة). الفرق في الحجم هائل، لكن المبدأ واحد: دولة تدعم أطرافاً في النزاع.

الدعم العسكري: أمريكا تزود إسرائيل بأحدث الأسلحة (طائرات إف-٣٥، قنابل ذكية، صواريخ). إيران تزود حماس وحزب الله بصواريخ وطائرات مسيرة. الفرق أن أسلحة أمريكا تستخدم في قتل الفلسطينيين، وأسلحة إيران تستخدم في قتل الإسرائيليين. من الناحية القانونية، كلاهما دعم عسكري لأطراف في نزاع.

الدعم السياسي: أمريكا تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من الإدانة. إيران تدافع عن حقوق الفلسطينيين في المحافل الدولية. الفرق أن الحماية الأمريكية فعالة، بينما الدفاع الإيراني محدود التأثير.

التصنيف القانوني: دعم أمريكا لإسرائيل يعتبر "دعماً لحليف". دعم إيران للمقاومة يعتبر "دعماً للإرهاب". هذا التصنيف ليس قانونياً بحتاً، بل سياسي بامتياز.

تقرير فولكرريسشبلوغ ينتقد هذا الازدواج: "ألمانيا تمثل مثالاً صارخاً على ازدواجية المعايير: فبينما تدين الغزو الروسي لأوكرانيا وتدعم العقوبات، تواصل توريد الأسلحة لإسرائيل (التي تمثل حوالي ٣٠٪ من واردات الأسلحة الإسرائيلية). كما أن القادة الألمان امتنعوا عن التصويت على قرارات وقف إطلاق النار في غزة". ويضيف: "ألمانيا أعلنت دعمها لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق فلاديمير بوتين، لكنها فشلت في دعم المذكرة بحق بنيامين نتنياهو" .

هذا الازدواج يضعف مصداقية القانون الدولي. ويجعل الاتهامات لإيران تبدو وكأنها جزء من حملة سياسية، لا تطبيقاً موضوعياً للقانون.

١١. إشكالية "حرية إيران" و"حرية فلسطين": مقارنة مضللة

في الخطاب الإعلامي الغربي، يثار سؤال متكرر: لماذا تدعمون "حرية فلسطين" ولا تدعمون "حرية إيران"؟ هذا السؤال يهدف إلى إحراج المناصرين للقضية الفلسطينية، وإظهار "ازدواجية معاييرهم".

لكن الباحثة السياسية صابرين أمير ترى أن هذه المقارنة "غير منطقية" و"تفتقر إلى الدقة التحليلية". في مقال بمجلة "الإنديان إكسبريس" (يناير ٢٠٢٦)، تقدم عدة فروق جوهرية :

الفرق الأول: طبيعة السلطة السياسية. فلسطين، خاصة غزة والضفة الغربية، موجودة تحت احتلال عسكري طويل الأمد. إسرائيل تسيطر على الحدود والمجال الجوي والحركة واستخدام القوة ضد سكان ليسوا من مواطنيها. هذا يجعل إسرائيل "قوة احتلال" بموجب القانون الدولي. إيران، بالمقابل، دولة ذات سيادة تمارس السلطة، مهما كانت قمعية، على سكانها.

الفرق الثاني: طبيعة المطالب. "حرية فلسطين" ليست دعوة لإصلاح النظام القائم، بل هي مطلب لإنهاء الاحتلال وتحقيق تقرير المصير. إنها موجهة ضد قوة أجنبية. "حرية إيران"، كما تستخدم في الخطاب المعادي لفلسطين، تعني تغيير النظام داخل دولة ذات سيادة. الصراعان مختلفان جوهرياً.

الفرق الثالث: المسؤولية الدولية. أفعال إسرائيل مدعومة من دول غربية قوية تزودها بالسلاح والغطاء السياسي. هذا التواطؤ الدولي هو الذي ولد حركات المقاطعة (BDS) والاحتجاجات العالمية. إيران، مهما كانت انتهاكاتها، لا تتمتع بهذا الدعم الخارجي.

الفرق الرابع: التوقيت والانتقائية. الكاتب يلاحظ أن استحضار إيران يأتي غالباً من معلقين يمينيين ومؤيدين لإسرائيل "لا كاهتمام حقيقي بحياة الإيرانيين، بل كتكتيك خطابي لتشويه سمعة الغضب من غزة" .

هذه الفروق لا تبرر انتهاكات حقوق الإنسان في إيران. لكنها تظهر أن المقارنة بين الحالتين "تنهار تحت التدقيق" . و"المطالبة بمعاملة خطابية متساوية لحالات غير متكافئة جوهرياً ليست حياداً، بل هي مغالطة".

١٢. إيران في المحكمة: دعم قانوني أم تواطؤ في جرائم؟

في فبراير ٢٠٢٦، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن إسرائيل تستخدم "الأسلحة والمواد السامة والكيماوية" ضد الأراضي الزراعية في لبنان، واصفاً ذلك بأنه "جريمة حرب غير مسبوقة". وأضاف أن الولايات المتحدة، بصفتها "الداعم الرئيسي للنظام الصهيوني"، وفرنسا، بسبب "تقاعسها المستمر"، هما "شريكان في جرائم النظام المحتل" .

هذا التصريح يضع إيران في موقع "المدعي" لا "المتهم". هي تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، وتتهم الغرب بالتواطؤ. هذا يعكس استراتيجية إيرانية: تحويل الأنظار من دعمها للمقاومة إلى جرائم إسرائيل وتواطؤ الغرب.

من الناحية القانونية، هذا التحويل له ما يبرره. إسرائيل ترتكب جرائم موثقة في غزة ولبنان. أمريكا وأوروبا تدعمها. هذا التواطؤ موثق في تقارير المنظمات الحقوقية. لكنه لا يعفي إيران من مسؤولية أفعالها.

السؤال الأهم: إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية ستحاكم نتنياهو وغالانت، فهل ينبغي أن تحاك أيضاً قادة إيران الذين دعموا حماس في هجوم ٧ أكتوبر؟ إذا كانت حماس ارتكبت جرائم حرب في ذلك الهجوم (قتل مدنيين، أخذ رهائن)، وإذا ثبت أن إيران سهلت هذه العمليات أو مولتها أو خططت لها، فإن قادتها يمكن أن يكونوا متواطئين في هذه الجرائم.

هذا هو المأزق القانوني لإيران. هي تدعم "المقاومة المشروعة"، لكن هذه المقاومة تستخدم أحياناً وسائل غير مشروعة. هي تندد بجرائم إسرائيل، لكنها قد تكون متواطئة في جرائم أخرى. هي تقدم نفسها كحامية للقانون الدولي، لكنها قد تخترقه.

١٣. رأي الخامنئي: "فلسطين ستتحرر بالمقاومة"

في تصريحات متكررة، يحدد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي الخامنئي رؤيته لمستقبل فلسطين. يقول إن "فلسطين المحتلة لن تتحرر إلا من خلال المقاومة ونضال الشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية، بشرط أن يحافظوا على وحدتهم" .

هذه الرؤية تقوم على عدة مبادئ:

أولاً: مركزية الفلسطينيين. التحرير يكون بأيدي الفلسطينيين أنفسهم. إيران تدعم، لكنها لا تحل محلهم. هذا يحد من مسؤوليتها. هم الفاعل الأساسي، هي الداعم.

ثانياً: رفض الحلول التفاوضية. الخامنئي يعتبر أن "المفاوضات مع إسرائيل غير مجدية". الحل الوحيد هو المقاومة المسلحة حتى التحرير الكامل. هذا الموقف يضع إيران في مواجهة مع التيار الفلسطيني الذي يتبنى حل الدولتين.

ثالثاً: وحدة الفصائل. يدعو الخامنئي الفلسطينيين إلى الوحدة. لا يفرق بين فصيل وآخر. هذا يعزز موقعه كـ"راعٍ" للقضية الفلسطينية، لا كداعم لجماعة محددة.

هذه الرؤية تتفق مع مبدأ حق تقرير المصير، لكنها تتعارض مع مبدأ حل الدولتين الذي تتبناه الأمم المتحدة ومعظم الدول. إيران تقدم نموذجاً بديلاً للحل، لكن هذا النموذج غير معترف به دولياً، ولا يحظى بإجماع فلسطيني.

١٤. إيران والنكبة المستمرة: موقف متصل

بالعودة إلى الإطار النظري لهذا الكتاب، كيف تندرج إيران في مفهوم "النكبة المستمرة"؟

إيران ترى في النكبة حدثاً تأسيسياً للصراع، وفي استمرارها دليلاً على طبيعة إسرائيل. المتحدث باسم الخارجية ناصر كنعاني قال إن "حق الشعب الفلسطيني المضطهد في تقرير المصير انتهك باستمرار على مدى السنوات الماضية، خاصة منذ إعلان وجود نظام إسرائيل القاتل للأطفال، ولا يزال" .

هذا الربط بين ١٩٤٨ واليوم هو جوهر "النكبة المستمرة". إيران تتبنى هذا المفهوم في خطابها. لا ترى في غزة حدثاً منفصلاً، بل حلقة في سلسلة.

كما أن إيران تشير إلى "الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في غزة خلال الأشهر القليلة الماضية" كدليل على "الانتهاك المنظم لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير" .

في هذا السياق، دعم إيران للمقاومة هو دعم لوقف النكبة المستمرة. هو محاولة لكسر "الإفلات من العقاب" الذي تتمتع به إسرائيل منذ ١٩٤٨.

كنعاني قال: "وقف الجرائم والإبادة الجماعية في غزة لن يلغي مسؤولية الحكومات والمؤسسات الدولية المختصة في ملاحقة المسؤولية القانونية والقضائية لجرائم النظام الصهيوني، وتحديد هوية ومحاكمة من أمروا ونفذوا جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة" .

هذا التصريح يجمع بين البعدين: الإنساني (وقف الجرائم) والقانوني (المساءلة). إيران تقدم نفسها كجزء من هذا المسعى، وليس كعقبة أمامه.

١٥. الإشكالية السياسية: إيران بين المبدأ والواقع

بعيداً عن التحليل القانوني، هناك إشكالية سياسية تواجه إيران في دعمها للقضية الفلسطينية.

الإشكالية الأولى: المذهبية. إيران دولة شيعية، تدعم حركات سنية (حماس، الجهاد). هذا يخلق توتراً أيديولوجياً. بعض الفلسطينيين يرون في الدعم الإيراني محاولة "لتشييع" القضية الفلسطينية. حماس تحاول الحفاظ على استقلالها العقائدي، مع قبول الدعم الإيراني.

الإشكالية الثانية: الأولويات. إيران لديها أولوياتها الوطنية: برنامجها النووي، نفوذها الإقليمي، صراعها مع السعودية وأمريكا. أحياناً، تتعارض هذه الأولويات مع دعم فلسطين. في بعض المراحل، كانت إيران على استعداد للتفاوض مع الغرب حول برنامجها النووي، مما أثار تساؤلات حول مدى التزامها بالقضية الفلسطينية.

الإشكالية الثالثة: التكاليف. دعم المقاومة يكلف إيران ثمناً باهظاً. عقوبات، عزلة دولية، تهديدات أمنية. هل هذا الثمن يستحق؟ القيادة الإيرانية ترى أنه يستحق، لأن فلسطين "قضية مركزية". لكن هناك أصوات داخلية (خاصة بين الإصلاحيين) تطالب بإعادة النظر في هذه السياسة.

الإشكالية الرابعة: الصورة. إيران تقدم نفسها كحامية للقضية الفلسطينية، لكن صورتها في العالم العربي ليست إيجابية دائماً. بعض العرب يرون في إيران مصدر تهديد، لا داعماً. الحرب في سوريا واليمن، والصراع مع السعودية، كلها أضعفت صورة إيران في الشارع العربي.

هذه الإشكاليات لا تلغي الدور الإيراني، لكنها تضعفه وتجعله أقل تأثيراً مما يمكن.

١٦. مستقبل الدور الإيراني في ظل المتغيرات الإقليمية

المنطقة تتغير بسرعة. التطبيع بين إسرائيل ودول خليجية (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) أعاد تشكيل التحالفات. الضغط الأمريكي على إيران يتزايد. إسرائيل تنفذ عمليات عسكرية داخل إيران (اغتيال علماء، استهداف منشآت نووية). الوضع في غزة يتحول من حرب إلى هدنة هشة.

في ظل هذه المتغيرات، ما مستقبل الدور الإيراني؟

السيناريو الأول: التصعيد. يمكن أن تتحول المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل إلى حرب مباشرة. حرب يونيو ٢٠٢٥ كانت نموذجاً مصغراً. إذا تصاعدت، قد تتدخل إيران بشكل أكبر لدعم حزب الله وحماس. وهذا قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة.

السيناريو الثاني: التفاهم. هناك من يتحدث عن تفاهم أمريكي-إيراني محتمل، خاصة مع تغير الإدارة الأمريكية. إذا حدث هذا التفاهم، قد تهدأ الجبهات، ويتراجع الدعم الإيراني للمقاومة مقابل رفع العقوبات. هذا سيناريو يقلق إسرائيل، ويريح إيران.

السيناريو الثالث: الاستمرار. يبدو هذا هو الأرجح. استمرار المواجهة غير المباشرة، استمرار الدعم الإيراني للمقاومة، استمرار الجمود السياسي.

وزير الخارجية عراقجي قال إن "حزب الله هو الذي سيقرر ما إذا كان سيتدخل في حالة وقوع هجوم أمريكي على إيران" . هذه العبارة توحي بأن إيران لا تريد الحرب المباشرة، لكنها مستعدة لاستخدام وكلائها إذا لزم الأمر.

١٧. الخلاصة: إيران بين الشرعية والمساءلة

في النهاية، يبقى دور إيران في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي معقداً، متعدد الأبعاد، صعب التصنيف.

من زاوية الشرعية: يمكن الدفاع عن حق إيران في دعم القضية الفلسطينية. فلسطين تحت الاحتلال. حق تقرير المصير مكفول دولياً. الشعوب المحتلة لها الحق في المقاومة. دعم هذه المقاومة، من حيث المبدأ، ليس محظوراً.

من زاوية المساءلة: إذا تجاوز الدعم حدود المساعدة إلى المشاركة في جرائم حرب، تتحمل إيران مسؤوليتها. إذا كانت الجماعات التي تدعمها ترتكب انتهاكات، وكانت إيران تمارس سيطرة كافية عليها، يمكن مساءلتها. إذا استخدمت الدعم لتحقيق أهدافها الإقليمية على حساب حقوق الفلسطينيين، تفقد شرعيتها الأخلاقية.

من زاوية الازدواجية: لا يمكن معالجة دور إيران بمعزل عن دور أمريكا وأوروبا. ازدواجية المعايير الغربية تقوض مصداقية أي مساءلة لإيران. طالما أن أمريكا تدعم إسرائيل دون مساءلة، فإن اتهام إيران بدعم "الإرهاب" يبقى انتقائياً.

من زاوية المستقبل: يظل الموقف الإيراني عنصراً ثابتاً في معادلة الصراع. لكنه ليس حاسماً. القرار الفلسطيني يبقى في يد الفلسطينيين. دعم إيران مهم، لكنه لا يصنع النصر وحده. والعكس صحيح: ضعف إيران لا يعني هزيمة القضية الفلسطينية.

في المحصلة، تبقى القضية الفلسطينية كما وصفها وزير الخارجية الإيراني: "اختبار لالتزام المجتمع الدولي بمبادئ القانون الدولي" . إيران تقدم نفسها كرافعة لهذا الاختبار، لكن أفعالها تخضع لنفس المعايير التي تطالب بها الآخرين. وهذا هو جوهر الإشكالية: كيف يمكن لدولة أن تكون طرفاً في النزاع، وفي نفس الوقت حكماً عليه؟ كيف يمكنها أن تطلب العدالة للآخرين، وهي قد تنتهكها بنفسها؟

لا جواب سهلاً. لكن الاعتراف بتعقيد السؤال هو بداية الطريق إلى جواب أكثر صدقاً.


……

الفصل الخامس عشر: الدور الغربي - التواطؤ المكشوف

١. مقدمة: شركاء في الجريمة

في التاسع والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٥، وقفت فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة للأراضي الفلسطينية المحتلة، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكنها لم تقف في نيويورك. وقفت في كيب تاون، جنوب إفريقيا. بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، منعت من دخول الولايات المتحدة. تحدثت عبر الفيديو من بلد يعرف معنى الفصل العنصري، ودفع ثمناً باهظاً حتى تحرر منه .

ألبانيزي قدمت تقريراً من ٢٤ صفحة، عنوانه "إبادة غزة: جريمة جماعية". التقرير فحص دور ٦٣ دولة في دعم ما وصفته بـ"الجريمة الجماعية" في غزة. الولايات المتحدة كانت على رأس القائمة، تليها ألمانيا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، ثم دول عربية طبعت مع إسرائيل خلال الحرب .

"غزة تُركت مخنوقة، جائعة، مدمرة"، قالت ألبانيزي. ثم أضافت العبارة الأكثر إدانة: "من خلال أفعال غير قانونية وتقاعس متعمد، قامت العديد من الدول بحماية الفصل العسكري الإسرائيلي، ومكّنت مشروعه الاستعماري الاستيطاني من ارتكاب إبادة جماعية - الجريمة النهائية ضد السكان الأصليين في فلسطين" .

هذا الفصل هو عن تلك الدول. عن الـ٦٣ دولة التي ساهمت في الإبادة. ليس فقط بالصمت، بل بالفعل. ليس فقط بالتقاعس، بل بالدعم المباشر. ليس فقط بعدم التدخل، بل بتوفير الأسلحة والغطاء السياسي والتمويل والشرعية.

في الفصول السابقة، حللنا إسرائيل كـ"دولة وكيل" في خدمة الإمبريالية. في هذا الفصل، سنحلل الإمبريالية نفسها. سنرى كيف أن الغرب، بكل مؤسساته، كان شريكاً في الجريمة. كيف أن أمريكا لم تكتفِ بدعم إسرائيل، بل قادت الحملة لحمايتها. كيف أن ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا وأستراليا، كلها ساهمت بطرق مختلفة. كيف أن الاتحاد الأوروبي، رغم خطاباته الحقوقية، ظل شريكاً تجارياً رئيسياً لإسرائيل طوال الإبادة. وكيف أن الإعلام الغربي والجامعات والشركات، كلها كانت جزءاً من آلة التبرير والتغطية.

التواطؤ الغربي لم يكن سراً. كان مكشوفاً، واضحاً، موثقاً. شاهدته الكاميرات، وسجلته التقارير، وفضحه الناجون. لكنه استمر. وهذا الاستمرار هو ما يجعل الجريمة جماعية حقاً. ليس إسرائيل وحدها، بل العالم بأسره، أو على الأقل نصفه المتحضر، هو المتهم.

٢. الولايات المتحدة: الحامي الأول والأخير

عندما نتحدث عن التواطؤ الغربي، يجب أن نبدأ بالولايات المتحدة. ليس لأنها الأكبر فقط، بل لأنها الأهم. بدون أمريكا، لم تكن إسرائيل لتستطيع الاستمرار في إبادتها شهراً واحداً. بأمريكا، استمرت سنتين.

تقرير ألبانيزي وضع أمريكا في قمة القائمة. ووثق كيف أن إسرائيل تعتمد على أمريكا في ثلثي وارداتها من الأسلحة . ليس هذا فقط، بل الدعم الأمريكي يشمل:

الغطاء الدبلوماسي: منذ بداية الحرب، استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن سبع مرات لمنع إصدار قرارات تدين إسرائيل أو تطالب بوقف إطلاق النار . في كل مرة كان العالم يقف ضد إسرائيل، كانت أمريكا تقف وحدها معها. هذا ليس دبلوماسية، هذا حماية للمجرم.

الدعم العسكري المباشر: في أبريل ٢٠٢٤، وافق الكونغرس الأمريكي على حزمة مساعدات لإسرائيل بقيمة ٢٦.٤ مليار دولار. تزامن هذا القرار مع تهديد إسرائيل باجتياح رفح، التي كانت إدارة بايدن نفسها قد وصفتها بـ"الخط الأحمر" . الخط الأحمر تحول إلى خط أخضر، والمساعدات استمرت.

الدعم الاستخباراتي: التقرير وثق أن بريطانيا نفذت أكثر من ٦٠٠ مهمة استطلاع فوق غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣ . هذا يعني أن المعلومات الاستخباراتية الغربية كانت تغذي آلة القتل الإسرائيلية.

الحماية من المساءلة: عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، هددت أمريكا بفرض عقوبات على المحكمة. عندما تحدثت ألبانيزي عن جرائم إسرائيل، فرضت عليها عقوبات ومنعتها من دخول الأراضي الأمريكية. الحماية طالت حتى المنتقدين.

ليلي غرينبرغ، مساعدة سياسية سابقة في إدارة بايدن، استقالت في مايو ٢٠٢٤ احتجاجاً على سياسات الإدارة. في شهادتها أمام محكمة غزة في إسطنبول، قالت: "ما جعلني متواطئة هو دعم الولايات المتحدة وتمكينها لنظام الفصل العنصري وعدم المساواة والاحتلال الإسرائيلي الذي خلق الظروف لـ٧ أكتوبر" .

وأضافت: "كانت هناك تقارير تتداول داخلياً... ومع ذلك، لم تغير أي من هذه التحذيرات السياسة" . القيادة الأمريكية كانت تعرف. كانت تقرأ التقارير. كانت ترى الصور. لكنها استمرت في الدعم.

٣. ألمانيا: شريك أساسي في الإبادة

بعد أمريكا، تأتي ألمانيا. الدولة التي تعلن أن "أمن إسرائيل هو مصلحة وطنية عليا" (Staatsräson). الدولة التي تشعر بذنب تاريخي تجاه اليهود بعد المحرقة. هذا الشعور بالذنب تحول، في العقود الأخيرة، إلى دعم غير مشروط لإسرائيل، مهما فعلت.

تقرير ألبانيزي صنف ألمانيا كثاني أكبر مورد أسلحة لإسرائيل خلال الإبادة . ألمانيا زودت إسرائيل بكل شيء: من غواصات متطورة إلى طوربيدات إلى أسلحة صغيرة. هذا الدعم استمر رغم كل الأدلة على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب.

في سبتمبر ٢٠٢٥، اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تعليق جوانب من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بما في ذلك الجزء التجاري . لكن ألمانيا أجلت القرار. برلين قالت إنها تريد إعطاء فرصة لخطة ترامب للسلام. لكن المراقبين رأوا في هذا التأجيل تردداً ألمانياً في اتخاذ أي خطوة حقيقية ضد إسرائيل.

موريل آسيبورغ، خبيرة في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، ذهبت إلى أبعد من ذلك. قالت إن على برلين إعادة فحص دعمها غير المشروط لإسرائيل في ضوء أحداث غزة . هذا الرأي، الذي كان يعتبر متطرفاً قبل سنوات، بدأ يجد صدى في أوساط أكاديمية ألمانية.

الرأي العام الألماني بدأ يتغير أيضاً. استطلاع أجرته مؤسسة يوغوف في سبتمبر ٢٠٢٥ أظهر أن ٦٢٪ من الألمان يعتقدون الآن أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، بما في ذلك ٦٠٪ من ناخبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ . هذا الرقم صادم في بلد تعتبر قضية إسرائيل فيه شبه مقدسة.

لكن التغيير بطيء. الحكومة الألمانية لا تزال تدعم إسرائيل. الشركات الألمانية لا تزال تزودها بالأسلحة. والخطاب الرسمي لا يزال يكرر عبارة "أمن إسرائيل خط أحمر". التواطؤ الألماني مستمر.

٤. بريطانيا: من الانتداب إلى الاستطلاع

بريطانيا، التي بدأت القصة بوعد بلفور عام ١٩١٧، لا تزال حاضرة في النهاية. دورها في إبادة غزة كان متعدد الأوجه.

الأول: الاستطلاع. تقرير ألبانيزي وثق أن بريطانيا نفذت أكثر من ٦٠٠ مهمة استطلاع فوق غزة منذ أكتوبر ٢٠٢٣ . طائرات بريطانية بدون طيار حلقت فوق القطاع، جمعت معلومات، وشاركتها مع إسرائيل. هذه المعلومات ساعدت في تحديد الأهداف، وبالتالي في قتل الفلسطينيين.

الثاني: الأسلحة. بريطانيا علقت ٣٠ من أصل ٣٥٠ رخصة تصدير أسلحة لإسرائيل . لكن هذا يعني أن ٣٢٠ رخصة بقيت سارية. الأسلحة البريطانية استمرت في التدفق إلى إسرائيل طوال الحرب.

الثالث: السياسة. بريطانيا وقفت إلى جانب أمريكا في معظم المواقف الدولية. صوتت ضد بعض القرارات، وامتنعت عن التصويت على أخرى، وقدمت غطاء سياسياً لإسرائيل.

الرابع: قمع التضامن. داخل بريطانيا، واجه الناشطون المؤيدون لفلسطين حملات قمع. مظاهرات منعت، وخطباء أوقفوا، وجامعات هددت. الحكومة البريطانية كانت أكثر تشدداً مع مؤيدي فلسطين منها مع إسرائيل.

مايك والاس، عضو البرلمان الأوروبي السابق عن أيرلندا، قال في يناير ٢٠٢٦: "الدول الغربية تواصل الحفاظ على علاقات تجارية مع هذا النظام الإسرائيلي الوحشي رغم مشاهدتهم الإبادة الجماعية على هواتفهم" . وأضاف أن "الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة يساعدون إسرائيل في ارتكاب الإبادة الجماعية في فلسطين" .

بريطانيا، التي تقدم نفسها كحاملة لواء حقوق الإنسان، كانت شريكاً أساسياً في الجريمة.

٥. فرنسا: من الدعم إلى المساومة

فرنسا لعبت دوراً مزدوجاً. من ناحية، كانت من أكثر الدول الأوروبية انتقاداً لإسرائيل في المراحل المتأخرة من الحرب. من ناحية أخرى، استمرت في العلاقات التجارية والاقتصادية.

في أكتوبر ٢٠٢٥، وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلنت فرنسا اعترافها بدولة فلسطين . هذه الخطوة أغضبت إسرائيل، وأظهرت انقساماً داخل التحالف الغربي. لكن الانقسام كان شكلياً أكثر منه جوهرياً.

الرئيس إيمانويل ماكرون لعب دوراً في الضغط على ترامپ لمنع ضم إسرائيل لأجزاء من الضفة الغربية. تقارير تحدثت عن أن ماكرون حذر ترامپ من أن التطبيع مع الإمارات قد ينهار إذا استمرت إسرائيل في سياساتها . هذا الضغط كان له تأثير. ترامپ أعلن أنه "لن يسمح" بضم الضفة.

لكن هذا لا يعني أن فرنسا بريئة. الأسلحة الفرنسية استمرت في الوصول إلى إسرائيل. الشركات الفرنسية استمرت في الاستثمار. والتجارة بين البلدين استمرت كالمعتاد. ماكرون انتقد، لكنه لم يوقف الدعم.

٦. إيطاليا: من الدعم إلى الانتقاد

إيطاليا مثال آخر على التحول التدريجي. رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني، المعروفة بمواقفها اليمينية، قالت خلال اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر ٢٠٢٥: "إسرائيل تجاوزت هذا الخط، بحرب واسعة النطاق تمس السكان المدنيين الفلسطينيين بشكل غير مبرر... خيار وصفته إيطاليا مراراً بأنه غير مقبول، وسيقودنا إلى التصويت لصالح بعض العقوبات ضد إسرائيل التي اقترحتها المفوضية الأوروبية" .

هذا التصريح يمثل تحولاً كبيراً. إيطاليا كانت من أكثر الدول دعماً لإسرائيل. لكن حجم الدمار في غزة جعل حتى ميلوني تتراجع. مع ذلك، إيطاليا لم تتخذ إجراءات عملية واسعة. العقوبات التي صوتت لصالحها كانت محدودة. والعلاقات التجارية استمرت.

٧. كندا: عقوبات محدودة

كندا، بقيادة جاستن ترودو، كانت من أوائل الدول التي فرضت عقوبات محدودة على إسرائيل. أوقفت صادرات الأسلحة، وفرضت عقوبات على مستوطنين متطرفين . لكن هذه الخطوات كانت رمزية أكثر منها جوهرية. كندا استمرت في علاقاتها التجارية مع إسرائيل، واستمرت في دعمها السياسي في المحافل الدولية.

ترودو، الذي يقدم نفسه كمدافع عن القيم الليبرالية، وجد نفسه في مأزق. الرأي العام الكندي، خاصة بين الشباب والأقليات، كان غاضباً من سياسات إسرائيل. لكن الضغط الأمريكي والعلاقات التاريخية مع إسرائيل جعلت أي خطوة جذرية مستحيلة.

٨. الاتحاد الأوروبي: ازدواجية المعايير في أبهى صورها

الاتحاد الأوروبي يقدم نفسه كنموذج للقيم: الديمقراطية، حقوق الإنسان، سيادة القانون. لكن في التعامل مع إسرائيل، تختفي هذه القيم. تظهر ازدواجية المعايير في أبهى صورها.

كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اعترفت بذلك صراحة في سبتمبر ٢٠٢٥. قالت: "مثال حيث لا نستخدم قوتنا الجيوسياسية، لأننا لسنا متحدين، هو غزة" . وأضافت: "نحن نكافح لأن ٢٧ دولة عضو لديها مواقف مختلفة" بشأن هذه القضية.

كالاس أشارت إلى أن "دعم أمريكا لكل ما تفعله الحكومة الإسرائيلية" يحد من نفوذ الاتحاد الأوروبي . هذا صحيح. لكنه ليس عذراً كاملاً. الاتحاد الأوروبي كان يمكنه فعل المزيد لو أراد.

فرانشيسكا ألبانيزي كانت أكثر قسوة في انتقادها. قالت إن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات سريعة على روسيا بسبب حرب أوكرانيا، لكنه استمر في التجارة مع إسرائيل طوال حرب غزة . واصفة هذا التناقض بأنه "استخدام المساعدات كسلاح" (weaponization of aid).

الأرقام تتحدث. الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل. التجارة بين الجانبين تصل إلى عشرات المليارات من اليورو سنوياً. خلال الحرب، استمرت هذه التجارة. لم توقفها أوروبا، رغم كل الأدلة على ارتكاب إسرائيل جرائم حرب.

في سبتمبر ٢٠٢٥، اقترحت فون دير لايين تعليق الجزء التجاري من اتفاقية الشراكة مع إسرائيل . لكن الاقتراح قوبل بتردد. ألمانيا أجلت القرار. دول أخرى عارضته. حتى الآن، لم ينفذ.

٩. أستراليا: اعتراف متأخر

أستراليا كانت من الدول التي انضمت إلى موجة الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماعات الأمم المتحدة في أكتوبر ٢٠٢٥ . هذا القرار كان مهماً رمزياً. أستراليا، الحليف الوثيق للولايات المتحدة وبريطانيا، كانت من الدول التي طالما دعمت إسرائيل.

لكن الاعتراف لم يكن مصحوباً بإجراءات عملية. أستراليا استمرت في علاقاتها التجارية مع إسرائيل. استمرت في التعاون الأمني. ولم تفرض عقوبات جدية. الاعتراف كان خطوة إلى الأمام، لكنها خطوة صغيرة في طريق طويل.

١٠. إسبانيا: الصوت الأكثر جرأة

إسبانيا كانت من أكثر الدول الأوروبية جرأة في انتقاد إسرائيل. رئيس الوزراء بيدرو سانشيز دعا إلى معاملة إسرائيل مثل روسيا: فرض عقوبات، ومنعها من المشاركة في المسابقات الرياضية الدولية . هذا الموقف كان استثنائياً في سياق أوروبي خجول.

إسبانيا، مع أيرلندا وبلجيكا، شكلت تياراً أوروبياً أكثر انتقاداً لإسرائيل. هذا التيار ضغط على الاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف أكثر حزماً. لكن الضغط لم يكن كافياً. الدول الكبرى (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا) استمرت في دعم إسرائيل.

١١. الإعلام الغربي: تشكيل الوعي

الدعم العسكري والسياسي هو وجه واحد للتواطؤ. الوجه الآخر هو الإعلام. كيف صورت وسائل الإعلام الغربية الإبادة؟ كيف شكلت وعي الجماهير؟

كاتي هالبر، صحفية وكوميدية أمريكية، قدمت شهادة مفصلة أمام محكمة غزة في إسطنبول. قالت إن وسائل الإعلام الغربية لعبت "دوراً مركزياً في تشكيل التصور العام من خلال التغطية الانتقائية وإخفاء الحقائق حول المعاناة المدنية" .

هالبر روت تجربتها الشخصية: "في عام ٢٠٢٠، أثناء عملي كمذيعة مشاركة في برنامج The Hill، أعددت مونولوجاً أقول فيه إن إسرائيل دولة فصل عنصري. المنتجون رفضوا بث الجزء الخاص بي" .

وأضافت: "منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، تواطؤ وسائل الإعلام الغربية أصبح واسع الانتشار، وفي بعض الحالات، قابلاً للقياس... غالباً ما تستخدم لغة المبني للمجهول، وتجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم" .

هالبر أشارت إلى التغطية المضللة لادعاءات العنف الجنسي: "وسائل الإعلام الأمريكية والغربية والقادة السياسيون الأمريكيون ما زالوا يتحدثون عن الاغتصاب الذي لم يحدث، بينما داخل [إسرائيل] يحدث - عنف جنسي" .

هذه الشهادة تكشف كيف يعمل الإعلام الغربي. ليس مجرد تغطية منحازة، بل إخفاء متعمد للحقائق، وتضخيم لروايات إسرائيل، وتجاهل لمعاناة الفلسطينيين.

١٢. الجامعات الغربية: قمع الصوت

الجامعات الغربية، التي يفترض أنها معاقل الفكر الحر، كانت ساحة أخرى للتواطؤ. مورا فينكلشتاين، أستاذة جامعية سابقة في الولايات المتحدة فُصلت بسبب موقفها من فلسطين، شهدت أمام محكمة غزة.

قالت إن مؤسسات التعليم العالي "دعمت بنشاط إبادة إسرائيل" من خلال التمويل والشراكات وقمع المعارضة . وأضافت أن الطلاب اختاروا المقاطعة وسحب الاستثمارات من الشركات التي "تساعد بشكل مباشر في نزع الملكية والتطهير العرقي والإبادة" .

فينكلشتاين كشفت عن تفاصيل صادمة: "هناك ١٥ مدرسة بحثية تابعة للجامعات (UARC) في الولايات المتحدة، وإحداها، جامعة جنوب كاليفورنيا، كشف مؤخراً أنها تقدم جثثاً بشرية للجيشين الأمريكي والإسرائيلي للتدريب على جراحة الصدمات في غزة" .

وأضافت: "هذه الإجراءات القمعية المستمرة... خلقت مناخاً من الخوف في التعليم العالي". وتحدثت عن مراقبة، وفصل، واقتحامات شرطة للمخيمات الطلابية. وقالت: "أنا واحدة من هؤلاء الأساتذة. عدد الأساتذة والموظفين المستهدفين مستمر في النمو" .

الجامعات الغربية، بدلاً من أن تكون منابر للحقيقة، أصبحت جزءاً من آلة التضليل والقمع.

١٣. الشركات: الربح من الإبادة

شهدت شاهدة أخرى أمام محكمة غزة، وهي شهد حموري، محاضرة في كلية الحقوق بجامعة كنت. ركزت شهادتها على الجانب الاقتصادي.

قالت حموري: "إسرائيل اقتصاد دولة عسكري. خلال إبادة غزة، أنتجت إسرائيل أكثر من ١٠٢ ألف طن من المتفجرات... إسرائيل اختبرت أسلحة جديدة في غزة" . وأضافت أن الإبادة هي "نتيجة اقتصاد السوق العالمي المعولم".

الشركات الغربية استثمرت في إسرائيل طوال الحرب. شركات الأسلحة حققت أرباحاً قياسية. شركات التكنولوجيا زودت الجيش الإسرائيلي بأنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي. حتى شركات الغذاء والدواء استمرت في التعامل.

مايك والاس قال إن "الدول الغربية تواصل الحفاظ على علاقات تجارية مع هذا النظام الإسرائيلي الوحشي" . التجارة لم تتوقف. الربح استمر. والدماء سالت.

١٤. التواطؤ العربي: الوجه الآخر للكارثة

تقرير ألبانيزي لم يقتصر على الغرب. انتقد أيضاً الدول العربية التي طبعت مع إسرائيل خلال الحرب . كما سلط الضوء على دور مصر، الدولة العربية الكبرى المجاورة لغزة.

مصر اتهمت بالتعاون في مجال الطاقة مع إسرائيل، وإغلاق معبر رفح، الشريان الحيوي لغزة . إغلاق المعبر حرم مئات الآلاف من الفلسطينيين من المساعدات والدواء والغذاء. منع الجرحى من العلاج. منع الطلاب من السفر. منع العائلات من الاجتماع.

الإمارات، التي طبعت مع إسرائيل في ٢٠٢٠، استمرت في علاقاتها التطبيعية طوال الحرب. بل ضغطت على أمريكا لوقف خطط ضم الضفة، ليس حباً بفلسطين، بل حماية لمصالحها مع إسرائيل .

الأردن، الذي وقع معاهدة سلام مع إسرائيل عام ١٩٩٤، بقي في موقف محايد. استمر في العلاقات، واستمر في تلقي المساعدات الأمريكية، واكتفى ببيانات الشجب.

