|
|
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -المركز-
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 16:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
فاتحة: لحظة استثنائية في زمن استثنائي
في ليلة لم تكن كسابقاتها، اهتز كيان الاحتلال الإسرائيلي ليس فقط تحت وطأة الصواريخ الإيرانية التي اخترقت القبة الحديدية وسيادة الأساطير، بل تحت وطأة زلزال وجودي أعمق. فالقصف الذي طال مدن "المركز" الإسرائيلي وميناء إيلات في الجنوب، والذي تزامن مع نيران حزب الله في الشمال، لم يعد مجرد حدث عسكري طارئ يمكن احتواؤه ببيانات نصر زائفة. لقد تحول إلى لحظة تاريخية فارقة، تُقرع فيها أجراس الحقيقة في وجدان المستوطنين والإعلاميين الإسرائيليين أنفسهم، الذين باتوا يعترفون، بارتباك ورهبة، بأن "ثمة خطباً ما" في الكيان، وأن "الخوف والألم أصبحا أكثر وضوحاً".
هذه المشاهد ليست مجرد حلقة جديدة في صراع مفتوح، بل هي تجسيد مادي لتحول جيوسياسي كبير يمكن فهمه بعيداً عن القراءات السطحية. إنها اللحظة التي تبدأ فيها "الأطراف" بمطالبة "المركز" بفاتورة تاريخ طويل من النهب والاستعمار. لفهم دلالات هذه اللحظة، لا بد من تسليط الضوء على رؤية فكرية عميقة نابعة من الجنوب العالمي، رؤية تُفكك هذه المعادلة ليس باعتبارها حرباً عابرة، بل كحركة تاريخية حتمية لتصفية الشروط الاستعمارية التي قام عليها الكيان، وبالتالي تحرير المنطقة برمتها من ربقة التبعية للغرب.
فما نشهده اليوم هو لحظة نهاية أسطورة، وانكشاف زيف الهيمنة، وبداية عصر جديد تتغير فيه موازين القوى ليس فقط على مستوى المنطقة، بل على مستوى النظام العالمي بأسره. إنها لحظة يستيقظ فيها "الجنوب" من سباته العميق، ليطالب بمكانه تحت الشمس، وليعيد كتابة التاريخ من منظور المغلبين والمقهورين، لا المنتصرين والظالمين.
الجزء الأول
تفكيك الخبر: المشهد كما رواه الإسرائيليون أنفسهم
١.١ ليلة الصواريخ: ماذا حدث؟
تعرّضت دولة الاحتلال الإسرائيليّ الليلة الماضية وحتى اليوم صباحًا لقصفٍ صاروخيٍّ إيرانيٍّ طال مدن مركز الكيان والسهل الساحليّ المتاخم للبحر الأبيض المتوسّط، الأمر الذي أوقع إصاباتٍ في الأرواح والممتلكات، دون إعطاء تفاصيل عنها بسبب التعتيم الكامل الذي تفرضه الرقابة العسكريّة الإسرائيليّة.
هذه الليلة لا تختلِف عن سابقاتها، ومن الممكن الترجيح بأنّ المزاعم في تل أبيب حول اقتراب النصر ما هي إلّا إشاعاتٍ مضللةٍ هدفها طمأنة المستوطنين، الذين باتوا يُعانون من أزماتٍ نفسيّةٍ بعد 15 يومًا من شنّ العدوان الأمريكيّ-الإسرائيليّ المُشترك ضدّ إيران، وانضمام حزب الله الأسبوع الماضي إلى الحرب وإمطار شمال الكيان بوابلٍ كثيفٍ من الصواريخ. والخطير في الأمر أنّ الصواريخ الإيرانيّة ضربت مدينة إيلات في الجنوب، وهي المدينة التي قامت قبل أكثر من سنتيْن بإغلاق الميناء بسبب هجمات (أنصار الله) من اليمن، علمًا أنّه يُعتبر شريان العبور من الاستيراد والتصدير لإسرائيل.
هذا المشهد العسكري يحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة. فاستهداف إيلات ليس مجرد عمل عسكري رمزي، بل هو ضربة لشريان الاقتصاد الإسرائيلي، وللبوابة الجنوبية التي ظلت لعقود بعيدة عن مرمى نيران المقاومة. إنها رسالة واضحة بأن معادلة الردع الإسرائيلية، التي قامت على فكرة "حرب الاستنزاف في العمق العربي"، قد انقلبت رأساً على عقب. فالعمق الإسرائيلي بات مكشوفاً وضعيفاً، والمدن التي ظلت لعقود تنعم بالأمان المطلق، أصبحت الليلة في مرمى النيران.
الأهم من ذلك هو التوقيت. فالهجوم الإيراني لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد 15 يوماً من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي المشترك على إيران. وهو ما يعني أن طهران اختارت الرد في التوقيت المناسب، وبالوسيلة المناسبة، لترسل رسالة واضحة: "إننا نستطيع الرد، وإن قدرتنا على إيذائكم لا تقل عن قدرتكم على إيذائنا". وهذه المعادلة هي التي كانت غائبة لعقود، وهي التي يشكل استعادتها اليوم نقطة تحول كبرى في تاريخ الصراع.
١.٢ شهادة من الداخل: الون مزراحي والخوف الإسرائيلي الأول
في هذا السياق كان لافتًا للغاية، ما نشره الصحافيّ الإسرائيليّ الون مزراحي على حسابه على منصة (إكس)، تويتر سابقًا، حيث قال: "لا أستطيع تحديد السبب الدقيق الذي يدفعني لقول هذا، لكن ثمة شيءٍ ما في إسرائيل، بالنسبة لشخّصٍ مُطّلعٍ مثلي، يبدو غريبًا، مُريبًا، وهادئًا".
وشدّدّ الإعلاميّ مزراحي في تدوينته على أنّ "هناك خطبُ ما، قد يكون السبب صحة نتنياهو أوْ فقدان بعض القدرات الاستراتيجيّة، لا أدري، لكنّ النبرة تغيّرت بالتأكيد، وأصبح الخوف والألم أكثر وضوحًا"، على حدّ تعبيره.
وأردف قائلاً: "أعتقد أنّه بهذا المعدل، في غضون شهر تقريبًا، ستبدأ البلاد بالتفكك، شيئًا فشيئًا. تخميني هو أنّ إيران ربّما استطاعت أنْ تُضعِف سلاح الجوّ الإسرائيليّ بشكلٍ خطيرٍ، وأنّ إسرائيل لا تملك أيّ جوابٍ على ذلك"، وفق تعبيره.
هذه الشهادة هي الأكثر دلالة في المشهد كله. فالون مزراحي ليس ناشطاً يسارياً معادياً للصهيونية، ولا منظراً عربياً يحلم بزوال إسرائيل. إنه صحافي إسرائيلي "مطلع"، يعبر عن شعور غامض بالخوف والريبة يجتاح النخبة الإسرائيلية. إنه يعبر عن لحظة تاريخية يدرك فيها الإسرائيليون، ولأول مرة، أن "النصر" الذي يبشرون به ليس إلا وهماً، وأن "الجيش الذي لا يُقهر" قد أضعفته صواريخ إيران.
ما يصفه مزراحي بـ"الهدوء الغريب" و"الغموض" هو في الحقيقة ذهول النخبة الإسرائيلية أمام واقع جديد لم تعتد عليه: واقع الضعف، واقع الردع المقلوب، واقع أن العدو بات قادراً على إيذائها في العمق. إنه الانهيار النفسي الذي يسبق الانهيار العسكري، وهو ما عبر عنه مزراحي بوضوح حين تنبأ بأن "البلاد ستبدأ بالتفكك، شيئاً فشيئاً".
١.٣ بيرل هاربر الشرق الأوسط: تدمير القواعد الأمريكية
وكان مزراحي، قد نشر الأسبوع الفائت على صفحته الشخصيّة في موقع (X)، تويتر سابقًا، مدونةً طويلةً جاء فيها حرفيًا: "إنّنا نشهد لحظة تاريخية. إيران، في مفاجأة للجميع، تدمر القواعد الأمريكية تدميرًا شاملاً وعلى نطاقٍ واسعٍ وبحسمٍ لم يكن العالم مستعدًا له".
وتابع إنّه "في غضون عدّة أيّاٍم، تمكّنت إيران من توسيع نطاق هيمنتها العسكريّة في المنطقة. لقد دمرت إيران أهّم وأغلى القواعد العسكريّة والممتلكات والمعدات في العالم أجمع"، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّ القواعد الأمريكيّة في البحرين والكويت وقطر والسعودية تُعد من بين أكبر المنشآت العسكرية في العالم. وقد كلفت هذه المنشآت تريليونات الدولارات على مدى عقود لبنائها، طبقًا لأقواله.
وأردف مزراحي في تدوينته: "نحن نتحدث عن حقيقةٍ أنّ الجزء الأكبر من الإنفاق العسكريّ الذي تمّ على مدى أكثر من 30 عامًا قد تبدد، ونشهد تدمير رادارات تبلغ تكلفة كلّ منها مئات الملايين من الدولارات في لحظةٍ، كما نشهد هجر قواعد عسكريّةٍ بأكملها وحرقها ونهبها وتدميرها".
وأوضح الكاتب الإسرائيليّ: "أقول لكم، على حدّ علمي، لم تشهد الولايات المتحدة مثل هذا الدمار في تاريخها، باستثناء ربّما بيرل هاربر، ولكن ذلك كان مجرّد هجومٍ واحدٍ. لا يوجد عدوٍّ في حربٍ تقليديّةٍ لم يسبق لأيّ دولةٍ أنْ فعلّت هذا بالقوات العسكرية الأمريكيّة كما تفعل إيران الآن، من الصعب تصديق ذلك. الوضع العسكريّ خطير للغاية لدرجة أنّ الرقابة تحجب تقريبًا جميع المعلومات الجديدة حول هذه الحرب".
واختتم موجهًا حديثه للإسرائيليين والأمريكيين، إذْ أنّ المدوّنة نُشرت باللغة الإنجليزيّة: "إذا لاحظتم، فإنّنا نتلقى معلوماتٍ أقل فأقل كلّ يومٍ. قبل خمسة وثلاثين عامًا، أيْ عام 1991، خلال حرب العراق الأولى، عُرضت علينا لقطاتٍ لا حصر لها من العراق، في ذلك الوقت، كانت القنابل الذكيّة والكاميرات شيئًا جديدًا، لكنّنا كنّا نشاهد لقطاتٍ ليليّةٍ كلّ ليلةٍ. أمّا الآن، فنادرًا ما نرى أيّ مقاطع فيديو على الإطلاق"، على حدّ تعبيره.
هذه الشهادة تحمل في طياتها اعترافاً خطيراً: أن الرد الإيراني لم يقتصر على إسرائيل، بل طال القواعد الأمريكية في المنطقة، وأن هذا الرد أحدث خسائر فادحة لم تشهدها الولايات المتحدة منذ بيرل هاربر. إنها لحظة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى: لحظة انهيار الهيبة الأمريكية، لحظة إثبات أن "الرجل الأبيض" لم يعد قادراً على حماية جنوده وقواعده، لحظة تتحول فيها أمريكا من "الشرطي الأعلى" إلى "الرجل المريض" في المنطقة.
الأهم من ذلك هو اعتراف مزراحي بحجب المعلومات. ففي الماضي، كانت أمريكا تتفاخر بقدراتها العسكرية، وتعرض لقطات القنابل الذكية وهي تدمر أهدافها بدقة متناهية. أما اليوم، فالصمت يخيم على المشهد، والرقابة تمنع نشر أي معلومات عن الخسائر. هذا الصمت هو في حد ذاته اعتراف بالفشل، واعتراف بأن ما حدث أكبر من أن يُحكى، وأكثر إيلاماً من أن يُعلن.
١.٤ صرخة العقلاء: أوري مسغاف وحرب المختلين عقلياً
على صلةٍ بما سلف، قال الإعلاميّ والمُحلِّل الإسرائيليّ البارز، أوري مسغاف في صحيفة (هآرتس) العبريّة: "أعتقد أنّ هذه حرب جنونية، دخلت فيها إسرائيل والولايات المتحدة بقيادة شخصيْن مختلّيْن عقليًا، مهووسين بجنون العظمة، نرجسييْن، منفصلين عن الواقع، غارقيْن حتى أعناقهما في مشاكل سياسيّةٍ وقانونيّةٍ، يقودان أكثر حكومتين أصوليتين ومعاديتين للديمقراطية في تاريخ بلديهما، ومع ذلك يتجرآن على التبشير بالديمقراطية في أماكن أخرى".
ومضى قائلاً: "هذه حربٌ لم تُحدد لها أهدافٌ أو خطط، وإنْ وُجدت، فهي تتغير يوميًا بسبب سخافات الرئيس ترامب وتصرفاته العبثية. على الأقل، هو يتحدث إلى وسائل الإعلام يوميًا، أمّا نتنياهو، فلم يظهر أمام العامة ولم يُجب على أسئلة الصحفيين (الحقيقيين) منذ بداية الحرب، ويكتفي بمقاطع فيديو مسجلة وإحاطاتٍ إعلاميّةٍ يقدمها هو وحاشيته باسم (مصدرٍ سياسيٍّ) أوْ (أمنيٍّ) أوْ (مُطّلع)".
هذه الشهادة هي الأكثر قسوة على الإطلاق. فمسغاف لا يهاجم المقاومة العربية أو الإيرانية، بل يهاجم قادة بلاده وحليفها الأمريكي. إنه يصفهم بـ"المختلين عقلياً" و"المنفصلين عن الواقع" و"المهووسين بجنون العظمة". هذا ليس نقداً سياسياً عادياً، بل هو إعلان أخلاقي من مثقف إسرائيلي بأن قيادة بلاده فقدت البوصلة، وأن الحرب التي يخوضونها هي حرب "جنونية" بلا أهداف ولا خطط.
ما يعنيه مسغاف بعبارة "المنفصلين عن الواقع" هو أن نتنياهو وترامب يعيشان في فقاعة افتراضية، بعيداً عن الحقائق على الأرض. إنهما يتصرفان وكأن إيران دولة صغيرة ضعيفة يمكن قصفها بسهولة، وكأن المقاومة مجرد عصابات يمكن القضاء عليها في أيام. لكن الواقع الذي يكشفه مزراحي يقول عكس ذلك تماماً: إيران تدمر القواعد الأمريكية، والمقاومة تمطر إسرائيل بالصواريخ، والجيش الإسرائيلي يخسر قدراته الاستراتيجية.
١.٥ سخرية القدر: رفيف دروكر وأكاذيب النصر
من ناحيته قام الإعلاميّ الإسرائيليّ رفيف دروكر، في القناة الـ 13 بالتلفزيون العبريّ بالتندّر على أكاذيب نتنياهو ووزير حربه إسرائيل كاتس ورئيس الولايات المُتحدّة، دونالد ترامب، حيث قال في حديثه إنّ الثلاثة أكّدوا لنا عقب حرب الـ 12 يومًا في حزيران (يونيو)، أنّهم قضوا على البرنامج النوويّ الإيرانيّ ومشروع الصواريخ الباليستيّة لأجيالٍ طويلةٍ، ولكن بعد مرور أقّل من 8 أشهرٍ عادوا وشنّوا الحرب ضدّ إيران لنفس الأسباب، فما الذي جري غير الكذب والنفاق، على حدّ تعبيره.
سخرية دروكر ليست مجرد نقد صحافي عابر، بل هي دليل على أن الإعلام الإسرائيلي نفسه بدأ يكتشف كذب القيادة. ففي حزيران، قالوا إنهم قضوا على البرنامج النووي الإيراني لأجيال طويلة. وبعد أقل من ثمانية أشهر، يعودون لشن الحرب نفسها لنفس الأسباب. إذاً، أين ذهبت إنجازات حزيران؟ أين النصر الذي بشرت به القيادة؟ إنه الكذب بعينه، والنفاق بحد ذاته.
ما يكشفه دروكر هو أن القيادة الإسرائيلية-الأمريكية لا تتعامل مع الجمهور بشفافية، بل تبيع له أوهاماً وأكاذيب، وتكرر نفس الأخطاء، وتشن نفس الحروب لنفس الأسباب، وكأن شيئاً لم يتعلموه من التجارب السابقة. هذه العبثية التي يصفها دروكر هي سمة العقلية الاستعمارية التي تعتقد أنها قادرة على فرض إرادتها بالقوة، دون أن تدفع ثمناً. لكن الحقيقة التي بدأت تتكشف اليوم هي أن الثمن باهظ، وأن الفاتورة ثقيلة، وأن أيام النصر الزهيد قد ولت إلى غير رجعة.
الجزء الثاني
الإطار النظري: المركز والأطراف في فكر التحرر
٢.١ المركزية الأوروبية: نقد النموذج المهيمن
لكي نفهم ما يجري اليوم في غرب آسيا، لا بد من العودة إلى الجذور الفكرية التي تفسر طبيعة العلاقة بين الغرب والشرق، بين "المركز" و"الأطراف". فعلى مدى قرون، هيمنت على العالم رؤية معرفية تسمى "المركزية الأوروبية" (Eurocentrism)، وهي رؤية تزعم بوجود ثوابت ثقافية متميزة بين شعوب العالم، وتقدم النموذج الغربي كحل وحيد لتحديات العصر .
هذه الرؤية ليست مجرد تحيز ثقافي عابر، بل هي بعد أساسي من أبعاد ثقافة وأيديولوجيا العالم الرأسمالي الحديث. إنها الأداة الفكرية التي شرعت الاستعمار، وبررت النهب، وقدّمت "الرجل الأبيض" كحامل لرسالة "تحضر" الشعوب "المتخلفة". في إطار هذه الرؤية، تم تصوير العرب والمسلمين على أنهم "جماعات بلا تاريخ"، تعيش خارج الزمن، وتحتاج إلى من "يخرجها من ظلمات التخلف إلى نور الحضارة".
لقد درجت ثقافة "المركز" على تقديم نفسها باعتبارها الحصن المنيع والقوة التي لا تُقهر، مستندة إلى تفوق تكنولوجي وعسكري يُضفي الشرعية على مشروعها الاستيطاني. لكن ما تفعله صواريخ المقاومة اليوم هو كشف زيف هذه الدعاية. إنها تعيد إنتاج مشهد "بيرل هاربر" ولكن بصيغة موسعة ومستمرة؛ إنها هزيمة للعقيدة العسكرية التي قامت على فكرة "الحسم السريع" و"الردع الدائم".
ما يحدث اليوم هو إثبات ملموس على أن "المركزية الأوروبية" كانت دوماً وهماً معرفياً، وأن الشعوب التي وصفت بـ"الهامشية" قادرة على إنتاج تاريخها بنفسها، وصنع نصرها بيدها، وفرض إرادتها على من ظنوا أنفسهم "سادة العالم". إنها لحظة انتقام الـ"subaltern" (المغلوب) الذي يكتب التاريخ أخيراً، ليس بالكلمات بل بالصواريخ، ليس بالنظريات بل بالمقاومة، ليس بالخطابات بل بالانتصارات.
٢.٢ نظرية التبعية: كيف يُنتج التخلف؟
في سياق نقد المركزية الأوروبية، تبرز "نظرية التبعية" (Dependency Theory) كأداة تحليلية أساسية لفهم العلاقة بين دول المركز الغنية ودول الأطراف الفقيرة. هذه النظرية، التي ساهم في بلورتها مفكرون من الجنوب العالمي، ترى إلى اقتصاد العالم كنظام واحد متكامل لا يمكن التمييز فيه بين استغلال العمل وأنظمة الدول .
بمعنى آخر، لا يمكن الفصل بين الدول الغنية والفقيرة على مستوى التحليل الاقتصادي. فالتخلف ليس نقصاً في التنمية أو في التقدم، بل هو الوجه الآخر لنمو البلدان الغنية التي تعتمد على الاستغلال المكثّف للبلدان الأخرى، ما يجعل تلك البلدان "متخلفة" بهذا المعنى .