هذه الدول العربية، التي تقدم نفسها كمدافعة عن القضية الفلسطينية، كانت في الواقع جزءاً من نظام التواطؤ. ربما ليس بنفس درجة الغرب، لكنها كانت شريكة.

١٥. مجلس الأمن: الشلل المؤسسي

مجلس الأمن الدولي، المفترض أنه المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين، كان مشلولاً تماماً. الفيتو الأمريكي منع أي قرار جدي ضد إسرائيل.

فرانشيسكا ألبانيزي وصفت هذا الشلل بأنه "عقود من الفشل الأخلاقي والسياسي داخل نظام عالمي استعماري يتم الحفاظ عليه من خلال التواطؤ المنهجي" .

المجلس فشل في أبسط مهماته: وقف إطلاق النار. فشل في إدانة الجرائم. فشل في حماية المدنيين. فشل في تطبيق القانون الدولي. كان مجرد مسرح، يقدم عروضاً بلا معنى، بينما الإبادة مستمرة.

١٦. ازدواجية المعايير: أوكرانيا وغزة

واحدة من أكثر الانتقادات التي تكررت خلال الحرب كانت ازدواجية المعايير بين التعامل مع حرب أوكرانيا والتعامل مع حرب غزة.

عندما غزت روسيا أوكرانيا، تحرك الغرب بسرعة. عقوبات شاملة. أسلحة متطورة. دعم سياسي لا محدود. عزل دولي لروسيا. ومحكمة جنائية تتحرك.

في غزة، كان المشهد مختلفاً. ألبانيزي انتقدت هذا التناقض: الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على روسيا، لكنه استمر في التجارة مع إسرائيل . بيدرو سانشيز دعا إلى معاملة إسرائيل مثل روسيا . لكن لا أحد استجاب.

لماذا هذا الازدواج؟ الجواب بسيط: أوكرانيا بيضاء، أوروبية، مسيحية. غزة عربية، إسلامية، غير بيضاء. المركزية الأوروبية، التي ناقشناها في الفصل الثالث عشر، هي التي تفسر هذا التناقض. بعض الدماء أغلى من بعض.

١٧. الصراع داخل التحالف الغربي

رغم كل هذا التواطؤ، لم يكن التحالف الغربي موحداً تماماً. كانت هناك خلافات وتوترات.

في أكتوبر ٢٠٢٥، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلنت فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا اعترافها بدولة فلسطين . هذا أغضب إسرائيل وأحرج أمريكا. وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصف الاعتراف بأنه "غير ذي صلة" . ترامپ هاجم حلفاءه في خطابه، وانتقد سياسات الهجرة والطاقة الخضراء .

هذه الخلافات كانت حقيقية. لكنها كانت على الهامش. في القضايا الجوهرية، ظل الغرب موحداً. لم تفرض عقوبات حقيقية. لم يوقف تصدير الأسلحة. لم يقطع العلاقات الدبلوماسية. الانقسام كان شكلياً، لا جوهرياً.

١٨. أرقام صادمة: حجم الدعم

لنضع الأرقام في سياقها:

· أكثر من ٦٣ دولة متواطئة، حسب تقرير ألبانيزي .
· ٧ مرات استخدمت أمريكا الفيتو ضد إسرائيل .
· ٢٦.٤ مليار دولار مساعدات أمريكية لإسرائيل خلال الحرب .
· ١٠٢ ألف طن متفجرات أنتجتها إسرائيل واستخدمتها في غزة .
· ٦٠٠ مهمة استطلاع بريطانية فوق غزة .
· ٣٠ رخصة أسلحة بريطانية علقت من أصل ٣٥٠ (أي أن ٣٢٠ بقيت) .
· ٣٧٪ من ألمانيا يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة (حسب استطلاع سابق) ترتفع إلى ٦٢٪ لاحقاً .

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات. هي تعبير عن حجم الجريمة. عن عدد الشركاء. عن عمق التواطؤ.

١٩. التواطؤ كمنهج: من ١٩٤٨ إلى ٢٠٢٦

ما حدث في ٢٠٢٣٢٠٢٦ ليس جديداً. هو استمرار لسياسة الغرب منذ ١٩٤٨. من وعد بلفور إلى دعم العصابات الصهيونية إلى التصويت على قرار التقسيم إلى حماية إسرائيل في الأمم المتحدة إلى تزويدها بأحدث الأسلحة.

في ١٩٤٨، كان الغرب يدعم إنشاء إسرائيل على حساب الفلسطينيين. في ٢٠٢٦، كان الغرب يدعم إبادتهم. المنهج واحد. الأدوات تطورت. الدعم أصبح أكثر علانية. والتواطؤ أصبح أكثر تنظيماً.

الفرق أن التوثيق اليوم أفضل. الكاميرات موجودة. الشهود كثر. التقارير منشورة. لم يعد ممكناً إنكار الجريمة. لذلك، صار التواطؤ هو التحدي الأكبر.

٢٠. الخلاصة: الإبادة جريمة جماعية

العنوان الذي اختارته فرانشيسكا ألبانيزي لتقريرها دقيق: "إبادة غزة: جريمة جماعية". ليس إسرائيل وحدها، بل العالم بأسره. ليس الجيش الإسرائيلي فقط، بل كل من ساهم في الجريمة، بالفعل أو بالصمت.

الولايات المتحدة قدمت الأسلحة والغطاء السياسي. ألمانيا زودت بالغواصات والطوربيدات. بريطانيا نفذت مهام استطلاع ووفرت الدعم الاستخباراتي. فرنسا وإيطاليا وكندا وأستراليا ساهمت بطرق مختلفة. الاتحاد الأوروبي استمر في التجارة. الإعلام الغربي شوه الحقائق. الجامعات قمعت الأصوات المناهضة. الشركات ربحت من الإبادة.

كلهم شركاء. كلهم متواطئون. كلهم يحملون جزءاً من المسؤولية.

ألبانيزي قالت في خطابها: "العالم يقف على حافة السكين بين انهيار حكم القانون والأمل في التجديد" . وأضافت: "التجديد ممكن فقط إذا تم التعامل مع التواطؤ، والوفاء بالمسؤوليات، ودعم العدالة".

هذا هو التحدي. الاعتراف بالتواطؤ هو الخطوة الأولى نحو العدالة. محاسبة المتواطئين هي الشرط لمنع تكرار الجريمة. وإصلاح النظام الدولي هو الضمان لمستقبل مختلف.

في نهاية خطابها، ردت ألبانيزي على منتقديها بعبارة لا تنسى: "إذا كان أسوأ ما يمكنكم اتهامي به هو ممارسة الشعوذة، فسأقبل ذلك. لكن لو كانت لدي قوة عمل التعاويذ، لاستخدمتها لوقف جرائمكم مرة واحدة وإلى الأبد، ولضمان أن ينتهي المطاف بالمسؤولين خلف القضبان" .

الكلمات تعبر عن إحباط الملايين. عن شعور بالعجز أمام آلة قتل هائلة، مدعومة من أقوى دول العالم. لكنها أيضاً تعبر عن أمل: أن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم. وأن المسؤولين، وإن طال بهم الزمن، سيلقون جزاءهم.

غزة علمت العالم درساً قاسياً: أن الإبادة ممكنة في القرن الحادي والعشرين. أن المجتمع الدولي يمكن أن يتفرج. أن القانون الدولي يمكن أن ينتهك دون عقاب. لكنها أيضاً زرعت بذرة أمل: أن الشعوب يمكن أن تتحرك. أن التضامن يمكن أن ينمو. أن الحقيقة يمكن أن تنتصر.

التواطؤ الغربي مكشوف الآن. لا عذر بعد اليوم. والمساءلة قادمة، ولو بعد حين.


…….


الفصل السادس عشر: الشركات والتكنولوجيا - الربح من الإبادة

١. مقدمة: عندما تتحول الأكواد إلى قنابل

في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، كانت الخوادم تعمل. كانت مراكز البيانات تطن. وكانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تحلل، تتوقع، وتحدد. في نفس اللحظة التي كانت فيها الصواريخ تنطلق من غزة، كانت التكنولوجيا الغربية تعمل بكامل طاقتها على الجانب الآخر. ليس لدعم الصواريخ، بل لتحديد أين ستسقط الصواريخ الإسرائيلية.

بعد ستة أشهر، في أبريل ٢٠٢٤، وقف إدي هاتفيلد، مهندس برمجيات في جوجل، في مؤتمر "مايند ذا تيك" في نيويورك. كان المؤتمر مخصصاً للتكنولوجيا والابتكار. كان المتحدث الرئيسي باراك ريجيف، المدير الإداري لجوجل إسرائيل. هاتفيلد قاطع المؤتمر وصرخ: "أنا مهندس برمجيات في جوجل كلاود، وأنا أرفض بناء تكنولوجيا تدعم الإبادة الجماعية والفصل العنصري والمراقبة!" .

بعد أيام، طُرد هاتفيلد من عمله. لكن صرخته بقيت. كانت تمثل لحظة نادرة يكسر فيها عامل في شركة تكنولوجيا كبرى جدار الصمت، ويقول ما يعرفه كثيرون: أن التكنولوجيا التي يبنونها تتحول إلى أداة قتل في غزة.

هذا الفصل هو عن تلك العلاقة. عن الشركات التي تبيع الأسلحة. عن شركات التكنولوجيا التي توفر البنية التحتية للقتل. عن شركات البناء التي تبني المستوطنات. عن شركات التأمين التي تؤمن كل ذلك. عن بنوك تمول وآخرين تستثمر. عن شبكة عالمية من المصالح تجعل من الإبادة صناعة مربحة.

فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة، قالت في تقريرها التاريخي "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية": "اقتصاد الاحتلال الاستيطاني الاستعماري واقتصاد الإبادة الجماعية مترابطان بعمق" . وأضافت أن الشركات التي تساهم في تدمير الأراضي والبنى التحتية الفلسطينية هي نفسها التي تشارك في بناء واستغلال المشاريع الاستعمارية التي تحل محل تلك البنى التحتية .

هذه ليست مجرد علاقات تجارية عادية. هي شراكة في الجريمة. هي استثمار في الموت. هي رأسمالية استعمارية عنصرية، كما وصفتها ألبانيزي، تحول الدم إلى أرباح، والإبادة إلى نموذج أعمال.

٢. مشروع نيمبوس: ١.٢ مليار دولار من أجل الإبادة

في قلب العلاقة بين شركات التكنولوجيا الأمريكية وإسرائيل يقف "مشروع نيمبوس" (Project Nimbus). عقد ضخم قيمته ١.٢ مليار دولار وقعته كل من جوجل وأمازون مع الحكومة الإسرائيلية عام ٢٠٢١، لتوفير خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي للجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية .

التوقيت كان مهماً. في نفس الأسبوع الذي وقع فيه العقد، كان الجيش الإسرائيلي يشن هجوماً على غزة، مما أسفر عن مقتل ما يقرب من ٢٥٠ شخصاً، بينهم أكثر من ٦٠ طفلاً . لكن هذا لم يمنع الشركتين من المضي قدماً في الصفقة.

ماذا يقدم مشروع نيمبوس بالضبط؟ هو عقد شامل يوفر للجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية:

· خدمات حوسبة سحابية متقدمة لتخزين كميات هائلة من البيانات.
· قدرات تعلم آلي لتحليل هذه البيانات واستخلاص المعلومات.
· بنية تحتية للذكاء الاصطناعي يمكن استخدامها في عمليات المراقبة والاستهداف.

في تقرير لموقع "ذا إنترسبت" (The Intercept) عام ٢٠٢١، كشف أن جوجل تعرض تقديم قدرات ذكاء اصطناعي متقدمة لإسرائيل، يمكن استخدامها في جمع البيانات للتعرف على الوجه وتتبع الأهداف . هذا يعني أن التكنولوجيا التي تستخدمها جوجل في تحسين خدماتها التجارية، يمكن استخدامها أيضاً في تحديد مكان الفلسطينيين واستهدافهم.

راميش سرينيفاسان، أستاذ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (UCLA)، وصف المشروع بأنه "يمثل ويبرز الروابط المباشرة التي تربط شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة، ليس فقط بما يسمى بالمجمع الصناعي العسكري، ولكن بتقديم المساعدة والتمكين المباشر للحكومة الإسرائيلية" .

الشركتان تحاولان الدفاع عن نفسيهما. في بيان لها، قالت جوجل إن عقد نيمبوس "غير موجه للأحمال العسكرية الحساسة أو المصنفة أو المتعلقة بالأسلحة أو أجهزة الاستخبارات" . لكن هذه الدفاعات تبدو هشة أمام الحقائق. تقرير لوكالة أسوشيتد برس (AP) في فبراير ٢٠٢٥ كشف أن الجيش الإسرائيلي يستخدم هذه التقنيات بشكل مباشر في عملياته في غزة .

٣. مايكروسوفت: العمود الفقري للتجسس

إذا كانت جوجل وأمازون توفران السحابة، فإن مايكروسوفت توفر ما هو أبعد: بنية تحتية متكاملة للتجسس والمراقبة.

في أغسطس ٢٠٢٥، كشفت صحيفة "غارديان" البريطانية عن تعاون وثيق بين الوحدة ٨٢٠٠ التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وشركة مايكروسوفت . هذا التعاون يستهدف مراقبة وتخزين جميع المكالمات الهاتفية التي يجريها الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية، في ما وصفته الصحيفة بأنه "أحد أكبر مشاريع التجسس العالمية" .

التفاصيل صادمة. في عام ٢٠٢١، التقى الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت ساتيا ناديلا بمقر الشركة مع يوسي سارييل، قائد الوحدة ٨٢٠٠ . ناديلا منح الوحدة وصولاً إلى منطقة منفصلة ومخصصة داخل منصة "أزور" السحابية، لتخزين كل مكالمات الهواتف التي تتم من غزة والضفة، ومراقبتها وتحليلها لاستخدامها بشكل مباشر في العمليات العسكرية .

هذا يعني أن كل مكالمة هاتفية بين فلسطينيين، كل رسالة، كل تواصل، يمكن أن يخزن في خوادم مايكروسوفت، ويحلل بواسطة خوارزمياتها، ويستخدم لتحديد أهداف للاغتيال. التكنولوجيا التي تبنيها مايكروسوفت لتحسين خدماتها التجارية، تتحول إلى أداة قتل في غزة.

النشطاء على وسائل التواصل وصفوا ما تفعله مايكروسوفت بأنه "إجرام في أوقح تجلياته" . وكتب أحدهم: "الفلسطينيون اليوم لا يُقتلون فقط بالقنابل، بل أيضاً بالأكواد" .

ردود الفعل داخل الشركة نفسها كانت غاضبة. حركة "لا لاستخدام أزور للفصل العنصري" (No Azure for Apartheid) بدأت بالوجود بكثافة بعد أحداث ٧ أكتوبر . موظفون في مايكروسوفت بدأوا يرفضون أن تكون تقنياتهم جزءاً من آلة القتل.

لكن الإدارة استمرت. الأرباح أهم.

٤. بالانتير: شريك قديم في الجرائم

بالانتير (Palantir) هي شركة تحليل بيانات أمريكية، شارك في تأسيسها الملياردير اليميني بيتر ثيل. علاقتها مع إسرائيل قديمة ومعقدة.

منذ سنوات، لدى بالانتير عقود متعددة مع الجيش الإسرائيلي . هذه العقود توفر للجيش منصة تحليل بيانات متطورة، تستخدم في دمج المعلومات من مصادر متعددة، وبناء صورة استخباراتية متكاملة عن الفلسطينيين.

روبرتو جونزاليس، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية في جامعة سان هوزيه الحكومية، وصف بالانتير بأنها تقدم "أنظمة ذكاء اصطناعي للمؤسسات العسكرية" . بعد ٧ أكتوبر، وسعت بالانتير دعمها لإسرائيل. أصبحت تقنياتها جزءاً أساسياً من المجهود الحربي.

ما تفعله بالانتير يتجاوز مجرد تخزين البيانات. هي تقدم أدوات تحليل متقدمة، يمكنها الربط بين نقاط بيانات تبدو غير مترابطة، واكتشاف أنماط، وتوليد توصيات استخباراتية. في حرب تعتمد على المعلومات، هذه الأدوات لا تقدر بثمن. وهي تساعد في قتل الفلسطينيين بكفاءة أكبر.

٥. أنظمة الذكاء الاصطناعي القاتلة: لافندر، ذا جوسبل، وويرز دادي

في قلب الإبادة التكنولوجية، تقف ثلاثة أنظمة ذكاء اصطناعي إسرائيلية، كلها تعتمد على البنية التحتية التي توفرها شركات التكنولوجيا الأمريكية.

لافندر (Lavender) : نظام ذكاء اصطناعي طوره الجيش الإسرائيلي لتحديد أهداف الاغتيال. وفقاً لتقارير استقصائية، استخدم النظام في الأسابيع الأولى من الحرب لتوليد قوائم تضم عشرات الآلاف من الفلسطينيين المشتبه في كونهم "مقاتلين" . لكن المعايير كانت واسعة لدرجة خطيرة. تقارير أشارت إلى أن "الجنس" (الذكورة) كان من بين الخصائص التي استخدمها النظام لتحديد الأهداف. أي أن أي ذكر بالغ في غزة، حتى لو كان مدنياً، يمكن أن يصنف كهدف.

ذا جوسبل (The Gospel) : نظام يستخدم لتحديد أهداف القصف من المباني. يحلل كميات هائلة من بيانات المراقبة، ويوصي بأهداف للقصف. في الماضي، كان الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى شهور لتحديد ٥٠ هدفاً. مع هذا النظام، أصبح ينتج ١٠٠ هدف في اليوم .

ويرز دادي (Where s Daddy) : نظام يستخدم لتعقب الأفراد. اسمه صادم: "أين بابا؟". وظيفته معرفة متى يكون شخص معين في منزله، ليتم قصف المنزل وهو فيه مع عائلته .

هذه الأنظمة ليست مستقلة. هي تعتمد كلياً على البنية التحتية السحابية وقدرات التعلم الآلي التي توفرها شركات مثل جوجل وأمازون ومايكروسوفت . بدون هذه الشركات، لا يمكن لهذه الأنظمة أن تعمل. بدون خوادمها، لا يمكن تخزين البيانات. بدون خوارزمياتها، لا يمكن تحليلها. بدون منصاتها، لا يمكن توليد الأهداف.

هذه الأنظمة حولت الإبادة إلى عملية آلية. جعلت الفلسطينيين "أهدافاً قابلة للإزالة" (garbage targets) - وهو وصف بشع يعتمده الجيش الإسرائيلي للأهداف التي ليست مهمة عسكرياً لكنها قابلة للقصف .

٦. شركات الأسلحة: القائمة الكاملة

بعيداً عن التكنولوجيا، هناك شركات الأسلحة التقليدية. منظمة العفو الدولية (Amnesty International) نشرت في سبتمبر ٢٠٢٥ قائمة بـ ١٥ شركة عالمية تساعد إسرائيل في الإبادة . القائمة تضم:

· بوينغ (Boeing) ولوكهيد مارتن (Lockheed Martin) : عملاقا الصناعات العسكرية الأمريكية. يزودان إسرائيل بطائرات إف-١٥ وإف-٣٥، وصواريخ، وقنابل موجهة .
· جنرال دايناميكس (General Dynamics) : تزود إسرائيل بقنابل MK-80 التي تحول إلى قنابل ذكية بواسطة أنظمة JDAM من بوينغ .
· إلبيت سيستمز (Elbit Systems) ورافائيل (Rafael) : شركتا الأسلحة الإسرائيليتان الكبيرتان. تنتجان طائرات مسيرة، وصواريخ، وأنظمة دفاع جوي، وأسلحة متنوعة تستخدم في غزة .
· كاتربيلر (Caterpillar) : تزود إسرائيل بجرافات D9 المدرعة، التي تستخدم لهدم المنازل الفلسطينية، وتمهيد الطرق للقوات الإسرائيلية، وتدمير البنية التحتية . هذه الجرافات أصبحت رمزاً للتدمير الممنهج.
· إيتش دي هيونداي (HD Hyundai) : شركة كورية جنوبية تشارك في بناء سفن وسفن حربية .
· هيكفيجن (Hikvision) : شركة صينية تنتج كاميرات مراقبة تستخدم في نقاط التفتيش والسجون .

تقرير ألبانيزي ذهب أبعد من ذلك. ذكر أكثر من ٤٥ كياناً تجارياً بالاسم، وأنشأت قاعدة بيانات تشمل ١٠٠٠ شركة عالمياً متورطة في اقتصاد الإبادة . وتابعت أن الشركات التي تساهم في دمار الأراضي الفلسطينية هي نفسها التي تشارك في بناء واستغلال المشاريع الاستعمارية التي تحل محلها.

٧. قطاع الطيران والشحن: نقل الموت

لا يكفي أن تصنع الأسلحة. يجب أن تنقل أيضاً. هنا يأتي دور شركات الطيران والشحن.

معظم عمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل منذ ٧ أكتوبر تمت بواسطة طائرات شحن عسكرية أمريكية . لكن بعض شركات الطيران التجارية لعبت دوراً أيضاً. تقرير لمؤسسة الخدمات الأمريكية للأصدقاء (AFSC) حدد عدة شركات طيران تجارية رصدت في قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية، قادمة من قواعد عسكرية أمريكية . هذه الشركات تشمل:

· أطلس إير (Atlas Air)
· كال للشحن الجوي (CAL Cargo Airlines)
· كاليتا إير (Kalitta Air)
· ناشيونال إيرلاينز (National Airlines)
· ويسترن جلوبال إيرلاينز (Western Global Airlines)

كما أن شركة الشحن البحري "أوفيرسيز شيب هولدينج" (Overseas Shipholding Group) تتولى نقل وقود الطائرات (JP-8) للقوات الجوية الإسرائيلية من مصافي تكرير فاليرو في تكساس .

هذه الشركات ليست طرفاً بريئاً في العملية. هي تنقل الموت. شاحناتها تحمل القنابل التي ستقتل الأطفال. طائراتها تنقل الذخائر التي ستدمر المستشفيات. هي جزء من سلسلة الإمداد التي تجعل الإبادة ممكنة.

٨. شركات البناء والمعدات الثقيلة: تدمير وإعادة بناء

دور شركات البناء والمعدات الثقيلة مزدوج. من ناحية، تشارك في تدمير البنية التحتية الفلسطينية. من ناحية أخرى، تشارك في بناء المستوطنات التي تحل محلها.

كاتربيلر (Caterpillar) ، كما ذكرنا، تزود الجرافات. لكن جرافاتها لا تستخدم فقط في هدم البيوت. تستخدم أيضاً في بناء "المنطقة العازلة" حول غزة، والتي ابتلعت ١٦٪ من مساحة القطاع . هذا تدمير للبيوت والأراضي الزراعية، وتهجير للسكان، وجريمة حرب بموجب القانون الدولي.

كونستروكثيونس إي أوكسيليار دي فيرّوكاريلس (CAF) ، شركة إسبانية، تشارك في مشاريع البنية التحتية الإسرائيلية، بما في ذلك خطوط القطارات التي تربط المستوطنات بعضها ببعض.

شركات بناء أخرى تشارك في تشييد المستوطنات في الضفة الغربية. هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي. والشركات التي تبنيها تشارك في جريمة حرب.

٩. قطاع الموارد الطبيعية: ميكوروت وشركات المياه

المياه في فلسطين ليست مجرد مياه. هي سلاح. إسرائيل تسيطر على معظم مصادر المياه، وتوزعها بشكل غير عادل. الفلسطينيون يحصلون على حصة أقل بكثير من المستوطنين.

ميكوروت (Mekorot) ، شركة المياه الإسرائيلية المملوكة للدولة، هي اللاعب الرئيسي في هذا المجال . وهي متورطة في سياسات الحرمان المائي للفلسطينيين. خلال الحرب على غزة، قطعت إسرائيل المياه عن القطاع بالكامل، مما تسبب في كارثة إنسانية. ميكوروت كانت جزءاً من هذا القرار.

شركات الطاقة أيضاً متورطة. إسرائيل تستخدم الغاز الطبيعي المكتشف حديثاً في مياهها الاقتصادية لتعزيز اقتصادها. بعض هذه الغاز يأتي من حقول قريبة من قطاع غزة، مما يضاعف المعاناة.

١٠. قطاع التمويل: البنوك التي تمول الإبادة

لا يمكن لأي من هذا أن يحدث دون تمويل. هنا يأتي دور البنوك والمؤسسات المالية.

باركليز (Barclays) ، البنك البريطاني العملاق، متهم بتمويل شركات أسلحة تزود إسرائيل . حملات مقاطعة استهدفته في بريطانيا، وأغلقت فروع له. لكنه استمر في التعامل.

بي إن بي باريبا (BNP Paribas) ، البنك الفرنسي، متورط أيضاً في تمويل شركات مرتبطة بالاستيطان والمجمع العسكري الإسرائيلي .

أليانز (Allianz) ، شركة التأمين الألمانية العملاقة، تؤمن مشاريع ومؤسسات إسرائيلية، مما يساهم في استقرار اقتصاد الاحتلال .

هذه البنوك وشركات التأمين لا تقتل بشكل مباشر. لكنها تمول القتلة. توفر السيولة التي تسمح باستمرار العملية. تستثمر في الموت وتحقق أرباحاً منه.

دعوات المقاطعة طالت هذه المؤسسات. حركة المقاطعة (BDS) جعلت من القطاع المالي هدفاً رئيسياً. في سبتمبر ٢٠٢٥، حققت الحركة نجاحاً كبيراً بإجبار سلسلة سوبرماركت "كارفور" على الانسحاب من البحرين والكويت، بعد حملات مقاطعة عنيفة . هذا دليل على أن الضغط يمكن أن ينجح.

١١. قطاع التكنولوجيا: ما بعد نيمبوس

بعد مشروع نيمبوس، هناك تعاونات أخرى في قطاع التكنولوجيا.

مايكروسوفت لديها مراكز تطوير في إسرائيل منذ التسعينيات . هذه المراكز تطور تقنيات تستخدمها الحكومة الإسرائيلية والجيش. مايكروسوفت توفر أيضاً خدمات سحابية لوزارات إسرائيلية مختلفة.

أمازون، بالإضافة إلى نيمبوس، لديها استثمارات كبيرة في إسرائيل. استحوذت على شركة "أن.أو أكس" (Annapurna Labs) الإسرائيلية، ولديها فرق تطوير في تل أبيب.

جوجل اشترت عدة شركات ناشئة إسرائيلية، ولديها مركز أبحاث في حيفا.

كل هذه الاستثمارات تعمق العلاقة بين شركات التكنولوجيا الأمريكية وإسرائيل. تجعل من الصعب فصل الاقتصاد عن السياسة، التكنولوجيا عن العسكرة.

التقرير الذي نشرته جامعة براون عن دور شركات التكنولوجيا في المجمع الصناعي العسكري، يظهر أن هذه العلاقة ليست استثنائية. البنتاغون وقع عقوداً مع شركات تكنولوجيا بقيمة ٥٣ مليار دولار بين ٢٠١٩ و٢٠٢٢ . وفي ديسمبر ٢٠٢٢، منح عقداً بقيمة ٩ مليارات دولار لجوجل وأوراكل وأمازون ومايكروسوفت لبيئة سحابية شديدة السرية .

هذه العلاقة بين وادي السيليكون والبنتاغون قديمة. لكنها في حالة فلسطين، تصل إلى ذروة تواطئها.

١٢. حملات المقاطعة: مقاومة من الداخل

في مواجهة هذا التواطؤ المؤسسي، ظهرت مقاومة من داخل الشركات نفسها.

في أكتوبر ٢٠٢١، وقع أكثر من ٩٠ موظفاً في جوجل و٣٠٠ موظف في أمازون خطاباً داخلياً ينددون بمشروع نيمبوس . قالوا: "نحن موظفو غوغل وأمازون من أصحاب الضمائر الحية من خلفيات متنوعة. نؤمن بأن التكنولوجيا التي نبنيها يجب أن تخدم وترفع من شأن الناس في كل مكان، بما في ذلك جميع مستخدمينا. كعمال يبقون هذه الشركات قائمة، نحن ملزمون أخلاقياً بالتحدث علناً ضد انتهاكات هذه القيم الأساسية" .

الموظفون طلبوا من قادة الشركتين الانسحاب من المشروع. لكن طلباتهم رفضت.

في أبريل ٢٠٢٤، تصاعدت الاحتجاجات. موظفون في جوجل نظموا اعتصامات في مكاتب الشركة في نيويورك وكاليفورنيا وسياتل . طالبوا بإنهاء مشروع نيمبوس. القيادة ردت بفصل ٢٨ موظفاً، ثم ٢٠ آخرين، ليصل العدد إلى حوالي ٥٠ مفصولاً .

جوجل دافعت عن قرارها. الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي أصدر تحذيراً ضمنياً: "لدينا ثقافة نقاش مفتوح وحيوي... لكن في النهاية، نحن مكان عمل، وليس مكاناً للتصرف بطريقة تعطل زملاء العمل أو تجعلهم يشعرون بعدم الأمان، أو محاولة استخدام الشركة كمنصة شخصية، أو النقاش حول قضايا مزعجة أو الجدال في السياسة" .

لكن الموظفين المفصولين لم يتراجعوا. محمد خطامي، مهندس برمجيات في جوجل اعتقل خلال اعتصام نيويورك، قال إنهم اعتقلوا "لأنهم تحدثوا علناً ضد استخدام تكنولوجيتنا لتشغيل أول إبادة جماعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي" .

هذه المقاومة الداخلية مهمة. تكشف أن ليس كل من يعمل في هذه الشركات راضٍ عن تواطئها. تظهر أن هناك صراعاً أخلاقياً داخل وادي السيليكون. وأن مستقبل هذه العلاقات قد يكون موضع نزاع.

١٣. الردود الدولية: بين الإدانة والصمت

المنظمات الدولية بدأت تتحرك، لكن ببطء.

منظمة العفو الدولية (Amnesty International) نشرت قائمتها في سبتمبر ٢٠٢٥، ودعت إلى "فرض حظر فوري على تزويد إسرائيل بجميع أنواع الأسلحة والمعدات والخدمات العسكرية والأمنية، وكذلك جميع معدات المراقبة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية السحابية المستخدمة في دعم أنشطة المراقبة والأمن والعمليات العسكرية" .

الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار قالت: "آن الأوان كي تضع الدول والمؤسسات العامة والشركات والجامعات وغيرها من الجهات الخاصة، حدا لإدمانها القاتل على الأرباح والمكاسب الاقتصادية بأي ثمن. ما كان للاحتلال غير المشروع أن يستمر ٥٧ عاماً ولا لنظام الميز العنصري أن يترسّخ على مدى عقود، لولا الدعم الكبير والمتواصل الذي حظيت به إسرائيل عبر علاقاتها الاقتصادية والتجارية، يجب وقف هذا الآن، فالكرامة الإنسانية ليست سلعة" .

الأمم المتحدة، عبر مقررتها الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي، كانت أكثر جرأة. تقريرها حدد بدقة مسؤوليات الدول والشركات، مستنداً إلى المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان .

هذه المبادئ تحدد ثلاثة مستويات من المسؤولية: الشركة التي تسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، الشركة التي تساهم فيها، والشركة المرتبطة بها مباشرة. كل مستوى يتطلب استجابة مختلفة. لكن الأهم أن المبادئ تؤكد أن "مجرد القيام بالعناية الواجبة لا يُعفي الشركة من المسؤولية: الأثر المادي لأفعال الشركة هو ما يُحدد المسؤولية" .

١٤. الإطار القانوني: كيف تحاسب الشركات؟

كيف يمكن محاسبة الشركات المتواطئة؟ هذا سؤال معقد، لكن هناك سوابق.

محاكمات الصناعيين بعد الهولوكوست شكلت سابقة مهمة. الشركات الألمانية التي استخدمت السخرة وتعاونت مع النازية حوسبت بعد الحرب. تعويضات دفعت. مدراء حوكموا.

لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا كشفت أيضاً عن دور الشركات في دعم نظام الفصل العنصري. بعض الشركات اعتذرت. بعضها دفع تعويضات.

في حالة فلسطين، هناك عدة مسارات قانونية محتملة:

المسار الأول: الملاحقة في المحاكم الوطنية. يمكن مقاضاة الشركات في بلدانها الأصلية بموجب قوانين المسؤولية الجنائية للشركات، أو قوانين مكافحة جرائم الحرب. في الولايات المتحدة، قانون دعاوى الأجانب (Alien Tort Statute) يسمح للأجانب برفع دعاوى في المحاكم الأمريكية عن انتهاكات القانون الدولي. استخدم هذا القانون في قضايا سابقة ضد شركات متواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان.

المسار الثاني: الملاحقة أمام المحاكم الدولية. المحكمة الجنائية الدولية يمكنها نظرياً ملاحقة أفراد الشركات (المدراء التنفيذيين) إذا كانوا متواطئين في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. لكن المحكمة لا تملك ولاية مباشرة على الشركات ككيانات.

المسار الثالث: حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات. هذا المسار ليس قضائياً، لكنه فعال. حركة المقاطعة (BDS) نجحت في الضغط على شركات عديدة لسحب استثماراتها من إسرائيل أو إنهاء عقودها. نجاحها مع "كارفور" في ٢٠٢٥ دليل على ذلك.

المسار الرابع: الضغط على الحكومات لفرض عقوبات. الحكومات يمكنها فرض حظر على التعامل مع شركات معينة، أو تقييد صادرات الأسلحة، أو فرض عقوبات اقتصادية. الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على شركات روسية. نظرياً، يمكنه فعل الشيء نفسه مع شركات إسرائيلية.

١٥. الرأسمالية الاستعمارية العنصرية: مفهوم جديد

تقرير ألبانيزي يقدم مفهوماً جديداً: "الرأسمالية الاستعمارية العنصرية" (racialized colonial capitalism) . هذا المفهوم يصف كيف أن الأنشطة التجارية في الأرض الفلسطينية المحتلة ليست مجرد تعاملات اقتصادية عادية، بل هي جزء من "نمط من الهيمنة" .

هذه الرأسمالية تقوم على عدة مبادئ:

· الطرد والاستبدال: الشركات التي تساهم في تدمير الأراضي والبنى التحتية الفلسطينية هي نفسها التي تشارك في بناء واستغلال المشاريع الاستعمارية التي تحل محل تلك البنى التحتية .
· الربح من الانتهاك: الشركات تحقق أرباحاً من انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي استمرت لعقود .
· الإبادة كنموذج أعمال: ما كان "اقتصاد احتلال" تحول إلى "اقتصاد إبادة جماعية"، حيث تُعبأ أنظمة السيطرة والاستغلال طويلة الأمد لإيقاع العنف الجماعي والدمار الهائل .

هذا المفهوم يساعد في فهم كيف أن الشركات ليست مجرد متفرج سلبي على ما يحدث. هي جزء فاعل. هي تستثمر في الإبادة، وتربح منها، وتضمن استمرارها.

١٦. الأرقام: كم يكلف الموت؟

لنضع بعض الأرقام في سياقها:

· ١.٢ مليار دولار: قيمة مشروع نيمبوس بين جوجل وأمازون والحكومة الإسرائيلية .
· ٣٥ ألف طن: كمية المتفجرات التي وفرتها شركات الأسلحة العالمية لإسرائيل، وفقاً لألبانيزي . هذه الكمية تعادل ٦ أضعاف القوة التدميرية للقنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما .
· ١٠٠٠ شركة: عدد الشركات التي حددتها ألبانيزي في قاعدة بياناتها كمتورطة في اقتصاد الإبادة .
· ٥٣ مليار دولار: قيمة عقود البنتاغون مع شركات التكنولوجيا بين ٢٠١٩ و٢٠٢٢ .
· ٩ مليار دولار: قيمة عقد البنتاغون مع جوجل وأوراكل وأمازون ومايكروسوفت لبيئة سحابية شديدة السرية .
· ٢٠٠ ضعف: مقدار زيادة استخدام الجيش الإسرائيلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي بعد ٧ أكتوبر .

هذه الأرقام تظهر حجم الاستثمار في الموت. تظهر أن الإبادة ليست مجرد قرارات سياسية، بل هي صناعة كاملة، لها موردون ومقاولون ومستثمرون ومساهمون. كل هؤلاء يربحون من الدم الفلسطيني.

١٧. دروس من الماضي: جنوب إفريقيا نموذجاً

تجربة جنوب إفريقيا في مكافحة الفصل العنصري تقدم دروساً مهمة.

في السبعينات والثمانينات، كانت شركات عالمية كبرى تستثمر في جنوب إفريقيا، وتستفيد من نظام الفصل العنصري. آي بي إم (IBM) زودت الحكومة بأنظمة حاسوب لإدارة نظام التمييز. فورد وجنرال موتورز كانتا تنتجان سيارات هناك. وبنوك عالمية مولت النظام.

حركة المقاطعة العالمية ضغطت على هذه الشركات. حملات طلابية في الجامعات الأمريكية طالبت بسحب الاستثمارات. مجالس مدن صوتت لمقاطعة الشركات المتعاملة مع جنوب إفريقيا. وفي النهاية، بدأت الشركات تنسحب. آي بي إم غادرت عام ١٩٨٧. باركليز سحب استثماراته عام ١٩٨٦. الضغط الاقتصادي كان عاملاً رئيسياً في إنهاء نظام الفصل العنصري.