يعمل النظام العالمي من خلال تقسيم العمل بين الدول. حيث يكون دور دول الأطراف الفقيرة توفير المُدخلات المنخفضة القيمة في المسارات العالمية، بأسعار أقل من قيمتها الفعلية، فيصبح الطرف متخصصاً في إنتاج السلع الأوليّة - مثل المحاصيل الزراعية والخامات الأولية - التي تصدّر بطريقة أساسية إلى المركز. خلافاً للمركز، تعتمد الأطراف في المقام الأول على الخارج .
خلال تطور الدول الغنية وظهورها عبر الرأسمالية، انبثقت سلسلة من التشوهات الاقتصادية تضمّنت - في ما تضمنت - الإسراف في الإنفاق البيروقراطي، التحضّر (ازدياد نسبة المقيمين في المدن) السريع والمفرط، الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، الاعتماد على تدفقات المساعدات الخارجية، وإعادة توزيع الدخل المحلي لصالح الطبقة الكومبرادورية .
هذه النظرية تفسر لنا لماذا تبقى الدول العربية، رغم ثرواتها الهائلة، في ذيل قائمة الدول المتقدمة. إنها ليست "متخلفة" لأن شعوبها كسولة أو غير قادرة، بل لأنها خضعت لقرون من الاستغلال والنهب من قبل المركز، ولأن بنيتها الاقتصادية صممت لتخدم مصالح الخارج لا مصالح الداخل. وهي نفس النظرية التي تفسر لماذا تنجح تجارب مثل التجربة الإيرانية في الصمود رغم العقوبات: لأنها بدأت عملية "فك الارتباط" عن المركز، وبناء نموذج تنموي ذاتي لا يعتمد على التبعية للخارج.
٢.٣ التبادل غير المتكافئ: آلية الاستغلال الخفية
من أهم المفاهيم التي تطرحها نظرية التبعية مفهوم "التبادل غير المتكافئ" (Unequal Exchange). ففي النظام الرأسمالي العالمي، يتم تبادل السلع بين المركز والأطراف بأسعار لا تعكس القيمة الحقيقية للعمل المبذول في إنتاجها. فدول الأطراف تصدر المواد الخام بأسعار منخفضة، وتستورد السلع المصنعة من المركز بأسعار مرتفعة، مما يؤدي إلى تدفق الفائض الاقتصادي من الأطراف إلى المركز بشكل دائم ومنتظم.
في هذا النموذج يصبح التبادل غير المتكافئ الوسيلة الرئيسية التي تتيح للرأسمالية إنتاج عدم المساواة، حيث تخلق الدول الغنية تقسيماً دولياً للعمل تخضع له العديد من البلدان الأخرى (في الأصل، فعلت هذه الدول ذلك بطريقة مباشرة، عبر الاستعمار الكولونيالي). وتؤدّي الأنظمة الاحتكارية هذه إلى أرباح طائلة تفوق تلك التي يمكن تحصيلها في الأسواق التنافسية .
يعني ذلك أنّه لا يمكن لأحد أن يخوض في الأسواق العالمية مع المستفيدين من هذه الإمبريالية فينافسهم في الربحية. هكذا لا يتغير الترتيب العالمي، بالرغم من عمليات "السوق الحرة". وتبدو التنمية في البلاد الفقيرة في هذه الحالة كـ"تنمية لامتكافئة"، حيث تخضع هذه البلاد لنمو اقتصادي يحول دون قيام تنمية مستدامة، فتستحوذ البلدان الغنية على الفائض الذي تنتجه، بدلاً من أن تستعمله محلياً .
من الوسائل الأساسية لاستخراج الفائض اليوم عمليات التكيّف الهيكلي وجدولة الديون، التي تفرضها مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الدول المدينة، لتجبرها على فتح أسواقها، وخصخصة قطاعها العام، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، مما يسهل على الشركات متعددة الجنسيات السيطرة على ثرواتها.
هذا التحليل يكشف لنا الطبيعة الحقيقية للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. فهذه العقوبات ليست مجرد إجراء سياسي عابر، بل هي آلية من آليات التبادل غير المتكافئ، تهدف إلى منع إيران من بناء نموذج تنموي مستقل، وإجبارها على العودة إلى "مكانها الطبيعي" في النظام العالمي كدولة تابعة مصدرة للنفط، مستوردة للسلع، خاضعة لإملاءات المركز.
٢.٤ فك الارتباط: استراتيجية التحرر
في مواجهة هذا النظام العالمي الجائر، يطرح الفكر التحرري مفهوم "فك الارتباط" (Delinking) كاستراتيجية للتحرر من التبعية. هذا المفهوم، الذي يُفهم خطأً على أنه انعزال، هو في الحقيقة استراتيجية تهدف إلى بناء مسار تنمية ذاتي ومستقل، يعيد هيكلة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن إملاءات "المركز" .
فك الارتباط ليس عزلة، بل خضوع الاقتصاد الوطني لمنطق التنمية الداخلية الشعبية. إنه يعني أن تضع الدولة أولوياتها الداخلية فوق الاعتبارات الخارجية، وأن تبني نمط إنتاج واستهلاك يخدم احتياجات شعبها أولاً، قبل أن يفكر في التصدير والاستيراد. إنه يعني كسر حلقة التبعية التي تجعل الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وإملاءات المؤسسات المالية الدولية .
في المنطقة العربية والإسلامية، يعني ذلك بناء تكامل إقليمي يجمع بين إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، بعيداً عن سلاسل التوريد الإمبريالية. يعني بناء اقتصاد مقاوم يعتمد على الاكتفاء الذاتي، حيث يصبح فك الارتباط أداة لتحرير الأرض من خلال تحرير الاقتصاد .
هذا ما تحاول إيران فعله منذ عقود: بناء اقتصاد لا يعتمد على النفط فقط، وتطوير صناعة محلية قادرة على تلبية احتياجات البلاد الأساسية، وإنشاء شبكة علاقات إقليمية ودولية بديلة عن الهيمنة الأمريكية. هذا ما يفسر صمودها رغم أقسى العقوبات في التاريخ. إنها ليست معجزة، بل هي نتاج استراتيجية واعية لفك الارتباط عن المركز، وبناء نموذج تنموي ذاتي المركز (Autocentric accumulation) بدلاً من التراكم "المنفتح" (Extraverted accumulation) .
٢.٥ دور البرجوازية الكومبرادورية
في سياق تحليل التبعية، يبرز مفهوم "البرجوازية الكومبرادورية" (Comprador Bourgeoisie) كعنصر أساسي في إعادة إنتاج علاقات التبعية. فالكومبرادور، في الأصل، هو التاجر المحلي الذي يعمل وسيطاً للشركات الأجنبية في الأسواق المحلية. وفي النظرية الاجتماعية، تشير البرجوازية الكومبرادورية إلى الطبقة الرأسمالية المحلية التي ترتبط مصالحها بمصالح رأس المال الأجنبي، وتعمل كحلقة وصل بين الاقتصاد المحلي والمركز الإمبريالي .
هذه الطبقة لا مصلحة لها في تنمية البلاد واستقلالها، بل مصلحتها في بقاء علاقات التبعية قائمة، لأنها تستمد قوتها وثروتها من موقعها كوسيط بين الداخل والخارج. لذلك، تقاوم هذه الطبقة أي مشروع تحرري وطني، وتتحالف مع القوى الخارجية للحفاظ على وضعها القائم .
في لبنان، كما يشرح الدكتور طنوس شلهوب، نشأ تناقض موضوعي بين المقاومة التي تواجه المشروع الإمبريالي عسكرياً، ودولة يستند اقتصادها إلى علاقات عضوية مع هذا المشروع نفسه. فالدولة اللبنانية التي نشأت في ظل الانتداب لم تتشكل كدولة سيادة وطنية مكتملة، بل كإطار لإدارة التوازنات الطائفية والاقتصادية المرتبطة بالخارج. لقد صُمم هذا الكيان ليكون مساحة تسوية بين مصالح داخلية متشابكة مع مصالح دولية، أكثر مما صُمم ليكون دولة قادرة على خوض صراع طويل مع منظومة الهيمنة العالمية. ومن هنا كان التوتر شبه الدائم بين مشروع مقاومة يسعى إلى فرض معادلة سيادية، وبنية دولة تقوم وظيفتها الأساسية على تجنب مثل هذا الصدام .
هذا التحليل يفسر لنا لماذا تواجه المقاومة في لبنان وغيره من البلدان العربية عداءً داخلياً شرساً من بعض القوى السياسية. ليس لأن هذه القوى تختلف مع المقاومة في التكتيك أو الإستراتيجية فحسب، بل لأن مصالحها الطبقية مرتبطة عضوياً بالمركز الإمبريالي، ولأن نجاح المقاومة يعني تهديداً مباشراً لمكانتها الاجتماعية والاقتصادية.
الجزء الثالث
محور المقاومة: تجسيد عملي لفك الارتباط
٣.١ من طهران إلى صنعاء: جغرافية المقاومة
إن التوسع الجغرافي للمقاومة، من إيران إلى اليمن مروراً بلبنان والعراق وسوريا، ليس مجرد تحالف عابر، بل هو تجسيد عملي لمفهوم "فك الارتباط" عن المنظومة الرأسمالية العالمية. فمحور المقاومة، كما تبلور على مدى العقود الأربعة الماضية، يمثل شبكة من القوى السياسية والعسكرية التي تتفق على هدف استراتيجي واحد: مواجهة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة، وبناء نموذج إقليمي بديل يقوم على السيادة الوطنية والاستقلال الاقتصادي والمقاومة المسلحة.
ما يجمع هذه القوى ليس مجرد العداء المشترك لإسرائيل، بل رؤية أعمق للعالم تقوم على رفض التبعية للمركز، والتمسك بالحق في تقرير المصير، والإيمان بأن الشعوب قادرة على صنع تاريخها بنفسها. إنها قوى نشأت في معظمها من رحم المعاناة والحرمان والاحتلال، واكتسبت شرعيتها من مقاومتها للعدوان، وخبرتها من نضالها الطويل.