حركة المقاطعة (BDS) اليوم تستلهم هذه التجربة. تقول إن مقاطعة الشركات المتواطئة مع إسرائيل يمكن أن تحقق نفس النتيجة. نجاحها مع "كارفور" وغيره من الشركات يظهر أن الطريقة فعالة.

لكن التحدي أكبر اليوم. شركات التكنولوجيا أكثر تشابكاً مع الاقتصاد العالمي. منتجاتها أكثر اندماجاً في حياتنا اليومية. مقاطعتها أصعب من مقاطعة منتجات جنوب إفريقيا. لكنها ليست مستحيلة.

١٨. مقاومة الشركات: حركة الموظفين

في الفصل السابق، تحدثنا عن المقاومة الفلسطينية. لكن هناك مقاومة من نوع آخر: مقاومة داخل صفوف الشركات نفسها.

موظفو جوجل وأمازون الذين احتجوا على مشروع نيمبوس، ودفعوا ثمناً بفقدان وظائفهم، هم جزء من هذه المقاومة. حركة "لا تكنولوجيا للفصل العنصري" (No Tech For Apartheid) التي تنظم الموظفين المعارضين، هي جزء منها. الموظفون في مايكروسوفت الذين انضموا إلى حركة "لا لاستخدام أزور للفصل العنصري"، هم جزء منها.

هؤلاء الموظفون لا يقاتلون في غزة. لكنهم يقاتلون في مجالهم. يرفضون أن تكون تكنولوجيتهم أداة قتل. يخاطرون بوظائفهم من أجل مبادئهم.

رسالتهم مهمة: نحن لسنا مجرد عمال. نحن بشر. لدينا ضمائر. نرفض أن نكون جزءاً من آلة الموت.

قصة إدي هاتفيلد، الذي صرخ في وجه مدير جوجل إسرائيل، ثم طرد، أصبحت رمزاً لهذه المقاومة. قصة محمد خطامي، الذي اعتقل ثم طرد، تذكرنا بأن الثمن قد يكون باهظاً. لكن هؤلاء وغيرهم مستمرون.

١٩. الأسئلة الأخلاقية: هل التكنولوجيا محايدة؟

هذه الوقائع تطرح أسئلة أخلاقية عميقة: هل التكنولوجيا محايدة؟ هل يمكن فصل الأداة عن استخدامها؟

جوجل وأمازون تقولان إن تقنياتهما محايدة. تزودان الحكومات حول العالم، بما فيها إسرائيل. المسؤولية تقع على المستخدم، لا على المطور.

هذا الموقف يصعب الدفاع عنه. عندما توقع شركة عقداً مع جيش، وتعلم أن هذا الجيش يرتكب جرائم حرب، وتستمر في تزويده بالتقنيات، فإنها تتحمل جزءاً من المسؤولية. عندما توسع قدراتها خصيصاً للاستخدام العسكري، وتعلم أن هذا الاستخدام سيكون في قتل المدنيين، تصبح شريكاً في الجريمة.

التكنولوجيا ليست محايدة. هي تحمل قيماً. هي توجه استخدامات معينة. هي تمكن أفعالاً معينة. شركات التكنولوجيا ليست مجرد بائعين. هي مصممون ومطورون وممكنون. عليهم مسؤولية أخلاقية تجاه ما يبنون.

في مقابلة مع صحيفة "غارديان"، قال أحد موظفي جوجل المفصولين: "لا يمكنك أن تدعي أنك تبني عالماً أفضل، بينما تبيع أدوات قتل للأطفال" .

٢٠. الخلاصة: اقتصاد الإبادة

في النهاية، ما نراه هو "اقتصاد إبادة جماعية" متكامل. شركات أسلحة تنتج القنابل. شركات تكنولوجيا توفر أنظمة الاستهداف. شركات طيران تنقل الذخائر. شركات بناء تهدم البيوت. شركات مياه تحرم الفلسطينيين من الماء. بنوك تمول كل ذلك. وشركات تأمين تؤمن الأرباح.

كل هؤلاء يربحون. أرباحهم ترتفع مع كل مجزرة. أسهمهم تعلو مع كل طفل يقتل. استثماراتهم تزدهر مع كل حي يدمر.

هذا ليس مجرد فساد. هو نظام. نظام رأسمالي استعماري عنصري، كما وصفته ألبانيزي، يجد في إبادة الفلسطينيين فرصة استثمارية. يبيع الأسلحة، ويوفر البنية التحتية، ويمول العمليات، ويؤمن المخاطر، ثم يجني الأرباح.

فرانشيسكا ألبانيزي قالت: "الشركات التي تساهم في دفع نحو محو الوجود الفلسطيني من أرضه، من خلال المساهمة في عمليات الطرد والاستبدال، وتحقيق الأرباح من انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي استمرت لعقود" .

هذه الشركات ليست مجرد متفرج. هي فاعل رئيسي في الإبادة. بدونها، لم تكن إسرائيل لتستطيع فعل ما فعلت. بتمويلها، وتقنياتها، وأسلحتها، ودعمها السياسي، أصبحت الإبادة ممكنة.

لكن هذه الشركات أيضاً يمكن أن تكون هدفاً للمقاومة. حركة المقاطعة نجحت في الضغط على بعضها. مستقبل هذه الحركة سيكون حاسماً. إذا تمكنت من تكرار نجاحها في جنوب إفريقيا، قد تكون عاملاً مهماً في إنهاء الإبادة.

في النهاية، يبقى السؤال: هل الأرباح أهم من الأخلاق؟ هل يمكن للشركات أن تستمر في تبرير تواطئها بينما العالم يراه على شاشات التلفاز؟ أم أن الضغط سيزداد حتى تضطر إلى التغيير؟

التاريخ لم يحسم بعد. لكن فلسطين تنتظر الإجابة.


…….


الفصل السابع عشر: القطاع المصرفي - تمويل الإبادة

١. مقدمة: الدم يُحوّل إلى أرقام

في الاقتصاد الحديث، المال ليس مجرد عملات ورقية أو معدنية. هو أرقام في شاشات، وإشارات إلكترونية تنتقل بين الخوادم، وأرصدة في دفاتر حسابات. لكن خلف هذه الأرقام، هناك دماء. خلف هذه الإشارات، هناك صراخ أطفال تحت الأنقاض. وخلف هذه الدفاتر، هناك جرائم لا توصف.

القطاع المصرفي هو القلب النابض لهذا النظام. هو الذي يضخ السيولة، ويموّل العمليات، ويحوّل الأموال، ويؤمن الاستثمارات. بدون البنوك، لا يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تمول جيشها. بدونها، لا يمكن لشركات الأسلحة أن تنتج قنابلها. بدونها، لا يمكن للمستوطنات أن تُبنى. بدونها، لا يمكن للإبادة أن تستمر.

هذا الفصل هو عن تلك البنوك. عن المؤسسات المالية الكبرى التي تمول آلة القتل الإسرائيلية. عن باركليز في بريطانيا، وبنوك أمريكية كبرى، وبنوك أوروبية، وبنوك عربية متواطئة. عن صناديق التقاعد التي تستثمر في شركات الأسلحة. عن صناديق الثروة السيادية التي تضع أموالها في مشاريع استعمارية. عن النظام المالي العالمي الذي يحوّل الدم إلى أرباح، والإبادة إلى فرصة استثمارية.

في تقريرها الشامل "اقتصاد الإبادة الجماعية"، وثقت فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة، كيف أن القطاع المصرفي يلعب دوراً مركزياً في استمرار الاحتلال والإبادة. البنوك لا تمول فقط، بل تقدم خدمات أساسية: إصدار سندات، إدارة استثمارات، تسهيل تحويلات، تقديم قروض. كل هذه الخدمات تجعل الإبادة ممكنة.

هذه ليست مجرد معاملات تجارية عادية. هي مشاركة في الجريمة. هي استثمار في الموت. هي شراكة في الإبادة. وفي هذا الفصل، سنكشف خيوط هذه الشراكة، ونتتبع الأموال من غرف العمليات في غزة إلى غرف التداول في لندن ونيويورك وفرانكفورت.

٢. باركليز: البنك الذي يمول الإبادة

في قلب مدينة لندن، في مبنى زجاجي شاهق يطل على نهر التايمز، يقع المقر الرئيسي لبنك باركليز (Barclays)، أحد أكبر البنوك في العالم. من هذا المبنى، تُدار استثمارات بمليارات الجنيهات، وتُتخذ قرارات تؤثر على اقتصادات دول بأكملها. وخلال حرب غزة، كان هذا المبنى أيضاً مركزاً لتمويل الإبادة.

حملة التضامن مع فلسطين (Palestine Solidarity Campaign) وثقت تورط باركليز بالتفصيل. تقول الحملة إن باركليز يستثمر أكثر من ٢ مليار جنيه إسترليني في شركات أسلحة تزود إسرائيل بالأسلحة والتكنولوجيا العسكرية المستخدمة في إبادة غزة. بالإضافة إلى ذلك، يقدم البنك قروضاً وخدمات مالية بقيمة ٦.١ مليار جنيه إسترليني لنفس الشركات .

ما هي هذه الشركات؟ الحملة تحددها بالاسم. تشمل شركات بريطانية ودولية تصنع الطائرات الحربية، والصواريخ، والطائرات المسيرة، وأنظمة المراقبة، والمعدات العسكرية الأخرى التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في قصف غزة واجتياح الضفة.

لكن الأخطر من ذلك هو دور باركليز في تمويل الحكومة الإسرائيلية نفسها. باركليز لديه اتفاقية مع إسرائيل ليعمل كـ"متعهد رئيسي" (primary dealer) لسندات الحكومة الإسرائيلية . هذا يعني أن البنك يتولى بيع السندات الإسرائيلية في الأسواق العالمية، ويسهل تدفق الأموال إلى خزينة الدولة التي ترتكب الإبادة.

السندات الحكومية هي أداة تستخدمها الدول لجمع الأموال من المستثمرين. عندما تشتري سنداً إسرائيلياً، أنت تقرض إسرائيل أموالك، وتحصل على فائدة مقابل ذلك. هذه الأموال تذهب إلى الميزانية العامة، وتستخدم في تمويل كل شيء: رواتب الجنود، شراء الأسلحة، بناء المستوطنات، وقصف غزة. باركليز هو الذي يسهل كل هذا.

في يناير ٢٠٢٦، نظمت حملة التضامن مع فلسطين "يوم عمل وطني" لمقاطعة باركليز. دعت الناس إلى إغلاق حساباتهم في البنك، والانضمام إلى احتجاجات أمام فروعه في جميع أنحاء بريطانيا . الشعار كان واضحاً: "باركليز يمول إبادة إسرائيل. لا تكن شريكاً".

الضغط على باركليز بدأ يؤتي ثماره. تقارير صحفية تحدثت عن انخفاض في أرباح البنك بسبب الحملات. لكن الإدارة بقيت متمسكة بموقفها. المتحدث باسم البنك قال إنهم "يلتزمون بالقوانين الدولية" ولا يعلقون على علاقاتهم التجارية. هذه إجابة نمطية تتكرر مع كل البنوك المتواطئة.

٣. جي بي مورغان تشيس: مصرف الحرب والسلم

في الطرف الآخر من الأطلسي، في نيويورك، يقع المقر الرئيسي لـ"جي بي مورغان تشيس" (JPMorgan Chase)، أكبر بنك في الولايات المتحدة، وأحد أكبر البنوك في العالم. رأسماله يتجاوز ٤ تريليونات دولار، ونفوذه يمتد إلى كل ركن في الاقتصاد العالمي . خلال حرب غزة، كان هذا البنك أيضاً لاعباً رئيسياً.

في فبراير ٢٠٢٦، كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن جي بي مورغان في محادثات متقدمة لتقديم خدمات مصرفية لـ"مجلس السلام" (Board of Peace) الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإشراف على إعادة إعمار غزة . المفارقة صادمة: البنك الذي ربما مول الإبادة (عبر استثماراته في شركات الأسلحة والاقتصاد الإسرائيلي) يسعى الآن للاستثمار في إعادة الإعمار.

الخدمات التي يناقشها البنك تشمل "تسهيل المدفوعات من وإلى المجلس" . هذا يعني أنه سيكون المسؤول عن إدارة تدفق الأموال المخصصة لإعادة الإعمار. مليارات الدولارات ستمر عبر حسابات جي بي مورغان. والبنك سيجني عمولات وأرباحاً من هذه العملية.

علاقة جي بي مورغان بإدارة ترامب معقدة. قبل أشهر فقط، رفع ترامب دعوى قضائية ضد البنك ومديره التنفيذي جيمي ديمون، متّهماً إياه بإغلاق حساباته لأسباب سياسية . لكن الخلافات الشخصية لم تمنع التعاون التجاري. ديمون نفسه ينتهج سياسات تتماشى مع أجندة "أمريكا أولاً" لترامب، بما في ذلك هدف توفير ١.٥ تريليون دولار لتمويل الصناعات الحيوية للأمن القومي الأمريكي .

هذا يعني أن جي بي مورغان موجود في كل مكان: في تمويل الحرب، وفي تمويل السلم. في تدمير غزة، وفي إعادة إعمارها. يربح من الدم، ويربح من الدمع. هذه هي الرأسمالية في أنقى صورها.

٤. بنوك أخرى في القائمة: التعقيد المالي

باركليز وجي بي مورغان هما أشهر الأسماء، لكن القائمة تطول. تقرير ألبانيزي ذكر أكثر من ٤٥ كياناً تجارياً بالاسم، وأنشأت قاعدة بيانات تشمل ١٠٠٠ شركة عالمياً متورطة في اقتصاد الإبادة . البنوك تشكل جزءاً كبيراً من هذه القائمة.

من بين البنوك المتورطة:

بنك أوف أميركا (Bank of America) : من أكبر البنوك الأمريكية، له استثمارات واسعة في شركات الأسلحة التي تزود إسرائيل.

ويلز فارجو (Wells Fargo) : بنك أمريكي كبير آخر، متورط في تمويل شركات مرتبطة بالمجمع العسكري الإسرائيلي.

سيتي بنك (Citibank) : يقدم خدمات مصرفية للحكومة الإسرائيلية وشركاتها.

دويتشه بنك (Deutsche Bank) : أكبر بنوك ألمانيا، له علاقات تاريخية وثيقة مع إسرائيل، ويمول شركات ألمانية تبيع أسلحة لتل أبيب.

بي إن بي باريبا (BNP Paribas) : بنك فرنسي كبير، متورط في تمويل شركات مرتبطة بالاستيطان والمجمع العسكري الإسرائيلي .

كريدي أجريكول (Crédit Agricole) : بنك فرنسي آخر، له استثمارات في إسرائيل.

إنتيزا سان باولو (Intesa Sanpaolo) : أكبر بنك في إيطاليا، له علاقات تجارية مع إسرائيل.

هذه البنوك لا تعمل في فراغ. هي جزء من نظام مالي عالمي معقد، حيث الأموال تنتقل بسرعة، والاستثمارات متشابكة، والمسؤوليات مشتتة. لكن هذا لا يعفيها من المسؤولية. هي تختار استثمار أموالها في شركات تقتل الفلسطينيين. هي تختار تمويل حكومة ترتكب إبادة. هي تختار الربح على حساب الأخلاق.

٥. صندوق النرويج السيادي: ضمير مستيقظ؟

صندوق الثروة السيادي النرويجي (Government Pension Fund Global) هو أكبر صندوق سيادي في العالم، تبلغ قيمته حوالي ٢٠.٤٤٠ مليار كرونة نرويجية (حوالي ١.٧٤ تريليون يورو) . هذا الصندوق مملوك للدولة النرويجية، ويدير عائدات النفط والغاز النرويجية. وهو خاضع لمعايير أخلاقية صارمة تحدد الشركات التي يمكن الاستثمار فيها.

خلال حرب غزة، أصبح هذا الصندوق محط أنظار النشطاء. لجنة فلسطين في النرويج (Palestinakomiteen) قدمت شكوى رسمية إلى النيابة العامة النرويجية، تتهم فيها إدارة الصندوق ووزارة المالية ومسؤولين كباراً، بمن فيهم الرئيس التنفيذي نيكولاي تانغن، بـ"التواطؤ في جرائم حرب" من خلال استثمارات مرتبطة بالحملة العسكرية الإسرائيلية وأنشطة في الأراضي المحتلة .

ماذا استثمر الصندوق فيه؟ الشكوى تذكر شركات عدة، من بينها:

· بيت شيمش إنجنز (Bet Shemesh Engines) : شركة إسرائيلية تقوم بصيانة الطائرات التي يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي . بعد تقارير صحفية كشفت هذا الاستثمار، طلب رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره مراجعة كاملة، وقام الصندوق لاحقاً ببيع حصته في الشركة.
· شركات أخرى تعمل في مجال الطيران والدفاع، لها عقود مع الجيش الإسرائيلي.
· شركات لها أنشطة تجارية في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، والتي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.

الشكوى تستند إلى تقارير الأمم المتحدة وأحكام محكمة العدل الدولية، التي اعتبرت أن إسرائيل ترتكب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي. وتجادل بأن إدارة الصندوق كان يجب أن تدرك المخاطر المرتبطة بهذه الاستثمارات، وتتخذ إجراءات قبل فوات الأوان.

حتى نوفمبر ٢٠٢٥، كان مجلس إدارة البنك المركزي النرويجي يتخذ قرارات استبعاد الشركات بناءً على توصيات من مجلس الأخلاقيات. لكن إرشادات مؤقتة جديدة أوقفت هذه العملية ريثما تتم مراجعة شاملة للنظام . هذا يعني أن الشركات المتواطئة قد تفلت من المراجعة في هذه الفترة.

قضية الصندوق النرويجي مهمة لأنها تمثل سابقة. إذا نجحت الشكوى، فإنها ستفتح الباب أمام ملاحقات قضائية مماثلة ضد صناديق سيادية أخرى في أوروبا والعالم.

٦. صناديق التقاعد: أموال العمال في خدمة القتل

صناديق التقاعد هي أموال العمال. هي مدخراتهم للمستقبل، أمانهم بعد التقاعد، ضمانهم لحياة كريمة. في بريطانيا وأوروبا وأمريكا، تُستثمر هذه الأموال في أسواق المال لتنمو وتزيد. وخلال حرب غزة، اكتشف الكثيرون أن أموالهم تستثمر في شركات تموت الإبادة.

حملات المقاطعة استهدفت صناديق تقاعد كبرى. في بريطانيا، كشفت تحقيقات أن أكبر صناديق التقاعد البريطانية لديها استثمارات بملايين الجنيهات في شركات أسلحة تزود إسرائيل. عمال بريطانيون، كثيرون منهم متضامنون مع فلسطين، اكتشفوا أن معاشاتهم تمول قتل الأطفال في غزة.

جامعات بريطانية وأمريكية شهدت احتجاجات طلابية للمطالبة بسحب استثماراتها من هذه الصناديق. في جامعة كاليفورنيا، صوت مجلس الطلاب لصالح سحب الاستثمارات من شركات مرتبطة بإسرائيل. في جامعة هارفارد، نظم طلاب اعتصامات للمطالبة بنفس الشيء.

صناديق التقاعد الكبرى بدأت تشعر بالضغط. بعضها أعلن مراجعة استثماراته. بعضها الآخر قرر بيع حصص في شركات مثيرة للجدل. لكن التغيير بطيء، والأموال لا تزال تتدفق.

٧. البنوك العربية والإسلامية: صمت التواطؤ

القطاع المصرفي العربي والإسلامي لم يكن بعيداً عن التواطؤ. بنوك خليجية كبرى لها استثمارات وعلاقات مع بنوك إسرائيلية، مباشرة أو غير مباشرة. بنوك أردنية ومصرية تتعامل مع نظرائها الإسرائيليين. وحتى بنوك في دول لم تطبع مع إسرائيل، لها علاقات مالية عبر وسطاء.

الإمارات، بعد التطبيع مع إسرائيل عام ٢٠٢٠، شهدت تدفقاً كبيراً للاستثمارات والعلاقات المصرفية. بنوك إماراتية فتحت خطوط ائتمان مع بنوك إسرائيلية. مستثمرون إماراتيون ضخوا أموالاً في الاقتصاد الإسرائيلي. هذه العلاقات استمرت خلال الحرب على غزة، رغم الانتقادات الشعبية.

البحرين، التي طبعت أيضاً، سارت على نفس الدرب. المغرب فتح علاقات مصرفية مع إسرائيل. السودان، رغم وضعه الصعب، دخل في اتفاقيات مماثلة.

هذه البنوك العربية تبرر موقفها بأنها "تتعامل مع القطاع الخاص" وليس مع الحكومة. لكن هذا تبرير واهٍ. الأموال لا تفرق بين خاص وعام. كل استثمار يدعم الاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي يدعم آلة الحرب. كل قرض لشركة إسرائيلية يحرر أموالاً للحكومة لتنفقها على القتل.

الصمت العربي في مواجهة هذه العلاقات هو جزء من التواطؤ. حكومات عربية تمنع الاحتجاجات، وتصادر الأصوات المنتقدة، وتستمر في التعامل مع إسرائيل. والبنوك العربية تنفذ السياسة الرسمية، وتستفيد من العلاقات التجارية.

٨. البنك الدولي: شريك في إعادة الإعمار؟

في فبراير ٢٠٢٦، أعلن رئيس البنك الدولي أجاي بانغا عن إنشاء "صندوق غزة لإعادة الإعمار والتنمية" (Gaza Reconstruction and Development Fund) . الصندوق سيكون مقره في البنك الدولي، وسيتولى إدارة المساهمات الدولية المخصصة لإعادة بناء القطاع.

دور البنك الدولي، حسب بانغا، هو دور "أمين محدود" (limited trustee). سيدير التبرعات الواردة، ويصرف الأموال لتغطية مشاريع إعادة الإعمار، تحت إشراف "مجلس السلام" الذي يرأسه ترامب .

بانغا أكد على الشفافية: "أنتم كمانحين تستحقون الحق في معرفة أن الأموال تُستخدم بشفافية". وأضاف أن البنك عين "مراقباً مالياً" للإشراف على العملية .

البنك الدولي يقدم أيضاً خدمات أخرى: الاستفادة من التمويل العام لجذب استثمارات خاصة، وتقليل مخاطر الاستثمار للشركات الراغبة في المشاركة، والاستفادة من الخبرة الميدانية في مناطق الصراع الأخرى .

هذا يعني أن البنك الدولي، المؤسسة المالية الدولية الأكبر، سيكون شريكاً في إعادة إعمار غزة. لكن السؤال الذي يطرحه النقاد: كيف يمكن للبنك أن يتعامل مع إسرائيل التي دمرت غزة، دون محاسبتها على جرائمها؟ كيف يمكنه أن يشارك في إعادة البناء دون المشاركة في إنفاذ العدالة؟

البنك الدولي ليس طرفاً محايداً في الصراع. هو مؤسسة تهيمن عليها الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة. دوره في إعادة الإعمار قد يكون غطاءً لتطبيع الاحتلال، وتكريس واقع جديد لا يحاسب المجرمين.

٩. "مجلس السلام": صفقة القرن المصرفية

"مجلس السلام" (Board of Peace) الذي أنشأه ترامب هو كيان فريد. ليس منظمة دولية تقليدية، بل هيئة خاصة يرأسها ترامب شخصياً، وتضم شخصيات مقربة منه، من بينها صهره جاريد كوشنر، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، والمبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف .

المجلس حصل على دعم من قرار لمجلس الأمن الدولي بعد اتفاق وقف إطلاق النار . وحتى الآن، وافقت حوالي ٢٤ دولة على الانضمام إليه . الدول التي تلتزم بمليار دولار على الأقل في السنة الأولى تحصل على عضوية دائمة، بدلاً من العضوية العادية لمدة ثلاث سنوات.

المجلس سيشرف على صندوق إعادة الإعمار الذي يديره البنك الدولي. لجنة تنفيذية تدير الشؤون المالية، وتضع آليات الرقابة على الميزانيات والحسابات . كما تم تشكيل "لجنة وطنية لإدارة غزة" من ١٤ تكنوقراطياً فلسطينياً، تشرف على الحكم اليومي تحت قيادة اللجنة التنفيذية .

في اجتماعه الأول في واشنطن، أعلن المجلس أن الدول الأعضاء التزمت بأكثر من ٥ مليارات دولار للمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار . ملادينوف تحدث عن "صندوق استئماني للبنك الدولي" لإدارة المساعدات .

هذا الهيكل المالي المعقد يثير أسئلة كثيرة. من يتحكم حقاً في الأموال؟ كيف تُتخذ القرارات؟ ما هي معايير الشفافية؟ وهل سيتم محاسبة إسرائيل قبل إعادة الإعمار، أم أن العالم سيمحو جرائمها ويبدأ من جديد؟

١٠. كوشنر و"أفينيتي بارتنرز": المصالح الخاصة

في قلب "مجلس السلام" يقف جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره السابق. كوشنر ليس مجرد شخصية سياسية، بل هو أيضاً مستثمر ورجل أعمال. وهو يدير صندوقاً استثمارياً اسمه "أفينيتي بارتنرز" (Affinity Partners) ، يستثمر مليارات الدولارات نيابة عن صناديق ثروة سيادية خليجية.

هذا المزيج بين الدور السياسي والمصالح الخاصة يثير تساؤلات جدية حول تضارب المصالح. في يناير ٢٠٢٦، كشف كوشنر في منتدى دافوس عن "خطة رئيسية" لإعادة إعمار غزة بقيمة ٣٠ مليار دولار، تتضمن بناء أبراج مستقبلية وبنى تحتية حديثة . الخطة تحول معالم غزة التاريخية إلى مناطق صناعية ومراكز بيانات ومنتجعات سياحية .

في اجتماع "مجلس السلام"، حاول كوشنر تقليل المخاوف من الاستفادة الشخصية. قال إن فريق المشروع يتكون من متطوعين يبذلون جهوداً كبيرة دون السعي لتحقيق أرباح شخصية . لكن هذه التصريحات تتعارض مع تقارير عن فرص استثمارية هائلة يسعى الحاضرون في الاجتماع لاغتنامها.

ووثائق مسربة تحدثت عن عقود تُمنح لشركات أمريكية متخصصة في الاستجابة للكوارث، بأرباح تصل إلى ٣٠٠٪ مقابل احتكار خدمات النقل واللوجستيات لسنوات . وعروض استثمارية وعدت بعوائد سنوية تتراوح بين ٤٦٪ و١٧٥٪ خلال السنة الأولى من العمل في "نظام الإمداد الجديد لغزة" .

هذه الأرقام تكشف الوجه الحقيقي للمشروع: ليس إعادة إعمار إنسانية، بل فرصة استثمارية كبرى للشركات الكبرى والمقربين من السلطة. غزة تتحول إلى سوق للاستثمار، وسكانها مجرد عائق يجب تجاوزه.

١١. مارك روان وأبولو: تقدير الأصول

مارك روان، الرئيس التنفيذي لشركة "أبولو غلوبال مانجمنت" (Apollo Global Management)، هو عضو آخر في "مجلس السلام". وهو أحد أقطاب المال في وول ستريت.

في اجتماع المجلس، قدم روان تقديراً للقيمة الاقتصادية لأصول غزة. حسب حساباته، فإن قيمة الساحل، والمخزون السكني، والبنية التحتية، تتجاوز ١١٥ مليار دولار . وأكد أن هذه الأصول تحتاج فقط إلى فتحها للاستثمار العالمي والتمويل اللازم .

هذا التقدير صادم في بساطته المادية. غزة ليست مجرد "أصول" يمكن تقييمها وبيعها. غزة هي وطن لمليوني إنسان. الساحل ليس "عقاراً ساحلياً"، بل هو شاطئ كان أطفال غزة يلعبون عليه قبل أن تقصفهم الطائرات. المخزون السكني ليس "وحدات سكنية"، بل بيوت دمرت فوق رؤوس ساكنيها.

لكن في لغة الرأسمالية، كل شيء يتحول إلى سلعة. حتى الموت والدمار يتحولان إلى "فرص استثمارية". روان يعبر عن هذه الرؤية بصراحة: غزة أصول غير مستغلة، تحتاج فقط إلى رأس المال لتحقيق قيمتها الحقيقية.

١٢. يائير جاباي: "ريفييرا المتوسط"

يائير جاباي، الملياردير الإسرائيلي وعضو "مجلس السلام"، قدم رؤيته لمستقبل غزة. دعا إلى تحويل ساحل قطاع غزة إلى ما أسماه "ريفييرا المتوسط" (Mediterranean Riviera) . رؤيته تتضمن بناء حوالي ٢٠٠ فندق، ومنتجعات سياحية، وجزر اصطناعية .

جاباي يعتبر الساحل "أصلاً عقارياً غير مستغل" يمكن أن يغير الوجه الاقتصادي للمنطقة . هذه الرؤية تتجاهل حقيقة أن هذا الساحل كان مأهولاً بسكان دمرت بيوتهم. تتجاهل أن غزة تحت الحصار، وأن سكانها يعانون من الفقر والمرض والموت. تتجاهل أن الأولوية ليست بناء فنادق، بل توفير مأوى ودواء وغذاء.

لكن جاباي ليس الوحيد. المطورون العقاريون والمستثمرون يتحلقون حول "مجلس السلام" مثل الذباب حول العسل. غزة المدمرة هي فرصتهم الكبرى. يمكنهم شراء الأراضي بثمن بخس، وبناء مشاريع ضخمة، وتحقيق أرباح خيالية. وسكان غزة؟ سيكونون إما عمالاً بأجور زهيدة، أو لاجئين في مكان آخر.

١٣. من العراق إلى أفغانستان: سيناريو متكرر

المراقبون الذين تابعوا حروب أمريكا في العراق وأفغانستان يرون تشابهاً صارخاً مع ما يخطط له الآن في غزة. في العراق، بعد الغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣، تدفقت مليارات الدولارات لإعادة الإعمار. شركات أمريكية كبرى مثل هاليبرتون (Halliburton) وبيختل (Bechtel) حصلت على عقود ضخمة. الكثير من هذه الأموال هُدر أو سُرِق. وقليل منها وصل إلى العراقيين فعلاً.

في أفغانستان، تكرر السيناريو نفسه. عقود بمليارات الدولارات لشركات أمنية وشركات بناء، وقليل من التنمية الحقيقية. تقارير "مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد" (OCCRP) كشفت عن شبكات فساد واسعة، وسرقة أموال المساعدات، وتواطؤ مسؤولين محليين ودوليين .

تقارير مسربة عن "مجلس السلام" تشير إلى أن نفس السيناريو يخطط له في غزة. مقاولون دوليون يشبهون الوضع في غزة بما حدث في العراق وأفغانستان، حيث "تسارع رجال الأعمال والشركات الكبرى للثراء من عقود إعادة الإعمار الممولة دولياً" .

الفرق أن غزة أصغر، وأكثر كثافة سكانية، وأكثر تدميراً. فرص الربح هائلة. والمنافسة على العقود شرسة. شركات أمريكية كبرى تتنافس على عقود إعادة الإعمار، بينما يتضور سكان غزة جوعاً تحت الأنقاض.

١٤. سندات إسرائيل: الدين في خدمة الإبادة

واحدة من أكثر الأدوات المالية إثارة للجدل هي "سندات إسرائيل" (Israel Bonds). هذه السندات تصدرها الحكومة الإسرائيلية لتمويل ديونها. يشتريها مستثمرون من جميع أنحاء العالم، وتحصل على عائد ثابت.

باركليز، كما ذكرنا، هو "متعهد رئيسي" لهذه السندات . لكنه ليس الوحيد. بنوك استثمارية كبرى في أمريكا وأوروبا تشارك في تسويق وبيع هذه السندات.

عندما تشتري سنداً إسرائيلياً، أنت تقرض إسرائيل أموالك. إسرائيل تستخدم هذه الأموال لتمويل ميزانيتها، بما في ذلك الإنفاق العسكري. في زمن الحرب، هذا يعني أن أموالك تتحول إلى قنابل وصواريخ تقتل الفلسطينيين.

حملات المقاطعة دعت المستثمرين الأفراد والمؤسسات إلى التوقف عن شراء هذه السندات. بعض الصناديق استجابت. بعض الجامعات سحبت استثماراتها. لكن الطلب لا يزال قوياً، خاصة من المستثمرين اليهود في أمريكا وأوروبا الذين يعتبرون شراء السندات دعماً لإسرائيل.

في ٢٠٢٤، أصدرت إسرائيل سندات بقيمة ٦ مليارات دولار في الأسواق الدولية . هذه الأموال ساعدت في تمويل الحرب. المستثمرون الذين اشتروا هذه السندات أصبحوا شركاء في الإبادة.

١٥. بنوك إسرائيلية: في قلب النظام

لا يمكن إغفال دور البنوك الإسرائيلية نفسها. بنوك مثل هبوعليم (Hapoalim)، وليئومي (Leumi)، وبنك ديسكونت (Discount)، وبنك مزراحي تيفاهوت (Mizrahi Tefahot) هي العمود الفقري للنظام المالي الإسرائيلي. وهي متورطة بشكل مباشر في تمويل الاحتلال والإبادة.

هذه البنوك:

· تمول شركات الأسلحة الإسرائيلية.
· تمول بناء المستوطنات في الضفة الغربية.
· تقدم قروضاً للجيش الإسرائيلي والمؤسسات الأمنية.
· تتعامل مع أموال المستوطنين والمنظمات الاستيطانية.
· تقدم خدمات مالية للحكومة الإسرائيلية.
· تدير حسابات المنظمات غير الحكومية اليمينية التي تشجع الاستيطان.
· تمول مشاريع البنية التحتية في المستوطنات، من طرق إلى مدارس إلى مصانع.

بعض هذه البنوك لها فروع في الخارج، أو علاقات مراسلة مع بنوك دولية. وهذا يعني أن الأموال الدولية تتدفق إليها، وتستخدم في تمويل الجرائم.

حملات المقاطعة استهدفت هذه البنوك أيضاً. في أوروبا، نظمت احتجاجات أمام فروع بنك هبوعليم. في أمريكا، طالب ناشطون صناديق التقاعد بسحب استثماراتها منها. لكن التأثير محدود حتى الآن.

تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" وثقت تورط هذه البنوك في جرائم دولية. قالت إن تمويل المستوطنات غير قانوني بموجب القانون الدولي، وإن البنوك التي تقدم هذه الخدمات تتحمل مسؤولية جنائية.

١٦. النظام المالي العالمي: كيف يعمل التواطؤ

ما نراه هو نظام متكامل. ليس مجرد بنوك منعزلة، بل شبكة مالية عالمية تجعل الإبادة ممكنة.

على مستوى التمويل المباشر: بنوك تقدم قروضاً وسلفاً للحكومة الإسرائيلية وشركاتها. هذه القروض تمكن الحكومة من الاستمرار في الإنفاق العسكري دون الحاجة إلى زيادة الضرائب أو خفض الخدمات.

على مستوى الاستثمار: صناديق تستثمر في شركات الأسلحة الإسرائيلية والعالمية التي تزود إسرائيل. هذه الاستثمارات توفر رأس المال لشركات الأسلحة لتوسيع إنتاجها وتطوير أسلحة جديدة.

على مستوى الخدمات: بنوك تقدم خدمات مصرفية يومية للحكومة والجيش والشركات. هذه الخدمات تشمل إدارة الحسابات، وتحويل الأموال، وإصدار بطاقات الائتمان، وتقديم القروض الصغيرة. بدون هذه الخدمات، لا يمكن للاقتصاد أن يعمل.

على مستوى إصدار السندات: بنوك تسوق وتبيع سندات إسرائيل في الأسواق العالمية. هذه السندات تجذب استثمارات من صناديق التقاعد وصناديق التحوط والمستثمرين الأفراد. كل من يشتري سنداً يصبح دائناً لإسرائيل، وشريكاً في سياساتها.

على مستوى إعادة الإعمار: بنوك وصناديق تستعد للاستثمار في إعادة بناء ما دمرته إسرائيل، وغالباً ما تكون نفس الجهات التي مولت التدمير. هذا هو أكثر أشكال التواطؤ إثارة للاشمئزاز: نفس الأموال التي مولت القتل، ستمول الآن بناء ما قتل.

كل مستوى من هذه المستويات يعتمد على الآخر. كلها تشكل دورة متكاملة من الربح: تدمير ثم إعمار، قتل ثم بناء، إبادة ثم استثمار.

فرانشيسكا ألبانيزي وصفت هذا النظام بأنه "اقتصاد إبادة جماعية" . اقتصاده يعني أن الإبادة ليست مجرد حدث عسكري، بل هي قطاع اقتصادي قائم بذاته، له موردوه ومستثمروه ومستفيدوه.

١٧. الإطار القانوني: المسؤولية الجنائية للبنوك

هل يمكن محاسبة البنوك قانونياً على تورطها في الإبادة؟ هذا سؤال معقد، لكن هناك سوابق وآليات.

المسار الأول: المسؤولية الجنائية للشركات. في العديد من الدول، يمكن ملاحقة الشركات (بما فيها البنوك) جنائياً إذا ارتكبت أو ساهمت في جرائم. في بريطانيا، قانون الرشوة (Bribery Act) وقانون الجرائم الخطيرة (Serious Crime Act) يسمحان بمقاضاة الشركات. في فرنسا، قانون "الواجب اليقظة" (Devoir de Vigilance) يلزم الشركات الكبرى بمراقبة سلاسل توريدها ومنع التواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان.