تتوزع هذه القوى على جغرافيا واسعة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن الحدود التركية إلى المحيط الهندي. وهي بهذا الانتشار تشكل حزاماً استراتيجياً يحيط بالكيان الإسرائيلي من كل اتجاه، ويمنحها قدرة على الضغط في جبهات متعددة، واستنزاف العدو على أكثر من صعيد. وهذا ما يفسر قدرتها على توجيه ضربات متزامنة لإسرائيل، كما حدث في الليلة الماضية، عندما سقطت الصواريخ الإيرانية في العمق، بينما كانت صواريخ حزب الله تمطر الشمال، وطائرات أنصار الله المسيرة تحلق نحو إيلات.
٣.٢ إيران: نموذج التنمية المستقلة
في قلب محور المقاومة، تقع إيران كدولة ذات مشروع تنموي طموح يسعى إلى بناء اقتصاد وطني مستقل، وتطوير قدرات علمية وتكنولوجية محلية، وتعزيز مكانة إقليمية ودولية بعيداً عن الهيمنة الغربية. هذا المشروع لم يولد من فراغ، بل هو نتاج ثورة 1979 التي قلبت النظام السياسي والاقتصادي في البلاد، ووضعت شعار "لا شرقية ولا غربية" كأساس للسياسة الخارجية الإيرانية.
على مدى أربعة عقود، واجهت إيران حرباً وجودية من الغرب، تمثلت في دعم صدام حسين في حربه ضدها (1980-1988)، وفرض عقوبات اقتصادية متصاعدة، وتصنيفها ضمن "محور الشر"، وشن حروب سيبرانية واغتيالات لعلمائها، وتهديد دائم بتوجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية. ورغم كل هذا، استطاعت إيران الصمود والتطور، وبناء قدراتها الدفاعية والصاروخية، وتطوير برنامجها النووي السلمي، ودعم حركات المقاومة في المنطقة.
ما يفسر هذا الصمود هو استراتيجية "فك الارتباط" التي انتهجتها إيران منذ الثورة. فقد عملت على بناء اقتصاد لا يعتمد على النفط فقط، من خلال تطوير قطاعات أخرى كالزراعة والصناعة والخدمات. وشجعت على الاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية، خاصة الغذائية والدوائية. وطوّرت صناعة عسكرية محلية قادرة على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية. وأنشأت شبكة علاقات اقتصادية وسياسية مع قوى صاعدة مثل روسيا والصين، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
الرد الإيراني اليوم ليس مجرد عمل عسكري، بل هو تتويج لهذه الاستراتيجية. إنه إثبات أن إيران، رغم كل العقوبات والتهديدات، استطاعت أن تبني قوة تمكنها من الرد على العدوان، وإلحاق الضرر بالعدو، وفرض معادلة ردع جديدة في المنطقة.
٣.٣ حزب الله: معادلة الردع الشعبية
في لبنان، يمثل حزب الله نموذجاً فريداً للمقاومة التي استطاعت تحرير الأرض (عام 2000)، وفرض معادلة ردع مع إسرائيل (بعد حرب 2006)، وبناء شبكة اجتماعية واقتصادية واسعة تدعم البيئة الحاضنة. هذا النموذج يجمع بين العسكري والمدني، بين المقاومة والبناء، بين الدفاع عن لبنان ودعم القضية الفلسطينية.
ما يميز تجربة حزب الله هو قدرته على تحويل الانتصار العسكري إلى مشروع مجتمعي شامل. فالمقاومة لم تقتصر على العمل العسكري، بل امتدت إلى بناء مؤسسات تعليمية وصحية واجتماعية واقتصادية، تخدم الفقراء والمحرومين، وتعزز صمود البيئة الشيعية في مواجهة التهميش والحرمان. وهذا ما يفسر قدرة الحزب على الصمود في وجه الحروب الإسرائيلية المتكررة، والحملات السياسية والإعلامية الداخلية الشرسة.
في الحرب الحالية، يلعب حزب الله دوراً محورياً في إسناد غزة والمقاومة الفلسطينية، من خلال إمطار شمال إسرائيل بوابل كثيف من الصواريخ، وإجبار الجيش الإسرائيلي على القتال على جبهتين، وتحويل حياة المستوطنين في الشمال إلى جحيم لا يطاق. هذه المشاركة ليست مجرد "تضامن" عابر، بل هي جزء من استراتيجية موحدة للمحور، تهدف إلى استنزاف العدو ومنعه من تحقيق أي نصر ساحق في غزة.
٣.٤ أنصار الله: ثوار اليمن ومعادلة البحر
في اليمن، استطاع أنصار الله (الحوثيون) تحقيق إنجاز غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي: فرض حصار بحري على إسرائيل، وإغلاق ميناء إيلات الحيوي، وتعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر باتجاه الكيان. هذا الإنجاز، الذي بدا مستحيلاً قبل سنوات، أصبح اليوم حقيقة ملموسة، بفضل صواريخ وطائرات مسيرة يمنية الصنع، تخترق الدفاعات الجوية الأكثر تطوراً، وتضرب أهدافها بدقة متناهية.
ما يثير الدهشة في التجربة اليمنية هو قدرة حركة محاصرة من الداخل والخارج على تطوير قدرات عسكرية متقدمة، تمكنها من تهديد إسرائيل وفرض معادلة بحرية جديدة في المنطقة. فأنصار الله، الذين كانوا يحاربون بطائرات بدون طيار بدائية منذ سنوات، أصبحوا اليوم يمتلكون ترسانة صاروخية متطورة، ويمارسون سيطرتهم على موانئ استراتيجية، ويشكلون تهديداً حقيقياً للمصالح الغربية في البحر الأحمر وخليج عدن.
هذه التجربة تثبت أن الإرادة السياسية قادرة على صنع المعجزات، وأن التكنولوجيا المتقدمة ليست حكراً على الغرب، وأن الشعوب المحاصرة يمكنها أن تبتكر وتطور وتنتج ما تحتاج إليه من سلاح، طالما كانت القضية عادلة والإيمان بها صادقاً. كما تثبت أن معادلة الردع لم تعد تقتصر على البر، بل امتدت إلى البحر، حيث بات الكيان الإسرائيلي مهدداً من اتجاه لم يكن يتوقعه: اتجاه الجنوب.
٣.٥ فصائل المقاومة الفلسطينية: القلب النابض
في فلسطين، تبقى المقاومة هي القلب النابض لمحور المقاومة، والقضية المركزية التي تمنح هذا المحور شرعيته ودافعه. فما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد معركة عابرة، بل هو حلقة في صراع وجودي مع المشروع الصهيوني، الذي لم يعرف منذ نشأته سوى لغة القوة والتهجير والقتل.
طوفان الأقصى، الذي انطلق في تشرين الأول 2023، أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وكسر حالة الجمود التي سادت لعقود، وأثبت أن الفلسطينيين ما زالوا قادرين على إحداث المفاجآت، وتحقيق الانتصارات، وفرض معادلات جديدة. كما أثبت أن وحدة الساحات ليست شعاراً فقط، بل هي حقيقة ملموسة، عندما فتحت جبهات الإسناد في لبنان واليمن والعراق، لتؤازر غزة وتضغط على العدو.
في ظل العدوان الحالي، الذي تجاوزت خسائره البشرية 68 ألف قتيل في غزة وحدها، تظهر المقاومة الفلسطينية صموداً أسطورياً، وتستمر في إطلاق الصواريخ وتنفيذ العمليات، رغم الدمار الهائل والحصار الظالم. هذا الصمود هو الذي يمنح محور المقاومة زخمه، وهو الذي يدفع إيران وحزب الله وأنصار الله إلى التصعيد، وهو الذي يجعل الكيان الإسرائيلي يعيش أسوأ أيامه منذ نشأته .
٣.٦ الحشد الشعبي والمقاومة العراقية
في العراق، يمثل الحشد الشعبي نموذجاً للمقاومة التي ولدت من رحم المعركة ضد تنظيم داعش (2014-2017)، واستطاعت أن تتحول إلى قوة عسكرية وسياسية واجتماعية مؤثرة، توازن النفوذ الأمريكي في البلاد، وتدعم القضية الفلسطينية ومحور المقاومة. الحشد، الذي يضم عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة والسنة والمسيحيين، يجمع بين الدفاع عن العراق وحماية المقدسات ودعم القضية الفلسطينية.
في الحرب الحالية، تلعب فصائل المقاومة العراقية دوراً مهماً في استهداف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا، والضغط على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. كما تشارك في تقديم الدعم اللوجستي والإعلامي للمقاومة الفلسطينية، وتعزيز التكامل بين قوى المحور.
ما يميز التجربة العراقية هو قدرة المقاومة على التحول من حالة الدفاع عن النفس (ضد داعش) إلى حالة المشاركة الفاعلة في مشروع إقليمي أوسع، يجمع بين قوى متعددة في مواجهة الهيمنة الأمريكية والعدوان الإسرائيلي. وهذا التحول يعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً، وقدرة على استثمار الانتصارات المحلية في بناء تحالفات إقليمية.
الجزء الرابع
تفكك المركز: أزمة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية
٤.١ من الردع إلى الردع المقلوب
لقرون، قامت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على مفهوم "الردع": أن تكون إسرائيل قوية إلى درجة تمنع أي عدو من التفكير في مهاجمتها. هذا الردع تحقق عبر ثلاث ركائز أساسية: التفوق النوعي في التسليح (خاصة في سلاح الجو)، الدعم الأمريكي اللامحدود، والقدرة على توجيه ضربات استباقية ساحقة.