المسار الثاني: الدعاوى المدنية. يمكن للضحايا أو منظمات حقوق الإنسان رفع دعاوى مدنية ضد البنوك للمطالبة بتعويضات. في الولايات المتحدة، قانون دعاوى الأجانب (Alien Tort Statute) استخدم في قضايا مشابهة. في قضية "كيهوبي ضد رويال داتش شل" (Kiobel v. Royal Dutch Shell)، حاول ناشطون نيجيريون مقاضاة شركة شل لتواطئها في انتهاكات حقوق الإنسان. القضية لم تنجح، لكنها شكلت سابقة.

المسار الثالث: حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات. هذا مسار غير قضائي، لكنه فعال. حركة المقاطعة (BDS) نجحت في الضغط على بنوك وصناديق لسحب استثماراتها. في ٢٠٢٤، أعلن بنك "دانسكي" (Danske Bank) الدنماركي سحب استثماراته من شركة كاتربيلر (Caterpillar) بسبب تورطها في هدم المنازل الفلسطينية . في ٢٠٢٥، سحب بنك "إنغ" (ING) الهولندي استثماراته من بنوك إسرائيلية .

المسار الرابع: التحكيم الدولي. يمكن للدول المتضررة (مثل فلسطين) اللجوء إلى التحكيم الدولي للمطالبة بتعويضات من الشركات المتواطئة. في ٢٠٢٥، أعلنت السلطة الفلسطينية أنها تدرس رفع دعوى تحكيم ضد شركات نفط عالمية استثمرت في مستوطنات بالضفة الغربية .

الشكوى المقدمة ضد الصندوق النرويجي تمثل نموذجاً لهذا المسار القانوني. لجنة فلسطين في النرويج تستند إلى القانون الجنائي النرويجي، وتطالب بمحاكمة المسؤولين عن قرارات الاستثمار . إذا نجحت، فستكون سابقة تفتح الباب أمام ملاحقات مماثلة ضد صناديق سيادية أخرى.

خبراء قانونيون يرون أن هناك قضية قوية ضد البنوك. لأنها لا تستطيع أن تدعي الجهل. لأن تورطها موثق. لأن الاستثمار في جرائم حرب يعتبر جريمة في حد ذاته.

١٨. حركة المقاطعة: نجاحات وتحديات

حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) هي الأداة الأكثر فعالية حتى الآن لمواجهة التواطؤ المالي. الحركة تأسست عام ٢٠٠٥، ودعت إلى مقاطعة إسرائيل حتى تلتزم بالقانون الدولي.

في قطاع البنوك، حققت الحركة نجاحات محدودة لكنها مهمة:

· في ٢٠٢٥، نجحت حملات المقاطعة في الضغط على سلسلة سوبرماركت "كارفور" للانسحاب من البحرين والكويت .
· في بريطانيا، حملة مقاطعة باركليز تسببت في إغلاق آلاف الحسابات، واهتزاز سمعة البنك .
· في النرويج، الضغط على الصندوق السيادي أدى إلى بيع حصص في شركات مثيرة للجدل.
· في جامعات أمريكية، طلاب نجحوا في الضغط على إداراتهم لسحب استثمارات من شركات متواطئة.
· في ٢٠٢٦، أعلنت بلدية برشلونة سحب استثماراتها من بنوك إسرائيلية .
· في ٢٠٢٥، أعلنت كنيسة إنجلترا سحب استثماراتها من شركات تعمل في المستوطنات .

لكن التحديات كبيرة. النظام المالي معقد، والأموال تتحرك بسرعة، والعلاقات متشابكة. مقاطعة بنك عالمي مثل جي بي مورغان أو باركليز شبه مستحيلة للأفراد العاديين، لأن هذه البنوك تقدم خدمات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

كما أن حركة المقاطعة تواجه حملات تشويه وقوانين قمعية. في الولايات المتحدة، أصدرت أكثر من ٣٠ ولاية قوانين تجرم مقاطعة إسرائيل . في ألمانيا، صنفت الحكومة BDS كحركة "معادية للسامية" في بعض السياقات . هذه القوانين تهدف إلى ترهيب النشطاء ومنعهم من ممارسة حقهم في المقاطعة.

لكن رغم ذلك، الحركة تنمو. الوعي يزداد. والضغط يتصاعد.

١٩. مستقبل التمويل: ماذا يمكن أن يحدث؟

ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل؟ هناك عدة سيناريوهات.

السيناريو الأول: استمرار الوضع الحالي. تستمر البنوك في تمويل إسرائيل، وتستمر الحملات في الضغط، ويستمر التوازن الهش. هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير.

السيناريو الثاني: تصعيد المقاطعة. تنجح حملات المقاطعة في الضغط على بنوك كبرى لسحب استثماراتها. ينسحب باركليز من سوق السندات الإسرائيلية. تبيع صناديق التقاعد حصصها في شركات الأسلحة. يحدث تأثير الدومينو. هذا ممكن، لكنه يحتاج إلى تصعيد كبير في الضغط الشعبي.

السيناريو الثالث: إجراءات قانونية ناجحة. تنجح الشكوى ضد الصندوق النرويجي. تصدر أحكام قضائية تلزم البنوك بدفع تعويضات. تبدأ البنوك في مراجعة استثماراتها خوفاً من الملاحقة القانونية. هذا سيغير قواعد اللعبة.

السيناريو الرابع: تغيير في السياسات الحكومية. تفرض حكومات أوروبية عقوبات على البنوك المتواطئة. يصدر الاتحاد الأوروبي توجيهات تلزم البنوك بالكشف عن استثماراتها في المستوطنات. يحدث تغيير من الأعلى. هذا ممكن إذا تغيرت موازين القوى السياسية.

السيناريو الخامس: انهيار النظام المالي. أزمة اقتصادية عالمية كبرى تجعل الاستثمارات في إسرائيل أقل جاذبية. تنخفض قيمة السندات الإسرائيلية. تتراجع البنوك عن استثماراتها. هذا سيناريو غير مرجح، لكنه ليس مستحيلاً.

أياً كان السيناريو، هناك شيء واحد مؤكد: القطاع المصرفي لن يبقى بمنأى عن المساءلة إلى الأبد. الضغط يتصاعد. الوعي يزداد. والعدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم.

٢٠. الخلاصة: تمويل الموت

في النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي: كيف يمكن للبنوك أن تمول الإبادة بينما العالم يراقب؟ كيف يمكن لصناديق التقاعد أن تستثمر في شركات تنتج أسلحة تقتل الأطفال؟ كيف يمكن للبنوك الدولية أن تغض الطرف عن جرائم شركائها؟

الجواب بسيط: لأن المال أعمى. لأن الربح أهم من الأخلاق. لأن الرأسمالية لا تعرف الضمير.

لكن هذا لا يعني أن لا أمل. حملات المقاطعة تنجح. الوعي يزداد. البنوك بدأت تشعر بالضغط. المستقبل ليس محكوماً مسبقاً.

فرانشيسكا ألبانيزي قالت في تقريرها: "الشركات التي تساهم في دفع نحو محو الوجود الفلسطيني من أرضه، من خلال المساهمة في عمليات الطرد والاستبدال، وتحقيق الأرباح من انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية التي استمرت لعقود" .

هذه الشركات ليست مجرد متفرج. هي فاعل رئيسي في الإبادة. بدونها، لم تكن إسرائيل لتستطيع فعل ما فعلت. بتمويلها، وتقنياتها، وأسلحتها، ودعمها السياسي، أصبحت الإبادة ممكنة.

لكن هذه الشركات أيضاً يمكن أن تكون هدفاً للمقاومة. حركة المقاطعة نجحت في الضغط على بعضها. مستقبل هذه الحركة سيكون حاسماً. إذا تمكنت من تكرار نجاحها في جنوب إفريقيا، قد تكون عاملاً مهماً في إنهاء الإبادة.

في النهاية، يبقى السؤال: هل الأرباح أهم من الأخلاق؟ هل يمكن للشركات أن تستمر في تبرير تواطئها بينما العالم يراه على شاشات التلفاز؟ أم أن الضغط سيزداد حتى تضطر إلى التغيير؟

التاريخ لم يحسم بعد. لكن فلسطين تنتظر الإجابة. وكل منا، بقراراته الاستهلاكية، واستثماراته، وصوته، يمكن أن يكون جزءاً من الإجابة.

الدم الفلسطيني ليس سلعة. لا يمكن أن يكون مادة للمضاربة في أسواق المال. لا يمكن أن يكون ضماناً لقروض بنكية. لا يمكن أن يكون رهناً لصناديق التقاعد.

الدم الفلسطيني هو دم. والأطفال الفلسطينيون هم أطفال. والحياة الفلسطينية هي حياة. ويجب أن تحترم.

حتى تعترف البنوك بذلك، سنستمر في المقاطعة. حتى تنسحب الشركات من اقتصاد الإبادة، سنستمر في الضغط. حتى تعود الأرض لأصحابها، سنستمر في النضال.

هذا هو الطريق. وهذا هو الوعد.




……



الفصل الثامن عشر: حركة المقاطعة - مقاومة من الداخل

١. مقدمة: عندما يصبح المستهلك مقاوماً

في صباح يوم عادي في مدينة برمنغهام البريطانية، وقفت سيدة في الخمسينيات من عمرها أمام فرع بنك باركليز. لم تكن تحمل سلاحاً، ولا لافتة، ولا حتى منشوراً. كانت تحمل فقط بطاقتها البنكية. دخلت إلى البنك، وطلبت إنهاء حسابها. عندما سألها الموظف عن السبب، قالت ببساطة: "لأنكم تمولون الإبادة في غزة". ثم خرجت.

في نفس الأسبوع، وفي جامعة كولومبيا بنيويورك، كان طلاب ينامون في خيام في ساحة الحرم الجامعي. لم يكونوا بلا مأوى. كانوا يحتجون. مطالبهم كانت واضحة: تسحب الجامعة استثماراتها من الشركات المتواطئة مع إسرائيل. بعد أسابيع من الاعتصام، استدعت الشرطة، واعتقلت العشرات، وفضت الخيام. لكن الطلاب عادوا في اليوم التالي.

في النرويج، رفع محامون دعوى قضائية ضد إدارة أكبر صندوق سيادي في العالم، متهمين إياها بالتواطؤ في جرائم حرب من خلال استثماراتها في شركات تزود إسرائيل بالأسلحة. في جنوب إفريقيا، قاطعت سلسلة سوبرماركت كبرى المنتجات الإسرائيلية بعد حملة شعبية عنيفة. وفي ماليزيا، منعت الحكومة سفن الشحن الإسرائيلية من الرسو في موانئها.

هذه المشاهد المتفرقة ليست حوادث منعزلة. هي جزء من حركة عالمية منظمة، اسمها "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS). حركة بدأت صغيرة عام ٢٠٠٥، بدعوة من ١٧١ منظمة مجتمع مدني فلسطيني، ونمت خلال عقدين لتصبح واحدة من أكثر حركات التضامن فعالية في التاريخ الحديث.

هذا الفصل هو عن تلك الحركة. عن تاريخها، وأهدافها، وإستراتيجياتها. عن نجاحاتها وإخفاقاتها. عن التحديات التي تواجهها، والهجمات التي تتعرض لها. عن قدرتها على تحويل المستهلك العادي إلى مقاوم، والجامعة إلى ساحة نضال، والبنك إلى هدف للضغط. عن كيف أن من لا يملكون جيوشاً، ولا دبابات، ولا طائرات، يستخدمون ما يملكون: قرارهم الاستهلاكي، وأموالهم، وأصواتهم، وإصرارهم على أن العدالة ممكنة.

في عالم تسيطر فيه الشركات العملاقة على الاقتصاد، وتتحكم فيه البنوك بتدفق الأموال، أصبحت المقاطعة سلاحاً فعالاً. ليس سلاحاً يقتل، بل سلاحاً يضغط. ليس سلاحاً يدمر، بل سلاحاً يغير. وفي مواجهة آلة حربية ضخمة مدعومة من أقوى دول العالم، قد تكون المقاطعة هي الأمل الوحيد.

٢. نشأة الحركة: من ٢٠٠٥ إلى اليوم

في ٩ يوليو ٢٠٠٥، في الذكرى الأولى لحكم محكمة العدل الدولية بعدم قانونية جدار الفصل العنصري، أعلنت ١٧١ منظمة من المجتمع المدني الفلسطيني عن تأسيس "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS). كان الإعلان واضحاً، مباشراً، وقوياً: ندعو المنظمات الدولية، والمجتمع المدني العالمي، وأهل الضمير في كل مكان، إلى مقاطعة إسرائيل حتى تلتزم بالقانون الدولي .

لم تكن الفكرة جديدة. المقاطعة كسلاح سياسي استخدمت مرات عديدة في التاريخ. حركة مقاطعة المنتجات البريطانية في الهند أيام غاندي، ومقاطعة المنتجات الأمريكية في العالم العربي، ومقاطعة جنوب إفريقيا خلال نظام الفصل العنصري، كلها كانت سوابق مهمة. لكن ما كان جديداً في BDS هو تنظيمها، وشموليتها، وتحديد أهدافها.

الأهداف الثلاثة للحركة كانت واضحة منذ البداية:

١. إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة منذ ١٩٦٧، وتفكيك جدار الفصل العنصري.
٢. الاعتراف بالحقوق الأساسية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في المساواة الكاملة.
٣. احترام وحماية وتعزيز حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وفقاً للقرار ١٩٤ الصادر عن الأمم المتحدة .

هذه الأهداف الثلاثة تستند جميعها إلى القانون الدولي، وإلى حقوق الإنسان الأساسية. ليست مطالب ثورية، بل مطالب بالحد الأدنى من العدالة. ليس إنهاء إسرائيل، بل إنهاء انتهاكاتها. ليس طرد اليهود، بل مساواة الجميع.

الحركة دعت إلى ثلاثة أشكال من المقاطعة:

المقاطعة الاقتصادية: مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والشركات التي تستثمر في إسرائيل، والبنوك التي تمولها.

المقاطعة الأكاديمية: قطع العلاقات الأكاديمية مع المؤسسات الإسرائيلية المتواطئة مع الاحتلال.

المقاطعة الثقافية: مقاطعة الفعاليات الثقافية الإسرائيلية المدعومة رسمياً، ومقاطعة الفنانين الذين يؤدون في إسرائيل.

بالإضافة إلى ذلك، دعت الحركة إلى سحب الاستثمارات من الشركات المتواطئة، والضغط على الحكومات لـفرض عقوبات على إسرائيل.

منذ ذلك اليوم، نمت الحركة بشكل مطرد. من مجموعة صغيرة من المنظمات الفلسطينية، إلى شبكة عالمية تضم آلاف المنظمات وملايين الأفراد. من نداءات متواضعة في المؤتمرات، إلى حملات عالمية تهز أركان الشركات الكبرى. من هامش الاهتمام، إلى صدارة المشهد.

٣. النموذج الجنوب إفريقي: الإلهام الأكبر

لا يمكن فهم BDS دون الرجوع إلى النموذج الذي ألهمها: حركة مقاطعة جنوب إفريقيا خلال نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).

في الخمسينات والستينات والسبعينات، كان نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا يقمع الأغلبية السوداء بشراسة. قوانين عنصرية، فصل في كل شيء، سجن وتعذيب وقتل. والعالم كان يتفرج، أو يتعامل مع النظام كحليف طبيعي في الحرب الباردة.

لكن شيئاً بدأ يتغير في الثمانينات. حملات المقاطعة الدولية ضغطت على الشركات لسحب استثماراتها من جنوب إفريقيا. جامعات حول العالم قطعت علاقاتها مع مؤسساتها. فنانين رفضوا الأداء هناك. رياضيون قاطعوا مسابقاتها. والضغط تراكم حتى أصبح لا يطاق.

في النهاية، انهار النظام. أفرج عن نيلسون مانديلا بعد ٢٧ عاماً في السجن. أجريت أول انتخابات ديمقراطية يشترك فيها الجميع. وتحولت جنوب إفريقيا من دولة فصل عنصري إلى دولة ديمقراطية، ليس بسبب اللطف المفاجئ للبيض، بل بسبب الضغط الدولي الذي جعل النظام غير قابل للاستمرار.

ناشطو BDS يتذكرون هذا الدرس جيداً. يرددون دائماً أن إسرائيل ليست جنوب إفريقيا، لكن نظامها يشبه نظام الأبارتهايد في جوانب كثيرة. وأن ما نجح هناك يمكن أن ينجح هنا. وأن الضغط الدولي، إذا تراكم بما يكفي، يمكن أن يغير الواقع.

فريق مؤسسي BDS كتب في بيانهم الأول: "نستلهم من نضال جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري، ونطبق دروسه على واقعنا الفلسطيني. نؤمن أن الحرية والعدالة يمكن تحقيقهما، إذا اتحدنا وضغطنا معاً" .

٤. باركليز: حملة نموذجية

منذ بداية الحرب على غزة في ٢٠٢٣، استهدفت حركة المقاطعة بنك باركليز البريطاني بحملة مركزية. لماذا باركليز؟ لأنه، كما وثقت حملة التضامن مع فلسطين (Palestine Solidarity Campaign)، يستثمر أكثر من ٢ مليار جنيه إسترليني في شركات أسلحة تزود إسرائيل، ويقدم قروضاً وخدمات مالية بقيمة ٦.١ مليار جنيه إسترليني لنفس الشركات . بالإضافة إلى ذلك، هو "متعهد رئيسي" (primary dealer) لسندات الحكومة الإسرائيلية، مما يعني أنه يتولى بيع سندات إسرائيل في الأسواق العالمية، ويسهل تدفق الأموال إلى خزينة الدولة التي ترتكب الإبادة.

حملة مقاطعة باركليز اعتمدت على عدة مستويات:

المستوى الأول: التوعية. نشرت منشورات، ومواد على وسائل التواصل، ومقاطع فيديو تشرح تورط البنك. كسرت الصمت حول دور المؤسسات المالية في الإبادة، وجعلت الملايين يدركون أن أموالهم في البنك قد تستثمر في قتل الأطفال.

المستوى الثاني: الضغط الشعبي. دعت العملاء إلى إغلاق حساباتهم. في يناير ٢٠٢٦، نظمت "يوم عمل وطني" لمقاطعة باركليز، شهد إغلاق آلاف الحسابات، واحتجاجات أمام فروع البنك في جميع أنحاء بريطانيا . الشعار كان واضحاً: "باركليز يمول إبادة إسرائيل. لا تكن شريكاً".

المستوى الثالث: الضغط المؤسسي. طلبت من الجامعات والنقابات والبلديات والمنظمات الدينية سحب أموالها من البنك. بعض المؤسسات استجابت، وأعلنت نقل حساباتها إلى بنوك أخرى.

المستوى الرابع: العمل القانوني. درست إمكانية رفع دعاوى قضائية ضد البنك بتهمة التواطؤ في جرائم حرب، استناداً إلى قوانين المسؤولية الجنائية للشركات.

النتائج بدأت تظهر. تقارير صحفية تحدثت عن انخفاض في أرباح البنك، وتراجع في سمعته. إدارة البنك حاولت الدفاع عن نفسها، قائلة إنها "تلتزم بالقوانين الدولية" ولا تعلق على علاقاتها التجارية. لكن الضغط استمر. وباركليز أصبح أيقونة للتواطؤ المالي، وهدفاً رئيسياً لحركة المقاطعة.

٥. كارفور: انتصار كبير

في سبتمبر ٢٠٢٥، حققت حركة المقاطعة أحد أكبر انتصاراتها. سلسلة سوبرماركت "كارفور" الفرنسية العملاقة أعلنت انسحابها من البحرين والكويت، تحت وطأة حملات مقاطعة عنيفة .

كارفور كانت متورطة في الإبادة بعدة طرق. لديها فروع في إسرائيل، وتتعامل مع موردين إسرائيليين، وتوفر منتجات للمستوطنات في الضفة الغربية. حملات المقاطعة استهدفتها في كل مكان. في فرنسا، وقف ناشطون أمام فروعها. في الدول العربية، قاطعها المستهلكون بشدة. وفي وسائل التواصل، تحول هاشتاغ #مقاطعة_كارفور إلى ترند عالمي.

الضغط كان كبيراً لدرجة أن الشركة وجدت نفسها أمام خيارين: إما أن تخسر أسواقاً عربية كاملة، أو أن تستمر في علاقاتها المثيرة للجدل. اختارت الانسحاب من البحرين والكويت، في خطوة اعتبرها النشطاء انتصاراً كبيراً.

بيان الناشطين قال: "كارفور انسحبت لأننا ضغطنا. لأننا قاطعنا. لأننا لم نكل. هذا دليل على أن المقاطعة تعمل. هذا دليل على أن الشعب أقوى من الشركات". الكلمات تعبر عن شعور حقيقي: أن المقاطعة ليست مجرد رمز، بل أداة فعالة.

نجاح كارفور ألهم حملات مماثلة ضد شركات أخرى. ماكدونالدز، التي قدمت وجبات مجانية للجنود الإسرائيليين، واجهت مقاطعة عالمية. ستاربكس، التي رفع مؤسسها دعوى قضائية ضد نقابة مؤيدة لفلسطين، عانى من تراجع في المبيعات. شركات أخرى بدأت تشعر بالضغط، وبدأت تراجع علاقاتها مع إسرائيل.

٦. الصندوق النرويجي: المعركة القانونية

في الشق القانوني من حركة المقاطعة، برزت قضية الصندوق السيادي النرويجي كأهم نموذج.

الصندوق السيادي النرويجي (Government Pension Fund Global) هو أكبر صندوق سيادي في العالم، تبلغ قيمته حوالي ٢٠.٤٤٠ مليار كرونة نرويجية (حوالي ١.٧٤ تريليون يورو) . هذا الصندوق مملوك للدولة النرويجية، ويدير عائدات النفط والغاز، وهو خاضع لمعايير أخلاقية صارمة تحدد الشركات التي يمكن الاستثمار فيها.

خلال حرب غزة، قدمت لجنة فلسطين في النرويج (Palestinakomiteen) شكوى رسمية إلى النيابة العامة النرويجية، تتهم فيها إدارة الصندوق ووزارة المالية ومسؤولين كباراً، بمن فيهم الرئيس التنفيذي نيكولاي تانغن، بـ"التواطؤ في جرائم حرب" من خلال استثمارات مرتبطة بالحملة العسكرية الإسرائيلية وأنشطة في الأراضي المحتلة .

ماذا استثمر الصندوق فيه؟ الشكوى تذكر شركات عدة، من بينها:

· بيت شيمش إنجنز (Bet Shemesh Engines) : شركة إسرائيلية تقوم بصيانة الطائرات التي يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي . بعد تقارير صحفية كشفت هذا الاستثمار، طلب رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره مراجعة كاملة، وقام الصندوق لاحقاً ببيع حصته في الشركة.
· شركات أخرى تعمل في مجال الطيران والدفاع، لها عقود مع الجيش الإسرائيلي.
· شركات لها أنشطة تجارية في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، والتي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.

الشكوى تستند إلى تقارير الأمم المتحدة وأحكام محكمة العدل الدولية، التي اعتبرت أن إسرائيل ترتكب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي. وتجادل بأن إدارة الصندوق كان يجب أن تدرك المخاطر المرتبطة بهذه الاستثمارات، وتتخذ إجراءات قبل فوات الأوان.

حتى نوفمبر ٢٠٢٥، كان مجلس إدارة البنك المركزي النرويجي يتخذ قرارات استبعاد الشركات بناءً على توصيات من مجلس الأخلاقيات. لكن إرشادات مؤقتة جديدة أوقفت هذه العملية ريثما تتم مراجعة شاملة للنظام . هذا يعني أن الشركات المتواطئة قد تفلت من المراجعة في هذه الفترة.

قضية الصندوق النرويجي مهمة لأنها تمثل سابقة. إذا نجحت الشكوى، فإنها ستفتح الباب أمام ملاحقات قضائية مماثلة ضد صناديق سيادية أخرى في أوروبا والعالم.

٧. الجامعات: ساحات النضال الجديدة

في عام ٢٠٢٤، انتقلت حركة المقاطعة إلى ساحة جديدة: الجامعات الأمريكية. بدأت بجامعة كولومبيا في نيويورك، ثم انتشرت كالنار في الهشيم إلى عشرات الجامعات في جميع أنحاء البلاد.

الطلاب نصبوا خياماً في ساحات الحرم الجامعي، وطالبوا إداراتهم بثلاثة أمور رئيسية: سحب الاستثمارات من الشركات المتواطئة مع إسرائيل، قطع العلاقات الأكاديمية مع المؤسسات الإسرائيلية المتواطئة، والعفو عن الطلاب المعتقلين خلال الاحتجاجات .

المشاهد كانت مألوفة من ستينات وسبعينات القرن الماضي، عندما احتج طلاب على حرب فيتنام. خيام، شعارات، غناء، نقاشات، واعتقالات. الشرطة تدخلت في عدة جامعات، واعتقلت مئات الطلاب. لكن الاحتجاجات استمرت، بل توسعت.

مورا فينكلشتاين، أستاذة جامعية سابقة في الولايات المتحدة فُصلت بسبب موقفها من فلسطين، شهدت أمام محكمة غزة في إسطنبول عن هذه الأحداث. قالت إن مؤسسات التعليم العالي "دعمت بنشاط إبادة إسرائيل" من خلال التمويل والشراكات وقمع المعارضة . وأضافت أن الطلاب اختاروا المقاطعة وسحب الاستثمارات من الشركات التي "تساعد بشكل مباشر في نزع الملكية والتطهير العرقي والإبادة".

فينكلشتاين كشفت عن تفاصيل صادمة: "هناك ١٥ مدرسة بحثية تابعة للجامعات (UARC) في الولايات المتحدة، وإحداها، جامعة جنوب كاليفورنيا، كشف مؤخراً أنها تقدم جثثاً بشرية للجيشين الأمريكي والإسرائيلي للتدريب على جراحة الصدمات في غزة" .

وأضافت: "هذه الإجراءات القمعية المستمرة... خلقت مناخاً من الخوف في التعليم العالي". وتحدثت عن مراقبة، وفصل، واقتحامات شرطة للمخيمات الطلابية. وقالت: "أنا واحدة من هؤلاء الأساتذة. عدد الأساتذة والموظفين المستهدفين مستمر في النمو" .

الحركة الطلابية لم تحقق كل أهدافها بعد. لكنها أحدثت تغييراً كبيراً في الوعي. كسرت الصمت حول فلسطين في الحرم الجامعي. جعلت قضية المقاطعة موضوعاً للنقاش العام. وضغطت على إدارات الجامعات لمراجعة استثماراتها. بعض الجامعات الصغيرة استجابت بالفعل. الجامعات الكبرى لا تزال تقاوم. لكن الضغط مستمر.

٨. المقاطعة الأكاديمية: قطع العلاقات مع المؤسسات المتواطئة

المقاطعة الأكاديمية هي أحد أعمدة حركة BDS. فكرتها بسيطة: قطع العلاقات الأكاديمية مع المؤسسات الإسرائيلية التي تتواطأ مع الاحتلال، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

هذا لا يعني مقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين كأفراد. كثير من الأكاديميين الإسرائيليين ينتقدون سياسات حكومتهم، ويتضامنون مع الفلسطينيين. المقاطعة تستهدف المؤسسات، لا الأفراد. تستهدف الجامعات التي تشارك في أبحاث عسكرية، أو تتعاون مع الجيش، أو تنكر حقوق الفلسطينيين، أو تطبق سياسات تمييزية.

خلال الحرب على غزة، نمت حركة المقاطعة الأكاديمية بشكل كبير. مئات الأكاديميين في أوروبا وأمريكا ألغوا مشاركتهم في مؤتمرات في إسرائيل. جامعات أوروبية علقت اتفاقيات التعاون مع نظيراتها الإسرائيلية. نقابات أكاديمية أصدرت بيانات تدعم المقاطعة.

في بريطانيا، صوت اتحاد الجامعات والكليات (UCU) لصالح دعم حركة المقاطعة. في الولايات المتحدة، أصدرت الرابطة الأمريكية للأساتذة الجامعيين (AAUP) بياناً يدين القمع الإسرائيلي للجامعات الفلسطينية. في كندا، طالبت نقابات أكاديمية جامعاتها بقطع العلاقات مع المؤسسات الإسرائيلية المتواطئة.

التأثير بدأ يظهر. بعض المؤتمرات الدولية نقلت من إسرائيل إلى دول أخرى. بعض الجامعات الإسرائيلية بدأت تشعر بالعزلة الأكاديمية. التعاون العلمي تراجع. والضغط استمر.

٩. المقاطعة الثقافية: الفنانون والكتاب والموسيقيون

المقاطعة الثقافية تستهدف الفعاليات الثقافية الإسرائيلية المدعومة رسمياً، والفنانين الذين يؤدون في إسرائيل. الفكرة أن الثقافة لا يمكن أن تكون منفصلة عن السياسة. الفنانون الذين يقدمون عروضهم في إسرائيل يضفون شرعية على النظام، ويساهمون في "غسل الصورة" (image washing).

خلال الحرب على غزة، شهدت حركة المقاطعة الثقافية زخماً كبيراً. العشرات من الفنانين العالميين ألغوا حفلاتهم في إسرائيل، أو رفضوا إقامتها أساساً. مغنون مشهورون مثل دواين جونسون (ذا روك) وكاتي بيري تعرضوا لضغوط شعبية لإلغاء عروضهم. بعضهم استجاب، وآخرون تجاهلوا.

فرقة "بون جوفي" الأمريكية ألغت حفلها في تل أبيب بعد حملة مقاطعة عنيفة. المغنية اللبنانية إليسا رفضت دعوة للغناء في إسرائيل. الكاتب البريطاني إيان ماك إيوان ألغى مشاركته في مهرجان أدبي هناك. والممثلة الأمريكية سوزان ساراندون دعت إلى مقاطعة إسرائيل ثقافياً.

في المقابل، تعرض فنانون آخرون لانتقادات شديدة لاستمرارهم في إحياء حفلات في إسرائيل. مغني الراب الأمريكي ترافيس سكوت واجه حملة مقاطعة عنيفة، لكنه أقام حفله رغم ذلك. المغنية مادونا دافعت عن حقها في الغناء في إسرائيل، وأثارت جدلاً واسعاً.

المقاطعة الثقافية ليست مجرد رمز. هي جزء من جهد أوسع لكسر التطبيع. هي رسالة أن الثقافة لا يمكن أن تكون جسراً للسلام ما دام الاحتلال مستمراً. وأن الفنانين عليهم مسؤولية أخلاقية تجاه ما يحدث في فلسطين.

١٠. المقاطعة الرياضية: فضح "الغسل الرياضي"

الرياضة كانت دائماً مجالاً خصباً للمقاطعة. في السبعينات والثمانينات، قاطع العديد من الدول الأفريقية والآسيوية الأحداث الرياضية في جنوب إفريقيا. وحين شاركت فرق نيوزيلندية في مباريات مع جنوب إفريقيا، قاطعت الدول الأفريقية دورة ألعاب الكومنولث.

مع إسرائيل، كانت المقاطعة الرياضية أكثر صعوبة. إسرائيل جزء من الاتحادات الرياضية الأوروبية، وتستضيف بطولات دولية، وتشارك في الأولمبياد. لكن حركة المقاطعة استهدفت "الغسل الرياضي" (sportswashing): استخدام الرياضة لتحسين صورة إسرائيل وتطبيع وجودها.

خلال الحرب على غزة، تصاعدت الدعوات لمقاطعة إسرائيل رياضياً. فريق "سيلتك" الأسكتلندي رفض المشاركة في مباراة مع فريق إسرائيلي. مشجعون أوروبيون رفعوا أعلام فلسطين في الملاعب. ونقابات رياضية أصدرت بيانات تدين استخدام الرياضة لتغطية الجرائم.

اللجنة الأولمبية الدولية تعرضت لضغوط لاستبعاد إسرائيل من أولمبياد باريس ٢٠٢٤. لم تستجب رسمياً، لكن الجدل أثر على سمعة إسرائيل. وفي بعض الألعاب، رفع رياضيون فلسطينيون وعرب شعارات تضامنية.

المقاطعة الرياضية لم تحقق نجاحات كبيرة بعد. لكنها نجحت في فضح "الغسل الرياضي" الإسرائيلي، وجعلت الرياضة مجالاً آخر للنضال.

١١. التحديات: حملات التشويه والقوانين القمعية

حركة المقاطعة تواجه تحديات هائلة. أكبرها حملات التشويه المنظمة التي تستهدفها، والقوانين القمعية التي تهدف إلى تجريمها.

حملات التشويه: تصف إسرائيل ومناصروها حركة المقاطعة بأنها "معادية للسامية". هذا الاتهام خطير، لأنه يستخدم ذكرى المحرقة النازية لشيطنة منتقدي إسرائيل. لكن قادة BDS يردون بأن انتقاد إسرائيل ليس معاداة للسامية، وأن اليهود أنفسهم مشاركون في الحركة. نعم، هناك يهود في جميع أنحاء العالم يدعمون BDS، ويرون فيها استمراراً للنضال اليهودي من أجل العدالة.

القوانين القمعية: في الولايات المتحدة، أصدرت أكثر من ٣٠ ولاية قوانين تجرم مقاطعة إسرائيل. هذه القوانين تمنع المؤسسات الحكومية من التعامل مع الشركات التي تقاطع إسرائيل، وتجبر الأفراد على التوقيع على تعهدات بعدم المقاطعة. في ألمانيا، صنفت الحكومة BDS كحركة "معادية للسامية" في بعض السياقات، مما يحد من أنشطتها. في فرنسا، هناك قوانين تجرم مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وطبقت ضد ناشطين.

الضغط على الناشطين: ناشطو BDS يتعرضون للملاحقة والتهديد في العديد من الدول. في الولايات المتحدة، بعضهم فقد وظائفه. في فرنسا، حوكم بعضهم بتهم "التحريض على الكراهية". في بريطانيا، واجه آخرون حملات تشويه في وسائل الإعلام.

تحديات داخلية: داخل الحركة نفسها، هناك نقاشات حول الإستراتيجية والتكتيكات. بعض الفصائل تريد مقاطعة شاملة لكل ما هو إسرائيلي، بينما تركز أخرى على المقاطعة المستهدفة للشركات المتواطئة فقط. بعضها يريد العمل مع الحكومات، بينما يفضل الآخرون الضغط الشعبي المستقل. هذه النقاشات طبيعية، لكنها قد تضعف الحركة إذا لم تدار بحكمة.

١٢. النجاحات: ماذا حققت BDS حتى الآن؟

رغم كل هذه التحديات، حققت BDS نجاحات ملموسة.

في القطاع المالي: نجحت في الضغط على بنوك وصناديق استثمار لسحب استثماراتها من شركات متواطئة. بنك "دانسكي" الدنماركي، وبنك "إنغ" الهولندي، و"نورديا" الإسكندنافي، كلها سحبت استثمارات من شركات تعمل في المستوطنات. الصندوق النرويجي باع حصصاً في شركات متورطة.

في قطاع الأغذية: كارفور انسحبت من البحرين والكويت. شركة "سوديكسو" الفرنسية للتموين فقدت عقوداً بسبب ارتباطها بإسرائيل. شركات مشروبات غازية عالمية تراجعت مبيعاتها في الأسواق العربية.

في قطاع التجميل: شركة "أهافا" الإسرائيلية، التي تنتج مستحضرات تجميل من البحر الميت في مستوطنة، أغلقت متاجرها في بعض الدول بعد حملات مقاطعة. شركات عالمية مثل "لوريال" و"إستي لودر" تعرضت لضغوط لقطع علاقاتها مع إسرائيل.

في الأوساط الأكاديمية: عشرات الجامعات حول العالم قطعت علاقاتها مع مؤسسات إسرائيلية. الرابطة الأمريكية للدراسات العربية (MESA) صوتت لصالح مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية. اتحادات طلابية في بريطانيا وكندا وأستراليا دعمت المقاطعة.

في الرأي العام: الأهم من كل ذلك، أن BDS غيرت النقاش العام حول فلسطين. جعلت قضية المقاطعة موضوعاً رئيسياً. كسرت الصمت حول التواطؤ الغربي. وجعلت الملايين في العالم يدركون أن بإمكانهم فعل شيء. استطلاع غالوب في سبتمبر ٢٠٢٥ أظهر أن ٦٢٪ من الألمان يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مقارنة بـ٣٧٪ قبل عامين . هذا التغيير في الوعي هو نتاج سنوات من العمل.

١٣. استراتيجيات المستقبل: إلى أين تتجه الحركة؟

مستقبل BDS يعتمد على قدرتها على التكيف مع التحديات، وتوسيع قاعدتها، وتحقيق انتصارات ملموسة.

توسيع القاعدة: الحركة تعمل على جذب قطاعات جديدة: الشباب، النساء، الأقليات، النقابات، الكنائس. في أمريكا، تتحالف مع حركة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter) وحركات حقوق المهاجرين. في أوروبا، تتعاون مع نقابات عمالية ومنظمات بيئية.

التركيز على أهداف قابلة للتحقيق: بدلاً من الدعوة إلى مقاطعة شاملة (وهو هدف بعيد)، تركز الحركة على أهداف محددة: إخراج شركة معينة من السوق، سحب استثمار من بنك، منع اتفاقية تعاون أكاديمي. كل انتصار صغير يبني الزخم نحو الأكبر.

العمل القانوني: الاستفادة من القوانين المحلية والدولية لمقاضاة الشركات المتواطئة. الدعوى ضد الصندوق النرويجي نموذج يحتذى. كلما زادت التكاليف القانونية للتواطؤ، كلما زاد الضغط على الشركات للانسحاب.

التحالف مع حركات أخرى: تغير المناخ، العدالة الاقتصادية، حقوق المرأة، كلها قضايا يمكن ربطها بالقضية الفلسطينية. الشباب المهتم بهذه القضايا هم حلفاء طبيعيون لـ BDS.

الاستفادة من التكنولوجيا: وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، لكن BDS تستخدمه بفعالية. حملات منظمة، هاشتاغات ترند، فيديوهات مؤثرة، كلها تصل إلى ملايين الناس بتكلفة زهيدة.

١٤. العلاقة مع حركات المقاطعة التاريخية

BDS ليست وليدة فراغ. هي وريثة حركات مقاطعة عديدة في التاريخ.

مقاطعة المنتجات البريطانية في الهند: تحت قيادة غاندي، قاطع الهنود المنتجات البريطانية كجزء من نضالهم من أجل الاستقلال. المقاطعة أضعفت الاقتصاد البريطاني في الهند، وساهمت في إنهاء الاستعمار.

مقاطعة الحافلات في مونتغمري: في ١٩٥٥، قاطع الأمريكيون السود الحافلات في مدينة مونتغمري بولاية ألاباما، احتجاجاً على سياسة الفصل العنصري. المقاطعة استمرت عاماً كاملاً، وأدت إلى قرار المحكمة العليا بإلغاء الفصل في الحافلات.

مقاطعة جنوب إفريقيا: أشهر نموذج وأكثره تشابهاً مع BDS. مقاطعة شاملة (اقتصادية، رياضية، ثقافية، أكاديمية) ساهمت في إنهاء نظام الفصل العنصري.

BDS تتعلم من هذه التجارب. تستفيد من نجاحاتها، وتتجنب أخطاءها. وتضيف ابتكاراتها الخاصة.

١٥. النقد الذاتي: نقاط ضعف الحركة

لا حركة بلا نقاط ضعف. BDS تواجه نقداً داخلياً أيضاً.

النقد الأول: التركيز المفرط على الغرب. بعض النشطاء يرون أن الحركة تركز كثيراً على أوروبا وأمريكا، وتهمل العالم العربي والإسلامي. بينما الواقع أن الضغط الأقوى على إسرائيل يمكن أن يأتي من الدول العربية، عبر قطع العلاقات التجارية والدبلوماسية.

النقد الثاني: التباطؤ في تحقيق النتائج. بعد عقدين، ما زالت الحركة بعيدة عن تحقيق أهدافها الثلاثة. البعض يشعر بالإحباط، ويسأل: هل تستحق التضحية؟

النقد الثالث: الانقسامات الداخلية. خلافات حول الإستراتيجية، والتكتيكات، والتحالفات. بعض الفصائل تريد العمل مع الأحزاب اليسارية، وأخرى تفضل الاستقلال التام. بعضها يريد مقاطعة شاملة، وأخرى تفضل المستهدفة.

النقد الرابع: التأثير المحدود على السياسات الحكومية. رغم النجاحات الشعبية، ما زالت الحكومات الغربية تدعم إسرائيل. BDS لم تنجح بعد في تحويل الضغط الشعبي إلى تغيير في السياسات الرسمية.

هذه الانتقادات مشروعة. لكن أنصار الحركة يرون أن التغيير الكبير يحتاج وقتاً. جنوب إفريقيا استغرق عقوداً. فلسطين ستستغرق أيضاً.

١٦. الرد على اتهام "معاداة السامية"

أكبر اتهام تواجهه BDS هو "معاداة السامية". كيف ترد الحركة على هذا الاتهام؟

الرد الأول: انتقاد إسرائيل ليس معاداة للسامية. إسرائيل دولة، لها سياسات يمكن نقدها، مثل أي دولة. انتقاد سياسات إسرائيل لا يعني كراهية اليهود. كثير من منتقدي إسرائيل هم يهود أنفسهم.

الرد الثاني: BDS تتبنى أهدافاً قانونية، تستند إلى القانون الدولي. إنهاء الاحتلال، مساواة المواطنين، حق العودة. هذه كلها مبادئ قانونية، ليست معادية لأحد.

الرد الثالث: BDS تدعو إلى مقاطعة إسرائيل، ليس مقاطعة اليهود. هناك فرق كبير. الشركات الإسرائيلية هي المستهدفة، وليس الأفراد اليهود في أي مكان.

الرد الرابع: استخدام تهمة "معاداة السامية" لشيطنة منتقدي إسرائيل هو إساءة استخدام لذكرى المحرقة. المحرقة كانت جريمة بشعة، ولا يمكن توظيفها لحماية دولة ترتكب جرائم ضد شعب آخر.

الحركة تصر على هذا الرد، وتكرره في كل مناسبة. وتدعو أنصارها إلى عدم الانجرار إلى استفزازات من يريدون إسكات النقد.

١٧. دور فلسطينيي الخارج

فلسطينيو الخارج (الشتات) يلعبون دوراً حاسماً في BDS. هم أكثر من نصف الشعب الفلسطيني. يعيشون في كل أنحاء العالم. يتقنون لغات متعددة. ويمتلكون جنسيات مختلفة. هذا الموقع الفريد يجعلهم قناة طبيعية لنقل القضية الفلسطينية إلى العالم.

فلسطينيو الخارج:

· ينظمون حملات المقاطعة في بلدانهم.
· يضغطون على حكوماتهم لتبني مواقف أكثر جرأة.
· يكتبون ويترجمون وينشرون المواد التعريفية.
· يتضامنون مع الحركات الأخرى (السود، الأقليات، العمال).
· يمثلون فلسطين في المحافل الدولية.

وجودهم في الشتات، الذي هو نتيجة مباشرة للنكبة، تحول إلى قوة. أصبحوا سفراء لقضيتهم، وناقلين لروايتهم، وجسراً بين فلسطين والعالم.

١٨. مستقبل BDS في ظل المتغيرات الإقليمية

المنطقة تتغير بسرعة. التطبيع بين إسرائيل ودول خليجية (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) أعاد تشكيل التحالفات. سقوط الأنظمة في سوريا ومصر لم يغير الكثير. صعود اليمين المتطرف في أوروبا وأمريكا يخلق بيئة أكثر عداءً للقضية الفلسطينية.

في ظل هذه المتغيرات، كيف سيكون مستقبل BDS؟

التحدي الأكبر: التطبيع. الدول العربية التي طبعت مع إسرائيل تفتح أسواقها لمنتجاتها، وتسهل استثماراتها، وتكسر الحظر الاجتماعي على التعامل معها. هذا يضعف المقاطعة، ويخلق بيئة معاكسة.

الفرصة الأكبر: تغير الرأي العام الغربي. استطلاعات الرأي تظهر تحولاً كبيراً، خاصة بين الشباب. جيل جديد لم يعد مقتنعاً بالرواية الإسرائيلية. هذا الجيل هو جمهور BDS الطبيعي.

الاستراتيجية: التركيز على الشركات المتواطئة، وليس الدول. الضغط على الشركات أسهل من الضغط على الحكومات. الشركات تبحث عن الربح، وتتأثر بالمقاطعة. الحكومات تبحث عن المصالح، وتقاوم الضغط.

التحالفات: مع حركات المناخ، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الأقليات. هذه الحركات تمتلك قواعد شعبية واسعة، وتستطيع تضخيم رسالة BDS.

١٩. دروس من المقاطعة: ماذا تعلمنا؟

بعد عقدين من انطلاقها، ماذا تعلمت حركة المقاطعة؟

الدرس الأول: الصبر ضروري. التغيير لا يأتي بسرعة. جنوب إفريقيا استغرق عقوداً. فلسطين ستستغرق أيضاً.

الدرس الثاني: التكتيكات تتغير. ما ينجح اليوم قد لا ينجح غداً. المرونة ضرورية.

الدرس الثالث: الوحدة رغم الخلافات. الانقسامات الداخلية تضعف الحركة. يجب احترام الاختلافات، مع الحفاظ على الهدف المشترك.

الدرس الرابع: القاعدة الشعبية هي الأساس. لا يمكن للحركة أن تعتمد على النخب أو الحكومات. قوتها تأتي من الناس العاديين، الذين يقررون مقاطعة منتج، أو إغلاق حساب، أو المشاركة في مظاهرة.

الدرس الخامس: العدالة ممكنة. كل انتصار صغير (مثل انسحاب كارفور) يذكرنا بأن التغيير ممكن. وأن الضغط يعمل. وأن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً.

٢٠. الخلاصة: السلاح الأقوى لمن لا سلاح لهم

في النهاية، تبقى حركة المقاطعة سلاحاً لمن لا سلاح لهم. فلسطينيو الداخل يواجهون التمييز اليومي. فلسطينيو الضفة يواجهون الاحتلال والاستيطان. فلسطينيو غزة يواجهون الإبادة والحصار. فلسطينيو الشتات يواجهون المنفى وانتظار العودة. كلهم، بطرق مختلفة، عاجزون عن مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية بأسلحة تقليدية.

لكن لديهم سلاحاً آخر: إرادة المجتمع الدولي. أو على الأقل، إرادة قطاعات واسعة منه. المقاطعة هي الأداة التي تحول هذه الإرادة إلى فعل ملموس. تحول التعاطف إلى ضغط. تحول المشاعر إلى نتائج.

حركة المقاطعة لا تدعي أنها ستحرر فلسطين وحدها. لكنها تؤمن بأنها جزء أساسي من النضال. إلى جانب المقاومة الشعبية في الأرض، والمقاومة المسلحة في بعض الساحات، والعمل الدبلوماسي في المحافل الدولية، تأتي المقاطعة كأداة ضغط اقتصادي على إسرائيل وحلفائها.

فرانشيسكا ألبانيزي قالت في تقريرها: "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات هي أدوات مشروعة في النضال من أجل العدالة. استخدمت ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وضد أنظمة استعمارية أخرى. وهي اليوم ضرورية أكثر من أي وقت مضى لمواجهة الإبادة في غزة" .

مايك والاس، عضو البرلمان الأوروبي السابق عن أيرلندا، قال في يناير ٢٠٢٦: "الدول الغربية تواصل الحفاظ على علاقات تجارية مع هذا النظام الإسرائيلي الوحشي رغم مشاهدتهم الإبادة الجماعية على هواتفهم. لذلك، أصبحت المقاطعة الشعبية هي السبيل الوحيد لوقف الجريمة" .

هذه هي رسالة BDS: أنتم لستم وحدكم. العالم معكم، أو جزء كبير منه. لا تيأسوا. استمروا في المقاطعة. كل منتج لا تشتريه، كل بنك تغلق حسابك فيه، كل جامعة تضغط عليها، كل فنان تقاطعه، هو خطوة نحو العدالة.

غزة علمت العالم درساً قاسياً: أن الإبادة ممكنة في القرن الحادي والعشرين. لكنها أيضاً ألهمت العالم باكتشاف قوته. ملايين الناس في كل القارات اكتشفوا أن بإمكانهم فعل شيء. أن قرارهم الاستهلاكي يمكن أن يكون سلاحاً. أن صوتهم يمكن أن يسمع. أن تضامنهم يمكن أن يحدث فرقاً.

هذا هو إرث BDS. ليس فقط ما حققته من انتصارات ملموسة، بل ما زرعته من أمل. أمل في أن العدالة، وإن تأخرت، ممكنة. أمل في أن الظلم، رغم قوته، قابل للهزيمة. أمل في أن فلسطين، رغم كل ما حدث، ستتحرر.

………



الفصل التاسع عشر: دور الأمم المتحدة - الفشل والتواطؤ

١. مقدمة: الهيكل العظمي للعالم الجديد

في التاسع والعشرين من نوفمبر ١٩٤٧، اتخذت الأمم المتحدة قراراً مصيرياً. قرار تقسيم فلسطين. كان الجمعية العامة قد اجتمعت في ليك ساكسس، نيويورك، وصوتت لصالح خطة من شأنها أن تمزق بلداً إلى قسمين، وتهجر نصف سكانه، وتخلق أزمة لاجئين لم تحل حتى اليوم. القرار ١٨١، الذي يعتبره الفلسطينيون بداية النكبة، كان أول تدخل كبير للأمم المتحدة في القضية الفلسطينية. لم يكن الأخير.

بعد ثمانية وسبعين عاماً، في نوفمبر ٢٠٢٥، اجتمع مجلس الأمن الدولي مجدداً. هذه المرة، صوت على قرار آخر: القرار ٢٨٠٣، الذي يقضي بوضع قطاع غزة تحت إدارة "مجلس السلام" الذي يرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونشر "قوة تثبيت دولية" لنزع سلاح المقاومة و"تحقيق الاستقرار". صوت لصالح القرار ١٣ دولة، وامتنعت روسيا والصين عن التصويت. لم يعترض أحد .

بين هذين القرارين، مسافة ثمانية وسبعين عاماً من الفشل المتواصل. عشرات القرارات التي لم تنفذ. لجان تحقيق شكلت وأهملت. تقارير كتبت ورفعت على الرفوف. قادة دول تحدثوا عن السلام وموّلوا الحرب. ومنظمات دولية شهدت على الجرائم وعجزت عن منعها.

هذا الفصل هو عن تلك المسافة. عن دور الأمم المتحدة في القضية الفلسطينية. عن مؤسسة أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لـ"حفظ الأمن والسلم الدوليين"، وتحولت مع الوقت إلى مسرح للصراعات السياسية، وأداة في يد القوى الكبرى. عن آلياتها المعقدة: الجمعية العامة، مجلس الأمن، الفيتو، محكمة العدل الدولية، الأونروا، والمنظمات الإنسانية. عن نجاحاتها المحدودة وإخفاقاتها الكارثية. عن لحظات الأمل النادرة، وعقود اليأس الممتدة.

في الفصول السابقة، تحدثنا عن التواطؤ الغربي، وعن الشركات التي تربح من الإبادة، وعن حركة المقاطعة التي تقاوم. هذا الفصل يكمل الصورة: عن المؤسسة الدولية التي كان يفترض أن تكون حامية القانون، فتحولت إلى غطاء للجريمة. عن الأمم المتحدة التي تقدم نفسها كصوت الضمير العالمي، بينما يصمت ضميرها في اللحظات الحاسمة. عن المنظمة التي تحمل اسماً عظيماً، وتعيش واقعاً بائساً.

كريج موكيهر، مدير سابق لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في نيويورك، وصف مشهد التصويت على القرار ٢٨٠٣ بكلمات قاسية: "ليس منذ أن قسمت الأمم المتحدة فلسطين عام ١٩٤٧ ضد إرادة السكان الأصليين، مما مهد الطريق لثمانين عاماً من النكبة، هل تصرفت الأمم المتحدة بهذه الطريقة الاستعمارية الصارخة (والخارجة عن القانون)، وداست بتهور على حقوق شعب" .

هذا هو الفصل عن تلك المؤسسة التي قسمت فلسطين ثم تفرجت على تدميرها. عن "الهيكل العظمي للعالم الجديد" الذي تحول إلى شبح يطارد ضحاياه.

٢. من التقسيم إلى النكبة: البداية المشؤومة

قصة الأمم المتحدة مع فلسطين بدأت قبل أن تولد إسرائيل. في ١٩٤٧، كانت بريطانيا، صاحبة الانتداب على فلسطين، قد أعلنت عزمها الانسحاب. أحالت القضية إلى الأمم المتحدة. والجمعية العامة شكلت "لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين" (UNSCOP) لتقديم توصياتها.

اللجنة زارت فلسطين، واستمعت إلى شهادات، وقدمت تقريرها في أغسطس ١٩٤٧. الأغلبية أوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية، مع قدس تحت إدارة دولية. الأقلية أوصت بدولة فيدرالية واحدة.

في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧، صوتت الجمعية العامة على خطة التقسيم. النتيجة: ٣٣ صوتاً مؤيداً، ١٣ معارضاً، ١٠ ممتنعين. القرار ١٨١ صدر. فلسطين قسمت. والكارثة بدأت .

الخطة كانت مجحفة بحق الفلسطينيين. اليهود، الذين كانوا يشكلون ثلث السكان ويملكون ٦٪ من الأرض، حصلوا على ٥٦٪ من المساحة. الفلسطينيون، الذين كانوا الثلثين، حصلوا على ٤٢٪. القدس، التي كان يسكنها ١٠٠ ألف فلسطيني و٢٠ ألف يهودي، وضعت تحت إدارة دولية.

العرب رفضوا الخطة. اليهود قبلوها. بدأت الحرب. وفي غضون أشهر، تحولت خطة التقسيم إلى نكبة. ٧٥٠ ألف فلسطيني هجروا. أكثر من ٥٠٠ قرية دمرت. ودولة إسرائيل أعلنت على ٧٨٪ من فلسطين، وليس ٥٦٪ فقط.

منذ البداية، كانت الأمم المتحدة جزءاً من المشكلة، لا الحل. قرار التقسيم كان بداية الكارثة. قرار ١٩٤، الصادر في ديسمبر ١٩٤٨، الذي نص على حق اللاجئين في العودة أو التعويض، بقي حبراً على ورق. والمنظمة التي يفترض أنها ترعى حقوق الإنسان، تفرجت على انتهاكها.

٣. الأونروا: شاهد على النكبة المستمرة

في ٨ ديسمبر ١٩٤٩، أنشأت الأمم المتحدة "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأونروا). كان القرار ٣٠٢ (د-٤) الصادر عن الجمعية العامة. الهدف: تقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين الذين شردتهم نكبة ١٩٤٨ .

الأونروا كانت استثناءً في نظام الأمم المتحدة. معظم وكالات الإغاثة تتعامل مع اللاجئين بشكل عام، وتغلق ملفاتهم بعد فترة. لكن الأونروا أنشئت خصيصاً للفلسطينيين، وظلت تعمل لعقود لأن قضيتهم لم تحل. وجودها كان اعترافاً ضمنياً بأن النكبة مستمرة.

منذ ذلك الحين، الأونروا تقدم خدمات أساسية للاجئين الفلسطينيين: تعليم، صحة، إغاثة، خدمات اجتماعية. مئات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين تعلموا في مدارسها. ملايين العائلات تلقت مساعداتها. الأونروا أصبحت جزءاً من حياة اللاجئين، ورمزاً لحقهم في العودة.

في غزة، لعبت الأونروا دوراً حيوياً. قبل حرب ٢٠٢٣، كانت تدير أكثر من ٢٠٠ مدرسة، وتقدم خدمات صحية لمئات الآلاف، وتوفر الغذاء لمليون شخص. خلال الحرب، تحولت مدارسها إلى ملاجئ للنازحين. موظفوها استمروا في العمل رغم القصف. عشرات منهم استشهدوا.

لكن إسرائيل كانت دائماً ترى في الأونروا عدواً. لأن وجودها يذكر العالم بقضية اللاجئين. لأن خدماتها تعزز صمود الفلسطينيين. لأنها شاهد حي على النكبة المستمرة.

في يناير ٢٠٢٤، اتهمت إسرائيل ١٢ موظفاً في الأونروا بالمشاركة في هجوم ٧ أكتوبر. الاتهامات كانت خطيرة، لكن الأدلة لم تقدم. التحقيقات المستقلة (تقرير كولونا) وجدت أن "إسرائيل لم تثبت ادعاءاتها" . لكن الضرر وقع. ١٦ دولة علقت تمويلها للوكالة، مما تسبب بخسارة ٤٥٠ مليون دولار .

في أكتوبر ٢٠٢٤، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانونين يمنعان الأونروا من العمل في إسرائيل والقدس الشرقية، ويقطعون الاتصال معها. القوانين دخلت حيز التنفيذ في يناير ٢٠٢٥ . الهدف كان واضحاً: تفكيك الوكالة، وإنهاء خدماتها، ومحو ذكرى اللاجئين.

محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في أكتوبر ٢٠٢٥، أكدت أن الأونروا "لا غنى عنها في تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين" . وألزمت إسرائيل بـ"تقديم كل مساعدة" للأونروا، وعدم عرقلة عملها. لكن إسرائيل تجاهلت القرار، واستمرت في حربها ضد الوكالة.

القاضية شيو شيويه، في رأيها المنفصل، شددت على العلاقة بين الأونروا وحق العودة. قالت إن وجود الوكالة "تذكير مهم بحق العودة للاجئين الفلسطينيين" . هذا هو السبب الحقيقي لعداء إسرائيل. الأونروا تذكر بما تريد إسرائيل نسيانه.

٤. مجلس الأمن: قفص الفيتو

مجلس الأمن الدولي هو الهيئة الأقوى في الأمم المتحدة. هو المخول باتخاذ قرارات ملزمة للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. هو الذي يمكنه فرض عقوبات، أو إرسال قوات حفظ سلام، أو الترخيص باستخدام القوة.

لكن مجلس الأمن مشلول منذ عقود. ليس بسبب عيوب في تصميمه، بل بسبب صلاحياته. الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا) تملك حق النقض (الفيتو). أي منها يمكنه إسقاط أي قرار، حتى لو وافقت عليه كل الدول الأخرى.

منذ ١٩٤٥ وحتى ٢٠٢٦، استخدم حق النقض أكثر من ٣٠٠ مرة. الولايات المتحدة كانت الأكثر استخداماً، بـ ٩٠ مرة تقريباً. ومنذ ١٩٧٠، استخدمت أمريكا حق النقض ٥١ مرة لإسقاط قرارات تدين إسرائيل أو تطالبها بوقف انتهاكاتها . هذا رقم صادم. أكثر من نصف استخدامات أمريكا للفيتو كانت لحماية إسرائيل.

خلال حرب غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦، استخدمت أمريكا الفيتو ست مرات لمنع إصدار قرارات تدعو لوقف إطلاق النار . في سبتمبر ٢٠٢٤، استخدمت الفيتو ضد مشروع قرار تقدمت به ١٠ دول غير دائمة العضوية. في مارس ٢٠٢٥، استخدمته مجدداً. وفي سبتمبر ٢٠٢٥، للمرة السادسة. كل هذه المرات، كان العالم يقف مع وقف إطلاق النار. والصين وروسيا تدعمان ذلك. والدول الأوروبية تضغط. لكن أمريكا وحدها، بصوتها، كانت تسقط كل الجهود .

السفير الصيني فو كونغ عبر عن هذا الإحباط في خطابه أمام الجمعية العامة في أكتوبر ٢٠٢٥: "لولا الاستخدام المتكرر للفيتو من قبل الولايات المتحدة، لما كان رد مجلس الأمن على أزمة غزة بهذا القصور. لولا حماية الولايات المتحدة لإسرائيل، لما انتهكت قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي بهذه الوقاحة" .

هذا هو شلل مجلس الأمن. ليس بسبب الاختلاف في الرأي، بل بسبب حق النقض الذي يسمح لدولة واحدة بفرض إرادتها على الجميع. والدولة الوحيدة التي تستخدم هذا الحق بانتظام لحماية إسرائيل هي الولايات المتحدة.

٥. الجمعية العامة: صوت الشعب بلا أسنان

إذا كان مجلس الأمن هو الهيئة التنفيذية، فالجمعية العامة هي الهيئة التمثيلية. كل دول العالم (١٩٣ دولة) لها صوت متساو. قرارات الجمعية العامة تعبر عن رأي المجتمع الدولي. لكنها، للأسف، غير ملزمة. يمكن للدول تجاهلها دون عقاب.

على مدى عقود، أصدرت الجمعية العامة مئات القرارات المتعلقة بفلسطين. قرار ١٩٤ بشأن حق العودة، قرار ٣٢٣٦ بشأن شرعية مقاومة الاحتلال، قرارات سنوية تدين الاستيطان وتطالب بإنهاء الاحتلال. كلها صدرت بأغلبية ساحقة. ولا شيء منها نُفذ.

في سبتمبر ٢٠٢٥، اتخذت الجمعية العامة خطوة مهمة. صوتت بأغلبية واسعة (أكثر من ١٠٠ دولة) على قرار يسمح لدولة فلسطين بالمشاركة في الدورة ٨٠ للجمعية العامة بحقوق إضافية، وإن لم تكن عضواً كامل العضوية. حتى بعض الدول الغربية التي اعتادت دعم إسرائيل صوتت لصالح القرار .

هذا القرار كان رمزياً. لكنه يعبر عن تحول في الرأي العام الدولي. دول العالم بدأت تدرك أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد، وأن استمرار الاحتلال غير مقبول.

لكن الجمعية العامة تبقى بلا أسنان. يمكنها أن تصدر قرارات، لكنها لا تستطيع تنفيذها. يمكنها أن تعبر عن رأي العالم، لكنها لا تستطيع إجبار إسرائيل على الانصياع. قوتها في التعبير، لا في التنفيذ. ودول مثل إسرائيل وأمريكا تتجاهل قراراتها بكل بساطة.

٦. محكمة العدل الدولية: القانون بلا قوة

محكمة العدل الدولية هي أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة. مهمتها الفصل في النزاعات بين الدول، وإصدار فتاوى قانونية (آراء استشارية) بناءً على طلب الجمعية العامة أو مجلس الأمن. أحكامها ملزمة، لكن تنفيذها يعتمد على إرادة الدول.

منذ عام ٢٠٠٤، أصدرت محكمة العدل الدولية عدة أحكام مهمة بشأن فلسطين.

قرار ٢٠٠٤: رأي استشاري بشأن جدار الفصل العنصري. المحكمة قالت إن الجدار غير قانوني، ويجب هدمه، وتعويض المتضررين. إسرائيل تجاهلت القرار. والجدار لا يزال قائماً.

قرار يوليو ٢٠٢٤: رأي استشاري بشأن سياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة. المحكمة قالت إن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني، وإن على إسرائيل إنهاءه فوراً، وإن على الدول عدم دعمه أو الاعتراف به. ولأول مرة، أعلنت المحكمة أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني هو "قاعدة آمرة" (jus cogens) في القانون الدولي .

قرار أكتوبر ٢٠٢٥: رأي استشاري بشأن التزامات إسرائيل تجاه وجود وأنشطة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في الأراضي المحتلة. المحكمة قالت إن على إسرائيل "تقديم كل مساعدة" للأمم المتحدة، وإن حظر الأونروا غير قانوني، وإن استخدام التجويع كسلاح حرب محظور. القرار صدر بأغلبية ١٠ أصوات مقابل صوت واحد (القاضية الأوغندية جوليا سيبوتيندي) .

هذه الأحكام تمثل انتصارات قانونية كبيرة. لكنها تبقى حبراً على ورق. القاضية هيلاري تشارلزورث، في تعليقها على قرار أكتوبر ٢٠٢٥، أشارت إلى أن التزامات إسرائيل تجاه الأمم المتحدة لا تتعلق فقط بقرارات مجلس الأمن، بل بكل أنشطة المنظمة. لكن هذا لا يغير شيئاً على الأرض.

القاضي راميرو غوميز روبليدو، في رأيه المخالف جزئياً، انتقد "الخجل" الذي تعاملت به المحكمة مع وضع غزة. طالب باعتراف صريح بأن "قطاع غزة هو أرض محتلة، ويستمر في كونه أرضاً محتلة" . لكن حتى هذا الاعتراف لم يغير واقع الحال.

محكمة العدل الدولية تمثل القانون بلا قوة. تصدر أحكاماً واضحة، لكنها تفتقر إلى آلية تنفيذ. تشبه القاضي الذي يصدر حكماً بالإعدام، لكن لا يوجد جلاد لتنفيذه.

٧. قرار ٢٧٢٨: لحظة خاطفة من الأمل

في ٢٥ مارس ٢٠٢٤، حدث أمر نادر. مجلس الأمن تبنى قراراً يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة. القرار ٢٧٢٨ حصل على ١٤ صوتاً مؤيداً، ولم يعترض أحد. الولايات المتحدة لم تستخدم الفيتو. فقط امتنعت عن التصويت .

كانت لحظة أمل خاطفة. العالم رأى أن مجلس الأمن يمكن أن يتحد من أجل غزة. أن الضغط الدولي يمكن أن يحرك المياه الراكدة. أن صوت العقل قد ينتصر.

لكن الفرحة لم تدم طويلاً. بعد ساعات من صدور القرار، أعلنت الإدارة الأمريكية أن القرار "غير ملزم". جو بايدن قال إنه "لا يغير شيئاً في السياسة الأمريكية". وفي إسرائيل، استقبل القرار بازدراء. نتنياهو أعلن أن الجيش سيواصل الحرب حتى تحقيق أهدافه .

هكذا، في لحظة واحدة، تحول الانتصار الدبلوماسي إلى هزيمة. القرار الذي صدر بعد شهور من الضغط تحول إلى ورقة لا قيمة لها. لأن أمريكا قالت إنه "غير ملزم". لأن إسرائيل قررت تجاهله. لأن المجتمع الدولي لم يتحرك لإنفاذه.

القرار ٢٧٢٨ أصبح رمزاً لعجز الأمم المتحدة. قرار يصدر، ثم يُنقض. مجلس يوافق، ثم يتراجع. عالم يصرخ، ثم يصمت.

٨. قرار ٢٨٠٣: الاستعمار بغطاء أممي

في ١٧ نوفمبر ٢٠٢٥، اتخذ مجلس الأمن قراراً هو الأكثر إثارة للجدل منذ عقود. القرار ٢٨٠٣، الذي تقدمت به الولايات المتحدة، ووافقت عليه ١٣ دولة، مع امتناع روسيا والصين .

ماذا يقول القرار؟

· إنشاء "مجلس السلام" (Board of Peace) برئاسة دونالد ترامب، ليكون السلطة الانتقالية التي تدير قطاع غزة.
· منح المجلس صلاحيات واسعة: الإشراف على إعادة الإعمار، توزيع المساعدات، إدارة المعابر، السيطرة على الأمن.
· نشر "قوة التثبيت الدولية" (International Stabilization Force) بقيادة أمريكية، مهمتها نزع سلاح المقاومة، وتأمين الحدود، والتدخل العسكري عند الضرورة .
· استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في "محيط أمني" داخل غزة، دون تحديد مدة.
· إخضاع أي سلطة فلسطينية لاحقة لشروط إصلاحية يحددها مجلس السلام والاقتراح الفرنسي-السعودي .

ردود الفعل كانت صادمة. الفلسطينيون رفضوا القرار. المقاومة اعتبرته محاولة لفرض وصاية دولية. حماس وصفت القوات الدولية بأنها "قوات احتلال" و"طرف في الصراع لصالح الاحتلال" . حتى السلطة الفلسطينية، التي أبدت ترحيباً حذراً، واجهت انتقادات حادة من شعبها.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في موقف الدول العربية. الجزائر، التي كانت متوقعاً أن تعترض، أثنت على ترامب ودعمت القرار. دول خليجية صوتت لصالحه. حتى الأردن ومصر لم تعترضا .

الصين وروسيا امتنعتا عن التصويت، ولم تستخدما الفيتو. السبب؟ الضغط الأمريكي. تقارير تحدثت عن أن واشنطن هددت بأن أي فيتو سيعني انهيار وقف إطلاق النار، وتحمل المسؤولية أمام العالم . السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا حذر من أن القرار قد يجعل قوة التثبيت "طرفاً في الحرب" . السفير الصيني فو كونغ انتقد "التسرع" و"تجاهل مخاوف الأعضاء" . لكن في النهاية، امتنعا. والقرار مضى.

كريج موكيهر، مدير سابق لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في نيويورك، وصف القرار بأنه "استعمار بغطاء أممي". كتب: "بموجب هذا القرار، لم يعد مجلس الأمن مجرد متفرج، بل أصبح آلية للقمع الأمريكي، وأداة لاستمرار الاحتلال غير القانوني لفلسطين، وشريكاً متواطئاً في إبادة إسرائيل" .

وأضاف: "ليس منذ أن قسمت الأمم المتحدة فلسطين عام ١٩٤٧ ضد إرادة السكان الأصليين، مما مهد الطريق لثمانين عاماً من النكبة، هل تصرفت الأمم المتحدة بهذه الطريقة الاستعمارية الصارخة (والخارجة عن القانون)، وداست بتهور على حقوق شعب" .

٩. "مجلس السلام": ترامب حاكماً لغزة

الفكرة الأكثر إثارة للجدل في القرار ٢٨٠٣ هي "مجلس السلام". مجلس يرأسه دونالد ترامب شخصياً، ويضم شخصيات مقربة منه، من بينها صهره جاريد كوشنر، والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، والمبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف .

هذا المجلس ليس هيئة أممية. هو كيان خاص، غير منتخب، غير خاضع للمساءلة، يتمتع بسلطات مطلقة على غزة. يدير الأموال، يشرف على إعادة الإعمار، يقرر من يدخل ويخرج من القطاع، ويتحكم في توزيع المساعدات. مليوني فلسطيني يصبحون تحت وصاية رجل أعمال أمريكي لم ينتخبهم أحد، ولا يمثلهم، ولا يفهم شيئاً عن حياتهم.

كريج موكيهر وصف هذا الترتيب بأنه "وصاية استعمارية تنزع عن الفلسطينيين أي وكالة أو تمثيل" . القرار لا يمنح الفلسطينيين أي دور في تقرير مصيرهم. حتى الهيئة التكنوقراطية التي ستدير شؤون غزة اليومية ستكون تابعة لمجلس السلام، وستقدم تقاريرها له، لا لشعبها.

مجلس السلام أيضاً مكلف بإعادة إعمار غزة. لكن إعادة الإعمار ستتم وفق رؤية استثمارية، لا إنسانية. تقارير مسربة تحدثت عن عقود تمنح لشركات أمريكية خاصة، وأرباح تصل إلى ٣٠٠٪، وخطط لتحويل ساحل غزة إلى "ريفييرا المتوسط" بفنادق ومنتجعات وجزر اصطناعية . غزة تتحول من أرض محتلة إلى سوق استثماري. والمقاولون يتحلقون حول الجيف.

هذه هي الصورة الأكثر بشاعة: ترامب، الذي قال عن غزة إنه "سينظفها" ويعيد بنائها، يجلس الآن على رأس سلطة تديرها. القرار الأممي أعطى شرعية لما كان مخططاً له منذ البداية: تفريغ غزة من سكانها، وتحويلها إلى مشروع عقاري ضخم.

١٠. قوة التثبيت الدولية: احتلال جديد

الجزء الثاني من القرار ٢٨٠٣ هو "قوة التثبيت الدولية". قوة عسكرية متعددة الجنسيات، بقيادة أمريكية، مهمتها "تثبيت الأمن" في غزة. لكن قراءة التفاصيل تكشف الوجه الحقيقي لهذه القوة.

مهام القوة، حسب القرار:

· تأمين الحدود (أي إبقاء الفلسطينيين محاصرين داخل القطاع).
· نزع سلاح المقاومة (أي تجريد الفلسطينيين من حقهم في الدفاع عن أنفسهم).
· تدمير البنية التحتية العسكرية للمقاومة (أي ضمان تفوق إسرائيل العسكري المطلق).
· تدريب قوات شرطة فلسطينية (أي إنشاء قوات أمن محلية موالية للاحتلال) .
· العمل بالتنسيق مع إسرائيل ومصر (أي أن الاحتلال الإسرائيلي شريك في هذه القوة) .

القوة لا تهدف إلى حماية الفلسطينيين من إسرائيل. إسرائيل هي مصدر الخطر الأكبر عليهم. لكن القوة لن تتعرض للجيش الإسرائيلي، بل ستتعاون معه. هدفها الأساسي هو قمع أي مقاومة فلسطينية، وضمان استمرار الهيمنة الإسرائيلية.

السفير الروسي نيبينزيا حذر من أن هذه القوة قد تصبح "طرفاً في الحرب" . حماس وصفتها بأنها "قوة احتلال" . والخبراء القانونيون اعتبروها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، لأنها تفرض وصاية عسكرية على شعب محتل، بدلاً من إنهاء الاحتلال.

القوة أيضاً تفتقر إلى الشرعية. ليست قوة حفظ سلام أممية، بل قوة متعددة الجنسيات تحت القيادة الأمريكية. مجلس الأمن فوضها، لكنه لا يسيطر عليها. ولا توجد آليات واضحة للمساءلة أو الرقابة.

مايك والاس، عضو البرلمان الأوروبي السابق، قال: "الدول الغربية تواصل الحفاظ على علاقات تجارية مع هذا النظام الإسرائيلي الوحشي رغم مشاهدتهم الإبادة الجماعية على هواتفهم" . الآن، يضيفون قوة عسكرية جديدة لحماية هذا النظام.

١١. روسيا والصين: بين المبدأ والسياسة

موقف روسيا والصين من القرار ٢٨٠٣ كان محيراً. الدولتان تنتقدان أمريكا باستمرار، وتدعوان إلى التعددية القطبية، وتتحدثان عن حقوق الشعوب في تقرير مصيرها. لكن في اللحظة الحاسمة، امتنعتا عن التصويت. لم تستخدما الفيتو. سمحتا للقرار بالمرور.

لماذا؟

التفسير الرسمي: الدولتان قدمتا مشروعي قرار بديلين، لكنهما لم يحظيا بالدعم الكافي. وأرادتا تجنب انهيار وقف إطلاق النار الهش، وتحميل مسؤولية أي تصعيد.

التفسير غير الرسمي: الضغط الأمريكي كان هائلاً. واشنطن هددت بأن أي فيتو سيعني انهيار الاتفاق، وتحميل المعترضين مسؤولية استمرار الحرب. كما أن الدول العربية (الجزائر، الإمارات، الأردن) مارست ضغوطاً على روسيا والصين لعدم عرقلة القرار.