ما يحدث اليوم هو انهيار هذه المعادلة. فصواريخ إيران والمقاومة لم تخترق "القبة الحديدية" فحسب، بل اخترقت نظرية الردع ذاتها. لقد أثبتت هذه الصواريخ أن إسرائيل لم تعد قادرة على حماية سمائها، ولا مدنها، ولا مستوطنيها. وأثبتت أن الردع الإسرائيلي تحول إلى "ردع مقلوب": لم تعد إسرائيل هي التي تردع الآخرين، بل الآخرون هم الذين يردعونها.
هذا التحول الدراماتيكي يفسره ما ذكره الون مزراحي عن "فقدان بعض القدرات الاستراتيجية". فسلاح الجو الإسرائيلي، الذي ظل لعقود "الأقوى في المنطقة"، ربما يكون قد تلقى ضربات قاسية في الأيام الأخيرة، ربما تكون قواعده قد دمرت، ربما تكون طائراته قد أصبحت عاجزة عن الإقلاع. هذا ما يفسر "الهدوء الغريب" الذي تحدث عنه مزراحي. إنه ليس هدوء انتظار النصر، بل هدوء ما بعد الكارثة.
٤.٢ انهيار الهيبة الأمريكية
ما يجري في المنطقة لا يقل خطورة على الولايات المتحدة مما يجري على إسرائيل. فالقواعد الأمريكية التي وصفت بأنها "أهم وأغلى المنشآت العسكرية في العالم"، والتي كلفت تريليونات الدولارات على مدى عقود، تتعرض للتدمير تباعاً على يد صواريخ إيران والمقاومة. رادارات بمئات الملايين تدمر في لحظة، قواعد عسكرية كاملة تهجر وتحرق وتنهب، وجنود أمريكيون يقتلون ويصابون دون أن تستطيع واشنطن فعل شيء.
هذا المشهد يذكرنا بما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق، حيث تفوقت إرادة المقاومة على قوة التكنولوجيا. لكن الفارق هنا أن الضربات تطال "المركز" نفسه، أي القواعد الأمريكية الدائمة في منطقة الخليج، التي ظلت لعقود بعيدة عن مرمى نيران الأعداء. لأول مرة منذ بيرل هاربر، تتعرض القوات الأمريكية لهجمات بهذا الحجم وهذا التأثير. لأول مرة، يدفع "الرجل الأبيض" ثمناً حقيقياً لاستكباره وعدوانه.
هذه الضربات توجه رسالة واضحة لكل الشعوب المستضعفة في العالم: أن أمريكا ليست بقوة خارقة، وأن جيشها يمكن هزيمته، وأن هيبتها يمكن تحطيمها. إنها لحظة تاريخية قد تكون فاتحة لعصر جديد من التحرر، تتجرأ فيه شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية على رفع رأسها، ومطالبة "المركز" بحساب قرون من النهب والقتل والاستعباد.
٤.٣ الصمت الإعلامي: اعتراف بالفشل
من أكثر الدلالات خطورة في المشهد الحالي هو الصمت الإعلامي الذي يلف العمليات العسكرية. كما لاحظ مزراحي، فإن وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية لم تعد تبث لقطات العمليات كما كانت تفعل في الماضي، بل تكتفي ببيانات رسمية مقتضبة وتعميمات فضفاضة. هذا الصمت ليس عجزاً تقنياً، بل هو اعتراف بالفشل.
في الماضي، عندما كانت أمريكا وإسرائيل تحققان انتصارات، كانت الكاميرات تنقل لنا تفاصيل القنابل الذكية وهي تدمر أهدافها بدقة. كان الإعلام أداة دعاية بامتياز، يبث الرعب في قلوب الأعداء، ويعزز صورة "الجيش الذي لا يُقهر". أما اليوم، وقد انقلبت المعادلة، فلم يعد هناك ما يعرضه الإعلام سوى الخسائر والدمار والهزائم. ولهذا كان الصمت خياراً استراتيجياً: إخفاء الحقيقة عن الجمهور، وتجنب بث صور الهزيمة التي قد تحطم الروح المعنوية.
لكن الصمت، مع ذلك، يتكلم. فحجب المعلومات هو في حد ذاته اعتراف بأن ما يحدث أكبر من أن يُحكى، وأن الخسائر فادحة لدرجة لا يمكن إخفاؤها، وأن الصورة التي تصل إلى الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي (غير الخاضعة للرقابة) تتناقض تماماً مع الصورة الرسمية. هذا التناقض يولد شعوراً بالريبة والخوف، هو نفسه ما عبر عنه مزراحي بقوله: "ثمة شيء ما يبدو غريباً ومريباً وهادئاً".
٤.٤ الأزمة السياسية الداخلية
ما يحدث على الجبهة العسكرية ينعكس بالضرورة على الساحة السياسية الداخلية في إسرائيل والولايات المتحدة. فالحرب الحالية، كما يصفها أوري مسغاف، هي "حرب جنونية" بلا أهداف واضحة، يقودها "مختلان عقلياً" منفصلان عن الواقع. هذا الوصف ليس مبالغة، بل هو تشخيص دقيق لحالة القيادة في البلدين.
فنتنياهو، الذي يخوض حرباً وجودية، يختفي عن الأنظار، ولا يظهر للجمهور إلا عبر بيانات مسجلة، ولا يجيب على أسئلة الصحافيين، ولا يشرح أهداف الحرب أو خططه. ترامب، بالمقابل، يتحدث إلى الإعلام يومياً، لكن حديثه يمتلئ بالتناقضات والسخافات، مما يربك الحلفاء والأعداء على حد سواء. هذه الفوضى على مستوى القمة تعكس انهياراً في عملية اتخاذ القرار، وغياب رؤية استراتيجية واضحة، واستسلاماً للارتجال والعشوائية.
في إسرائيل، يضاف إلى ذلك أزمة سياسية داخلية حادة، تعصف بالبلاد منذ سنوات، وتتمثل في الانقسام حول الإصلاح القضائي، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، وتراجع الثقة في المؤسسات. هذه الأزمة تضعف القدرة على الصمود في وجه الحرب، وتسرع من وتيرة التفكك الذي تحدث عنه مزراحي. فالبلد الذي يعيش حرباً وجودية، ولا يستطيع حلها السياسي أن يتحد خلف قيادته، هو بلد في طريقه إلى الانهيار.
٤.٥ الكذب والنفاق: انهيار المصداقية
سخرية رفيف دروكر من أكاذيب نتنياهو وكاثس وترامب تكشف عن انهيار المصداقية كأحد أعمدة النظام السياسي في إسرائيل والولايات المتحدة. فعندما يعلن القادة أنهم قضوا على البرنامج النووي الإيراني "لأجيال طويلة"، ثم يعودون بعد أشهر لشن الحرب نفسها لنفس الأسباب، فإنهم بذلك يعلنون إفلاسهم الأخلاقي، ويكشفون زيف ادعاءاتهم.
هذا الكذب المنهجي ليس مجرد خطأ عابر، بل هو جزء من بنية النظام السياسي الإسرائيلي-الأمريكي. ففي هذا النظام، تُستخدم الأكاذيب لتبرير الحروب، وشرعنة العدوان، وخداع الجماهير، وتحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية. وعندما تنكشف الأكاذيب، لا يعاقب الكذابون، بل يكررون نفس الكذب مرة أخرى، وكأن شيئاً لم يكن.
لكن دروكر، ومزراحي، ومسغاف، وغيرهم من الإعلاميين الإسرائيليين الذين بدأوا يرفعون صوتهم، يمثلون تحولاً مهماً. إنهم يعبرون عن قطاع من النخبة الإسرائيلية بدأ يدرك أن أكاذيب القيادة تقود البلاد إلى الهاوية، وأن الاستمرار في هذه الحرب الجنونية سيكون كارثة على الجميع. هذا التحول، إذا اتسع، قد يشكل بذرة تغيير داخل المجتمع الإسرائيلي، ولو على المدى البعيد.
الجزء الخامس
المستقبل: نحو عالم متعدد المراكز
٥.١ نهاية الهيمنة الأحادية
ما نشهده اليوم ليس مجرد معركة عابرة، بل هو نهاية مرحلة تاريخية كاملة: مرحلة الهيمنة الأحادية للغرب، وبداية عصر جديد يمكن وصفه بـ"عالم متعدد المراكز" (Polycentric World). في هذا العالم الجديد، لن يكون هناك قطب واحد يسيطر على مقدرات الشعوب، بل عدة أقطاب تتفاعل وتتنافس وتتعاون، في إطار نظام دولي أكثر توازناً وعدالة.
لقد استمرت الهيمنة الأمريكية على العالم زهاء ثمانية عقود، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وخلال هذه الفترة، فرضت أمريكا إرادتها على الشعوب، ونصبت نفسها شرطية للعالم، واستخدمت قوتها العسكرية والاقتصادية لخدمة مصالحها ومصالح حلفائها. لكن هذه الهيمنة بدأت تتصدع مع نهاية القرن العشرين، وتسارع تصدعها في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، بفعل عوامل متعددة: صعود قوى جديدة مثل الصين وروسيا والهند، فشل الحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق، الأزمة المالية العالمية 2008، جائحة كورونا التي كشفت هشاشة النظام الصحي والاقتصادي الغربي، والحرب في أوكرانيا التي استنزفت الموارد الأوروبية والأمريكية.
في هذه المرحلة الانتقالية، يبرز محور المقاومة كأحد اللاعبين الرئيسيين في إعادة تشكيل النظام العالمي. فانتصاراته المتتالية، وقدرته على الصمود في وجه أعتى الهجمات، وتمسكه بخيار المقاومة والتحرر، كل ذلك يجعله نموذجاً يحتذى به لشعوب الجنوب العالمي التي تسعى إلى التحرر من التبعية والهيمنة.
٥.٢ آفاق التحرر في غرب آسيا
في منطقة غرب آسيا، تفتح التطورات الحالية آفاقاً جديدة للتحرر لا تقتصر على فلسطين وحدها، بل تمتد لتشمل كل بلدان المنطقة. فإيران التي تقاوم العدوان، ولبنان الذي يصمد في وجه الحروب، واليمن الذي يحاصر إسرائيل، والعراق الذي يطرد المحتلين، وسوريا التي تستعيد عافيتها، كلها تجارب تشكل نموذجاً لمسار بديل عن مسار التبعية والاستسلام.