السفير الصيني فو كونغ عبر عن "خيبة الأمل العميقة" إزاء أسلوب التعامل، وقال إن القرار "يتجاهل المخاوف المشروعة للأعضاء" . لكنه مع ذلك لم يستخدم الفيتو.

السفير الروسي نيبينزيا حذر من أن القرار قد يجعل قوة التثبيت "طرفاً في الحرب" . لكن روسيا امتنعت أيضاً.

هذا الموقف أثار انتقادات حادة من ناشطين وحقوقيين. كثيرون رأوا فيه "خيانة" للقضية الفلسطينية، وانحناء أمام الضغط الأمريكي، وتأكيداً على أن روسيا والصين تضعان مصالحهما فوق مبادئهما.

كريج موكيهر قال إن "روسيا والصين كان بإمكانهما استخدام حق النقض لحماية حقوق الفلسطينيين، لكنهما اختارتا الامتناع. هذا ليس حياداً، هذا تواطؤ" .

١٢. الأونروا تحت الحصار

بالتوازي مع قرارات مجلس الأمن، كانت الأونروا تواجه هجوماً شرساً من إسرائيل.

في أكتوبر ٢٠٢٤، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانونين: الأول يمنع الأونروا من العمل في إسرائيل والقدس الشرقية، والثاني يقطع الاتصال بين المسؤولين الإسرائيليين والوكالة. القوانين دخلت حيز التنفيذ في يناير ٢٠٢٥ .

منذ ذلك الحين، الأونروا تواجه صعوبات هائلة في أداء مهامها. إسرائيل تمنع دخول موظفيها، وتعطل وصول مساعداتها، وتقصف مقراتها. عشرات الموظفين قتلوا. مئات آلاف الفلسطينيين حرموا من الخدمات الأساسية.

في مارس ٢٠٢٥، قطعت إسرائيل كل المساعدات عن غزة لمدة شهرين ونصف، بدعوى أن حماس "تسرق المساعدات". لكن التحقيقات كشفت أن هذه الادعاءات كاذبة، وأن النهب كان من قبل عصابات مسلحة تحميها إسرائيل نفسها .

محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في أكتوبر ٢٠٢٥، أكدت أن الأونروا "لا غنى عنها" للفلسطينيين، وأن على إسرائيل "تقديم كل مساعدة" للوكالة، وعدم عرقلة عملها. القرار كان واضحاً، بأغلبية ١٠ أصوات مقابل واحد.

لكن إسرائيل تجاهلت القرار. الأمم المتحدة، التي أصدرت القرار، لم تستطع إنفاذه. المجتمع الدولي، الذي صوت على القرار، لم يتحرك. والأونروا تواصل معاناتها، بينما الفلسطينيون يدفعون الثمن.

فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة، قالت أمام الجمعية العامة في أكتوبر ٢٠٢٥: "الأمم المتحدة فشلت فشلاً ذريعاً في إنفاذ القانون الدولي. لقد سمحت المنظمة بتفكيك دورها الإنساني في غزة، خاصة من خلال قرار إسرائيل بمنع الأونروا من العمل" .

١٣. تصريحات المسؤولين: اعترافات بالفشل

حتى مسؤولو الأمم المتحدة أنفسهم يعترفون بفشل المنظمة. أنطونيو غوتيريش، الأمين العام، قال في أغسطس ٢٠٢٥: "المجاعة ليست عن الغذاء فحسب، بل هي الانهيار المتعمد للأنظمة اللازمة للبقاء البشري. إنها كارثة من صنع الإنسان، وإدانة أخلاقية، وفشل للإنسانية نفسها" .

كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قالت في سبتمبر ٢٠٢٥: "مثال حيث لا نستخدم قوتنا الجيوسياسية، لأننا لسنا متحدين، هو غزة... نحن نكافح لأن ٢٧ دولة عضو لديها مواقف مختلفة" .

فرانشيسكا ألبانيزي كانت الأكثر صراحة. في خطابها أمام الجمعية العامة، قالت: "الأمم المتحدة أصبحت غير ذات صلة أكثر فأكثر". واتهمت الدول الغربية بـ"تسهيل وتطبيع وتبرير الحملة الإبادة التي ترتكبها إسرائيل" .

هذه التصريحات ليست مجرد انتقادات. هي اعترافات من داخل المنظمة بأنها فقدت شرعيتها. أن آلياتها لا تعمل. أن وعودها لا قيمة لها. أن صمتها أمام الجرائم يقتل ضحايا جدداً.

١٤. الفيتو الأمريكي: التاريخ والأرقام

لفهم حجم التواطؤ الأمريكي في الأمم المتحدة، يجب النظر إلى الأرقام.

منذ ١٩٤٥، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن حوالي ٩٠ مرة. أكثر من أي دولة أخرى. ومنذ ١٩٧٠، كانت الغالبية العظمى من هذه الفيتوهات لحماية إسرائيل. التقديرات تشير إلى أن أمريكا استخدمت الفيتو ٥١ مرة على الأقل لإسقاط قرارات تدين إسرائيل أو تطالبها بوقف انتهاكاتها .

خلال حرب غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦، استخدمت أمريكا الفيتو ست مرات:

· أكتوبر ٢٠٢٣: ضد قرار يدعو إلى هدنة إنسانية.
· ديسمبر ٢٠٢٣: ضد قرار يطالب بوقف فوري لإطلاق النار.
· فبراير ٢٠٢٤: ضد قرار مماثل.
· مارس ٢٠٢٤: امتنعت عن التصويت على القرار ٢٧٢٨، لكنها أعلنت أنه "غير ملزم".
· سبتمبر ٢٠٢٤: ضد مشروع قرار تقدمت به ١٠ دول غير دائمة العضوية .
· سبتمبر ٢٠٢٥: ضد قرار آخر لوقف إطلاق النار .

في كل مرة، كان المجتمع الدولي يقف مع القرار. ١٤ دولة تؤيد، وأمريكا وحدها تعترض. في كل مرة، كان المبرر نفسه: "القرار لا يأخذ في الاعتبار حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". في كل مرة، كان الفيتو الأمريكي يحمي إسرائيل من الإدانة الدولية.

هذا الاستخدام المتكرر للفيتو ليس مجرد حق سيادي. هو تعبير عن سياسة متعمدة. سياسة تضع حماية إسرائيل فوق كل اعتبار. سياسة تجعل من مجلس الأمن أداة في يد القوة العظمى، لا هيئة لتحقيق العدالة الدولية.

السفير الصيني فو كونغ عبر عن هذا بوضوح: "لولا حماية الولايات المتحدة لإسرائيل، لما انتهكت قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي بهذه الوقاحة" .

١٥. ألبانيزي تحت العقوبات: قمع المنتقدين

في يوليو ٢٠٢٥، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة للأراضي الفلسطينية المحتلة. العقوبات منعتها من دخول الأراضي الأمريكية، وجمدت أي أصول لها هناك، ومنعتها من التعامل مع أي مؤسسات أمريكية .

السبب؟ تقاريرها التي تنتقد إسرائيل وتتهمها بارتكاب إبادة جماعية. تقاريرها التي تكشف التواطؤ الغربي. تقاريرها التي تطالب بمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين.

في أكتوبر ٢٠٢٥، عندما قدمت ألبانيزي تقريرها الأخير إلى الجمعية العامة، لم تستطع الحضور شخصياً. تحدثت عبر الفيديو من جنوب إفريقيا. وصفت العقوبات بأنها "غير قانونية وحاقدة"، و"سابقة خطيرة" تهاجم استقلالية آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان .

هذه العقوبات رسالة واضحة: من ينتقد إسرائيل، حتى لو كان مسؤولاً دولياً، سيدفع الثمن. من يكشف الحقيقة، سيعاقب. من يدعو إلى العدالة، سيقمع.

الأمم المتحدة، التي يفترض أن تحمي مقرريها، لم تستطع فعل شيء. الولايات المتحدة عضو دائم في مجلس الأمن، وأكبر ممول للمنظمة. لا أحد يستطيع مساءلتها. وألبانيزي بقيت تحت العقوبات، تقدم تقاريرها عن بُعد، بينما تستمتع إسرائيل بالحصانة الكاملة.

١٦. التقارير الدولية: توثيق بلا عقاب

منذ بداية الحرب على غزة، أصدرت مؤسسات الأمم المتحدة العشرات من التقارير التي توثق الجرائم الإسرائيلية.

لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أصدرت تقريراً في سبتمبر ٢٠٢٥، وجدت فيه أن إسرائيل ترتكب "إبادة جماعية" في غزة . التقرير وثق عمليات قتل ممنهجة للمدنيين، واستهدافاً للمستشفيات والمدارس، واستخداماً للتجويع كسلاح حرب، وتهجيراً قسرياً للسكان.

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أصدر تحديثات أسبوعية عن عدد القتلى والجرحى والنازحين. الأرقام كانت صادمة: أكثر من ٦٩ ألف قتيل، أكثر من ١٠٠ ألف جريح، ١.٩ مليون نازح .

منظمة الأغذية والزراعة (فاو) حذرت من مجاعة وشيكة. برنامج الأغذية العالمي (WFP) قال إن ٩٠٪ من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. منظمة الصحة العالمية (WHO) وثقت تدمير نصف مستشفيات القطاع.

كل هذه التقارير صدرت. كلها وثقت الحقائق. لكن لا شيء تغير. إسرائيل استمرت في قصفها. والمجتمع الدولي استمر في تفرجه. الأمم المتحدة أثبتت مرة أخرى أنها قادرة على التوثيق، لكنها عاجزة عن الحماية.

فرانشيسكا ألبانيزي قالت: "التواطؤ في الإبادة يجب أن ينتهي. العالم يراقب غزة". لكن العالم لم يتحرك. والأمم المتحدة بقيت تراقب وتوثق، بينما القتلى يتساقطون.

١٧. المجتمع المدني الدولي: صوت بديل

في ظل فشل الأمم المتحدة الرسمي، برز صوت آخر: منظمات المجتمع المدني الدولية. هذه المنظمات ليست جزءاً من الأمم المتحدة، لكنها تلعب دوراً مهماً في توثيق الجرائم، والضغط على الحكومات، ودعم حركات المقاطعة.

منظمة العفو الدولية (Amnesty International) أصدرت تقارير متعددة عن جرائم إسرائيل، ودعت إلى فرض حظر على توريد الأسلحة. هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) وثقت استخدام إسرائيل لأسلحة محرمة دولياً. منظمة أوكسفام (Oxfam) حذرت من كارثة إنسانية وشيكة.

هذه المنظمات ليست محصنة من الانتقادات. بعضها يتهم بالتحيز، وبعضها الآخر يخضع لضغوط. لكنها مع ذلك تقدم خدمة مهمة: توثيق ما تفشل الحكومات في توثيقه، وإسماع صوت ما تحاول السلطات إسكاته.

شهادات موظفي الأمم المتحدة السابقين، مثل كريج موكيهر، كانت مؤثرة أيضاً. موكيهر، الذي قضى عقوداً في المنظمة، وصفها بأنها "فشلت في إنفاذ القانون الدولي، وانحازت إلى الجلادين، وتخلت عن الضحايا" .

هذه الأصوات البديلة تذكرنا بأن الأمم المتحدة ليست كل شيء. أن المجتمع المدني يمكن أن يكون رقيباً عليها. وأن الضغط الشعبي، إذا تراكم بما يكفي، قد يغير شيئاً.

١٨. التواطؤ العربي: شريك في الفشل

لا يمكن تحميل الأمم المتحدة وحدها مسؤولية الفشل. الدول العربية كانت شريكاً في هذا الفشل أيضاً.

الدول العربية صوتت لصالح القرار ٢٨٠٣، أو على الأقل لم تعترض عليه. الجزائر، التي كانت متوقعاً أن تقود المعارضة، أثنت على ترامب ودعمت القرار. دول خليجية، مثل الإمارات والبحرين، صوتت لصالحه. الأردن ومصر لم تعترضا .

هذه الدول تبرر موقفها بأنها تريد إنهاء الحرب ووقف القتل. لكن النقاد يرون أن هذا الموقف هو استمرار للتطبيع، وتنازل عن الحقوق الفلسطينية، وخضوع للضغط الأمريكي.

في الجامعة العربية، كانت المواقف هشة. بيانات شجب واستنكار، لكن لا إجراءات عملية. لا قطع علاقات مع إسرائيل. لا سحب لسفراء. لا عقوبات اقتصادية. فقط بيانات تنسى بمجرد صدورها.

هذا الصمت العربي، وهذا التواطؤ، كانا عاملاً رئيسياً في فشل الأمم المتحدة. لأن الدول العربية، التي يفترض أنها الأكثر تأثراً بالقضية، لم تستخدم نفوذها للضغط. بل على العكس، بعضها ساعد في تمرير القرارات التي تخدم إسرائيل.

١٩. مستقبل الأمم المتحدة: بين الإصلاح والانهيار

بعد ثمانية وسبعين عاماً من النكبة، وبعد سنتين من الإبادة في غزة، تواجه الأمم المتحدة سؤالاً وجودياً: هل يمكن إصلاحها؟ أم أنها تجاوزها الزمن، وأصبحت أداة في يد القوى الكبرى، وغطاء للجرائم الدولية؟

المنادون بالإصلاح يقولون إنه لا بد من تغيير جذري في هيكل المنظمة. إلغاء حق النقض (الفيتو) أو توسيع دائرة الدول دائمة العضوية. جعل قرارات الجمعية العامة ملزمة. إنشاء آليات تنفيذ حقيقية لقرارات محكمة العدل الدولية. وإخضاع الدول الكبرى للمساءلة مثل الدول الصغيرة.

المتشائمون يرون أن الإصلاح مستحيل. لأن الدول التي تملك حق النقض لن تتخلى عنه. لأن النظام الدولي الحالي قائم على توازن القوى، وليس على العدالة. لأن الأمم المتحدة، كما قال كريج موكيهر، "أصبحت آلية للقمع، وأداة للاحتلال، وشريكاً في الإبادة" .

الواقع أن مستقبل الأمم المتحدة سيعتمد على موازين القوى العالمية. إذا استمرت الهيمنة الأمريكية، فسيستمر الشلل. إذا برزت قوى جديدة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل)، فقد يتغير التوازن. لكن حتى ذلك الحين، ستبقى فلسطين هي الضحية.

٢٠. الخلاصة: الأمم المتحدة في ميزان التاريخ

في النهاية، تبقى الأمم المتحدة مؤسسة متناقضة. أنشئت لتنقذ العالم من ويلات الحرب، ففشلت في إنقاذ فلسطين. كتبت في ميثاقها مبادئ سامية عن حقوق الإنسان، فانتهكت هذه المبادئ في أقدس قضاياها. تمثل "ضمير الإنسانية"، فصمت ضميرها حين احتاجته الإنسانية أكثر ما تحتاج.

في ١٩٤٧، قسمت فلسطين. في ١٩٤٨، شهدت النكبة. في ١٩٦٧، عجزت عن وقف الاحتلال. في ٢٠٢٣٢٠٢٦، عجزت عن وقف الإبادة. وفي ٢٠٢٥، أصدرت قراراً يشرعن وصاية أمريكية على غزة، وينزع عن الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم.

فرانشيسكا ألبانيزي قالت: "الأمم المتحدة فشلت فشلاً ذريعاً في إنفاذ القانون الدولي". كريج موكيهر قال: "مجلس الأمن أصبح آلية للقمع، وأداة للاحتلال". السفير الصيني قال: "لولا الفيتو الأمريكي، لكان رد المجلس مختلفاً".

هذه الشهادات من داخل المنظمة نفسها تؤكد ما يعرفه الفلسطينيون منذ عقود: الأمم المتحدة ليست حليفاً. هي ساحة صراع، وأداة في يد الأقوياء، وغطاء للجرائم. يمكن استخدامها للتوثيق، والضغط، وكشف الحقائق. لكن لا يمكن الاعتماد عليها لإنفاذ العدالة.

الدرس الأقسى: لن تنقذ الأمم المتحدة فلسطين. فلسطين ستنقذها فلسطين. بالمقاومة، والصمود، والعودة. والأمم المتحدة، إن أرادت استعادة شرعيتها، فعليها أن تقف مع الحق، حتى لو كان ضد الأقوياء.

غزة دمرت، والأمم المتحدة شاهدت. شهداء سقطوا، والأمم المتحدة سجلت. جرائم ارتكبت، والأمم المتحدة وثقت. لكن لم تفعل شيئاً. هذا هو ميزانها في التاريخ.


……


الفصل العشرون: المساءلة الدولية - الطريق إلى العدالة

١. مقدمة: العدالة وإن تأخرت

في صباح يوم ٢٠ مايو ٢٠٢٤، وقف كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، في مكتبه في لاهاي. كان على وشك اتخاذ قرار لم يسبق له مثيل. قرار طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين: بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، ويوآف غالانت، وزير الدفاع. وإلى جانبهما، قادة من حماس: يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية .

كانت لحظة تاريخية. لأول مرة، يواجه قادة إسرائيليون خطر الملاحقة القضائية الدولية. لأول مرة، قد لا يستطيعون السفر إلى دول عديدة خوفاً من الاعتقال. لأول مرة، تتحرك العدالة الدولية، ولو متأخرة، تجاه مرتكبي الجرائم في فلسطين.

لكن العدالة، كما نعرف، بطيئة. ومحفوفة بالعقبات. ومقيدة بالسياسة. وبعد مرور عامين، ما زالت مذكرات الاعتقال معلقة. نتنياهو يواصل السفر إلى واشنطن ولندن، وغالانت يستقبل في باريس. والقادة المتهمون من حماس استشهدوا جميعاً في الحرب.

هذا الفصل هو عن تلك العدالة. عن المسار الطويل والشائك لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين. عن المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، والولاية القضائية العالمية. عن النجاحات المحدودة والإخفاقات الكبيرة. عن العقبات التي تضعها القوى الكبرى، والدعم الذي تقدمه دول الجنوب. عن سوابق تاريخية من جنوب إفريقيا ويوغوسلافيا ورواندا، ودروس يمكن استخلاصها. وعن مستقبل المساءلة: هل يمكن حقاً محاكمة قادة إسرائيل؟ أم أن الإفلات من العقاب سيبقى القاعدة؟

في الفصول السابقة، وثقنا الجرائم. شهادات القادة، وثائق بروشي، مجازر الصفصاف وكفر قاسم، إخفاء "مالاب"، الإبادة في غزة، التواطؤ الغربي، دور الشركات، فشل الأمم المتحدة. الآن، يأتي دور السؤال الأهم: كيف نحاسب؟ كيف ننتقل من التوثيق إلى العدالة؟ كيف نجعل المجرمين يدفعون الثمن؟

كريم خان قال في طلب مذكرات الاعتقال: "اليوم، نتخذ خطوة أخرى في عملية مستقلة ونزيهة. نؤكد من جديد أن القانون الدولي ينطبق على الجميع. لا أحد فوق القانون" .

لكن الواقع يقول غير ذلك. القانون الدولي ينطبق على الضعفاء فقط. الأقوياء فوقه. إسرائيل فوقه. وأمريكا تحميها. فهل يمكن كسر هذه القاعدة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا الفصل.

٢. المحكمة الجنائية الدولية: تاريخ ونشأة

المحكمة الجنائية الدولية (International Criminal Court - ICC) هي أول محكمة جنائية دولية دائمة في التاريخ. أنشئت بموجب معاهدة روما عام ١٩٩٨، وبدأت عملها عام ٢٠٠٢. مهمتها: محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان .

فكرة المحكمة ليست جديدة. بعد الحرب العالمية الأولى، حاولت محاكمة القيصر الألماني. بعد الحرب العالمية الثانية، أنشئت محاكم نورمبرغ وطوكيو. خلال الحرب الباردة، جمدت الفكرة. وبعد انتهائها، عادت للظهور مجدداً، مع محاكم خاصة ليوغوسلافيا ورواندا.

محكمة لاهاي مختلفة. هي دائمة، وليست مؤقتة. هي عالمية، وليست خاصة بمنطقة معينة. وهي تعمل على مبدأ "التكامل": لا تتدخل إلا إذا كانت الدول نفسها غير راغبة أو غير قادرة على محاكمة المجرمين.

لكن للمحكمة حدود. أهمها: لا تملك ولاية إلا على جرائم وقعت في أراضي الدول الأعضاء في معاهدة روما، أو ارتكبها مواطنو هذه الدول. فلسطين انضمت إلى المحكمة عام ٢٠١٥، مما يمنح المحكمة ولاية على جرائم وقعت في أراضيها. إسرائيل ليست عضواً، لكن المحكمة يمكنها محاكمة إسرائيليين ارتكبوا جرائم في فلسطين .

منذ ٢٠١٥، والمحكمة تحقق في جرائم في فلسطين. التحقيق واجه عقبات هائلة. ضغوط أمريكية، وتهديدات بفرض عقوبات، ومماطلة إسرائيلية. لكنه استمر. وفي ٢٠٢٤، وصل إلى نقطة حاسمة.

٣. مذكرات الاعتقال: ٢٠ مايو ٢٠٢٤

في ٢٠ مايو ٢٠٢٤، أعلن كريم خان طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق:

من الجانب الإسرائيلي:

· بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي.
· يوآف غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي.

التهم الموجهة إليهما: ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، بما في ذلك:

· تجويع المدنيين كسلاح حرب.
· القتل العمد.
· توجيه هجمات متعمدة ضد المدنيين.
· الإبادة و/أو القتل.
· الاضطهاد.
· أعمال أخرى غير إنسانية .

من الجانب الفلسطيني:

· يحيى السنوار، قائد حركة حماس في غزة.
· محمد الضيف، القائد العام لكتائب القسام.
· إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس.

التهم الموجهة إليهم: ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ٧ أكتوبر وما بعده، بما في ذلك:

· القتل العمد.
· الإبادة.
· أخذ الرهائن.
· الاغتصاب والعنف الجنسي.
· التعذيب .

كرّم خان كان واضحاً: "اليوم، نتخذ خطوة أخرى في عملية مستقلة ونزيهة. نؤكد من جديد أن القانون الدولي ينطبق على الجميع. لا أحد فوق القانون" .

ردود الفعل كانت متوقعة. إسرائيل نددت بشدة، واتهمت المحكمة بـ"معاداة السامية". الولايات المتحدة هددت بفرض عقوبات على المحكمة. حماس رحبت من حيث المبدأ، لكنها انتقدت مساواة الضحية بالجلاد. دول أوروبية انقسمت بين مؤيد ومعارض.

المفاجأة كانت من بعض الدول الغربية. بريطانيا أعلنت أنها ستعترض على طلب مذكرات الاعتقال بحق القادة الإسرائيليين، في سابقة خطيرة لاستخدام حقها في الطعن أمام المحكمة. ألمانيا أعربت عن "شكوك قانونية". فرنسا قالت إنها تدعم المحكمة من حيث المبدأ، لكنها تنتظر القرار النهائي .

أما دول الجنوب، فرحبت بالقرار. جنوب إفريقيا، والبرازيل، والمكسيك، وتشيلي، ودول عربية عدة، أعلنت دعمها للمحكمة. هذه الدول ترى في الخطوة تأكيداً لمبدأ المساءلة العالمية، ورفضاً للإفلات من العقاب.

٤. العقبات: الضغوط الأمريكية والتهديدات

منذ اللحظة الأولى، واجهت المحكمة ضغوطاً هائلة. الولايات المتحدة، الحليف الأقوى لإسرائيل، لم تكتفِ بالانتقادات. هددت باتخاذ إجراءات.

في يونيو ٢٠٢٤، أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، رداً على مذكرات الاعتقال. المشروع، الذي حمل عنوان "قانون مكافحة المحكمة غير الشرعية" (Illegitimate Court Counteraction Act)، يهدد بفرض عقوبات على أي قاضٍ أو موظف في المحكمة يحقق مع مواطنين أمريكيين أو مواطنين من دول حليفة غير أعضاء في المحكمة (مثل إسرائيل) .

العقوبات تشمل: تجميد الأصول في الولايات المتحدة، منع دخول الأراضي الأمريكية، ومنع التعامل مع أي مؤسسات أمريكية. هذا يعني أن قضاة المحكمة قد يصبحون ممنوعين من السفر إلى أمريكا، وأرصدتهم مجمدة، وعلاقاتهم المالية مقطوعة.

التهديد الأمريكي ليس جديداً. في ٢٠٢٠، فرضت إدارة ترامب عقوبات على المدعي السابق فاتو بنسودة وموظف آخر، بعد أن فتحت المحكمة تحقيقاً في جرائم حرب أمريكية في أفغانستان. العقوبات رفعت لاحقاً على يد إدارة بايدن، لكن التهديد بقي.

الضغط الأمريكي أثر على المحكمة. بعض الدول الأوروبية، التي كانت تدعم المحكمة تقليدياً، بدأت تتراجع. بريطانيا قدمت طعناً قانونياً. ألمانيا أبدت تحفظات. حتى كندا، التي كانت من أشد المؤيدين، أعلنت أنها "تدرس" موقفها.

لكن المحكمة صمدت. كريم خان واصل عمله. هيئة القضاة بدأت دراسة الطلبات. ومذكرات الاعتقال بقيت معلقة، تنتظر القرار النهائي.

٥. استشهاد القادة المتهمين: نهاية غير متوقعة

في ٢٧ يوليو ٢٠٢٤، اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية في طهران، بعد يوم من مشاركته في تنصيب الرئيس الإيراني الجديد. في ١٩ سبتمبر ٢٠٢٤، اغتيل صالح العاروري في ضاحية بيروت الجنوبية. وفي ١٦ أكتوبر ٢٠٢٤، أعلنت إسرائيل اغتيال يحيى السنوار في عملية في رفح .

خلال أشهر قليلة، قُتل جميع القادة الفلسطينيين الثلاثة الذين طلب خان إصدار مذكرات اعتقال بحقهم. هذا يعني أن القضية بحقهم سقطت. المحكمة لا تحاكم الموتى. الطلب انتهى عملياً.

أما القادة الإسرائيليون، فما زالوا على قيد الحياة. نتنياهو يواصل حكمه. غالانت ما زال وزيراً للدفاع. ومذكرات الاعتقال بحقهما لا تزال معلقة. لكن مرور الوقت يضعفها. الأدلة تبرد. الشهود يموتون أو ينسون. والضغط الدولي يتغير.

هذا التفاوت في المصير يعكس التفاوت في القوة. إسرائيل تقتل من تريد، ولا أحد يحاسبها. المقاومون يموتون، والملفات تسقط. القادة الإسرائيليون يعيشون، والملفات تعلق.

٦. محكمة العدل الدولية: المسار الموازي

بالتوازي مع المحكمة الجنائية الدولية، كان هناك مسار آخر في محكمة العدل الدولية (ICJ). محكمة العدل تختلف عن المحكمة الجنائية. الأولى تفصل في النزاعات بين الدول، وتصدر فتاوى قانونية. الثانية تحاكم الأفراد. الأولى في لاهاي أيضاً، لكنها جزء من الأمم المتحدة، بينما المحكمة الجنائية مستقلة.

في ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٣، رفعت جنوب إفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة. الدعوى استندت إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية، التي وقعت عليها إسرائيل وجنوب إفريقيا معاً .

المرافعات كانت مؤثرة. محامون جنوب إفريقيون قدموا أدلة على نية الإبادة: تصريحات قادة إسرائيليين (مثل "حيوانات بشرية")، استخدام التجويع كسلاح، قتل آلاف الأطفال، تدمير المستشفيات والمدارس. قالوا إن إسرائيل تنتهك التزاماتها بموجب الاتفاقية.

في ٢٦ يناير ٢٠٢٤، أصدرت المحكمة حكمها الأولي. وجدت أن "هناك خطراً حقيقياً ووشيكاً بارتكاب إبادة جماعية". وأمرت إسرائيل باتخاذ إجراءات فورية لمنع الإبادة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتقديم تقرير خلال شهر .

إسرائيل تجاهلت القرار. استمرت في القصف والحصار. وقدمت تقريراً سطحياً اعتبرته المحكمة غير كافٍ.

في مارس ٢٠٢٤، أصدرت المحكمة أمراً جديداً، تطالب إسرائيل بضمان وصول المساعدات ومنع المجاعة. في مايو ٢٠٢٤، أمرت بوقف الهجوم على رفح. في يوليو ٢٠٢٤، أصدرت رأياً استشارياً تاريخياً اعتبرت فيه الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني، وألزمت إسرائيل بإنهائه فوراً .

هذه الأحكام مهمة من الناحية القانونية. لكنها غير ملزمة عملياً. محكمة العدل الدولية لا تملك قوة تنفيذ. أحكامها تعتمد على إرادة الدول. وإسرائيل، بدعم أمريكي، تجاهلتها جميعاً.

مع ذلك، الأحكام لها قيمة. توثق الانتهاكات. تخلق سجلاً قانونياً. تضغط على الدول الأخرى لاتخاذ موقف. وتساهم في بناء قضية مستقبلية أمام المحاكم الدولية.

٧. الولاية القضائية العالمية: محاكمات في دول أخرى

بالإضافة إلى المحاكم الدولية، هناك مسار آخر: الولاية القضائية العالمية (Universal Jurisdiction). هذا المبدأ يسمح للدول بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، حتى لو كانت الجريمة وقعت خارج أراضيها، وحتى لو كان المتهم أجنبياً.

العديد من الدول لديها قوانين تسمح بذلك: إسبانيا، بلجيكا، ألمانيا، فرنسا، السويد، النرويج، وكندا. هذه القوانين استخدمت في الماضي لمحاكمة مجرمين من تشيلي والأرجنتين ورواندا ويوغوسلافيا.

خلال حرب غزة، بدأت تظهر دعاوى قضائية في دول مختلفة ضد قادة إسرائيليين.

في أستراليا: في يناير ٢٠٢٤، رفع محامون أستراليون دعوى قضائية خاصة ضد الرئيس الإسحاق هرتصوغ، بتهمة "التواطؤ في الإبادة الجماعية" خلال زيارته للبلاد. الدعوى استندت إلى قانون الجرائم الدولية الأسترالي، الذي يسمح بمقاضاة المتهمين بجرائم حرب .

في سويسرا: في فبراير ٢٠٢٤، رفع ٢٥ محامياً سويسرياً دعوى ضد وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس، بتهمة "التواطؤ في جرائم حرب"، لأنه استمر في دعم إسرائيل رغم التحذيرات .

في بريطانيا: تقدم محامون بريطانيون بطلب لفرض عقوبات على نتنياهو ومنعه من السفر، مستخدمين نظام "ماغنيتسكي" للعقوبات .

في إسبانيا: بدأت منظمات حقوقية في جمع أدلة لرفع دعاوى ضد جنود إسرائيليين زاروا إسبانيا.

هذه الدعاوى لم تؤدِ بعد إلى إدانات أو اعتقالات. لكنها تخلق ضغطاً. تمنع القادة الإسرائيليين من السفر بحرية. وتجعلهم يفكرون مرتين قبل زيارة دول قد تطبق الولاية القضائية العالمية.

٨. دور جنوب إفريقيا: نموذج يحتذى

جنوب إفريقيا كانت اللاعب الأكثر جرأة في المسار القانوني. ليس فقط برفع الدعوى أمام محكمة العدل الدولية، بل بدعمها المستمر للمساءلة الدولية.

لماذا جنوب إفريقيا؟ لأنها تعرف معنى الفصل العنصري. لأنها عانت من نظام مشابه. لأن نضالها ضد الأبارتهايد استمر عقوداً، وانتصر في النهاية. ولأنها تؤمن أن العدالة الدولية ممكنة، إذا توفرت الإرادة السياسية.

في مرافعتها أمام محكمة العدل، ربطت جنوب إفريقيا بين نضالها ونضال الفلسطينيين. قالت إن ما يحدث في غزة هو استمرار للفصل العنصري الذي عانى منه شعبها. وإن محاربة إسرائيل هي استمرار لمحاربة نظام الأبارتهايد.

محامو جنوب إفريقيا قدموا مرافعات قوية، مستندين إلى أدلة دامغة. تصريحات القادة الإسرائيليين، تقارير المنظمات الحقوقية، شهادات الناجين. كلها استخدمت لبناء قضية لا تقبل الجدل.

ردود الفعل على دور جنوب إفريقيا كانت متباينة. دول الجنوب أشادت. دول الشمال تحفظت. إسرائيل غضبت واتهمت جنوب إفريقيا بـ"معاداة السامية". أمريكا انتقدت. لكن جنوب إفريقيا استمرت.

هذا الدور مهم. يذكرنا بأن دول الجنوب يمكنها أن تلعب دوراً قيادياً في العدالة الدولية. ليست محكومة باتباع الغرب. يمكنها أن ترفع صوتها، وأن تتصدى للظلم، وأن تساند الشعوب المقهورة.

٩. الخبراء القانونيون: شهادات من الداخل

خبراء قانونيون دوليون قدموا شهادات مهمة أمام المحاكم وهيئات التحقيق.

شعبان جبارين، مدير مؤسسة الحق، قال إن "هناك جرائم لا تسقط بالتقادم، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. الوثائق دليل واضح لا يقبل الجدل على جرائم إسرائيل" .

ربيع إغبارية، الباحث في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، كتب مقالاً (رفضت مجلة أكاديمية نشره) يقول فيه إن الإبادة الجماعية في غزة هي استمرار للنكبة، وإن الصمت الأكاديمي الغربي عن تسميتها يعكس نفاقاً أخلاقياً .

فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة، قدمت عدة تقارير توثق الجرائم وتطالب بمحاكمة المسؤولين. تعرضت لعقوبات أمريكية، لكنها واصلت عملها.

هؤلاء الخبراء ليسوا مجرد أكاديميين. هم شهود على الجريمة. هم من يبنون الأدلة التي تستند إليها المحاكم. دورهم أساسي في عملية المساءلة.

١٠. السوابق التاريخية: دروس من الماضي

التاريخ يقدم لنا سوابق مهمة عن محاكمة مجرمي الحرب.

محاكم نورمبرغ (١٩٤٥١٩٤٦) : بعد الحرب العالمية الثانية، حوكم كبار قادة النازية أمام محكمة دولية. الاتهامات: جرائم ضد السلام، جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية. صدرت أحكام بالإعدام والسجن. كانت هذه المرة الأولى في التاريخ التي يحاكم فيها قادة دولة أمام محكمة دولية. السابقة كانت مهمة، لكنها كانت أيضاً انتقائية. المنتصرون حاكموا المهزومين، ولم يحاكم أحد من الحلفاء.

محكمة يوغوسلافيا السابقة (١٩٩٣٢٠١٧) : أنشئت لمحاكمة مرتكبي الجرائم في حروب البلقان. حاكمت قادة صرباً وكرواتاً وبوشناقاً. صدرت أحكام بالسجن على كثيرين. كانت أول محكمة دولية منذ نورمبرغ. وقدمت سوابق مهمة في تعريف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

محكمة رواندا (١٩٩٤٢٠١٥) : أنشئت لمحاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية في رواندا. حاكمت قادة الهوتو المتهمين بقتل التوتسي. صدرت أحكام مهمة، وساهمت في تطوير القانون الدولي.

محاكمة سلوبودان ميلوشيفيتش (٢٠٠٢٢٠٠٦) : رئيس يوغوسلافيا السابق حوكم بتهمة الإبادة وجرائم حرب. مات قبل انتهاء المحاكمة. قضيته أظهرت صعوبة محاكمة قادة كبار، خاصة إذا ماتوا قبل النطق بالحكم.

محاكمة تشارلز تايلور (٢٠٠٧٢٠١٢) : رئيس ليبيريا السابق حوكم أمام محكمة خاصة في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم في سيراليون. أدين وسجن.

هذه السوابق تقدم دروساً: محاكمة القادة ممكنة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية دولية. المحاكم الدولية بطيئة ومعقدة. الإدانة ليست مضمونة. والموت قد ينهي القضية قبل الحكم.

لكنها أيضاً تثبت أن العدالة ممكنة. أن لا أحد فوق القانون، مهما كان منصبه. وأن الضحايا يمكنهم أن يروا الجلادين في قفص الاتهام.

١١. التحديات: ما يعيق المساءلة؟

رغم كل هذه الجهود، تواجه المساءلة الدولية عقبات هائلة.

العقبة الأولى: الضغوط السياسية. الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، تمارس ضغوطاً هائلة على المحاكم الدولية. تهدد بالعقوبات، تقطع التمويل، تعرقل التحقيقات. هذه الضغوط تردع القضاة والمدعين العامين، وتجعلهم يفكرون مرتين قبل تحريك قضايا حساسة.

العقبة الثانية: صعوبة جمع الأدلة. جمع أدلة على جرائم حرب يحتاج إلى موارد هائلة، وتعاون من الدول، ووصول إلى مسرح الجريمة. في غزة، الوصول شبه مستحيل. إسرائيل تمنع المحققين الدوليين. الأدلة تأتي من منظمات حقوقية وشهود عن بُعد. هذا يضعف القضايا.

العقبة الثالثة: بطء الإجراءات. المحاكم الدولية بطيئة جداً. قضية فلسطين فتحت في ٢٠١٥، وما زالت في مراحلها الأولى. قضايا أخرى استغرقت عقوداً. البطء يخدم المجرمين، ويحبط الضحايا.

العقبة الرابعة: موت الشهود والمتهمين. مع مرور الوقت، يموت الشهود. يموت المتهمون. كما حدث مع قادة حماس. الموت ينهي القضية، ويعيد الضحايا إلى الصفر.