ما يجمع هذه التجارب هو الرفض المشترك للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، والتمسك بالحق في تقرير المصير، والإيمان بقدرة الشعوب على صنع تاريخها. هذا الرفض، عندما يترجم إلى عمل جماعي منسق، يصبح قوة هائلة قادرة على تغيير موازين القوى، وفرض معادلات جديدة، وإعادة تشكيل المنطقة على أسس أكثر عدالة.
إن تحرير فلسطين، في هذا السياق، ليس قضية وطنية فقط، بل هو شرط لتحرير التنمية الإيرانية، والاقتصاد اللبناني، والمستقبل اليمني من العدوان المتكرر. إنه شرط لتغيير قواعد اللعبة العالمية، وإسعاف الإمبراطورية الأمريكية المنهكة لتلتهمها أزماتها الداخلية، وتنشغل بلعق جراحها بدلاً من العبث بمقدرات الشعوب .
٥.٣ دور القوى الصاعدة: الصين وروسيا
في سياق التحول نحو عالم متعدد المراكز، يبرز دور القوى الصاعدة، خاصة الصين وروسيا، كعامل مساعد لجهود التحرر في المنطقة. فهذه القوى، التي تتنافس مع الغرب على النفوذ العالمي، تجد في محور المقاومة حليفاً طبيعياً في مواجهة الهيمنة الأمريكية، وتقدم له دعماً اقتصادياً وسياسياً مهماً.
الصين، من خلال مبادرة "الحزام والطريق" واستثماراتها الضخمة في المنطقة، تخلق بديلاً اقتصادياً عن التبعية للغرب، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون التجاري والاستثماري بعيداً عن الإملاءات الأمريكية. روسيا، من خلال تدخلها العسكري في سوريا (2015) وتحالفها الاستراتيجي مع إيران، تشكل ثقلاً موازياً للنفوذ الأمريكي، وتعزز قدرة محور المقاومة على الصمود في وجه الضغوط.
هذا التحالف بين قوى المقاومة والقوى الصاعدة لا يعني التبعية الجديدة، بل هو تحالف استراتيجي يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. فالصين وروسيا، رغم أنهما جزء من "المركز" الجديد، إلا أنهما تختلفان عن الغرب في عدم فرض شروط سياسية أو أيديولوجية على حلفائهما، وفي احترامهما لسيادة الدول وخياراتها الداخلية. وهذا ما يجعلهما حليفين أكثر قبولاً من الغرب، الذي لا يتعامل مع الآخر إلا من موقع الهيمنة والإملاء.
٥.٤ إعادة بناء النظرية الاجتماعية من منظور الأطراف
ما يحدث على الأرض يجب أن يرافقه تحول على مستوى الفكر والنظرية. فالنظريات الاجتماعية السائدة، التي نشأت في الغرب وتم تصديرها إلى العالم، لم تعد قادرة على تفسير ما يجري، ولا على تقديم حلول لمشكلات العصر. لذلك، هناك حاجة ملحة لإعادة بناء النظرية الاجتماعية من منظور الأطراف، أي من موقع الشعوب المقهورة والمستغلة.
هذه المهمة بدأها مفكرون كبار من الجنوب العالمي، الذين عملوا على تطوير أدوات تحليلية جديدة قادرة على فهم واقع التبعية والهيمنة، وتقديم بدائل نظرية وعملية للتحرر. لقد أصر هؤلاء المفكرون على ضرورة التفكير بنيويًا، وزمانيًا، وسياسيًا، وإبداعيًا حول المشكلات الاقتصادية العالمية. وتحدوا الحدود الفاصلة بين التخصصات العلمية، وأولوا عنايتهم للبنيات العالمية التي تسند نظامًا دوليًا من الاستغلال .
إن إعادة بناء النظرية الاجتماعية من منظور الأطراف تعني:
· نقد المركزية الأوروبية: كشف الأيديولوجيا التي تقدم النموذج الغربي كحل وحيد، وتبرر الهيمنة والاستغلال باسم "العقلانية" و"التقدم". · تحليل آليات التبعية: فهم كيف يعيد النظام العالمي إنتاج التفاوت بين المركز والأطراف، من خلال التبادل غير المتكافئ، والسيطرة على التكنولوجيا، والهيمنة المالية والعسكرية والإعلامية. · تطوير نظرية التحرر: بناء تصور نظري لمسار بديل، يقوم على فك الارتباط عن المركز، وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني لخدمة احتياجات الشعب، والتكامل الإقليمي بين قوى الجنوب. · استعادة صوت المقهورين: تمكين الشعوب المستضعفة من التعبير عن نفسها، ورواية تاريخها من منظورها، وإنتاج معرفتها الخاصة، بدلاً من استهلاك المعرفة الجاهزة القادمة من المركز.
٥.٥ التحديات المستقبلية
رغم الانتصارات التي يحققها محور المقاومة، إلا أن التحديات المستقبلية لا تزال كبيرة ومعقدة. فالعدو، رغم ضعفه وهزيمته، لا يزال يمتلك قدرات هائلة على التدمير والتخريب، ولا يزال يتمتع بدعم غير محدود من الغرب، ولا يزال يسيطر على مفاصل الاقتصاد العالمي والإعلام الدولي.
من أبرز التحديات المستقبلية:
· التحدي العسكري: قدرة العدو على شن حروب جديدة أكثر شراسة، واستخدام تكنولوجيا متطورة في القتل والتدمير، وتوسيع دائرة العدوان لتشمل دولاً ومناطق جديدة. · التحدي الاقتصادي: استمرار العقوبات والحصار، ومحاولة خنق الاقتصاد الإيراني وغيره من اقتصادات المقاومة، وعرقلة أي مشروع تنموي مستقل. · التحدي السياسي: الضغوط الداخلية من القوى التابعة للمركز (البرجوازية الكومبرادورية)، ومحاولة زعزعة الاستقرار من خلال الاحتجاجات والفتن الطائفية والانقسامات السياسية. · التحدي الإعلامي: استمرار الحرب الإعلامية والدعائية ضد محور المقاومة، وتشويه صورته، وإضعاف البيئة الحاضنة له، واستهداف رموزه وقادته. · التحدي الفكري: صعوبة تطوير خطاب فكري وثقافي بديل قادر على منافسة الخطاب الغربي المهيمن، وجذب الشباب والنخب، وتقديم رؤية مستقبلية ملهمة.
مواجهة هذه التحديات تتطلب وحدة الصف بين قوى المقاومة، وتطوير القدرات الذاتية في كل المجالات، والاستثمار في الإنسان كأهم ثروة، والتمسك بالقيم الأخلاقية التي تميز مشروع التحرر عن مشاريع الهيمنة والاستكبار.
الجزء السادس
التناقض البنيوي بين المقاومة والدولة التابعة
٦.١ الدولة الكومبرادورية في لبنان: نموذجاً
في لبنان، يبرز التناقض البنيوي بين المقاومة ودولة التبعية بشكل حاد. فالدولة اللبنانية، كما يشرح الدكتور طنوس شلهوب، لم تتشكل كدولة سيادة وطنية مكتملة، بل كإطار لإدارة التوازنات الطائفية والاقتصادية المرتبطة بالخارج. لقد صُمم هذا الكيان ليكون مساحة تسوية بين مصالح داخلية متشابكة مع مصالح دولية، أكثر مما صُمم ليكون دولة قادرة على خوض صراع طويل مع منظومة الهيمنة العالمية .
في هذا الإطار، تبرز البرجوازية الكومبرادورية اللبنانية كطبقة لا مصلحة لها في استقلال البلاد وتنميتها، بل مصلحتها في بقاء علاقات التبعية قائمة، لأنها تستمد قوتها وثروتها من موقعها كوسيط بين الداخل والخارج. هذه الطبقة ترتبط مصالحها عضوياً بالمصارف الغربية والشركات متعددة الجنسيات والمراكز المالية العالمية، ولذلك تقاوم أي مشروع تحرري وطني، وتتحالف مع القوى الخارجية للحفاظ على وضعها القائم.
من هنا كان التوتر شبه الدائم بين مشروع المقاومة الذي يسعى إلى فرض معادلة سيادية، وبنية الدولة التي تقوم وظيفتها الأساسية على تجنب مثل هذا الصدام. هذا التوتر يفسر العداء الشرس الذي تواجهه المقاومة من بعض القوى السياسية اللبنانية، التي تذهب بعيداً في رهاناتها إلى حد المجازفة بالسلم الأهلي من أجل كسر المقاومة أو نزع سلاحها .
٦.٢ الطائفية كشكل من أشكال التبعية
في هذا السياق، تبدو الطائفية في لبنان أبعد بكثير من كونها «مرضاً» عابراً يمكن معالجته ببعض الإصلاحات السياسية. فهي في جوهرها الشكل التاريخي الخاص لبنية السلطة في البلد، ووظيفتها الأساسية ضمان إعادة إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية، بما يخدم مصالح المركز الإمبريالي في الخارج، والبرجوازية الكومبرادورية في الداخل .
فالنظام الطائفي، بتوزيعه للسلطة على أساس الانتماء المذهبي، يخلق نخباً طائفية متنافسة، ترتبط مصالح كل منها بقاعدتها الطائفية، وتتنافس على النفوذ والغنائم، بدلاً من التنافس على بناء دولة وطنية قوية. هذا التشرذم يسهل على القوى الخارجية اختراق البلاد، والتأثير في قراراتها، والحفاظ على وضع التبعية قائماً.
في مقابل ذلك، تقدم المقاومة نموذجاً وطنياً عابراً للطوائف، يجمع اللبنانيين حول مشروع وطني واحد: تحرير الأرض، ومواجهة العدو، وبناء دولة قوية قادرة على حماية سيادتها. هذا النموذج يهدد أسس النظام الطائفي، ويثير مخاوف النخب التقليدية التي تخشى على مصالحها ومكانتها، مما يفسر عداءها للمقاومة رغم الأدلة الكثيرة على وطنيتها وإنجازاتها.