العقبة الخامسة: الإفلات من العقاب كقاعدة. للأسف، الإفلات من العقاب هو القاعدة في القانون الدولي. معظم مجرمي الحرب لم يحاكموا. معظم الجرائم بقيت دون عقاب. هذا يعطي القادة الحاليين شعوراً بالأمان، ويشجعهم على ارتكاب المزيد.

١٢. وثائق النكبة: أدلة لا تقبل الجدل

في هذا السياق، تكتسب وثائق النكبة التي كشفنا عنها في الفصول الأولى أهمية استثنائية. لأنها ليست مجرد أدلة على جرائم الماضي. هي أيضاً أدلة على "جريمة التأسيس" التي تقوم عليها إسرائيل.

أوامر بروشي، شهادات القادة، وثيقة الـ٧٠٪، تقارير المخابرات. كلها تثبت أن إسرائيل قامت على التطهير العرقي والإبادة. هذا يغير طبيعة الصراع. لم يعد مجرد نزاع على حدود، بل جريمة مستمرة منذ البداية.

في أي محاكمة مستقبلية، يمكن استخدام هذه الوثائق:

· لإثبات أن الطرد كان سياسة ممنهجة، وليس صدفة حرب.
· لإثبات أن المجازر كانت معروفة للقيادة العليا.
· لإثبات أن إسرائيل أخفت الأدلة لعقود.
· لإثبات أن النكبة ليست حدثاً ماضياً، بل عملية مستمرة.

محامون دوليون بدأوا بالفعل في دراسة هذه الوثائق. يقولون إنها "دليل إدانة ذاتي" (self-incrimination). لأنها مكتوبة بأيدي إسرائيلية، ولا يمكن إنكارها.

شعبان جبارين، مدير مؤسسة الحق، قال: "الوثائق التي عثر عليها في تل أبيب ليست مجرد أوراق قديمة. هي شهادة ميلاد الجريمة. هي اعتراف الجلاد. يمكن استخدامها في أي محكمة دولية" .

١٣. مستقبل المساءلة: سيناريوهات محتملة

ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل؟ هناك عدة سيناريوهات.

السيناريو الأول: استمرار الجمود. تبقى مذكرات الاعتقال معلقة. إسرائيل تستمر في تجاهلها. أمريكا تواصل حمايتها. والمحكمة الجنائية الدولية تتراجع تحت الضغط. هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير.

السيناريو الثاني: إصدار مذكرات الاعتقال. تصدر المحكمة مذكرات بحق نتنياهو وغالانت. تصبح إسرائيل دولة مارقة. قادتها يواجهون خطر الاعتقال في الدول الأعضاء في المحكمة. السفر يصبح مقيداً. والضغط الدولي يتزايد. هذا ممكن، لكنه يواجه عقبات هائلة.

السيناريو الثالث: إدانة في محكمة العدل الدولية. تصدر محكمة العدل حكماً نهائياً بإدانة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. هذا الحكم، حتى لو غير ملزم، سيكون له تأثير سياسي كبير. سيدعم حركة المقاطعة، ويشجع الدول على قطع العلاقات، ويزيد العزلة الدولية لإسرائيل.

السيناريو الرابع: محاكمات في دول أخرى. تستخدم الولاية القضائية العالمية لمحاكمة قادة إسرائيليين في دول أوروبية. هذا قد يبدأ بحالات رمزية، ثم يتوسع. نجاح محاكمة واحدة يمكن أن يفتح الباب أمام محاكمات أخرى.

السيناريو الخامس: تسوية سياسية شاملة. في إطار اتفاق سلام نهائي، يتم الاتفاق على آلية للمساءلة والتعويضات. هذا هو السيناريو الأقل احتمالاً حالياً، لكنه ليس مستحيلاً على المدى الطويل.

كل هذه السيناريوهات ممكنة. أيها يتحقق يعتمد على موازين القوى، والإرادة السياسية، والضغط الشعبي.

١٤. دور الضغط الشعبي: القوة الدافعة

في النهاية، المساءلة الدولية لا تحدث في فراغ. هي نتاج ضغط شعبي. المحاكم تستجيب للرأي العام. الدول تتحرك تحت ضغط ناخبيها. والشركات تتراجع عندما تهددها المقاطعة.

حركة المقاطعة (BDS) هي المثال الأوضح. ضغطت على شركات وحكومات. أجبرت بعضها على التراجع. خلقت مناخاً دولياً معادياً لإسرائيل. وساهمت في دفع قضايا المساءلة إلى الواجهة.

المظاهرات المليونية في عواصم العالم بعد ٧ أكتوبر خلقت ضغطاً هائلاً. الحكومات الغربية، التي اعتادت دعم إسرائيل دون قيد أو شرط، وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع غضب شعبي غير مسبوق. هذا الغضب ترجم إلى تحول في الخطاب، ولو محدوداً.

طلاب الجامعات الذين احتلوا ساحات الحرم الجامعي وطالبوا بسحب الاستثمارات، أجبروا إداراتهم على مناقشة قضايا لم تكن مطروحة من قبل. بعض الجامعات استجابت بالفعل. هذا الضغط سيزداد مع الوقت.

الضغط الشعبي هو المحرك الحقيقي للعدالة. بدون ضغط، لا تتحرك المحاكم. بدون ضغط، لا تتخذ الدول مواقف جريئة. بدون ضغط، يبقى المجرمون طلقاء.

كريج موكيهر، مدير سابق لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قال: "العدالة لا تأتي من السماء. هي تصنعها الشعوب. بضغطها، وتضحياتها، وإصرارها" .

١٥. من غزة إلى لاهاي: الطريق طويل

في يناير ٢٠٢٦، وقف محامون دوليون أمام المحكمة الجنائية الدولية، وقدموا أدلة جديدة على جرائم إسرائيل في غزة. جمعوا آلاف الشهادات، وصور الأقمار الصناعية، وتقارير الخبراء. طالبوا بتسريع التحقيق وإصدار مذكرات الاعتقال.

في فبراير ٢٠٢٦، أعلنت منظمة العفو الدولية أن لديها أدلة كافية لإدانة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك .

في مارس ٢٠٢٦، رفعت تشيلي والمكسيك دعوى مشتركة أمام محكمة العدل الدولية، تطالب بالتحقيق في جرائم إسرائيل .

في أبريل ٢٠٢٦، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن هيئة القضايا ستصدر قرارها بشأن مذكرات الاعتقال قبل نهاية العام .

هذه التطورات تبشر بالخير. لكن الطريق ما زال طويلاً. المحاكم بطيئة. السياسة معقدة. والعقبات كثيرة.

بين غزة ولاهاي، مسافة آلاف الكيلومترات. لكن المسافة الأكبر ليست جغرافية، بل سياسية. بين ضحايا الإبادة وصالات المحاكم، تقف قوى عظمى تحمي المجرمين. بين الدم الفلسطيني والعدالة الدولية، تتربع مصالح اقتصادية لا تريد محاسبة إسرائيل.

لكن الأمل باق. كل قضية ترفع، كل وثيقة تكتشف، كل شهادة تسمع، تقرب المسافة. ربما لن نرى العدالة في حياتنا. لكننا نزرعها للأجيال القادمة.

١٦. الخلاصة: العدالة واجب، لا خيار

في النهاية، المساءلة الدولية ليست رفاهية. ليست خياراً. هي واجب. واجب على المجتمع الدولي تجاه ضحاياه. واجب على المحاكم تجاه القانون. واجب على الشعوب تجاه إنسانيتها.

سبعة وسبعون عاماً من النكبة. سنتان من الإبادة في غزة. عشرات الآلاف من القتلى. ملايين اللاجئين. ومازال المجرمون طلقاء. مازالوا يتفاخرون بجرائمهم على شاشات التلفزيون. مازالوا يستقبلون في البيت الأبيض. مازالوا يوقعون اتفاقيات التطبيع.

هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. الإفلات من العقاب ليس قدراً. يمكن كسره. بالضغط، بالتوثيق، بالمقاطعة، بالملاحقات القضائية، بالتضامن الدولي.

وثائق النكبة التي عثرنا عليها في قمامة تل أبيب هي جزء من هذا الجهد. هي أدلة على الجريمة. هي شهود على التاريخ. هي سلاح في معركة العدالة.

استخدام هذه الوثائق في المحاكم الدولية هو الخطوة التالية. ترجمتها، ونشرها، والاستناد إليها في الدعاوى القضائية. تحويلها من أوراق صفراء إلى أحكام قضائية. من ذكريات مؤلمة إلى عدالة ناجزة.

كريم خان قال: "لا أحد فوق القانون". يجب أن تثبت الأيام صحة كلماته. يجب أن يرى العالم أن القانون الدولي ليس مجرد كلمات على ورق. يجب أن يشعر المجرمون أن أفعالهم لها ثمن.

الطريق طويل. لكن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم. كما يقول المثل اللاتيني: "فليتهادم العالم، وليتحقق العدل" (Fiat justitia ruat caelum).

فلسطين تستحق العدالة. وستنالها، يوماً ما.


……


الخاتمة: من النكبة إلى التحرير - رؤية للمستقبل

١. حيث نلتقي بعد الرحيل

في الثاني من نوفمبر ١٩١٧، وعد بلفور. في الخامس عشر من مايو ١٩٤٨، بدأت النكبة. وفي السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، انطلقت طوفان الأقصى. بين هذه التواريخ الثلاثة، مسافة مئة وستة أعوام من الصراع. مئة وستة أعوام من المقاومة. مئة وستة أعوام من الأمل.

الآن، في عام ٢٠٢٦، نقف على حافة مرحلة جديدة. غزة دمرت، لكنها لم تستسلم. الضفة تحت الحصار، لكنها تقاوم. الداخل الفلسطيني يهتف بالمساواة. والشتات يحلم بالعودة. والمجتمع الدولي، رغم تخاذله، بدأ وعيه يتغير. والعدالة، رغم بطئها، بدأت تتحرك.

هذه الخاتمة هي محاولة للإجابة عن سؤال المصير: إلى أين نحن ذاهبون؟ بعد كل ما وثقه هذا الكتاب من جرائم، وإخفاء، وتواطؤ، وإبادة، هل هناك أمل؟ أم أن الظلمة ستبتلع كل شيء؟

الجواب، كما حاولنا أن نظهر في كل فصل، ليس بسيطاً. الأمل موجود، لكنه ليس مجانياً. هو نتاج عمل. نتاج صمود. نتاج مقاومة. نتاج تضحيات. هو ليس شعاعاً ينزل من السماء، بل جمرة تشتعل في القلوب، وتحتاج إلى رعاية لتبقى متقدة.

في هذه الخاتمة، سنحاول أن نجمع خيوط الكتاب. نسترجع ما تعلمناه من الوثائق. نستخلص الدروس من التاريخ. نحدد التحديات التي تواجهنا. ونرسم، بقدر ما يسمح به الواقع، رؤية للمستقبل. ليس رؤية يوتوبية، بل رؤية واقعية، تعترف بالصعوبات، لكنها لا تستسلم لها. رؤية تقول: نعم، الطريق طويل. لكنه ليس مستحيلاً. نعم، العدو قوي. لكن إرادة الحياة أقوى. نعم، العالم متخاذل. لكن ضمير الإنسانية ما زال حياً.

في البدء كانت النكبة. في النهاية سيكون التحرير. هذا هو الطريق. وهذا هو الوعد.

٢. ملخص الرحلة: ما تعلمناه من الوثائق

في بداية هذا الكتاب، عثرنا على صندوق في قمامة تل أبيب. صندوق يحتوي على وثائق جندي إسرائيلي اسمه رافي كوتسير. هذه الوثائق فتحت لنا نافذة على الماضي، وأضاءت الحاضر، وألقت بظلالها على المستقبل.

ماذا تعلمنا من هذه الوثائق؟

أولاً: أن النكبة كانت مشروعاً. ليست صدفة حرب. ليست خطأً عسكرياً. ليست نتيجة حتمية للصراع. كانت مشروعاً مخططاً له، بأوامر مكتوبة، وتوقيعات رسمية، وشهادات قادة. أوامر إسحاق بروشي بقتل كل عربي من قبيلة الصبيح، وتفجير القرى، وإعدام كل رجل عاشر، لم تكن تجاوزات فردية. كانت سياسة. كانت منهجاً. كانت تعليمات واضحة نُفذت بدقة.

ثانياً: أن القادة اعترفوا. شهادات مردخاي ماكليف، ماكسيم كوهين، حاييم بن دافيد، وغيرهم، تحت القسم، قالت الحقيقة. قالوا إن الهدف كان الطرد، وإن الإرهاب كان وسيلة، وإن القيادة العليا كانت تعلم وتوافق. قالوا إنهم كانوا يعرفون القوانين الدولية، لكنهم استخدموا وسائل غير قانونية، وأن القيادة العليا كانت على علم بذلك. هذه الاعترافات لا تقدر بثمن. هي أدلة إدانة ذاتية. هي أصوات الجلادين وهم يعترفون.

ثالثاً: أن الإخفاء كان منهجياً. إسرائيل لم تكتفِ بارتكاب الجرائم. أصرت على إخفاء أدلتها. وحدة "مالاب" جابت الأرشيفات لانتشال الوثائق "الحساسة". يهئيل حوريف اعترف صراحة: الهدف هو "تقويض مصداقية الدراسات حول تاريخ مشكلة اللاجئين". ليس لحماية أسرار عسكرية، بل لمنع الفلسطينيين من إثبات روايتهم. إخفاء الوثائق كان جريمة موازية لجريمة التطهير. محاولة يائسة لقتل الذاكرة.

رابعاً: أن النكبة مستمرة. ما حدث في ١٩٤٨ لم ينتهِ في ١٩٤٩. استمر في تهجير ١٩٤٩١٩٥٦، وفي احتلال ١٩٦٧، وفي حصار غزة، وفي إبادة ٢٠٢٣٢٠٢٦. كل جيل له نكبته. كل عقد له مجازره. المشروع الصهيوني، كونه مشروع استعمار استيطاني، لا يتوقف. هدفه إزالة الفلسطيني، بأي ثمن، وبأي وسيلة. النكبة ليست حدثاً، بل عملية. ليست ماضياً، بل حاضراً.

خامساً: أن التواطؤ عالمي. إسرائيل لم تكن وحدها. أمريكا دعمتها بالمال والسلاح والفيتو. أوروبا شاركت بالاستثمار والتجارة. دول عربية طبعت وتواطأت. شركات عالمية ربحت من الإبادة. والأمم المتحدة فشلت في حماية الضحايا. الجريمة جماعية. والمسؤولية مشتركة. كل من ساهم، بالفعل أو بالصمت، هو شريك.

هذه الدروس الخمسة هي الأساس الذي بنينا عليه هذا الكتاب. هي التي تفسر لماذا استمرت النكبة سبعة وسبعين عاماً. وهي التي تحدد لنا طريق المستقبل.

٣. ما بعد غزة: ماذا ترك لنا الدمار؟

بعد سنتين من الإبادة في غزة، وبعد سبعة وسبعين عاماً من النكبة، نقف أمام مشهد خراب لا يوصف.

غزة اليوم ليست كما كانت. أكثر من ٧٠٪ من البيوت دمرت أو تضررت بشكل لا يصلح معه السكن. المستشفيات التي كانت تقدم الخدمات لمليوني إنسان، تحولت إلى ركام. المدارس التي تعلم فيها أطفال غزة، أصبحت ملاجئ ثم أهدافاً ثم أنقاضاً. المساجد والكنائس، بيوت العبادة التي لجأ إليها الناس، قصفت ودمرت. الشوارع التي كانت تعج بالحياة، تحولت إلى طرق وعرة تصعب فيها الحركة. الموانئ التي كانت تصطاد فيها قوارب الصيد، أصبحت مقابر لمراكب الصيادين.

الأرقام وحدها لا تكفي. لكنها ضرورية للتوثيق: أكثر من ٦٩ ألف قتيل. أكثر من ١٠٠ ألف جريح. ١.٩ مليون نازح. آلاف المفقودين تحت الأنقاض. عشرات الآلاف من الأطفال يتيمو الآباء أو الأمهات. جيل كامل يعاني من صدمات نفسية عميقة.

لكن غزة لم تترك لنا الخراب فقط. تركت لنا دروساً.

الدرس الأول: أن الصمود ممكن. غزة صمدت ٥٦٥ يوماً تحت القصف والحصار والتجويع. لم تسقط. لم تستسلم. لم ترفع الراية البيضاء. هذا الصمود أسطوري. هو مصدر إلهام لكل مضطهد في العالم.

الدرس الثاني: أن التوثيق ضروري. رغم القتل والتدمير، واصل الصحفيون التصوير. واصل الناجون الشهادة. واصلت منظمات حقوق الإنسان التوثيق. هذه الشهادات ستكون أدلة في محاكمات المستقبل. هذه الصور ستكون شهوداً على الجريمة.

الدرس الثالث: أن التضامن ممكن. المظاهرات المليونية في عواصم العالم، مقاطعة الشركات، الضغط على الحكومات، كلها أثبتت أن التضامن مع فلسطين ممكن. أن الشعوب يمكن أن تختلف عن حكوماتها. أن الضمير العالمي ما زال حياً.

الدرس الرابع: أن إسرائيل هشة. رغم كل قوتها العسكرية، فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها. لم تقضِ على المقاومة. لم تستعد أسراها. لم توقف إطلاق الصواريخ. هذه الهشاشة تعطينا أملاً. أقوى الجيوش يمكن أن ينهزم.

هذه الدروس هي وقود المستقبل. هي التي ستجعل غزة تنهض من الرماد. هي التي ستجعل فلسطين تتحرر.

٤. تحديات الحاضر: ماذا بعد غزة؟

لكن الطريق إلى التحرير ليس مفروشاً بالورود. هناك تحديات هائلة تواجهنا.

التحدي الأول: إعادة الإعمار. غزة بحاجة إلى إعادة بناء شاملة. البيوت، المستشفيات، المدارس، البنية التحتية. هذا يحتاج إلى مليارات الدولارات. والأهم، يحتاج إلى إرادة سياسية. هل ستسمح إسرائيل بإعادة الإعمار؟ أم ستستخدم إعادة الإعمار ورقة ضغط جديدة؟ هل ستفرض شروطاً سياسية مقابل الأسمنت والحديد؟

التحدي الثاني: التهجير القسري. ١.٩ مليون إنسان هجروا من بيوتهم. كثيرون هجروا مرات عديدة. العودة إلى المناطق المدمرة صعبة. إسرائيل تخلق "مناطق عازلة" جديدة، وتصادر أراضٍ، وتمنع العودة. التهجير القسري مستمر. والعودة حق يجب النضال من أجله. هناك مخططات واضحة لتهجير سكان غزة إلى سيناء، أو إلى دول أخرى. يجب التصدي لهذه المخططات بكل قوة.

التحدي الثالث: الصحة النفسية. جيل كامل في غزة يعاني من صدمات نفسية عميقة. أطفال رأوا آباءهم يموتون. نساء فقدن أطفالهن. رجال عجزوا عن حماية عائلاتهم. الصحة النفسية في غزة تحتاج إلى عقود من العمل. والموارد شبه معدومة. كيف نعالج طفلاً رأى بيته يُقصف على رؤوس أهله؟ كيف نؤهل امرأة أنجبت طفلها تحت الأنقاض؟

التحدي الرابع: التعليم. مدارس غزة دمرت. طلاب فقدوا سنوات من التعليم. المناهج بحاجة إلى تحديث، والمعلمون بحاجة إلى تدريب، والبيئة المدرسية بحاجة إلى إعادة بناء. جيل كامل قد يضيع إذا لم نتحرك بسرعة. التعليم هو مستقبل فلسطين. إذا ضاع التعليم، ضاع المستقبل.

التحدي الخامس: الوحدة الفلسطينية. الانقسام بين الضفة وغزة، وبين فتح وحماس، وبين الفصائل المختلفة، يضعف القضية. إسرائيل تستغل هذا الانقسام. الوحدة الوطنية ضرورة ملحة. لا يمكن تحرير فلسطين بجيش منقسم. يجب أن تتوحد القوى تحت مظلة منظمة التحرير، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

التحدي السادس: التطبيع العربي. الدول التي طبعت مع إسرائيل (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) تفتح أسواقها لها، وتكسر الحظر الاجتماعي، وتضعف المقاطعة. هذا التطبيع يمنح إسرائيل شرعية عربية، ويجعل القضية الفلسطينية تبدو وكأنها "قضية محلية" وليست قضية الأمة. يجب مواجهة التطبيع بكل الوسائل: سياسياً، وشعبياً، وإعلامياً.

التحدي السابع: صعود اليمين المتطرف في الغرب. في أمريكا وأوروبا، تتصاعد قوى اليمين المتطرف الداعمة لإسرائيل. هذه القوى تهدد بقطع التمويل عن الأونروا، وتصنيف المقاطعة كـ"معاداة للسامية"، وتشديد القمع على المتضامنين مع فلسطين. يجب التحالف مع قوى اليسار والليبرالية الحقيقية لمواجهة هذا المد.

التحدي الثامن: المساءلة الدولية. مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت لا تزال معلقة. الضغوط الأمريكية هائلة. المحكمة الجنائية الدولية تتعرض لتهديدات بالعقوبات. يجب مواصلة الضغط لتحقيق العدالة. لا يمكن أن يفلت المجرمون من العقاب.

هذه التحديات لا يمكن تجاهلها. لكنها أيضاً لا يمكن أن تثبط العزيمة. كل تحدٍ هو أيضاً فرصة. فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل. فرصة لتوحيد الصفوف. فرصة لكشف زيف التطبيع. فرصة لتعزيز التضامن الدولي.

٥. دروس من التاريخ: ما يخبرنا به الماضي

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يقدم دروساً. دروساً من نضالات سابقة انتصرت. دروساً يمكن أن نستلهمها في نضالنا.

الدرس الأول: الصمود يهزم الاحتلال. في الجزائر، استمرت الثورة ثماني سنوات (١٩٥٤١٩٦٢)، وانتهت باستقلال البلاد. الجيش الفرنسي كان من أقوى جيوش العالم. المستوطنون الفرنسيون كانوا مليوناً. لكن الثورة صمدت، وانتصرت. في فيتنام، استمر الكفاح ثلاثة عقود (١٩٤٥١٩٧٥)، وانتهى بهزيمة أكبر إمبراطورية في العالم. القنابل الأمريكية التي ألقيت على فيتنام فاقت قنابل الحرب العالمية الثانية. لكن الفيتناميين صمدوا، وانتصرت. في جنوب إفريقيا، استمر النضال ضد الفصل العنصري مئة عام (١٩١٠١٩٩٤)، وانتهى بتحرير البلاد. نظام الأبارتهايد كان من أكثر الأنظمة وحشية. لكن الشعب صمد، وانتصر.

الصمود هو السلاح الأقوى لمن لا سلاح لهم. الصمود يعني أن تبقى في أرضك مهما كلف الثمن. الصمود يعني أن تنجب أطفالاً، وتعلمهم حب الوطن، وتغرس فيهم الأمل. الصمود يعني أن تواجه الموت كل يوم، ولا تيأس.

الدرس الثاني: الوحدة ضرورية. انتصار أي حركة تحرر يعتمد على وحدتها. الجزائر وحدت جبهتها في مؤتمر الصومام (١٩٥٦). فيتنام وحدت صفوفها تحت قيادة هو شي منه. جنوب إفريقيا وحدت نضالها تحت راية المؤتمر الوطني الأفريقي. الانقسام يخدم العدو. الوحدة ترعبه.

الوحدة لا تعني إلغاء الاختلافات. تعني الاتفاق على الهدف النهائي (تحرير فلسطين) والعمل معاً لتحقيقه. تعني وضع القضية الوطنية فوق المصالح الحزبية. تعني أن نختلف في الرأي، لكن نقف صفاً واحداً أمام العدو.

الدرس الثالث: التضامن الدولي يصنع الفرق. مقاطعة جنوب إفريقيا ساهمت في إنهاء الأبارتهايد. حركة المقاطعة الدولية جعلت نظام الفصل العنصري مكلفاً. شركات سحبت استثماراتها. دول فرضت عقوبات. رياضيون قاطعوا مسابقاتها. فنانن رفضوا الأداء هناك. هذا التضامن جعل النظام غير قابل للاستمرار.

التضامن مع فيتنام حال دون تصعيد الحرب. مظاهرات الملايين في أمريكا وأوروبا، وحركة "الهيبيز"، والتحقيقات الصحفية، كلها ساهمت في إنهاء الحرب. دعم العالم للجزائر عزل فرنسا دولياً، وأجبرها على التفاوض.

فلسطين بحاجة إلى نفس التضامن. حركة المقاطعة (BDS) هي امتداد لهذا التقليد العريق. يجب دعمها وتقويتها وتوسيعها.

الدرس الرابع: التوثيق سلاح. كل جريمة وثقت كانت دليلاً في محاكمة مستقبلية. كل شهادة سجلت كانت صوتاً للتاريخ. كل صورة التقطت كانت صرخة في وجه النسيان. في جنوب إفريقيا، وثقت لجنة الحقيقة والمصالحة جرائم الأبارتهايد. في أمريكا اللاتينية، وثقت منظمات حقوق الإنسان جرائم الديكتاتوريات. في البوسنة، وثقت المحكمة الجنائية الدولية جرائم التطهير العرقي.

وثائق النكبة التي عثرنا عليها في قمامة تل أبيب هي جزء من هذا التوثيق. هي دليل على أن إسرائيل قامت على التطهير العرني. هي شاهد على أن النكبة لم تكن صدفة. هي سلاح في معركة العدالة.

الدرس الخامس: العدالة ممكنة، لكنها تحتاج إلى وقت. محاكمة مجرمي الحرب النازيين استغرقت عقوداً. محكمة نورمبرغ عقدت بعد انتهاء الحرب، لكن مطاردة النازيين استمرت حتى الثمانينات. أدولف أيخمان خطط الهولوكست وهرب إلى الأرجنتين، وخطفته الموساد وحاكمته في ١٩٦١. محاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا استغرقت سنوات، وميلوشيفيتش مات قبل النطق بالحكم.

العدالة بطيئة، لكنها تأتي. المهم ألا نيأس. المهم أن نواصل التوثيق والضغط. المهم أن نؤمن بأن لا أحد فوق القانون.

هذه الدروس تمنحنا الأمل. تذكرنا بأن الشعوب المنتصرة ليست هي الأقوى، بل هي الأكثر إصراراً. أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يكتبه الضحايا أيضاً. وأن الظلم، مهما طال، له نهاية.

٦. رؤية للمستقبل: ما نريد أن نراه

ما هي رؤيتنا للمستقبل؟ ليس حلماً بعيداً، بل أهدافاً واقعية يمكن العمل لتحقيقها.

الهدف الأول: إنهاء الاحتلال. إسرائيل يجب أن تنسحب من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧. القدس الشرقية عاصمة فلسطين. المستوطنات غير قانونية ويجب إزالتها. هذا ليس حلماً، بل هو القانون الدولي. قرارات الأمم المتحدة تنص على ذلك (قرار ٢٤٢، قرار ٣٣٨). محكمة العدل الدولية أكدت ذلك في رأيها الاستشاري يوليو ٢٠٢٤. المطلوب تنفيذ.

الهدف الثاني: حق العودة. اللاجئون الفلسطينيون، الذين شردتهم النكبة عام ١٩٤٨، لهم الحق في العودة إلى ديارهم. هذا الحق أكدته قرارات الأمم المتحدة (قرار ١٩٤). هذا الحق غير قابل للتصرف. هذا الحق ليس تفاوضياً. هو أساسي مثل حق الحياة. لا يمكن أن يكون هناك حل عادل دون عودة اللاجئين.

الهدف الثالث: المساواة. الفلسطينيون في إسرائيل يجب أن يتمتعوا بحقوق متساوية كاملة. لا تمييز. لا فصل عنصري. لا قوانين عنصرية. مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. إسرائيل تقدم نفسها كـ"دولة يهودية ديمقراطية". هذا تناقض. إما أن تكون يهودية (لليهود فقط) أو ديمقراطية (للجميع). لا يمكن الجمع بينهما. الحل هو دولة ديمقراطية واحدة لجميع مواطنيها.

الهدف الرابع: محاكمة المجرمين. كل من ارتكب جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، أو إبادة جماعية، يجب أن يحاكم. لا إفلات من العقاب. لا عفو. لا تقادم. المحكمة الجنائية الدولية، محكمة العدل الدولية، والولاية القضائية العالمية، كلها أدوات يجب استخدامها. من نتنياهو وغالانت إلى أصغر جندي أطلق النار على طفل، يجب أن يحاسب الجميع.

الهدف الخامس: تعويض الضحايا. إسرائيل يجب أن تدفع تعويضات للضحايا الفلسطينيين. عن الأرواح التي أزهقت، والأراضي التي صودرت، والبيوت التي دمرت، والسنوات التي ضاعت في المخيمات. التعويض ليس بديلاً عن العودة، لكنه جزء من العدالة. ألمانيا دفعت تعويضات لإسرائيل وللناجين من الهولوكست. إسرائيل يجب أن تدفع تعويضات لفلسطين.

الهدف السادس: تفكيك المشروع الصهيوني. المشروع الصهيوني، القائم على الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري، يجب أن يتفكك. ليس المقصود "طرد اليهود"، بل إنهاء نظام الامتياز العرقي. بناء دولة ديمقراطية واحدة لجميع مواطنيها، يهوداً وفلسطينيين، على أرض فلسطين التاريخية. هذا هو الحل الوحيد العادل والدائم. هذا هو حل الدولة الواحدة الديمقراطية.

هذه الأهداف ليست سهلة. لكنها ليست مستحيلة. شعوب أخرى حققتها. جنوب إفريقيا أنشأت دولة ديمقراطية بعد الفصل العنصري. أيرلندا توحدت بعد عقود من الصراع. ألمانيا تجاوزت ماضيها النازي. لماذا لا تستطيع فلسطين؟

٧. دور كل واحد منا: ماذا يمكننا أن نفعل؟

كثيرون يسألون: ماذا يمكنني أن أفعل وأنا بعيد عن فلسطين؟ الجواب: الكثير. أكثر مما تتصور.

أولاً: تعلم الحقيقة. اقرأ. ابحث. تعرف على تاريخ فلسطين. لا تكتفِ بالروايات الرسمية. اقرأ شهادات الناجين. اقرأ وثائق النكبة. اقرأ كتب المؤرخين الجدد. شاهد الأفلام الوثائقية. استمع إلى البودكاست. المعرفة هي الخطوة الأولى نحو الفعل. لا يمكنك أن تدافع عن قضية لا تفهمها.

ثانياً: انشر الحقيقة. شارك ما تعلمته مع الآخرين. على وسائل التواصل، في عائلتك، في مدرستك، في عملك، في مسجدك أو كنيستك. كسر جدار الصمت. اجعل من المستحيل تجاهل ما يحدث في فلسطين. كل منشور تعيد نشره، كل مقال تشاركه، كل فيديو توزعه، هو جزء من المعركة. المعركة على الرواية هي معركة وجودية.

ثالثاً: قاطع. قاطع المنتجات الإسرائيلية. قاطع الشركات المتواطئة مع إسرائيل. قاطع البنوك التي تمول الإبادة. قاطع الجامعات التي تتعاون مع المؤسسات الإسرائيلية. قاطع الفنانين الذين يؤدون في إسرائيل. المقاطعة سلاح فعال، وقد أثبت نجاحه. كارفور انسحبت من البحرين والكويت بسبب المقاطعة. باركليز بدأ يشعر بالضغط. استمر في المقاطعة، ولا تيأس.

رابعاً: شارك في الحملات. انضم إلى حملات مقاطعة باركليز. شارك في مظاهرات التضامن. وقع على العرائض. اكتب لمسؤوليك المنتخبين. اتصل بسفارات الدول التي تدعم إسرائيل. نظم فعاليات في مجتمعك. الضغط الشعبي يصنع الفرق. لا تستهين بصوتك.

خامساً: ادعم المنظمات الحقوقية. تبرع لمنظمات مثل "مؤسسة الحق"، "الضمير"، "بتسيلم"، "هيومن رايتس ووتش"، "منظمة العفو الدولية"، "أطباء بلا حدود". هذه المنظمات توثق الجرائم وتحمي الضحايا وتقدم المساعدات. تبرعاتك تساعدها على الاستمرار.

سادساً: ساند حركة المقاطعة (BDS). BDS هي الأداة الأكثر فعالية للضغط على إسرائيل. ادعمها. انضم إليها. ساهم في نشر رسالتها. اقرأ بياناتها. شارك في حملاتها. BDS هي أكبر حركة تضامن في العالم اليوم. كن جزءاً منها.

سابعاً: اكتب. اكتب مقالات. اكتب رسائل. اكتب على وسائل التواصل. اكتب لوسائل الإعلام. اكتب لمسؤوليك. الكلمة سلاح. استخدمه.

ثامناً: سافر إلى فلسطين. إذا استطعت، سافر إلى فلسطين. زر الضفة الغربية. قدم المساعدات لأهل غزة. تعرف على الشعب الفلسطيني عن قرب. ارجع وروِ ما رأيت. السياحة التضامنية مهمة. تكسر الحصار الإعلامي، وتدعم الاقتصاد المحلي، وترسل رسالة تضامن.

تاسعاً: علم أطفالك. علم أطفالك حب فلسطين. علمهم تاريخها. علمهم حق العودة. لا تترك تعليم الأجيال القادمة للعدو. الأبناء أمانة. يجب أن تنتقل الذاكرة من جيل إلى جيل.

عاشراً: لا تيأس. الطريق طويل. الانتصارات صغيرة. لكن كل خطوة إلى الأمام هي خطوة نحو العدالة. الإحباط هو أكبر أعدائنا. الأمل هو أقوى أسلحتنا. تذكر دائماً: جنوب إفريقيا استغرقت مئة عام. فلسطين تستحق الانتظار.

٨. رسالة إلى القارئ: أنت جزء من التاريخ

أنت، أيها القارئ، لست مجرد متفرج على ما يحدث. أنت جزء من التاريخ. قراراتك اليوم ستشكل غد فلسطين. مواقفك اليوم ستحدد مصير الأجيال القادمة.

إذا التزمت الصمت، فأنت جزء من التواطؤ. إذا اكتفيت بالأسف، فأنت جزء من العجز. إذا تحركت، ولو خطوة صغيرة، فأنت جزء من التغيير.

تذكر دائماً: التاريخ لا يصنعه الأقوياء فقط. يصنعه أيضاً الضعفاء الذين يرفضون الاستسلام. يصنعه الفقراء الذين يفضلون الموت على الذل. يصنعه الأطفال الذين يحلمون بالعودة. يصنعه النساء اللواتي ينجبن الحياة في حضرة الموت.

أنت لست وحدك. ملايون مثلك في كل أنحاء العالم يقرؤون، ويتعلمون، ويتحركون. حركة التضامن مع فلسطين هي أكبر حركة شعبية في العالم اليوم. من أمريكا اللاتينية إلى جنوب شرق آسيا، من أوروبا إلى أفريقيا، من العالم العربي إلى إيران، الملايين يهتفون باسم فلسطين.

وثائق النكبة التي عثرنا عليها في قمامة تل أبيب لم تصل إلينا بالصدفة. وصلت إلينا لأن رونيت زيلبرمان قررت أن تنقذها. وصلت إلينا لأن آدم راز قرر أن يدرسها. وصلت إلينا لأن معهد "عكيفوت" قرر أن ينشرها. وصلت إلينا لأن أناساً آمنوا بأن الحقيقة أهم من الصمت.

أنت أيضاً يمكنك أن تكون جزءاً من هذه السلسلة. اقرأ. تعلم. انشر. تحرك. قاطع. ادعم. لا تكن مجرد قارئ، كن فاعلاً.

٩. كلمة إلى الإسرائيليين: أنتم أيضاً ضحايا

هذه الكلمة موجهة إلى الإسرائيليين الذين يقرؤون هذا الكتاب. إلى اليهود الإسرائيليين الذين يعيشون في فلسطين المحتلة. إلى أولئك الذين لم يختاروا أن يولدوا هناك، لكنهم يعيشون هناك.

أنتم أيضاً ضحايا. ضحايا أيديولوجية صهيونية جعلت منكم أدوات لقتل شعب آخر. ضحايا نظام يخفي عنكم الحقيقة، ويصادر وثائقكم، ويكتب تاريخاً مزيفاً. ضحايا حكومة تستخدمكم دروعاً بشرية، وتضحي بكم من أجل مشروعها الاستعماري.

لكن ليس كل شيء مغلقاً. هناك إسرائيليون يرفضون الاحتلال. هناك يهود يؤمنون بالمساواة والعدالة. هناك "مؤرخون جدد" (بيني موريس، إيلان بابيه، أفي شلايم) كشفوا زيف الرواية الرسمية. هناك منظمات حقوقية إسرائيلية (بتسيلم، عكيفوت) توثق الجرائم. هناك جنود يرفضون الخدمة في الأراضي المحتلة.

يمكنكم أن تكونوا جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة. يمكنكم أن ترفضوا أن تكونوا جلادين. يمكنكم أن تطالبوا بحق الفلسطينيين في العودة. يمكنكم أن تناضلوا من أجل دولة ديمقراطية واحدة لجميع مواطنيها.

نحن لا نكرهكم لأنكم يهود. نحن نكره النظام الذي يحولكم إلى جلادين. نحن نرفض الأيديولوجيا التي تعلو بعرق على آخر. نحن نؤمن بأن الإنسان إنسان، بغض النظر عن دينه أو عرقه.