٦.٣ صراع المشاريع: السيادة مقابل التبعية
ما يجري في لبنان اليوم، وفي المنطقة عموماً، هو صراع بين مشروعين متعارضين: مشروع السيادة الوطنية والتحرر من التبعية، الذي تمثله المقاومة وحلفاؤها، ومشروع التبعية والاندماج في النظام الإمبريالي، الذي تمثله البرجوازية الكومبرادورية وحلفاؤها الإقليميون والدوليون.
المشروع الأول يقوم على أسس: رفض الهيمنة الخارجية، بناء قدرات ذاتية في كل المجالات، التكامل مع قوى المقاومة في المنطقة، التمسك بالثوابت الوطنية (فلسطين في المقدمة)، وتطوير خطاب ثقافي وفكري بديل.
المشروع الثاني يقوم على أسس: التحالف الاستراتيجي مع الغرب (خاصة الولايات المتحدة)، الاندماج في الاقتصاد العالمي وفق شروط المؤسسات المالية الدولية، التطبيع مع إسرائيل، تهميش القضية الفلسطينية، وتبني الخطاب الغربي حول "الإرهاب" و"الديمقراطية" و"حقوق الإنسان".
هذا الصراع ليس محصوراً في لبنان، بل يمتد ليشمل كل بلدان المنطقة. ففي كل بلد عربي وإسلامي، هناك قوى تدفع باتجاه السيادة والتحرر، وقوى تدفع باتجاه التبعية والاندماج. وانتصار المشروع الأول أو الثاني في بلد معين يرتبط بتوازن القوى الداخلي والخارجي، وبمدى قدرة قوى التحرر على تنظيم صفوفها، وحشد الجماهير، ومواجهة التحديات.
٦.٤ آفاق التغيير: بناء الدولة الوطنية الديمقراطية
رغم التحديات الكبيرة، فإن آفاق التغيير في المنطقة لا تزال مفتوحة. فسقوط نظام التبعية في أي بلد عربي ليس مستحيلاً، خاصة في ظل الأزمة العميقة التي يعيشها هذا النظام على كل المستويات: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية.
ما هو مطلوب لتحقيق هذا التغيير؟ يمكن تحديد بعض العناصر الأساسية:
· توحيد قوى التحرر: تجاوز الانقسامات الثانوية، والتركيز على الأهداف المشتركة، وبناء جبهة واسعة تضم كل القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية. · ربط النضال السياسي بالنضال الاجتماعي: عدم الفصل بين قضايا السيادة الوطنية وقضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء والمحرومين. · بناء البديل: تقديم نموذج ملموس للمستقبل، يجيب عن أسئلة الناس اليومية، ويقدم حلولاً واقعية لمشكلاتهم. · الاستثمار في التنظيم: بناء هياكل تنظيمية قادرة على الصمود في وجه التحديات، وتدريب كوادر جديدة، وتجديد الدماء باستمرار. · التواصل مع الجماهير: النزول إلى الشارع، والاستماع إلى هموم الناس، والتفاعل مع قضاياهم اليومية، وعدم الانعزال في الأبراج العاجية.
هذه المهام ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. فشعوب المنطقة أثبتت عبر التاريخ قدرتها على الصمود والتضحية والإبداع، وأثبتت أن لا قوة في الأرض تستطيع كسر إرادتها في الحرية والكرامة.
شمس العدالة تشرق من جديد
يقول الإعلامي الإسرائيلي رفيف دروكر ساخراً من أكاذيب قادته: "بعد 8 أشهر عادوا وشنوا الحرب لنفس الأسباب، فما الذي جرى غير الكذب والنفاق؟". الجواب بسيط وعميق في آن: الذي جرى هو أن "الأطراف" كبرت، وتعلمت، واتحدت، وقررت أن تنتزع حقوقها بالقوة التي لا يفهمها "المركز" إلا بها.
ما نراه اليوم ليس مجرد معركة، بل هو ولادة مخاض شرق أوسط جديد، يدفن معه مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الأمريكي، ويطوي صفحة "الاستثناء الإسرائيلي". إنها اللحظة التي يتحول فيها حلم التحرر إلى كابوس يطارد المحتلين في كل زاوية، من صواريخ إيران إلى طائرات اليمن المسيرة، مروراً ببنادق القدس.
في هذه اللحظة التاريخية، تتجلى حقيقة طالما أخفتها الدعاية الغربية: أن الشعوب إذا أرادت الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر. وأن إرادة المقاومة أقوى من أحدث الأسلحة، وأصلب من أعتى الدكتاتوريات، وأبقى من أعرق الإمبراطوريات.
ما تبقى من معركة ليس سهلاً. فالعدو غادر، والألم كبير، والطريق طويل. لكن شمس العدالة التي تشرق اليوم من ربوع غزة وإيران ولبنان واليمن، تبعث الأمل في قلوب الملايين، وتؤكد أن الغد أفضل، وأن النصر آتٍ لا محالة، مهما طال الليل واسودت السماء.
إن تحرير فلسطين، في هذا السياق، ليس قضية وطنية فقط، بل هو شرط لتحرير التنمية الإيرانية، والاقتصاد اللبناني، والمستقبل اليمني من العدوان المتكرر. إنه شرط لتغيير قواعد اللعبة العالمية، وإسعاف الإمبراطورية الأمريكية المنهكة لتلتهمها أزماتها الداخلية، وتنشغل بلعق جراحها بدلاً من العبث بمقدرات الشعوب.
إنها اللحظة التي تبدأ فيها شمس العدالة بالبزوغ من جديد، ليس بالخطابات، بل بقوة الحق الذي يحمل سلاحه.
……..
إضاءات فكرية: منطلقات منهجية لفهم المشهد
المركز والأطراف: إعادة تعريف العلاقة
في التحليل التقليدي، كان ينظر إلى العالم باعتباره مجموعة من الدول المستقلة، تتفاعل فيما بينها في إطار علاقات دولية متكافئة. لكن النظرية الاجتماعية النقدية كشفت زيف هذه الصورة، وأثبتت أن العالم يشكل نظاماً واحداً متكاملاً، تنقسم دوله إلى "مركز" و"أطراف"، ترتبط فيما بينها بعلاقات هيكلية من الهيمنة والتبعية.
المركز هو مجموعة الدول الغنية (أوروبا الغربية، أمريكا الشمالية، اليابان، أستراليا)، التي تسيطر على التكنولوجيا المتقدمة، والتدفقات المالية، والقوة العسكرية، والإنتاج الإيديولوجي والإعلامي. الأطراف هي مجموعة الدول الفقيرة (أفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية)، التي تقدم المواد الخام واليد العاملة الرخيصة للمركز، وتستهلك سلعه المصنعة، وتخضع لإملاءاته السياسية والاقتصادية.
بين المركز والأطراف، هناك "أطراف شبه هامشية" (semi-periphery)، مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا، التي تحتل موقعاً وسطاً بين المعسكرين، وتتمتع بقدرة على المناورة والتحرك بينهما.
في هذه البنية الهرمية، لا يمكن لأي دولة في الأطراف أن تحقق تنمية حقيقية ما دامت خاضعة لعلاقات التبعية مع المركز. فالتنمية في الأطراف، حتى عندما تحدث، تبقى "تنمية لامتكافئة"، تخضع لشروط المركز، وتخدم مصالحه أكثر مما تخدم مصالح الشعوب المحلية. وهذا ما يفسر استمرار الفقر والتخلف في معظم بلدان الجنوب، رغم عقود من "المساعدات" و"القروض" و"برامج الإصلاح".
التبادل غير المتكافئ: محرك الاستغلال العالمي
آلية الاستغلال الأساسية في النظام العالمي هي "التبادل غير المتكافئ". وتعني أن أسعار السلع في السوق العالمية لا تعكس القيمة الحقيقية للعمل المبذول في إنتاجها، بل تتحدد وفق علاقات قوى غير متكافئة بين المركز والأطراف.
فدول الأطراف تصدر المواد الخام (النفط، الغاز، المعادن، المحاصيل الزراعية) بأسعار منخفضة، لأنها تفتقر إلى التكنولوجيا ورأس المال اللازمين لتصنيع هذه المواد، ولأنها تتنافس فيما بينها على جذب المشترين من المركز. بالمقابل، تستورد هذه الدول السلع المصنعة (السيارات، الأجهزة الإلكترونية، الأدوية، الأسلحة) من المركز بأسعار مرتفعة، لأن المركز يحتكر التكنولوجيا المتقدمة، ويسيطر على براءات الاختراع، ويحمي صناعته المحلية بالتعريفات الجمركية والإعانات.
هذا التفاوت في الأسعار يؤدي إلى تدفق الفائض الاقتصادي من الأطراف إلى المركز بشكل دائم ومنتظم. فالدول الفقيرة تدفع للدول الغنية ثمناً باهظاً مقابل شراء سلعها، أكثر بكثير مما تستحقه هذه السلع وفقاً لقيمة العمل المبذول في إنتاجها. هذا الفائض المسلوب هو الذي يمول رفاهية المجتمعات الغربية، ويغذي نموها الاقتصادي، ويمكنها من الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري.
فك الارتباط: شرط التحرر الحقيقي
في مواجهة هذا النظام الجائر، لا يكفي السعي إلى "اللحاق بالركب" عبر الاندماج في السوق العالمية وفق شروط المركز. فهذا الاندماج، حتى عندما يحقق معدلات نمو مرتفعة على المدى القصير، يبقي الدولة في موقع التبعية، ويجعلها رهينة لتقلبات السوق العالمية وإملاءات المؤسسات المالية الدولية.
البديل الحقيقي هو "فك الارتباط" (Delinking): أي إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني لخدمة احتياجات الشعب أولاً، قبل التفكير في التصدير والاستيراد. يعني فك الارتباط أن تضع الدولة أولوياتها الداخلية فوق الاعتبارات الخارجية، وأن تبني نمط إنتاج واستهلاك يعتمد على الموارد المحلية، ويلبي احتياجات الأغلبية، ويحرر الاقتصاد من التبعية للمركز.
فك الارتباط ليس عزلة، ولا انغلاقاً على الذات. بل هو استراتيجية لبناء قدرات ذاتية، تمكن الدولة من التفاعل مع العالم من موقع قوة، وليس من موقع ضعف. إنه يعني أن تختار الدولة ما تستورده وما تصدره، وفقاً لمعايير تنموية وطنية، لا وفقاً لإملاءات الصندوق والبنك الدوليين. ويعني أن تبني تحالفات إقليمية ودولية بديلة، مع دول وقوى تشاركها الهموم والتطلعات.
في المنطقة العربية والإسلامية، يعني فك الارتباط بناء تكامل اقتصادي إقليمي يضم إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، بعيداً عن سلاسل التوريد الإمبريالية. يعني بناء اقتصاد مقاوم يعتمد على الزراعة المحلية والطاقة المتجددة والصناعات الصغيرة، ويحقق الاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية، ويكسر الاحتكار الغربي للتكنولوجيا والتمويل.
البرجوازية الكومبرادورية: عائق التحرر الداخلي
من أهم العقبات التي تواجه مشاريع التحرر في الأطراف هي "البرجوازية الكومبرادورية". وهي الطبقة الرأسمالية المحلية التي ترتبط مصالحها بمصالح رأس المال الأجنبي، وتعمل كحلقة وصل بين الاقتصاد المحلي والمركز الإمبريالي.
هذه الطبقة لا مصلحة لها في تنمية البلاد واستقلالها، بل مصلحتها في بقاء علاقات التبعية قائمة. فهي تستمد ثروتها ونفوذها من موقعها كوسيط بين الداخل والخارج، ومن تحكمها في قطاعات حيوية مثل التجارة الخارجية والخدمات المالية والعقارات. لذلك، تقاوم هذه الطبقة أي مشروع تحرري وطني، وتتحالف مع القوى الخارجية للحفاظ على وضعها القائم.
في لبنان، كما رأينا، تتحكم البرجوازية الكومبرادورية في مفاصل الاقتصاد والدولة، وتعطل أي مشروع إصلاحي حقيقي. في مصر، تحالفت هذه الطبقة مع النظام العسكري بعد 2013، واستفادت من سياسات الانفتاح الاقتصادي على حساب الفقراء. في تونس، أعاقت هذه الطبقة مسار الثورة، وسعت إلى إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة.
مواجهة هذه الطبقة تتطلب تحالفاً واسعاً بين القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية، وبرنامجاً اقتصادياً بديلاً يخدم مصالح الأغلبية، واستراتيجية نضالية تجمع بين العمل السياسي والنقابي والجماهيري. فبدون كسر هيمنة البرجوازية الكومبرادورية، لا يمكن لأي مشروع تحرري أن ينجح.
الثقافة والأيديولوجيا: معركة الوعي
إلى جانب المعركة الاقتصادية والسياسية، هناك معركة ثقافية وأيديولوجية لا تقل أهمية. فالمركز لا يسيطر على العالم بالمال والسلاح فقط، بل أيضاً بالأفكار والصور والخطابات. إنه ينتج رؤية للعالم تقدم نمط حياته كـ"نموذج يحتذى"، وتصور شعوب الأطراف على أنها "متخلفة" و"تابعة" بحاجة إلى من "يخرجها من ظلماتها".
هذه الرؤية تغزو عقول النخب والجماهير في الأطراف عبر وسائل الإعلام والمناهج التعليمية والإنتاج الثقافي، وتخلق حالة من "الاغتراب الثقافي" تجعل الناس يحتقرون ذاتهم وثقافتهم، ويتطلعون إلى تقليد الغرب في كل شيء. هذا الاغتراب هو أحد أهم عوامل إعادة إنتاج التبعية، لأنه يقتل الثقة بالنفس، ويشل القدرة على الإبداع والابتكار، ويدفع إلى استيراد الحلول الجاهزة من الخارج بدلاً من ابتكار حلول محلية تناسب ظروف البلاد.
مواجهة هذه الهيمنة الثقافية تتطلب إنتاج خطاب بديل، يعيد اكتشاف التراث المحلي، ويستلهم قيم المقاومة والكرامة، ويقدم رؤية مستقبلية ملهمة. تتطلب بناء مؤسسات ثقافية وإعلامية وتعليمية مستقلة، تنتج معرفة محلية، وتدرب كوادر وطنية، وتنقل صوت الأطراف إلى العالم. تتطلب حرباً ثقافية طويلة الأمد، لا تقل شراسة عن الحرب العسكرية والاقتصادية، لأنها معركة وعي، ومعركة مستقبل.
……
هوامش وإحالات
1. يستند هذا التحليل إلى رؤية نظرية متكاملة، تدمج بين نقد المركزية الأوروبية، ونظرية التبعية، ومفهوم فك الارتباط، وتحليل دور البرجوازية الكومبرادورية. هذه الرؤية تقدم إطاراً شاملاً لفهم التحولات الكبرى في المنطقة، وتفسير ظواهر تبدو متناقضة أو غير قابلة للفهم في ضوء النظريات التقليدية. 2. التأكيد على أن ما يجري في المنطقة ليس مجرد صراع سياسي أو عسكري عابر، بل هو صراع وجودي بين مشروعين متعارضين: مشروع الهيمنة والتبعية الذي يمثله الغرب الاستعماري وحلفاؤه في المنطقة من جهة ، ومشروع التحرر والسيادة الذي تمثله قوى المقاومة من جهة مقابلة . هذا الصراع سيمتد لسنوات طويلة، وقد يشهد انتصارات وهزائم على الجانبين، لكن نهايته المحتومة هي انتصار إرادة الشعوب على قوة الاستكبار. 3. الإشارة إلى أن التجارب التحررية في المنطقة، رغم اختلافاتها، تشترك في سمات أساسية: النشأة من رحم المعاناة والحرمان، التمسك بخيار المقاومة المسلحة، بناء قدرات ذاتية في كل المجالات، تقديم نموذج مجتمعي بديل يجمع بين الأصالة والمعاصرة، الانفتاح على تجارب التحرر في العالم. هذه السمات تجعل من هذه التجارب نموذجاً يحتذى به لشعوب الجنوب العالمي. 4. التحذير من أن الطريق إلى التحرر طويل وشاق، وأنه سيتطلب تضحيات جسيمة وصبراً طويلاً. لكن النصر في النهاية سيكون حليف من يصبر ويثبت، لأن قضية التحرر هي قضية عادلة، ولأن شعوب المنطقة أثبتت عبر التاريخ قدرتها على الصمود والإبداع، ولأن قوى الهيمنة تعيش أزمة وجودية لا مخرج منها. 5. الدعوة إلى توحيد الجهود الفكرية والنضالية بين كل قوى التحرر في المنطقة، وتجاوز الخلافات الثانوية، والتركيز على الأهداف الاستراتيجية المشتركة. فما يجمع هذه القوى أكبر مما يفرقها، ووحدة الصف هي شرط أساسي لتحقيق النصر النهائي.
………
كلمة أخيرة
هذا التحليل، الذي استغرق منا صفحات طويلة، هو مجرد محاولة متواضعة لفهم لحظة تاريخية استثنائية، تمر بها منطقتنا والعالم. إنه ليس كلمة أخيرة، بل هو مساهمة في حوار مفتوح، ودعوة للتفكير والنقاش، وحافز للعمل والنضال.
فما يجري على الأرض يتطور بسرعة مذهلة، والأحداث تتسارع بشكل لم يسبق له مثيل، والمعادلات تتغير يومياً. لذلك، لا يمكن لأي تحليل، مهما كان عميقاً، أن يقدم إجابات نهائية أو تنبؤات يقينية. كل ما يمكن فعله هو تقديم أدوات للفهم، وإطار للتحليل، وبوصلة للتوجيه.
البوصلة التي نقدمها هنا تشير إلى اتجاه واحد: العدالة للشعوب، والتحرر من الهيمنة، والكرامة للإنسان. هذا هو الهدف الأسمى لكل نضال، وهو المعيار الذي نقيس به الأحداث والمواقف والأشخاص.
في النهاية، يبقى القول: إن شعوب المنطقة، التي عانت طويلاً من ويلات الاستعمار والتبعية والفساد والاستبداد، تستحق مستقبلاً أفضل. وإن هذا المستقبل لن يأتي هدية من أحد، بل سيكون ثمرة نضالها وتضحياتها وصبرها. وإن شمس العدالة، رغم طول الليل، ستشرق يوماً لا محالة. فانتظروا الفجر، فهو أقرب مما تتصورون.
لييج ـ بلجيكا ، في ربيع 2026
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
-
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا
...
-
مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف
...
-
كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
-
خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
-
قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
-
الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
-
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد
...
-
التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
-
صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
-
إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
-
كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
-
كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي
...
-
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
-
كتاب : الغريب الذي يرى
-
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
-
سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب
...
-
قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية،
...
المزيد.....
-
نتنياهو ينشر مقطع فيديو يدحض ويسخر من شائعات وفاته
-
أول تعليق لخارجية أمريكا بعد الهجوم على سفارتها في بغداد
-
إسرائيل وإيران تعلنان تبادل ضربات -ضخمة وقوية- الأحد
-
لبنان: ما مدى واقعية مبادرة عون لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسر
...
-
محطات التحلية على خطر النار؟ حين يصبح الماء سلاحا في حرب إير
...
-
الانتخابات البلدية في فرنسا …اختبار للاستحقاق الرئاسي بعد عا
...
-
بـ5 أصابع.. نتنياهو يرد على شائعات مقتله
-
مسؤول سوري للجزيرة نت: لا نزوح من لبنان وهذه شروط الدخول
-
إيران تدعو دول العالم لتجنب -توسيع- رقعة الحرب
-
سحور بلا -زنانات-.. حين تغيب الطائرات يتنفس سكان غزة الصعداء
...
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|