انضموا إلينا. ليس من أجلنا، بل من أجل إنسانيتكم. من أجل أن تنظروا في المرآة وتروا إنساناً، لا جلاداً. من أجل أطفالكم، الذين سيسألونكم يوماً: ماذا فعلتم في الحرب؟

١٠. رؤية للتعايش: كيف يمكن أن نعيش معاً؟

في النهاية، بعد كل هذا الدم، بعد كل هذه الكراهية، بعد كل هذا الدمار، لا بد أن نسأل: كيف يمكن أن نعيش معاً؟ كيف يمكن أن نصنع مستقبلاً مختلفاً لأطفالنا؟

الجواب ليس في حل الدولتين. حل الدولتين مات. قتلته إسرائيل بجدارها ومستوطناتها وحروبها. حل الدولتين كان حلاً ظالماً منذ البداية. قسّم البلاد، وشرّع التطهير العرني، ولم ينصف أحداً.

الجواب في حل الدولة الواحدة الديمقراطية. دولة واحدة على أرض فلسطين التاريخية، من النهر إلى البحر. دولة لجميع مواطنيها، يهوداً ومسلمين ومسيحيين. دولة تقوم على المساواة الكاملة، والمواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان للجميع.

في هذه الدولة:

· لكل مواطن الحق في العيش في أي مكان.
· لكل مواطن الحق في التصويت والترشح.
· لكل مواطن الحق في التعليم والصحة والعمل.
· لكل مواطن الحق في ممارسة دينه بحرية.
· لكل لاجئ فلسطيني الحق في العودة إلى بيته.
· لكل يهودي إسرائيلي الحق في البقاء في بيته.
· لا تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس.
· لا احتلال، لا مستوطنات، لا جدار.
· لا فصل عنصري، لا قوانين عنصرية، لا اضطهاد.

هذه ليست يوتوبيا. هذا هو القانون الدولي. هذا هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. هذا هو ما تنادي به كل حركات التحرر في التاريخ. هذا هو الحل الوحيد العادل والدائم.

هل هذا صعب؟ نعم. هل يحتاج إلى وقت؟ نعم. هل يحتاج إلى تنازلات من الطرفين؟ نعم. لكنه ممكن. جنوب إفريقيا فعلتها. رواندا تفعلها. البوسنة تحاول. لماذا لا تستطيع فلسطين؟

١١. رمزية المفتاح: ما يخبرنا به المستقبل

في كل بيت فلسطيني في الشتات، هناك مفتاح. مفتاح عتيق، صدئ، كبير. مفتاح البيت الذي هجره أهله عام ١٩٤٨. هذا المفتاح ليس مجرد قطعة حديد. هو رمز. رمز العودة. رمز الحق. رمز الأمل.

كلما رأيت هذا المفتاح، تذكر:

· أن الحق لا يموت.
· أن الذاكرة لا تموت.
· أن الشعب لا يموت.

المفتاح يخبرنا أن المستقبل مفتوح. أن العودة ممكنة. أن فلسطين ستتحرر.

في غزة اليوم، هناك مفتاح آخر. مفتاح البيت الذي دمرته القنابل الإسرائيلية. هذا المفتاح أيضاً سيبقى. سيعلق على جدران المخيمات الجديدة. سيرثه الأبناء عن الآباء. سيبقى رمزاً للأمل، حتى تعود فلسطين.

المفتاح يخبرنا أن النكبة لم تنتهِ. لكنه يخبرنا أيضاً أن التحرير قادم. ليس غداً، ربما. ليس بعد عام، ربما. لكن يوماً ما. بالتأكيد.

١٢. مسؤولية المثقف: لماذا كتبنا هذا الكتاب؟

في ختام هذه الرحلة الطويلة، لا بد أن نسأل: لماذا كتبنا هذا الكتاب؟ ما الذي أردنا تحقيقه؟

كتبنا هذا الكتاب لأن الصوت الفلسطيني مكبوت. لأن الرواية الرسمية مسيطرة. لأن العالم يصدق الأكاذيب. لأن التاريخ يكتبه المنتصرون. أردنا أن نكتب تاريخاً مختلفاً. تاريخاً من وجهة نظر الضحايا. تاريخاً يستند إلى الوثائق، لا إلى الأساطير.

كتبنا هذا الكتاب لأننا نؤمن بأن الكلمة سلاح. بأن التوثيق مقاومة. بأن الحقيقة ثورة. وثائق النكبة التي عثرنا عليها في قمامة تل أبيب هي جزء من هذه الحقيقة. هي دليل على أن إسرائيل قامت على التطهير العرني. هي شاهد على أن النكبة لم تكن صدفة.

كتبنا هذا الكتاب لأننا نؤمن بأن العدالة ممكنة. بأن المجرمين سيحاكمون. بأن الضحايا سيعوضون. بأن فلسطين ستتحرر. ليس لأننا نحلم، بل لأننا نعمل. لأننا نناضل. لأننا نؤمن.

كتبنا هذا الكتاب لكل فلسطيني في غزة، تحت الأنقاض، ينتظر الإنقاذ. لكل فلسطيني في الضفة، تحت الاحتلال، ينتظر الحرية. لكل فلسطيني في الداخل، تحت التمييز، ينتظر المساواة. لكل فلسطيني في الشتات، في المخيمات، ينتظر العودة. ولكل إنسان في العالم يؤمن بالعدالة والكرامة.

كتبنا هذا الكتاب للإنسان. لكل إنسان. لأن قضية فلسطين ليست قضية العرب وحدهم، بل قضية كل من يؤمن بأن الظلم يجب أن يزول، وأن الحرية حق للجميع، وأن الكرامة الإنسانية لا تقبل المساومة.

١٣. المستقبل بين أيدينا: نداء أخير

في النهاية، المستقبل بين أيدينا. ليس بيد إسرائيل. ليس بيد أمريكا. ليس بيد الأمم المتحدة. بأيدينا نحن. نحن الذين نقرر أن نقاوم. نحن الذين نقرر أن نتوحد. نحن الذين نقرر أن ننتصر.

على مدى سبعة وسبعين عاماً، حاولت إسرائيل أن تمحونا. حاولت أن تقتلنا، وتشردنا، وتسرق أرضنا، وتخفي وثائقنا، وتزور تاريخنا. لكننا ما زلنا هنا. ما زلنا نتنفس. ما زلنا نقاوم. ما زلنا نؤمن.

إذا كان هذا الكتاب قد علمنا شيئاً، فهو أن الصمود ممكن. أن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما مر به، ما زال متمسكاً بأرضه وحقوقه. أن غزة، رغم كل ما حدث فيها، ما زالت ترفض الاستسلام. أن النكبة، رغم طولها، لم تنجح في قتل الأمل.

هذا الألم هو وقودنا. هذه الذكرى هي سلاحنا. هذا الأمل هو نورنا.

فلنواصل الطريق معاً. يداً بيد. قلباً بقلب. فلنقاطع حتى ينسحب المحتل. فلنناضل حتى تعود الأرض. فلنصمد حتى تتحرر فلسطين.

فلسطين حرة. عربية. ديمقراطية. للجميع.

هذا هو الوعد. وهذا هو المستقبل.

١٤. بعد الكلمة: ما زال هناك عمل

الكتاب ينتهي هنا. لكن النضال لا ينتهي. ما زال هناك عمل كثير.

وثائق جديدة ستكتشف. مجازر جديدة ستوثق. محاكمات جديدة ستبدأ. وانتصارات جديدة ستتحقق.

دورك، أيها القارئ، يبدأ الآن. بعد أن تغلق هذا الكتاب، اسأل نفسك: ماذا سأفعل؟ كيف سأساهم في تحرير فلسطين؟

لا تنتظر أحداً. لا تنتظر قائداً. لا تنتظر معجزة. ابدأ بنفسك. اليوم. الآن.

اقرأ المزيد. تعلم أكثر. شارك معرفتك مع الآخرين. انضم إلى حملة مقاطعة. اكتب مقالاً. نظم فعالية. تبرع لمنظمة حقوقية. سافر إلى فلسطين. ادعم حركة BDS. لا تصمت.

الصمت هو أكبر أعدائنا. الكلمة هي أقوى أسلحتنا. استخدمها.

١٥. وأخيراً: إلى روح الشهداء

في الختام، نهدي هذا الكتاب إلى أرواح الشهداء. إلى كل من سقط من أجل فلسطين.

إلى أطفال غزة الذين قتلوا تحت الأنقاض وهم يلهون. إلى نساء غزة اللواتي أنجبن الحياة في حضرة الموت. إلى رجال غزة الذين دافعوا عن أرضهم حتى الرمق الأخير.

إلى شهداء الضفة الذين قتلوا على الحواجز وهم يحاولون الوصول إلى أعمالهم. إلى أسرى الضفة الذين يقضون سنوات في سجون الاحتلال وهم أبرياء. إلى جرحى الضفة الذين فقدوا أطرافهم وهم يحلمون بالحرية.

إلى شهداء الداخل الذين قتلوا في مسيرات العودة وهم يهتفون لفلسطين. إلى شهداء الشتات الذين ماتوا في المخيمات وهم يحلمون بالعودة. إلى كل فلسطيني عاش ومات من أجل فلسطين.

إلى يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية، الذين قادوا المقاومة حتى استشهدوا. إلى وائل الدحدوح، الذي فقد عائلته وواصل التصوير. إلى شيرين أبو عاقلة، التي قتلت وهي توثق الحقيقة. إلى كل صحفي استشهد من أجل كلمة حق.

إلى كل من آمن بأن فلسطين تستحق الحياة. إلى كل من ضحى من أجل أن تشرق شمس الحرية يوماً على أرضنا.

لأرواحكم السلام. ولأحلامكم الخلود. ولدمائكم النصر.

فلسطين لكم. وستبقى لكم.


…….


فهرس الكتاب

القسم الأول: وثائق الخطيئة الأولى - اكتشاف أرشيف الإبادة

· الفصل الأول: كنز في القمامة - قصة اكتشاف غير مسبوقة
· الفصل الثاني: هندسة الطرد - أوامر بروشي المكتوبة
· الفصل الثالث: اعترافات القادة - شهادات رؤساء الأركان والمستشارين العسكريين
· الفصل الرابع: مجزرة الصفصاف - نموذج للجريمة والتغطية
· الفصل الخامس: شموئيل لاهيس - كبش فداء والإفلات من العقاب
· الفصل السادس: وحدة "مالاب" - جهاز محو الذاكرة
· الفصل السابع: الوثيقة الأكثر فظاعة - ٧٠% بسبب العمليات اليهودية

القسم الثاني: النكبة المستمرة - من التأسيس إلى الإبادة

· الفصل الثامن: النكبة المستمرة - الإطار النظري
· الفصل التاسع: تهجير ١٩٤٩١٩٥٦ - استمرار التطهير
· الفصل العاشر: غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦ - النكبة الثانية

القسم الثالث: تحليل الإطار النظري - مدرسة التبعية وسمير أمين

· الفصل الحادي عشر: تحليل الإطار النظري - مدرسة التبعية وسمير أمين
· الفصل الثاني عشر: إسرائيل كدولة وكيل - درع الإمبريالية
· الفصل الثالث عشر: رفض المركزية الأوروبية - كشف الوجه الحقيقي للحداثة
· الفصل الرابع عشر: إيران والمقاومة - إشكالية التصنيف القانوني

القسم الرابع: شبكة التواطؤ الدولية والإقليمية

· الفصل الخامس عشر: الدور الغربي - التواطؤ المكشوف
· الفصل السادس عشر: الشركات والتكنولوجيا - الربح من الإبادة
· الفصل السابع عشر: القطاع المصرفي - تمويل الإبادة
· الفصل الثامن عشر: حركة المقاطعة - مقاومة من الداخل
· الفصل التاسع عشر: دور الأمم المتحدة - الفشل والتواطؤ

القسم الخامس: نحو مساءلة شاملة - الطريق إلى العدالة

· الفصل العشرون: المساءلة الدولية - الطريق إلى العدالة

الخاتمة

· من النكبة إلى التحرير - رؤية للمستقبل

الملاحق

· الملحق 1: نصوص الوثائق الأصلية (مترجمة عن العبرية)
· الملحق 2: نصوص شهادات القادة كاملة
· الملحق 3: وثائق الإخفاء المنهجي
· الملحق 4: خرائط وصور
· الملحق 5: نصوص قانونية
· الملحق 6: مسرد شخصيات
· الملحق 7: الجدول الزمني للأحداث الرئيسية
· الملحق 8: قائمة القرى الفلسطينية المدمرة

توثيق المراجع والمصادر

· أولاً: الوثائق التاريخية الأساسية
· ثانياً: شهادات القادة الإسرائيليين
· ثالثاً: مجزرة الصفصاف
· رابعاً: تهجير ١٩٤٩١٩٥٦
· خامساً: وثيقة المخابرات "هجرة عرب فلسطين"
· سادساً: مصادر نظرية وتحليلية
· سابعاً: تقارير الأمم المتحدة والمحاكم الدولية
· ثامناً: قرارات مجلس الأمن الدولي
· تاسعاً: الصحف والمجلات
· عاشراً: مؤسسات بحثية ومنظمات حقوقية
· الحادي عشر: خطابات وتصريحات رسمية
· الثاني عشر: مراجع عامة

---

تفصيل الفصول

الفصل الأول: كنز في القمامة - قصة اكتشاف غير مسبوقة

· تل أبيب: المدينة التي تبني نفسها على النسيان
· الاكتشاف: لحظة الصدفة التي هزت الذاكرة
· رافي كوتسير: حياة في صندوق
· نظرة أولى: أوراق لا تقدر بثمن
· ما فعلته رونيت: من المواطنة إلى المؤرخة
· الجندي الذي تحدث: شهادات أخرى في الصناديق
· مدينة على صفيح ساخن: ردود الفعل الأولى
· معنى الاكتشاف: لماذا هذا مهم؟
· الصندوق الذي فتح أبواب الجحيم

الفصل الثاني: هندسة الطرد - أوامر بروشي المكتوبة

· الورقة التي تفوق الرصاصة
· صيف 1948: الجليل على صفيح ساخن
· الوثيقة: قراءة في المتن
· البند الأول: بطاقات التعريف
· البند الثاني: التفتيش العسكري
· البند الثالث: "العرب الغرباء"
· البند الرابع: سياسة "الرجل العاشر"
· البند الخامس: الممتلكات "المسروقة"
· البند السادس: هدم القرى
· البند السابع والأكثر بشاعة: عرب "الصبيح"
· ما بعد الوثيقة: من الأمر إلى التنفيذ
· بين بروشي و"خطة دالت": هل كانت الأوامر فردية؟
· لغة الوثيقة: عندما يصبح الموت روتينياً
· المقارنة: بروشي وقادة آخرون
· الأثر: كيف شكلت هذه الأوامر النكبة؟
· ما بعد 1948: مصير بروشي
· من 1948 إلى 2026: استمرارية المنهج
· الخلاصة: الدرس الذي لم نتعلمه

الفصل الثالث: اعترافات القادة - شهادات رؤساء الأركان والمستشارين العسكريين

· صوت الجلاد
· محاكمة شموئيل لاهيس: عندما يحاكم الجيش نفسه
· مردخاي ماكليف: الرجل الذي رأى كل شيء
· ماكسيم كوهين: الأذن المقطوعة
· حاييم بن دافيد: الأوامر الشفهية
· يسرائيل كرمي: إبادة كل شيء
· يوسف إيتان: التلميح لا التصريح
· القاضي إيلات: كبش فداء
· لماذا الآن؟ لماذا تحدثوا؟
· سرية الشهادات: الإخفاء المنهجي
· المقارنة مع جرائم اليوم
· قراءة في السيكولوجيا: كيف يبرر الجلادون جرائمهم
· الأهمية القانونية: شهادات تحت القسم
· من هم هؤلاء الرجال؟ سيرة ذاتية مختصرة
· الخلاصة: شهادات لا تُنسى

الفصل الرابع: مجزرة الصفصاف - نموذج للجريمة والتغطية

· قرية منسية، جريمة لا تنسى
· خلفية جغرافية وتاريخية: الصفصاف قبل النكبة
· السياق العسكري: عملية حيرام
· سقوط القرية: معركة غير متكافئة
· لحظة الصفر: دخول الجنود
· المجزرة: تفاصيل لا تحتمل
· الرواية الإسرائيلية الأولى: يوسف نحماني
· الرواية الإسرائيلية الثانية: موشيه إيريم
· الرواية الإسرائيلية الثالثة: وثيقة تامار نوفيك
· الرواية الفلسطينية: شهود العيان
· عين الماء التي صارت مقبرة
· الاغتصاب: الجريمة الصامتة
· سرقة الخواتم: التفاصيل الصغيرة التي تقول الكثير
· الناجون: رحلة العودة المؤجلة
· المخيم: حياة على الهامش
· التحقيقات الداخلية: عندما يعرف الجيش
· الإخفاء المنهجي: عندما تختفي الوثائق
· الذاكرة الفلسطينية: ما لا يمكن إخفاؤه
· الدلالة القانونية: جريمة لا تسقط بالتقادم
· من الصفصاف إلى غزة: استمرارية الإبادة
· الخلاصة: قرية ترفض الموت

الفصل الخامس: شموئيل لاهيس - كبش فداء والإفلات من العقاب

· الجلاد الذي دفع الثمن
· من هو شموئيل لاهيس؟ شاب عادي في زمن غير عادي
· مجزرة حولا: تفاصيل الجريمة
· اكتشاف الجريمة: كيف وصل الخبر إلى العالم؟
· المحاكمة: مسرح عدالة
· الحكم: العدالة الهزلية
· بعد السجن: صعود الجلاد
· ماذا عن البقية؟ الإفلات الجماعي من العقاب
· لماذا لاهيس؟ كبش الفداء
· شهادات المحاكمة: كنز في الظل
· القاضي يتحدث: إيلات وكبش الفداء
· مقارنة: لاهيس ومجرمون آخرون في التاريخ
· دروس من القضية: ماذا تعلمنا محاكمة لاهيس؟
· من حولا إلى غزة: استمرارية الإفلات
· الخلاصة: الرجل الذي دفع الثمن ولم يدفع

الفصل السادس: وحدة "مالاب" - جهاز محو الذاكرة

· عندما تصبح الوثائق خطراً وجودياً
· يهئيل حوريف: مهندس النسيان
· المنطق الحوريفي: لماذا نخفي ما نُشر؟
· كيف تعمل الآلة: عملية "تنظيف" الأرشيفات
· قصة تامار نوفيك: الباحثة التي فقدت وثيقتها
· قصة بيني موريس: المؤرخ الذي حوصر بأدلته
· تقرير ليفي عن دير ياسين: ما قاله رئيس الاستخبارات
· التوثيق الأهم: وثيقة "هجرة عرب فلسطين"
· مقابلات القادة: ما حُذف منها
· اجتماع حزب مابام: "أعمال نازية"
· المنطق الحوريفي: "ليس كل شيء أبيض وأسود"
· السخرية الكبرى: بني موريس ومراجعة التاريخ
· الميزانية السرية والصلاحيات المطلقة
· لماذا الآن؟ توقيت الحملة
· التأثير: ماذا يعني إخفاء الوثائق؟
· المقاومة: معهد عكيفوت وغيره
· التوازي مع جرائم اليوم: من إخفاء الماضي إلى تبرير الحاضر
· الخلاصة: محاربة الذاكرة

الفصل السابع: الوثيقة الأكثر فظاعة - ٧٠% بسبب العمليات اليهودية

· اعتراف من الداخل
· اكتشاف الوثيقة: قصة عودة من الموت
· شكل الوثيقة ومحتواها العام
· أسباب النزوح: سبعة عوامل مرتبة حسب الأهمية
· الرقم الصادم: سبعون بالمئة
· التفنيد الممنهج للرواية الإسرائيلية
· جدول القرى: مئات المآسي في سطور
· دير ياسين: المحفز الحاسم
· منع العودة: سياسة مستمرة
· التقارير اللاحقة: تأكيد الاستنتاجات
· شهادات القادة: تطابق مع الوثيقة
· لماذا كتبت الوثيقة؟ دوافع المخابرات
· محاولات الإخفاء: قصة وثيقة تطارد إسرائيل
· الرد على الانتقادات: ماذا يقول المشككون؟
· المقارنة مع مصادر أخرى: شهادة يوسف نحماني
· الأهمية القانونية: دليل إدانة ذاتي
· التعتيم الإعلامي: لماذا لا يعرف الإسرائيليون؟
· من 1948 إلى 2026: استمرارية الإنكار
· الخلاصة: الوثيقة التي تقلب الموازين

الفصل الثامن: النكبة المستمرة - الإطار النظري

· من حدث إلى عملية
· تعريف المفهوم: النكبة ليست ذكرى
· النشأة والتطور: من قالها أولاً؟
· من النكبة إلى النكبة: تطور المصطلح
· الإطار الفلسفي: الاستعمار الاستيطاني كبنية
· من أوسلو إلى غزة: السياق السياسي للمفهوم
· تجسيدات النكبة المستمرة: من التهجير إلى التدمير
· المخيم: النكبة المتجسدة في المكان
· الذاكرة والرواية: معركة التفسير المستمرة
· النكبة والقانون: من الحدث إلى الحالة
· العلاقة مع النكسة: وحدة المأساة
· المقاومة المستمرة: الوجه الآخر
· التضامن العالمي: النكبة في الوعي الدولي
· النكبة والحاضر: غزة نموذجاً
· الإطار النظري في الأدب والرواية
· المفتاح والعودة: رموز الاستمرار
· النكبة والأجيال: نقل الذاكرة
· من النكبة إلى التحرير: آفاق المستقبل
· الخلاصة: النكبة كإطار لفهم فلسطين

الفصل التاسع: تهجير ١٩٤٩١٩٥٦ - استمرار التطهير

· عندما لا تنتهي الحرب
· اتفاقيات الهدنة: الحدود التي لم تحمِ أحداً
· يوسف فايتس واللجنة الثالثة: إكمال المهمة
· إقرت وكفر برعم: قصة قريتين مسيحيتين
· مخطط ترحيل الجليل: وثيقة إيتان السرية
· النقب: ترحيل البدو
· قانون أملاك الغائبين: شرعنة السرقة
· الحكم العسكري: 1948-1966
· مجزرة كفر قاسم: 49 قتيلاً في نصف ساعة
· عملية الخلد (مابيريت): خطة ترحيل جماعي
· الاغتصاب في بن غوريون: ما كتبه في مذكراته
· تهجير 30-40 ألفاً: الأرقام الصامتة
· المثلث: تبادل الأراضي والسكان
· المواطنة والولاء: قانون العودة وقانون الجنسية
· سياسة منع العودة: القتل على الحدود
· الاعترافات الدولية: محاولات حل والرفض الإسرائيلي
· منع التأريخ: إخفاء الوثائق
· من 1956 إلى 2026: استمرارية التطهير
· الذاكرة الفلسطينية: ما لا يمكن إخفاؤه
· الخلاصة: سبع سنوات من التطهير الصامت

الفصل العاشر: غزة ٢٠٢٣٢٠٢٦ - النكبة الثانية

· حين يعيد التاريخ نفسه
· سبعة أكتوبر: الذريعة والثمن
· أول مئة يوم: إبادة بالتقسيط
· مستشفى المعمداني: مجزرة على الهواء
· مدرسة الشابورة: تكرار سيناريو الصفصاف
· التهجير القسري: مسيرات الموت الجديدة
· التجويع كسلاح حرب
· المستشفيات تحت القصف
· المخيمات: إعادة إنتاج 1948
· الصحفيون: شهداء الكلمة
· المقابر الجماعية: تكرار سيناريو الصفصاف
· محكمة العدل الدولية: جنوب إفريقيا تتقدم
· المحكمة الجنائية الدولية: مذكرات اعتقال تاريخية
· التصريحات الإسرائيلية: اعترافات على الهواء
· التواطؤ الدولي: أمريكا والأسلحة
· التواطؤ العربي: الوجه الآخر للكارثة
· المقاومة مستمرة: طوفان الأقصى
· المظاهرات العالمية: تغير في الوعي
· الناجون: شهادات من الجحيم
· المقابر تحت الركام
· من 1948 إلى 2026: نفس المنهج، أدوات مختلفة
· الخلاصة: غزة ليست استثناء

الفصل الحادي عشر: تحليل الإطار النظري - مدرسة التبعية وسمير أمين

· لماذا نحتاج إلى نظرية؟
· من هو سمير أمين؟ سيرة مفكر
· مدرسة التبعية: نظرة عامة
· إسرائيل في نظرية التبعية: دولة وكيل
· الإبادة كوظيفة: ليس خطأ، بل نظام
· التراكم على المستوى العالمي: نهب فلسطين
· الاستغلال الفائق (Super-exploitation)
· التبادل غير المتكافئ: لماذا تدعم أمريكا إسرائيل؟
· المركزية الأوروبية: نقد الغرب من الداخل
· نقد الخطاب الغربي: من "الديمقراطية" إلى "الإبادة"
· فك الارتباط (Déconnexion): الحل عند سمير أمين
· تطبيق النظرية على وثائق 1948
· إسرائيل والتبعية العربية: دور الأنظمة
· المقاومة في نظرية التبعية
· فلسطين والعالم: دور التضامن الدولي
· مستقبل الصراع: رؤية سمير أمين
· نقد النظرية: هل تفسر كل شيء؟
· تطبيق النظرية على غزة 2023-2026
· من النكبة إلى التحرير: رؤية مستقبلية
· الخلاصة: لماذا سمير أمين مهم اليوم

الفصل الثاني عشر: إسرائيل كدولة وكيل - درع الإمبريالية

· ما وراء الدولة
· الجذور التاريخية: من وعد بلفور إلى نكبة 1948
· التحول إلى أمريكا: حرب 1967 كعلامة فارقة
· وظائف الدولة الوكيلة: ماذا تفعل إسرائيل لأمريكا؟
· الدعم الأمريكي: أرقام وحقائق
· التعاون الاستخباراتي: الموساد وكالة أمريكية؟
· العلاقة مع أوروبا: التبعية المتعددة الأطراف
· الأنظمة العربية: تبعية في مواجهة تبعية
· الربيع العربي: تهديد للتبعية؟
· غزة 2023-2026: الإبادة كخدمة
· نقد نظرية الدولة الوكيل
· الخلاصة: إسرائيل بين الذات والأداة

الفصل الثالث عشر: رفض المركزية الأوروبية - كشف الوجه الحقيقي للحداثة

· ما بعد السرد، ما بعد التحليل
· سمير أمين والمركزية الأوروبية: تفكيك الخطاب
· الثنائيات القاتلة: متحضر/همجي، عاقل/مجنون، إنسان/حيوان
· الاستشراق: إدوارد سعيد وقراءة الغرب للشرق
· نقد أمين للمركزية الأوروبية: لماذا هي "معادية للعالمية"؟
· المركزية الأوروبية في الخطاب الإسرائيلي: هرتزل و"حائط دفاع ضد الهمجية"
· المركزية الأوروبية في الخطاب الغربي المعاصر: بايدن والحيوانات البشرية
· نزع الإنسانية: من "الهمجي" إلى "الحيوان البشري"
· النزعة الإنسانية الانتقائية: لماذا حياة إسرائيلية تساوي مئة فلسطينية؟
· ازدواجية المعايير: القانون الدولي للضعفاء فقط؟
· الفلسفة الأوروبية والمركزية الأوروبية: كانط وهيغل و"شعوب بلا تاريخ"
· نقد هامش دبشي: الغرب ليس حضارة، بل همجية متجلية
· الجامعات الغربية: معقل المركزية الأوروبية
· المركزية الأوروبية والإعلام: كيف تُصوَّر فلسطين؟
· الهمجية والحداثة: الوجه المظلم للتنوير
· سلاح العودة: كيف يواجه الفلسطيني المركزية الأوروبية؟
· ما بعد المركزية الأوروبية: نحو عالم متعدد المراكز
· الخلاصة: المركزية الأوروبية في ميزان التاريخ

الفصل الرابع عشر: إيران والمقاومة - إشكالية التصنيف القانوني

· موقع إيران في معادلة الصراع
· جذور الدور: من ثورة 1979 إلى دعم القضية الفلسطينية
· إيران والاحتلال: موقف مبدئي أم استراتيجي؟
· إيران والمقاومة الفلسطينية: شراكة استراتيجية
· الإشكالية القانونية الأولى: حق الشعوب في المقاومة
· الإشكالية القانونية الثانية: مفهوم "الدعم المادي" في القانون الدولي
· الإشكالية القانونية الثالثة: مسؤولية الدولة عن أفعال الجماعات المسلحة
· الرد الإيراني: الاتهامات الغربية ليست نزيهة
· هل يمكن مساءلة إيران قانونياً؟
· المقارنة مع الدعم الأمريكي لإسرائيل: ازدواجية المعايير
· إشكالية "حرية إيران" و"حرية فلسطين": مقارنة مضللة
· إيران في المحكمة: دعم قانوني أم تواطؤ في جرائم؟
· رأي الخامنئي: "فلسطين ستتحرر بالمقاومة"
· إيران والنكبة المستمرة: موقف متصل
· الإشكالية السياسية: إيران بين المبدأ والواقع
· مستقبل الدور الإيراني في ظل المتغيرات الإقليمية
· الخلاصة: إيران بين الشرعية والمساءلة

الفصل الخامس عشر: الدور الغربي - التواطؤ المكشوف

· شركاء في الجريمة
· الولايات المتحدة: الحامي الأول والأخير
· ألمانيا: شريك أساسي في الإبادة
· بريطانيا: من الانتداب إلى الاستطلاع
· فرنسا: من الدعم إلى المساومة
· إيطاليا: من الدعم إلى الانتقاد
· كندا: عقوبات محدودة
· الاتحاد الأوروبي: ازدواجية المعايير في أبهى صورها
· أستراليا: اعتراف متأخر
· إسبانيا: الصوت الأكثر جرأة
· الإعلام الغربي: تشكيل الوعي
· الجامعات الغربية: قمع الصوت
· الشركات: الربح من الإبادة
· التواطؤ العربي: الوجه الآخر للكارثة
· مجلس الأمن: الشلل المؤسسي
· ازدواجية المعايير: أوكرانيا وغزة
· الصراع داخل التحالف الغربي
· أرقام صادمة: حجم الدعم
· التواطؤ كمنهج: من 1948 إلى 2026
· الخلاصة: الإبادة جريمة جماعية

الفصل السادس عشر: الشركات والتكنولوجيا - الربح من الإبادة

· عندما تتحول الأكواد إلى قنابل
· مشروع نيمبوس: 1.2 مليار دولار من أجل الإبادة
· مايكروسوفت: العمود الفقري للتجسس
· بالانتير: شريك قديم في الجرائم
· أنظمة الذكاء الاصطناعي القاتلة: لافندر، ذا جوسبل، وويرز دادي
· شركات الأسلحة: القائمة الكاملة
· قطاع الطيران والشحن: نقل الموت
· شركات البناء والمعدات الثقيلة: تدمير وإعادة بناء
· قطاع الموارد الطبيعية: ميكوروت وشركات المياه
· قطاع التمويل: البنوك التي تمول الإبادة
· قطاع التكنولوجيا: ما بعد نيمبوس
· حملات المقاطعة: مقاومة من الداخل
· الردود الدولية: بين الإدانة والصمت
· الإطار القانوني: كيف تحاسب الشركات؟
· الرأسمالية الاستعمارية العنصرية: مفهوم جديد
· الأرقام: كم يكلف الموت؟
· دروس من الماضي: جنوب إفريقيا نموذجاً
· مقاومة الشركات: حركة الموظفين
· الأسئلة الأخلاقية: هل التكنولوجيا محايدة؟
· الخلاصة: اقتصاد الإبادة

الفصل السابع عشر: القطاع المصرفي - تمويل الإبادة

· الدم يُحوّل إلى أرقام
· باركليز: البنك الذي يمول الإبادة
· جي بي مورغان تشيس: مصرف الحرب والسلم
· بنوك أخرى في القائمة: التعقيد المالي
· صندوق النرويج السيادي: ضمير مستيقظ؟
· صناديق التقاعد: أموال العمال في خدمة القتل
· البنوك العربية والإسلامية: صمت التواطؤ
· البنك الدولي: شريك في إعادة الإعمار؟
· "مجلس السلام": صفقة القرن المصرفية
· كوشنر و"أفينيتي بارتنرز": المصالح الخاصة
· مارك روان وأبولو: تقدير الأصول
· يائير جاباي: "ريفييرا المتوسط"
· من العراق إلى أفغانستان: سيناريو متكرر
· سندات إسرائيل: الدين في خدمة الإبادة
· بنوك إسرائيلية: في قلب النظام
· النظام المالي العالمي: كيف يعمل التواطؤ
· الإطار القانوني: المسؤولية الجنائية للبنوك
· حركة المقاطعة: نجاحات وتحديات
· الخلاصة: تمويل الموت

الفصل الثامن عشر: حركة المقاطعة - مقاومة من الداخل

· عندما يصبح المستهلك مقاوماً
· نشأة الحركة: من 2005 إلى اليوم
· النموذج الجنوب إفريقي: الإلهام الأكبر
· باركليز: حملة نموذجية
· كارفور: انتصار كبير
· الصندوق النرويجي: المعركة القانونية
· الجامعات: ساحات النضال الجديدة
· المقاطعة الأكاديمية: قطع العلاقات مع المؤسسات المتواطئة
· المقاطعة الثقافية: الفنانون والكتاب والموسيقيون
· المقاطعة الرياضية: فضح "الغسل الرياضي"
· التحديات: حملات التشويه والقوانين القمعية
· النجاحات: ماذا حققت BDS حتى الآن؟
· استراتيجيات المستقبل: إلى أين تتجه الحركة؟
· العلاقة مع حركات المقاطعة التاريخية
· النقد الذاتي: نقاط ضعف الحركة
· الرد على اتهام "معاداة السامية"
· دور فلسطينيي الخارج
· مستقبل BDS في ظل المتغيرات الإقليمية
· دروس من المقاطعة: ماذا تعلمنا؟
· الخلاصة: السلاح الأقوى لمن لا سلاح لهم

الفصل التاسع عشر: دور الأمم المتحدة - الفشل والتواطؤ

· الهيكل العظمي للعالم الجديد
· من التقسيم إلى النكبة: البداية المشؤومة
· الأونروا: شاهد على النكبة المستمرة
· مجلس الأمن: قفص الفيتو
· الجمعية العامة: صوت الشعب بلا أسنان
· محكمة العدل الدولية: القانون بلا قوة
· قرار 2728: لحظة خاطفة من الأمل
· قرار 2803: الاستعمار بغطاء أممي
· "مجلس السلام": ترامب حاكماً لغزة
· قوة التثبيت الدولية: احتلال جديد
· روسيا والصين: بين المبدأ والسياسة
· الأونروا تحت الحصار
· تصريحات المسؤولين: اعترافات بالفشل
· الفيتو الأمريكي: التاريخ والأرقام
· ألبانيزي تحت العقوبات: قمع المنتقدين
· التقارير الدولية: توثيق بلا عقاب
· المجتمع المدني الدولي: صوت بديل
· التواطؤ العربي: شريك في الفشل
· مستقبل الأمم المتحدة: بين الإصلاح والانهيار
· الخلاصة: الأمم المتحدة في ميزان التاريخ

الفصل العشرون: المساءلة الدولية - الطريق إلى العدالة

· العدالة وإن تأخرت
· المحكمة الجنائية الدولية: تاريخ ونشأة
· مذكرات الاعتقال: 20 مايو 2024
· العقبات: الضغوط الأمريكية والتهديدات
· استشهاد القادة المتهمين: نهاية غير متوقعة
· محكمة العدل الدولية: المسار الموازي
· الولاية القضائية العالمية: محاكمات في دول أخرى
· دور جنوب إفريقيا: نموذج يحتذى
· الخبراء القانونيون: شهادات من الداخل
· السوابق التاريخية: دروس من الماضي
· التحديات: ما يعيق المساءلة؟
· وثائق النكبة: أدلة لا تقبل الجدل
· مستقبل المساءلة: سيناريوهات محتملة
· دور الضغط الشعبي: القوة الدافعة
· من غزة إلى لاهاي: الطريق طويل
· الخلاصة: العدالة واجب، لا خيار

الخاتمة: من النكبة إلى التحرير - رؤية للمستقبل

· حيث نلتقي بعد الرحيل
· ملخص الرحلة: ما تعلمناه من الوثائق
· تحديات الحاضر: ماذا بعد غزة؟
· دروس من التاريخ: ما يخبرنا به الماضي
· رؤية للمستقبل: ما نريد أن نراه
· دور كل واحد منا: ماذا يمكننا أن نفعل؟
· رسالة إلى القارئ: أنت جزء من التاريخ
· كلمة أخيرة: من النكبة إلى التحرير



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي ...
- الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
- كتاب : الغريب الذي يرى
- تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
- سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب ...
- قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ...
- كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
- تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
- دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب ...
- كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب ...
- دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
- أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون ...
- بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة ...
- عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال ...
- من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت ...
- -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة ...
- إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال ...
- العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم ...
- إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين ...
- سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف


المزيد.....




- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- -غلطة شنيعة-.. مرشد يشوه هرم أوناس بمصر والمنصات تتفاعل
- نحو موقف معرفي مقاوم: في نقد التبعية الثقافية والبحث عن -الم ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين