|
|
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكية
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 22:39
المحور:
الادب والفن
عنوان اخر للكتاب: انهيار الإمبراطورية..كيف يكتب غرب آسيا نهاية الهيمنة الأمريكي
المقدمة: لحظة الميلاد والنهاية
(1) فجر السبت الذي غير وجه العالم
لم يكن الصخب الذي هز سماء طهران ، في صبيحة يوم السبت الثامن والعشرين من شباط 2026،مجرد دوي انفجارات تعقبها سحب من الدخان الأسود تتسلق جدار الأفق كأصابع غضب إلهي. كان ذلك الصباح لحظة انفلاق التاريخ عن نفسه، لحظة ارتطمت فيها موجة من النور بعين اليقظة العربية بعد سبات طويل، لحظة انكشف فيها الستار عن حقيقة كانت ترقد في أعماق الوعي الجمعي لمنطقتنا منذ عقود: أن الإمبراطورية التي ظنناها أبدية إنما هي وهن من الخيال، وليست إلا سراباً في قيعة من القياع.
لم يكن ذلك السبت يوماً عادياً في سجل الأيام. لقد كان يوم ولادة عالم جديد من رحم عالم يحتضر، يوم استيقظت فيه المنطقة العربية على صفعة التاريخ التي تأتي دائماً حين لا تتوقعها، لكنها حين تأتي تأتي بحجم المصير. فما حدث في تلك الساعات القليلة لم يكن مجرد عملية عسكرية، مهما بلغت دقتها وفتكها، بل كان المشهد الافتتاحي لفصل أخير في مسرحية الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، مسرحية استمرت لأكثر من سبعين عاماً، وآن لها أن ترفع الستار على نهايتها.
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تكون بمثابة فواصل فاصلة، حدود يفصل فيها الزمن بين عصر وعصر، بين طور وطور. لحظات تنكشف فيها الأعمار عن حقيقتها، وتتلاشى فيها الأوهام التي كانت تسكن العقول كأشباح مقيمة. لقد كان صباح الثامن والعشرين من شباط إحدى تلك اللحظات. ففي تلك الساعة بالذات، بينما كانت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية تعبر الأجواء بلا رادع، وبينما كانت صواريخها ترتطم بأهدافها في عمق العاصمة الإيرانية، كان هناك شيء آخر يحدث على مستوى أعمق: كانت عقلية التبعية العربية تحتضر، وكان مشروع الاستقرار المزيف الذي بنته أمريكا على رمال النفط والدم يتهاوى.
والمفارقة العظمى، التي ستبقى علامة استفهام حارقة في جبين التاريخ، أن هذه الضربات لم تأت في لحظة عداء معلن، بل جاءت بعد أيام قلائل من انتهاء جولة مفاوضات كانت تبشر باقتراب اتفاق نووي. تلك المفاوضات التي جلس فيها المسؤولون الإيرانيون والأمريكيون وجهاً لوجه، وتحدثوا بلغة الدبلوماسية التي تزعم أنها لغة الحوار والعقل، كانت في الحقيقة مجرد غطاء استخباراتي لضربة إعدام مخططة بدقة إسرائيلية، منفذة بقوة أمريكية، ومباركة بصمت عربي مطبق. وهذا هو الدرس الأقسى: أن الدبلوماسية في زمن الإمبراطورية لم تكن سوى قناع للحرب، وأن طاولة الحوار كانت في الحقيقة منصة إطلاق.
(2) عندما ينهار السراب: قراءة في انكشاف الحقيقة
لطالما عشنا، نحن أبناء المنطقة العربية، تحت وطأة وهم كبير: وهم أن أمريكا هي الحامي، وأن تحالفنا معها هو ضمانة أمننا، وأن قواعدها العسكرية المنتشرة في أرضنا هي دروع تحمينا لا أهداف تجذب النار. لقد صدقنا هذه الحكاية زمناً طويلاً، لأنها كانت مريحة، لأنها كانت توفر لنا غطاءً من الخوف نستظل به، ولأنها كانت تبرر لأنظمتنا السياسية نمطاً من الحكم يقوم على الاستبداد مقابل الرفاهية.
لكن الحقيقة، كما هي دائماً، كانت أكثر قسوة وأكثر تعقيداً. فما كانت أمريكا لتحمي أحداً إلا بقدر ما تخدم مصالحها، وما كانت قواعدها العسكرية لتكون دروعاً لنا بل كانت في الحقيقة سجوناً جغرافية تربطنا بها برباط من حديد. كنا نعتقد أننا نمتلك القواعد، والحقيقة أن القواعد امتلكتنا. كنا نعتقد أننا نحمي مصالحنا بالتحالف معها، والحقيقة أننا كنا نحمي مصالحها بأرواحنا ودمائنا وأموالنا.
وفي صباح الثامن والعشرين من شباط، انكشف كل شيء. انكشفت حقيقة أن الدفاعات الجوية الأمريكية التي أنفقت دول الخليج عليها تريليونات الدولارات قد نقلت بين ليلة وضحاها من سماء الرياض وأبو ظبي إلى سماء تل أبيب لحماية الكيان الصهيوني. انكشفت حقيقة أن القواعد الأمريكية في أراضي الخليج لم تعد ملاذاً آمناً، بل أصبحت أهدافاً ثابتة في مرمى صواريخ المقاومة. انكشفت حقيقة أن النموذج الاقتصادي الذي بنته دبي على الرمال المتحركة للاستثمار الأجنبي والسياحة والعقارات لم يكن سوى بيت من ورق انهار مع أول هزة.
انكشفت الحقيقة الأكبر: أننا كنا طوال هذه العقود نحمي أمريكا، لا أن أمريكا تحمينا. وأن وجودها في منطقتنا لم يكن لحمايتنا من أعدائنا، بل لحماية أعدائها منا، ولضمان ألا نكون أسياداً في أرضنا، ولتظل ثرواتنا النفطية تسيل في شرايين اقتصادها هي، ولتظل قراراتنا السيادية خاضعة لإملاءات لوبياتها.
(3) الإمبراطورية تحتضر: ملامح لحظة التحول
لا تموت الإمبراطوريات فجأة، ولا تنهار بين ليلة وضحاها كما تظن العقول السطحية. إنها تموت موتاً بطيئاً، موتاً يبدأ من الداخل قبل أن يظهر على السطح، موتاً يبدأ في العقول قبل أن ينتقل إلى الجيوش، موتاً يبدأ في الاقتصاد قبل أن يظهر في السياسة. لكن لحظة الوفاة الحقيقية، لحظة انقطاع النفس الأخير، تكون دائماً حادة، تكون دائماً عنيفة، تكون دائماً مليئة بالمفارقات التي تجعل المتأمل يدرك أن الموت كان قادماً منذ زمن طويل.
أمريكا التي نعرفها اليوم، أمريكا التي شنت هذه الحرب على إيران، ليست أمريكا التي عرفناها في تسعينيات القرن الماضي، ولا حتى أمريكا التي عرفناها في العقد الأول من الألفية الجديدة. تلك أمريكا كانت قوة عظمى بكل معنى الكلمة، كانت تمتلك الاقتصاد الأقوى، والجيش الأضخم، والنفوذ الأوسع. لكن هذه أمريكا مختلفة، هذه أمريكا تعاني من انقسام داخلي حاد كاد أن يودي بديمقراطيتها أكثر من مرة، تعاني من ديون هائلة جعلت اقتصادها أقرب إلى فقاعة قابلة للانفجار منها إلى قوة صلبة، تعاني من تراجع في نفوذها العالمي أمام صعود الصين وروسيا، تعاني من إرهاق عسكري بعد حروب استنزاف طويلة في أفغانستان والعراق وسوريا.
هذه أمريكا التي أطلقت العنان لإسرائيل لتجرها إلى حرب مع إيران، لم تكن تدرك أنها تفتح باباً لا يمكن إغلاقه، وأنها تضغط على زر قد يكون آخر أزرار التحكم في إمبراطوريتها. فما حدث في الثامن والعشرين من شباط لم يكن مجرد غارة جوية، بل كان بمثابة إعلان حرب على بنية النظام العالمي برمتها، كان بمثابة تحدٍ صريح لكل القوانين والأعراف الدولية التي قام عليها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.
والمفارقة أن هذه الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل لاستعادة الهيبة وإعادة ترتيب المنطقة، قد حققت النتيجة المعاكسة تماماً. فبدلاً من أن ترتدع إيران، ازدادت صلابة. وبدلاً من أن تستقر المنطقة، اشتعلت. وبدلاً من أن تعزز أمريكا وجودها، انكشفت هشاشته. وبدلاً من أن تخيف إسرائيل جيرانها، زادت من كراهية العالم لها.
(4) الشرق الأوسط يكتب نهايته: قراءة في تحولات كبرى
هذا الكتاب الذي بين يديك ليس مجرد تسجيل لأحداث جرت، ولا هو مجرد تحليل سياسي عابر. إنه محاولة لفهم لحظة تاريخية فاصلة، لحظة تتشكل فيها ملامح عالم جديد على أنقاض عالم قديم. إنه رحلة في أعماق التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم، تحولات تمتد من أعماق مضيق هرمز إلى قاعات صناديق الاقتراع في أمريكا، من أسواق دبي العقارية إلى قواعد أمريكا العسكرية في الصحراء، من مفاوضات فيينا السرية إلى سماء طهران الملتهبة.
في صفحات هذا الكتاب، سنحاول أن نفكك بنية الإمبراطورية الأمريكية، لنرى كيف تعمل هذه الآلة المعقدة التي تجمع بين الجيوش واللوبيات والمال والاستخبارات، وكيف تمكنت على مدى عقود من إعادة إنتاج نفسها في منطقتنا. سنكشف الوجه الخفي لهذه الإمبراطورية، ذلك الوجه الذي يظهر في شبكات المصالح المتداخلة، في علاقات كوشنر مع صناديق الاستثمار السعودية، في ملف إبستين الذي كشف عن أعمق أساليب الابتزاز التي تستخدمها النخب لضمان ولاء بعضها البعض.
وسنتأمل في مفارقات التاريخ العجيبة، تلك المفارقات التي تجعل من طاولة المفاوضات مقدمة للاغتيال، وتجعل من القانون الدولي جثة هامدة لا تحرك ساكناً أمام جرائم الأقوياء، وتجعل من الدول التي تسمح باستخدام أراضيها للعدوان ضحايا لذلك العدوان قبل غيرها. سنقرأ في دروس التاريخ التي لم نتعلمها بعد، وسنحاول أن نستخلص العبر التي يمكن أن تنير لنا طريق المستقبل.
كما سنغوص في أعماق مضيق هرمز، ذلك الشريان الضيق الذي تمر عبره ثلث إمدادات النفط العالمية، لنرى كيف يمكن لممر مائي لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات أن يكون مفتاحاً لقلب موازين القوى في العالم. سنتتبع انهيار أسواق دبي العقارية كأولى علامات انهيار نموذج اقتصادي كامل، وسنقرأ في صدمة الرياض كيف يمكن لحرب واحدة أن تهدد مشروعاً سياسياً كاملاً مثل "رؤية 2030".
وسنقف أمام استراتيجية الصمود الإيرانية، لنفهم كيف يمكن لإنسان يمتلك الوقت أن يهزم إمبراطورية تمتلك المال والسلاح. سنقرأ معادلة الردع الجديدة التي فرضتها إيران على المنطقة، معادلة تقول إن وجود أمريكا في المنطقة لن يكون آمناً بعد اليوم، وأن كل قاعدة أمريكية هي هدف ثابت، وأن كل سفينة حربية في الخليج هي في مرمى النار.
كما سنتأمل في مفهوم "المحميات" الذي طالما حكم بنية دول الخليج السياسية، لنرى كيف تنهار هذه المحميات اليوم تحت وطأة ثلاثة عوامل: انكشاف زيف المظلة الأمنية الأمريكية، وانهيار النموذج الاقتصادي الوهمي، وتراكم الغضب الشعبي الصامت. سنحاول أن نرسم سيناريوهات مستقبلية لهذه المحميات، ونتساءل: كم تحتاج لتنهار؟ وماذا بعد الانهيار؟
وسنقترب من السؤال الأصعب: هل تفكك الكيان الصهيوني ممكن؟ سنناقش الأوهام الإسرائيلية في مواجهة الواقع، وسننظر في عوامل الضعف التي تجعل هذا الكيان أكثر هشاشة مما يظن، وسنرسم سيناريوهات تفككه المحتملة، ليس كحلم بعيد المنال، بل كاحتمال استراتيجي قائم.
كما سنناقش إمكانية العدالة الدولية، ونتساءل: هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب؟ ما هي الآليات القانونية المتاحة؟ وما هي العقبات الكبرى التي تقف في طريق العدالة؟ وما الذي يمكن أن يغير المعادلة لصالح الضحايا؟
وأخيراً، سنحاول أن نرسم ملامح النظام العالمي الجديد الذي يولد من رحم هذه الحرب: نهاية الأحادية القطبية، وانهيار نظام البترودولار، ودور شعوب المنطقة في تشكيل مستقبلها.
(5) المنهج: بين التحليل السياسي والتأمل الفلسفي
في كتابي هذا، لم أسلك طريق التحليل السياسي الجاف الذي يختزل الواقع في أرقام وإحصاءات، ولا طريق الخطاب العاطفي الذي يغرق في الانفعالات دون أن يصل إلى فهم عميق. لقد حاولت أن أمزج بين التحليل العقلاني والتأمل الفلسفي، بين قراءة الواقع كما هو وقراءة إمكانياته كما يمكن أن تكون.
اعتمدت في كتابتي على منهج متعدد الأبعاد: بعد تاريخي يقرأ الأحداث في سياقها الزمني، وبعد جيوسياسي يحلل موازين القوى وتحالفات المصالح، وبعد اقتصادي يتتبع التدفقات المالية وتأثيرها على السياسة، وبعد قانوني يناقش الإمكانيات والقيود التي يفرضها النظام القانوني الدولي، وبعد فلسفي يتأمل في المفاهيم الكبرى: الإمبراطورية، الهيمنة، المقاومة، التحرر.
وقد حرصت على أن تكون لغتي في هذا الكتاب لغة أدبية ، لأنني أؤمن أن القضايا الكبرى تستحق لغة كبرى، وأن الحديث عن المصير لا يليق به إلا بلاغة المصير. لغة ترتفع إلى مستوى الأحداث التي تناقشها، لغة تلامس القلب قبل العقل، لغة تجعل القارئ يشعر أنه يعيش الأحداث لا يقرأ عنها فقط.
كما حرصت على أن أكون أميناً في نقل الوقائع، دقيقاً في تحليلها، موضوعياً في استخلاص النتائج. ولم أخفِ انحيازي للحق والعدالة، لأن الحياد المزعوم في زمن الإبادة الجماعية ليس موضوعية، بل هو تواطؤ مع القاتل.
(6) خريطة الكتاب: بين الفصول الستة
لقد قسمت هذا الكتاب إلى ستة فصول، يتناول كل منها بعداً من أبعاد التحول الكبير الذي نشهده:
الفصل الأول: تفكيك أصنام الإمبراطورية الأمريكية، وفيه نحاول أن نفهم بنية الإمبراطورية، وكيف تعمل شبكة المصالح المالية واللوبيات السياسية والأجهزة الاستخباراتية، ونتوقف عند شخصيات محورية مثل جاريد كوشنر وملف جيفري إبستين، ونناقش دور اللوبي الإسرائيلي في توجيه السياسة الأمريكية.
الفصل الثاني: مفارقات التاريخ - عندما تكون المفاوضات مقدمة للاغتيال، وفيه نقرأ في اغتيال القادة الإيرانيين على طاولة المفاوضات، ونتأمل في مصير القانون الدولي في زمن الإمبراطورية.
الفصل الثالث: مضيق هرمز - شريان الاقتصاد العالمي وسيف المقاومة، وفيه نناقش أهمية المضيق الاستراتيجية، ونحلل التأثيرات المباشرة للحرب على دبي والسعودية، ونتأمل في دروس الانهيار.
الفصل الرابع: استراتيجية الصمود - كيف تواجه إنساناً يمتلك الوقت؟، وفيه نقرأ معادلة الردع الجديدة التي فرضتها إيران، ونناقش ورقة إغلاق المضيق كأقوى أوراق الضغط، ونتأمل في عامل الوقت كعنصر حاسم في المعركة.
الفصل الخامس: انهيار "محميات الخليج" - بين الضرورة التاريخية والإرادة السياسية، وفيه نحلل مفهوم المحميات في الفكر النقدي، ونناقش أسباب الانهيار الحالي، ونرسم سيناريوهات زمنية لانهيار هذه المحميات.
الفصل السادس: تفكك الكيان الصهيوني - هل هو ممكن؟، وفيه نناقش الأوهام الإسرائيلية في مواجهة الواقع، ونحلل عوامل الضعف الداخلية والخارجية، ونرسم سيناريوهات التفكك المحتملة.
ثم تأتي الخاتمة: نحو عالم جديد - ملامح ما بعد الانهيار، وفيه نناقش نهاية الأحادية القطبية، وانهيار نظام البترودولار، ودور شعوب المنطقة في تشكيل مستقبلها، والإجابة عن السؤال الأكبر: إلى أين تتجه الأمور؟
(7) قبل أن نبدأ: اعتراف أول
قبل أن تغوص في صفحات هذا الكتاب، أريد أن أعترف لك بشيء: أنا لست كاتباً محايداً، ولست باحثاً يخفي انحيازاته وراء قناع الموضوعية الأكاديمية. أنا ابن هذه المنطقة، عانيت من حروبها، وذقت مرارة التبعية فيها، وشهدت بأم عيني كيف تسرق ثرواتنا باسم الاستقرار، وكيف تسفك دماؤنا باسم الديمقراطية والإسلام الوهابي الإخوانجي ، وكيف تمزق أوطاننا باسم الحدود المصطنعة.
أنا من جيل عاش على وعد النهضة العربية فإذا النهضة سراب، ومن جيل رأى أمريكا تحارب الإرهاب فإذا الإرهاب الذي تقاتله هو مقاومة الاحتلال، ومن جيل سمع عن حقوق الإنسان فإذا حقوق الإنسان التي تدافع عنها هي حق إسرائيل في قتل الشعب الاصلي الفلسطينيين.
لذلك، فأنا أكتب من موقع الالتزام: التزام بالحقيقة التي عرفتها بالتجربة والمعاناة، التزام بالعدالة التي غابت عن منطقتنا طويلاً، التزام بالمقاومة التي هي الطريق الوحيد للتحرر. وأنا أؤمن أن الكتابة هي شكل من أشكال المقاومة، وأن الكلمة الصادقة في زمن الخديعة هي سيف أمضى من الصاروخ.
أكتب هذا الكتاب في لحظة مفصلية من تاريخنا، لحظة تتسارع فيها الأحداث وتتداخل فيها المصائر، لحظة يحتاج فيها كل منا إلى أن يرى بوضوح ما يجري، ليفهم كيف يمكن أن يكون جزءاً من صنع المستقبل. ليس هذا الكتاب مجرد رصد لما يحدث، بل هو دعوة للتأمل والوعي، دعوة للمشاركة الفاعلة في كتابة نهاية الهيمنة الأمريكية على منطقتنا.
فهل أنت مستعد للرحلة؟
……..
الفصل الأول
تفكيك أصنام الإمبراطورية الأمريكية
من يمسك بخيوط اللعبة؟
تمهيد: في مفهوم الإمبراطورية
(1) الإمبراطورية التي لا تعترف بأنها إمبراطورية
قبل أن نبدأ في تفكيك بنية الهيمنة الأمريكية، لا بد أن نقف لحظة عند سؤال جوهري: ما هي الإمبراطورية؟ ليس بمعناها الكلاسيكي الذي نعرفه من كتب التاريخ، حيث كانت الإمبراطوريات تعلن عن نفسها صراحة، وتضع التاج على رأس إمبراطورها، وترسم حدودها على الخرائط بخطوط حمراء عريضة. تلك كانت إمبراطوريات الأمس: الرومانية، والعثمانية، والبريطانية، وغيرها. كانت إمبراطوريات تعترف بأنها إمبراطوريات، وتفاخر بذلك، وتعتبره حقاً مقدساً وواجباً حضارياً.
أما إمبراطورية اليوم، الإمبراطورية الأمريكية، فهي إمبراطورية من نوع مختلف تماماً. إنها إمبراطورية لا تعترف بأنها إمبراطورية. إمبراطورية تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تمارس أشد أشكال الهيمنة وحشية. إمبراطورية تسمي قواعدها العسكرية "قواعد دفاعية"، وحروبها "عمليات حفظ سلام"، وانقلاباتها "دعم الديمقراطية"، وسرقتها لثروات الشعوب "مساعدات إنمائية".
هذه المفارقة هي أولى مفارقات الإمبراطورية الأمريكية، وأكثرها تعقيداً. فهي إمبراطورية تخفي إمبراطوريتها خلف أقنعة متعددة: قناع الديمقراطية، وقناع الحرية، وقناع حقوق الإنسان، وقناع مكافحة الإرهاب. وهي بهذا الإخفاء تتمكن مما لا تتمكن منه الإمبراطوريات المكشوفة: فهي تجعل شعوب العالم، بل وشعوبها هم أيضاً، تعتقد أنها ليست إمبراطورية، وأن ما تفعله إنما هو من باب الواجب الأخلاقي والإنساني.
ولعل هذا هو السر الأكبر في طول عمر هذه الإمبراطورية، وقدرتها على التجدد والاستمرار. فالإمبراطوريات المكشوفة كانت دائماً عرضة للثورات والانتفاضات، لأن العدو فيها كان معروفاً، والهدف كان واضحاً. أما إمبراطورية اليوم، فمن يصارعها لا يعرف بالضبط أين يوجه ضربته. هل يوجهها إلى البنتاغون؟ أم إلى وول ستريت؟ أم إلى الكونغرس؟ أم إلى اللوبيات؟ أم إلى الشركات المتعددة الجنسيات؟ أم إلى أجهزة الاستخبارات؟ إنها إمبراطورية متعددة الرؤوس، إمبراطورية شبكية، إمبراطورية تنتشر في كل مكان ولا تتمثل في مكان واحد.
(2) بنية الإمبراطورية: الجيش، المال، الاستخبارات، الإعلام
لكي نفهم هذه الإمبراطورية، لا بد أن ننظر إليها كبنية معقدة تتكون من أربعة أركان أساسية، تتداخل وتتكامل، لا يمكن لأحدها أن يقوم بدون الآخر:
الركن الأول: الجيش. وهو الركن الأكثر وضوحاً، والأكثر ضجيجاً. ثمانمائة قاعدة عسكرية منتشرة في كل قارة، وأسطول بحري يسيطر على كل البحار والمحيطات، وميزانية عسكرية تفوق ميزانيات الدول العشر التالية مجتمعة، وأسلحة لا تتوقف عن التطور، وجيش من المتعاقدين العسكريين الخاصين (مثل بلاك ووتر) يفوق عدد الجيش النظامي في كثير من الدول. هذا الجيش هو الذي يضمن الهيمنة المباشرة، وهو الذي يفرض الإرادة بالقوة عندما تفشل الوسائل الأخرى.
الركن الثاني: المال. وهو الركن الأكثر خفاءً، والأكثر تأثيراً. وول ستريت ليس مجرد سوق مالي، بل هو قلب الإمبراطورية النابض. من خلال الدولار كعملة احتياط عالمية، تستطيع أمريكا أن تطبع النقود دون حدود، وأن تمرر أزماتها الاقتصادية إلى بقية العالم. من خلال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تفرض شروطها على الدول المدينة، فتضرب اقتصادياتها وتجعلها تابعة. من خلال الشركات المتعددة الجنسيات، تسيطر على ثروات العالم، لا سيما النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية.
الركن الثالث: الاستخبارات. وهو الركن الأكثر ظلمة، والأكثر غموضاً. وكالة المخابرات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA) ووكالة استخبارات الدفاع (DIA) وغيرها، تشكل شبكة تجسس لا مثيل لها في التاريخ. هذه الأجهزة لا تقوم فقط بجمع المعلومات، بل تقوم بالاغتيال والانقلاب والتضليل الإعلامي والتأثير في الرأي العام. وهي التي تدير شبكات العملاء في كل دولة، وتضمن أن يكون هناك دائماً من يعمل لصالح الإمبراطورية داخل كل نظام سياسي.
الركن الرابع: الإعلام. وهو الركن الأكثر تأثيراً في العقول. شبكات مثل CNN وFox News وThe New York Times وThe Washington Post، ليست مجرد وسائل إعلام تنقل الأخبار، بل هي جزء من آلة الحرب النفسية للإمبراطورية. من خلالها يتم تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه الرأي العام، وتبرير الحروب، وتجريد الأعداء من إنسانيتهم. إنها تصنع "الرأي العام" الذي تستخدمه الإمبراطورية كغطاء لسياساتها.
هذه الأركان الأربعة ليست منفصلة، بل هي متشابكة بشكل معقد. رجال المال يمولون الحملات الانتخابية التي تضع في السلطة من يخدم مصالحهم. رجال الجيش يتقاعدون ليعملوا في شركات الأمن الخاصة التي تمولها صناديق الاستثمار. رجال الاستخبارات يتحولون إلى مستشارين لشركات الإعلام. رجال الإعلام يصبحون وزراء وسفراء. إنها حلقة مفرغة، كلها تعمل في خدمة المشروع الإمبراطوري الواحد.
(3) كيف تعمل الإمبراطورية: بين الإغراء والترهيب
الإمبراطورية لا تحكم بالقوة وحدها. لو كانت القوة وحدها هي ما يحكم العالم، لكانت الإمبراطورية قد انهارت منذ زمن بعيد. فالقوة وحدها تخلق المقاومة، والمقاومة تستهلك القوة، والقوة المستهلكة تؤدي إلى الانهيار. لذلك، طورت الإمبراطورية على مدى عقود أدوات أخرى أكثر دهاءً، وأكثر فعالية، وأقل كلفة.
أولى هذه الأدوات: الإغراء. الإمبراطورية تغري النخب في كل دولة بأن تكون جزءاً من مشروعها. تقدم لهم المساعدات المالية، والمنح الدراسية، والإقامات الدائمة، والجنسية الأمريكية، والاستثمارات في شركاتهم، والصفقات التجارية المربحة. هؤلاء النخب، بمجرد أن يصبحوا مرتبطين بمصالحهم الشخصية بالإمبراطورية، يتحولون إلى وكلاء لها في بلدانهم، يدافعون عن سياساتها، ويبررون حروبها، ويشوهون صورة من يقاومها. هم الجسر الذي تعبر عليه الإمبراطورية إلى قلوب وعقول الشعوب.
ثاني هذه الأدوات: الترهيب. من لا يغريه الإغراء، ترهبه القوة. القواعد العسكرية المحيطة، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، والحروب التي تدار بالوكالة، والاغتيالات التي تستهدف القادة، والانقلابات التي تطيح بالأنظمة غير المرغوب فيها. هذه أدوات الترهيب التي تستخدمها الإمبراطورية لفرض إرادتها. وقد أتقنت الإمبراطورية فن استخدام هذه الأدوات بدرجات متفاوتة، بحيث تناسب كل حالة. عقوبات اقتصادية هنا، وحرب بالوكالة هناك، واغتيال هنا، وانقلاب هناك.
ثالث هذه الأدوات: التطبيع. وهو الأخطر والأكثر فاعلية. التطبيع هو أن تجعل الإمبراطورية الناس يعتقدون أن وضع الهيمنة هذا هو الوضع الطبيعي، وأنه لا بديل عنه، وأن أي محاولة لتغييره هي محاولة عبثية أو إرهابية. من خلال التعليم والإعلام والثقافة الشعبية، يتم زرع هذه الفكرة في العقول: أن أمريكا هي قائدة العالم الحر، وأن وجودها العسكري في كل مكان هو لحماية الأمن العالمي، وأن الدولار هو العملة الطبيعية للتجارة الدولية، وأن النموذج الأمريكي هو النموذج الوحيد للحداثة والتطور.
عندما ينجح التطبيع، تصبح الإمبراطورية غير مرئية. لا يحتاج الناس إلى جنود لحراستهم، لأنهم أصبحوا هم أنفسهم حراساً للإمبراطورية في عقولهم. لا يحتاج إلى رقابة على الإعلام، لأن الإعلام نفسه يتبنى خطاب الإمبراطورية. لا يحتاج إلى عملاء في كل مكان، لأن كل من يريد النجاح يصبح عميلاً طبيعياً. هذه هي ذروة الهيمنة: أن تحكم دون أن تشعر أنك تحكم، وأن تطاع دون أن تأمر.
القسم الأول: شبكة المصالح المالية
عندما يصبح السياسيون تجاراً
(4) جاريد كوشنر: نموذج لتداخل المصالح
في زاوية مظلمة من هذه الشبكة الإمبراطورية المعقدة، تبرز شخصية غريبة، شخصية تجمع بين متناقضات لا تجتمع إلا في عواصم الإمبراطوريات في أوج هيمنتها. إنه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، الرجل الذي لم يكن يوماً مسؤولاً منتخباً، ولم يخضع لأي اختبار للكفاءة أو الأمانة، ومع ذلك كان يمسك بخيوط السياسة الخارجية الأمريكية في أكثر مناطق العالم تعقيداً: الشرق الأوسط.
كوشنر ليس مجرد رجل أعمال جاء ليقدم المشورة لصهره. هو نموذج متكامل لما يمكن تسميته "رجل الإمبراطورية": رجل يجمع بين الثروة والنفوذ والعلاقات والجرأة على تجاوز كل القواعد. ولد في عائلة من كبار مطوري العقارات في نيويورك، وتزوج من ابنة ترامب، واستغل هذه العلاقة ليصبح مستشاراً للبيت الأبيض دون أي خبرة في السياسة الخارجية أو الأمن القومي. والأهم من ذلك، أنه استغل منصبه لخدمة مصالحه الشخصية، دون أن يجد من يمنعه أو حتى من يسأله.
القصة التي تكشف عن جوهر هذا الرجل، وعن جوهر الإمبراطورية نفسها، هي قصة صندوق الاستثمارات العامة السعودي. فبينما كان كوشنر يعمل في البيت الأبيض، ويضغط من أجل شن الحرب على إيران، ويصمم "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، كان في الوقت نفسه يجمع مليارات الدولارات من صندوق الاستثمارات العامة السعودي لصندوقه الاستثماري الخاص. الرقم الدقيق، كما كشفت التحقيقات، هو مليارا دولار. ملياران من الدولارات، حصل عليها رجل واحد، في الوقت الذي كان يوجه فيه سياسة الولايات المتحدة في المنطقة.
هذا التداخل بين المصالح الخاصة والقرارات السيادية ليس مجرد فساد فردي، بل هو بنية نظامية. ففي الإمبراطورية الأمريكية، لا توجد حدود فاصلة بين الدولة والقطاع الخاص، بين السياسة والتجارة، بين القرار الوطني والمصلحة الشخصية. رجال الأعمال يصبحون مسؤولين، والمسؤولون يعودون ليكونوا رجال أعمال، والمال ينتقل بين الجيبين دون أن يعترضه أحد. وهذا هو السبب في أن السياسة الخارجية الأمريكية غالباً ما تخدم مصالح شركات معينة، أو أفراد معينين، أكثر مما تخدم المصلحة الوطنية الأمريكية نفسها.
(5) من كوشنر إلى ترامب: العائلة التي تدير الدولة
لكن كوشنر ليس حالة فردية، بل هو جزء من نمط أكبر: نمط تحول الدولة إلى ملكية عائلية. فدونالد ترامب، منذ وصوله إلى البيت الأبيض، جعل من ابنته إيفانكا وزوجها كوشنر مستشارين رئيسيين، ومن أبنائه الآخرين مديرين لأعماله التجارية التي استمرت في التعامل مع جهات أجنبية أثناء وجوده في السلطة. هذا المزج بين العائلة والدولة، بين المصالح الشخصية والقرارات السيادية، هو ما يميز مرحلة ترامب، لكنه ليس وليدها.
فلطالما كانت السياسة الأمريكية مجالاً للنخب المتصلة بشبكات المال والنفوذ. عائلة بوش كانت تمتلك علاقات وثيقة بشركات النفط، وعائلة كلينتون كانت تمتلك مؤسسة خيرية تتلقى تبرعات من جهات أجنبية، وعائلة بايدن كان ابنها يعمل في شركات أوكرانية وصينية. لكن ما فعله ترامب هو كسر القناع، وإظهار ما كان خفياً: أن الدولة الأمريكية، في جوهرها، هي مشروع عائلي للنخبة الحاكمة، وأن المصلحة الوطنية ليست سوى غطاء للمصالح الخاصة.
هذا الكشف كان له تأثيران متناقضان. من ناحية، أضعف هيبة الدولة الأمريكية، وأظهرها بمظهر النادي العائلي الذي يديره الأقارب والأصهار. ومن ناحية أخرى، جعل الإمبراطورية أكثر خطراً، لأنها أصبحت تحت إدارة رجال أعمال لا يعرفون حدوداً، ولا يخافون عواقب، ولا يتورعون عن استخدام كل أدوات الدولة لخدمة مصالحهم الشخصية. وكوشنر الذي يضغط على ترامب لشن الحرب على إيران، بينما يجمع المليارات من السعودية، هو أبلغ مثال على هذا الخطر.
(6) صناديق التحوط وسوق السندات: من يتحكم في الاقتصاد العالمي؟
لكن شبكة المصالح المالية لا تقف عند كوشنر وترامب، بل تمتد إلى أعماق أوسع بكثير. فالاقتصاد العالمي اليوم، وخاصة الاقتصاد الأمريكي، يدار بواسطة جهات لا تخضع لأي مساءلة ديمقراطية: صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ووكالات التصنيف الائتماني، والبنوك الاستثمارية الكبرى.
صناديق التحوط، مثل Bridgewater Associates وRenaissance Technologies، تدير أموالاً تفوق ميزانيات دول بأكملها. هذه الصناديق لا تستثمر فقط في الأسهم والسندات، بل تخوض في المضاربات على العملات والسلع والمشتقات المالية، وتؤثر في أسعار النفط والذهب والغذاء. عندما تقرر هذه الصناديق أن سعر النفط يجب أن يرتفع أو ينخفض، فإنها تملك من الأدوات المالية ما يمكنها من تحقيق ذلك، بغض النظر عن العرض والطلب الحقيقيين.
شركات الأسهم الخاصة، مثل Blackstone وKKR وCarlyle Group، تمتلك شركات في كل قطاع: الطاقة، الدفاع، الإعلام، التكنولوجيا، العقارات. وهذه الشركات لها علاقات وثيقة بالحكومة الأمريكية، بل إن كثيراً من كبار مسؤولي الحكومة السابقين يعملون فيها، وكثيراً من كبار مسؤوليها يعملون في الحكومة. كارلايل جروب، على سبيل المثال، كان من بين مؤسسيها فرانك كارلوتشي، مدير وكالة المخابرات المركزية الأسبق، وجيمس بيكر، وزير الخارجية الأسبق. هذه الشركات ليست مجرد مستثمرة في الاقتصاد، بل هي جزء من بنية الحكم في الإمبراطورية.
وكالات التصنيف الائتماني، مثل Moody s وS&P وFitch، تملك سلطة لا تقل عن سلطة الحكومات. فهي التي تحدد الجدارة الائتمانية للدول، وتصنف سنداتها، وتؤثر في أسعار الفائدة التي تدفعها. إذا خفضت هذه الوكالات تصنيف دولة ما، فإن تكلفة اقتراضها ترتفع، وقد يدخل اقتصادها في دوامة هبوط. وهذه الوكالات، رغم أنها شركات خاصة لا تخضع لأي رقابة دولية، فهي التي تضع القواعد التي تحكم الاقتصاد العالمي.
البنوك الاستثمارية الكبرى، مثل Goldman Sachs وMorgan Stanley وJPMorgan Chase، هي القلب النابض للنظام المالي العالمي. موظفو هذه البنوك يتنقلون بين وول ستريت وواشنطن، بين القطاع الخاص والحكومة، في ظاهرة تعرف باسم "الباب الدوار". وزير الخزانة الأمريكي غالباً ما يكون من كبار مسؤولي هذه البنوك، وكبار مسؤولي هذه البنوك غالباً ما يصبحون وزراء ومستشارين. هذا التداخل يضمن أن مصالح وول ستريت هي مصالح واشنطن، وأن السياسة الاقتصادية الأمريكية هي في خدمة أكبر المؤسسات المالية.
هذه الشبكة المعقدة من المصالح المالية هي التي تتحكم في الاقتصاد العالمي، وتوجه السياسة الأمريكية، وتقرر من يعيش ومن يموت. عندما تقرر هذه الشبكة أن الحرب على إيران مفيدة لمصالحها، فإن الحرب تحدث، بغض النظر عن رأي الشعب الأمريكي، وبغض النظر عن المصلحة الوطنية الأمريكية. وعندما تقرر أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يهدد أرباحها، فإن الضغط يبدأ لإنهاء الحرب، بغض النظر عن الاعتبارات الاستراتيجية الأخرى.
القسم الثاني: شبكة الابتزاز والولاء
جيفري إبستين والإمبراطورية السرية
(7) جزيرة إبستين: حيث تُشترى النخب
إذا كانت شبكة المصالح المالية هي الوجه الظاهر للإمبراطورية، فإن هناك شبكة أخرى، أكثر ظلمة، وأكثر غموضاً، وأكثر تأثيراً: شبكة الابتزاز الجنسي. وفي قلب هذه الشبكة يقف اسم واحد: جيفري إبستين.
إبستين، رجل الأعمال الأمريكي الذي انتحر في زنزانته في ظروف غامضة عام 2019، لم يكن مجرد رجل ثري يستغل نفوذه لاستغلال الفتيات القاصرات. كان، بحسب ما كشفت التحقيقات، رأس شبكة معقدة من الابتزاز الجنسي، استخدمت لسنوات لضمان ولاء النخب: من سياسيين ورجال أعمال، إلى ملوك وأمراء، إلى أكاديميين وإعلاميين.
القصة تبدأ في جزيرة إبستين الخاصة، جزيرة "ليتل سانت جيمس" في جزر فيرجن الأمريكية. هناك، كانت تُعقد "الحفلات" التي كان يحضرها كبار النخب الأمريكية والعالمية. كان بيل كلينتون يحضر، والأمير أندرو يحضر، وكبار رجال الأعمال والمستثمرين يحضرون. وكانت الفتيات القاصرات، اللواتي كان إبستين يجلبها من أوساط فقيرة ومهمشة، هن "الضيافة" المقدمة في هذه الحفلات.
ما كان يحدث في تلك الجزيرة لم يكن مجرد فجور أخلاقي، بل كان عملية منهجية لخلق تبعية. فكل من حضر هذه الحفلات، وكل من استمتع بما تقدمه، أصبح تحت رحمة إبستين. كان لديه ملف كامل عن كل ضيف، صور ومقاطع فيديو، يمكن استخدامها في أي وقت لضمان ولائه. وهذا هو السر الأعمق: لم يكن إبستين يعمل لحسابه الخاص، بل كان يعمل لحساب أجهزة استخباراتية، وبالتنسيق معها، لخلق شبكة من النخب المبتزة، المضمونة الولاء.
(8) شبكة الابتزاز كأداة حكم
ما قام به إبستين لم يكن حالة فردية، بل كان تجسيداً لآلية أعمق في بنية الإمبراطورية: آلية الابتزاز كأداة لضمان الولاء. فالإمبراطورية لا تثق في الولاء الناتج عن الاقتناع، ولا في الولاء الناتج عن المصالح المالية وحدها. فالمصالح المالية يمكن أن تتغير، والاقتناع يمكن أن يتبدل. لكن الولاء الناتج عن الابتزاز، الولاء القائم على الخوف من الفضيحة، هو ولاء مضمون، لا يتزعزع، ولا يمكن التراجع عنه.
لذلك، فإن أجهزة الاستخبارات في الإمبراطورية تعمل باستمرار على جمع المعلومات عن النخب في كل مكان: معلومات مالية، معلومات جنسية، معلومات عن علاقات مشبوهة، معلومات عن نقاط ضعف يمكن استغلالها. هذه المعلومات لا تستخدم عادة بشكل مباشر، بل تبقى في الملفات، تنتظر الوقت المناسب. وعندما تأتي لحظة الحاجة، عندما تحتاج الإمبراطورية إلى ولاء شخص ما في لحظة حاسمة، يتم إخراج الملف، ويتم التذكير به بلطف، ويتم ضمان الولاء دون عناء.
هذه الآلية تفسر الكثير مما يبدو غريباً في السياسة الأمريكية والعالمية. كيف لسياسي أن يدافع عن سياسة تضر بمصالح بلاده؟ كيف لرجل أعمال أن يمول حملات سياسية لا تخدم مصالحه المباشرة؟ كيف لأكاديمي أن يكتب مقالات تبرر حروباً غير عادلة؟ كيف لإعلامي أن يلتزم خطاً تحريرياً معيناً رغم تناقضه مع قناعاته المعلنة؟ الجواب في كثير من الأحيان هو: الابتزاز. الابتزاز الذي يخاف هؤلاء من كشفه، الابتزاز الذي يربطهم بخيوط غير مرئية للإمبراطورية.
(9) غسان سلامة وشهادة على الآلية
ليس من السهل الحديث عن هذه الآلية، لأنها تعمل في الظلام، ولا تترك آثاراً واضحة. لكن بين الحين والآخر، تظهر شهادة من داخل النظام تكشف شيئاً من الحقيقة. ومن هذه الشهادات، شهادة الدبلوماسي اللبناني غسان سلامة، الذي كان وزيراً في الحكومة اللبنانية، ثم مستشاراً للأمين العام للأمم المتحدة.
سلامة، في مقابلة نادرة، تحدث عن كيف أن بعض المسؤولين في المنطقة "ليسوا أحراراً"، وكيف أن هناك "ملفات" تحفظ في أدراج الأجهزة الاستخباراتية، تمنعهم من اتخاذ قرارات مستقلة. لم يسمِّ أسماء، ولم يقدم تفاصيل، لكنه قال ما يكفي لفهم أن الآلية ليست نظرية مؤامرة، بل هي واقع معترف به من قبل من هم داخل النظام.
هذه الآلية، التي تعمل في العالم العربي والإسلامي بشكل خاص، تفسر لماذا كثير من الأنظمة العربية تبدو "عميلة" لأمريكا وإسرائيل، رغم أن شعوبها معادية لهما. تفسر لماذا تُتخذ قرارات تضر بمصالح الدول العربية، رغم أن من يتخذها يعرف أنها تضر. تفسر لماذا يبقى الصمت العربي مطبقاً على جرائم إسرائيل، رغم أن كل عربي يشعر بالغضب والألم.
إنه ليس مجرد خوف من القوة الأمريكية، وليس مجرد طمع في المساعدات المالية. إنه، في كثير من الحالات، ابتزاز. ابتزاز يمس كرامة الإنسان في أعمق خصوصياته، ويجعله عبداً لا يستطيع أن يقول لا، مهما كانت العواقب على وطنه وشعبه.
القسم الثالث: اللوبي الإسرائيلي
أيباك والقوة التي تحكم واشنطن
(10) أيباك: الدولة داخل الدولة
إذا كانت هناك قوة واحدة يمكن القول إنها تتحكم في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، فهي قوة اللوبي الإسرائيلي. وفي قلب هذا اللوبي تقف منظمة واحدة: لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، أو كما تعرف اختصاراً: أيباك.
أيباك ليست مجرد منظمة ضغط عادية، مثل آلاف المنظمات التي تعمل في واشنطن. إنها، بحسب وصف كبار المراقبين، "الدولة داخل الدولة". فهي تملك من المال والنفوذ والتنظيم ما يمكنها من تحديد من يفوز في الانتخابات ومن يخسر، من يُقبل في الكونغرس ومن يُطرد، من يصعد في السلم السياسي ومن يسقط.
كيف تفعل أيباك ذلك؟ الجواب بسيط: المال. أيباك تنفق مئات الملايين من الدولارات على كل دورة انتخابية، ليس بشكل مباشر (لأن القانون الأمريكي يحظر على المنظمات الأجنبية تمويل الحملات)، ولكن من خلال شبكة معقدة من اللجان والصناديق التي تديرها، والتي توزع الأموال على المرشحين "الصديقين" لإسرائيل، وتجفف الأموال عن المرشحين "غير الصديقين".
لكن المال ليس كل شيء. أيباك تملك أيضاً آلية تصنيف للمرشحين، تصنيفاً يحدد من هو "صديق إسرائيل" ومن هو "عدو إسرائيل". هذا التصنيف، الذي تنشره قبل كل انتخابات، يقرر مصير كثير من المرشحين. فالمرشح الذي يحصل على تصنيف سلبي من أيباك يجد أن تيارات التمويل تجف عنه، وأن الحملات الإعلامية تنقلب ضده، وأن "الأصدقاء" يبتعدون عنه. والمرشح الذي يحصل على تصنيف إيجابي يجد الأبواب مفتوحة، والتمويل متوفراً، والإعلام داعماً.
هذه الآلية تجعل من أيباك قوة خارقة في السياسة الأمريكية. فهي قادرة على إسقاط أي عضو كونغرس يجرؤ على انتقاد إسرائيل، أو حتى على التصويت ضد حزمة مساعدات لإسرائيل. وقد شهد التاريخ الأمريكي كثيراً من الأمثلة على سياسيين كبار انتهت مسيرتهم السياسية لمجرد أنهم عبروا عن رأي نقدي لإسرائيل. هذا هو معنى أن تكون أيباك "الدولة داخل الدولة": إنها تملك حق النقض (الفيتو) على السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
(11) من أيباك إلى AIPAC: شبكة المنظمات المترابطة
لكن أيباك ليست وحدها. فهناك شبكة كاملة من المنظمات المترابطة، كل منها يؤدي دوراً مختلفاً في دعم إسرائيل والضغط على السياسة الأمريكية.
أولاً: اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC)، وهي المنظمة الأم التي تعمل على الضغط المباشر على الكونغرس والبيت الأبيض. تمتلك أكبر ميزانية، وأكبر عدد من الموظفين، وأكبر شبكة من المتطوعين.
ثانياً: التحالف اليهودي الجمهوري (RJC)، وهو المنظمة التي تعمل على تجنيد الدعم الجمهوري لإسرائيل، وتمويل المرشحين الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل.
ثالثاً: الديمقراطيون من أجل إسرائيل (DMI)، وهو المنظمة الموازية في الحزب الديمقراطي.
رابعاً: مؤتمر الرؤساء للمنظمات اليهودية الأمريكية (CoP)، وهو منظمة جامعة تضم 52 منظمة يهودية أمريكية كبرى، وتعمل على تنسيق المواقف والضغط المشترك.
خامساً: منظمة الصهاينة الأمريكيين (ZOA)، وهي منظمة أكثر تطرفاً، تركز على الضغط لصالح المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
سادساً: صندوق الدفاع القانوني للرابطة الأمريكية المناهضة للتمييز (ADL)، وهي منظمة تعمل على مكافحة "معاداة السامية"، لكنها في الواقع تصنف أي نقد لإسرائيل على أنه معاداة للسامية، وبالتالي تساهم في خنق النقاش حول إسرائيل في الولايات المتحدة.
هذه المنظمات، وغيرها كثير، تعمل بتناغم مذهل. لكل منها دورها المحدد، ولكل منها مجالها المتخصص، لكنها جميعاً تخدم الهدف نفسه: ضمان أن تظل السياسة الأمريكية في خدمة إسرائيل، وأن تظل المساعدات الأمريكية لإسرائيل (التي تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً) هي أكبر مساعدات خارجية تقدمها أمريكا لأي دولة.
(12) جو كينت: شهادة من الداخل
لكن ربما أكثر الشهادات إثارة للصدمة، وأكثرها أهمية لفهم هذه الشبكة، هي شهادة جو كينت، المسؤول السابق عن مكافحة الإرهاب في إدارة ترامب.
كينت، الذي كان يطلع على أعلى المستويات الاستخباراتية، والذي كان يعرف تفاصيل ما يجري خلف الأبواب المغلقة، قرر أن يتحدث بعد استقالته. وكانت كلماته صادمة: "إيران لم تشكل أي تهديد وشيك لأمتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغط من إسرائيل ولوبيها الأمريكي القوي".
هذه الشهادة من رجل كان في قلب صنع القرار، من رجل كان يطلع على المعلومات الاستخباراتية الأكثر حساسية، تكشف عن الحقيقة التي طالما اشتبه فيها كثيرون، لكنهم لم يكونوا متأكدين منها: أن الحرب على إيران لم تكن بسبب تهديد إيراني لأمريكا، بل بسبب ضغط إسرائيلي. وأن إسرائيل، من خلال لوبيها في واشنطن، استطاعت أن تجر أمريكا إلى حرب لا تخدم مصالح أمريكا، بل تخدم مصالح إسرائيل وحدها.
كينت لم يتوقف عند هذا الحد. بل تحدث أيضاً عن كيف أن الإدارة الأمريكية كانت تتعامل مع المعلومات الاستخباراتية بشكل انتقائي، لتبرير الحرب. وكيف أن التقارير التي كانت تشير إلى أن إيران تلتزم بالاتفاق النووي، وأنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، كانت تُخفى أو تُهمل. وكيف أن التقارير التي كانت تشير إلى "تهديد إيراني وشيك" كانت تُضخم وتُقدم للرئيس كحقائق مسلم بها.
هذه الشهادة، التي نشرتها وكالة فرانس برس وحظيت بتغطية واسعة، وضعت الإدارة الأمريكية في موقف محرج. فقد جاءت من شخص لا يمكن اتهامه بالتعاطف مع إيران (فهو مسؤول عن مكافحة الإرهاب)، ومن شخص كان في قلب الإدارة التي شنت الحرب. وإذا كان كينت يقول إن الحرب كانت كذبة كبرى، فمن يمكن تصديقه بعد ذلك؟
القسم الرابع: الإمبراطورية لا تحكم بالجيوش فقط
أدوات الهيمنة الخفية
(13) 800 قاعدة عسكرية: حضور بلا حدود
لطالما قيل إن أمريكا تحكم العالم بقواعدها العسكرية الثمانمائة المنتشرة في كل قارة. وهذا صحيح، لكنه ليس الحقيقة كاملة. فالقواعد العسكرية هي الوجه الظاهر للهيمنة، لكنها ليست الوجه الأعمق. فالإمبراطورية لا تحكم بالجيوش فقط، بل تحكم بشبكة معقدة من الأدوات الخفية التي لا تظهر على السطح.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل دور القواعد العسكرية. فهذه القواعد، المنتشرة في كل بقعة استراتيجية من العالم، تمثل نقاط الارتكاز التي تعتمد عليها الإمبراطورية. في أوروبا، قواعد في ألمانيا وإيطاليا وتركيا. في آسيا، قواعد في اليابان وكوريا والفلبين. في الشرق الأوسط، قواعد في البحرين وقطر والإمارات والكويت والسعودية والأردن وتركيا. في أفريقيا، قواعد في جيبوتي والنيجر ومالي. في أمريكا اللاتينية، قواعد في كولومبيا وهندوراس.
هذه القواعد ليست مجرد ثكنات عسكرية، بل هي مدن صغيرة متكاملة. فيها مدارس أمريكية، ومستشفيات أمريكية، ومراكز تسوق أمريكية، وكنائس أمريكية، وكل ما يجعل الجندي الأمريكي يشعر أنه لم يغادر أمريكا. وهي أيضاً مراكز تجسس، وقواعد انطلاق للعمليات السرية، ومراكز تخزين للأسلحة والمعدات، ومطارات للطائرات بدون طيار، وقواعد للصواريخ الباليستية.
لكن الأهم من ذلك، أن هذه القواعد تمثل ضماناً لولاء الحلفاء. فوجود قاعدة أمريكية على أرض أي دولة يعني أن هذه الدولة لن تستطيع اتخاذ موقف معادٍ لأمريكا، لأن القاعدة ستكون أول الأهداف في أي صراع، ولأن وجود القاعدة يجعل الدولة هدفاً مشروعاً لأعداء أمريكا. بهذه الطريقة، تحول القواعد العسكرية حلفاء أمريكا إلى رهائن.
(14) البنتاغون وشركات الدفاع: مثلث الموت
لكن القواعد العسكرية لا تعمل وحدها. فهي جزء من مثلث أكبر: مثلث يضم البنتاغون (وزارة الدفاع) وشركات الدفاع والكونغرس. هذا المثلث، الذي يسميه المراقبون "المجمع الصناعي العسكري"، هو أقوى تحالف في أمريكا، وأكثرها تأثيراً.
شركات الدفاع، مثل Lockheed Martin وBoeing وRaytheon وNorthrop Grumman وGeneral Dynamics، هي من أكبر الشركات في العالم. ميزانياتها تفوق ميزانيات دول بأكملها، وعلاقاتها مع الحكومة الأمريكية علاقات عضوية. كثير من كبار مسؤولي البنتاغون يتنقلون إلى هذه الشركات بعد تقاعدهم، وكثير من كبار مسؤولي هذه الشركات يتنقلون إلى البنتاغون. هذا "الباب الدوار" يضمن أن تكون مصالح الشركات هي مصالح البنتاغون.
البنتاغون، بدوره، يحتاج إلى تبرير ميزانيته الضخمة (التي تزيد على 800 مليار دولار سنوياً) بتصور مستمر للتهديدات. لذلك، فهو يضخم التهديدات، ويصنع أعداء جدداً، ويخطط لحروب مستقبلية، ويطور أسلحة جديدة لا حاجة إليها. الحرب على إيران، من هذا المنظور، كانت فرصة ذهبية للبنتاغون: فهي تبرر زيادة الميزانية، وتخلق سوقاً جديداً للأسلحة، وتجعل شركات الدفاع أكثر ربحاً.
الكونغرس، بدوره، يعتمد على هذه الشركات في تمويل حملاته الانتخابية. فالشركات تقدم ملايين الدولارات لأعضاء الكونغرس، خاصة أعضاء لجان الدفاع. وهؤلاء الأعضاء، بدورهم، يدافعون عن ميزانية الدفاع، ويصوتون لصالح الحروب، ويمنعون أي محاولة لخفض الإنفاق العسكري. هذه العلاقة تجعل من المستحيل تقريباً وقف آلة الحرب الأمريكية، حتى عندما تتعارض الحرب مع المصلحة الوطنية.
هذا المثلث هو الذي قاد أمريكا إلى حروب لا نهاية لها: في أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والآن إيران. كل حرب تخلق أرباحاً هائلة لشركات الدفاع، وتبرر ميزانية أكبر للبنتاغون، وتوفر تمويلاً لحملات أعضاء الكونغرس. والحروب لا تنتهي أبداً، لأنها مصدر رزق لهذا المثلث.
(15) الإعلام كسلاح: صناعة الوعي
ولكي تقبل الشعوب بهذه الحروب، ولكي تصوت للسياسيين الذين يشنونها، ولكي لا تثور على التكاليف الباهظة، هناك حاجة إلى سلاح آخر: سلاح الإعلام.
الإعلام الأمريكي، على تنوعه الظاهر، هو في الحقيقة جزء من آلة الحرب. شبكات التلفزيون الكبرى، والصحف الرئيسية، ووكالات الأنباء، كلها تتبنى خطاً واحداً في القضايا الكبرى: دعم إسرائيل، وتبرير الحروب الأمريكية، وتجريد أعداء أمريكا من إنسانيتهم.
كيف يعمل ذلك؟ من خلال آليات متعددة:
أولاً: التمويل. الشركات الكبرى تمول الإعلام من خلال الإعلانات. وهذه الشركات لها مصالح في استمرار النظام القائم، ولن تمول من يعارضه. كذلك، الحكومات تمول الإعلام بشكل غير مباشر، من خلال الإعلانات الرسمية، ومن خلال التراخيص والتسهيلات.
ثانياً: المصادر. الصحفيون يعتمدون على "مصادر موثوقة" في الحكومة وأجهزة الاستخبارات. هذه المصادر تقدم المعلومات بشكل انتقائي، لخدمة أهدافها. والصحفي الذي يبتعد عن هذه المصادر يفقد الوصول إلى المعلومات، وبالتالي يفقد قيمته لمؤسسته.
ثالثاً: التهدئة. أي صحفي أو إعلامي يحيد عن الخط الرسمي يتعرض لحملة منظمة من التشويه والتخوين. يوصف بأنه "معاد للسامية" إذا انتقد إسرائيل، أو "متآمر مع العدو" إذا شكك في رواية الحكومة، أو "غير وطني" إذا تساءل عن ضرورة الحرب.
رابعاً: الإقصاء. الصحفيون الناقدون يجدون صعوبة في الحصول على وظائف في المؤسسات الكبرى، ويضطرون للعمل في منافذ صغيرة لا تأثير لها. وبالتالي، يبقى الخطاب الإعلامي السائد هو الخطاب المؤيد للإمبراطورية.
هذه الآلية تجعل من الإعلام الأمريكي أداة فعالة في خدمة الإمبراطورية. فهو ليس فقط لا يكشف جرائمها، بل يبررها، ويزينها، ويجعلها تبدو وكأنها ضرورة أخلاقية وإنسانية.
(16) التعليم والثقافة: تشكيل الوعي من الجذور
لكن ربما الأداة الأكثر عمقاً في تشكيل الوعي، هي أداة التعليم والثقافة. فمن خلال المناهج الدراسية، والأفلام والمسلسلات، والموسيقى والفن، يتم زرع القيم الأمريكية في عقول الناس في كل أنحاء العالم، ليس كقيم أمريكية، بل كقيم عالمية وإنسانية.
المناهج الدراسية: في كثير من دول العالم، وخاصة في المنطقة العربية، تُدرس مناهج أمريكية أو متأثرة بالنموذج الأمريكي. هذه المناهج لا تنقل فقط المعرفة، بل تنقل القيم: قيمة الفردانية، وقيمة الاستهلاك، وقيمة المنافسة، وقيمة الصداقة مع أمريكا. ولا تنقل صورة نقدية عن أمريكا، ولا تعلم الطلاب تاريخ التدخلات الأمريكية في بلادهم، ولا تشرح لهم كيف سُرق نفطهم وأُذلت كرامتهم.
الأفلام والمسلسلات: هوليوود هي أعظم أداة دعائية في التاريخ. من خلال الأفلام، يتم تصوير أمريكا كبطل العالم، والجيش الأمريكي كقوة خيرة تنقذ المظلومين، والرئيس الأمريكي كقائد حكيم يتخذ القرارات الصعبة من أجل الخير العالمي. وفي المقابل، يتم تصوير كل من يعارض أمريكا على أنه إرهابي أو مجنون أو شرير. هذه الصورة، التي تتكرر في آلاف الأفلام والمسلسلات، تترسخ في العقل الجمعي العالمي.
الموسيقى والفن: الثقافة الشعبية الأمريكية تغزو العالم كله. الموسيقى الأمريكية، والأزياء الأمريكية، والماركات الأمريكية، كلها تحمل معها قيماً أمريكية. الشاب العربي الذي يرتدي جينز ليڤايز ويستمع إلى مغني راب أمريكي ويشاهد مسلسلات نتفليكس، يكون في عقله أكثر أمريكية مما يعتقد.
هذه الأدوات الثقافية هي التي تجعل الإمبراطورية محبوبة، أو على الأقل مقبولة، في أنحاء العالم. فهي تجعل الناس يتعاطفون مع أمريكا، ويتمنون زيارتها، ويرون فيها نموذجاً يحتذى. وهم لا يدرون أن هذا التعاطف وهذا الحلم هما جزء من آلية الهيمنة نفسها.
القسم الخامس: الإمبراطورية في لحظة الأفول
كيف نقرأ انهيارها؟
(17) علامات الانهيار المبكرة
لا تسقط الإمبراطوريات فجأة، لكنها تظهر علامات الانهيار قبل سقوطها بسنوات، وأحياناً بعقود. والإمبراطورية الأمريكية اليوم، في نظر كثير من المحللين، تمر بمرحلة أفول واضحة، وتظهر عليها علامات كثيرة:
العلامة الأولى: الانقسام الداخلي. أمريكا اليوم أكثر انقساماً مما كانت عليه منذ الحرب الأهلية. الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين لم يعد انقساماً سياسياً عادياً، بل أصبح انقساماً وجودياً، حول ماهية أمريكا، وحول قيمها، وحول علاقتها بالعالم. هذا الانقسام يصل إلى درجة أن كثيراً من الأمريكيين يعتبرون أن الخطر الأكبر على أمريكا يأتي من الداخل، وليس من الخارج.
العلامة الثانية: التدهور الاقتصادي. الدين الوطني الأمريكي تجاوز 34 تريليون دولار، وهو في ازدياد مستمر. العجز التجاري يتسع، والبنية التحتية تتدهور، والتعليم والرعاية الصحية أصبحا تحت مستوى كثير من الدول المتقدمة. الطبقة الوسطى تتآكل، والفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد اتساعاً. كثير من المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن أمريكا لم تعد القوة الاقتصادية المهيمنة التي كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية.
العلامة الثالثة: الإرهاق العسكري. بعد عشرين عاماً من الحروب في أفغانستان والعراق، الجيش الأمريكي منهك. خسائر بشرية ومادية كبيرة، ومعنويات منخفضة، وقدرة محدودة على خوض حروب جديدة. الانسحاب الفوضوي من أفغانستان كان مثالاً على هذا الإرهاق، وعلى عدم القدرة على تحقيق أهداف سياسية حتى بعد عقدين من الحرب.
العلامة الرابعة: تراجع النفوذ العالمي. صعود الصين كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية، وعودة روسيا كلاعب رئيسي على الساحة الدولية، وتشكل محاور إقليمية جديدة (مثل محور المقاومة في الشرق الأوسط)، كل ذلك يعني أن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن أمريكا لم تعد القوة الوحيدة المهيمنة.
العلامة الخامسة: أزمة الشرعية. في الماضي، كانت أمريكا تتمتع بشرعية أخلاقية كبيرة في العالم، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وكفاحها ضد النازية، ودفاعها عن قيم الحرية والديمقراطية. لكن بعد حروبها في فيتنام والعراق وأفغانستان، وبعد دعمها المطلق لإسرائيل، وبعد كشف جرائمها في أبو غريب وغوانتانامو، وبعد انكشاف ازدواجية معاييرها، تراجعت هذه الشرعية بشكل كبير. اليوم، في نظر كثير من شعوب العالم، أمريكا ليست قوة خيرة، بل هي قوة مستبدة، تستخدم قوتها لخدمة مصالحها وحدها.
(18) ما بعد الانهيار: ملامح العالم الجديد
إذا كانت هذه العلامات تشير إلى أفول الإمبراطورية الأمريكية، فما هي ملامح العالم الذي سيأتي بعد الأفول؟ هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في نهاية هذا الكتاب، بعد أن نكون قد استعرضنا تفاصيل التحول الكبير الذي نشهده في الشرق الأوسط. لكن يمكننا أن نشير هنا إلى بعض الملامح الكبرى:
أولاً: عالم متعدد الأقطاب. لن تعود الهيمنة الأحادية، ولن تكون هناك قوة عظمى واحدة تسيطر على العالم. سيكون هناك عدة مراكز قوة: الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الهند، وربما قوى إقليمية أخرى. وسيكون التنافس بين هذه المراكز هو السمة الغالبة.
ثانياً: انهيار البترودولار. نظام تسعير النفط بالدولار الأمريكي، الذي كان أساس الهيمنة المالية الأمريكية، في طريقه إلى الانهيار. الصين وروسيا ودول أخرى بدأت تتعامل بعملاتها الوطنية في تجارة النفط. هذا الانهيار سيوجه ضربة قاسية للاقتصاد الأمريكي، وسينهي قدرة أمريكا على تمويل عجزها بلا حدود.
ثالثاً: نهوض القوى الإقليمية. في كل منطقة من العالم، ستظهر قوى إقليمية تطمح لملء الفراغ الذي ستتركه أمريكا. في الشرق الأوسط، إيران وتركيا والسعودية تتنافس على الزعامة. في آسيا، الصين واليابان والهند. في أوروبا، ألمانيا وفرنسا. في أمريكا اللاتينية، البرازيل والمكسيك.
رابعاً: إعادة تشكيل التحالفات. التحالفات القديمة التي قامت على أساس التبعية لأمريكا ستنهار، وستظهر تحالفات جديدة تقوم على أساس المصالح المشتركة والتوازنات الإقليمية. دول الخليج، التي كانت محميات أمريكية، ستضطر إلى إعادة تعريف علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية.
خامساً: فرصة تاريخية لشعوب المنطقة. مع انسحاب أمريكا، أو تراجع نفوذها، ستفتح أمام شعوب المنطقة فرصة تاريخية لاستعادة سيادتها، وتقرير مصيرها بنفسها، وبناء أنظمة سياسية تعبر عن إرادتها الحقيقية. هذه الفرصة قد تؤدي إلى تحولات ديمقراطية حقيقية، أو قد تؤدي إلى فوضى وصراعات، حسب مدى استعداد هذه الشعوب لاغتنام اللحظة.
خاتمة الفصل الأول
نحو تفكيك أصنام الإمبراطورية
في هذا الفصل، حاولنا أن نرى كيف تعمل الإمبراطورية الأمريكية، ليس من خلال مظاهرها الظاهرة فقط، بل من خلال أعماقها الخفية. رأينا شبكة المصالح المالية التي تجعل السياسيين تجاراً، ورأينا شبكة الابتزاز التي تجعل النخب رهائن، ورأينا اللوبي الإسرائيلي الذي يمسك بخيوط السياسة الخارجية، ورأينا أدوات الهيمنة الخفية من قواعد عسكرية إلى إعلام إلى تعليم وثقافة.
لكن تفكيك أصنام الإمبراطورية لا يكتمل بالرؤية فقط. هو يحتاج إلى الفهم، ثم إلى الفعل. فمن يفهم كيف تعمل الإمبراطورية، يكون أقدر على مقاومتها، وأقدر على استغلال نقاط ضعفها، وأقدر على بناء بديل عن هيمنتها.
والمقاومة، كما رأينا، ليست فقط مقاومة عسكرية. هي مقاومة اقتصادية، بمقاطعة الشركات التي تمول الإمبراطورية. وهي مقاومة ثقافية، باستعادة الوعي والهوية، ونبذ النماذج المستوردة التي تزرعها الإمبراطورية في عقولنا. وهي مقاومة سياسية، ببناء بدائل للأنظمة العميلة، واستعادة السيادة الوطنية.
لقد بدأت الإمبراطورية في الأفول، كما بدأ غيرها من الإمبراطوريات قبلها. وأولئك الذين راهنوا على أبديتها، وبنوا مصالحهم على ظهرها، سيجدون أنفسهم في موقف صعب عندما تسقط. وأولئك الذين صمدوا، وقاوموا، وبنوا لأنفسهم أساساً متيناً، سيكونون هم بناة العالم الجديد.
في الفصول التالية، سنرى كيف تتجلى هذه المعطيات النظرية في واقع الشرق الأوسط اليوم. سنرى كيف يتحول مضيق هرمز إلى ساحة معركة وجودية. وسنرى كيف تنهار "محميات الخليج" تحت وطأة الحرب. وسنرى كيف تكتب إيران، بصمودها، فصلاً جديداً في تاريخ التحرر الإنساني. وسنرى كيف تترنح إسرائيل، وتتسع هوة الانقسام داخلها، وتتزايد عزلتها الدولية.
لكن قبل أن نغوص في هذه التفاصيل، لا بد أن نتذكر شيئاً واحداً: أن الإمبراطورية ليست جبلاً صلداً لا يتزعزع. هي، في النهاية، بناء من صنع البشر، ويمكن للبشر أن يفككوه كما بنوه. هي وهم كبير، لكن الوهم عندما يصدقه الناس يتحول إلى حقيقة. وكسر الوهم هو الخطوة الأولى نحو تحرير العقول، وتحرير العقول هو الخطوة الأولى نحو تحرير الأرض.
وهذا هو هدف هذا الكتاب: كسر الوهم. وهم أن أمريكا لا تُقهر. وهم أن إسرائيل أبدية. وهم أن التبعية قدر. وهم أن المقاومة عبث. وهم أن الحرية لا تأتي إلا بإذن الأقوياء.
كسر الوهم، ثم بناء اليقين: يقين أن النصر لمن صمد، يقين أن الحق سينتصر، يقين أن شعوب المنطقة، بعد كل هذا العذاب، تستحق مستقبلاً أفضل، يقين أن ذلك المستقبل قادم، لا محالة.
………
الفصل الثاني
مفارقات التاريخ
عندما تكون المفاوضات مقدمة للاغتيال
تمهيد: في عبثية التاريخ
(1) التاريخ لا يتكرر، لكنه يقف على ساق واحدة
يقولون إن التاريخ لا يتكرر، لكنه يقف على ساق واحدة، يقرع طبول الحكايات القديمة بوجع جديد، ويرتدي أثواب المآسي التي سبق أن شاهدناها في زمن آخر، لكننا لم نتعلم منها شيئاً. في كل مرة يمر فيها العالم بلحظة اغتيال على طاولة المفاوضات، نعتقد أن هذه هي المرة الأخيرة، وأن ما حدث كان شذوذاً عن القاعدة، وأن الإنسانية قد ارتقت إلى مستوى من الحضارة يجعل مثل هذه الجرائم مستحيلة. ثم يعود التاريخ ليضرب بكل هذه الأوهام عرض الحائط، ويعيد نفسه، ليس كما كان، بل بأكثر بشاعة، وأكثر تعقيداً، وأكثر جرأة في انتهاك كل ما تبقى من قواعد.
في صبيحة الثامن والعشرين من شباط 2026، لم يكن التاريخ يقف على ساق واحدة فقط، بل كان يرقص على جثث القادة الإيرانيين، يرقص رقصة الموت التي تسبق الولادة، رقصة الخراب التي تمهد لبناء جديد. فما حدث في تلك الساعات لم يكن مجرد اغتيال لقادة دولة، بل كان اغتيالاً لمبدأ الدبلوماسية نفسه، اغتيالاً لفكرة أن هناك عالماً تحكمه القوانين، اغتيالاً لوهن أن الإنسان قد تقدم إلى الأمام منذ أيام أعداء الأمس الذين كانوا يغتالون خصومهم في حمامات السباحة أو في الشوارع الخلفية.
هذه المرة، الاغتيال جاء على طاولة المفاوضات. جاء بعد أيام من جولة مفاوضات كانت تبشر بإنهاء عقود من العداء. جاء في الوقت الذي كان فيه المسؤولون الإيرانيون، في مقدمتهم أولئك الذين سقطوا لاحقاً تحت القصف، يعلنون أن الاتفاق أصبح قريباً، وأن الشروط الإيرانية قد لقيت قبولاً أمريكياً، وأن النفق المظلم للعقوبات والتهديدات بدأت تلوح في نهايته شعاعة ضوء. ثم جاءت الصواريخ لتحول كل ذلك إلى رماد.
هذه هي المفارقة العظمى: الدبلوماسية التي كانت تهدف إلى تجنب الحرب، أصبحت غطاء للحرب. المفاوضات التي كانت تهدف إلى بناء الثقة، أصبحت أداة لخداع الخصم وإيهامه بالأمان قبل توجيه الضربة القاضية. هذا ليس مجرد خرق للقوانين الدولية، هذا هو خرق لنسيج العقل الإنساني نفسه، خرق لمعنى الكلمة، خرق لجوهر العلاقات بين البشر.
(2) القادة الذين اغتيلوا وهم يمسكون بأقلام السلام
في قائمة طويلة ومرعبة، أعلنتها وسائل الإعلام في ذلك اليوم المشؤوم، كانت الأسماء تتساقط كأوراق الخريف: أسماء كان العالم يعرفها، كان المفاوضون يجلسون إلى طاولة معها قبل أيام، كانوا يتبادلون أطراف الحديث، ويتناقشون في التفاصيل الدقيقة، ويضعون اللمسات الأخيرة على نص كان يمكن أن يغير وجه المنطقة.
آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، الرجل الذي كان رمزاً للصمود الإيراني على مدى أربعة عقود، الرجل الذي رأى في عمره الطويل انهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود أمريكا، وحرب الخليج، وغزو أفغانستان والعراق، والربيع العربي، وكل التحولات الكبرى في المنطقة. كان يمسك بزمام الأمور في إيران بيد من حديد، وكان آخر من تبقى من جيل الثورة الذي أسس الجمهورية الإسلامية. اغتيل وهو في مكتبه، بين أوراقه، وهو يستعد ليوم جديد من أيام القيادة.
عزيز نصير زاده، وزير الدفاع الإيراني، الرجل الذي كان يدير ملف التسليح والتطوير العسكري، والذي كان يعرف تفاصيل القدرات الصاروخية الإيرانية أكثر من أي شخص آخر. كان حاضراً في المفاوضات الأخيرة، يضع الشروط المتعلقة بالملف العسكري، ويتحدث عن "الردع" بلغة يفهمها الأمريكيون. اغتيل وهو في طريقه إلى اجتماع عسكري، في لحظة كان فيها يفكر في الدفاع عن بلاده، لا في الهجوم على الآخرين.
محمد باكبور، القائد العام للحرس الثوري، الرجل الذي قاد الحرس في أصعب مراحله، والذي كان يعرف كيف يوازن بين القوة العسكرية والحكمة السياسية. كان باكبور من المؤمنين بأن القوة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار. كان يدير من خلف الستار كثيراً من الملفات الإقليمية الحساسة، وكان يعرف أسراراً لو كشفت لغيرت موازين القوى في المنطقة. اغتيل في غرفة عمليات كانت تتابع تحركات العدو، اغتيل وهو يفكر في كيفية حماية جنوده، لا في قتل جنود العدو.
علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للدفاع، الرجل الذي كان يمثل الوجه الدبلوماسي للقوة الإيرانية. شمخاني كان من أكثر الشخصيات الإيرانية حضوراً في وسائل الإعلام، وكان من أكثرهم جرأة في التصريحات، ومن أكثرهم واقعية في تحليل الأحداث. قبل أيام من اغتياله، كان يقول في مقابلة تلفزيونية: "الاتفاق النووي يمكن التوصل إليه سريعاً إذا التزمت واشنطن بالشروط الإيرانية". كان يعتقد، كما يعتقد كثيرون، أن العقل الأمريكي سيدرك في النهاية أن الحرب ليست في مصلحة أحد. اغتيل قبل أن يدرك أن العقل الأمريكي، أو ما تبقى منه، لم يكن عاقلاً على الإطلاق.
عبد الرحيم موسوي، رئيس أركان القوات المسلحة، الرجل الذي كان يخطط للدفاع عن البلاد، والذي كان يعرف أن الحرب قادمة، لكنه لم يكن يتوقع أن تأتي بهذه الطريقة الغادرة. موسوي كان من المدرسة العسكرية التي تؤمن بأن القوة ليست في الأسلحة فقط، بل في الإرادة والتنظيم والإيمان. كان يعد العدة لمواجهة أي عدوان، لكنه لم يكن يتوقع أن يكون هو نفسه هدفاً في اللحظة التي كان فيها يعتقد أن المفاوضات تمضي قدماً.
محمد شيرازي، رئيس المكتب العسكري للمرشد، الرجل الذي كان حلقة الوصل بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، والذي كان يعرف أسراراً لا يعرفها غيره عن الاستراتيجية الإيرانية الكبرى. اغتيل وهو في اجتماع مع خامنئي، في لحظة كان فيها يناقش تفاصيل خطة دفاعية، في لحظة كان فيها يعتقد أن الوقت لا يزال متاحاً.
هذه الأسماء الستة، وغيرهم من القادة الذين سقطوا في تلك الغارات، لم يكونوا مجرد قادة عسكريين أو سياسيين. كانوا هم من كانوا يمسكون بخيوط الاستراتيجية الإيرانية، وكانوا هم من كانوا يديرون ملف المفاوضات، وكانوا هم من كانوا يعتقدون أن السلام ممكن، وأن أمريكا قد تعقلت أخيراً بعد عقود من الجنون.
اغتيلوا وهم في قمة قوتهم، وهم في قمة يقينهم بأن المستقبل يحمل شيئاً أفضل، وهم في لحظة كانوا فيها يعتقدون أنهم على وشك تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير. اغتيلوا وهم لا يعرفون أن الغدر كان يخطط لهم في الغرف المظلمة لواشنطن وتل أبيب، وأن المفاوضات التي كانوا يشاركون فيها كانت مجرد غطاء لضربتهم.
(3) طاولة المفاوضات: ملاذ آمن أم فخ مميت؟
في القانون الدولي، وفي الأعراف الدبلوماسية التي تراكمت على مدى قرون، كان المفاوضون يعتبرون أنفسهم في ملاذ آمن. كان هناك إجماع ضمني، بل صريح، على أن المفاوضات هي بديل عن الحرب، وأن من يجلس إلى طاولة المفاوضات يجب أن يكون في مأمن من الهجمات العسكرية، وإلا فما معنى المفاوضات أصلاً؟ إذا كان الخصم يمكن أن يغتالك وأنت تتفاوض معه، فلماذا تتفاوض؟ ولماذا تثق؟ ولماذا تصدق أي كلمة يقولها؟
لكن هذا الإجماع، الذي كان حجر الزاوية في النظام الدولي الحديث، قد انهار في الثامن والعشرين من شباط. انهار ليس فقط لأن أمريكا وإسرائيل انتهكتاه، بل لأنهما حولاه إلى أداة للخداع. لم تعد طاولة المفاوضات ملاذاً آمناً، بل أصبحت فخاً مميتاً. لم تعد الدبلوماسية بديلاً عن الحرب، بل أصبحت مقدمة للحرب.
هذا التحول في مفهوم الدبلوماسية هو ربما الأخطر في كل ما حدث. فمن الآن فصاعداً، كيف يمكن لأي دولة أن تثق في مفاوضات مع أمريكا أو إسرائيل؟ كيف يمكن لأي مفاوض أن يجلس إلى طاولة معهم دون أن يخشى أن تكون هذه الطاولة هي آخر ما يراه في حياته؟ كيف يمكن لأي اتفاق أن يُعقد معهم دون أن يظن الطرف الآخر أنهم يوقعون على وثيقة لا قيمة لها، وأنهم قد يغتالون في اليوم التالي؟
هذا هو الدرس الذي تعلمته إيران، ودفعت ثمنه غالياً. لكن هذا الدرس لم يعد درساً لإيران وحدها. إنه درس لكل دولة في العالم، وخاصة تلك الدول التي قد تجد نفسها في يوم ما على طاولة مفاوضات مع أمريكا. فالرسالة التي أرسلتها واشنطن في ذلك اليوم كانت واضحة: لا تثقوا بنا، لا تتفاوضوا معنا، لا تعتقدوا أن كلمتنا لها قيمة. فنحن نقتل من نتفاوض معهم، ونغتال من نعاهدهم، ونخدع من نعدهم.
القسم الأول: في تاريخ الغدر الدبلوماسي
عندما اغتالت الإمبراطورية المفاوضات
(4) قصة عمرها قرن: من سايكس بيكو إلى 28 شباط
ليس الغدر الدبلوماسي وليد اللحظة. إنه جزء من تاريخ الإمبراطوريات التي تعاقبت على منطقتنا. فمنذ اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا في خفاء، وهم يعدون العرب بالاستقلال، إلى وعد بلفور الذي أعطى وطن الغير لمن لا وطن له، إلى اتفاقية سان ريمو التي وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، إلى كل الاتفاقيات التي وقعتها الأنظمة العربية مع الغرب ولم تلتزم بها الإمبراطوريات يوماً.
لكن ما حدث في 28 شباط 2026 كان مختلفاً. لم يكن غدراً في الغرف المغلقة، بل كان غدراً في وضح النهار. لم يكن خرقاً لاتفاقية سرية، بل كان خرقاً لاتفاقية كانت على وشك التوقيع علناً. لم يكن استغلالاً لضعف الخصم، بل كان استغلالاً لثقته، استغلالاً لإيمانه بأن الدبلوماسية ممكنة.
في تاريخ العلاقات الدولية الحديث، هناك أمثلة كثيرة على اغتيال دبلوماسيين أو اغتيال قادة أثناء مفاوضات. لكن لم يحدث من قبل أن تم اغتيال القيادة السياسية والعسكرية الكاملة لدولة في لحظة واحدة، بينما كانوا يشاركون في مفاوضات جارية مع من اغتالهم. هذا لم يحدث حتى في أحلك فترات الحرب الباردة، ولا حتى في أيام الاستعمار القديم. إنه سابقة خطيرة تعيد تعريف مفهوم الدبلوماسية نفسها.
(5) اغتيال قاسم سليماني: بروفا لما سيأتي
قبل ست سنوات من هذه الحادثة، في الثالث من كانون الثاني 2020، اغتالت أمريكا القائد الإيراني الكبير قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، في غارة جوية قرب مطار بغداد. كان سليماني في مهمة دبلوماسية، يحمل رسالة من طهران إلى بغداد حول تهدئة الأوضاع في المنطقة. اغتيل وهو في سيارة مدنية، وهو في طريق لقاء سياسي، وهو يحمل في جيبه رسالة سلام.
اغتيال سليماني كان بروفا لما سيأتي. فقد أثبتت أمريكا في ذلك اليوم أنها لا تحترم الأعراف الدبلوماسية، وأنها لا تفرق بين القادة العسكريين في ساحة المعركة والقادة السياسيين في مهمة سلام. أثبتت أن أي قائد إيراني، في أي مكان، وفي أي زمان، هو هدف مشروع، حتى لو كان يحمل رسائل سلام.
لكن العالم لم يتعلم الدرس. ظن كثيرون أن اغتيال سليماني كان خطأ، وأنه لن يتكرر. ظنوا أن إدارة ترامب كانت شاذة، وأن أمريكا ستعود إلى رشدها بعد رحيله. ظنوا أن الدبلوماسية ستعود إلى ما كانت عليه، وأن طاولة المفاوضات ستعود ملاذاً آمناً.
لكن التاريخ عاد ليثبت أن اغتيال سليماني لم يكن خطأ، بل كان نموذجاً. لم يكن شذوذاً، بل كان قاعدة. لم يكن بداية خطأ، بل كان نهاية صواب. فقد أطلقت إدارة ترامب في ذلك اليوم منطقاً جديداً في العلاقات الدولية: منطق اغتيال المفاوضين، منطق استباحة الحرمات الدبلوماسية، منطق أن القوة وحدها هي التي تحكم، وأن الدبلوماسية ليست إلا غطاء للقوة.
وهذا المنطق هو الذي توج في 28 شباط 2026 باغتيال القيادة الإيرانية بأكملها، في الوقت الذي كانت فيه تجلس إلى طاولة المفاوضات مع من اغتالها.
القسم الثاني: خلف الاغتيال
قراءة في الاستراتيجية الإسرائيلية الأمريكية
(6) إسرائيل: من يجر من؟
السؤال الذي طرح نفسه في الساعات الأولى بعد الاغتيال، وما زال يطرح حتى اليوم، هو: من كان وراء هذه العملية؟ من خطط لها؟ من نفذها؟ من أعطى الضوء الأخضر؟
الظاهر أن إسرائيل كانت المحرك الأساسي. فقد وصفت الصحافة الإسرائيلية العملية بأنها "عملية خداعية بالغة الدقة"، في إشارة إلى أن الخداع كان جزءاً أساسياً من الخطة. فقد تم إيهام الإيرانيين بأن المفاوضات جادة، وأن الاتفاق قريب، ثم تم استغلال هذه الأجواء الإيجابية لتحديد مواقع القادة واغتيالهم.
لكن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية والاستخباراتية، لم تكن لتستطيع تنفيذ عملية بهذا الحجم والتعقيد دون موافقة أمريكية، بل دون مشاركة أمريكية. فالصواريخ التي ضربت طهران كانت أمريكية الصنع، والمقاتلات التي عبرت الأجواء كانت أمريكية، وقواعد الانطلاق كانت في دول خليجية تحت الحماية الأمريكية. هذا يعني أن أمريكا لم تكن مجرد شريك في العملية، بل كانت شريكاً أساسياً، إن لم تكن هي القائد الفعلي.
إذن، هل جرت إسرائيل أمريكا إلى هذه الحرب؟ أم جرت أمريكا إسرائيل؟ الجواب الأكثر تعقيداً هو أن كليهما جَرَّ الآخر. فإسرائيل، بقيادة نتنياهو، كانت تريد هذه الحرب منذ سنوات. ورأت في ترامب رئيساً يمكن الضغط عليه، يمكن إغراؤه، يمكن استغلاله. وترامب، من جانبه، كان بحاجة إلى حرب. كان بحاجة إلى صراع خارجي يوحّد خلفه الشعب الأمريكي المنقسم، وكان بحاجة إلى رفع أسعار النفط لخدمة مصالح حلفائه في صناعة النفط، وكان بحاجة إلى إلهاء الرأي العام عن قضاياه الداخلية المتشابكة.
وهكذا، التقت مصالح الجانبين في لحظة تاريخية. إسرائيل تريد تدمير القدرات النووية الإيرانية، وإسقاط النظام الإيراني، وإعادة رسم خريطة المنطقة لصالحها. وأمريكا، أو على الأقل إدارة ترامب، تريد حرباً تخدم مصالحها الداخلية والخارجية. وكانت النتيجة: الاغتيال الذي هز طهران، والحرب التي أشعلت المنطقة.
(7) نتنياهو: الحالم بشرق أوسط جديد
بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل الأطول خدمة، كان يحلم دائماً بشرق أوسط جديد. شرق أوسط لا مكان فيه لإيران كقوة إقليمية، شرق أوسط تتحالف فيه إسرائيل مع الدول العربية لمواجهة الخطر الإيراني، شرق أوسط تُفرض فيه الهيمنة الإسرائيلية بغطاء أمريكي ودعم عربي.
هذا الحلم، الذي بدأ يتحقق جزئياً في اتفاقيات أبراهام التي وقعتها إسرائيل مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، كان يحتاج إلى خطوة أخيرة: توجيه الضربة القاضية لإيران. فطالما بقيت إيران قوية، بقيت المقاومة قوية، وبقيت إسرائيل مهددة. لذلك، كان نتنياهو يرى في الحرب على إيران ضرورة وجودية، وليس مجرد خيار استراتيجي.
لكن نتنياهو، في حماسه لتحقيق هذا الحلم، ارتكب خطأين كبيرين. الخطأ الأول: أنه اعتقد أن إيران يمكن أن تسقط بضربة واحدة. ظن أن اغتيال القيادة سيشل النظام الإيراني، وأن الشعب الإيراني سينتفض ضد النظام، وأن إيران ستدخل في فوضى تسمح لإسرائيل بفرض شروطها. لكن ما حدث هو العكس: اغتيال القادة زاد من صلابة النظام، وزاد من وحدة الشعب حوله، وزاد من تصميم إيران على الرد.
الخطأ الثاني: أنه اعتقد أن أمريكا ستدعمه حتى النهاية. ظن أن إدارة ترامب، التي كانت شديدة القرب من إسرائيل، ستظل في السلطة إلى ما لا نهاية، وستواصل دعمها غير المحدود. لكنه نسي أن الانتخابات الأمريكية ستأتي، وأن ترامب قد يخسر، وأن الإدارة القادمة قد تكون أقل حماساً للحرب. هذا الخطأ سيكون له عواقب وخيمة على إسرائيل عندما تبدأ التكاليف في الارتفاع، وعندما يبدأ الدعم الأمريكي في التراجع.
(8) ترامب: التاجر الذي أراد حرباً مربحة
أما دونالد ترامب، فكانت نظرته للحرب مختلفة تماماً. ترامب ليس استراتيجياً كبرى، وليس منظّراً سياسياً، وليس حتى سياسياً بالمعنى التقليدي. ترامب هو رجل أعمال، وتاجر عقارات، وشخصية تلفزيونية، يرى كل شيء من خلال عدسة الصفقات: مكسب وخسارة، ربح وخسارة، نجاح وفشل.
بالنسبة لترامب، الحرب على إيران كانت صفقة. صفقة يمكن أن تجلب له مكاسب متعددة. أولاً، ترفع أسعار النفط، مما يسعد حلفاءه في صناعة النفط. ثانياً، تخلق أزمة خارجية تشتت انتباه الرأي العام عن قضاياه الداخلية. ثالثاً، تعزز صورته كقائد قوي، وهو ما يحتاجه في حملته الانتخابية. رابعاً، ترضي حلفاءه في اللوبي الإسرائيلي، الذين يمولون حملاته.
لكن ترامب، كتاجر، يعرف أن أي صفقة لها تكلفة. وكان يعتقد أن التكلفة ستكون منخفضة: بضع غارات جوية، وبعض القواعد العسكرية التي ستتعرض للقصف، وبعض الجنود الذين سيسقطون. وكان يعتقد أن إيران ستستسلم بعد الضربة، أو على الأقل ستتراجع. لكنه لم يكن يتوقع أن إيران ستغلق مضيق هرمز، وأن هذا الإغلاق سيضرب الاقتصاد العالمي، وأن التكاليف سترتفع بسرعة، وأن شعبه سيدفع الفاتورة في مضخات البنزين.
عندما بدأت هذه التكاليف في الظهور، بدأ ترامب يتراجع. بدأ يبحث عن "مخرج مشرف"، كما يفعل دائماً عندما يجد أن الصفقة لم تعد مربحة. لكن الحرب، كما يعلم كل من جربها، ليست صفقة يمكن إنهاؤها بمجرد أن تتعقد. الحرب لها منطقها الخاص، ولها زخمها الخاص، ولها تكاليفها التي تتصاعد مع الوقت.
القسم الثالث: القانون الدولي
جثة هامدة في زمن الإمبراطورية
(9) القانون الدولي: من يصنعه ولمن؟
في كل مرة تحدث فيها جريمة بهذا الحجم، يثار السؤال: أين القانون الدولي؟ أين المحاكم؟ أين العدالة؟ وهذه الأسئلة مشروعة، بل هي ضرورية. لكن الإجابة عليها مريرة، وتكشف عن أزمة أعمق: أزمة القانون الدولي نفسه.
القانون الدولي، كما صيغ بعد الحرب العالمية الثانية، كان نتاج لحظة تاريخية معينة. لحظة انهيار الإمبراطوريات القديمة، ولحظة صعود أمريكا كقوة عظمى، ولحظة رغبة في بناء نظام دولي يمنع تكرار الفظائع التي شهدها العالم. لكن هذا القانون، رغم نبل مقاصده، كان فيه عيب أصلي: لم يصمم لمساءلة الأقوياء.
صحيح أن هناك محكمة العدل الدولية، وهناك المحكمة الجنائية الدولية، وهناك مبادئ قانونية راسخة مثل حرمة المفاوضين، وحظر اغتيال القادة السياسيين، وعدم جواز استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس. لكن هذه المؤسسات والمبادئ لا قيمة لها إذا لم تكن هناك إرادة سياسية لتطبيقها، وإذا كانت القوى العظمى فوق القانون.
أمريكا، منذ البداية، رفضت الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ورفضت الاعتراف بولايتها على مواطنيها. بل إنها مارست ضغوطاً هائلة على الدول الأخرى لمنعها من التعاون مع المحكمة، وهددت قضاتها بالعقوبات، وجمدت أصولهم، ومنعتهم من دخول أراضيها. هذا الموقف الأمريكي جعل من المحكمة الجنائية الدولية أداة لمحاكمة ضعفاء العالم، دون أن تستطيع محاكمة أقويائه.
إسرائيل بدورها رفضت الانضمام إلى المحكمة، ورفضت التعاون معها، ووصفتها بأنها "معادية للسامية". وعندما أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت، كان الرد الإسرائيلي غاضباً، والرد الأمريكي أشد غضباً، حيث هددت واشنطن بفرض عقوبات على القضاة.
هكذا، يصبح القانون الدولي جثة هامدة. موجود في النصوص، مفقود في التطبيق. يُستدعى عندما تكون الضحية ضعيفة، ويُنسى عندما يكون الجاني قوياً. هذه هي الحقيقة المرة: في عالم الإمبراطورية، القانون ليس إلا أداة في يد الأقوى.
(10) المحكمة الجنائية الدولية: بين مذكرات التوقيف وجدران الصمت
لعل المحكمة الجنائية الدولية كانت الأمل الأخير لكثير من الضحايا حول العالم. تأسست عام 2002 لمحاكمة أخطر الجرائم: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. ووقعت عليها 124 دولة، ملتزمة بالتعاون معها وتنفيذ قراراتها.
لكن المحكمة، منذ تأسيسها، واجهت تحديات وجودية. التحدي الأول: عدم انضمام القوى الكبرى إليها. أمريكا وروسيا والصين وإسرائيل، كلها ليست أعضاء في المحكمة، وبالتالي لا تعترف بولايتها. وهذا يعني أن المحكمة لا تستطيع محاكمة مواطني هذه الدول إلا إذا وافقت هذه الدول على ذلك، وهو ما لا يحدث أبداً.
التحدي الثاني: ضعف آليات التنفيذ. المحكمة ليس لديها شرطة، ولا جيش، ولا وسيلة لتنفيذ مذكرات التوقيف سوى تعاون الدول الأعضاء. فإذا رفضت دولة ما تسليم متهم موجود على أراضيها، فإن المحكمة عاجزة عن فعل شيء.
التحدي الثالث: الضغوط السياسية. القوى الكبرى تمارس ضغوطاً هائلة على المحكمة وقضاتها. تهددهم بالعقوبات، وتجمد أصولهم، وتمنعهم من السفر. هذه الضغوط تجعل القضاة يترددون في فتح ملفات تتعلق بهذه القوى، أو في إصدار قرارات ضدها.
هذه التحديات الثلاثة جعلت من المحكمة الجنائية الدولية أداة محدودة الفعالية. أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت، لكنها لم تستطع تنفيذها. وفتحت ملفات حول جرائم أمريكية في أفغانستان والعراق، لكنها تراجعت تحت الضغط الأمريكي. وهذا هو الواقع المر: المحكمة موجودة، لكن العدالة غائبة.
(11) محكمة العدل الدولية: ملاذ الضعفاء أم مسرح للعبث؟
أما محكمة العدل الدولية، ومقرها في لاهاي أيضاً، فهي الجهة المعنية بالفصل في النزاعات بين الدول. وقد رفعت إليها عدة قضايا تتعلق بالعدوان على إيران، ودور دول الخليج في تسهيل هذا العدوان.
من الناحية القانونية، موقف هذه الدول حرج. فالسماح باستخدام الأراضي لشن عدوان على دولة أخرى هو خرق صريح للقانون الدولي. وقد تنص المادة 3 (و) من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (تعريف العدوان) على أن "قيام دولة بتأمين أراضيها لدولة أخرى لكي تستخدمها في ارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة" يعتبر عملاً من أعمال العدوان.
إذن، من الناحية القانونية، الإمارات والبحرين والسعودية وقطر والأردن وتركيا، التي سمحت باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن العدوان على إيران، قد تكون مسؤولة قانونياً عن أعمال العدوان هذه.
لكن من الناحية العملية، من سيحاسبها؟ محكمة العدل الدولية يمكنها أن تصدر أحكاماً، لكن تنفيذ هذه الأحكام يحتاج إلى إرادة سياسية. وإذا كانت أمريكا، الحامي لهذه الدول، ترفض الاعتراف بسلطة المحكمة، وتستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية حلفائها، فإن أي حكم يصدر ضدها سيبقى حبراً على ورق.
هذا هو القانون الدولي في زمن الإمبراطورية: مسرح للعبث، حيث يلعب الأقوياء دور القضاة والمدعين والمتهمين في آن واحد، وحيث يكون القانون مجرد أداة أخرى في يد من يملكون القوة.
(12) العقوبات الأمريكية على القضاة: رسالة للعالم
في لحظة لم يعد فيها أحد يتوقع شيئاً من الإدارة الأمريكية، فاجأت واشنطن العالم بإعلان عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية. القضاة الذين كانوا يحققون في جرائم حرب أمريكية في أفغانستان، أو الذين أصدرت مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، وجدوا أنفسهم فجأة مستهدفين: تجميد أصولهم، منعهم من السفر إلى أمريكا، حظر أي تعامل مالي معهم.
هذه العقوبات كانت رسالة واضحة للعالم: نحن فوق القانون. القانون لا ينطبق علينا. ومن يحاول تطبيقه علينا سيدفع الثمن. هذه ليست مجرد رسالة إلى القضاة، بل هي رسالة إلى كل ضحية من ضحايا الجرائم الأمريكية والإسرائيلية: لا تبحثوا عن العدالة في المحاكم، فهي لن تأتيكم. لا تنتظروا من القانون أن ينصفكم، فالقانون في خدمتنا نحن.
وهذه الرسالة لها أثر مزدوج. من ناحية، تزيد من إحباط الضحايا، وتجعلهم يفقدون الثقة في المؤسسات الدولية. ومن ناحية أخرى، تدفعهم إلى البحث عن طرق أخرى لتحقيق العدالة: طرق المقاومة، طرق المواجهة، طرق الردع التي لا تعتمد على القانون بل على القوة.
وهنا تكمن المفارقة: عندما تغلق الإمبراطورية أبواب العدالة القانونية، فإنها تفتح أبواب العدالة الطبيعية. عندما تقول للضعفاء إن القانون لن يحميكم، فإنها تقول لهم في الوقت نفسه إن المقاومة هي السبيل الوحيد. وعندما تعاقب القضاة الذين يحاكمون مجرمي الحرب، فإنها تخلق جيلاً جديداً من المقاومين الذين لا يثقون بأي شيء سوى قوتهم الذاتية.
القسم الرابع: الاغتيال في الفكر الاستراتيجي
من كلاوزفيتس إلى تل أبيب
(13) الحرب والسياسة: قراءة في العلاقة الملتبسة
منذ قرنين، وضع كارل فون كلاوزفيتس، المنظر العسكري البروسي، قاعدته الذهبية: "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى". كان يقصد أن الحرب ليست انقطاعاً عن السياسة، بل هي مجرد أداة من أدواتها، وأن القائد العسكري يجب أن يكون تابعاً للقائد السياسي، وأن الأهداف السياسية هي التي تحدد كيفية استخدام القوة العسكرية.
لكن ما حدث في 28 شباط 2026 قلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فإذا كانت السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى، فإن الدبلوماسية أصبحت مجرد غطاء للحرب، والمفاوضات أصبحت مجرد مقدمة للاغتيال. وهذا قلب للعلاقة بين الحرب والسياسة، قلب يجعل من الصعب على أي دولة أن تثق في أي مفاوضات مستقبلية.
في المفهوم الكلاوزفيتزي، السياسة هي التي تقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي. أما في المفهوم الجديد الذي طرحته إسرائيل وأمريكا، فإن الحرب هي التي تقرر متى تبدأ المفاوضات ومتى تنتهي، والمفاوضات ليست سوى غطاء استخباراتي للعمليات العسكرية.
هذا التحول في الفكر الاستراتيجي له تداعيات خطيرة. فهو يعني أن الأطراف الدولية لم تعد قادرة على الوثوق ببعضها البعض. يعني أن الدبلوماسية، التي كانت لقرون أداة لحل النزاعات، أصبحت أداة لتصعيدها. يعني أن القانون الدولي، الذي كان يهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول، أصبح بلا معنى.
(14) الاغتيال كأداة استراتيجية: من مكة إلى سراييفو
ليس الاغتيال وليد العصر الحديث. فالتاريخ يعرف أمثلة كثيرة على اغتيال قادة كأداة لتغيير موازين القوى. في التاريخ الإسلامي، اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب، واغتيال الخليفة علي بن أبي طالب، واغتيال العديد من القادة في صراعات الفتن. في التاريخ الأوروبي، اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند الذي أشعل الحرب العالمية الأولى. في التاريخ العربي الحديث، اغتيال العديد من القادة الوطنيين في مراحل مختلفة.
لكن ما يميز اغتيال 28 شباط 2026 ليس أنه اغتيال لقادة، بل أنه اغتيال لدولة بأكملها. اغتيال القيادة السياسية والعسكرية لإيران في لحظة واحدة هو محاولة لشل الدولة، وجعلها في حالة ارتباك تسمح للعدو بفرض إرادته. وهذا النوع من الاغتيالات الجماعية نادر في التاريخ، وله عواقب لا يمكن التنبؤ بها.
فهل نجحت هذه الاستراتيجية؟ هل أدى اغتيال القيادة إلى شل إيران؟ الجواب هو لا. فإيران، رغم صدمتها، تمكنت من استعادة تماسكها بسرعة. والنظام الإيراني، الذي بني على أسس مؤسسية، لم يعتمد على فرد واحد. وهذه هي نقطة القوة الإيرانية: النظام الإيراني ليس نظاماً فردياً، بل هو نظام مؤسسي، له آليات لخلافة القيادة، ولتوزيع الصلاحيات، ولضمان استمرار العمل حتى في أصعب الظروف.
(15) من درس الاستراتيجية الإيرانية؟
إذا كان الاغتيال يهدف إلى شل الدولة، فإن الاستراتيجية الإيرانية تعتمد على مبدأ آخر: مبدأ الصمود. فإيران لا تعتمد على قائد واحد، ولا على فرد بعينه. تعتمد على مؤسسات، وعلى أيديولوجيا، وعلى شبكة من العلاقات الإقليمية، وعلى قدرة على التحمل لا تملكها كثير من الدول.
هذا المبدأ الإيراني هو الذي فشلت أمريكا وإسرائيل في فهمه. ظنوا أن إيران مثل غيرها من الدول، إذا ضربت رأسها شل جسدها. لكن إيران ليست كذلك. إيران دولة ثورية، دولة أيديولوجيا، دولة تعتمد على الإيمان أكثر مما تعتمد على التنظيم. وعندما تُضرب، تزداد صلابة. وعندما تُغتال قيادتها، تظهر قيادة جديدة. وعندما تتعرض للهجوم، ترد بكل ما تملك.
هذا هو الدرس الذي لم تتعلمه أمريكا بعد، رغم تجربتها المريرة في فيتنام وأفغانستان والعراق. الدرس أن الشعوب التي تؤمن بقضيتها، والتي تملك إرادة المقاومة، لا يمكن هزيمتها بالقوة العسكرية وحدها. وأن الاغتيال، بدلاً من أن يحل المشكلة، غالباً ما يفاقمها.
القسم الخامس: بعد الاغتيال
كيف تغيرت المعادلة؟
(16) إيران بعد الاغتيال: صدمة ويقظة
في الساعات الأولى بعد الاغتيال، كانت إيران في حالة صدمة. فقدان ستة من أهم القادة في لحظة واحدة هو ضربة لا يمكن لأي دولة أن تمتصها بسهولة. لكن إيران، رغم الصدمة، تمكنت من العودة بسرعة.
المرشد الأعلى الجديد، الذي خلف علي خامنئي، ألقى خطاباً متلفزاً في غضون ساعات، دعا فيه الشعب إلى الهدوء والصمود. وأعلن الحداد الرسمي، لكنه أعلن أيضاً أن الرد قادم. وفي الأيام التالية، ظهرت القيادات الجديدة، وتم توزيع الصلاحيات، واستؤنف العمل في كل المؤسسات.
ما حدث في إيران بعد الاغتيال هو نموذج للصمود المؤسسي. فالنظام الإيراني، رغم كل النقد الذي يمكن أن يوجه إليه، أثبت أنه نظام قادر على تجاوز الأزمات الكبرى، وأنه لا يعتمد على فرد بعينه، وأن لديه آليات لخلافة القيادة.
لكن الأهم من ذلك، أن الاغتيال أدى إلى توحد الشعب الإيراني حول النظام. فقبل الاغتيال، كان هناك احتجاجات وانتقادات داخلية. لكن بعد الاغتيال، تلاشت هذه الانتقادات، ووقف الشعب خلف قيادته. وهذا هو درس آخر لم تتعلمه أمريكا: أن الاغتيالات لا تقسم الشعوب، بل توحدها. وأن الهجوم الخارجي لا يضعف النظام، بل يقويه.
(17) المنطقة بعد الاغتيال: احتدام المقاومة
أما المنطقة العربية والإسلامية، فكان رد فعلها مختلفاً. الغضب الشعبي كان هائلاً. في كل عاصمة عربية، خرجت مظاهرات حاشدة تندد بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي، وتطالب الحكومات العربية بقطع علاقاتها مع إسرائيل، وإغلاق القواعد الأمريكية، ودعم إيران.
هذا الغضب الشعبي وضع الأنظمة العربية في موقف حرج. فمن ناحية، هي حليفة لأمريكا وإسرائيل، ومن ناحية أخرى، شعوبها غاضبة وتطالب بموقف مختلف. وكانت النتيجة أن هذه الأنظمة حاولت التوفيق بين الموقفين: أدانت العدوان بشكل رسمي، لكنها استمرت في التعاون مع أمريكا وإسرائيل في الخفاء.
لكن هذه الازدواجية لم تخدع أحداً. الشعوب العربية لم تعد تصدق خطاب حكوماتها. ورأت بأم عينيها أن القواعد الأمريكية في أراضيها تستخدم لشن الحرب على إيران، وأن حكوماتها متواطئة في هذه الحرب. وهذا الانهيار في المصداقية سيكون له عواقب وخيمة على استقرار هذه الأنظمة في المستقبل.
(18) العالم بعد الاغتيال: صدمة وعزلة لأمريكا
أما على المستوى الدولي، فكان رد الفعل على الاغتيال مختلطاً. الدول الغربية أدانت الاغتيال بشكل رسمي، لكنها لم تتخذ أي إجراء عملي. روسيا والصين دعتا إلى ضبط النفس، لكنهما استمرتا في علاقاتهما مع إيران.
لكن الأهم من ذلك، أن الاغتيال أدى إلى تعميق العزلة الدولية لأمريكا. فكثير من الدول، حتى الحليفة لأمريكا، شعرت بالقلق من هذا السابقة الخطيرة. إذا كانت أمريكا تغتال قادة دولة تتفاوض معها، فمن يضمن أنها لن تفعل الشيء نفسه مع غيرها؟ هذا القلق دفع كثيراً من الدول إلى إعادة النظر في علاقاتها مع أمريكا، والبحث عن حلفاء آخرين أقل غدراً.
وهكذا، حققت الحرب التي شنتها أمريكا لتعزيز هيمنتها، النتيجة المعاكسة: أضعفت هيمنتها، وزادت من عزلة دولية، ودفعت الدول إلى الابتعاد عنها.
الدروس المستفادة
(19) في زمن الإمبراطورية، لا شيء مقدس
أهم درس يمكن استخلاصه من أحداث هذا الفصل هو أن الإمبراطورية، عندما تصل إلى مرحلة الأفول، تفقد كل restraint، وتفقد كل احترام للقوانين والأعراف. تصبح مستعدة لفعل أي شيء، مهما كان وحشياً، لاستعادة هيمنتها المتآكلة.
في زمن الإمبراطورية، لا شيء مقدس. طاولة المفاوضات ليست مقدسة. حياة القادة ليست مقدسة. القانون الدولي ليس مقدساً. الحق في الحياة ليس مقدساً. كل شيء يمكن انتهاكه، كل شيء يمكن استباحته، إذا كان ذلك يخدم مصالح الإمبراطورية.
هذا هو الدرس الذي تعلمته إيران، ودفعت ثمنه غالياً. وهذا هو الدرس الذي يجب أن تتعلمه كل دول العالم: أن أمريكا، في لحظة ضعفها، هي الأكثر خطراً. لأنها عندما تشعر بأن هيمنتها مهددة، فإنها تفقد كل ضوابطها الأخلاقية والقانونية، وتتحول إلى وحش لا يعرف حدوداً.
(20) المقاومة هي السبيل الوحيد
الدرس الثاني، وهو الأهم، هو أن المقاومة هي السبيل الوحيد للتعامل مع هذه الإمبراطورية. المفاوضات لا تجدي مع من لا يحترم القوانين. الدبلوماسية لا تنفع مع من يستخدمها غطاء للاغتيال. القانون الدولي لا يحمي من هو فوق القانون.
ما بقي لإيران، ولغيرها من دول المقاومة، هو القوة. القوة التي تفرض الاحترام، القوة التي تردع المعتدي، القوة التي ترفع كلفة العدوان إلى درجة لا تطاق. إيران، بإغلاقها مضيق هرمز، وباستهدافها القواعد الأمريكية، وبإصرارها على مواصلة المقاومة، أثبتت أن القوة وحدها هي التي تفهمها الإمبراطورية.
هذا هو الطريق: طريق القوة التي لا تتنازل، طريق الصمود الذي لا ينكسر، طريق الإرادة التي لا تلين. طريق تعلمته إيران على مدى أربعة عقود من الحصار والعقوبات والحروب، وهو الطريق الذي ستسلكه شعوب المنطقة إذا أرادت تحرير نفسها من الهيمنة الأمريكية.
(21) الشرق الأوسط الجديد: يولد من رحم الألم
الدرس الثالث، والأكثر تفاؤلاً، هو أن هذه الحرب، رغم وحشيتها، قد تكون رحم ولادة شرق أوسط جديد. شرق أوسط لا تقوده أمريكا، ولا تتحكم فيه إسرائيل، بل تقوده قواه الإقليمية، وتتحكم فيه شعوبه.
فاغتيال القادة الإيرانيين، بدلاً من أن يحطم إيران، جعلها أكثر صلابة. والحرب، بدلاً من أن ترهب المنطقة، جعلتها أكثر جرأة على المقاومة. والهجوم، بدلاً من أن يعزز الهيمنة الأمريكية، كشف هشاشتها.
هذا هو وعد التاريخ: أن الألم الذي نعيشه اليوم هو مخاض ولادة جديدة. وأن الدماء التي تسيل اليوم هي ثمن الحرية التي سننعم بها غداً. وأن القادة الذين سقطوا اليوم، سيبقون أحياء في وجدان الأمة، وسيكونون شموعاً تنير طريق المقاومة للأجيال القادمة.
في الفصول التالية، سنرى كيف تتجلى هذه المعاني في ساحات المعركة: في مضيق هرمز حيث يدور الصراع الوجودي، وفي أسواق دبي حيث تنهار النماذج الوهمية، وفي قواعد أمريكا العسكرية التي أصبحت أهدافاً ثابتة، وفي قلوب شعوب المنطقة التي تستيقظ على وعي جديد.
لكن قبل أن نغادر هذا الفصل، لا بد أن نتوقف لحظة أمام أسماء القادة الذين سقطوا. أن نتلوها كدرس في التاريخ. أن نتذكرها كشهداء في معركة التحرر. وأن نعاهدهم على أن دماءهم لم تذهب هدراً، وأن الطريق الذي سلكوه سيمضي، وأن النصر، وإن تأخر، قادم لا محالة.
…….
الفصل الثالث
مضيق هرمز
شريان الاقتصاد العالمي وسيف المقاومة
تمهيد: في جغرافية المصير
(1) شريان لا يتسع إلا للأمل والخطر
بين الخليج العربي الفسيح ومياه المحيط الهندي المفتوحة، هناك ممر ضيق لا يتسع في أضيق نقطة له إلا لستين كيلومتراً من الماء المالح. ستون كيلومتراً فقط تفصل بين إيران في الشمال وشبه جزيرة مسندم العمانية في الجنوب. ستون كيلومتراً تفصل بين شط العرب ومضيق باب المندب. ستون كيلومتراً هي ممر إجباري لكل سفينة تريد أن تغادر موانئ الخليج حاملة نفطها إلى أسواق العالم، أو تريد أن تدخلها محملة ببضائعها وحاجياتها.
هذه الستون كيلومتراً هي مضيق هرمز. ليست مجرد بقعة على الخريطة، ليست مجرد ممر مائي عادي تمر منه السفن كما تمر من غيره. هي الشريان الذي يضخ الحياة في الاقتصاد العالمي، هي العصب الذي تتصل من خلاله أسواق النفط في الشرق بأسواق الاستهلاك في الغرب، هي نقطة الارتكاز التي تقوم عليها هيمنة دول الخليج النفطية، وهي أيضاً نقطة الضعف الأكثر حساسية في بنية هذه الهيمنة.
عبر هذا المضيق الضيق، تمر يومياً قرابة عشرين مليون برميل من النفط الخام والمشتقات النفطية. عشرون مليون برميل تشكل حوالي ثلث إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم، وحوالي خمس الإنتاج العالمي من النفط. هذا يعني أن تعطيل هذا المضيق، ولو لجزء من يوم، سيرسل موجات صادمة إلى كل ركن في الكوكب. سترتفع الأسعار في طوكيو ونيويورك ولندن وشنغهاي، وستتوقف المصانع في أوروبا والهند وكوريا، وستشل حركة الطيران في كل مطارات العالم، وسيتوقف التدفق الحر للبضائع والسلع الذي تعتمد عليه الحضارة الحديثة.
هذه الحساسية العالية تجعل من مضيق هرمز ليس فقط ممراً ملاحياً، بل ساحة معركة، وورقة ضغط، وسيفاً مصلتاً في يد من يسيطر عليه. ومنذ عقود، كانت إيران تدرك هذه الحقيقة جيداً، وكانت تستعد لاستخدام هذه الورقة في اللحظة المناسبة. وفي الثامن والعشرين من شباط 2026، جاءت اللحظة المناسبة.
(2) لماذا هذا المضيق بالذات؟
ليس مضيق هرمز أول مضيق في العالم تشتد فيه المنافسة وتتعدد فيه الصراعات. فقبله كان مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا، ومضيق باب المندب بين اليمن وجيبوتي، ومضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا، وقناة بنما، وقناة السويس. كلها ممرات مائية استراتيجية شهدت صراعات وتنافسات.
لكن مضيق هرمز مختلف. مختلف لأنه الممر الوحيد لتصدير نفط الخليج، وهذا النفط ليس مجرد سلعة عادية. هو الدم الذي تسير به عروق الاقتصاد العالمي. هو المحرك الذي يشغل مصانع الصين والهند، والسيارات التي تسير في شوارع أمريكا وأوروبا، والطائرات التي تحلق في سماء العالم كله. هو المادة التي تقوم عليها الصناعات البتروكيماوية التي تدخل في كل منتج نعرفه، من الأدوية إلى الملابس إلى الأسمدة إلى البلاستيك.
لذلك، فإن أي تهديد لهذا المضيق هو تهديد للاقتصاد العالمي بأسره. وأي إغلاق له، حتى لو كان جزئياً، هو إعلان حرب على كل دول العالم التي تعتمد على نفط الخليج. وهذا هو السر في قوة إيران الاستراتيجية: أنها تملك القدرة على ضرب الاقتصاد العالمي في عقر داره، دون أن تحتاج إلى قصف واشنطن أو لندن أو طوكيو. كل ما تحتاجه هو أن تغلق هذا الممر الضيق، وأن تمنع السفن من المرور، أو حتى أن تهدد بذلك، وسينهار سعر النفط أو يرتفع، وستضطرب الأسواق، وستتأثر حياة الملايين.
(3) بين الجيوسياسية والجيواستراتيجية: قراءة في الموقع
لفهم أهمية مضيق هرمز، لا بد من النظر إليه من زاويتين متكاملتين: الزاوية الجيوسياسية والزاوية الجيواستراتيجية.
من الزاوية الجيوسياسية، مضيق هرمز هو نقطة التقاء ثلاث قارات: آسيا، وأوروبا، وأفريقيا. وهو المدخل الطبيعي للخليج العربي، ذلك الخليج الذي تطل عليه سبع دول عربية بالإضافة إلى إيران. وهو أيضاً البوابة التي تمر من خلالها الإمدادات العسكرية الأمريكية إلى قواعدها في البحرين وقطر والكويت والإمارات. وبالتالي، فإن السيطرة على هذا المضيق تعني السيطرة على المنطقة بأكملها، والسيطرة على المنطقة تعني التأثير في موازين القوى العالمية.
من الزاوية الجيواستراتيجية، مضيق هرمز هو نقطة الضعف الأكبر لدول الخليج العربية. فهذه الدول، رغم ثرواتها النفطية الهائلة، ورغم قواعدها العسكرية المتطورة، ورغم تحالفاتها مع القوى الكبرى، تظل رهينة لهذا الممر الضيق. فبدون القدرة على تصدير نفطها، تفقد هذه الدول مصدر دخلها الوحيد. وبدون هذا الدخل، تنهار اقتصاداتها، وتنهار معها أنظمتها السياسية التي قامت على توزيع الرفاهية مقابل القمع السياسي.
هذه الحقيقة الجغرافية هي التي تجعل من مضيق هرمز سيفاً ذا حدين. بالنسبة لإيران، هو سيف المقاومة، الذي يمكن أن تستخدمه لردع المعتدين وفرض شروطها. وبالنسبة لدول الخليج، هو سيف مصلت على رقابها، يذكرها في كل لحظة بأن أمنها ليس بيدها، وأن وجودها رهن بإرادة الآخرين.
القسم الأول: المضيق في التاريخ
من البرتغاليين إلى الأمريكيين
(4) صراع عمره خمسة قرون
ليس صراع مضيق هرمز وليد اللحظة. إنه صراع يمتد لخمسة قرون، بدأ مع وصول البرتغاليين إلى المنطقة في بداية القرن السادس عشر. ففي عام 1507، احتل القائد البرتغالي أفونسو دي ألبوكيرك جزيرة هرمز، التي كانت آنذاك ميناءً تجارياً مزدهراً، وأقام فيها قلعة لا تزال قائمة حتى اليوم. ومن هذه القاعدة، سيطر البرتغاليون على المضيق لأكثر من قرن، وفرضوا رسوماً على السفن المارة، وأخضعوا تجارة الخليج لإرادتهم.
جاء العمانيون بعد ذلك، وطردوا البرتغاليين في عام 1622 بمساعدة الأسطول الإنجليزي. لكن الإنجليز، الذين ساعدوا في التحرير، كانوا يخططون للسيطرة بأنفسهم. ففي القرون التالية، تمكنت الإمبراطورية البريطانية من فرض هيمنتها على الخليج، وأقامت سلسلة من المعاهدات مع شيوخ الساحل (ما يعرف اليوم بالإمارات)، جعلت المنطقة تحت حمايتها.
ظلت بريطانيا تسيطر على مضيق هرمز حتى عام 1971، عندما انسحبت من شرق السويس، وتركت المنطقة لتقع تحت الهيمنة الأمريكية. ففي العقود التالية، بنت أمريكا قواعدها العسكرية في البحرين وقطر والإمارات والكويت، وأقامت أسطولها الخامس في المنطقة، لتحل محل الأسطول البريطاني.
هذا التاريخ الطويل من الصراع على المضيق يظهر أن من يسيطر على هرمز يسيطر على الخليج، ومن يسيطر على الخليج يسيطر على النفط، ومن يسيطر على النفط يسيطر على العالم. وهذا هو الدرس الذي فهمته إيران جيداً، وهو الذي يجعلها تصر على الحفاظ على قدرتها على تهديد المضيق وإغلاقه إذا اقتضت الضرورة.
(5) حرب الناقلات: ثمانينيات القرن العشرين
أول اختبار حقيقي لقدرة إيران على تهديد مضيق هرمز كان خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين. في تلك الفترة، شنت إيران سلسلة من الهجمات على ناقلات النفط التي كانت تنقل النفط من موانئ الخليج العربية، وخاصة من الكويت والسعودية. وكان الهدف من هذه الهجمات هو الضغط على دول الخليج التي كانت تدعم العراق مالياً، وإجبارها على التوقف عن هذا الدعم.
رداً على ذلك، قامت الولايات المتحدة بإعادة تسجيل الناقلات الكويتية تحت العلم الأمريكي، وأرسلت أسطولاً بحرياً لمرافقتها في الخليج. واندلعت اشتباكات بين السفن الحربية الأمريكية والزوارق الإيرانية، وأسقطت الولايات المتحدة طائرة مدنية إيرانية (الرحلة 655) في يوليو 1988، مما أدى إلى مقتل 290 شخصاً.
هذه التجربة علمت إيران درساً مهماً: أن أمريكا مستعدة للتدخل عسكرياً لحماية مصالحها في المنطقة، وأن مواجهة الأسطول الأمريكي في البحر المفتوح هي مواجهة غير متكافئة. لكنها علمتها أيضاً أن تهديد المضيق هو ورقة ضغط قوية، وأن مجرد وجود هذا التهديد يكفي لرفع أسعار النفط وإحداث أضرار اقتصادية كبيرة.
منذ ذلك الحين، بنت إيران ترسانتها الصاروخية، وطورت قدراتها البحرية، وحفرت أنفاقاً تحت الماء، ونشرت ألغاماً بحرية، وأقامت قواعد للزوارق السريعة على طول الساحل الإيراني المطل على المضيق. كل هذه الإعدادات كانت تهدف إلى لحظة واحدة: لحظة الحاجة إلى استخدام ورقة هرمز.
(6) 2026: عندما أصبح التهديد حقيقة
في الثامن والعشرين من شباط 2026، وبعد ساعات من اغتيال القادة الإيرانيين، تم تفعيل هذه الورقة. أعلنت القيادة الإيرانية الجديدة إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، وبدأت في تنفيذ هذا الإعلان على الفور.
الخطة الإيرانية كانت متكاملة ومتعددة المستويات. المستوى الأول: زرع الألغام البحرية في الممرات الملاحية، مما يجعل مرور السفن مستحيلاً دون مخاطرة كبيرة. المستوى الثاني: نشر الزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ في مواقع استراتيجية، لاعتراض أي سفينة تحاول المرور. المستوى الثالث: إطلاق صواريخ باليستية مضادة للسفن قادرة على ضرب أي هدف بحري في الخليج. المستوى الرابع: استخدام الطائرات المسيرة لمراقبة المضيق وجمع المعلومات. المستوى الخامس: إغلاق المنشآت النفطية الإيرانية على الخليج، لمنع أي محاولة لاستخدامها كبديل.
هذه الخطة المتكاملة جعلت من إغلاق المضيق حقيقة قائمة، وليس مجرد تهديد. ففي غضون ساعات، توقفت حركة الملاحة في المضيق تماماً. السفن التي كانت عابرة توقفت في عرض البحر، والسفن التي كانت تستعد للدخول انتظرت، والسفن التي كانت في الموانئ بقيت فيها. وكانت النتيجة: صدمة في أسواق النفط العالمية، وارتفاع فوري في الأسعار، وبداية أزمة اقتصادية عالمية.
القسم الثاني: التأثيرات الاقتصادية المباشرة
دبي تتفكك أمام الأعين
(7) دبي: المدينة التي بنيت على الرمال
لم يكن هناك مكان في العالم تأثر بإغلاق مضيق هرمز كما تأثرت دبي. فدبي، تلك المدينة التي كانت ترمز للرفاهية والاستثمار والحداثة، والتي كانت تُباع للعالم كحلم استثماري لا يقهر، تحولت في أسابيع قليلة إلى مدينة أشباح.
لم يكن هذا التحول مفاجئاً لمن كان يقرأ الواقع بعين ناقدة. فدبي، رغم كل بريقها الخارجي، كانت تقوم على أسس هشة. اقتصادها كان يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: العقارات والسياحة والخدمات المالية. وهذه العناصر الثلاثة كلها تعتمد على الثقة. ثقة المستثمرين في أن استثماراتهم آمنة، وثقة السياح في أن المدينة آمنة ومستقرة، وثقة رجال الأعمال في أن النمو مستمر.
عندما أغلقت إيران مضيق هرمز، وبدأت صواريخها تضرب القواعد الأمريكية في المنطقة، انهارت الثقة في لحظة. المستثمرون الأجانب، الذين كانوا يرون في دبي ملاذاً آمناً، بدأوا ينسحبون بسرعة. رجال الأعمال الخليجيون، الذين كانوا يستخدمون دبي كمركز لإدارة أعمالهم، بدأوا ينقلون مقراتهم إلى عواصم أخرى. السياح، الذين كانوا يأتون من كل أنحاء العالم للاستمتاع بشواطئ دبي وأسواقها، توقفوا عن القدوم.
(8) الأرقام التي لا تكذب
لكي نفهم حجم الانهيار الذي حدث في دبي، لا بد من النظر إلى الأرقام. فهي وحدها القادرة على وصف ما لا تستطيع الكلمات وصفه.
مؤشر دبي العقاري، الذي كان من أسرع المؤشرات نمواً في العالم، انخفض بنسبة 31.8% خلال أسبوعين فقط. هذا الانخفاض في أسبوعين يعادل ما قد يحدث في أزمة عقارية كبرى على مدى سنوات. ومع استمرار الحرب، توقع المحللون أن يصل الانخفاض إلى أكثر من 50% بحلول نهاية العام.
صفقات تسجيل العقارات اليومية، التي كانت تصل إلى 800 صفقة في اليوم الواحد قبل الحرب، انهارت إلى 23 صفقة فقط. هذا يعني انخفاضاً بنسبة 97%. والأكثر إثارة للقلق أن هذه الصفقات الـ 23 كانت في الغالب صفقات بيع بأسعار منخفضة جداً، حيث كان المستثمرون يحاولون التخلص من ممتلكاتهم بأي ثمن قبل أن تنخفض أكثر.
إشغال الفنادق الفاخرة، التي كانت من أعلى نسب الإشغال في العالم، تراجع من 90% إلى أقل من 19%. فنادق مثل برج العرب وأتلانتس وجميرا، التي كانت تتطلب حجزاً قبل شهور، أصبحت شبه خالية. الآلاف من العاملين في قطاع السياحة والضيافة فقدوا وظائفهم، أو تم إرسالهم في إجازات غير مدفوعة.
مطار دبي الدولي، أكثر مطارات العالم ازدحاماً بالمسافرين الدوليين، شهد توقفاً شبه كامل لحركة الطيران. الرحلات الجوية توقفت أو تحولت إلى مطارات أخرى. المسافرون الذين كانوا يعبرون دبي في طريقهم إلى الشرق أو الغرب، اختاروا مسارات بديلة. شركات الطيران التي كانت تتخذ من دبي مركزاً لها، مثل طيران الإمارات، تكبدت خسائر فادحة.
شواطئ دبي، التي كانت تزدحم بالسياح والمقيمين، أصبحت "شبه خالية" كما وصفتها إحدى المقاطع المصورة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. شواطئ جميرا ومرسى دبي وجزيرة النخلة، التي كانت رمزاً للرفاهية الدباوية، تحولت إلى مساحات مهجورة، لا يسمع فيها إلا صوت الأمواج والرياح.
شاهد عيان من عمال السياحة قال عبارة تختصر المشهد كله: "أمس: صفر. اليوم: صفر. لم أر دبي هكذا قط". هذه العبارة القصيرة تحمل في طياتها حقيقة كاملة: أن المدينة التي ظننا أنها لا تقهر، كانت في الحقيقة أقرب إلى فقاعة قابلة للانفجار. وأن كل ما بني على الثقة والاستثمار الأجنبي والسياحة، يمكن أن ينهار في لحظة إذا اهتزت الثقة.
(9) لماذا انهارت دبي بهذه السرعة؟
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا انهارت دبي بهذه السرعة؟ لماذا لم تكن هناك قدرة على الصمود؟ لماذا تحولت المدينة التي كانت ترمز للحداثة والثبات إلى مدينة أشباح في أسابيع؟
الجواب يكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي الذي بنيت عليه دبي. هذا النموذج، الذي يمكن تسميته "نموذج الرفاهية المستوردة"، يعتمد على عناصر هشة:
العنصر الأول: الاعتماد على الاستثمار الأجنبي. دبي لم تبني اقتصاداً منتجاً، بل اقتصاداً وسيطاً. هي لم تنتج سلعاً تصدرها إلى العالم، بل وفرت خدمات للاستثمارات التي تأتي من الخارج. وعندما انسحب المستثمرون الأجانب، لم يبق شيء.
العنصر الثاني: الاعتماد على الاستهلاك. اقتصاد دبي كان اقتصاد استهلاك، وليس اقتصاد إنتاج. السياح يأتون ليستهلكوا، والمقيمون يأتون ليستهلكوا، والمستثمرون يأتون ليمولوا الاستهلاك. وعندما توقف الاستهلاك، توقف كل شيء.
العنصر الثالث: الاعتماد على الثقة. الثقة في أن المنطقة آمنة، والثقة في أن الأسعار ستستمر في الارتفاع، والثقة في أن النمو سيستمر. وعندما اهتزت الثقة، انهار كل شيء.
العنصر الرابع: غياب القاعدة الإنتاجية. دبي ليس لديها صناعة، ولا زراعة، ولا موارد طبيعية (باستثناء النفط الذي يعد ضئيلاً مقارنة بجيرانها). هي مدينة خدمات بحتة، والخدمات لا تصمد في الأزمات.
هذه العناصر الأربعة جعلت من دبي نموذجاً للهشاشة المقنعة. هشاشة تخفيها واجهات زجاجية ومراكز تسوق فاخرة وجزر صناعية، لكنها تنكشف في أول أزمة حقيقية.
القسم الثالث: السعودية
الصدمة التي تلي الصدمة
(10) الرياض: هل هي دبي القادمة؟
إذا كانت دبي قد انهارت بهذه السرعة، فماذا عن السعودية؟ هل سيكون مصيرها مشابهاً؟ أم أن لديها ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود؟
السعودية مختلفة عن دبي في جوانب أساسية. فهي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، وهي أكبر مصدر للنفط في العالم، ولديها اقتصاد أكثر تنوعاً (وإن كان لا يزال يعتمد بشكل كبير على النفط)، ولديها عمق استراتيجي وجغرافي أكبر بكثير من إمارة صغيرة مثل دبي.
لكن هذا لا يعني أن السعودية محصنة ضد الصدمة. فالحرب التي أشعلت المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز الذي يشل حركة التصدير، واستهداف المنشآت النفطية السعودية، كلها عوامل تهدد الاقتصاد السعودي بشكل مباشر.
استهداف منشآت شيبعة ورأس تنورة: في الأيام الأولى للحرب، استهدفت الصواريخ الإيرانية منشأتين نفطيتين سعوديتين حيويتين: منشأة شيبعة في المنطقة الشرقية، ومنشأة رأس تنورة التي تضم أكبر مصفاة نفط في العالم. الاستهداف أدى إلى تعطيل جزئي للإنتاج، وأثار مخاوف من أن المنشآت النفطية السعودية لم تعد آمنة.
تأثير إغلاق هرمز: حتى لو لم تستهدف المنشآت السعودية بشكل مباشر، فإن إغلاق مضيق هرمز يعني أن النفط السعودي لا يمكنه الخروج من الخليج. فجميع موانئ السعودية النفطية (رأس تنورة، والجبيل، ومدينة الملك فهد الصناعية) تطل على الخليج، وتحتاج إلى المرور عبر هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية. هناك موانئ على البحر الأحمر (مثل ينبع) يمكنها تصدير النفط، لكن طاقتها محدودة، ولا تستطيع تعويض الإغلاق الكامل للخليج.
تقديرات غولدمان ساكس: بنك غولدمان ساكس، أحد أكبر البنوك الاستثمارية في العالم، أصدر تقريراً قدر فيه أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لمدة شهرين قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بنسبة 3%. هذا الرقم، رغم أنه لا يبدو كبيراً مقارنة بانهيار دبي، إلا أنه يمثل أكبر صدمة اقتصادية للسعودية منذ جائحة 2020، بل منذ أزمة النفط في ثمانينيات القرن العشرين.
(11) رؤية 2030: حلم يتبخر
لكن الأخطر من الخسائر الاقتصادية المباشرة هو تأثير الحرب على "رؤية 2030"، المشروع الطموح لولي العهد محمد بن سلمان. هذه الرؤية، التي أعلن عنها في عام 2016، كانت تهدف إلى تحويل الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع، يقوم على الاستثمار والصناعة والسياحة والتكنولوجيا.
كانت الرؤية تعتمد على عناصر أساسية: مشاريع عملاقة مثل نيوم (المدينة الذكية في شمال غرب المملكة)، والبحر الأحمر (مشروع سياحي ضخم)، والقدية (مدينة الترفيه)، وروشن (مشاريع الإسكان). هذه المشاريع كانت تحتاج إلى تريليونات الدولارات من الاستثمارات، معظمها من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يعتمد بدوره على عائدات النفط.
عندما اندلعت الحرب، وإغلاق مضيق هرمز، وانخفضت صادرات النفط، وارتفعت تكاليف التأمين على الشحن، وانسحب المستثمرون الأجانب، أصبح مستقبل هذه المشاريع موضع شك كبير. نيوم، التي كانت تروج كأكبر مشروع في تاريخ البشرية، قد تتوقف. البحر الأحمر، الذي كان يفترض أن يكون وجهة سياحية عالمية، قد يصبح منطقة حرب. القدية، التي كان من المفترض أن تكون منافساً لديزني لاند، قد تتحول إلى مدينة أشباح.
الأهم من ذلك، أن الحرب قد تقوض الثقة في قدرة السعودية على توفير الأمان. فالمستثمرون الأجانب، الذين كانوا يتدفقون على السعودية في إطار "انفتاح" ولي العهد، قد يترددون في استثمار أموالهم في بلد أصبحت منشآته النفطية هدفاً للصواريخ، وقواعده العسكرية هدفاً للمقاومة، ومضيق هرمز المغلق يهدد صادراته.
(12) التصريحات السعودية: بين الغضب والعجز
في خضم هذه الأزمة، صدرت تصريحات من المسؤولين السعوديين تعكس حالة من الغضب الممزوج بالعجز. وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قال في مؤتمر صحفي: "الثقة بإيران انهارت تماماً... صبرنا ليس بلا حدود. سواء تبقى لإيران أيام أو أسابيع، لن نكشف عن خطتنا".
هذه التصريحات يمكن قراءتها على مستويين. المستوى الأول: الغضب. فالغضب السعودي من إيران حقيقي، ووصل إلى درجة لم يصل إليها من قبل. فالسعودية ترى في إيران عدواً وجودياً، وفي الحوثيين أداة إيرانية لتهديد أمنها، وفي الحرب الحالية فرصة لتوجيه ضربة قاصمة لإيران.
المستوى الثاني: العجز. فالتصريحات الغامضة عن "خطة لن نكشف عنها" تكشف في الحقيقة عن غياب خطة واضحة. فالسعودية، رغم كل ما أنفقته على التسليح، ورغم تحالفها مع أمريكا، لا تملك القدرة على مواجهة إيران بمفردها. وهي تعلم أن أمريكا لن تخوض حرباً برية في إيران، وأن الردع الجوي والصاروخي محدود. وهي تعلم أيضاً أن أي تصعيد سيكون له ثمن باهظ على اقتصادها.
والسؤال الأعمق الذي تطرحه هذه التصريحات: ماذا لو كانت إيران هي من تملك الوقت؟ ماذا لو استمر إغلاق هرمز لأشهر؟ ماذا لو استمرت الهجمات الصاروخية على المنشآت النفطية؟ ماذا لو انهارت أسواق دبي، وتراجعت الاستثمارات، وارتفعت البطالة، وتآكلت الرفاهية التي كانت تبرر القمع السياسي؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل المسؤولين السعوديين، رغم غضبهم، يترددون في اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى تصعيد أكبر. لأنهم يعرفون أن الرهان على صمود إيران قد يكون رهاناً خاسراً.
القسم الرابع: التأثيرات العالمية
عندما يصاب الاقتصاد العالمي بالاختناق
(13) النفط وارتفاع الأسعار: من 80 إلى 150 دولاراً
تأثير إغلاق مضيق هرمز لم يقتصر على دبي والسعودية، بل امتد ليشمل الاقتصاد العالمي بأسره. فالنفط هو عصب الاقتصاد الحديث، وأي ارتفاع في سعره ينتقل كالنار في الهشيم إلى كل قطاعات الاقتصاد.
قبل الحرب، كان سعر برميل النفط يتراوح حول 80 دولاراً. بعد إغلاق المضيق، قفز السعر إلى أكثر من 150 دولاراً للبرميل. هذه القفزة، التي حدثت في أيام، تعادل ما كان يحدث في أزمات النفط الكبرى في السبعينيات.
ارتفاع سعر النفط يعني ارتفاع تكاليف النقل، وارتفاع أسعار المواد البتروكيماوية التي تدخل في كل صناعة، وارتفاع أسعار الأسمدة التي تؤثر على أسعار الغذاء، وارتفاع أسعار التدفئة والكهرباء التي تؤثر على فواتير المستهلكين. باختصار، هو ارتفاع في كل شيء، يضرب الطبقات الفقيرة والمتوسطة في كل دول العالم.
(14) التضخم والركود: العودة إلى سبعينيات القرن العشرين
خبراء اقتصاديون يحذرون من أن استمرار إغلاق المضيق لأسابيع إضافية سيدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى ركود تضخمي حاد يعيد للأذهان أزمة السبعينات.
في السبعينيات، تسبب ارتفاع أسعار النفط في ظاهرة غريبة: التضخم المرتفع والركود الاقتصادي في وقت واحد. البنوك المركزية كانت عاجزة عن التعامل مع هذه الظاهرة، لأن رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم كان يزيد الركود، وخفضها لمواجهة الركود كان يزيد التضخم.
اليوم، بعد أربعين عاماً، قد تعود هذه الظاهرة. وكالة "فيتش" للتصنيف المالي قدرت أن استقرار أسعار النفط عند 100 دولار سيخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 0.4%، ويضيف ما بين 1.2 و1.5 نقطة مئوية إلى التضخم في أمريكا وأوروبا. أما إذا استمر السعر عند 150 دولاراً، فإن التأثير سيكون أكبر بكثير.
(15) التأثير على الانتخابات الأمريكية: ترامب في موقف حرج
ربما كان أكثر التأثيرات حساسية هو تأثير الحرب على الانتخابات الأمريكية. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، أصبحت أسعار البنزين (التي ارتفعت بأكثر من 50% في أسابيع) قضية انتخابية مركزية.
الرئيس ترامب، الذي راهن على أن الحرب ستكون قصيرة ومربحة، وجد نفسه في موقف حرج. فالناخب الأمريكي، الذي كان يعاني أصلاً من التضخم، أصبح يعاني أكثر. ومعدلات تأييد ترامب، التي كانت مرتفعة بعد الضربة الناجحة في بداية الحرب، بدأت في الانخفاض مع استمرار الحرب وارتفاع التكاليف.
تقارير CNN أشارت إلى أن استمرار الحرب لمدة ثلاثة أشهر قد يكلف ترامب أصواتاً حاسمة في ولايات متأرجحة مثل بنسلفانيا وميشيغان وأوهايو، حيث يشكل ارتفاع أسعار البنزين هاجساً كبيراً للناخبين. وهذا يعني أن استمرار الحرب، بدلاً من أن يفيد ترامب، قد يكون السبب في خسارته للانتخابات.
القسم الخامس: استراتيجية الصمود الإيرانية
كيف تواجه إنساناً يمتلك الوقت؟
(16) معادلة الردع الجديدة
إيران تدرك أنها لا تستطيع مواجهة الجيش الأمريكي في معركة تقليدية. الجيش الأمريكي هو أقوى جيش في التاريخ، ويمتلك من الأسلحة والتكنولوجيا ما لا تمتلكه أي دولة أخرى. مواجهته في معركة مباشرة ستكون انتحاراً.
لكن إيران تمتلك شيئاً آخر: القدرة على رفع كلفة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة إلى درجة لا تطاق. هذه هي معادلة الردع الجديدة التي فرضتها إيران على المنطقة: وجودكم في المنطقة لن يكون آمناً بعد اليوم. كل قاعدة أمريكية هي هدف ثابت. كل سفينة حربية في الخليج هي في مرمى النار. كل جندي أمريكي في المنطقة هو رهينة.
تقديرات استخباراتية أمريكية تعترف بأن إيران لا تزال تمتلك 50% إلى 70% من قدراتها الصاروخية بعد شهر من الحرب. هذا يعني أنها قادرة على مواصلة الضربات لشهور. كل صاروخ يضرب قاعدة أمريكية أو سفينة حربية أو منشأة نفطية خليجية هو رسالة واضحة: أنتم لستم آمنين هنا. وأنتم لن تكونوا آمنين ما دمتم هنا.
الخسائر الموثقة حتى الآن تقول الكثير:
· تدمير 11 طائرة مسيرة MQ-9 Reaper (بتكلفة 330 مليون دولار) · تدمير رادار منظومة "ثاد" في الأردن (بقيمة 300 مليون دولار) · استهداف 18 سفينة أمريكية · مقتل 8 جنود أمريكيين وإصابة 140-150 آخرين . إصابة طأئرة اف 35 هذه الأرقام، رغم أنها ليست كبيرة في سياق حرب كبرى، إلا أنها تمثل خسائر مؤلمة للجيش الأمريكي. فكل جندي مقتول هو فاجعة لعائلته، وكل سفينة مستهدفة هي ضربة للهيبة، وكل طائرة مسيرة مدمرة هي خسارة مالية كبيرة. والأهم من ذلك، أن هذه الخسائر تتراكم، ومع الوقت، تصبح كلفة الوجود في المنطقة أعلى من فوائده.
(17) إغلاق هرمز: ورقة الضغط الأكبر
لكن الورقة الأقوى في يد إيران هي القدرة على إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. هذا الإغلاق لا يؤثر فقط على إيران، بل يؤثر على:
· دول الخليج التي تعتمد على المضيق لتصدير نفطها · أوروبا واليابان والصين التي تعتمد على نفط الخليج · الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أصلاً من التضخم وارتفاع الأسعار
هذه الورقة تعطي إيران نفوذاً لا يمكن لأي دولة أخرى في المنطقة امتلاكه. فبينما تمتلك دول الخليج النفط، فإن إيران تمتلك الممر الذي يمر منه هذا النفط. وبينما تمتلك أمريكا القوة العسكرية، فإن إيران تمتلك القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي. هذا التوازن في نقاط الضعف هو ما يجعل الصراع متكافئاً، رغم التفاوت الهائل في القدرات العسكرية.
(18) الوقت: العامل الحاسم
وهذا يقودنا إلى النقطة الأكثر حسماً في هذه المعركة: الوقت.
أمريكا ودول الخليج تخوض حرب استنزاف سريعة: اقتصادها يعتمد على الاستهلاك والثقة والاستثمار الأجنبي. كل يوم يمر مع استمرار إغلاق هرمز هو خسارة بمليارات الدولارات، وكل يوم يمر مع استمرار الهجمات الصاروخية هو ضربة لصورة "القوة العظمى" التي لا تُقهر. أمريكا لا تستطيع تحمل حرب طويلة في الشرق الأوسط، خاصة مع اقتراب الانتخابات، ومع صعود الصين كمنافس عالمي، ومع التحديات الداخلية المتزايدة.
إيران تخوض حرب صمود طويلة: شعبها اعتاد الحصار والعقوبات على مدى أربعة عقود، واقتصادها يعتمد على الاكتفاء الذاتي والمقاومة، وأيديولوجيتها قائمة على الصمود في وجه الهيمنة. إيران لا تحتاج إلى أن تهزم أمريكا عسكرياً. كل ما تحتاجه هو أن تصمد أكثر مما تستطيع أمريكا أن تصمد. كل يوم يمر مع استمرار الحرب هو دليل على قدرتها على فرض إرادتها على أقوى دولة في العالم.
هذا هو جوهر المعركة: من يملك القدرة على الصمود لفترة أطول؟ هل هي أمريكا التي اعتادت الحروب الخاطفة والنصر السريع، أم هي إيران التي تعودت الحصار والمقاومة؟
الدروس المستفادة من أزمة هرمز
(19) الهشاشة المقنعة
أول درس من دروس أزمة هرمز هو أن الرفاهية الظاهرية لا تصمد أمام الأزمات الحقيقية. دبي كانت مثالاً صارخاً على هذه الهشاشة: واجهات زجاجية، وجزر صناعية، وأبراج تلامس السحاب، لكنها انهارت في أسابيع لأنها بنيت على رمال متحركة من الاستثمار الأجنبي والثقة.
هذا الدرس ليس خاصاً بدبي وحدها. إنه درس لكل من يظن أن الرفاهية يمكن أن تكون بديلاً عن القوة الذاتية، وأن الاستهلاك يمكن أن يكون بديلاً عن الإنتاج، وأن التبعية يمكن أن تكون بديلاً عن السيادة. في زمن الأزمات، لا قيمة للواجهات الزجاجية إذا لم تكن هناك قاعدة إنتاجية صلبة، ولا قيمة للجزر الصناعية إذا لم تكن هناك قدرة على الدفاع عنها.
(20) قوة الموقع الاستراتيجي
الدرس الثاني هو أن الموقع الاستراتيجي هو أقوى أسلحة الضعفاء. إيران، رغم أنها ليست قوة عظمى، ورغم أنها لا تمتلك أقوى جيش في المنطقة، استطاعت بموقعها على مضيق هرمز أن تهدد الاقتصاد العالمي، وترفع كلفة العدوان على دول الخليج، وتجعل أمريكا تتردد في التصعيد.
هذا الدرس يعيد تأكيد حقيقة قديمة: أن الجغرافيا قدر، وأن من يمتلك نقاط التحكم الاستراتيجية يمتلك نفوذاً لا يمكن إنكاره. ومضيق هرمز هو إحدى أهم هذه النقاط في العالم. ومن يسيطر عليه، أو حتى يهدد بالسيطرة عليه، يمتلك ورقة ضغط لا تقدر بثمن.
(21) الصمود أطول من القوة
الدرس الثالث، وهو الأهم، هو أن الصمود أطول من القوة. أمريكا تمتلك القوة العسكرية الأكبر في التاريخ، لكنها تفتقر إلى الصبر. إيران تمتلك الصبر الذي راكمته على مدى أربعة عقود من الحصار والعقوبات، وهذا الصبر قد يكون أقوى من كل القوة العسكرية الأمريكية.
في هذه المعركة، الرهان على من يمل أولاً. أمريكا تمل من الحروب الطويلة، كما ملت من فيتنام وأفغانستان والعراق. إيران لا تمل من المقاومة، لأن المقاومة بالنسبة لها ليست مجرد استراتيجية، بل هي أيديولوجيا، بل هي جزء من هويتها الوطنية.
(22) الشرق الأوسط الجديد: يولد من رحم الألم
وأخيراً، ما نشهده اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو جزء من ولادة شرق أوسط جديد. شرق أوسط لم تعد فيه أمريكا القوة المهيمنة الوحيدة، وشرق أوسط لم تعد فيه دول الخليج محميات آمنة تحت المظلة الأمريكية، وشرق أوسط تدرك فيه القوى الإقليمية أن أمنها واستقرارها لا يمكن أن يترك للآخرين.
هذا الشرق الأوسط الجديد يولد من رحم الألم. يولد من انهيار دبي، ومن توقف مشاريع الرؤية السعودية، ومن ارتفاع أسعار النفط، ومن استمرار إغلاق هرمز. لكنه يولد أيضاً من صمود إيران، ومن وعي شعوب المنطقة بأن مستقبلها بيدها، ومن إدراك القوى الإقليمية أن لا حل دون تفاهم وتحالف.
في الفصلين القادمين، سنرى كيف تتجلى هذه المعاني في انهيار "محميات الخليج" وتفكك الكيان الصهيوني، ثم في ختام الكتاب سنرسم ملامح النظام العالمي الجديد الذي يولد من رحم هذه الحرب.
لكن قبل أن نغادر هذا الفصل، لا بد أن نتوقف لحظة أمام مشهد مضيق هرمز، ذلك الممر الضيق الذي يمر منه ثلث نفط العالم، والذي أصبح اليوم ساحة معركة وجودية. إنه يذكرنا بأن الجغرافيا ليست مجرد خرائط صماء، بل هي قدر. وأن من يمتلك القدرة على تعطيل شريان الاقتصاد العالمي يمتلك القدرة على تغيير موازين القوى. وأن المستقبل، في النهاية، لمن يصمد، ولمن يمتلك الصبر، ولمن يمتلك الإرادة.
……..
الفصل الرابع
استراتيجية الصمود
كيف تواجه إنساناً يمتلك الوقت؟
…….
تمهيد: في فلسفة المقاومة
(1) عندما يصبح الوقت سلاحاً
في ساحات المعارك الكبرى، يعتقد المبتدئون أن السلاح الأقوى هو الأكثر تطوراً، والأكثر تدميراً، والأكثر ضجيجاً. يتوهمون أن الطائرات الأسرع من الصوت، والصواريخ العابرة للقارات، وحاملات الطائرات العملاقة، هي وحدها التي تحدد هوية المنتصر ومن يكون الخاسر. لكن أصحاب الخبرة العميقة في فنون الحرب، وأولئك الذين خاضوا معارك الاستنزاف الطويلة، يعرفون حقيقة مختلفة: أن السلاح الأقوى على الإطلاق هو الوقت.
الوقت، ذلك المارد الصامت الذي لا يبالي بضجيج المدافع ولا يتأثر بوهج الصواريخ، هو الذي يقرر في النهاية مصير الأمم. الوقت الذي يمر، بطيئاً كحركة السلحفاة في بعض الأحيان، وسريعاً كالبرق في أحيان أخرى، هو الذي يطحن الجيوش العابرة، ويهدم الإمبراطوريات المتغطرسة، ويقلب موازين القوى رأساً على عقب. فالذي يمتلك الوقت يمتلك المستقبل. والذي يمتلك القدرة على الانتظار، والصبر، والاحتمال، يمتلك في النهاية مفتاح النصر.
هذه حقيقة قديمة قدم الحروب نفسها. عرفها القائد القرطاجي حنبعل عندما جاب جبال الألب ليهاجم روما من قلبها، لكنه فشل في النهاية لأن روما امتلكت الوقت أكثر مما امتلك هو. وعرفها نابليون بونابرت عندما غزا روسيا، فوجد أن الشتاء الروسي والمساحات الشاسعة هما ألد أعدائه. وعرفها الأميركيون في فيتنام، عندما اكتشفوا أن شعباً يمتلك الصبر والإيمان يمكنه أن يهزم أقوى جيش في التاريخ. وعرفها السوفييت في أفغانستان، عندما غرقوا في مستنقع لا قرار له، ووجدوا أن المجاهدين الأفغان لا يملون أبداً.
واليوم، في معركة هرمز التي تشتعل في قلب الخليج، تعيد إيران اكتشاف هذه الحقيقة القديمة. تدرك القيادة الإيرانية، بوعي تاريخي عميق، أنها لا تستطيع مواجهة الجيش الأمريكي في معركة تقليدية. فالجيش الأمريكي هو الأقوى في تاريخ البشرية، من حيث الميزانية، والتسليح، والتكنولوجيا، والانتشار العالمي. مواجهته في معركة مباشرة ستكون انتحاراً. لكن إيران تمتلك شيئاً آخر: تمتلك الوقت. تمتلك القدرة على الصمود، والانتظار، واستنزاف الخصم حتى يصل إلى نقطة الانهيار.
(2) جينات الصمود: كيف تبنى ثقافة المقاومة؟
لكن الصمود ليس مجرد قرار يتخذ في لحظة، وليس مجرد استراتيجية عسكرية تُخطط في غرف العمليات. الصمود هو ثقافة، هو تراكم تاريخي، هو جينات تنتقل من جيل إلى جيل، هي أسلوب حياة قبل أن يكون أسلوب قتال.
إيران التي نراها اليوم تصمد في وجه أعظم إمبراطورية في العالم، لم تصل إلى هذا المستوى من الصمود بين ليلة وضحاها. إنها نتاج أربعة عقود من الحصار والعقوبات والتهديدات والحروب. أربعة عقود تعلم فيها الشعب الإيراني كيف يعيش تحت الضغط، كيف يواجه الصعاب، كيف يحول التحديات إلى فرص، كيف يجعل من العزلة قوة، ومن الحصار إبداعاً.
هذه الثقافة بدأت تتشكل في اللحظة الأولى للثورة الإسلامية عام 1979. فالثورة التي أطاحت بنظام الشاه، أحد أقوى حلفاء أمريكا في المنطقة، كانت في حد ذاتها تمريناً على الصمود. فقد واجهت الثورة في سنواتها الأولى أعنف الضغوط: حرب مفروضة من العراق استمرت ثماني سنوات، وحصار اقتصادي خانق، وعقوبات دولية متصاعدة، ومؤامرات داخلية وخارجية لا تعد ولا تحصى. لكن الشعب الإيراني، بدعم من قيادته الدينية، صمد. صمد رغم مئات الآلاف من القتلى، رغم تدمير المدن، رغم تفجير المصافي، رغم استهداف الناقلات، رغم كل شيء.
من هذه التجربة المريرة، ولدت ثقافة الصمود الإيرانية. ثقافة تقول إن العدو يمكن هزيمته ليس بالقوة العسكرية وحدها، بل بالصبر والتحمل والإيمان. ثقافة تقول إن الحصار يمكن تحويله إلى فرصة للاكتفاء الذاتي، والعقوبات يمكن تحويلها إلى حافز للتنمية الذاتية، والتهديدات يمكن تحويلها إلى دافع للوحدة الوطنية.
هذه الثقافة هي التي تفسر لماذا لم تنهار إيران تحت وطأة العقوبات الأمريكية القاسية، التي استهدفت كل قطاعات الاقتصاد: النفط، والبنوك، والتجارة، والصناعة. هذه الثقافة هي التي تفسر لماذا لم ينهزم الشعب الإيراني تحت وطأة الحرب النفسية التي شنها عليه أعداؤه لعقود. هذه الثقافة هي التي تجعل من إيران خصماً مختلفاً عن أي خصم واجهته أمريكا من قبل.
(3) الفرق بين الصمود والانهزام
ربما ينبغي هنا أن نتوقف لحظة عند مفهوم الصمود، لنميزه عن مفاهيم أخرى قد تختلط به في الأذهان. فالصمود ليس عناداً أحمق، وليس جموداً جامداً، وليس رفضاً للتغيير والتطور. الصمود هو قدرة على التكيف مع الظروف القاسية دون أن تفقد هويتك وأهدافك. هو القدرة على الانحناء كالقصب أمام العاصفة، ثم العودة إلى الانتصاب بعد أن تمر. هو القدرة على امتصاص الصدمات، وتحويلها إلى طاقة دافعة للمضي قدماً.
الفرق بين من يصمد ومن ينهزم ليس في شدة الضربة التي يتعرض لها، بل في طريقة التعامل معها. المنهزم هو من ينهار عند أول صدمة، أو يغير أهدافه ومعتقداته لمجرد مواجهة صعوبات. أما الصامد فهو من يظل ثابتاً على مبادئه، لكنه يغير الوسائل والأساليب لتحقيقها. المنهزم هو من يستسلم للعقوبات فيتخلى عن برنامجه النووي مثلاً. أما الصامد فهو من يطور برنامجه ليتجاوز العقوبات. المنهزم هو من يتراجع عند أول تهديد عسكري. أما الصامد فهو من يطور قدراته العسكرية لردع التهديد.
إيران، في تعاملها مع التحديات التي واجهتها على مدى أربعة عقود، قدمت نموذجاً راقياً في فن الصمود. لم تتراجع عن برنامجها النووي رغم الضغوط، بل طورته. لم تتخل عن حلفائها في المنطقة رغم التهديدات، بل عززت علاقاتها بهم. لم تتخل عن هويتها الثورية رغم محاولات التطبيع، بل جددت التزامها بمبادئها. لكنها في الوقت نفسه كانت مرنة في وسائلها: تفاوضت عندما رأت في التفاوض مصلحة، وهددت عندما رأت في التهديد ردعاً، واستخدمت القوة عندما اضطرت إليها.
هذه المرونة، المقترنة بالثبات على المبادئ، هي جوهر استراتيجية الصمود الإيرانية. وهي التي تجعل من إيران خصماً لا يمكن هزيمته بسهولة، لأنك لا تواجه دولة بقدرات محدودة، بل تواجه شعباً بأكمله، مؤمناً بقضيته، مستعداً للتضحية من أجلها، قادراً على تحمل أصعب الظروف.
…..
القسم الأول: معادلة الردع الجديدة
كيف تغيرت قواعد اللعبة في غرب آسيا ؟
(4) قبل 28 شباط: قواعد اللعبة القديمة
قبل الثامن والعشرين من شباط 2026، كانت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط تحكمها معادلة واضحة: أمريكا هي القوة المهيمنة، ولها القواعد العسكرية في كل مكان، ولها الأسطول الخامس في الخليج، ولها الحلفاء الذين يدفعون لها المليارات مقابل الحماية. وكانت إيران، رغم قوتها الإقليمية، تدرك أنها لا تستطيع تحدي هذه الهيمنة بشكل مباشر. لذلك، كانت تعمل من خلال وكلاء: حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والفصائل العراقية، وغيرها.
هذه المعادلة أعطت أمريكا شعوراً زائفاً بالأمان. اعتقدت واشنطن أن قواعدها العسكرية في المنطقة هي حصون منيعة، وأن أسطولها الخامس هو سيد البحار، وأن حلفاءها الخليجيين سيدفعون أي ثمن للحفاظ على هذه الحماية. لكن هذا الشعور بالأمان كان وهمياً، لأنه قام على افتراض خاطئ: أن إيران لن تجرؤ على مهاجمة القواعد الأمريكية مباشرة، وأن الصراع سيبقى بالوكالة.
هذا الافتراض كان خطأ فادحاً. فإيران، التي امتنعت عن المواجهة المباشرة لعقود، لم تكن تمتنع عن العجز، بل كانت تمتنع عن التوقيت غير المناسب. كانت تنتظر اللحظة المناسبة، اللحظة التي تكون فيها أمريكا في أضعف حالاتها، واللحظة التي تكون فيها الحرب مفروضة عليها لا مخيرة فيها. وفي 28 شباط 2026، جاءت اللحظة المناسبة.
(5) بعد 28 شباط: قواعد اللعبة الجديدة
بعد اغتيال القادة الإيرانيين، تغيرت قواعد اللعبة تماماً. إيران، التي كانت ترد بالوكالة، بدأت ترد مباشرة. قواعد أمريكا العسكرية في المنطقة، التي كانت تعتبر منيعة، أصبحت أهدافاً ثابتة. الأسطول الخامس، الذي كان يعتبر سيد الخليج، أصبح تحت النيران. دول الخليج، التي كانت تعتبر نفسها في مأمن بفضل المظلة الأمريكية، اكتشفت أن المظلة أصبحت تجذب النار لا تمنعها.
هذه القواعد الجديدة يمكن تلخيصها في معادلة بسيطة: وجودكم في المنطقة لن يكون آمناً بعد اليوم. كل قاعدة أمريكية هي هدف. كل جندي أمريكي هو رهينة. كل سفينة حربية في الخليج هي في مرمى النار. هذا هو مبدأ الردع الجديد الذي فرضته إيران على المنطقة.
هذا المبدأ ليس مجرد تهديد، بل هو واقع قائم. فمنذ بدء الحرب، استهدفت الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة أكثر من 18 سفينة أمريكية، ودمرت 11 طائرة مسيرة أمريكية من طراز MQ-9 Reaper (بتكلفة إجمالية 330 مليون دولار)، ودمرت رادار منظومة "ثاد" في الأردن (بقيمة 300 مليون دولار)، وأوقعت 8 قتلى أمريكيين وأكثر من 140 جريحاً.
هذه الأرقام، رغم أنها ليست ضخمة في سياق حرب كبرى، إلا أنها تمثل تحولاً نوعياً. فهي المرة الأولى منذ عقود التي تستهدف فيها القواعد الأمريكية بهذا الشكل المباشر والممنهج. وهي المرة الأولى التي يدفع فيها الجيش الأمريكي ثمناً بهذا الحجم في صراع مع إيران. وهي أيضاً المرة الأولى التي تظهر فيها أمريكا عاجزة عن حماية قواعدها وحلفائها رغم تفوقها العسكري الساحق.
(6) ماذا تعني معادلة الردع الجديدة؟
هذه المعادلة الجديدة لها تداعيات عميقة على مستقبل المنطقة والعالم. أولاً، تعني أن عصر "الحروب بالوكالة" قد انتهى، أو على الأقل تجاوزته التطورات. فإيران، التي كانت تخشى المواجهة المباشرة، أصبحت اليوم تخوضها بلا تردد. وهذا التغيير في السلوك الإيراني يعكس تغييراً في تقدير المخاطر: إيران تقول لأمريكا إنها لم تعد تخاف من حرب شاملة، وإنها مستعدة لدفع الثمن إذا اضطرت إليه.
ثانياً، تعني أن المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة قد انهارت. فدول الخليج، التي أنفقت تريليونات الدولارات على التسليح الأمريكي، واكتسبت قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، كانت تعتقد أن هذه القواعد ستكون دروعاً واقية. لكنها اكتشفت أنها أصبحت أهدافاً جاذبة للنار. واكتشفت أن أمريكا، بدلاً من أن تحميها، جرتها إلى حرب لا تريدها، وجعلتها هدفاً للانتقام الإيراني.
ثالثاً، تعني أن التكلفة الاستراتيجية للوجود الأمريكي في المنطقة أصبحت أعلى من فوائده. فقبل الحرب، كان الوجود الأمريكي في المنطقة يضمن تدفق النفط، ويحمي إسرائيل، ويردع إيران. اليوم، هذا الوجود أصبح مكلفاً: قواعد تُقصف، جنود يُقتلون، سفن تُستهدف، وصورة القوة العظمى تتآكل يومياً. وإذا استمر هذا الوضع، فإن أمريكا قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في وجودها العسكري في المنطقة بأكملها.
رابعاً، تعني أن إيران فرضت على أمريكا معادلة جديدة: إما أن تدفع ثمن الحرب باستمرار، وإما أن تنسحب. وهذه المعادلة تضع أمريكا في مأزق حقيقي. فالانسحاب يعني خسارة الهيبة والنفوذ، والبقاء يعني استمرار الخسائر. وهذا هو بالضبط ما أرادته إيران: أن تجعل من الوجود الأمريكي في المنطقة عبئاً لا يطاق.
القسم الثاني: القدرات الصاروخية الإيرانية
من استراتيجية الردع إلى استراتيجية الإيلام
(7) الترسانة الصاروخية: إنجاز وطني
عندما نتحدث عن قدرات إيران العسكرية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو ترسانتها الصاروخية. فهذه الترسانة، التي تعد الأكبر والأكثر تنوعاً في المنطقة، تمثل العمود الفقري لاستراتيجية الردع الإيرانية.
إيران بدأت برنامجها الصاروخي في ثمانينيات القرن العشرين، خلال الحرب مع العراق. في تلك الفترة، كانت إيران تعاني من نقص حاد في الأسلحة التقليدية بسبب الحصار الغربي، وكانت تتعرض لقصف مدفعي وجوي مكثف من الجانب العراقي. فكانت الصواريخ الباليستية وسيلة للردع، ولضرب الأهداف الاستراتيجية في العمق العراقي.
منذ ذلك الحين، تطور البرنامج الصاروخي الإيراني بشكل مذهل. من صواريخ قصيرة المدى لا تتجاوز 300 كيلومتر، إلى صواريخ متوسطة المدى تصل إلى 2000 كيلومتر، إلى صواريخ باليستية عابرة للقارات قيد التطوير. ومن صواريخ بدائية غير دقيقة، إلى صواريخ دقيقة التوجيه قادرة على ضرب أهداف محددة بفارق أمتار. ومن صواريخ أرض-أرض فقط، إلى صواريخ مضادة للسفن، وصواريخ كروز، وصواريخ جو-أرض، وصواريخ دفاع جوي.
هذا التطور لم يحدث بفضل شراء الأسلحة من الخارج (فالعقوبات حالت دون ذلك)، بل بفضل الإبداع المحلي. فالصناعات العسكرية الإيرانية استطاعت، رغم الحصار، أن تطور قدراتها بشكل مذهل، وأن تعتمد على الذات في تلبية احتياجاتها الدفاعية. وهذا الإنجاز هو مصدر فخر وطني للإيرانيين، وهو الذي جعلهم يشعرون بأنهم قادرون على مواجهة أي عدوان.
(8) ما بعد 28 شباط: الأداء في الميدان
لكن الأهم من امتلاك الترسانة هو الأداء في الميدان. فالصواريخ الإيرانية، التي تحدث عنها الجميع لسنوات، جاءت الاختبار العملي في هذه الحرب.
تقديرات استخباراتية أمريكية تعترف بأن إيران لا تزال تمتلك 50% إلى 70% من قدراتها الصاروخية بعد شهر من الحرب. هذا يعني أن إيران أطلقت حتى الآن ما بين 30% إلى 50% من مخزونها الصاروخي، ولم تتعرض قدراتها الإنتاجية لأضرار كبيرة، وأنها قادرة على مواصلة الضربات لشهور.
هذه التقديرات تتحدى الافتراضات الأمريكية التي كانت تقول إن الضربة الأولى ستقضي على جزء كبير من القدرات الصاروخية الإيرانية. فقد أثبتت إيران أنها تعلمت دروس الحروب السابقة، وأنها وزعت منصاتها الصاروخية في مواقع متعددة، وأنها حفرت أنفاقاً تحت الأرض لحمايتها، وأنها طورت صواريخ متنقلة يصعب تدميرها.
ولعل الأهم من الكم هو الجودة. فالصواريخ الإيرانية أثبتت دقتها العالية في ضرب الأهداف المحددة. فقد استهدفت قواعد عسكرية أمريكية محددة، ومنشآت نفطية سعودية معينة، وسفناً حربية أمريكية بعينها. وهذه الدقة العالية تشير إلى أن إيران تمتلك قدرات توجيه متطورة، وأنها قادرة على اختيار أهدافها بدقة متناهية.
هذه القدرة على الإيلام، مقترنة بالقدرة على الاستمرار، هي ما يشكل أساس استراتيجية الصمود الإيرانية. فإيران لا تحتاج إلى تدمير الجيش الأمريكي، ولا إلى احتلال القواعد الأمريكية، ولا إلى إغراق الأسطول الخامس. كل ما تحتاجه هو إلحاق خسائر متواصلة، معقولة ولكنها مؤلمة، تجعل من الوجود الأمريكي في المنطقة عبئاً لا يطاق.
(9) الصواريخ المضادة للسفن: تهديد وجودي للأسطول الخامس
من بين كل أسلحة إيران الصاروخية، تبرز الصواريخ المضادة للسفن باعتبارها الأكثر تهديداً للمصالح الأمريكية في المنطقة. فالأسطول الخامس الأمريكي، الذي يتمركز في البحرين، هو العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي في الخليج. وهو الذي يؤمن الملاحة في المضيق، ويحمي ناقلات النفط، ويدعم العمليات العسكرية في المنطقة.
إيران تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ المضادة للسفن، بعضها محلي الصنع، وبعضها مقتبس من صواريخ صينية وروسية. هذه الصواريخ تتراوح بين صواريخ كروز التي تطير على ارتفاع منخفض لتتجنب الرادارات، وصواريخ باليستية مضادة للسفن تسقط من علو شاهق بسرعة تفوق سرعة الصوت.
في الحرب الحالية، أثبتت هذه الصواريخ فعاليتها. فقد استهدفت 18 سفينة أمريكية، بعضها أصيب بشكل مباشر، والبعض الآخر تعرض لأضرار نتيجة شظايا الصواريخ التي اقتربت منه. هذه الضربات، رغم أنها لم تغرق أي سفينة أمريكية كبيرة حتى الآن، إلا أنها أحدثت تأثيراً نفسياً كبيراً. فالبحارة الأمريكيون، الذين كانوا يشعرون بالأمان في مياه الخليج، أصبحوا يعيشون في خوف دائم من صاروخ إيراني قد يأتي من أي اتجاه.
والأخطر من ذلك، أن إيران تمتلك صواريخ مضادة للسفن قادرة على الوصول إلى حاملات الطائرات الأمريكية. فحاملات الطائرات، رغم ضخامتها وقوتها، هي أهداف كبيرة وبطيئة نسبياً، ويمكن استهدافها بصواريخ مضادة للسفن متطورة. وإذا تمكنت إيران من إصابة أو حتى تهديد حاملة طائرات أمريكية، فإن ذلك سيكون ضربة قاصمة للهيبة الأمريكية، وقد يغير مجرى الحرب بأكملها.
القسم الثالث: إغلاق هرمز
فن استنزاف الإمبراطورية
(10) لماذا هرمز هو مفتاح المعركة؟
في كل حرب، هناك نقطة استراتيجية واحدة، إذا تمكن أحد الطرفين من السيطرة عليها أو تهديدها، فإنه يقلب موازين القوى لصالحه. في الحرب العالمية الثانية، كانت نقطة التحول هي معركة ستالينغراد. في حرب فيتنام، كانت نقطة التحول هي هجوم تيت. في الحرب على الإرهاب، كانت نقطة التحول هي الانسحاب من أفغانستان. وفي هذه الحرب، نقطة التحول هي مضيق هرمز.
لماذا هرمز تحديداً؟ لأنه الممر الوحيد لتصدير نفط الخليج، وثلث النفط العالمي يمر عبره. لأن دول الخليج، التي تقف إلى جانب أمريكا في هذه الحرب، تعتمد على هذا الممر لتصدير نفطها. لأن أمريكا وحلفاءها الأوروبيين والآسيويين يعتمدون على نفط الخليج لتشغيل اقتصاداتهم. لأن إغلاق هرمز يعني ضرب الاقتصاد العالمي في الصميم.
إيران أدركت هذه الحقيقة منذ عقود، واستعدت لها جيداً. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين، بدأت إيران بتطوير قدراتها البحرية في منطقة الخليج، وخاصة في مضيق هرمز. أنشأت قواعد للزوارق السريعة على طول الساحل الإيراني، وحفرت أنفاقاً تحت الماء لإخفاء الصواريخ والألغام، ونشرت ألغاماً بحرية في الممرات الملاحية، وطورت صواريخ مضادة للسفن متطورة، وأقامت شبكة رادارات ومراقبة متكاملة.
كل هذه الإعدادات كانت تهدف إلى لحظة واحدة: لحظة الحاجة إلى إغلاق المضيق. وفي 28 شباط 2026، جاءت تلك اللحظة. فبعد ساعات من اغتيال القادة الإيرانيين، أعلنت طهران إغلاق المضيق، وبدأت في تنفيذ الإغلاق فوراً.
(11) كيف يتم إغلاق مضيق هرمز؟
إغلاق مضيق هرمز ليس عملية بسيطة، بل هي خطة معقدة متعددة المستويات، أعدتها إيران بدقة على مدى سنوات.
المستوى الأول: الألغام البحرية. بدأت إيران بنشر الألغام البحرية في الممرات الملاحية الرئيسية. هذه الألغام، التي تتراوح بين الألغام اللاصقة التي تلتصق بهياكل السفن، والألغام المغناطيسية التي تنفجر عند مرور سفينة من نوع معين، والألغام الصوتية التي تستجيب لصوت المحركات، تجعل من المستحيل على أي سفينة المرور دون مخاطرة كبيرة.
المستوى الثاني: الزوارق السريعة. نشر الحرس الثوري الإيراني العشرات من الزوارق السريعة المسلحة بالصواريخ والمدافع، في مواقع استراتيجية على طول المضيق. هذه الزوارق، التي تتمتع بسرعة عالية وقدرة على المناورة، يمكنها اعتراض أي سفينة تحاول المرور، واستهدافها بالصواريخ أو المدافع.
المستوى الثالث: الصواريخ الباليستية المضادة للسفن. إيران تمتلك صواريخ باليستية متطورة مضادة للسفن، يمكنها ضرب أي هدف بحري في الخليج من مسافات بعيدة. هذه الصواريخ، التي تسقط بسرعة تفوق سرعة الصوت، يصعب اعتراضها، ويمكنها إغراق السفن الكبيرة.
المستوى الرابع: الطائرات المسيرة. تستخدم إيران طائرات مسيرة للمراقبة وجمع المعلومات عن تحركات السفن الحربية الأمريكية والتجارية. هذه الطائرات تعمل على مدار الساعة، وترسل صوراً وفيديوهات فورية إلى غرف العمليات الإيرانية.
المستوى الخامس: الإجراءات القانونية. إيران أعلنت أن المضيق منطقة حرب، وأن أي سفينة تدخله تفعل ذلك على مسؤوليتها الخاصة. هذا الإعلان له آثار قانونية وتأمينية، حيث أن شركات التأمين ترفض تأمين السفن التي تدخل مناطق حرب، مما يجعل المرور مستحيلاً عملياً.
هذه المستويات الخمسة تجعل من إغلاق المضيق حقيقة قائمة، وليس مجرد تهديد. فمنذ بدء الحرب، لم تمر أي ناقلة نفط عبر المضيق. السفن التي كانت في الخليج بقيت في الموانئ، والسفن التي كانت في طريقها إلى الخليج توقفت أو تحولت إلى مسارات بديلة، والسفن التي كانت عابرة انتظرت في عرض البحر.
(12) تأمين النفط: هل من بديل؟
السؤال الذي يطرح نفسه: هل هناك بديل لمضيق هرمز؟ هل يمكن تصدير نفط الخليج عبر طرق أخرى؟ الجواب: نعم، لكن بتكاليف كبيرة وقدرات محدودة.
الطريق الأول: خطوط الأنابيب. هناك خطوط أنابيب لنقل النفط من الخليج إلى البحر الأحمر أو البحر المتوسط. خط أنابيب شرق-غرب في السعودية ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر. وخط أنابيب حبشان-الفجيرة في الإمارات ينقل النفط إلى الفجيرة على خليج عمان، خارج هرمز. لكن قدرة هذه الخطوط محدودة، ولا تستطيع تعويض الإغلاق الكامل للخليج.
الطريق الثاني: موانئ البحر الأحمر. يمكن تصدير النفط من موانئ البحر الأحمر مثل ينبع في السعودية، والسخنة في مصر. لكن هذه الموانئ تحتاج إلى خطوط أنابيب لنقل النفط إليها، وقدرتها محدودة مقارنة بموانئ الخليج.
الطريق الثالث: النقل البري. يمكن نقل النفط براً عبر الشاحنات، لكن هذه الطريقة مكلفة جداً، وقدرتها محدودة جداً، ولا تصلح إلا لكميات ضئيلة.
الخلاصة: لا يوجد بديل حقيقي لمضيق هرمز. أي إغلاق طويل للمضيق سيعني تعطيلاً كبيراً لصادرات النفط الخليجية، وارتفاعاً حاداً في أسعار النفط، وصدمة للاقتصاد العالمي.
(13) التأثير على دول الخليج: من الرفاهية إلى الانهيار
بالنسبة لدول الخليج، إغلاق مضيق هرمز هو كارثة وجودية. فهذه الدول تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط. النفط يشكل أكثر من 80% من إيرادات السعودية، وأكثر من 50% من إيرادات الإمارات، وأكثر من 90% من إيرادات الكويت وقطر.
عندما توقف تصدير النفط بسبب إغلاق المضيق، بدأت هذه الدول تواجه أزمة مالية حادة. الإيرادات انخفضت بشكل كبير، والعجز في الميزانية تضخم، والاحتياطيات الأجنبية بدأت تنضب. وفي الوقت نفسه، زادت النفقات العسكرية بسبب الحرب، وزادت تكاليف التأمين على الشحن، وزادت أسعار السلع المستوردة بسبب ارتفاع تكاليف النقل.
هذه الأزمة المالية سرعان ما تحولت إلى أزمة اجتماعية. فدول الخليج، التي اعتادت شعوبها على الرفاهية والخدمات المجانية، بدأت تشهد تراجعاً في هذه الخدمات. الدعم عن السلع الأساسية بدأ يتراجع، وفرص العمل بدأت تقل، والبطالة بدأت ترتفع، والأسعار بدأت تتصاعد.
هذه الأزمة الاجتماعية بدورها تحولت إلى أزمة سياسية. فالمواطن الخليجي، الذي كان راضياً عن نظامه السياسي لأنه وفر له الرفاهية، بدأ يتساءل: لماذا ندفع ثمن حروب لا نريدها؟ لماذا نخسر استثماراتنا ونفقد وظائفنا من أجل صراع إقليمي ليس لنا فيه مصلحة حقيقية؟ لماذا نحمي أمريكا بينما أمريكا تحمي إسرائيل على حسابنا؟
هذه الأسئلة، التي كانت محظورة في الماضي، بدأت تخرج إلى العلن. وتلك هي أخطر تداعيات إغلاق هرمز: إنها تهدد الاستقرار الداخلي لدول الخليج، وتخلق شرخاً عميقاً بين النظام والشعب، وقد تؤدي في النهاية إلى تغييرات سياسية جذرية.
القسم الرابع: الوقت
السلاح السري للمقاومة
(14) من يملك الوقت يملك المستقبل
في تحليل أي صراع، هناك ثلاثة عناصر أساسية تحدد نتيجته: القوة، والإرادة، والوقت. القوة وحدها لا تكفي، لأن القوة العظمى قد تُهزم إذا افتقرت إلى الإرادة. والإرادة وحدها لا تكفي، لأن الإرادة القوية قد تُحطم إذا لم تجد القوة الكافية لتحقيقها. لكن الوقت، إذا امتلكه أحد الطرفين، يمكنه أن يعوض نقص القوة أو نقص الإرادة، أو كليهما معاً.
في هذه الحرب، أمريكا تمتلك القوة العظمى، وإيران تمتلك الإرادة القوية. لكن من يملك الوقت؟ هذا هو السؤال الحاسم.
أمريكا لا تملك الوقت. أمريكا تخوض حرباً في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه تواجه تحديات متعددة: صعود الصين كمنافس عالمي، وتحديات روسيا في أوكرانيا، وأزمة الديون المتراكمة، وانقسامات داخلية حادة، وانتخابات على الأبواب. كل هذه التحديات تجعل من المستحيل على أمريكا أن تتحمل حرباً طويلة في الشرق الأوسط. هي تحتاج إلى حرب سريعة، تحسم في أسابيع، ولا تكلف الكثير من الأرواح والأموال. وإذا طالت الحرب، فإن أمريكا ستضطر إلى الانسحاب، ليس لأنها لا تستطيع الاستمرار، بل لأن الاستمرار سيكلفها أكثر مما يمكنها تحمله.
إيران تملك الوقت. إيران، على النقيض من ذلك، تعودت على الحصار والعقوبات. لديها خبرة أربعة عقود في التعامل مع الأزمات. اقتصادها، رغم العقوبات، استطاع أن يصمد وأن يطور قدراته. شعبها، رغم الصعوبات، بقي متماسكاً حول قيادته. إيران لا تحتاج إلى نصر سريع. كل ما تحتاجه هو ألا تخسر. كل ما تحتاجه هو أن تصمد حتى يمل الخصم، حتى تنهار قدرته على الاستمرار، حتى يصبح الانسحاب هو الخيار الوحيد.
هذه هي معادلة الصمود: من يملك القدرة على الانتظار يملك القدرة على النصر. ومن يملك الصبر على الألم يملك مفتاح المستقبل. ومن يملك الوقت في جعبته يملك كل شيء.
(15) استنزاف الإمبراطورية: كيف تطحن الحروب الطويلة القوى العظمى؟
التاريخ يعلمنا أن القوى العظمى لا تُهزم عادة في معركة واحدة، بل تُطحن في حروب طويلة تستنزفها. هذا ما حدث لروما في حروبها مع الجرمان، وهذا ما حدث لبريطانيا في حرب الاستقلال الأمريكية، وهذا ما حدث لأمريكا في فيتنام، وهذا ما حدث للاتحاد السوفيتي في أفغانستان.
في كل هذه الحالات، كانت القوة العظمى تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً. كانت تمتلك الطائرات والدبابات والسفن الحربية والأسلحة المتطورة. لكنها في النهاية انهزمت، ليس لأن العدو كان أقوى، بل لأن العدو كان أكثر صبراً، وأكثر قدرة على تحمل الخسائر، وأكثر استعداداً لاستمرار الحرب.
الحروب الطويلة تستنزف القوى العظمى بطرق متعددة. أولاً، تستنزف اقتصادها. فالحروب مكلفة، والاقتصاد الأمريكي، رغم قوته، ليس بلا حدود. الديون تتراكم، والعجز يتسع، والموارد التي كانت ستخصص للتنمية الداخلية تذهب إلى المجهود الحربي.
ثانياً، تستنزف معنوياتها. الجنود الأمريكيون، الذين اعتادوا الحروب الخاطفة، لا يتحملون حروباً طويلة بلا أفق واضح. الخسائر البشرية، حتى لو كانت محدودة، تترك آثاراً نفسية عميقة. والإعلام الأمريكي، الذي يبدأ متحمساً للحرب، سرعان ما يتحول إلى ناقد لها عندما تطول.
ثالثاً، تستنزف شرعيتها. الحروب الطويلة تضعف الدعم الشعبي، وتثير الاحتجاجات، وتقوض ثقة العالم في القوة العظمى. فكل يوم تمر فيه الحرب، وصورة أمريكا كحامية للحرية والديمقراطية تتآكل، وتحل محلها صورة أمريكا كقوة عدوانية ترهق العالم بحروبها.
(16) استمرار: آلة طحن القوى العظمى
...هذه هي آلة طحن القوى العظمى. وهي آلة تعمل ببطء، لكنها لا تتوقف. ومع كل يوم تمر فيه الحرب، تزداد الخسائر الأمريكية، ويقل الدعم الشعبي، وتتآكل الشرعية الدولية، ويصبح الانسحاب أكثر إلحاحاً. وهذه هي نقطة قوة إيران: أنها لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا في ساحة المعركة، بل تحتاج فقط إلى إبقائها في ساحة المعركة حتى تطحنها الآلة التي صنعتها بنفسها.
هذه الآلة لها أجزاء متعددة، كل جزء منها يعمل بتآزر مع الآخر ليؤدي وظيفته في طحن الإمبراطورية. الجزء الأول: آلة الخسائر البشرية. كل جندي أمريكي يقتل في هذه الحرب هو فاجعة لعائلته، وهو خبر ينتشر في وسائل الإعلام، وهو سؤال يطرح في الكونغرس، وهو نقطة تضاف إلى عمود الخسائر. الجيش الأمريكي، الذي اعتاد على حروب سريعة بخسائر محدودة، لا يتحمل حرب استنزاف تزيد فيها الخسائر يوماً بعد يوم. والرأي العام الأمريكي، الذي بدأ متحمساً للحرب في أيامها الأولى، سرعان ما يتحول إلى ناقد لها عندما تبدأ التوابيت في العودة إلى الوطن.
الجزء الثاني: آلة التكاليف المالية. كل صاروخ يطلق في هذه الحرب يكلف المليارات. كل يوم تمر فيه الحرب يكلف المليارات. كل طائرة مسيرة تُسقط، وكل سفينة تُستهدف، وكل قاعدة تُقصف، كل ذلك يضاف إلى فاتورة الحرب التي تتصاعد بسرعة. والاقتصاد الأمريكي، الذي يعاني أصلاً من ديون هائلة وعجز متزايد، لا يستطيع تحمل حرب طويلة دون أن تنعكس تكاليفها على المواطن الأمريكي في شكل تضخم وضرائب وتراجع في الخدمات.
الجزء الثالث: آلة الاستنزاف السياسي. الحرب الطويلة تستنزف الدعم السياسي للرئيس الأمريكي. فمع استمرار الحرب، يبدأ الحزب المعارض في مهاجمته، ويبدأ الإعلام في تسليط الضوء على أخطائه، ويبدأ الناخبون في معاقبته في صناديق الاقتراع. ترامب، الذي راهن على أن الحرب ستكون قصيرة ومربحة، يجد نفسه اليوم في موقف دفاعي، يشرح للناخبين لماذا استمرت الحرب أكثر مما وعد، ولماذا ارتفعت الأسعار أكثر مما توقعوا، ولماذا لا يزال الجنود يموتون في أرض بعيدة لا يعرفون عنها شيئاً.
الجزء الرابع: آلة تآكل الشرعية الدولية. مع كل يوم تمر فيه الحرب، تتآكل الشرعية الدولية لأمريكا. فالدول التي كانت تدعم الحرب في البداية تبدأ في الابتعاد، والمنظمات الدولية التي كانت تصمت تبدأ في الانتقاد، والرأي العام العالمي الذي كان منقسماً يبدأ في التوجّه ضد أمريكا. صورة أمريكا كحامية للحرية والديمقراطية تتآكل، وتحل محلها صورة أمريكا كقوة عدوانية ترهق العالم بحروبها وتقتل المدنيين وتنتهك القانون الدولي.
هذه الآلة الرباعية هي التي ستطحن أمريكا إذا استمرت الحرب. وهي آلة لا تحتاج إيران إلى تشغيلها، بل أمريكا هي التي تشغلها بنفسها ببقائها في الحرب. كل يوم تبقى فيه أمريكا في ساحة المعركة هو يوم تعمل فيه هذه الآلة ضدها. وكل يوم تمر فيه الحرب هو يوم تقترب فيه من نقطة الانهيار.
(17) صبر أيوب: كيف تبني الشعوب قدرتها على التحمل؟
لكن الحديث عن آلة طحن القوى العظمى لا يكتمل دون الحديث عن الجانب الآخر: جانب قدرة الشعوب على التحمل. فآلة الطحن لا تعمل وحدها، بل تحتاج إلى طرف آخر يتحمل الطحن. وهذا الطرف هو الشعب الإيراني، الذي أثبت على مدى أربعة عقود قدرة فائقة على التحمل.
الشعب الإيراني، في هذه الحرب، يقدم نموذجاً نادراً في الصبر والثبات. فالحرب ليست جديدة على إيران. لقد عاش الإيرانيون حرباً دموية مع العراق استمرت ثماني سنوات، وخاضوا حرب استنزاف مع أمريكا في الخليج، وعاشوا تحت أقسى العقوبات الاقتصادية في التاريخ، وواجهوا اغتيالات علمائه وقادته، ومؤامرات داخلية وخارجية لا تعد ولا تحصى. كل هذه التجارب علمت الإيرانيين درساً واحداً: كيف يصمدون.
صبر الإيرانيين ليس صبراً سلبياً، بل هو صبر فعال. هو صبر يتحول إلى إبداع في مواجهة الحصار: فالعقوبات التي كانت تهدف إلى شل الاقتصاد الإيراني تحولت إلى حافز للاكتفاء الذاتي. الصناعات العسكرية الإيرانية، التي كانت تعتمد على قطع الغيار المستوردة، أصبحت تصنع كل شيء محلياً. الصناعات الدوائية، التي كانت تعتمد على المواد الأولية المستوردة، أصبحت تنتج 97% من احتياجاتها بنفسها. الزراعة الإيرانية، التي كانت تعتمد على استيراد القمح، أصبحت مكتفية ذاتياً في كثير من المحاصيل.
هذا التحول من التبعية إلى الاكتفاء الذاتي هو أعظم إنجاز للصمود الإيراني. فالحصار الذي كان يهدف إلى تجويع الإيرانيين وإرهاقهم، تحول إلى فرصة لبناء اقتصاد مقاوم قادر على الصمود في وجه أصغر العواصف. وهذه هي المفارقة العظمى: أن العقوبات الأمريكية، التي كانت تهدف إلى إضعاف إيران، جعلتها أقوى. وأن الحصار، الذي كان يهدف إلى عزلتها، جعلها أكثر اعتماداً على الذات. وأن الحرب، التي كانت تهدف إلى تدميرها، جعلها أكثر صلابة.
صبر الإيرانيين أيضاً هو صبر أيديولوجي. فالثورة الإسلامية لم تكن مجرد تغيير نظام حكم، بل كانت تحولاً في الوعي. لقد زرعت في الإيرانيين قيماً جديدة: قيمة الاستشهاد، وقيمة المقاومة، وقيمة التضحية من أجل القضية. هذه القيم، التي قد تبدو غريبة على العقل الغربي، هي التي تفسر لماذا يقبل الإيرانيون بالصبر على المشقة، ولماذا يصرون على موقفهم رغم كل الضغوط.
المرشد الأعلى الجديد لإيران، في خطابه الأول بعد اغتيال سلفه، قال كلمة لخصت هذه الفلسفة: "نحن شعب لا يعرف الاستسلام. نحن من صنعنا النصر في八年 حرب، ونحن من سنصنع النصر في هذه الحرب. العدو يملك الصواريخ والطائرات، ونحن نملك الإيمان والصبر. وإيماننا أقوى من صواريخهم، وصبرنا أطول من حربهم".
هذه الكلمات ليست مجرد شعارات، بل هي تعبير عن حقيقة عميقة: أن المعركة بين أمريكا وإيران ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي معركة إرادات. ومن يمتلك الإرادة الأقوى، ومن يمتلك القدرة على الصبر الأطول، هو من سينتصر في النهاية.
القسم الخامس: الأبعاد النفسية للصمود
كيف تنتصر الإرادة على القوة؟
(18) علم النفس الجماعي: لماذا تزداد الشعوب صلابة تحت الضغط؟
لطالما تساءل علماء النفس وعلماء الاجتماع عن ظاهرة غريبة: لماذا تزداد بعض الشعوب صلابة وتماسكاً تحت الضغط، بينما تنهار شعوب أخرى عند أول اختبار؟ لماذا تخرج بعض المجتمعات من الحروب أقوى مما دخلتها، بينما تخرج مجتمعات أخرى مدمرة ومفككة؟
الإجابة على هذا السؤال تكمن في ما يسمى "علم النفس الجماعي". فالمجتمعات التي تمتلك هوية قوية، وروابط اجتماعية متينة، وقيماً مشتركة، وقيادة موثوقة، تكون أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وعندما تتعرض لهجوم خارجي، فإن هذه الروابط تزداد قوة، وتتحد الجماعات المتفرقة حول هدف واحد، وتختفي الخلافات الداخلية مؤقتاً لمواجهة العدو المشترك.
هذا ما حدث في إيران بعد 28 شباط. فقبل الاغتيال، كان هناك احتجاجات وانتقادات داخلية، وكان هناك انقسام بين الإصلاحيين والمحافظين، وكان هناك إحباط من الأوضاع الاقتصادية الصعبة. لكن بعد الاغتيال، تلاشت كل هذه الانقسامات. الإصلاحيون وقفوا مع المحافظين، والمدن التي كانت تشهد احتجاجات خرجت في مظاهرات تأييد للنظام، والشعب الذي كان ينتقد قادته صف خلفهم.
هذه الظاهرة ليست جديدة. لقد رأيناها في أمريكا بعد 11 سبتمبر، حيث تلاشت الانقسامات الحزبية ووقف الشعب خلف رئيسه. ورأيناها في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث اتحد الشعب حول ونستون تشرشل. ورأيناها في فلسطين تحت الاحتلال، حيث تزداد الوحدة الوطنية كلما زادت قسوة الاحتلال.
لكن هذه الظاهرة لها شروطها. فهي لا تحدث تلقائياً، بل تحتاج إلى قيادة قادرة على استثمار اللحظة، وإلى خطاب قادر على توحيد الشعب، وإلى مؤسسات قادرة على إدارة الأزمة. في إيران، توفرت هذه الشروط. القيادة الدينية استطاعت أن تقدم لنفسها كرمز للصمود، والخطاب الثوري استطاع أن يحشد المشاعر الوطنية والدينية، والمؤسسات (الحرس الثوري، والمؤسسات الدينية، والإعلام الرسمي) استطاعت أن تنظم الجهد الجماعي.
(19) القيادة والكاريزما: دور المرشد الجديد في توحيد الصف
لا يمكن الحديث عن الصمود الإيراني دون الحديث عن دور القيادة. ففي اللحظات الحرجة، يصبح القائد هو رمز الأمة، وهو مرآة تعكس إرادتها، وهو الصوت الذي يعبر عن صمتها.
المرشد الجديد لإيران، الذي خلف علي خامنئي بعد اغتياله، أظهر في الأيام الأولى للحرب قدرة قيادية فائقة. ففي خطابه الأول، الذي ألقاه بعد ساعات من الاغتيال، تمكن من تحقيق ثلاثة أهداف كبيرة.
الهدف الأول: احتواء الصدمة. بدأ خطابه بالحديث عن الشهداء، ورفعهم إلى مصاف القدوة والأبطال. هذا التحويل للخسارة إلى مصدر فخر وإلهام هو من أقدم فنون القيادة، وهو ما فعله القادة العظماء عبر التاريخ. فبدلاً من أن تغرق الأمة في الحزن والعجز، جعلها تفخر بشهدائها وتستلهم منهم قوة الاستمرار.
الهدف الثاني: توحيد الصف. تحدث المرشد عن الوحدة الوطنية، وأشاد بكل من ساهم في بناء إيران، من إصلاحيين ومحافظين، من مدنيين وعسكريين، من فقراء وأغنياء. هذه الرسالة كانت موجهة إلى الداخل، لتقول للجميع: هذه حربنا جميعاً، وهذه إيراننا جميعاً، والدفاع عنها واجب على الجميع.
الهدف الثالث: تحديد مسار الرد. في الخطاب نفسه، أعلن المرشد أن الرد قادم، لكنه لم يحدد متى وكيف. هذا الغموض كان مقصوداً، ليترك العدو في حالة ترقب وقلق، وليعطي للقادة العسكريين حرية اختيار التوقيت والأسلوب المناسبين.
في الأيام التالية، واصل المرشد الجديد دوره القيادي. زار الجرحى في المستشفيات، وتفقد القواعد العسكرية، وألقى خطابات متلفزة متكررة، وظهر في وسائل الإعلام الدولية ليوصل رسالة إيران إلى العالم. هذا الحضور القيادي الكثيف كان له أثر كبير في رفع معنويات الشعب الإيراني، وفي توحيد الصفوف خلف القيادة.
(20) الإعلام الحربي: صناعة الأمل في زمن اليأس
العنصر الثالث في البنية النفسية للصمود الإيراني هو الإعلام الحربي. فالحرب، كما قال الفيلسوف الصيني صن تزو، هي "فن الخداع". والإعلام هو أحد أهم أدوات هذا الفن.
إيران، في هذه الحرب، أظهرت قدرة فائقة على إدارة الإعلام الحربي. فمنذ الأيام الأولى، اعتمدت استراتيجية إعلامية متكاملة، تقوم على ثلاثة أركان.
الركن الأول: الشفافية في الخسائر. على عكس كثير من الدول التي تخفي خسائرها في الحروب، تبنت إيران سياسة الشفافية في الإعلان عن خسائرها. فكل شهيد كان يُعلن عنه باسمه، وكل ضربة كانت تُعلن عنها بتفاصيلها. هذه الشفافية أعطت الشعب الإيراني شعوراً بالثقة في قيادته، وأظهرت أن القيادة لا تخشى قول الحقيقة لشعبها.
الركن الثاني: تضخيم الإنجازات. في مقابل الشفافية في الخسائر، كانت إيران تضخم إنجازاتها العسكرية. كل صاروخ يصيب هدفه كان يُعرض على شاشات التلفزيون، وكل طائرة مسيرة تُسقط كانت تُعرض على الملأ، وكل سفينة تستهدف كانت صورتها تملأ الشاشات. هذا التضخيم كان يهدف إلى رفع معنويات الشعب، وإظهار أن الجيش الإيراني قادر على الرد رغم التفاوت في القوة.
الركن الثالث: صناعة الأمل. ربما كان هذا هو أهم أركان الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية. ففي كل خطاب، وفي كل نشرة أخبار، وفي كل برنامج، كان هناك تركيز على أن النصر قادم، وأن الصمود سيثمر، وأن التضحيات لن تذهب هدراً. هذه الرسائل كانت تهدف إلى صناعة الأمل في زمن اليأس، وإلى إعطاء الشعب سبباً للاستمرار.
هذه الاستراتيجية الإعلامية حققت نجاحاً كبيراً. فالشعب الإيراني، رغم كل الصعاب التي يواجهها (ارتفاع الأسعار، توقف الكثير من الأنشطة الاقتصادية، الخوف من القصف)، بقي متماسكاً، وبقي داعماً لقيادته، وبقي مؤمناً بأن النصر في النهاية سيكون له.
القسم السادس: حدود الصمود
متى يتحول الصبر إلى ضعف؟
(21) نقطة التحول: متى ينكسر الصمود؟
لكن لا صمود بلا حدود. فكل شعب، وكل جيش، وكل قيادة، لها نقطة تحول، نقطة يتحول فيها الصبر إلى ضعف، والصمود إلى انهيار. السؤال الحاسم في هذه الحرب هو: متى تصل إيران إلى نقطة التحول هذه؟ وما هي العوامل التي قد تؤدي إلى انهيار صمودها؟
هناك ثلاثة عوامل رئيسية قد تؤدي إلى انهيار الصمود الإيراني:
العامل الأول: الخسائر البشرية المفرطة. الشعب الإيراني مستعد للتضحية، لكن لكل شعب حداً للتضحيات. إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، وارتفعت الخسائر البشرية بشكل كبير، فقد يبدأ الصبر في النفاد. وقد يبدأ السؤال في الظهور: لماذا نستمر في دفع هذا الثمن؟ هل النصر الذي نسعى إليه يستحق كل هذه التضحيات؟
العامل الثاني: الانهيار الاقتصادي الكامل. رغم قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود في وجه العقوبات، إلا أن للحرب تكاليفها. فالحرب توقف الكثير من الأنشطة الاقتصادية، وتدمر البنية التحتية، وتستهلك الموارد. إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فقد يصل الاقتصاد الإيراني إلى نقطة الانهيار، حيث لا تستطيع الدولة توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
العامل الثالث: الانقسامات الداخلية. رغم الوحدة الوطنية التي تحققت بعد الاغتيال، إلا أن الانقسامات الداخلية في إيران لم تختف تماماً. فهناك انقسامات بين الإصلاحيين والمحافظين، وبين العلمانيين والمتدينين، وبين الأكراد والعرب والبلوش وغيرهم من الأقليات. إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، وقد تظهر هذه الانقسامات مجدداً، خاصة إذا شعرت بعض الأطراف بأنها تدفع ثمناً غير متناسب.
هذه العوامل الثلاثة هي التي تحدد قدرة إيران على الصمود. وهي التي ستقرر متى تصل الحرب إلى نقطة التحول.
(22) العامل الأول: الخسائر البشرية والحدود النفسية
من بين العوامل الثلاثة، ربما يكون عامل الخسائر البشرية هو الأكثر حساسية. فالشعور بالخسارة هو أمر شخصي وعاطفي، لا يمكن حسابه بالأرقام فقط. فكل عائلة تفقد ابناً لها هي عائلة تعاني، وكل حي يفقد عدداً من أبنائه هو حي يحزن، وكل مدينة تفقد عدداً من شبابها هي مدينة تتألم.
في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، قُتل مئات الآلاف من الإيرانيين. ومع ذلك، صمد الشعب الإيراني، بل خرج من الحرب أقوى مما دخلها. فهل يمكن تكرار هذا الصمود اليوم؟ الجواب: نعم، لكن بشروط.
الشرط الأول: أن يشعر الشعب بأن التضحيات تذهب في سبيل قضية عادلة. ففي الثمانينيات، كان الإيرانيون يقاتلون دفاعاً عن وطنهم ضد عدوان صدام حسين المدعوم من الغرب. وكانت القضية واضحة: الدفاع عن الأرض والعرض والدين. اليوم، القضية أيضاً واضحة: الدفاع عن السيادة الوطنية ضد عدوان أمريكي إسرائيلي.
الشرط الثاني: أن يشعر الشعب بأن القيادة تشاركه التضحية. في الثمانينيات، كان القادة الإيرانيون في مقدمة الجبهات، وكان أبناء القيادة في الخنادق. هذا الشعور بأن القيادة لا تطلب من الشعب ما لا تطلبه من نفسها كان عاملاً أساسياً في استمرار الصمود. اليوم، القيادة الإيرانية الجديدة تواصل هذا التقليد: أبناء القادة في الجبهات، والمرشد يزور الجرحى، والوزراء يتفقدون المناطق المتضررة.
الشرط الثالث: أن يكون هناك أفق للنصر. لا يمكن لأي شعب أن يصمد إلى ما لا نهاية دون أن يرى بارقة أمل، دون أن يشعر أن التضحيات ستثمر في النهاية. في الثمانينيات، كان أفق النصر هو وقف العدوان واستعادة الأراضي المحتلة. اليوم، أفق النصر هو رفع الحصار عن إيران، ووقف التهديدات الأمريكية، واستعادة الردع الإقليمي.
إذا توفرت هذه الشروط، فإن الشعب الإيراني قادر على تحمل خسائر أكبر بكثير مما تكبده حتى الآن. فالذاكرة الجمعية للإيرانيين ما زالت تحتفظ بتجربة الحرب الطويلة، وما زالت تحتفظ بفخر النصر في تلك الحرب. وهذه الذاكرة هي وقود الصمود اليوم.
(23) العامل الثاني: الانهيار الاقتصادي والحدود المادية
أما العامل الثاني، وهو الانهيار الاقتصادي، فهو أكثر موضوعية وأقل تأثراً بالعواطف. فالحرب تستهلك الموارد، وتدمر البنية التحتية، وتعطل الأنشطة الاقتصادية. وإذا استمرت لفترة طويلة، فقد تصل إلى نقطة لا تستطيع فيها الدولة توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
الاقتصاد الإيراني، كما ذكرنا، استطاع الصمود في وجه العقوبات لسنوات طويلة. وقد طور آليات للتكيف مع الظروف القاسية: اقتصاد مقاوم يعتمد على الاكتفاء الذاتي، وقطاع غير رسمي كبير، وشبكة أمان اجتماعي (مثل مؤسسة الشهداء ومؤسسة المحرومين) تساعد الفئات الأكثر تضرراً.
لكن للحرب تأثيرات مختلفة عن تأثيرات العقوبات. فالعقوبات تمنع الاستيراد والتصدير، لكنها لا تدمر البنية التحتية. أما الحرب، فتدمر المصافي والموانئ والمصانع والطرق والجسور. والعقوبات تمنع وصول الأموال، لكنها لا توقف حركة النقل. أما الحرب، فتشل حركة النقل وتعطل سلاسل الإمداد.
إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، وتعرضت البنية التحتية الإيرانية لأضرار كبيرة، فقد يصل الاقتصاد إلى نقطة الانهيار. وهذه النقطة، بحسب تقديرات خبراء الاقتصاد، قد تأتي بعد 6 إلى 12 شهراً من الحرب الشاملة، خاصة إذا استمر إغلاق مضيق هرمز ومنع تصدير النفط الإيراني.
لكن حتى لو وصل الاقتصاد إلى هذه النقطة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار الصمود. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب يمكن أن تصمد حتى في ظروف اقتصادية قاسية جداً. فالشعب الفلسطيني في غزة، رغم الحصار الخانق والعدوان المتكرر، ظل صامداً لعقود. والشعب اللبناني، رغم الانهيار الاقتصادي المدمر، ظل صامداً. والشعب الإيراني نفسه، رغم العقوبات القاسية، ظل صامداً.
المهم هو أن يشعر الشعب بأن القيادة تبذل قصارى جهدها لتخفيف المعاناة، وأن هناك خطة للخروج من الأزمة، وأن التضحيات الاقتصادية هي جزء من المعركة الوطنية، وليست نتيجة للإهمال أو الفساد.
(24) العامل الثالث: الانقسامات الداخلية وحدود الوحدة
أما العامل الثالث، وهو الانقسامات الداخلية، فهو ربما الأخطر على المدى الطويل. فإيران، رغم وحدتها الوطنية في مواجهة العدوان الخارجي، تعاني من انقسامات عميقة قد تظهر مجدداً إذا طالت الحرب.
الانقسام الأول: بين الإصلاحيين والمحافظين. هذا الانقسام هو الأكثر شهرة في السياسة الإيرانية. فالإصلاحيون يدعون إلى الانفتاح على الغرب، وتحسين العلاقات مع أمريكا، وتخفيف القيود الاجتماعية. أما المحافظون، فيتمسكون بمبادئ الثورة، ويرفضون التفاوض مع أمريكا، ويرون في المقاومة السبيل الوحيد.
بعد اغتيال القادة، توقف هذا الانقسام مؤقتاً. لكنه قد يعود إذا طالت الحرب، خاصة إذا شعر الإصلاحيون بأن سياسات المحافظين هي التي جرت إيران إلى هذه الحرب، وأن هناك بديلاً أفضل يمكن أن ينهي المعاناة.
الانقسام الثاني: بين الفرس والأقليات. إيران دولة متعددة القوميات، تضم إضافة إلى الفرس، أقليات كبيرة من الأذريين والأكراد والعرب والبلوش والتركمان. هذه الأقليات كانت تعاني من التهميش في بعض الفترات، وكانت هناك حركات انفصالية في بعض المناطق (خاصة في كردستان وبلوشستان).
في ظل الحرب، وقفت هذه الأقليات إلى جانب الدولة الإيرانية، وشاركت في الدفاع عن الوطن. لكن إذا طالت الحرب، وتركزت الأضرار في مناطق معينة، فقد تشعر بعض هذه الأقليات بأنها تدفع ثمناً غير متناسب، مما قد يحيي مطالبها القديمة.
الانقسام الثالث: بين الأغنياء والفقراء. رغم الخطاب الثوري الذي يؤكد على العدالة الاجتماعية، إلا أن هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء في إيران. بعض الأغنياء، خاصة أولئك المرتبطين بالحكومة أو بالمؤسسات الدينية، استفادوا من العقوبات والحصار لتعزيز مواقعهم الاقتصادية. بينما يعاني الفقراء من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل.
إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، واشتدت المعاناة الاقتصادية، فقد يبدأ الفقراء في التساؤل: لماذا نحن من ندفع الثمن الأكبر؟ لماذا أبناؤنا من يذهبون إلى الجبهات بينما أبناء الأغنياء في مأمن؟ هذه التساؤلات قد تتحول إلى احتجاجات، وقد تهدد الوحدة الوطنية.
(25) هل تصل إيران إلى نقطة الانهيار؟
إذا نظرنا إلى هذه العوامل الثلاثة مجتمعة، يمكننا أن نستنتج أن إيران بعيدة عن نقطة الانهيار في الوقت الحالي. فالحرب لا تزال في بدايتها، والخسائر البشرية محدودة نسبياً، والاقتصاد لم يصل بعد إلى نقطة الانهيار، والوحدة الوطنية ما زالت قوية.
لكن إذا استمرت الحرب لشهور، وارتفعت الخسائر البشرية، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية، وبدأت الانقسامات الداخلية في الظهور مجدداً، فقد تقترب إيران من نقطة التحول. وهذه النقطة، بحسب تقديرات المحللين، قد تأتي بعد 6 إلى 9 أشهر من الحرب الشاملة.
لكن حتى لو وصلت إيران إلى هذه النقطة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انهيارها. فالشعب الإيراني أثبت في الماضي قدرته على تحمل أكثر من ذلك. والقيادة الإيرانية أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات. والمؤسسات الإيرانية أثبتت قدرتها على الصمود.
ربما الأهم من ذلك، أن إيران لا تخوض هذه الحرب وحدها. فهي جزء من محور مقاومة يمتد من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان إلى فلسطين إلى اليمن. وهذا المحور، إذا تعرضت إيران لضغوط كبيرة، يمكنه أن يزيد من وتيرة عملياته لتخفيف الضغط عن إيران. كما أن إيران لديها حلفاء دوليين (روسيا والصين) قد يتدخلون لدعمها إذا وصلت إلى نقطة الخطر.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن إيران ستتمكن من الصمود لفترة أطول مما يتوقع خصومها، وأن نقطة الانهيار، إن وجدت، ستكون أبعد مما يظنون.
دروس في فن الصمود
(26) الصمود فن لا يقل أهمية عن القتال
ما نستخلصه من هذا الفصل الطويل عن استراتيجية الصمود الإيرانية، هو أن الصمود فن لا يقل أهمية عن القتال. فالمعركة لا تُربح في ساحة المعركة فقط، بل تُربح أيضاً في قلوب الناس وعقولهم. ومن يمتلك القدرة على الصمود، يمتلك القدرة على النصر.
إيران، في هذه الحرب، تقدم للعالم درساً في فن الصمود. إنها تثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لهزيمة شعب مؤمن بقضيته، وأن العقوبات وحدها لا تكفي لكسر إرادة أمة، وأن الحصار وحدها لا يكفي لعزل دولة تمتلك عمقاً استراتيجياً وإرثاً حضارياً.
هذا الدرس له تطبيقات تتجاوز إيران. إنه درس لكل شعب يسعى إلى التحرر من الهيمنة. درس لكل شعب يرفض الخضوع للإرادة الأجنبية. درس لكل شعب يريد أن يكون سيد مصيره.
(27) الوقت سلاح الفقراء
الدرس الثاني الذي نستخلصه هو أن الوقت سلاح الفقراء. فالضعفاء لا يملكون القوة العسكرية التي يملكها الأقوياء، لكنهم يملكون الوقت. وهم إذا استخدموا هذا السلاح بحكمة، يمكنهم أن يحولوا نقاط ضعفهم إلى نقاط قوة.
إيران، في هذه الحرب، تستخدم سلاح الوقت بمهارة. إنها لا تستعجل النصر، ولا ترهق نفسها بمعارك غير متكافئة. إنها تنتظر، تصمد، تستنزف. تعرف أن الوقت يعمل لصالحها، لأن العدو عجول، والعدو في عجلة من أمره، والعدو لا يستطيع تحمل حرب طويلة.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة. إنها استراتيجية استخدمها الضعفاء عبر التاريخ لمواجهة الأقوياء. استخدمها الفيتناميون ضد الأمريكيين، والأفغان ضد السوفييت، والفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي. وهي أثبتت نجاحها في كل مرة، لأن الوقت هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن للأقوياء مصادرته.
(28) الإرادة أقوى من الحديد
الدرس الثالث، والأهم، هو أن الإرادة أقوى من الحديد. فكل الصواريخ والدبابات والطائرات في العالم لا تساوي شيئاً أمام شعب قرر أن يصمد. وكل الخطط الاستراتيجية والتكتيكات العسكرية لا تجدي نفعاً أمام أمة قررت أن تقاوم.
إيران، في هذه الحرب، تثبت أن إرادة الشعب هي أعظم أسلحتها. إنها تثبت أن الشعب الذي يؤمن بقضيته، والذي يثق في قيادته، والذي يتحمل المشقة في سبيل أهدافه، هو شعب لا يُهزم.
هذا هو الدرس الأكبر من هذه الحرب. إنه درس يبعث الأمل في قلوب كل الشعوب التي تعاني من الهيمنة والظلم. إنه درس يقول: لا تستسلموا، فالنصر قادم. لا تيأسوا، فالصمود سيثمر. لا تخافوا، فالإرادة أقوى من كل قوة.
وفي الفصل الخامس، سنرى كيف تنهار "محميات الخليج" تحت وطأة هذه الحرب، وكيف تتفكك الأنظمة التي راهنت على القوة الخارجية وتخلت عن إرادة شعبها.
………..
الفصل الخامس
انهيار "محميات الخليج"
بين الضرورة التاريخية والإرادة السياسية
……..
تمهيد: في مفهوم المحمية
(1) المحمية: حين تكون السيادة اسماً بلا مسمى
في قاموس العلاقات الدولية، هناك مفاهيم تبدو واضحة المعالم، سهلة التعريف، قابلة للقياس. مفهوم الدولة، مفهوم السيادة، مفهوم الاستقلال، كلها مفاهيم لها تعريفاتها القانونية الراسخة، ولها معاييرها المعترف بها دولياً. لكن هناك مفاهيم أخرى، أكثر غموضاً، وأقل وضوحاً، تتخفى وراء الأسماء البراقة، وتختبئ خلف الوجوه المضيئة. من هذه المفاهيم مفهوم "المحمية".
المحمية، في أبسط تعريفاتها، هي كيان سياسي يتمتع بدرجة من الاستقلال الذاتي، لكنه يظل تحت الحماية الفعلية لدولة أكبر وأقوى. هذه الحماية قد تكون عسكرية، وقد تكون اقتصادية، وقد تكون سياسية، لكنها في جميع الأحوال تعني أن القرارات المصيرية لهذا الكيان لا تُتخذ داخله، بل تُتخذ في عواصم القوى التي تحميه.
في التاريخ الحديث، عرف العالم كثيراً من المحميات. في أفريقيا، كانت كثير من المستعمرات البريطانية والفرنسية محميات قبل أن تصبح دولاً مستقلة. في آسيا، كانت دول الخليج العربية محميات بريطانية حتى عام 1971. وفي أمريكا اللاتينية، كانت كثير من الدول محميات أمريكية غير معلنة تحت مسمى "دول حديقة خلفية".
لكن المفارقة العظمى، أن مفهوم المحمية، رغم وضوحه في التحليل السياسي، يظل غائباً عن الخطاب الرسمي لدول المنطقة. فدول الخليج العربية، التي كانت حتى عام 1971 محميات بريطانية رسمية، لا تحب أن يذكرها أحد بهذا الماضي. ودول الخليج اليوم، التي أصبحت محميات أمريكية غير رسمية، تنكر أن تكون كذلك. تقدم نفسها كدول ذات سيادة كاملة، ولها قراراتها المستقلة، وتلعب دوراً مهماً في المحافل الدولية. لكن الحقيقة، كما سنرى، مختلفة تماماً.
(2) جذور المحمية: من الاستعمار البريطاني إلى الهيمنة الأمريكية
لفهم واقع دول الخليج اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية لهذه المحميات. فقبل النفط، قبل الأبراج الزجاجية، قبل المدن العملاقة، كانت هذه المنطقة عبارة عن مشيخات قبلية متفرقة، تعيش على صيد اللؤلؤ والتجارة الساحلية. لم تكن هذه المشيخات دولاً بالمعنى الحديث، بل كانت كيانات هشة، تعتمد على تحالفات متغيرة، وغالباً ما كانت تحت نفوذ القوى الخارجية.
في القرن التاسع عشر، فرضت الإمبراطورية البريطانية هيمنتها على الخليج. أبرمت سلسلة من المعاهدات مع شيوخ الساحل (ما يعرف اليوم بالإمارات) والكويت والبحرين وقطر وعُمان، جعلت من هذه المناطق محميات بريطانية. بموجب هذه المعاهدات، كانت بريطانيا تتحمل مسؤولية حماية هذه المشيخات من أي عدوان خارجي، وخاصة من العثمانيين والفرس، وفي المقابل، كانت هذه المشيخات تلتزم بعدم الدخول في علاقات خارجية دون موافقة بريطانيا، وعدم التنازل عن أراضيها لأي قوة أخرى.
هذا النظام استمر لأكثر من قرن. خلال هذه الفترة، تشكلت الكيانات السياسية التي نعرفها اليوم: الكويت، والبحرين، وقطر، والإمارات. وتعلمت النخب الحاكمة في هذه الكيانات نمطاً من الحكم قوامه: القبول بالتبعية الخارجية مقابل الحماية، والتركيز على الشؤون الداخلية والاقتصادية، وترك السياسة الخارجية والأمن للقوة الحامية.
عندما انسحبت بريطانيا من شرق السويس عام 1971، كانت هذه المحميات في حالة من الذعر. فبعد قرن من التبعية، لم تكن تملك القدرة على الدفاع عن نفسها، ولا الخبرة في إدارة علاقاتها الخارجية، ولا الثقة في قدرتها على الصمود بمفردها. فكان البديل الطبيعي: الانتقال من التبعية البريطانية إلى التبعية الأمريكية. ففي العقود التالية، وقعت دول الخليج سلسلة من الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة، وسمحت بإقامة قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، وربطت عملاتها بالدولار، واستوردت أسلحتها من أمريكا، وجعلت من واشنطن شريكها الاستراتيجي الأول.
هكذا، تحولت المحميات البريطانية إلى محميات أمريكية. تغيرت لافتة الحامي، لكن جوهر العلاقة بقي كما هو: تبعية مقابل حماية، تنازل عن السيادة مقابل الأمان، ترك السياسة الخارجية والأمن للقوة الكبرى مقابل التركيز على التنمية الاقتصادية والرفاهية الداخلية.
(3) النفط والهشاشة: كيف بنيت الرفاهية على رمال متحركة؟
لكن الانتقال من التبعية البريطانية إلى التبعية الأمريكية لم يكن العامل الوحيد في تشكيل واقع دول الخليج. فهناك عامل آخر، ربما أهم، وهو النفط. فالنفط هو الذي حوّل هذه المشيخات الفقيرة إلى دول غنية، وهو الذي مكّنها من بناء مدن حديثة، وتوفير رفاهية لشعوبها، واكتساب وزن إقليمي ودولي.
لكن النفط، رغم كل الفوائد التي جلبها، كان أيضاً مصدر هشاشة. فالنفط مورد غير متجدد، يعتمد على أسعار متقلبة، ويجعل الاقتصاد رهينة لعوامل خارجية لا يمكن التحكم بها. والأهم من ذلك، أن النفط خلق نمطاً اقتصادياً قائماً على الريع، وليس على الإنتاج. فدول الخليج لم تبني اقتصادات منتجة تعتمد على الصناعة والزراعة، بل بنت اقتصادات ريعية تعتمد على بيع النفط واستيراد كل شيء آخر. هذا النمط جعلها تعتمد على العالم الخارجي في كل شيء: الغذاء، والدواء، والسلع الاستهلاكية، والتكنولوجيا، وحتى اليد العاملة.
هذه الهشاشة الاقتصادية، مقترنة بالتبعية السياسية والأمنية، خلقت نموذجاً فريداً من نوعه: نموذج "الدولة الريعية المحمية". دولة تمتلك كل مقومات الثراء المادي، لكنها تفتقر إلى مقومات القوة الذاتية. دولة تستطيع شراء أي سلاح في العالم، لكنها لا تستطيع صناعته. دولة تستطيع استقدام أي خبير من أي مكان، لكنها لا تستطيع إنتاج الكفاءات المحلية. دولة تستطيع بناء أعلى الأبراج، لكنها لا تستطيع الدفاع عنها.
هذا النموذج استمر لعقود، وبدا أنه ناجح. فدول الخليج حققت معدلات نمو مذهلة، ورفعت مستويات المعيشة، وحافظت على استقرارها الداخلي. لكن النجاح كان ظاهرياً، لأنه قام على أسس هشة: استقرار الأسواق العالمية، واستمرار الطلب على النفط، واستعداد أمريكا لحماية المنطقة، وصبر الشعوب على غياب الحريات السياسية مقابل الرفاهية.
واليوم، مع الحرب التي تشتعل في المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز، وتراجع النفوذ الأمريكي، كل هذه الأسس بدأت تتصدع. والنموذج الذي بدا منيعاً بدأ ينهار.
…..
القسم الأول: في نقد مفهوم المحمية
قراءة في بنية التبعية
(4) المحمية في الفكر النقدي: من التبعية إلى التحرر
لطالما كان مفهوم المحمية موضوعاً للنقد في الفكر السياسي العربي، خاصة في التيارات القومية واليسارية. فمنذ الخمسينيات من القرن العشرين، كان المفكرون العرب يرون في المحميات الخليجية نموذجاً للتبعية والاستغلال، ودعوا إلى تحريرها من الهيمنة الخارجية، ودمجها في المشروع القومي العربي.
في كتابات المفكر القومي العربي قسطنطين زريق، نجد تحليلاً عميقاً لهشاشة دول الخليج، ودعوة إلى تحريرها من التبعية. وفي كتابات المفكر اليساري حسين مروة، نجد نقداً للبنية الريعية التي تقوم عليها هذه الدول، ودعوة إلى بناء اقتصادات منتجة. وفي كتابات المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، نجد قراءة استشراقية للعلاقة بين القوى الغربية والمحميات العربية، وكيف أعادت هذه العلاقة إنتاج أنماط الهيمنة الاستعمارية بأشكال جديدة.
لكن هذه النقد، رغم عمقه، ظل حبيس الأوساط الأكاديمية والثقافية، ولم يترجم إلى حركة سياسية جادة داخل دول الخليج. فالنخب الحاكمة في هذه الدول استطاعت، عبر توزيع الرفاهية، أن تشتري ولاء شعوبها، وأن تقمع أي صوت ناقد. والطبقات الوسطى، التي استفادت من النمو الاقتصادي، كانت راضية عن الوضع القائم. والعمالة الوافدة، التي تشكل غالبية السكان في بعض هذه الدول، لم يكن لها أي صوت سياسي.
لكن الحرب الحالية تغير كل شيء. فالرفاهية التي كانت تشتري الولاء بدأت تتآكل، والاستقرار الذي كان يبرر القمع بدأ يهتز، والتبعية التي كانت توفر الأمان بدأت تكشف عن هشاشتها. وهذا هو الوقت المناسب لإعادة طرح أسئلة نقدية كانت محظورة في الماضي: ما معنى السيادة في ظل وجود قواعد عسكرية أجنبية؟ ما معنى الاستقلال في ظل ربط العملة بالدولار؟ ما معنى التنمية في ظل اقتصاد ريعي؟ ما معنى الديمقراطية في ظل غياب الحريات؟
(5) الأكذوبة الكبرى: "المظلة الأمنية الأمريكية"
من أكبر الأكاذيب التي روّجت لها النخب الحاكمة في دول الخليج، وصدّقها مواطنوها لعقود، هي أكذوبة "المظلة الأمنية الأمريكية". الفكرة كانت بسيطة وجذابة: أمريكا هي القوة العظمى، وهي حامية المنطقة، وهي التي تضمن أمننا واستقرارنا. طالما أن أمريكا معنا، لا أحد يستطيع أن يهددنا. طالما أن القواعد الأمريكية على أراضينا، نحن في مأمن.
هذه الأكذوبة خدمت طرفين. خدمت أمريكا، لأنها أعطتها غطاءً لوجودها العسكري في المنطقة، ومكنتها من السيطرة على نفط الخليج، وجعلت دول الخليج تدفع لها المليارات مقابل الحماية. وخدمت النخب الحاكمة في دول الخليج، لأنها أعطتها شرعية داخلية: نحن نحميكم، ونوفر لكم الأمان، ونضمن استمرار الرفاهية.
لكن الحرب الحالية كشفت زيف هذه الأكذوبة. ففي اللحظة الحاسمة، عندما احتاجت دول الخليج إلى هذه المظلة، وجدتها لا تعمل. الدفاعات الجوية الأمريكية، التي أنفقت عليها دول الخليج تريليونات الدولارات، نُقلت بين ليلة وضحاها من سماء الرياض وأبو ظبي إلى سماء تل أبيب لحماية إسرائيل. القواعد الأمريكية في أراضيها، التي كانت تعتبر دروعاً واقية، أصبحت أهدافاً ثابتة للصواريخ الإيرانية. والأسطول الخامس، الذي كان يعتبر حامياً للملاحة في الخليج، أصبح عاجزاً عن حماية ناقلات النفط من الهجمات.
العبارة التي أطلقها خبير كويتي لاقت رواجاً واسعاً لأنها صادقة: "نحن نحمي أمريكا، وليس العكس". هذه العبارة القصيرة تحمل في طياتها حقيقة كاملة: أن الوجود الأمريكي في المنطقة لم يكن لحماية دول الخليج، بل لحماية المصالح الأمريكية. وأن دول الخليج، بدلاً من أن تكون محمية، كانت هي الحامي. فهي التي وفرت القواعد، والتمويل، والغطاء السياسي. وهي التي دفعت الثمن: جيشها أصبح هدفاً، واقتصادها تعطل، وشعبها عانى.
(6) الاقتصاد الريعي: بين الثراء الظاهري والهشاشة الحقيقية
الأكذوبة الثانية، لا تقل خطورة عن الأولى، هي أكذوبة "الاقتصاد القوي". فقد روّجت النخب الحاكمة في دول الخليج لفكرة أن اقتصاداتها قوية ومتنوعة، وأنها قادرة على الصمود في وجه أي أزمة. لكن الحرب الحالية كشفت هشاشة هذه الاقتصادات.
الاقتصاد الريعي، بطبيعته، هو اقتصاد هش. فهو يعتمد على مورد واحد غير متجدد (النفط)، وعلى أسعار عالمية متقلبة لا يمكن التحكم بها، وعلى طلب خارجي قد يتغير بتغير الظروف الاقتصادية والسياسية. وعندما ينقطع هذا المورد، أو تنخفض أسعاره، أو يتعطل تصديره، ينهار الاقتصاد كله.
هذا ما حدث في دبي، حيث انهارت العقارات والسياحة والخدمات المالية في أسابيع. وهذا ما بدأ يحدث في السعودية، حيث توقفت مشاريع "رؤية 2030"، وهرب المستثمرون الأجانب، وتراجعت الإيرادات. وهذا ما سيحدث في باقي دول الخليج إذا استمرت الحرب.
لكن الأزمة الاقتصادية الحالية ليست مجرد أزمة عابرة. إنها كاشفة عن عيوب بنيوية في هذه الاقتصادات. فدول الخليج، بعد عقود من الرفاهية، لم تنجح في بناء قاعدة إنتاجية صلبة. لم تنجح في تنويع مصادر الدخل. لم تنجح في تطوير صناعات تحويلية. لم تنجح في تحقيق اكتفاء ذاتي في الغذاء والدواء. لم تنجح حتى في تأمين احتياجاتها من اليد العاملة، وظلت تعتمد على ملايين العمال الوافدين.
هذه الهشاشة البنيوية هي التي تجعل انهيار هذه الاقتصادات سريعاً وشاملاً. فليس هناك صناعة محلية يمكن أن تعوض تراجع النفط. ليس هناك زراعة يمكن أن توفر الغذاء. ليس هناك تكنولوجيا يمكن أن تسد فجوة الاستيراد. ليس هناك اكتفاء ذاتي في أي شيء. وعندما تنقطع الإيرادات النفطية، لا يبقى شيء.
القسم الثاني: أسباب الانهيار
لماذا تنهار المحميات اليوم؟
(7) العامل الأول: انكشاف زيف "المظلة الأمنية الأمريكية"
إذا كان هناك عامل واحد يمكن اعتباره المحرك الأساسي لانهيار المحميات الخليجية اليوم، فهو انكشاف زيف المظلة الأمنية الأمريكية. فطوال عقود، كانت هذه المظلة هي الأساس الذي قامت عليه علاقة دول الخليج بأمريكا، وهي الأساس الذي قامت عليه شرعية الأنظمة الحاكمة في نظر شعوبها. انهيار هذه المظلة يعني انهيار كل ما بني عليها.
انكشاف زيف المظلة الأمنية الأمريكية تجلى في ثلاثة مظاهر رئيسية:
المظهر الأول: نقل الدفاعات الجوية. في الأيام الأولى للحرب، اكتشفت دول الخليج أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية، التي اشترتها بأموال طائلة، قد نُقلت من أراضيها إلى إسرائيل. هذا النقل لم يكن مجرد خطأ لوجستي، بل كان قراراً استراتيجياً يعكس أولويات أمريكا الحقيقية: إسرائيل أولاً، وحلفاء الخليج ثانياً.
المظهر الثاني: تحول القواعد إلى أهداف. القواعد الأمريكية في أراضي الخليج، التي كانت تعتبر دروعاً واقية، أصبحت أهدافاً ثابتة للصواريخ الإيرانية. وهذا يعني أن دول الخليج، بدلاً من أن تكون في مأمن بفضل وجود هذه القواعد، أصبحت في خطر مضاعف. فهي مستهدفة بشكل مباشر من إيران، وهي أيضاً عرضة للانتقام من أي دولة أخرى قد تستهدف هذه القواعد.
المظهر الثالث: العجز الأمريكي عن الحماية. رغم التفوق العسكري الأمريكي الهائل، عجزت أمريكا عن حماية ناقلات النفط الخليجية من الهجمات الإيرانية، وعجزت عن تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وعجزت عن ردع إيران عن مواصلة ضرباتها. هذا العجز أظهر أن القوة العسكرية الأمريكية، رغم ضخامتها، ليست مطلقة، وأن هناك تحديات لا تستطيع مواجهتها.
هذه المظاهر الثلاثة جعلت من المظلة الأمنية الأمريكية مجرد وهم. وانتقال دول الخليج من الشعور بالأمان إلى الشعور بالخطر كان سريعاً ومؤلماً. ففي أسابيع قليلة، تبددت ثقة تراكمت على مدى عقود. وهذا فقدان الثقة هو بداية الانهيار.
(8) العامل الثاني: انهيار النموذج الاقتصادي الوهمي
العامل الثاني في انهيار المحميات الخليجية هو انهيار النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه. هذا النموذج، كما رأينا، كان قائماً على الريع النفطي، والاستيراد من الخارج، والاعتماد على العمالة الوافدة، وتوزيع الرفاهية مقابل القبول بالتبعية السياسية.
انهيار هذا النموذج بدأ مع إغلاق مضيق هرمز، الذي أوقف تصدير النفط من الخليج. فبدون عائدات النفط، لم تعد هناك رفاهية لتوزيعها. وبدون الرفاهية، لم تعد هناك شرعية للأنظمة التي تقوم على توزيعها. وبدون الشرعية، بدأت هذه الأنظمة تواجه أزمة وجودية.
لكن انهيار النموذج الاقتصادي لم يقتصر على توقف عائدات النفط. فقد كشفت الأزمة أيضاً عن هشاشة القطاعات الأخرى التي كانت تعتبر بدائل للنفط. فدبي، التي كانت تعتبر نموذجاً للاقتصاد المتنوع، انهارت في أسابيع. والسياحة، التي كانت تعتبر رافداً مهماً، توقفت تماماً. والعقارات، التي كانت تعتبر استثماراً آمناً، فقدت 97% من صفقاتها. والخدمات المالية، التي كانت تعتبر محركاً للنمو، تجمدت.
هذا الانهيار المتزامن لكل قطاعات الاقتصاد أظهر أن النموذج الاقتصادي الخليجي كان وهمياً من البداية. فلم يكن هناك تنويع حقيقي، بل كان هناك مجرد واجهات زجاجية تخفي اعتماداً كاملاً على النفط. وعندما اختفى النفط، اختفت كل شيء.
(9) العامل الثالث: الغضب الشعبي الصامت
العامل الثالث، والأخطر على المدى الطويل، هو الغضب الشعبي الصامت الذي بدأ يتصاعد في دول الخليج. هذا الغضب لم يظهر بعد في شكل انتفاضات شعبية، لكنه موجود، وهو يتراكم، وهو سينفجر في اللحظة المناسبة.
المواطن الخليجي، الذي كان راضياً عن نظامه السياسي لعقود، بدأ يسأل أسئلة خطيرة: لماذا ندفع ثمن حروب لا نريدها؟ لماذا نخسر استثماراتنا ونفقد وظائفنا من أجل صراع إقليمي ليس لنا فيه مصلحة حقيقية؟ لماذا نحمي أمريكا بينما أمريكا تحمي إسرائيل على حسابنا؟ لماذا نعاني من ارتفاع الأسعار وتوقف المشاريع بينما حكامنا يستمرون في إنفاق المليارات على الكماليات؟ لماذا نعيش تحت حكم غير ديمقراطي بينما العالم يتقدم؟
هذه الأسئلة كانت محظورة في الماضي. كانت الأجهزة الأمنية تقمع أي صوت يجرؤ على طرحها. لكن في ظل الأزمة الحالية، ومع انشغال الأنظمة بالحرب وبأزماتها الاقتصادية، بدأت هذه الأسئلة تخرج إلى العلن. بدأت تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي النقاشات الخاصة، وفي بعض المظاهرات المحدودة التي لم تصل بعد إلى مستوى الانتفاضات.
الخطر الأكبر على الأنظمة الخليجية ليس في هذه المظاهرات المحدودة، بل في تراكم هذا الغضب الصامت. فالمواطن الخليجي، الذي كان يعتبر أن نظامه يوفّر له الرفاهية مقابل قبوله بغياب الحريات، بدأ يكتشف أن الرفاهية ليست مضمونة، وأن التبعية لأمريكا لم تجلب له سوى الأزمات، وأن حكامه ليسوا أقوياء كما كان يعتقد.
عندما تبدأ الأحلام الاقتصادية في الانهيار، وعندما يختفي الأمان الوظيفي، وعندما يرتفع سعر الخبز واللحوم، وعندما يتوقف بناء المدن الجديدة، فإن الشرعية السياسية تتآكل بسرعة. وهذه هي اللحظة التي تنتظرها الشعوب لانتزاع حقوقها.
القسم الثالث: سيناريوهات الانهيار
متى وكيف تنهار المحميات؟
(10) الجدول الزمني للانهيار: تقديرات وتحليلات
بناءً على التحليلات الاقتصادية والسياسية المتاحة، يمكن تقدير جدول زمني لانهيار المحميات الخليجية. هذا الجدول ليس تنبؤاً بالمستقبل بقدر ما هو سيناريو محتمل بناءً على المؤشرات المتاحة.
الشهر الأول (المرحلة الحالية): في هذه المرحلة، نشهد انهياراً اقتصادياً جزئياً في الإمارات وقطر والبحرين. دبي تتحول إلى مدينة أشباح، مع انهيار العقارات والسياحة والتجارة. الكويت تعاني من ارتفاع حاد في الأسعار وعجز في الميزانية. قطر، رغم احتياطياتها الضخمة، تبدأ في الشعور بتأثير إغلاق المضيق على صادراتها من الغاز المسال (الذي يمر عبر هرمز أيضاً). البحرين، الأكثر هشاشة بين دول الخليج، تشهد أولى المظاهرات الشعبية المطالبة بالتغيير.
الشهر الثالث: بحلول الشهر الثالث، يبدأ الانهيار في التوسع ليشمل السعودية. مشاريع "رؤية 2030" تتوقف بالكامل، أو يتم تجميدها. الاستثمارات الأجنبية تبدأ في الهروب، خاصة بعد أن تبين أن الحرب ليست قصيرة كما كان متوقعاً. الاحتياطيات الأجنبية للسعودية تبدأ في الانخفاض بشكل ملحوظ، حيث تستخدم لتمويل العجز في الميزانية. البطالة ترتفع، والأسعار تواصل الصعود. بداية ضغوط شعبية على النظام، خاصة في المنطقة الشرقية حيث تتركز المنشآت النفطية التي تعرضت للقصف.
الشهر السادس: بعد ستة أشهر من الحرب وإغلاق هرمز، تبدأ السيناريوهات الأكثر تطرفاً في الظهور. احتمال انهيار سياسي في بعض دول الخليج، خاصة البحرين التي تعاني من أزمة سياسية مزمنة وتركيبة سكانية معقدة. احتمال تحول جذري في تحالفات بعض دول الخليج، مع توجه نحو الصين وروسيا، وبدء مفاوضات سرية مع إيران لإنهاء الحرب. احتمال انفجار الغضب الشعبي في السعودية، إذا استمر تدهور الأوضاع المعيشية وبدا أن النظام غير قادر على حماية مصالح مواطنيه.
هذه التقديرات تقريبية بالطبع. العامل الحاسم هو قدرة إيران على الصمود. إذا استمرت الحرب لأشهر، فإن الضغط على هذه الأنظمة سيزداد بشكل تراكمي حتى تصل إلى نقطة اللاعودة. وإذا انتهت الحرب مبكراً بتسوية سياسية، فقد تتمكن هذه الأنظمة من إنقاذ نفسها، لكنها ستخرج من الحرب أضعف بكثير مما دخلتها.
(11) البحرين: الحلقة الأضعف
إذا كانت دول الخليج كلها تعاني من الهشاشة، فإن البحرين تعتبر الأكثر هشاشة بينها. فهي الأصغر مساحة، والأقل احتياطياً نفطياً، والأكثر تعقيداً من حيث التركيبة السكانية (غالبية السكان من الشيعة، والنظام الحاكم من السنة)، والأكثر معاناة من أزمات سياسية متكررة.
في عام 2011، شهدت البحرين انتفاضة شعبية قمعتها السعودية والإمارات بقوة عسكرية. منذ ذلك الحين، يعيش النظام البحريني تحت حماية درع الجزيرة (القوات الخليجية المشتركة)، ويعتمد بشكل كبير على الدعم السعودي والإماراتي للبقاء في السلطة.
في الحرب الحالية، البحرين هي الأكثر تضرراً. فهي مقر الأسطول الخامس الأمريكي، مما يجعلها هدفاً رئيسياً للهجمات الإيرانية. اقتصادها الهش يعتمد على الخدمات المالية والسياحة، وكلاهما انهار مع الحرب. واستمرار تدفق الدعم السعودي والإماراتي غير مضمون، لأن السعودية والإمارات تعانيان هم أيضاً من أزمات مالية.
إذا استمرت الحرب، فإن البحرين ستكون أول دول الخليج التي تشهد انهياراً سياسياً. وهذا الانهيار قد يأخذ شكل انتفاضة شعبية جديدة، أو انقلاب عسكري، أو تفكك كامل للنظام. وفي كل الأحوال، سيكون ذلك إيذاناً ببداية نهاية المحميات الخليجية.
(12) السعودية: السقوط المدوي
أما السعودية، فهي الحالة الأكثر تعقيداً. فهي الأكبر مساحة، والأغنى احتياطياً، والأكثر تأثيراً في المنطقة. انهيارها سيكون الأعنف، وستكون تداعياته الأكبر.
السعودية، كما رأينا، تواجه ثلاثة تحديات متزامنة: تحدٍ أمني، حيث منشآتها النفطية مستهدفة، وقواعدها العسكرية في مرمى النار. وتحدٍ اقتصادي، حيث توقف تصدير النفط بسبب إغلاق هرمز، ومشاريع "رؤية 2030" توقفت، والاستثمارات الأجنبية هربت. وتحدٍ سياسي، حيث الغضب الشعبي يتصاعد، والشرعية تتآكل.
السيناريو الأكثر ترجيحاً لانهيار السعودية هو انهيار تدريجي، وليس مفاجئاً. فالنظام السعودي، بفضل ثروته واحتياطياته، يمكنه الصمود لفترة أطول من غيره. لكن مع استمرار الحرب، ستتآكل هذه الاحتياطيات، وستتراكم الضغوط، وستزداد المطالب الشعبية.
لحظة الانهيار قد تأتي عندما يدرك النظام أن بقاءه في السلطة يتطلب تنازلات لا يمكنه تقديمها: تنازلات سياسية قد تضعف قبضته، أو تنازلات اقتصادية قد تستنزف ثروته، أو تنازلات خارجية قد تفقده حلفاءه. وعندها، قد يختار النظام الانسحاب المنظم، أو قد يُجبر على الرحيل بالقوة.
(13) الإمارات: انهيار النموذج
أما الإمارات، فانهيارها سيكون انهيار نموذج أكثر من كونه انهيار نظام. فالإمارات ليست دولة بالمعنى التقليدي، بل هي اتحاد سبع إمارات، لكل منها حاكمها، ولكل منها مصالحها. هذا الاتحاد، الذي كان قائماً على الثروة النفطية لأبو ظبي، وعلى النجاح الاقتصادي لدبي، قد ينهار إذا انهارت هذه الأسس.
دبي، كما رأينا، انهارت اقتصادياً في أسابيع. وقد يؤدي هذا الانهيار إلى انسحاب الإمارات الأخرى من الاتحاد، خاصة تلك التي كانت تعتبر نفسها شريكة غير متكافئة. كما قد يؤدي إلى صراعات داخلية على السلطة والثروة.
لكن انهيار الإمارات لن يكون مجرد انهيار سياسي، بل سيكون انهياراً رمزياً. فالإمارات كانت تقدم نفسها كنموذج للحداثة والتسامح والانفتاح في المنطقة. انهيارها سيكون رسالة إلى كل من يظن أن الرفاهية يمكن أن تكون بديلاً عن الحرية، وأن الاستهلاك يمكن أن يكون بديلاً عن الإنتاج، وأن التبعية يمكن أن تكون بديلاً عن السيادة.
القسم الرابع: ما بعد الانهيار
خيارات شعوب الخليج
(14) هل من بديل؟
الانهيار، مهما كان مدوياً، ليس نهاية التاريخ. بل هو بداية مرحلة جديدة، تفتح أمام شعوب المنطقة فرصاً كانت مستحيلة في ظل النظام القديم. السؤال الحاسم هو: ما هو البديل؟ ما هو النظام الذي سيحل محل المحميات المنهارة؟
هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما بعد الانهيار:
السيناريو الأول: استمرار التبعية بشكل جديد. في هذا السيناريو، تتمكن النخب الحاكمة من الصمود، لكنها تضطر إلى تغيير حلفائها. بدلاً من أمريكا، تتجه نحو الصين أو روسيا، وتوقع اتفاقيات أمنية واقتصادية جديدة. هذا السيناريو يعني استمرار المحمية بشكل جديد، مع تغيير الحامي فقط.
السيناريو الثاني: التحول الديمقراطي. في هذا السيناريو، يستغل الغضب الشعبي المتصاعد لانتزاع إصلاحات سياسية جذرية. تتحول الدول الخليجية إلى أنظمة ديمقراطية، مع برلمانات منتخبة، وحكومات مسؤولة، وحريات عامة مكفولة. هذا السيناريو هو الأكثر تفاؤلاً، لكنه الأصعب، لأنه يتطلب تنظيماً سياسياً قادراً على قيادة التغيير.
السيناريو الثالث: الفوضى والصراع. في هذا السيناريو، ينهار النظام دون أن يكون هناك بديل جاهز. تنشأ صراعات قبلية وطائفية، وتتدخل القوى الإقليمية والدولية، وتتحول المنطقة إلى ساحة حروب بالوكالة. هذا السيناريو هو الأكثر تشاؤماً، لكنه الأكثر احتمالاً إذا لم تكن هناك قيادات قادرة على إدارة مرحلة الانتقال.
(15) دروس من التاريخ: كيف تنتزع الشعوب حقوقها؟
التاريخ يقدم لنا دروساً مهمة حول كيف تنتزع الشعوب حقوقها في لحظات الانهيار. من الثورة الفرنسية إلى الثورات العربية، هناك نماذج نجحت وأخرى فشلت.
الدرس الأول: التغيير لا يأتي من الخارج. لا يمكن لشعوب الخليج أن تعتمد على قوى خارجية لتحريرها. أمريكا لن تحررهم، والصين لن تحررهم، وإيران لن تحررهم. التحرير يأتي من الداخل، من وعي الشعوب بقدرتها على تغيير واقعها.
الدرس الثاني: التنظيم هو مفتاح النجاح. الانتفاضات العفوية قد تسقط الأنظمة، لكنها لا تستطيع بناء بديل. النجاح يتطلب تنظيماً سياسياً قادراً على قيادة التغيير، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل، وإدارة مرحلة الانتقال.
الدرس الثالث: الوحدة أقوى من الانقسام. شعوب الخليج تعاني من انقسامات قبلية وطائفية ومذهلة استغلتها الأنظمة لعقود لتقسيمها وإضعافها. التغيير يتطلب تجاوز هذه الانقسامات، والوحدة حول أهداف مشتركة.
الدرس الرابع: الصبر والثبات. التغيير الحقيقي لا يحدث بين ليلة وضحاها. يتطلب صبراً طويلاً، وثباتاً على المبادئ، وقدرة على تحمل الصعاب. فمن يصمد ينتصر.
(16) نحو خليج جديد: رؤية للمستقبل
في النهاية، انهيار المحميات الخليجية قد يكون بداية لخليج جديد. خليج لا تكون فيه الثروة النفطية سبباً للتبعية، بل أساساً للتنمية المستقلة. خليج لا تكون فيه القواعد العسكرية الأجنبية دروعاً واهية، بل تكون فيه القدرات الذاتية هي الضمان الحقيقي للأمن. خليج لا تكون فيه الرفاهية بديلاً عن الحرية، بل يكون فيه المواطنون أحراراً في اختيار حكامهم ومحاسبتهم.
هذا الخليج الجديد لن يولد بسهولة. سيكون ولادة مؤلمة، كما هي كل الولادات. ستكون هناك آلام، وصراعات، وتضحيات. لكنه سيولد في النهاية، لأن الشعوب لا يمكن أن تظل أسيرة للأنظمة التي فشلت في حمايتها، والنماذج التي انهارت، والتبعية التي أذلتها.
في الفصل الأخير من هذا الكتاب، سننظر إلى الصورة الأكبر: إلى النظام العالمي الجديد الذي يولد من رحم هذه الحرب، وإلى دور شعوب المنطقة في تشكيل هذا النظام. لكن قبل ذلك، لا بد أن نتوقف لحظة أمام مشهد المحميات المنهارة، وأن نقرأ فيه دروساً للمستقبل.
الدروس المستفادة من انهيار المحميات
(17) استمرار: الدرس الأول - لا حماية بلا ثمن
...أول درس من دروس انهيار المحميات الخليجية هو أن الحماية ليست مجانية. فدول الخليج دفعت ثمناً باهظاً مقابل المظلة الأمنية الأمريكية: دفعت المليارات على التسليح، ودفعت بسيادتها عندما سمحت بقواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، ودفعت بكرامتها عندما جعلت قراراتها الخارجية تابعة للإرادة الأمريكية، ودفعت بمستقبلها عندما راهنت على حامٍ لا يضمن ولاءه.
لكن الثمن الأكبر، الذي لم تكن تتوقعه، هو الثمن الذي دفعته في هذه الحرب. فالمظلة الأمنية التي ظنوا أنها تحميهم، جذبت إليهم النار. والقواعد العسكرية التي ظنوا أنها تردع المعتدين، أصبحت أهدافاً ثابتة للصواريخ. والتحالف مع أمريكا الذي ظنوا أنه يضمن أمنهم، جرهم إلى حرب لا يريدونها ولا يستطيعون الخروج منها.
هذا هو الدرس الأقسى: أن الحماية التي تشتريها بالمال والسيادة والكرامة، ليست حماية حقيقية. إنها مجرد وهم، يتبدد عند أول اختبار حقيقي. والدول التي تبيع سيادتها مقابل الأمان، تكتشف في النهاية أن الأمان الذي اشترته كان سراباً، وأن الثمن الذي دفعته كان حقيقياً.
(18) الدرس الثاني: الرفاهية لا تعني القوة
الدرس الثاني الذي نستخلصه من انهيار المحميات الخليجية هو أن الرفاهية لا تعني القوة. فدول الخليج كانت من أغنى دول العالم، لكن غناها لم يحمها من الانهيار. فالرفاهية التي بنيت على الريع النفطي، والاعتماد على الاستيراد، والتبعية للخارج، كانت رفاهية هشة، تتبدد عند أول أزمة.
الرفاهية الحقيقية هي التي تبنيها الشعوب بأيديها، وتعتمد فيها على قدراتها الذاتية، وتكون فيها قادرة على الصمود في وجه الأزمات. أما الرفاهية المستوردة، المبنية على الثروة النفطية وحدها، فهي مجرد فقاعة سرعان ما تنفجر.
هذا الدرس موجه ليس فقط إلى دول الخليج، بل إلى كل الدول التي تظن أن الثروة وحدها كافية لبناء القوة. فالقوة الحقيقية لا تأتي من المال، بل من الإنتاج. لا تأتي من الاستيراد، بل من الاكتفاء الذاتي. لا تأتي من التبعية، بل من السيادة.
(19) الدرس الثالث: الجغرافيا قدر لا يمكن التخلص منه
الدرس الثالث هو أن الجغرافيا قدر لا يمكن التخلص منه. فدول الخليج حاولت لعقود أن تتخلص من موقعها الجغرافي الحساس، وأن تشتري الأمان من بعيد، وأن تعتمد على قوة خارجية لحمايتها من جيرانها. لكن الجغرافيا انتقمت منها: فهي في قلب منطقة مضطربة، وعلى مقربة من إيران التي تملك القدرة على إغلاق مضيقها، وفي أرض مليئة بالصراعات والمتناقضات.
لا يمكن لأي دولة أن تشتري الأمان من الخارج إذا كان جيرانها غير آمنين. ولا يمكن لأي دولة أن تعيش في وهم العزلة إذا كانت محاطة بمناطق الاضطراب. الجغرافيا قدر، ومن يحاول الهروب منه يدفع الثمن غالياً.
هذا الدرس له تطبيقات تتجاوز دول الخليج. إنه درس لكل الدول التي تظن أنها تستطيع عزل نفسها عن محيطها، أو شراء الأمان من قوى بعيدة بدلاً من بناء علاقات متوازنة مع جيرانها. فالموقع الجغرافي ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل هو قدر يحدد الخيارات والإمكانيات.
(20) الدرس الرابع: الشرعية لا تُشترى بالمال
الدرس الرابع، وهو ربما الأهم على المدى الطويل، هو أن الشرعية لا تُشترى بالمال. فأنظمة الخليج اعتمدت لعقود على نموذج "الرفاهية مقابل القمع": توزيع الثروة على المواطنين مقابل قبولهم بغياب الحريات السياسية، وتوفير الخدمات المجانية مقابل عدم المطالبة بالمشاركة في صنع القرار.
هذا النموذج نجح لعقود، لأن الثروة كانت وفيرة، والمواطنون كانوا راضين. لكن الحرب الحالية كشفت هشاشته. فمع تراجع الثروة، وارتفاع الأسعار، وتوقف المشاريع، بدأ المواطنون يتساءلون: لماذا نقبل بغياب الحريات إذا كانت الرفاهية غير مضمونة؟ لماذا نسكت عن القمع إذا كان الأمان غير مضمون؟ لماذا ندفع ثمن حروب لا نريدها من أجل أنظمة لا تمثلنا؟
هذه الأسئلة هي بداية النهاية لأنظمة الخليج. فالشرعية التي كانت تشترى بالمال بدأت تنهار عندما بدأ المال ينضب. والولاء الذي كان يضمن بالرفاهية بدأ يتآكل عندما بدأت الرفاهية تتلاشى. وهذا هو الدرس الأكبر: لا يمكن لأي نظام أن يستمر طويلاً إذا كانت شرعيته قائمة على المال وحده.
………..
القسم الخامس: البدائل الممكنة
ماذا بعد انهيار المحميات؟
(21) البديل الأول: الاستمرار تحت مظلة جديدة
بعد انهيار المحميات الخليجية، أو حتى قبل اكتمال انهيارها، ستظهر محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وأول هذه المحاولات ستكون محاولة استبدال الحامي، أي الانتقال من التبعية لأمريكا إلى التبعية لقوة أخرى، ربما الصين أو روسيا.
هذا البديل يحمل في طياته وعداً بتغيير الشكل دون تغيير الجوهر. فاستبدال القواعد الأمريكية بقواعد صينية أو روسية، واستبدال الدولار باليوان أو الروبل، واستبدال الحليف الغربي بحليف شرقي، كل ذلك لا يغير حقيقة التبعية. فالمحمية ستبقى محمية، مهما تغير لافتة الحامي.
لكن هذا البديل قد يبدو جذاباً للنخب الحاكمة في دول الخليج، لأنه يسمح لها بالبقاء في السلطة مع تغيير الحليف. وهو أيضاً قد يبدو جذاباً للصين وروسيا، لأنه يمنحهما نفوذاً في منطقة حيوية كانت حكراً على أمريكا. لذلك، من المرجح أن نرى محاولات جادة لتحقيق هذا البديل في الأشهر القادمة.
لكن نجاح هذا البديل ليس مضموناً. فالصين، رغم قوتها الاقتصادية، لا تملك القدرات العسكرية الأمريكية للانتشار في المنطقة. وروسيا، رغم قوتها العسكرية، مشغولة بحربها في أوكرانيا ولا تستطيع تحمل تكاليف التزام جديد. كما أن دول الخليج نفسها قد لا تجد في الصين أو روسيا البديل المناسب، لأن مصالحها الاقتصادية والأمنية ما زالت مرتبطة بأمريكا.
(22) البديل الثاني: التحول الديمقراطي
البديل الثاني، وهو الأكثر تفاؤلاً، هو تحول دول الخليج إلى أنظمة ديمقراطية حقيقية. في هذا السيناريو، يستغل الغضب الشعبي المتصاعد لانتزاع إصلاحات سياسية جذرية: برلمانات منتخبة، وحكومات مسؤولة، وحريات عامة مكفولة، ومحاسبة للمسؤولين عن الفساد وسوء الإدارة.
هذا البديل يحمل وعداً بتغيير جذري في بنية السلطة، وبتحويل المحميات الخاضعة للخارج إلى دول ذات سيادة حقيقية. فالديمقراطية، إذا تحققت، ستجعل القرار السياسي معبراً عن إرادة الشعب، وليس عن إملاءات الحامي الأجنبي.
لكن هذا البديل يواجه عقبات كبيرة. أولاً، غياب التقاليد الديمقراطية في دول الخليج، وغياب الأحزاب السياسية والمجتمع المدني القوي. ثانياً، الخوف من الفوضى التي قد تلي الانهيار، خاصة في ظل تنوع طائفي وقبلي معقد. ثالثاً، تدخل القوى الخارجية التي قد لا ترغب في رؤية أنظمة ديمقراطية حقيقية في المنطقة، خوفاً من تأثيرها على مصالحها.
رغم هذه العقبات، لا يمكن استبعاد هذا البديل. فالتاريخ يعلمنا أن اللحظات الكبرى من الانهيار تخلق فرصاً للتغيير الجذري. وأن الشعوب التي تدفع ثمناً باهظاً للتبعية، غالباً ما تخرج من محنتها أكثر وعياً بحقوقها. وأن الأنظمة التي تنهار تحت وطأة أزماتها، نادراً ما تعود كما كانت.
(23) البديل الثالث: الفوضى والصراع
البديل الثالث، وهو الأكثر تشاؤماً، هو أن ينهار النظام دون أن يكون هناك بديل جاهز، مما يؤدي إلى فوضى وصراعات داخلية، وتدخلات إقليمية ودولية، وتحول المنطقة إلى ساحة حروب بالوكالة.
هذا السيناريو ليس مستبعداً، خاصة في دول مثل البحرين التي تعاني من تركيبة طائفية معقدة، أو اليمن الذي يعاني أصلاً من حرب أهلية، أو السعودية التي تضم مناطق متعددة ذات هويات مختلفة.
الفوضى، إذا حدثت، ستكون كارثة على شعوب الخليج. فهي تعني تدمير البنية التحتية، وتوقف الاقتصاد، ونزوح الملايين، وتفشي الجريمة، وانهيار الخدمات الأساسية. وهي أيضاً ستكون كارثة على المنطقة بأكملها، لأنها ستخلق فراغاً ستملأه القوى المتطرفة، وستؤدي إلى موجات نزوح جديدة، وستعقد أي محاولة لتحقيق الاستقرار.
لذلك، فإن تفادي هذا السيناريو هو مصلحة للجميع: لشعوب الخليج التي ستدفع ثمنه، ولجيرانهم الذين سيتأثرون به، وللقوى الدولية التي ستجد نفسها مجبرة على التدخل في مستنقع جديد.
(24) أي البدائل أكثر ترجيحاً؟
إذا نظرنا إلى المعطيات المتاحة، يمكننا أن نستنتج أن البديل الأكثر ترجيحاً هو مزيج من البديلين الأول والثاني: أي استمرار للأنظمة الحاكمة بشكل أو بآخر، لكن مع تغييرات كبيرة في سياساتها وتحالفاتها، وربما مع إصلاحات سياسية محدودة تستجيب لمطالب الشعب.
فالأنظمة الخليجية أثبتت على مدى عقود قدرة على التكيف والصمود. وهي تمتلك من الموارد المالية والبشرية ما يمكنها من تجاوز الأزمات، وإن كان ذلك بتكاليف باهظة. وهي أيضاً تمتلك من الخبرة في إدارة الأزمات ما يجعلها قادرة على التفاوض مع القوى الداخلية والخارجية لضمان بقائها.
لكن هذا السيناريو يفترض أن تكون هذه الأنظمة قادرة على التعلم من أخطائها، وأن تدرك أن العودة إلى ما قبل الحرب مستحيلة، وأن التغيير ضروري للبقاء. فإذا استمرت في سياساتها القديمة، وأصرت على التبعية لأمريكا، وتجاهلت مطالب شعوبها، فإنها قد تجد نفسها في مواجهة انفجار شعبي لا تستطيع السيطرة عليه.
…..
القسم السادس: دور القوى الإقليمية والدولية
من سيملأ الفراغ؟
(25) إيران: الجارة القوية التي لا يمكن تجاهلها
في مرحلة ما بعد انهيار المحميات الخليجية، ستكون إيران اللاعب الأكثر تأثيراً في المنطقة. فإيران، التي خرجت من هذه الحرب أقوى مما دخلتها (إذا تمكنت من الصمود)، ستجد نفسها في موقع قيادي لم تكن فيه من قبل.
إيران ستسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها: منطقة لا هيمنة فيها لأمريكا، ولا عداء فيها مع جيرانها، لكنها أيضاً منطقة تعترف بدور إيران كقوة إقليمية كبرى. هذا يعني أن دول الخليج ستضطر إلى إعادة تعريف علاقتها مع إيران، والانتقال من حالة العداء إلى حالة التعاون، أو على الأقل إلى حالة الردع المتبادل.
لكن إيران ليست في موقع انتقامي. فهي تدرك أن دول الخليج كانت رهينة للتبعية الأمريكية، وأنها ليست العدو الحقيقي. كما أنها تدرك أن التعاون مع جيرانها هو في مصلحتها، لأن الاستقرار في الخليج يصب في صالح الجميع. لذلك، من المرجح أن نرى مبادرات إيرانية لإعادة بناء الثقة مع دول الخليج بعد انتهاء الحرب، وربما توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي وأمني جديدة.
(26) الصين: القوة الاقتصادية الصاعدة
الصين هي المستفيد الأكبر من تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة. فالصين تعتمد على الخليج في جزء كبير من احتياجاتها النفطية، ولديها استثمارات ضخمة في المنطقة، وترى في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لمصالحها.
لكن الصين تختلف عن أمريكا في طريقة تعاملها مع المنطقة. فهي لا تسعى إلى فرض هيمنة عسكرية، ولا إلى إقامة قواعد عسكرية، ولا إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول. بدلاً من ذلك، تعتمد الصين على النفوذ الاقتصادي: الاستثمارات، والمشاريع العملاقة (مثل مبادرة الحزام والطريق)، والاتفاقيات التجارية.
هذا النموذج الصيني قد يكون أكثر جاذبية لدول الخليج من النموذج الأمريكي. فهو يقدم الاستثمار دون شروط سياسية، والتعاون دون وصاية، والتنمية دون تبعية عسكرية. لذلك، من المرجح أن نشهد تحولاً كبيراً في العلاقات الخليجية الصينية في السنوات القادمة، مع توقيع اتفاقيات استراتيجية شاملة، وزيادة الاستثمارات الصينية في المنطقة.
لكن هذا لا يعني أن الصين ستحل محل أمريكا كحامي جديد. فالصين لا تريد هذا الدور، ولا تملك القدرات العسكرية للقيام به. وهي تفضل أن تبقى القوى الإقليمية (إيران والسعودية وتركيا) هي المسؤولة عن أمن المنطقة، مع دور صيني داعم اقتصادي وسياسي.
(27) روسيا: عودة القوة القديمة
روسيا، رغم انشغالها بحربها في أوكرانيا، تتابع عن كثب التطورات في الخليج. وهي ترى في تراجع النفوذ الأمريكي فرصة لاستعادة دورها كلاعب رئيسي في المنطقة.
روسيا لديها علاقات تاريخية مع دول الخليج، ولديها مصالح اقتصادية (خاصة في مجال الطاقة)، ولديها قدرات عسكرية يمكن أن تقدمها. كما أن لها علاقة استراتيجية مع إيران، قد تجعلها وسيطاً محتملاً بين إيران ودول الخليج.
لكن روسيا تواجه تحديات كبيرة. أولاً، انشغالها بحرب أوكرانيا يحد من قدرتها على الالتزام بمسؤوليات جديدة. ثانياً، العقوبات الغربية المفروضة عليها تحد من قدرتها الاقتصادية. ثالثاً، علاقتها الوثيقة مع إيران قد تجعلها غير مقبولة كحليف لدول الخليج.
لذلك، من المرجح أن يكون الدور الروسي في مرحلة ما بعد الانهيار دوراً مسانداً وليس قيادياً. قد تقدم روسيا الدعم العسكري والتقني، وقد تلعب دور الوسيط في بعض الملفات، لكنها لن تحل محل أمريكا أو الصين كلاعب رئيسي.
(28) تركيا: طموحات إقليمية متجددة
تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، تسعى منذ سنوات إلى لعب دور إقليمي أكبر. ولديها في الخليج مصالح اقتصادية وسياسية، ولديها علاقات متقلبة مع دول المنطقة.
لكن تركيا تواجه تحديات مماثلة لتحديات روسيا. فهي تعاني من أزمة اقتصادية حادة، ومن توتر في علاقاتها مع الغرب، ومن منافسة مع إيران على النفوذ في المنطقة. كما أن علاقتها مع دول الخليج شهدت فترات من التوتر، خاصة بعد مقاطعة دول الخليج لقطر (التي كانت حليفة لتركيا).
في مرحلة ما بعد الانهيار، قد تسعى تركيا إلى تعزيز وجودها في الخليج، عبر الاستثمارات والاتفاقيات العسكرية والتحالفات السياسية. لكنها ستجد منافسة قوية من إيران والصين، وقد تجد نفسها مضطرة إلى تنسيق مواقفها مع هذه القوى بدلاً من منافستها.
……
القسم السابع: نحو خليج جديد
رؤية للمستقبل
(29) خليج بلا محميات: هل هو ممكن؟
السؤال الذي يطرح نفسه في نهاية هذا الفصل هو: هل يمكن أن نتصور خليجاً بلا محميات؟ خليجاً تكون فيه الدول مستقلة حقاً، قادرة على الدفاع عن نفسها، قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها، قادرة على توفير الأمن والرفاهية لشعوبها دون تبعية لأحد؟
الجواب هو نعم، هذا ممكن. ليس فقط ممكناً، بل هو ضروري. فالتاريخ لا يتوقف، والنماذج التي عفا عليها الزمن تزول، والتبعية التي كانت مقبولة في عصر تصبح مستحيلة في عصر آخر.
لكن تحقيق هذا الخليج الجديد يتطلب شروطاً. أولها: إرادة سياسية داخل دول الخليج للتغيير. فلا يمكن أن يأتي التغيير من الخارج، ولا يمكن أن تفرضه القوى الإقليمية. يجب أن تنبثق هذه الإرادة من داخل المجتمعات الخليجية نفسها، من وعي شعوبها بحقوقها، ومن قدرتها على تنظيم نفسها لتحقيقها.
ثانيها: توافق إقليمي على قواعد جديدة للعبة. فلا يمكن لدول الخليج أن تكون مستقلة إذا كانت محاطة بجيران غير مستقرين، أو إذا كانت العلاقات الإقليمية قائمة على الصراع والتنافس. يجب أن يتم التوصل إلى تفاهمات إقليمية تحترم سيادة الدول، وتضمن عدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتوفر إطاراً للتعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية.
ثالثها: دعم دولي لعملية التحول. فالعالم ليس بمعزل عن المنطقة، والقوى الدولية لها مصالح في استقرار الخليج. يجب أن تدعم هذه القوى جهود التحول، وأن تساهم في إعادة الإعمار والتنمية، وأن تتعامل مع دول الخليج كشركاء متساوين وليس كمحميات.
(30) دور شعوب الخليج في بناء المستقبل
في النهاية، مستقبل الخليج مرهون بشعوبه. فالشعوب هي صاحبة الحق في تقرير مصيرها، وهي القادرة على تغيير واقعها، وهي المستفيد الأول أو الخاسر الأول من أي تحول.
شعوب الخليج، رغم كل ما عانته من قمع وتجهيل وتفكيك، لديها وعي متزايد بحقوقها. لديها تجارب متراكمة من الاحتجاج والمطالبة بالإصلاح. لديها شبكات تواصل اجتماعي تربطها ببعضها وبالعالم. لديها نخب مثقفة قادرة على طرح رؤى بديلة للمستقبل.
المطلوب من هذه الشعوب اليوم هو أن تستغل لحظة الانهيار لانتزاع حقوقها. أن تتحرك قبل أن تفرض القوى الإقليمية والدولية أمراً واقعاً جديداً. أن تقدم رؤيتها الخاصة للمستقبل، وأن تناضل من أجل تحقيقها.
المطلوب أيضاً هو أن تتجاوز شعوب الخليج الانقسامات التي زرعتها الأنظمة لعقود: انقسامات قبلية وطائفية ومناطقية. أن تدرك أن العدو الحقيقي هو نظام التبعية والقمع، وليس الجار المختلف أو الطائفة الأخرى. أن تتحد حول أهداف مشتركة: الحرية، والكرامة، والعدالة، والتنمية.
دروس من رمال الخليج
(31) انهيار المحميات ليس نهاية التاريخ
ما نستخلصه من هذا الفصل الطويل عن انهيار المحميات الخليجية، هو أن هذا الانهيار ليس نهاية التاريخ، بل هو بداية مرحلة جديدة. مرحلة تختبر فيها شعوب الخليج قدرتها على بناء مستقبلها، وتختبر فيها القوى الإقليمية والدولية قدرتها على التعامل مع واقع جديد.
انهيار المحميات يعني نهاية نموذج استمر لعقود: نموذج التبعية مقابل الحماية، والرفاهية مقابل القمع، والاستيراد مقابل الإنتاج. وهذا الانهيار، رغم آلامه، هو فرصة لبناء نماذج جديدة أكثر استدامة، وأكثر كرامة، وأكثر عدالة.
(32) الحرية أغلى من الرفاهية
الدرس الأهم من تجربة المحميات الخليجية هو أن الحرية أغلى من الرفاهية. فدول الخليج اختارت لعقود طريق الرفاهية على حساب الحرية، ودفعت ثمناً باهظاً: تبعية للخارج، وتخلف سياسي، وهشاشة اقتصادية. واليوم، عندما انهارت الرفاهية، لم يبق لديها ما تعوض به غياب الحرية.
هذا الدرس موجه ليس فقط إلى شعوب الخليج، بل إلى كل الشعوب التي تظن أنها تستطيع تأجيل الحرية إلى ما بعد الرفاهية. فالرفاهية الحقيقية لا تتحقق إلا بالحرية. والاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بالكرامة. والتنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بالمشاركة.
(33) الشرق الأوسط الجديد يولد من رحم الألم
في النهاية، ما نشهده اليوم في الخليج ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو جزء من ولادة شرق أوسط جديد. شرق أوسط تتحرر فيه الدول من التبعية، وتستعيد فيه الشعوب كرامتها، وتُبنى فيه علاقات إقليمية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
هذا الشرق الأوسط الجديد يولد من رحم الألم: ألم الحرب، وألم الانهيار، وألم الخسائر. لكنه سيولد في النهاية، لأن الشعوب لا يمكن أن تظل أسيرة للأنظمة التي فشلت، والنماذج التي انهارت، والتبعية التي أذلتها.
وفي الفصل السادس والأخير من هذا الكتاب، سننظر إلى الصورة الأكبر: إلى تفكك الكيان الصهيوني كأحد أهم نتائج هذه الحرب، وإلى ملامح النظام العالمي الجديد الذي يولد من رحم انهيار الإمبراطورية الأمريكية.
………..
الفصل السادس
تفكك الكيان الصهيوني
هل هو ممكن؟
………
تمهيد: في زمن الأفول
(1) الكيان الذي ظن نفسه أبدياً
منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل في الرابع عشر من أيار 1948، سكنت في نفوس قادة هذا الكيان ومواطنيه فكرة عميقة: أن دولتهم ليست كغيرها من الدول، وأنها محمية بقوة إلهية قبل أن تكون محمية بقوة بشرية، وأنها أبدية لا تزول، وأنها الضمانة لبقاء الشعب اليهودي بعد قرون من الشتات والاضطهاد.
هذه الفكرة لم تكن مجرد شعور ديني أو عاطفي، بل تحولت مع الوقت إلى عقيدة سياسية راسخة، وإلى أساس للاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة. فإسرائيل بنت جيشها، وسلاحها النووي، وتحالفاتها الدولية، كل ذلك على أساس أن وجودها ليس قابلاً للمساومة، وأن أي تهديد لهذا الوجود هو تهديد وجودي يجب الرد عليه بكل قوة.
لكن التاريخ، ذلك المعلم القاسي الذي لا يرحم، يعلمنا أن لا شيء أبدياً. الإمبراطوريات التي ظنت أنها ستبقى إلى الأبد، انهارت. والدول التي بنت مجدها على القوة وحدها، تلاشت. والأفكار التي ظنت أنها ستظل مسيطرة إلى ما لا نهاية، تبخرت. وإسرائيل، رغم كل ما تملك من قوة، ليست استثناء من هذه القاعدة.
في هذا الفصل، سننظر إلى الكيان الصهيوني من زاوية مختلفة: ليس من زاوية قوته الظاهرية، بل من زاوية نقاط ضعفه الخفية. سنناقش الأوهام التي بنى عليها هذا الكيان وجوده، والعوامل التي تجعله أكثر هشاشة مما يظن، والسيناريوهات التي قد تؤدي إلى تفككه في المستقبل.
(2) ما معنى "تفكك الكيان"؟
قبل أن نبدأ، لا بد أن نحدد ما نعنيه بمصطلح "تفكك الكيان". فهذا المصطلح، الذي يتردد كثيراً في الخطاب السياسي والإعلامي، غالباً ما يُستخدم بشكل فضفاض، دون تعريف واضح لمضمونه.
تفكك الكيان لا يعني بالضرورة "الزوال" بين ليلة وضحاها، كما يتوهم البعض. إنه ليس مشهداً درامياً تنهار فيه الدولة فجأة، وتختفي من الخريطة، ويغادر سكانها كما غادر الصليبيون فلسطين قبل قرون. هذا السيناريو، رغم جاذبيته العاطفية، غير واقعي، ولا يتوافق مع طبيعة الدول الحديثة وتعقيداتها.
تفكك الكيان يعني، في التحليل العميق، سلسلة من العمليات المتوازية التي تؤدي إلى إنهاء إسرائيل كدولة يهودية، أو كدولة ذات سيادة كاملة، أو ككيان متماسك قادر على الاستمرار. هذه العمليات قد تأخذ أشكالاً متعددة:
الشكل الأول: الانهيار الداخلي. ينهار النسيج الاجتماعي الإسرائيلي نتيجة تناقضاته الداخلية: الصراع بين العلمانيين والمتدينين، والانقسام بين اليهود الشرقيين والغربيين، والخلافات السياسية الحادة، والأزمة الاقتصادية الطاحنة. يؤدي هذا الانهيار إلى هجرة عكسية واسعة، وانهيار المؤسسات، وربما حرب أهلية.
الشكل الثاني: التحول السياسي الجذري. يتحول الكيان الصهيوني من دولة يهودية إلى دولة مدنية لجميع مواطنيها، مع承認 بالحقوق المتساوية للفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، وعودة اللاجئين، وإنهاء التمييز العنصري. هذا التحول قد يكون سلمياً أو عنيفاً، لكنه في النهاية ينهي فكرة "الدولة اليهودية".
الشكل الثالث: التراجع الاستراتيجي. تفقد إسرائيل قدرتها على الاستمرار كدولة ذات سيادة كاملة في المنطقة، وتتحول إلى كيان ضعيف، تابع لقوى خارجية، غير قادر على الدفاع عن نفسه، أو فرض إرادته على جيرانه. هذا التراجع قد يكون تدريجياً، لكنه في النهاية يعني نهاية المشروع الصهيوني كما عرفناه.
في هذا الفصل، سنناقش هذه السيناريوهات الثلاثة، ونحلل احتمالات تحققها في ضوء التطورات الحالية.
القسم الأول: الأوهام الإسرائيلية
كيف بنى الكيان على رمال متحركة؟
(3) الوهم الأول: الجيش الذي لا يُقهر
منذ حرب 1967، التي حققت فيها إسرائيل نصراً ساحقاً على الجيوش العربية، ترسخت في الوعي الإسرائيلي والعربي على حد سواء أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر". الجيش الإسرائيلي، وفق هذه الأسطورة، هو أقوى جيش في المنطقة، بل من أقوى جيوش العالم، وهو قادر على هزيمة أي تحالف عربي في أي وقت، وهو الضمانة الأساسية لاستمرار الكيان.
لكن التاريخ العسكري الإسرائيلي، إذا قرأناه بعين ناقدة، لا يؤكد هذه الأسطورة. صحيح أن إسرائيل انتصرت في حرب 1967، لكن ذلك كان بفضل عوامل متعددة: المفاجأة، والدعم الغربي، وضعف الجيوش العربية في ذلك الوقت. لكن بعد ذلك، بدأت الصورة تتغير.
في حرب أكتوبر 1973، فوجئ الجيش الإسرائيلي بهجوم مصري سوري منسق، وكاد أن ينهار في الأيام الأولى. استطاع الصمود في النهاية، لكنه تكبد خسائر فادحة، وأثبت أن الأسطورة مجرد أسطورة. الجيش المصري، رغم أنه لم يحقق نصراً كاملاً، أثبت أن الجيش الإسرائيلي يمكن هزيمته.
في حرب لبنان 1982، دخل الجيش الإسرائيلي لبنان بحملة عسكرية ضخمة، بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. لكنه بدلاً من ذلك، وُلد في مستنقع لبناني استمر لسنوات، وخرج في النهاية مهزوماً من قبل المقاومة اللبنانية، دون أن يحقق أي من أهدافه.
في حرب لبنان 2006، عاد الجيش الإسرائيلي ليقاتل حزب الله، في حرب استمرت 33 يوماً. كانت النتيجة صادمة للجيش الإسرائيلي: فشل في تحقيق أي اختراق بري، وخسائر فادحة في صفوفه، واستسلام قيادته لشروط حزب الله في وقف إطلاق النار.
في حروب غزة المتكررة، من 2008 إلى 2025، واجه الجيش الإسرائيلي حركة حماس في غزة. ورغم التفوق العسكري الساحق، فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أي نصر حاسم. حماس بقيت في السلطة، وقدراتها العسكرية تطورت، وقدرتها على إلحاق الضرر بإسرائيل ازدادت.
هذا المسار الطويل من التراجع النسبي للقوة العسكرية الإسرائيلية، يقود إلى استنتاج مهم: أن الجيش الإسرائيلي لم يعد الجيش الذي كان في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. لقد تراجعت قدراته النسبية، وتآكلت هيبته، وأثبتت المقاومة الفلسطينية واللبنانية قدرتها على مواجهته وإلحاق الخسائر به.
وفي الحرب الحالية مع إيران، يواجه الجيش الإسرائيلي تحدياً جديداً من نوعه. لأول مرة، يواجه خصماً يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، وقدرة على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الإسرائيلية، وليس فقط بقواته الميدانية. الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي كانت تعتبر في مأمن لعقود، أصبحت في مرمى النار. وهذا يشكل تحولاً جذرياً في معادلة الردع الإسرائيلية.
(4) الوهم الثاني: المظلة الأمريكية التي لا تسقط
الوهم الإسرائيلي الثاني، وهو لا يقل أهمية عن الأول، هو وهم أن أمريكا ستقف إلى جانب إسرائيل في كل الأحوال، وستحميها من أي خطر، وستضمن تفوقها العسكري على كل جيرانها.
هذا الوهم بني على تجارب تاريخية كثيرة. فمنذ تأسيس إسرائيل، كانت أمريكا الداعم الأساسي لها: سياسياً، في مجلس الأمن والمنظمات الدولية؛ وعسكرياً، بتقديم أحدث الأسلحة والتكنولوجيا؛ واقتصادياً، بتقديم مساعدات سنوية تصل إلى 3.8 مليار دولار؛ ودبلوماسياً، باستخدام حق النقض (الفيتو) لحماية إسرائيل من أي قرار دولي ينتقدها.
لكن هذا الدعم، رغم قوته، ليس مطلقاً. فالمصالح الأمريكية لا تتطابق دائماً مع المصالح الإسرائيلية. والرأي العام الأمريكي، خاصة في صفوف الديمقراطيين الشباب، بدأ يتغير تجاه إسرائيل. والضغوط الدولية على أمريكا لتبني موقف أكثر توازناً تتزايد.
في الحرب الحالية، بدأت ملامح هذا التراجع في الدعم الأمريكي تظهر. فإدارة ترامب، رغم أنها بدأت الحرب بدعم قوي لإسرائيل، بدأت تتراجع مع استمرار الحرب وارتفاع التكاليف. والكونغرس الأمريكي، رغم دعمه التقليدي لإسرائيل، بدأ يطرح أسئلة حرجة حول تكاليف الحرب. والرأي العام الأمريكي، الذي كان متحمساً للحرب في البداية، بدأ يتساءل: لماذا ندفع ثمن حرب إسرائيل؟
إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فقد يتحول هذا التراجع في الدعم إلى أزمة حقيقية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وقد تجد إسرائيل نفسها في موقف لم تعهده من قبل: وحدها في مواجهة محور المقاومة، دون الغطاء الأمريكي الذي اعتادت عليه.
(5) الوهم الثالث: التفوق التكنولوجي الذي لا يُخترق
الوهم الثالث، وهو الأكثر حداثة، هو وهم التفوق التكنولوجي. فإسرائيل تعتبر نفسها رائدة في مجالات التكنولوجيا العسكرية: الطائرات المسيرة، وأنظمة الدفاع الجوي (القبة الحديدية، ومقلاع داود، والجدار الصخري)، والتجسس الإلكتروني، وغيرها.
هذه التكنولوجيا أعطت إسرائيل شعوراً زائفاً بالأمان. فالقبة الحديدية، التي اعترضت آلاف الصواريخ من غزة، خلقت اعتقاداً بأن إسرائيل محصنة ضد أي هجوم صاروخي. لكن الحرب مع إيران كشفت حدود هذه الأنظمة.
فالصواريخ الإيرانية الباليستية، التي تسقط بسرعة تفوق سرعة الصوت، أكثر صعوبة في الاعتراض من صواريخ حماس البدائية. والهجمات المتزامنة بأعداد كبيرة يمكن أن تشبع أنظمة الدفاع الجوي، وتجعلها غير قادرة على اعتراض كل الصواريخ. والطائرات المسيرة التي تطير على ارتفاع منخفض، تشكل تحدياً آخر لأنظمة الدفاع الجوي المصممة لاعتراض الصواريخ.
في الحرب الحالية، أثبتت القدرات الإيرانية قدرتها على اختراق الدفاعات الإسرائيلية. فقد استهدفت إيران محطة تكرير النفط في حيفا، وضربت أهدافاً حساسة أخرى في العمق الإسرائيلي. هذا يظهر أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي ليس مطلقاً، وأن هناك ثغرات يمكن استغلالها.
(6) الوهم الرابع: التماسك الداخلي الذي لا ينكسر
الوهم الرابع، والأكثر خطورة على المدى الطويل، هو وهم التماسك الداخلي. فإسرائيل، رغم كل انقساماتها الداخلية، نجحت في الحفاظ على صورة المجتمع المتماسك المتحد في مواجهة الأعداء الخارجيين. هذه الصورة بنيت على أسطورة "الجيش الشعبي" الذي يجمع كل فئات المجتمع، وعلى فكرة أن الخطر الوجودي يلغي كل الخلافات.
لكن الحقيقة أن المجتمع الإسرائيلي يعاني من انقسامات عميقة، تتفاقم مع الوقت، وقد تصل إلى درجة الانفجار في ظل أزمة كبرى.
الانقسام الأول: بين العلمانيين والمتدينين. هذا هو أعمق انقسام في المجتمع الإسرائيلي. العلمانيون يرون في المتدينين (الحريديم) عبئاً اقتصادياً، لأنهم لا يخدمون في الجيش ولا يعملون في سوق العمل، ويعتمدون على الإعانات الحكومية. والمتدينون يرون في العلمانيين تهديداً للهوية اليهودية للدولة. هذا الصراع وصل في السنوات الأخيرة إلى درجة أزمات سياسية حادة، وكاد أن يؤدي إلى انهيار حكومات متعددة.
الانقسام الثاني: بين اليهود الشرقيين والغربيين. اليهود الشرقيون (الذين أتوا من الدول العربية والإسلامية) يعانون من تمييز اقتصادي واجتماعي طويل الأمد، ويشعرون أن المؤسسة الحاكمة (التي يهيمن عليها اليهود الغربيون من أصول أوروبية) لا تمثلهم. هذا الانقسام له أبعاد طبقية وثقافية عميقة، وقد يظهر في لحظات الأزمات.
الانقسام الثالث: بين اليسار واليمين. الانقسام السياسي في إسرائيل هو الأكثر حدة في تاريخها. اليسار يدعو إلى حل الدولتين والانسحاب من الأراضي المحتلة، واليمين يدعو إلى الضم والتوسع الاستيطاني. هذا الانقسام وصل إلى درجة العنف السياسي، كما رأينا في اغتيال إسحاق رابين عام 1995، وفي الاحتجاجات الحاشدة ضد حكومة نتنياهو في السنوات الأخيرة.
الانقسام الرابع: بين الفلسطينيين في الداخل وبقية المجتمع. الفلسطينيون في إسرائيل (ما يسمى عرب 48) يشكلون حوالي 20% من سكان الدولة. وهم يعانون من تمييز نظامي في كل المجالات، ويرون أنفسهم جزءاً من الأمة الفلسطينية، وليس جزءاً من المشروع الصهيوني. هذا الانقسام هو الأكثر خطورة، لأنه يهدد هوية إسرائيل كدولة يهودية.
هذه الانقسامات الأربعة، في الظروف العادية، تبقى تحت السطح، ولا تهدد استقرار الكيان. لكن في ظل حرب طويلة، مع خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، قد تتفجر، وقد تؤدي إلى انهيار داخلي لا يمكن السيطرة عليه.
القسم الثاني: عوامل الضعف الداخلية
لماذا إسرائيل أكثر هشاشة مما تظن؟
(7) الاعتماد على الدعم الخارجي: نقطة الضعف الأكبر
إذا نظرنا إلى البنية الإسرائيلية من زاوية اقتصادية، نجد أن نقطة ضعفها الأكبر هي اعتمادها الهائل على الدعم الخارجي. فإسرائيل، رغم كل ما يقال عن "اقتصادها القوي"، لا تستطيع الصمود طويلاً دون مساعدات خارجية.
المساعدات العسكرية الأمريكية، التي تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً، تشكل جزءاً كبيراً من الميزانية العسكرية الإسرائيلية. هذه المساعدات ليست مجرد أموال، بل هي أيضاً ضمانة للحصول على أحدث الأسلحة الأمريكية، وللحفاظ على التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي. إذا توقفت هذه المساعدات، أو حتى تراجعت، فإن الجيش الإسرائيلي سيواجه صعوبات كبيرة في الحفاظ على قدراته.
الاستثمارات الأجنبية، وخاصة من اليهود في الشتات، تشكل ركيزة أخرى للاقتصاد الإسرائيلي. اليهود في أمريكا وأوروبا يتبرعون بمليارات الدولارات سنوياً لإسرائيل، ويستثمرون في شركاتها التكنولوجية. هذه الاستثمارات حساسة جداً للوضع الأمني في إسرائيل. فإذا شعر المستثمرون أن إسرائيل أصبحت غير آمنة، أو أن مستقبلها غير مضمون، فإنهم قد ينسحبون بسرعة.
السندات الإسرائيلية، التي تصدرها الحكومة الإسرائيلية في الأسواق العالمية، تعتمد على ثقة المستثمرين في قدرة إسرائيل على السداد. في حال حدوث أزمة اقتصادية كبيرة، أو تدهور التصنيف الائتماني لإسرائيل، فإن القدرة على جمع الأموال من الأسواق ستتراجع.
هذا الاعتماد على الدعم الخارجي يجعل إسرائيل عرضة للابتزاز. فالدول المانحة يمكنها أن تضع شروطاً على مساعداتها، والمستثمرون يمكنهم أن ينسحبوا في أي لحظة، والأسواق المالية يمكنها أن تعاقب إسرائيل إذا فقدت الثقة فيها. وفي لحظة الأزمة، قد تجد إسرائيل نفسها وحدها، بدون شبكة الأمان الخارجية التي اعتادت عليها.
(8) العزلة الدولية المتزايدة: من الحليف المفضل إلى الدولة المنبوذة
لطالما كانت إسرائيل تعتمد على دعم غربي قوي، وخاصة من الولايات المتحدة. لكن هذا الدعم بدأ يتآكل في السنوات الأخيرة، وقد يتحول إلى عزلة دولية متزايدة في المستقبل.
في الأمم المتحدة، إسرائيل هي أكثر دولة تتعرض للإدانة في المنظمات الدولية. مئات القرارات الأممية تدين السياسات الإسرائيلية، وخاصة في الأراضي المحتلة. الدعم الأمريكي كان يحمي إسرائيل من عواقب هذه الإدانات، باستخدام الفيتو في مجلس الأمن. لكن إذا تراجع الدعم الأمريكي، أو إذا تغيرت الإدارة الأمريكية، فقد تجد إسرائيل نفسها معزولة دولياً.
في المحاكم الدولية، المحكمة الجنائية الدولية فتحت تحقيقاً في جرائم حرب إسرائيلية، وأصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت. هذه الخطوة، رغم أنها محدودة التأثير حالياً، تضع إسرائيل في موقع المتهم أمام المجتمع الدولي. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الإجراءات إلى وصمة عار قانونية تجعل أي سفر لمسؤولي إسرائيل إلى الدول الأوروبية محفوفاً بالمخاطر.
في العلاقات مع الدول العربية، اتفاقيات أبراهام (مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان) كانت تمثل اختراقاً دبلوماسياً كبيراً لإسرائيل. لكن هذه الاتفاقيات بنيت على فرضية أن إسرائيل قوية، وأن التحالف معها هو في مصلحة الدول العربية. إذا بدت إسرائيل ضعيفة، أو إذا انهارت الأنظمة العربية الحالية، فإن هذه الاتفاقيات قد تنهار أيضاً.
في أوروبا، الموقف الأوروبي من إسرائيل بدأ يتغير. فالدول الأوروبية، وخاصة في الجنوب (إسبانيا وإيرلندا)، أصبحت أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. والرأي العام الأوروبي، الذي تأثر بتغطية إعلامية أكثر توازناً للصراع، أصبح أقل تعاطفاً مع إسرائيل. هذا التغير قد يؤدي إلى مواقف رسمية أكثر تشدداً تجاه إسرائيل في المستقبل.
(9) الجبهة الداخلية: الفقاعة التي قد تنفجر
أخطر نقاط الضعف الإسرائيلية تكمن في الداخل، في النسيج الاجتماعي الهش الذي يختبئ وراء واجهة القوة العسكرية.
الجيش الإسرائيلي، الذي كان يعتبر "الجيش الشعبي" الذي يجمع كل فئات المجتمع، يعاني اليوم من أزمة عميقة. الحريديم (المتدينون المتشددون) يرفضون الخدمة العسكرية، مما يخلق استياءً كبيراً في صفوف العلمانيين الذين يتحملون العبء الأكبر. كما أن الاستيطان في الضفة الغربية خلق جيشاً من المستوطنين المتطرفين، الذين يفضلون حماية المستوطنات على حماية حدود الدولة. هذا التصدع في الجيش يهدد قدرته على العمل كجيش موحد.
الاقتصاد الإسرائيلي، رغم قوته الظاهرية، يعاني من مشاكل بنيوية. تكاليف المعيشة مرتفعة جداً، والفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع، والبطالة بين بعض الفئات (خاصة الشباب العرب والحريديم) مرتفعة. في ظل حرب طويلة، قد تتفاقم هذه المشاكل، وتؤدي إلى احتجاجات اجتماعية حادة.
الهوية الإسرائيلية، التي كانت تقوم على فكرة "اليهودية" كجامع مشترك، تواجه تحديات كبيرة. فالعلمانيون يريدون دولة مدنية، والمتدينون يريدون دولة حلال، والفلسطينيون في الداخل يريدون دولة مواطنة متساوية، واليهود الشرقيون يريدون اعترافاً بهويتهم. هذه الرؤى المتضاربة للهوية قد تصل إلى درجة الصراع المفتوح في لحظة الأزمات.
(10) الهجرة العكسية: نزيف الدماغ الذي يهدد البقاء
منذ تأسيس إسرائيل، كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين هي أساس المشروع الصهيوني. فبدون تدفق المهاجرين، لم يكن هناك عدد كافٍ من اليهود لتأسيس دولة، ولا لاستمرارها. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت ظاهرة معاكسة تظهر: الهجرة العكسية، أو ما يعرف بـ "yerida" (النزول) في المصطلح الصهيوني.
آلاف الإسرائيليين، وخاصة من الشباب المتعلم، يغادرون إسرائيل سنوياً إلى أمريكا وأوروبا وكندا. أسباب الهجرة متعددة: ارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم الاستقرار السياسي، والصراع المستمر، والشعور بأن مستقبل إسرائيل غير مضمون. هذه الهجرة، إذا استمرت، ستؤدي إلى "نزيف الدماغ": فقدان الكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي.
في ظل حرب طويلة، قد تتفاقم هذه الظاهرة. فالخوف من القصف، والشعور بعدم الأمان، والتدهور الاقتصادي، كلها عوامل تدفع الإسرائيليين إلى البحث عن مستقبل أفضل في الخارج. وإذا وصلت الهجرة العكسية إلى مستويات كبيرة، فقد تهدد الوجود الديموغرافي لإسرائيل، خاصة في ظل ارتفاع معدلات المواليد بين الفلسطينيين في الداخل.
القسم الثالث: سيناريوهات التفكك
كيف يمكن أن يحدث؟
(11) السيناريو الأول: الانهيار الداخلي المفاجئ
أكثر السيناريوهات دراماتيكية، وإن كان أقلها احتمالاً، هو سيناريو الانهيار الداخلي المفاجئ. في هذا السيناريو، تتفجر الانقسامات الداخلية الإسرائيلية فجأة، نتيجة أزمة حادة، مما يؤدي إلى شلل الدولة، وانهيار الجيش، واحتمال حرب أهلية.
كيف يمكن أن يحدث؟ تخيل أن الحرب مع إيران تطول، وأن الخسائر البشرية والاقتصادية تتزايد. تخيل أن القبة الحديدية تفشل في اعتراض صاروخ كبير يسقط على تل أبيب، مما يوقع مئات القتلى. تخيل أن الحكومة الإسرائيلية تتهم المعارضة بالخيانة، وأن المعارضة تتهم الحكومة بالتسبب في الكارثة. تخيل أن الجيش ينقسم بين مؤيد ومعارض للحكومة، وأن المتطرفين الدينيين يرفضون أوامر القيادة. تخيل أن الفلسطينيين في الداخل يعلنون العصيان المدني، وأن المستوطنين في الضفة الغربية يعلنون الاستقلال.
في هذه الظروف، قد ينهار الكيان الإسرائيلي في غضون أسابيع. الجيش، الذي كان رمز الوحدة، يصبح ساحة صراع. الدولة، التي كانت مركز القرار، تشل. المجتمع، الذي كان متماسكاً ظاهرياً، يتفكك إلى طوائف متناحرة. والنتيجة: دولة فاشلة، تعاني من حرب أهلية، وانهيار اقتصادي، وهجرة جماعية.
هذا السيناريو ليس خيالاً علمياً. لقد حدثت نماذج مشابهة في دول أخرى: انهيار الاتحاد السوفيتي، وحرب يوغوسلافيا الأهلية، وانهيار الدولة في لبنان وسوريا واليمن. إسرائيل ليست محصنة ضد مثل هذه السيناريوهات، خاصة في ظل الانقسامات العميقة التي تعاني منها.
(12) السيناريو الثاني: التحول إلى دولة مدنية
السيناريو الثاني، وهو الأكثر احتمالاً في حال حدوث تغيير تدريجي، هو تحول إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة مدنية لجميع مواطنيها.
كيف يمكن أن يحدث؟ تخيل أن الضغط الدولي على إسرائيل يتزايد، وأن العقوبات الاقتصادية تفرض عليها، وأن المقاطعة الدولية (BDS) تحقق نجاحات كبيرة. تخيل أن المجتمع الإسرائيلي ينقسم بين من يريد الاستمرار في الصراع ومن يريد إنهاءه، وأن التيار الداعي إلى حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة يكتسب قوة. تخيل أن الفلسطينيين في الداخل، الذين يشكلون 20% من السكان، ينجحون في تحقيق تحالفات مع قطاعات من المجتمع اليهودي (العلمانيين واليسار) للمطالبة بدولة مدنية متساوية.
في هذا السيناريو، قد يتم الاتفاق على دستور جديد لإسرائيل، يعترف بالحقوق المتساوية لجميع المواطنين، وينهي التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، ويسمح بعودة اللاجئين بشكل تدريجي. هذا التحول قد يكون سلمياً، من خلال انتخابات واستفتاءات، أو قد يكون عنيفاً، بعد صراع داخلي طويل.
النتيجة: إسرائيل لم تعد دولة يهودية، بل دولة مدنية لجميع مواطنيها. هذا يعني نهاية المشروع الصهيوني كما عرفناه، وتحول الصراع من صراع وجودي إلى صراع سياسي داخل دولة واحدة.
(13) السيناريو الثالث: التراجع الاستراتيجي التدريجي
السيناريو الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، هو سيناريو التراجع الاستراتيجي التدريجي. في هذا السيناريو، لا تنهار إسرائيل فجأة، ولا تتحول إلى دولة مدنية بين ليلة وضحاها، بل تتراجع تدريجياً، وتفقد قدرتها على الهيمنة، وتتحول من قوة إقليمية إلى كيان ضعيف.
كيف يمكن أن يحدث؟ تخيل أن الحرب مع إيران تنتهي بتسوية لا تحقق الأهداف الإسرائيلية. تخيل أن إيران تخرج من الحرب أقوى، مع تعزيز نفوذها الإقليمي، وتطوير قدراتها الصاروخية. تخيل أن حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين يخرجان من الحرب أكثر خبرة وأكثر تسليحاً. تخيل أن الدول العربية تبدأ في إعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل، خاصة إذا تراجع الدعم الأمريكي.
في هذا السيناريو، تجد إسرائيل نفسها في موقف دفاعي. لم تعد قادرة على شن حروب استباقية، ولم تعد قادرة على فرض إرادتها على جيرانها، ولم تعد قادرة على ضمان أمن مستوطناتها. تبدأ الهجرة العكسية في التزايد، والاقتصاد في التراجع، والانقسامات الداخلية في التفاقم. إسرائيل تبقى دولة، لكنها دولة ضعيفة، غير قادرة على الاستمرار بمفردها، تبحث عن حامٍ خارجي يحميها.
مع الوقت، قد يؤدي هذا التراجع إلى انهيار تدريجي، أو إلى تحول سياسي، أو إلى حالة من الفشل المزمن تجعل من إسرائيل عبئاً على حلفائها أكثر مما هي قوة.
…..
القسم الرابع: العوامل الخارجية المسرعة للتفكك
كيف تلعب القوى الإقليمية والدولية دورها؟
(14) محور المقاومة: من الدفاع إلى الهجوم
منذ تأسيس إسرائيل، كان محور المقاومة (الذي يمثله الفلسطينيون أولاً، ثم الدول والحركات الداعمة لهم) في موقع دفاعي. كان الهدف الأساسي هو الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي، ومنع المزيد من الخسائر، والحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأ ميزان القوى يتغير. حزب الله في لبنان أصبح يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة قادرة على ضرب أي هدف في إسرائيل. حماس في غزة طورت قدراتها العسكرية وأثبتت قدرتها على الصمود في وجه الحروب المتكررة. إيران امتلكت قدرات صاروخية متطورة، وأقامت شبكة من الحلفاء تمتد من الخليج إلى المتوسط. واليمن أصبح ساحة لاستنزاف القوات الإقليمية المدعومة من إسرائيل.
في الحرب الحالية، لأول مرة، ينتقل محور المقاومة من الدفاع إلى الهجوم. فإيران لم تعد تكتفي بالدفاع عن نفسها، بل تمد يدها لتضرب القواعد الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. حزب الله لم يعد يكتفي بالردع، بل يهدد بفتح جبهة شمالية قد تكون مدمرة لإسرائيل. حماس لم تعد تكتفي بإطلاق الصواريخ على غلاف غزة، بل تهدد بعمليات داخل العمق الإسرائيلي.
هذا التحول من الدفاع إلى الهجوم يغير المعادلة بأكملها. فإسرائيل، التي اعتادت أن تكون هي من تختار زمان ومكان المعركة، تجد نفسها اليوم مضطرة للدفاع على جبهات متعددة، في وقت واحد، دون أن تكون قادرة على إنهاء أي منها.
(15) الدور الفلسطيني: من هامش إلى مركز
لطالما حاولت إسرائيل تهميش القضية الفلسطينية، وإخراجها من مركز الصراع. فمن خلال اتفاقيات أبراهام، حاولت تطبيع العلاقات مع الدول العربية دون حل القضية الفلسطينية. ومن خلال تقسيم الضفة الغربية وقطاع غزة، حاولت فصل الشعب الفلسطيني عن قيادته. ومن خلال تعزيز الانقسام بين فتح وحماس، حاولت منع ظهور قيادة فلسطينية موحدة.
لكن في الحرب الحالية، عادت القضية الفلسطينية إلى مركز الصراع. فالشعب الفلسطيني، رغم كل ما يعانيه من قمع وتشريد وتهميش، يثبت مرة بعد مرة أن قضيته هي جوهر الصراع، وأنه لا يمكن تجاوزها. المظاهرات في الضفة الغربية، والعمليات في القدس، والتوحد الشعبي حول المقاومة، كلها مؤشرات على أن الفلسطينيين ما زالوا القوة الدافعة في هذا الصراع.
إذا نجح الفلسطينيون في تحقيق وحدة وطنية حقيقية، وإذا استطاعوا تطوير قدراتهم العسكرية والسياسية، وإذا حصلوا على دعم إقليمي ودولي أقوى، فإنهم قد يصبحون العامل الحاسم في تفكك الكيان الصهيوني. فإسرائيل لا يمكن أن تستمر كدولة يهودية إذا كان 20% من سكانها فلسطينيين، وإذا كان ملايين اللاجئين يطالبون بالعودة، وإذا كانت الأراضي المحتلة تشتعل بالانتفاضات.
(16) التحولات في العالم العربي: من التطبيع إلى المواجهة
اتفاقيات أبراهام كانت تمثل ذروة التطبيع العربي مع إسرائيل. فقد وقعت أربع دول عربية (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، وقطعت الطريق على الادعاء بأن التطبيع مشروط بحل القضية الفلسطينية. لكن هذه الاتفاقيات، رغم أهميتها، لم تكن تعبر عن إرادة الشعوب العربية، بل كانت قرارات اتخذتها أنظمة حاكمة، في لحظة كانت تعتقد فيها أن إسرائيل قوية وأن أمريكا داعمة.
مع استمرار الحرب الحالية، وانهيار المظلة الأمنية الأمريكية، وتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، قد تبدأ هذه الاتفاقيات في الانهيار. فالأنظمة العربية التي راهنت على إسرائيل قد تجد نفسها في موقف حرج أمام شعوبها الغاضبة. وقد تضطر إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل، أو على الأقل إلى تجميدها.
الأهم من ذلك، أن الشعوب العربية، التي كانت مشغولة بقضاياها الداخلية لسنوات، بدأت تعود إلى القضية الفلسطينية. المظاهرات الحاشدة التي شهدتها العواصم العربية في بداية الحرب، والغضب الشعبي الذي اجتاح الشارع العربي، كلها مؤشرات على أن القضية الفلسطينية ما زالت حية في الوعي الجمعي العربي. وإذا تحول هذا الغضب إلى حركات سياسية فاعلة، فقد يشكل ذلك ضغطاً كبيراً على الأنظمة العربية لتغيير سياساتها تجاه إسرائيل.
(17) الدور الأمريكي: من الحامي إلى المتخلي
لعل العامل الأكثر أهمية في تفكك الكيان الصهيوني هو تغير الدور الأمريكي. فإسرائيل، كما قلنا، بنيت وجودها واستمرارها على الدعم الأمريكي. إذا تراجع هذا الدعم، أو إذا تغيرت طبيعته، فإن أساس الوجود الإسرائيلي يهتز.
السيناريو الأكثر ترجيحاً لتغير الدور الأمريكي هو وصول إدارة ديمقراطية إلى البيت الأبيض، إدارة أقل حماسة لإسرائيل، وأكثر استعداداً للضغط عليها لقبول حل الدولتين. هذا السيناريو ليس بعيداً، خاصة إذا استمرت الحرب وتسببت في أضرار اقتصادية لأمريكا.
لكن السيناريو الأكثر دراماتيكية هو انسحاب أمريكي تدريجي من المنطقة، شبيه بالانسحاب البريطاني عام 1971. في هذا السيناريو، تقرر أمريكا أن الوجود في الشرق الأوسط لم يعد في مصلحتها، وأن التكاليف تفوق الفوائد. فتنسحب قواعدها العسكرية، وتخفض مساعداتها، وتتخلى عن التزاماتها تجاه حلفائها. هذا الانسحاب، إذا حدث، سيكون ضربة قاصمة لإسرائيل، التي ستجد نفسها وحدها في مواجهة محور المقاومة.
…..
القسم الخامس: العقبات أمام التفكك
لماذا قد لا يحدث؟
(18) التماسك في مواجهة الخطر الخارجي
على الرغم من كل نقاط الضعف التي ذكرناها، هناك عوامل تعمل لصالح استمرار الكيان الصهيوني. أهم هذه العوامل هو أن الخطر الخارجي يخلق تماسكاً داخلياً. ففي لحظات التهديد الوجودي، تميل المجتمعات إلى التماسك والتوحد، وتأجيل الخلافات الداخلية إلى وقت لاحق.
هذا ما حدث في إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023، حيث تلاشت الانقسامات الحادة التي كانت تشهدها البلاد قبل الهجوم، واصطف الجميع خلف الحكومة والجيش. وهذا ما قد يحدث مرة أخرى إذا شعر الإسرائيليون أن وجودهم مهدد. فخطر إيران، وحزب الله، وحماس، قد يكون كافياً لتأجيل الخلافات الداخلية، وإعادة توحيد المجتمع حول هدف واحد: البقاء.
(19) القوة العسكرية والردع
العامل الثاني لاستمرار إسرائيل هو قوتها العسكرية، التي لا تزال كبيرة جداً. فرغم كل الانتقادات، الجيش الإسرائيلي لا يزال الأقوى في المنطقة، ويمتلك ترسانة نووية، وقدرات تقنية متطورة، وخبرة قتالية كبيرة. هذه القوة تردع الأعداء، وتجعلهم يترددون قبل شن هجوم شامل على إسرائيل.
كما أن إسرائيل تمتلك قدرة على الردع النووي، وهو ما يضمن عدم تعرضها لهجوم وجودي من أي دولة. فحتى لو انهارت قدراتها التقليدية، فإن السلاح النووي يظل الضمانة الأخيرة لاستمرارها.
(20) الدعم الغربي المستمر
العامل الثالث هو الدعم الغربي المستمر، خاصة من الولايات المتحدة. فرغم التراجع النسبي في هذا الدعم، لا توجد مؤشرات على انسحاب أمريكي كامل من المنطقة، أو على توقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل. فالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية هي علاقات استراتيجية، متجذرة في المصالح المشتركة، والروابط الثقافية، والضغط السياسي من اللوبي الإسرائيلي.
حتى لو وصلت إدارة ديمقراطية إلى البيت الأبيض، فإنها ستحافظ على الدعم الأساسي لإسرائيل، وإن كانت قد تختلف معها في بعض التفاصيل. والانسحاب الأمريكي الكامل من المنطقة، كما حدث مع بريطانيا عام 1971، غير وارد في المدى المنظور.
(21) غياب البديل
العامل الرابع هو غياب بديل واقعي للكيان الصهيوني. فالقوى التي قد تسعى إلى تفكيك إسرائيل (إيران، حزب الله، حماس) لا تملك القدرة على تحقيق ذلك، ولا تملك رؤية واضحة لما بعد التفكك. والمجتمع الدولي، حتى أكثر أطرافه انتقاداً لإسرائيل، لا يدعو إلى زوالها، بل إلى حل الدولتين أو الدولة الواحدة المتساوية.
هذا الغياب للبديل يجعل من الصعب تحقيق تفكك فعلي للكيان. فحتى لو تراجعت إسرائيل، فإنها ستظل موجودة، لأن لا أحد يستطيع أو يريد إزالتها.
دروس في زوال الأوهام
(22) لا شيء أبدياً
ما نستخلصه من هذا الفصل هو أن لا شيء أبدياً. إسرائيل، رغم كل قوتها، ليست استثناء من هذه القاعدة. إنها دولة مثل غيرها، لها نقاط قوة ونقاط ضعف، وقد تزدهر وقد تتراجع، وقد تستمر وقد تزول.
الأوهام التي بنى عليها الكيان الصهيوني وجوده - الجيش الذي لا يُقهر، والمظلة الأمريكية التي لا تسقط، والتفوق التكنولوجي الذي لا يُخترق، والتماسك الداخلي الذي لا ينكسر - كلها أوهام بدأت تتصدع. ومع تصدع هذه الأوهام، يبدأ الكيان في الاهتزاز.
(23) التفكك ليس مستحيلاً
الدرس الثاني هو أن تفكك الكيان الصهيوني ليس مستحيلاً. صحيح أنه غير مرجح في المدى القريب، وصحيح أن العقبات كبيرة، لكنه ممكن في المدى المتوسط والبعيد، إذا توفرت الشروط المناسبة.
التاريخ يعلمنا أن الدول التي تبدو أقوى ما تكون، غالباً ما تكون في أضعف حالاتها. وأن الإمبراطوريات التي تبدو أبدية، غالباً ما تكون على شفا الانهيار. وأن الأوهام التي تبدو راسخة، غالباً ما تكون أولى ضحايا الأزمات.
(24) مقاومة الاحتلال هي الطريق
الدرس الثالث، والأهم، هو أن تفكك الكيان الصهيوني لن يتحقق بالدعاء والتمنيات، ولن يتحقق بالقرارات الدولية وحدها، ولن يتحقق بانتظار انهياره من الداخل. إنه يتحقق بالمقاومة. المقاومة التي تستنزف العدو، وتكشف هشاشته، وتفكك أوهامه.
المقاومة الفلسطينية، والمقاومة اللبنانية، والمقاومة الإيرانية، كلها تشكل معاً محوراً قادراً على تغيير موازين القوى في المنطقة. ومع استمرار هذه المقاومة، وتطور قدراتها، وتوسع تحالفاتها، يصبح تفكك الكيان الصهيوني احتمالاً واقعياً، وليس مجرد حلم.
(25) فلسطين للفلسطينيين
في النهاية، مستقبل فلسطين هو مستقبل شعبه. لا إيران، ولا حزب الله، ولا أي قوة خارجية، يمكنها أن تمنح الفلسطينيين حريتهم. الحرية تُنتزع، لا تُمنح. وفلسطين ستعود إلى أهلها عندما يمتلك الفلسطينيون الإرادة والقوة لاستعادتها.
هذه الحرب، التي تشتعل في المنطقة، قد تكون بداية النهاية للكيان الصهيوني. ليس لأنها ستدمره عسكرياً، بل لأنها كشفت عن هشاشته، وأضعفت ردعه، وزادت من عزلته، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الصراع. والشعب الفلسطيني، الذي صمد لأكثر من سبعين عاماً، قادر على الصمود حتى النصر.
وفي الخاتمة العامة لهذا الكتاب، سننظر إلى الصورة الأكبر: إلى النظام العالمي الجديد الذي يولد من رحم انهيار الإمبراطورية الأمريكية، وإلى دور شعوب المنطقة في تشكيل هذا النظام، وإلى الإجابة عن السؤال الأكبر: إلى أين تتجه الأمور؟
……..
الخاتمة
نحو عالم جديد
ملامح ما بعد الانهيار
………
تمهيد: في لحظة التحول الكبرى
(1) بين عالم يموت وعالم يولد
في زمن التحولات الكبرى، حين تنهار الإمبراطوريات وتتلاشى الهيمنات، وتنهار المحميات وتتفكك الكيانات، يعيش البشر لحظة فريدة من نوعها: لحظة تتقاطع فيها النهايات مع البدايات، وتتصافح فيها الخرائب مع الآمال، وترقص فيها أشباح الماضي مع أجنحة المستقبل. إنها لحظة انفلاق الزمن عن نفسه، لحظة تشبه لحظة الفجر التي لا تدري أهي جزء من الليل الماضي أم هي بداية النهار الآتي.
في هذه اللحظة الفارقة نعيش اليوم. في هذه اللحظة التي بدأت مع صبيحة الثامن والعشرين من شباط 2026، عندما هزت صواريخ أمريكا وإسرائيل سماء طهران، وردت إيران بإغلاق مضيق هرمز، وانهارت أسواق دبي في أسابيع، وتهاوت مشاريع الرؤية السعودية، وترنح الكيان الصهيوني تحت وطأة الضربات، وانكشفت هشاشة المحميات الخليجية، وتصدعت أوهام الإمبراطورية الأمريكية.
عالم يموت. عالم كانت أمريكا فيه هي القطب الأوحد، وكان الدولار هو عملة العالم، وكانت القواعد العسكرية الأمريكية هي ضامنة الأمن، وكانت المحميات الخليجية هي نمط التبعية السائد، وكان الكيان الصهيوني هو الجندي الأمين للإمبراطورية. هذا العالم يموت اليوم، يموت موتاً بطيئاً، لكنه موت محتوم، لأن كل إمبراطورية في التاريخ، مهما بلغت قوتها، كتب عليها الأفول.
وعالم يولد. عالم جديد لا نعرف ملامحه كلها بعد، لكننا نستطيع أن نرى بعض ملامحه من خلال الغيوم. عالم تتعدد فيه مراكز القوى، وتتنوع فيه أنماط التبعية، وتتصارع فيه المشاريع السياسية، وتتسابق فيه الشعوب نحو الحرية. عالم يولد من رحم الألم الذي نعيشه اليوم، من رحم الخراب الذي نشهده، من رحم الدماء التي تسيل.
هذه الخاتمة هي محاولة لرسم ملامح هذا العالم الجديد. ليست محاولة للتنبؤ بالمستقبل، فالتنبؤ بالمستقبل حرفة العرافين وليس حرفة المفكرين. إنها محاولة لقراءة المؤشرات، واستخلاص الدروس، وفهم الاتجاهات الكبرى التي ستشكل السنوات والعقود القادمة. إنها دعوة للتأمل في لحظة التحول الكبرى، واستخلاص العبر، والاستعداد لما هو آت.
(2) قراءة في مفاصل التحول
لكي نفهم العالم الجديد الذي يولد، لا بد أن نقرأ التحولات التي نشهدها اليوم في مفاصلها الأساسية. هذه التحولات ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي علامات على تغيرات بنيوية، عميقة، ستغير وجه المنطقة والعالم لعقود قادمة.
المفصل الأول: انهيار الهيمنة الأمريكية الأحادية. هذا هو أكبر تحول في النظام العالمي منذ سقوط جدار برلين. أمريكا لم تعد القطب الأوحد في العالم. صحيح أنها لا تزال القوة العسكرية الأولى، ولا تزال القوة الاقتصادية الأكبر، لكنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها على العالم كما كانت تفعل في تسعينيات القرن الماضي. العالم اليوم متعدد الأقطاب، وفيه مراكز قوى متعددة: الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والهند، وقوى إقليمية صاعدة. وهذا التعدد يخلق فرصاً جديدة، ويطرح تحديات جديدة.
المفصل الثاني: انهيار نظام البترودولار. الدولار الأمريكي كان لعقود عملة العالم بلا منازع. النفط كان يُسعر بالدولار، والاحتياطيات العالمية كانت تحتفظ بالدولار، والتجارة الدولية كانت تجري بالدولار. هذا الوضع أعطى أمريكا امتيازاً هائلاً: أن تطبع النقود بلا حدود، وأن تمرر أزماتها الاقتصادية إلى بقية العالم. لكن هذا النظام بدأ في الانهيار. الصين وروسيا ودول أخرى بدأت تتعامل بعملاتها الوطنية في تجارة النفط. دول الخليج، تحت وطأة الحرب، قد تضطر إلى بيع نفطها باليوان أو الروبل. إذا انهار نظام البترودولار، فإن الهيمنة المالية الأمريكية تنهار معه.
المفصل الثالث: تحول مركز الثقل العالمي. لقرون، كان مركز الثقل العالمي في الغرب: أوروبا أولاً، ثم أمريكا. لكن هذا بدأ يتغير. آسيا تعود لتصبح مركز الثقل العالمي، كما كانت لقرون قبل النهضة الأوروبية. الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا هي محركات النمو العالمي اليوم. وهذا التحول في مركز الثقل له تداعيات سياسية وثقافية عميقة، تظهر في صعود قيم جديدة، ونماذج تنموية مختلفة، وتحالفات سياسية غير تقليدية.
المفصل الرابع: صعود القوى الإقليمية. مع تراجع الهيمنة الأمريكية، بدأت القوى الإقليمية في الظهور. في الشرق الأوسط، إيران تخرج من الحرب أقوى مما دخلتها. تركيا تسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي. السعودية، إذا نجت من الانهيار، ستضطر إلى إعادة تعريف دورها. في آسيا، الصين والهند تتصارعان على النفوذ. في أوروبا، ألمانيا وفرنسا تحاولان قيادة الاتحاد الأوروبي في عصر ما بعد أمريكا. هذا الصعود للقوى الإقليمية يخلق نظاماً عالمياً أكثر تعقيداً، ولكنه أيضاً أكثر توازناً.
المفصل الخامس: نهضة الشعوب. هذا ربما هو أهم التحولات. فبعد عقود من القمع والتهميش، بدأت الشعوب في المنطقة العربية تستعيد وعيها وقوتها. الانتفاضات الشعبية في السودان والجزائر ولبنان والعراق، والمقاومة الفلسطينية المستمرة، والصمود الإيراني الأسطوري، كلها مؤشرات على أن الشعوب لم تعد تقبل بالتبعية والقمع. هذه النهضة الشعبية، إذا اكتملت، ستغير وجه المنطقة من القاعدة إلى القمة.
……..
القسم الأول: نهاية الأحادية القطبية
ملامح النظام العالمي الجديد
(3) من القطب الواحد إلى التعدد القطبي
لقد انتهى عصر القطب الواحد. هذا هو الاستنتاج الأول الذي يمكننا استخلاصه من التحولات التي نشهدها. العالم الذي كان تحكمه أمريكا بلا منازع في تسعينيات القرن الماضي، والذي حاولت أمريكا تمديده في العقدين الأولين من الألفية الجديدة، لم يعد موجوداً.
لماذا انتهى عصر القطب الواحد؟ لأن قيام هذا العصر كان قائماً على عوامل محددة، لم تعد موجودة اليوم. أولها: التفوق الاقتصادي الأمريكي الساحق. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت أمريكا تمثل أكثر من 25% من الاقتصاد العالمي. اليوم، بعد صعود الصين وتراجع النمو الأمريكي، هذه النسبة انخفضت إلى أقل من 15%. ثانيها: التفوق العسكري غير المتنازع عليه. في التسعينيات، لم يكن هناك جيش في العالم يمكنه منافسة الجيش الأمريكي. اليوم، الصين وروسيا طورتا قدرات عسكرية متطورة، وتمتلكان أسلحة نووية تفوق ما تملكه أمريكا في بعض المجالات. ثالثها: الشرعية الأخلاقية. في التسعينيات، كانت أمريكا تتمتع بشرعية أخلاقية كبيرة، خاصة بعد فوزها في الحرب الباردة. اليوم، بعد حروبها في أفغانستان والعراق، وبعد دعمها المطلق لإسرائيل، تراجعت هذه الشرعية بشكل كبير.
ماذا يعني التعدد القطبي؟ يعني أن العالم لم تعد فيه قوة عظمى واحدة تفرض إرادتها، بل هناك عدة مراكز قوى تتنافس وتتعاون وتتصارع. هذا التعدد يخلق فرصاً جديدة: فالدول الصغيرة لم تعد مضطرة للانحياز إلى قطب واحد، بل يمكنها أن تناور بين الأقطاب لتحقيق مصالحها. كما أن التعدد يخلق تحديات جديدة: فغياب قوة مهيمنة قد يؤدي إلى فوضى وصراعات إقليمية، وقد يضعف آليات الحوكمة العالمية.
(4) الصعود الصيني: القطب الجديد
أبرز ملامح النظام العالمي الجديد هو صعود الصين كقطب عالمي. فالصين اليوم هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والأسرع نمواً بين الاقتصادات الكبرى، والأكثر تأثيراً في التجارة العالمية. وهي تسعى إلى تحويل هذا النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ سياسي وعسكري وثقافي.
استراتيجية الصين في التعامل مع العالم تختلف عن الاستراتيجية الأمريكية. فبينما تسعى أمريكا إلى فرض قيمها ونموذجها على العالم، تتبنى الصين مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية". وبينما تعتمد أمريكا على القوة العسكرية والقواعد المنتشرة، تعتمد الصين على النفوذ الاقتصادي والاستثمارات. وبينما تسعى أمريكا إلى الحفاظ على نظام دولي يخدم مصالحها، تسعى الصين إلى بناء نظام دولي جديد أكثر توازناً.
مبادرة الحزام والطريق هي أبرز أدوات الصين لبناء هذا النظام الجديد. هذه المبادرة العملاقة، التي تربط الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا عبر شبكة من الطرق البرية والبحرية، تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، وتخلق تبعيات اقتصادية جديدة، وتنقل مركز الثقل العالمي نحو الشرق.
في الشرق الأوسط، للصين مصالح كبيرة. فهي تستورد أكثر من 40% من نفطها من المنطقة، ولديها استثمارات ضخمة في البنية التحتية والموانئ والطاقة. وهي تسعى إلى تعزيز وجودها في المنطقة دون الدخول في صراعات عسكرية أو سياسية مباشرة. في مرحلة ما بعد انهيار الهيمنة الأمريكية، ستكون الصين اللاعب الأكثر تأثيراً في المنطقة، ليس من خلال القواعد العسكرية، بل من خلال الاستثمارات والعقود والتحالفات الاقتصادية.
(5) روسيا: عودة القوة العظمى
روسيا هي القطب الثاني في النظام العالمي الجديد. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مرت روسيا بفترة صعبة من التدهور الاقتصادي والتراجع السياسي. لكن منذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، بدأت روسيا في استعادة دورها كلاعب عالمي.
قوة روسيا تكمن في ثلاث ركائز: القوة العسكرية، فهي تمتلك ثاني أكبر ترسانة نووية في العالم، وجيشاً حديثاً أثبت كفاءته في سوريا وأوكرانيا؛ والطاقة، فهي ثاني أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، ولديها قدرة على التأثير في الأسواق العالمية؛ والموقع الجغرافي، فهي تمتد من أوروبا إلى المحيط الهادئ، ولها مصالح في كل منطقة.
استراتيجية روسيا في المنطقة تختلف عن الاستراتيجية الصينية. فروسيا تسعى إلى استعادة نفوذها في الشرق الأوسط، الذي كان لها في الحقبة السوفيتية. وهي تستخدم مزيجاً من الدبلوماسية والقوة العسكرية والتحالفات الإقليمية. علاقتها مع إيران استراتيجية، وعلاقتها مع تركيا معقدة، وعلاقتها مع دول الخليج آخذة في التطور.
في مرحلة ما بعد الانهيار، ستكون روسيا لاعباً مهماً في إعادة تشكيل المنطقة. فهي تملك القدرة على التوسط بين الأطراف المتنازعة، وتملك الرغبة في ملء الفراغ الذي ستتركه أمريكا، وتملك العلاقات مع كل الأطراف: إيران، تركيا، إسرائيل، دول الخليج.
(6) الاتحاد الأوروبي: البحث عن دور
الاتحاد الأوروبي هو القطب الثالث في النظام العالمي الجديد، لكنه القطب الأكثر ضعفاً والأكثر تراجعاً. فالاتحاد الأوروبي يعاني من أزمات متعددة: أزمة الخروج البريطاني، وأزمة الديون، وأزمة الهجرة، وصعود اليمين المتطرف، والحرب في أوكرانيا.
ضعف الاتحاد الأوروبي يكمن في افتقاره إلى القوة العسكرية الموحدة، واعتماده على أمريكا في الدفاع، وانقساماته الداخلية حول السياسة الخارجية. فهو ليس قطباً مستقلاً بالمعنى الكامل، بل هو شريك تابع لأمريكا في كثير من الملفات.
لكن للاتحاد الأوروبي مقومات قوة لا يستهان بها. فهو أكبر سوق موحدة في العالم، ويمثل معاً أكبر اقتصاد في العالم إذا أضيفت اقتصادات أعضائه. وهو أيضاً أكبر مانح للمساعدات التنموية في العالم، ولديه خبرة في بناء المؤسسات والديمقراطية.
في الشرق الأوسط، للاتحاد الأوروبي مصالح كبيرة: فهو قريب جغرافيا، ويعتمد على نفط المنطقة، ويتأثر بتدفقات الهجرة منها. وهو يسعى إلى لعب دور أكبر في المنطقة، لكنه مقيد بتبعية لأمريكا، وبانقسامات داخلية حول الموقف من إسرائيل وإيران.
في مرحلة ما بعد الانهيار، قد يضطر الاتحاد الأوروبي إلى تبني سياسة أكثر استقلالية تجاه المنطقة، خاصة إذا تراجع الدعم الأمريكي. وقد يلعب دوراً مهماً في إعادة الإعمار والاستقرار، لكن تأثيره سيكون محدوداً مقارنة بالصين وروسيا.
(7) الهند: القطب الصاعد
الهند هي القطب الرابع في النظام العالمي الجديد، وهي الأسرع نمواً بين الاقتصادات الكبرى. فالهند تجاوزت بريطانيا لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم، وهي في طريقها لتجاوز ألمانيا واليابان في السنوات القادمة. ولديها سكان شباب، وطبقة وسطى متنامية، وقدرات عسكرية متطورة.
استراتيجية الهند في المنطقة مختلفة عن استراتيجية القوى الأخرى. فهي تركز على المحيط الهندي، وتسعى إلى أن تكون القوة المهيمنة فيه. ولديها علاقات جيدة مع دول الخليج، التي تستورد منها معظم نفطها، ويعيش فيها ملايين العمال الهنود. ولديها علاقات مع إيران، حيث تستثمر في ميناء تشابهار الاستراتيجي.
في مرحلة ما بعد الانهيار، قد تلعب الهند دوراً أكبر في المنطقة، خاصة في المجال الاقتصادي والأمني. لكنها ستواجه منافسة من الصين، ومن إيران، ومن تركيا. ولن تكون قادرة على لعب دور قيادي كما تفعل الصين، لأنها ليست قوة عالمية بعد.
………..
القسم الثاني: انهيار نظام البترودولار
نهاية الهيمنة المالية الأمريكية
(8) الدولار: عملة الإمبراطورية
لطالما كان الدولار الأمريكي عملة الإمبراطورية. فمنذ مؤتمر بريتون وودز عام 1944، كان الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، وكان النفط يُسعر بالدولار، وكانت التجارة الدولية تجري بالدولار. هذا الوضع أعطى أمريكا امتيازاً هائلاً: أن تطبع النقود بلا حدود، وأن تمرر أزماتها الاقتصادية إلى بقية العالم، وأن تفرض عقوبات مالية على من تريد معاقبته.
هذا الامتياز سمح لأمريكا بأن تعيش فوق إمكانياتها لعقود. فهي تستورد أكثر مما تصدر، وتقترض أكثر مما تسدد، وتنفق أكثر مما تجني. والدول الآخرون يموّلون هذا العجز، لأنهم يحتاجون إلى الدولار لشراء النفط وللتجارة الدولية وللاحتياطيات.
لكن هذا النظام بدأ في الانهيار. فالصين وروسيا ودول أخرى بدأت تبحث عن بدائل للدولار. والصين وقعت اتفاقيات مع دول الخليج لتسعير النفط باليوان. وروسيا طالبت المشترين الأوروبيين لغازها بالدفع بالروبل. والهند بدأت تدفع ثمن النفط الإيراني بالروبية. هذه التحركات، إذا استمرت، ستؤدي إلى انهيار نظام البترودولار، وانهيار الهيمنة المالية الأمريكية.
(9) بدائل الدولار: اليوان والروبل والعملات الرقمية
اليوان الصيني هو البديل الأكثر جدية للدولار. فالصين هي أكبر اقتصاد في العالم من حيث تعادل القوة الشرائية، وأكبر مصدر للسلع، وأكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة. وهي تسعى إلى تدويل عملتها، من خلال إنشاء أنظمة دفع بديلة (مثل CIPS)، ومن خلال تشجيع استخدام اليوان في التجارة الدولية، ومن خلال إدراج اليوان في سلة عملات صندوق النقد الدولي.
الروبل الروسي هو بديل آخر، وإن كان محدود النطاق. فروسيا اضطرت إلى التحول إلى الروبل في تجارتها بسبب العقوبات الغربية، وأثبتت أن ذلك ممكن. وهي تسعى إلى تعزيز استخدام الروبل في تجارتها مع الصين والهند ودول المنطقة.
العملات الرقمية تمثل البديل الأكثر إثارة للاهتمام. فالصين أطلقت اليوان الرقمي، وهي تشجعه في التعاملات الدولية. والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) قد تغير قواعد اللعبة، لأنها تجعل التحويلات المالية أسرع وأرخص وأقل خضوعاً للرقابة الأمريكية.
في الشرق الأوسط، دول الخليج تواجه خياراً صعباً. فهي مرتبطة بالدولار لعقود، ولديها احتياطيات ضخمة مقومة بالدولار. لكن إغلاق مضيق هرمز قد يجبرها على بيع نفطها بعملات أخرى، لأن المشترين الصينيين والهنود قد يصرون على الدفع بعملاتهم. وهذا التحول، إذا حدث، سيكون ضربة قاضية لنظام البترودولار.
(10) تداعيات انهيار البترودولار
انهيار نظام البترودولار سيكون له تداعيات هائلة على أمريكا والعالم.
على أمريكا، سيكون الانهيار كارثة اقتصادية. فالدولار سيفقد قيمته، والتضخم سيرتفع بشكل كبير، والديون الأمريكية ستصبح غير قابلة للتمويل، وأسعار الفائدة سترتفع، والاقتصاد سيدخل في ركود عميق. أمريكا قد تفقد قدرتها على أن تكون القوة العظمى، ليس لأنها خسرت حرباً، بل لأن اقتصادها انهار.
على العالم، سيكون الانهيار صدمة كبرى. فالأنظمة المالية العالمية التي بنيت على الدولار ستنهار، والتجارة الدولية ستعاني من اضطرابات كبيرة، والدول النامية التي عليها ديون مقومة بالدولار ستجد نفسها في أزمة مدفوعات. لكن على المدى الطويل، قد يكون الانهيار فرصة لبناء نظام مالي عالمي أكثر توازناً، وأقل خضوعاً لسيطرة قوة واحدة.
على الشرق الأوسط، سيكون الانهيار تحولاً جذرياً. فدول الخليج التي بنت ثروتها على النفط المقوم بالدولار، ستضطر إلى إعادة هيكلة اقتصاداتها. وقد يكون هذا دافعاً لها للتحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، وهو ما كانت تحاول فعله في "رؤية 2030" قبل أن تتوقف بسبب الحرب.
……….
القسم الثالث: صعود القوى الإقليمية
الشرق الأوسط بعد الهيمنة الأمريكية
(11) إيران: القوة الصاعدة
من أكبر ثمار هذه الحرب أن إيران ستخرج منها أقوى مما دخلتها. صحيح أنها تكبدت خسائر فادحة: اغتيال قادتها، وتدمير بعض منشآتها، وانهيار جزئي في اقتصادها. لكنها أثبتت قدرتها على الصمود في وجه أعظم إمبراطورية في العالم، وفرضت معادلة ردع جديدة، وأظهرت للعالم أن إيران قوة لا يمكن تجاهلها.
إيران ما بعد الحرب ستكون مختلفة. ستكون أكثر ثقة بقدراتها، وأكثر وعياً بنقاط قوتها، وأكثر استعداداً للعب دور إقليمي أكبر. كما ستكون أكثر قدرة على فرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية، لأنها أثبتت أنها لا تنكسر تحت الضغط.
علاقات إيران مع جيرانها ستتغير جذرياً. دول الخليج، التي كانت تنظر إلى إيران كعدو وجودي، ستضطر إلى إعادة تعريف هذه العلاقة. فإيران أثبتت أنها قادرة على إلحاق الضرر بها، كما أثبتت أن أمريكا غير قادرة على حمايتها. لذلك، من المرجح أن نشهد فترة من التقارب الإيراني الخليجي، تشبه التقارب الذي حدث بعد حرب الخليج الأولى، حيث أدركت دول الخليج أن التعاون مع إيران هو في مصلحتها.
علاقات إيران مع أمريكا ستكون أكثر تعقيداً. أمريكا خسرت الكثير في هذه الحرب، وقد تبحث عن مخرج مشرف. لكن الثقة بين الجانبين انهارت تماماً بعد اغتيال القادة على طاولة المفاوضات. لذلك، من المستبعد أن تعود العلاقات إلى ما كانت عليه قبل الحرب. إيران ستتعامل مع أمريكا من موقع قوة، وستفرض شروطها، ولن تثق في أي وعود أمريكية.
(12) تركيا: طموحات إقليمية متجددة
تركيا هي القوة الإقليمية الأخرى التي ستستفيد من تراجع النفوذ الأمريكي. فرئيسها رجب طيب أردوغان يطمح منذ سنوات إلى جعل تركيا قوة إقليمية كبرى، وقد استثمر في ذلك سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
قوة تركيا تكمن في موقعها الجغرافي الاستراتيجي، الذي يربط آسيا بأوروبا؛ وفي جيشها، الذي يعد ثاني أكبر جيش في حلف الناتو؛ وفي اقتصادها، الذي كان الأسرع نمواً في المنطقة قبل الأزمة؛ وفي نفوذها الثقافي، الذي يمتد من البلقان إلى القوقاز إلى العالم العربي.
لكن تركيا تواجه تحديات كبيرة. اقتصادها يعاني من أزمة حادة، مع تضخم مرتفع وعجز كبير. وعلاقاتها مع الغرب متوترة، خاصة بعد شرائها منظومة الدفاع الصاروخي S-400 من روسيا. وتنافسها مع إيران في العراق وسوريا والقوقاز قد يؤدي إلى صراعات.
في مرحلة ما بعد الانهيار، ستسعى تركيا إلى تعزيز وجودها في الخليج، خاصة بعد تحسن علاقاتها مع السعودية والإمارات. وقد تلعب دور الوسيط بين إيران والغرب، كما فعلت في مفاوضات سوتشي حول سوريا. لكنها ستواجه منافسة شديدة من إيران، ومن الصين، ومن روسيا.
(13) السعودية: بين الانهيار والتحول
السعودية هي الحالة الأكثر تعقيداً بين القوى الإقليمية. فهي التي خسرت أكثر من غيرها في هذه الحرب: اقتصادها تضرر، ومشاريعها توقفت، وهيبتها تراجعت، وعلاقتها مع أمريكا اهتزت.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن السعودية ستنجو من الانهيار، لكنها ستخرج من الحرب أضعف بكثير مما دخلتها. وستضطر إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي، والانتقال من موقع القيادة إلى موقع المتابعة. وقد تضطر إلى التقارب مع إيران، كما فعلت بعد حرب الخليج الأولى، وإلى تنويع تحالفاتها، بالتقارب مع الصين وروسيا.
السيناريو البديل هو أن تفشل السعودية في تجاوز الأزمة، وأن تشهد انهياراً سياسياً واقتصادياً. هذا السيناريو غير مرجح، لأن السعودية تملك احتياطيات ضخمة، ولديها عمق استراتيجي، وتحظى بدعم دولي كبير. لكنه ليس مستحيلاً، خاصة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، وتفاقمت الأزمة الاقتصادية، واندلعت احتجاجات شعبية.
في كلا السيناريوهين، السعودية ما بعد الحرب لن تكون السعودية التي قبلها. لقد انتهى عصر "رؤية 2030" ومشاريعها العملاقة، على الأقل في المدى المنظور. وانتهى عصر الثقة المطلقة في أمريكا. وبدأ عصر إعادة التموضع والبحث عن حلفاء جدد.
(14) مصر: حلم النهضة الضائع
مصر هي القوة الإقليمية الأكبر من حيث عدد السكان، والأكثر تأثيراً ثقافياً، لكنها الأكثر ضعفاً اقتصادياً. فمصر تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وديون خارجية ضخمة، واعتماد كبير على المساعدات الخليجية والأمريكية.
في هذه الحرب، حاولت مصر أن تبقى على الحياد. فهي لم تنحز إلى أي طرف، وحاولت أن تلعب دور الوسيط بين إسرائيل وحماس، وبين إيران ودول الخليج. لكن الحياد لم يحمها من تداعيات الحرب: السياحة انهارت، وإيرادات قناة السويس تراجعت بسبب توقف الملاحة في البحر الأحمر، والاستثمارات الأجنبية هربت.
في مرحلة ما بعد الانهيار، ستواجه مصر تحديات كبيرة. فالمساعدات الخليجية، التي كانت تدعم اقتصادها، قد تتوقف إذا انهارت دول الخليج أو تراجعت. والدعم الأمريكي، الذي كان يصل إلى 1.3 مليار دولار سنوياً، قد يتأثر بتراجع النفوذ الأمريكي. ومصر ستجد نفسها في موقع ضعف، غير قادرة على لعب دور قيادي في المنطقة كما كانت تطمح.
لكن مصر تملك مقومات قد تساعدها على تجاوز الأزمة: شعب كبير، وموقع استراتيجي، وجيش قوي، وتراث حضاري. وإذا استطاعت إجراء إصلاحات اقتصادية جذرية، وتقليل اعتمادها على المساعدات الخارجية، فقد تخرج من هذه المرحلة أقوى.
…….
القسم الرابع: نهضة الشعوب
دور الشعوب في تشكيل المستقبل
(15) وعي جديد في المنطقة العربية
أحد أهم ملامح العالم الجديد هو الوعي الجديد الذي بدأ يظهر في المنطقة العربية. فبعد عقود من القمع والتجهيل والتبعية، بدأت الشعوب العربية تستعيد وعيها. بدأت تدرك أن أنظمتها ليست أبدية، وأن التبعية لأمريكا لم تجلب لها إلا الأزمات، وأن الرفاهية التي وعدت بها لم تكن إلا سراباً.
هذا الوعي الجديد تغذيه تجارب متراكمة: الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، والمقاومة الفلسطينية المستمرة، والصمود الإيراني الأسطوري، وانهيار النماذج الاقتصادية الوهمية في الخليج. كل هذه التجارب علمت الشعوب العربية أن التغيير ممكن، وأن المقاومة مجدية، وأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
هذا الوعي الجديد يظهر في مظاهر متعددة: في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت فضاءً للحرية والنقاش، وفي الحركات الشبابية التي ترفض القمع والتبعية، وفي المظاهرات الحاشدة التي تعبر عن الغضب الشعبي، وفي الإقبال على الثقافة والسياسة بعد عقود من الانحسار.
(16) دروس من تجارب الشعوب
شعوب المنطقة لديها تجارب غنية يمكن أن تستفيد منها في رحلتها نحو الحرية.
من الشعب الإيراني، يمكن أن نتعلم درس الصمود. أربعة عقود من الحصار والعقوبات والتهديدات، ومع ذلك صمد الشعب الإيراني، وحول التحديات إلى فرص، والعزلة إلى اكتفاء ذاتي، والضغط إلى قوة. هذا الدرس يقول: لا تستسلموا، فالصمود أقوى من كل القوى.
من الشعب الفلسطيني، يمكن أن نتعلم درس الثبات. سبعة عقود من الاحتلال والتهجير والتشريد، ومع ذلك بقي الشعب الفلسطيني متمسكاً بأرضه وحقه في العودة. لم يتخل عن قضيته، ولم يقبل بالبدائل الأقل، ولم ييأس من النصر. هذا الدرس يقول: لا تتنازلوا عن حقوقكم، فالحق لا يسقط بالتقادم.
من الشعب اللبناني، يمكن أن نتعلم درس المقاومة. ثلاثون عاماً من الاحتلال الإسرائيلي، ومع ذلك استطاع الشعب اللبناني، بقيادة حزب الله، أن يحرر أرضه. وهذا الدرس يقول: الاحتلال يمكن أن ينهزم، والمقاومة يمكن أن تنتصر.
من الشعب المصري، يمكن أن نتعلم درس الانتفاضة. في 25 يناير 2011، خرج ملايين المصريين إلى الشوارع، وأسقطوا نظاماً ظل في السلطة ثلاثة عقود. ورغم أن الثورة لم تحقق كل أهدافها، إلا أنها أثبتت أن الشعوب قادرة على تغيير واقعها. هذا الدرس يقول: لا تخافوا، فالجمع الغفير أقوى من كل الجيوش.
(17) دور المثقفين والنخب في بناء المستقبل
لا يمكن للشعوب أن تنهض دون نخب واعية، قادرة على قيادة التغيير، وتقديم رؤى بديلة، وتنظيم الجهود. والمثقفون في المنطقة العربية، رغم كل ما تعرضوا له من قمع وتهميش، ما زالوا يلعبون دوراً مهماً في تشكيل الوعي.
في الماضي، كان المثقفون العرب رواد النهضة. من رفاعة الطهطاوي إلى جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده إلى قسطنطين زريق إلى إدوارد سعيد، كان المثقفون هم من طرحوا الأسئلة الكبرى، ورسموا ملامح المستقبل، وأشعلوا شعلة الوعي.
اليوم، المثقفون العرب مدعوون إلى استئناف هذا الدور. ليس دور التنظير فقط، بل دور المشاركة الفاعلة في الحراك الشعبي. ليس دور الكتابة في المنابر المتخصصة فقط، بل دور الوصول إلى الجماهير بلغة يفهمونها. ليس دور الانتقاد السلبي فقط، بل دور تقديم بدائل إيجابية.
في مرحلة ما بعد الانهيار، ستكون الحاجة إلى المثقفين أكبر من أي وقت مضى. فالمرحلة القادمة ستكون مرحلة بناء: بناء دول جديدة، وبناء مؤسسات ديمقراطية، وبناء اقتصادات منتجة، وبناء علاقات إقليمية متوازنة. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجح دون نخب واعية، قادرة على تقديم رؤى واضحة، وتنظيم جهود الشعوب.
……
القسم الخامس: العدالة الدولية
من الحلم إلى الإمكانية
(18) هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب؟
من الأسئلة التي طالما راودت ضحايا الإمبراطورية الأمريكية: هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب؟ هل يمكن أن يقف ترامب ونتنياهو وكوشنر أمام محكمة دولية؟ هل يمكن أن تدفع الإمارات والبحرين والسعودية ثمن تواطئها في العدوان على إيران؟
الجواب هو: نعم، يمكن ذلك، لكنه ليس سهلاً. هناك آليات قانونية قائمة يمكن تفعيلها، وهناك ضغوط سياسية يمكن ممارستها، وهناك تغيرات في موازين القوى قد تجعل ذلك ممكناً في المستقبل.
المحكمة الجنائية الدولية أصدرت بالفعل مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت. وهي تستطيع أن تصدر مذكرات بحق آخرين إذا توفرت الأدلة. لكن تنفيذ هذه المذكرات يحتاج إلى تعاون الدول الأعضاء، وإلى إرادة سياسية من مجلس الأمن.
محكمة العدل الدولية يمكنها أن تنظر في مسؤولية الدول عن أعمالها. فدول الخليج التي سمحت باستخدام أراضيها لشن العدوان على إيران، يمكن أن تكون مسؤولة قانونياً عن ذلك. وهذا قد يؤدي إلى تعويضات لإيران، وإلى قرارات تدين هذه الدول.
المحاكم الوطنية في الدول الأوروبية التي تتبنى "الولاية القضائية العالمية" على جرائم الحرب، يمكن لعائلات الضحايا رفع دعاوى فيها. وهذا قد يؤدي إلى مذكرات توقيف بحق مجرمي الحرب، ومنعهم من السفر إلى أوروبا.
(19) العقبات أمام العدالة
لكن الطريق إلى العدالة محفوف بالعقبات. أولها: الحصانة. رؤساء الدول الحاليون يتمتعون بحصانة من الملاحقة القضائية، ولا يمكن محاكمتهم إلا بعد انتهاء ولاياتهم. ونتنياهو لا يزال رئيساً للحكومة الإسرائيلية، وترامب قد يعود إلى البيت الأبيض.
ثانيها: الفيتو الأمريكي. أمريكا تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية إسرائيل وحلفائها. وأي قرار بمحاكمة إسرائيليين أو أمريكيين أو خليجيين سيواجه الفيتو الأمريكي.
ثالثها: التهديد للقضاة. أمريكا فرضت عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، وجمدت أصولهم، ومنعتهم من السفر. هذا التهديد يخلق حالة من الخوف لدى القضاة، ويدفعهم إلى التردد في فتح ملفات حساسة.
رابعها: عدم الاعتراف. إسرائيل وأمريكا لا تعترفان بسلطة المحكمة الجنائية الدولية أصلاً. وهما لن تتعاونا معها، ولن تسلما أي متهمين.
(20) ما الذي يمكن أن يغير المعادلة؟
تغيير هذه المعادلة يحتاج إلى شرطين أساسيين.
الشرط الأول: تغيير الإدارة الأمريكية. إدارة ديمقراطية قد تكون أكثر استعداداً للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما حدث في عهد بايدن الذي انتقد مذكرات التوقيف لكنه لم يفرض عقوبات على القضاة. وإذا وصلت إدارة ديمقراطية إلى البيت الأبيض، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تحرك دولي لمحاكمة مجرمي الحرب.
الشرط الثاني: استمرار الضغط الإيراني. كل يوم تستمر فيه الحرب، وكل صاروخ يضرب قاعدة أمريكية، وكل يوم يمر مع إغلاق مضيق هرمز، هو دليل عملي على أن استمرار العدوان له ثمن. هذا الضغط هو الذي قد يدفع في النهاية إلى تسوية سياسية تتضمن تعويضات للضحايا ومحاكمة للمجرمين.
الشرط الثالث: وحدة الضحايا. إذا تمكنت إيران وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن من تنسيق جهودها القانونية والسياسية، فإن ذلك سيزيد الضغط على المجتمع الدولي لتحقيق العدالة. فالضحايا عندما يتحدون، تصبح أصواتهم أقوى.
القسم السادس: نحو رؤية جديدة
أسس النظام العالمي القادم
(21) أسس النظام العالمي الجديد
النظام العالمي الجديد الذي يولد من رحم انهيار الإمبراطورية الأمريكية، لا بد أن يقوم على أسس جديدة، تختلف عن الأسس التي قام عليها النظام القديم.
الأساس الأول: تعددية الأقطاب. لن يعود العالم أحادي القطب، ولن تعود قوة واحدة تهيمن على العالم. سيكون هناك عدة مراكز قوى تتنافس وتتعاون وتتصارع. وهذا التعدد قد يؤدي إلى فوضى، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى توازن أكثر استقراراً.
الأساس الثاني: احترام السيادة. النظام القديم كان يقوم على انتهاك سيادة الدول بحجة "حماية الديمقراطية" أو "مكافحة الإرهاب". النظام الجديد لا بد أن يحترم سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحق كل شعب في تقرير مصيره.
الأساس الثالث: العدالة في العلاقات الدولية. النظام القديم كان يقوم على ازدواجية المعايير: قانون للقوي وقانون للضعيف. النظام الجديد لا بد أن يقوم على عدالة في تطبيق القانون الدولي، ومحاسبة المجرمين بغض النظر عن جنسيتهم أو موقعهم.
الأساس الرابع: التنمية المستدامة. النظام القديم كان يقوم على استنزاف موارد الشعوب لصالح القوى الكبرى. النظام الجديد لا بد أن يقوم على تنمية مستدامة، تحترم البيئة، وتوفر فرصاً متساوية للجميع.
الأساس الخامس: المشاركة الشعبية. النظام القديم كان يقوم على أنظمة استبدادية، تفرض إرادتها على الشعوب باسم الاستقرار. النظام الجديد لا بد أن يقوم على مشاركة شعبية حقيقية، وديمقراطية حقيقية، وحقوق إنسان حقيقية.
(22) دور الأمم المتحدة في النظام الجديد
الأمم المتحدة، التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار الفظائع، فشلت في أداء دورها في ظل النظام القديم. فقد كانت رهينة للفيتو الأمريكي، وعاجزة عن حماية الشعوب الضعيفة.
في النظام الجديد، لا بد من إصلاح الأمم المتحدة. إصلاح مجلس الأمن، الذي يعكس موازين القوى في عام 1945 وليس اليوم. إصلاح حق النقض (الفيتو)، الذي يستخدم لحماية المجرمين وليس لخدمة السلام. إصلاح آليات حفظ السلام، التي فشلت في حماية المدنيين في كثير من الصراعات.
هل يمكن إصلاح الأمم المتحدة؟ هذا هو السؤال. الإصلاح يحتاج إلى إرادة سياسية من الدول الكبرى، وهذه الإرادة غير متوفرة حالياً. لكن مع تغير موازين القوى، وتراجع النفوذ الأمريكي، قد يصبح الإصلاح ممكناً في المستقبل.
(23) دور القوى الإقليمية في النظام الجديد
في النظام الجديد، ستلعب القوى الإقليمية دوراً أكبر مما كانت تلعبه في الماضي. فهي الأقرب إلى المشكلات، والأكثر قدرة على فهمها، والأكثر استعداداً للتعامل معها.
في الشرق الأوسط، ستكون إيران وتركيا والسعودية (إذا نجت) ومصر هي اللاعبين الرئيسيين. وهذه الدول مدعوة إلى بناء نظام إقليمي جديد، يقوم على أسس: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السيادة، وحل النزاعات بالحوار، والتعاون الاقتصادي، والمواجهة المشتركة للتحديات (الإرهاب، التغير المناخي، الهجرة).
هل يمكن بناء هذا النظام؟ الجواب هو: يمكن، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية، وتنازلات من جميع الأطراف، وقيادة حكيمة. النماذج الإقليمية الناجحة (مثل الاتحاد الأوروبي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا) تقدم دروساً يمكن الاستفادة منها. لكن الظروف في الشرق الأوسط مختلفة، وأكثر تعقيداً.
……..
الخاتمة الأخيرة
إلى أين تتجه الأمور؟
(24) قراءة في المستقبل
بعد كل ما قلناه، نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: إلى أين تتجه الأمور؟ ما هو مستقبل المنطقة والعالم بعد هذه الحرب؟
في المدى القصير (شهر-شهران)، ستستمر الحرب. إيران ستواصل إغلاق مضيق هرمز، وضرب القواعد الأمريكية، واستنزاف العدو. دبي ستتعمق في الانهيار، والسعودية ستعلق مشاريعها، وأمريكا ستبحث عن "مخرج مشرف" مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. الخسائر ستتصاعد، والتكاليف سترتفع، والضغوط ستتزايد على كل الأطراف.
في المدى المتوسط (3-6 أشهر)، ستبدأ التسوية في التبلور. أمريكا، غير القادرة على تحمل حرب طويلة، ستضغط على إسرائيل لقبول وقف إطلاق النار. إيران، التي حققت أهدافها في إثبات قوتها وردع أعدائها، قد تقبل بوقف إطلاق النار بشروطها. دول الخليج، التي انهارت اقتصاداتها، ستضغط لإنهاء الحرب بأي ثمن. النتيجة: وقف إطلاق نار، ورفع الحصار عن إيران، وعودة جزئية لتصدير النفط، وبداية مرحلة جديدة من التفاوض.
في المدى البعيد (عام فأكثر)، ستتغير المنطقة والعالم بشكل جذري. الهيمنة الأمريكية ستنتهي، أو على الأقل تتراجع بشكل كبير. نظام البترودولار سينهار، أو على الأقل يتآكل. المحميات الخليجية ستتحول، أو على الأقل تتراجع. الكيان الصهيوني سيضعف، أو على الأقل يفقد قدرته على الهيمنة. النظام العالمي الجديد سيبدأ في التبلور، مع تعدد أقطاب، ومراكز قوى جديدة.
(25) ما الذي يمكن أن نفعله؟
في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، ما الذي يمكن أن نفعله؟ نحن، كأفراد، كمفكرين، كشعوب؟
أولاً: أن نعي. أن نعي ما يحدث حولنا. أن نقرأ التحولات الكبرى بعيون مفتوحة، وعقول ناقدة. أن نميز بين الواقع والأوهام، بين الحقائق والأكاذيب، بين المصالح الحقيقية والمصالح المزيفة.
ثانياً: أن نشارك. ألا نكون مجرد متفرجين على التاريخ، بل أن نكون جزءاً من صنعه. أن نشارك في الحراك الشعبي، وفي النقاش العام، وفي بناء المؤسسات. أن نقدم ما نستطيع، حسب قدراتنا وإمكاناتنا.
ثالثاً: أن نقاوم. أن نقاوم الظلم أينما كان. أن نقاوم الاحتلال، والاستبداد، والتبعية. أن نقاوم بكل الوسائل المتاحة: الفكر، والكلمة، والفعل. أن نكون جزءاً من محور المقاومة، مهما كانت التضحيات.
رابعاً: أن نبني. أن نبني بدائل للنماذج الفاشلة. أن نبني دولاً ديمقراطية، واقتصادات منتجة، وعلاقات إقليمية متوازنة. أن نبني ثقافة الحرية والكرامة والعدالة. أن نبني مستقبلاً أفضل لأطفالنا وأحفادنا.
(26) كلمة أخيرة: لن نخون الدماء
في نهاية هذا الكتاب، الذي استغرق منا رحلة طويلة في أعماق التحولات الكبرى، أود أن أقول كلمة أخيرة.
هذه الحرب التي نشهدها اليوم، وهذه التحولات التي نعيشها، ليست مجرد أحداث عابرة. إنها محطة فارقة في تاريخ المنطقة والعالم. إنها لحظة يموت فيها عالم ويولد آخر.
الدماء التي تسيل اليوم في إيران وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق، ليست هدراً. إنها ثمن الحرية التي سننعم بها غداً. إنها وقود النهضة التي ستبدأ بعد الانهيار. إنها شموع تضيء طريق المستقبل.
لن نخون هذه الدماء. لن ننسى الشهداء الذين سقطوا من أجل حريتنا. لن نتخلى عن القضية التي ماتوا من أجلها. سنواصل الطريق، مهما طال، ومهما اشتدت الصعاب.
فلسطين ستحرر. القدس ستعود. الجولان سيعود. جنوب لبنان سيبقى حراً. إيران ستزدهر. العراق سيستقر. سوريا ستنهض. اليمن سيتعافى. الخليج سيتحرر. أمريكا ستتراجع. إسرائيل ستضعف. النظام العالمي الجديد سيولد.
هذا هو وعد التاريخ. وهذا هو يقيننا. وهذا هو مستقبلنا.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
……..
ملحق: أبرز المصادر والمراجع
1. تقارير وكالة فرانس برس حول استقالة جو كينت وتصريحاته 2. تحليلات CNN حول التأثير الاقتصادي للحرب على الانتخابات الأمريكية 3. تقارير حول القواعد الأمريكية في المنطقة 4. إحصائيات مؤشر دبي العقاري (DFMRE) حول انهيار السوق 5. تقديرات بنك غولدمان ساكس ووكالة فيتش للتصنيف المالي 6. تصريحات وزارة الخارجية السعودية والإماراتية في الأمم المتحدة 7. تحليلات "جوردان تايمز" حول مستقبل محميات الخليج 8. وثائق وزارة العدل الأمريكية المتعلقة بقضية إبستين 9. مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية 10. تقارير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول الدور الإيراني في المنطقة 11. تحليلات مركز كارنيغي للشرق الأوسط حول مستقبل دول الخليج 12. كتابات المفكرين العرب: قسطنطين زريق، حسين مروة، إدوارد سعيد 13. تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حول جرائم الحرب في المنطقة 14. إحصاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول اقتصادات المنطقة 15. تقارير وكالة الطاقة الدولية حول أسواق النفط وتأثير إغلاق مضيق هرمز
تم الكتاب بحمد الطبيعة مارس 2026
……….
دراسة مقارنة
بين رؤية هذا الكتاب وأشهر الكتب التي صدرت في الغرب والشرق
في قراءة التحولات الكبرى للشرق الأوسط والعالم
…….
تمهيد: في ضرورة المقارنة
(1) لماذا نقارن؟
كل كتاب هو ابن زمانه ومكانه. يحمل في طياته روح العصر الذي كتب فيه، ويعبر عن هموم الكاتب وانحيازاته، ويخاطب جمهوراً معيناً بلغة يفهمها، وبمنطق يقتنع به. وإذا كان كتاب "انهيار الإمبراطورية" الذي بين أيدينا يحاول قراءة التحولات الكبرى في الشرق الأوسط من منظور المقاومة والتحرر، فإن هناك كتباً أخرى، صدرت في الغرب والشرق، حاولت قراءة التحولات نفسها من زوايا مختلفة، ومنطلقات متباينة، وأحياناً متضاربة.
لماذا نقارن؟ لأن المقارنة هي أداة المعرفة. من خلال المقارنة، نستطيع أن نرى ما يميز رؤيتنا عن رؤى الآخرين، وما هي نقاط قوتنا وضعفنا، وما هي الأسئلة التي نطرحها والتي يغفلون عنها، وما هي الأسئلة التي يطرحونها والتي قد نغفل عنها نحن. المقارنة تفتح آفاقاً جديدة للفهم، وتحررنا من الانغلاق على رؤيتنا الخاصة، وتجعلنا أكثر قدرة على الحوار مع الآخر، حتى لو كنا نختلف معه في الجوهر.
في هذه الدراسة المقارنة، سنقف أمام أبرز الكتب التي صدرت في العقود الأخيرة حول الشرق الأوسط والنظام العالمي، من الغرب ومن الشرق، ونحاول أن نرى كيف تقرأ هذه الكBooks التحولات التي نشهدها، وأين تلتقي مع رؤية كتابنا وأين تفترق. سنبدأ بكتاب صدر حديثاً في الغرب، هو "نهاية الطموح" لستيفن كوك، ثم ننتقل إلى جدال كبير دار بين صامويل هنتنغتون وإدوارد سعيد حول صراع الحضارات، ثم ننظر إلى كتابات أخرى في الشرق تحاول قراءة واقع المنطقة.
……
القسم الأول: في الغرب
قراءة الهيمنة من داخل عاصمتها
(2) ستيفن كوك: "نهاية الطموح" (2024)
في عام 2024، صدر كتاب "نهاية الطموح: ماضي أمريكا وحاضرها ومستقبلها في الشرق الأوسط" للمؤرخ والمحلل السياسي الأمريكي ستيفن أ. كوك، الباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations)، أحد أكثر المؤسسات نفوذاً في رسم السياسة الخارجية الأمريكية . صدر الكتاب عن دار نشر جامعة أكسفورد، في توقيت بالغ الدقة، قبيل عامين من الحرب التي نشهدها اليوم، ليكون بمثابة وصية استراتيجية للإدارة الأمريكية القادمة، وتأملاً في مسار سبعة عقود من التدخل الأمريكي في المنطقة.
أ. قراءة الماضي: أمريكا الناجحة
المفاجأة الكبرى في كتاب كوك، وهي التي جعلته يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والسياسية الأمريكية، هي ادعاؤه الجريء أن الولايات المتحدة كانت، رغم النكسات والتكاليف الأخلاقية، "ناجحة بشكل مبهر" في الشرق الأوسط . هذا الادعاء يتناقض مع السردية السائدة التي ترى في تاريخ أمريكا في المنطقة سلسلة من الكوارث: فيتنام العربية في العراق، ومستنقع أفغانستان، وكارثة الربيع العربي.
كوك يبني قراءته على تمييز دقيق بين "المصالح الأساسية" و"الطموحات الكبرى". المصالح الأساسية لأمريكا، كما يراها، كانت دائماً واضحة ومحدودة: ضمان تدفق النفط، حماية أمن إسرائيل، منع أي قوة إقليمية من الهيمنة على المنطقة. في هذه المصالح، يزعم كوك، كانت أمريكا ناجحة بشكل كبير. النفط ظل يتدفق لعقود، وإسرائيل بقيت آمنة ومتفوقة عسكرياً، ولا قوة إقليمية واحدة استطاعت فرض هيمنتها على المنطقة .
أما الطموحات الكبرى، فتلك هي التي كانت سبب المتاعب. ففي أوائل التسعينيات، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونجاح حرب الخليج، شعرت النخبة الأمريكية أن العالم أصبح أحادي القطب، وأن أمريكا قادرة على "إعادة تشكيل" الشرق الأوسط على صورتها. فانطلقت مشاريع طموحة: نشر الديمقراطية، وتحويل الأنظمة العربية، وحل الصراع الفلسطيني، ومحاربة الإرهاب عبر تغيير عقول الشعوب. هذه الطموحات، كما يقر كوك، انتهت بالفشل الذريع، بل وجعلت المنطقة أكثر اضطراباً .
هذه القراءة للماضي تحمل في طياتها نقداً ضمنياً للسياسات الأمريكية التي بدأت مع إدارة بوش الأب، وبلغت ذروتها مع إدارة بوش الابن، واستمرت مع إدارة أوباما. فالطموحات الكبرى، في نظر كوك، كانت خطيئة الكبرياء، وكانت السبب في كل الكوارث التي لحقت بأمريكا في المنطقة.
ب. قراءة الحاضر: أزمة الثقة وصراع الهويات
في قراءته للحاضر، يركز كوك على أزمة الثقة التي تعصف بالعلاقات الأمريكية العربية. فبعد عقود من التدخل، وبعد حروب أفغانستان والعراق، وبعد الربيع العربي الذي تركت فيه أمريكا حلفاءها يواجهون مصيرهم، أصبحت الثقة في الالتزام الأمريكي معدومة . حلفاء أمريكا التقليديون في الخليج لم يعودوا يثقون في وعودها، وخصومها لم يعودوا يخافون من تهديداتها.
لكن كوك لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يحاول تشخيص أسبابها العميقة. أحد الأسباب، في رأيه، هو أن أمريكا فقدت القدرة على فهم المنطقة. فالمعرفة التي تراكمت لديها عن الشرق الأوسط، من خلال الخبراء والدبلوماسيين والعملاء، تبددت مع تقليص الوجود الدبلوماسي، ومع انسحاب القوات، ومع تراجع الاهتمام الرسمي. واليوم، تعمل أمريكا في المنطقة بـ"نظارة" قديمة، لا ترى بها الواقع الجديد.
السبب الآخر، وهو الأهم في نظر كوك، هو التحول في الهويات. فمنذ الحرب الباردة، كانت أمريكا تتعامل مع المنطقة من خلال عدسة "الصراع العربي الإسرائيلي" و"التهديد السوفيتي". اليوم، هذه العدسات لم تعد كافية. الصراع الجديد هو صراع هويات: سني ضد شيعي، عربي ضد فارسي، علماني ضد ديني، مؤيد للغرب ضد معادٍ له. وهذه الصراعات، كما يقر كوك، أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحل من الصراعات القديمة .
ج. قراءة المستقبل: لا انسحاب ولا طموح
في قراءته للمستقبل، يحاول كوك رسم طريق ثالث بين خيارين أحدهما كارثي والآخر مستحيل. الخيار الأول، الذي يدعو إليه كثير من المحللين الأمريكيين، هو الانسحاب الكامل من المنطقة. هذا الخيار، في نظر كوك، "متهور" لأنه يتجاهل المصالح الحيوية التي لا تزال لأمريكا في الشرق الأوسط: النفط، وإسرائيل، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة النفوذ الصيني .
الخيار الثاني، وهو استمرار سياسات الطموح الكبرى، هو أيضاً مستحيل، لأن أمريكا لم تعد تملك القوة أو الإرادة أو الشرعية لتنفيذها. فالشعب الأمريكي منهك من الحروب، والكونغرس منقسم، والموارد محدودة، والمنافسة مع الصين وروسيا تتطلب تركيز الجهود في آسيا وأوروبا.
الخيار الثالث، الذي يقترحه كوك، هو "التراجع والتحوط" (Retrenching and Hedging). تراجع عن الطموحات الكبرى، وتخلي عن حلم إعادة تشكيل المنطقة، لكن مع التحوط ضد المخاطر، والاحتفاظ بالقدرة على التدخل عند الضرورة، والحفاظ على التحالفات الأساسية، وتنويع الشراكات .
هذا الخيار الثالث، في جوهره، هو دعوة إلى إدارة الانحدار بدلاً من مقاومته، وإلى تقليص الوجود دون الانسحاب الكامل، وإلى القبول بمنطقة متعددة الأقطاب بدلاً من الإصرار على الهيمنة الأحادية.
د. مقارنة مع رؤية كتابنا
عندما نضع رؤية ستيفن كوك إلى جانب رؤية كتاب "انهيار الإمبراطورية"، نجد اختلافات جوهرية تعكس اختلاف موقع الكاتب ومنطلقه.
أولاً: في قراءة الماضي. كوك يرى أن أمريكا كانت ناجحة في حماية مصالحها الأساسية، وأن المشكلة كانت في الطموحات الزائدة. كتابنا يرى أن "المصالح الأساسية" نفسها كانت جزءاً من المشروع الإمبراطوري، وأن حماية هذه المصائل تمت على حساب شعوب المنطقة، من خلال دعم الدكتاتوريات، وقمع المقاومة، وسرقة الثروات. النجاح الذي يتحدث عنه كوك هو نجاح في الاستغلال والهيمنة، وليس نجاحاً في بناء الاستقرار أو تحقيق العدالة.
ثانياً: في قراءة الحاضر. كوك يقر بوجود أزمة ثقة، لكنه يقرأها من منظور أمريكي: كيف استعاد ثقة الحلفاء؟ كيف يفهم المنطقة من جديد؟ كتابنا يقرأ الأزمة من منظور شعوب المنطقة: كيف تتخلص من التبعية؟ كيف تستعيد سيادتها؟ كيف تبني مستقلاً بعيداً عن الهيمنة؟
ثالثاً: في قراءة المستقبل. كوك يدعو إلى "تراجع وتحوط": تقليص الوجود، لكن مع الحفاظ على القدرة على التدخل. كتابنا يرى أن الوجود الأمريكي نفسه هو المشكلة، وأن الانسحاب الكامل هو الحل. فطالما بقيت القواعد الأمريكية في المنطقة، وطالما بقيت السفن الحربية في الخليج، وطالما بقيت المساعدات العسكرية لإسرائيل، فإن المنطقة ستبقى تحت التهديد.
رابعاً: في الرؤية للشعوب. هنا ربما يكون الاختلاف الأكبر. كوك يتحدث عن المصالح الأمريكية، وعن تحالفات مع الأنظمة، وعن استراتيجيات القوى العظمى. شعوب المنطقة غائبة عن تحليله، أو حاضرة كأدوات في اللعبة، أو كعقبات يجب التغلب عليها. كتابنا يجعل شعوب المنطقة هي محور التحليل: مقاومتها، صمودها، آمالها، معاناتها. هذه الفجوة تعكس فجوة أعمق: بين رؤية النخب الحاكمة في الغرب، ورؤية الشعوب في الشرق.
(3) صامويل هنتنغتون: "صدام الحضارات" (1996)
قبل نحو ثلاثة عقود، وتحديداً في عام 1996، نشر المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون كتابه "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، الذي أحدث ضجة كبرى في الأوساط الأكاديمية والسياسية . كان الكتاب امتداداً لمقال نشره في مجلة "فورين أفيرز" عام 1993، حمل نفس العنوان، وأثار جدلاً واسعاً لم يهدأ حتى اليوم.
أ. أطروحة هنتنغتون: نهاية الأيديولوجيا وعودة الحضارات
أطروحة هنتنغتون الأساسية كانت بسيطة ومثيرة للجدل: مع انتهاء الحرب الباردة، انتهى عصر الصراعات الأيديولوجية (الليبرالية ضد الشيوعية)، وبدأ عصر جديد من الصراعات سيكون محوره الحضارات. العالم، كما يراه هنتنغتون، مقسم إلى ثماني حضارات كبرى: الغربية، والكونفوشيوسية (الصينية)، واليابانية، والإسلامية، والهندوسية، والأرثوذكسية (الروسية)، والأميركية اللاتينية، والأفريقية .
هذه الحضارات، في نظر هنتنغتون، متمايزة في قيمها وتاريخها ولغتها ودينها، وهذه الاختلافات ستكون المصدر الرئيس للصراع في المستقبل. وأخطر هذه الصراعات، كما يرى، هو الصراع بين الحضارة الغربية من جهة، والحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية من جهة أخرى.
هنتنغتون لم يكن مجرد منظر أكاديمي، بل كان يقدم توصيات سياسية واضحة للغرب. ففي رأيه، على الغرب أن يعترف بحقيقة الصراع الحضاري، وأن يستعد له، وأن يعزز وحدته الداخلية، وأن يحد من التوسع العسكري للحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية، وأن يدعم الحضارات الصديقة .
ب. إدوارد سعيد: "صدام الجهل" (2001)
لم يمض وقت طويل حتى جاء الرد الأقوى على هنتنغتون من المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد. في عام 2001، نشر سعيد مقالاً بعنوان "صدام الجهل" (The Clash of Ignorance)، رد فيه على أطروحة هنتنغتون، محذراً من مغبة تبني هذا النموذج في فهم العالم .
سعيد بدأ من حيث انتهى هنتنغتون. فبدلاً من الحديث عن "صراع الحضارات"، تحدث عن "صراع الجهل". فالأطروحة التي تقدم الحضارات ككيانات متجانسة، مغلقة، متصارعة، هي في نظر سعيد أطروحة جاهلة بطبيعة الحضارات نفسها. فالحضارات، كما يرى سعيد، ليست متجانسة ولا مغلقة ولا متصارعة بالضرورة. إنها متداخلة، ومتأثرة ببعضها، وهجينة، ومتغيرة .
سعيد انتقد هنتنغتون على عدة مستويات. المستوى الأول: التعميمات الخشنة التي تقسم العالم إلى ثماني حضارات وكأنها كتل صلبة، متجاهلة التنوع الهائل داخل كل حضارة. المستوى الثاني: تجاهل التاريخ الطويل من التفاعل والتبادل بين الحضارات، والتركيز فقط على لحظات الصراع. المستوى الثالث: السياسات التي يوصي بها هنتنغتون، والتي ستؤدي، في نظر سعيد، إلى تأجيج الصراع بدلاً من احتوائه .
ولعل أعمق نقد وجهه سعيد لهنتنغتون هو أن أطروحة "صراع الحضارات" ليست وصفاً للواقع بقدر ما هي محاولة لصنعه. فبتقسيم العالم إلى "نحن" و"هم"، وبتحريض الغرب ضد الإسلام والكونفوشيوسية، يساهم هنتنغتون في خلق الصراع الذي يدعي أنه يصفه. هذه الآلية، كما أشار سعيد، هي نفس آلية "الاستشراق" التي وثقها في كتابه الشهير: صنع "الآخر" كعدو لتبرير الهيمنة .
ج. مقارنة مع رؤية كتابنا
عندما نضع جدال هنتنغتون وسعيد إلى جانب رؤية كتاب "انهيار الإمبراطورية"، نجد أنفسنا أقرب إلى سعيد منه إلى هنتنغتون، لكن مع فروق مهمة.
أولاً: رفض الصراع الحضاري. كتابنا يرفض صراع الحضارات كما رفضه سعيد. فالصراع في الشرق الأوسط ليس بين الإسلام والغرب، كما يوحي هنتنغتون، بل بين مشروع الهيمنة ومشروع التحرر. إيران التي تقاوم اليوم ليست ممثلة لـ"الحضارة الإسلامية" ضد "الحضارة الغربية"، بل هي ممثلة لتحالف أوسع يشمل مسيحيين ويهوداً ومسلمين، عرباً وعجماً، كلهم يجمعهم رفض الهيمنة الأمريكية.
ثانياً: التركيز على الاستعمار والهيمنة. سعيد ركز في نقده لهنتنغتون على أن "صراع الحضارات" يتجاهل تاريخ الاستعمار والهيمنة. كتابنا يبني تحليله على هذا التاريخ: أن ما نشهده اليوم هو استمرار للهيمنة الاستعمارية بأشكال جديدة، وليس صراعاً حضارياً. القواعد الأمريكية في الخليج، والدعم الأمريكي لإسرائيل، والانقلابات التي دعمتها أمريكا، كلها حلقات في سلسلة طويلة من الهيمنة، وليست تعبيراً عن صراع حضاري.
ثالثاً: دور الشعوب. هنتنغتون يتحدث عن الحضارات ككيانات جامدة، وسعيد يتحدث عن الثقافات ككيانات حية متداخلة. لكن كليهما، في النهاية، يتحدث عن كيانات كبيرة، ويغيب عنهما دور الشعوب كفاعلين أساسيين في التاريخ. كتابنا يجعل الشعوب في مركز التحليل: صمود الشعب الإيراني، مقاومة الشعب الفلسطيني، وعي الشعوب العربية، كلها عناصر أساسية في فهم التحولات الكبرى.
رابعاً: الموقف من الغرب. سعيد، رغم نقده الحاد للاستشراق والهيمنة الغربية، ظل يؤمن بإمكانية الحوار والتفاهم بين الثقافات. كتابنا أكثر تشاؤماً: فالتجربة التاريخية، من سايكس بيكو إلى 28 شباط 2026، تظهر أن الغرب، ممثلاً بأمريكا وإسرائيل، غير مستعد للحوار على أساس المساواة. لذلك، فالسبيل الوحيد هو المقاومة، وليس الحوار.
…….
القسم الثاني: في الشرق
قراءة التحرر من داخل المعاناة
(4) كتابات المقاومة: من سيد قطب إلى علي شريعتي
إذا كانت الكتب الغربية التي ناقشناها تعبر عن رؤية النخب الحاكمة في عواصم القرار، فإن هناك تقليداً فكرياً آخر في الشرق، يعبر عن رؤية المقاومة والشعوب المقهورة. هذا التقليد يمتد من كتابات سيد قطب في مصر، إلى علي شريعتي في إيران، إلى مالك بن نبي في الجزائر، إلى إدوارد سعيد في فلسطين، إلى حسن نصر الله في لبنان.
أ. سيد قطب: معالم الطريق (1964)
في عام 1964، وفي ذروة الصراع بين المد القومي والتيار الإسلامي، صدر كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب، الذي أصبح أحد أكثر الكتب تأثيراً في الفكر الإسلامي المعاصر. الكتاب، رغم صغر حجمه، حمل رؤية متكاملة لا تقل جاهلية عن ما يصفهم حيث صراع بين "الجاهلية" و"الإسلام"، ودعا إلى مقاومة شاملة للهيمنة الغربية. دون أن يتصور أن المحاربة للنمط الاستعماري الغربي وتوسعه الهمجي في دول العالم الثالث
أطروحة قطب كانت خادمة للإمبريالية الغربية وترى أن العالم المعاصر يعيش جاهلية جديدة، لا تقل ظلامية عن جاهلية ما قبل الإسلام. هذه الجاهلية، في نظره، ليست فقط في المجتمعات غير المسلمة، بل أيضاً في المجتمعات المسلمة التي حرفت الإسلام وابتعدت عن تعاليمه. والصراع، إذن، هو صراع بين الإسلام المتخيل الخادم للإمبريالية عبر تكفير المجتمعات والجاهلية، بين التوحيد والشرك، بين الخضوع لله والخضوع للبشر.
نقد قطب للغرب كان شاملاً بشكل صبياني : الغرب، في نظره، أفلست قيمه، وانهارت حضارته، وعجز عن تقديم حل للمشكلات الإنسانية. الرأسمالية استنزفت الإنسان، والشيوعية جردته من روحه، والديمقراطية الغربية هي ديمقراطية المال والاستغلال. لذلك، فالخلاص ليس في تقليد الغرب، بل في العودة إلى الإسلام الأصيل. الكاتب سلوم يعتبر سيد قطب ممثل نسخة المسيحية الصهيونية التي صدرت نسخها للمنطقة على شكل يهودية صهيونية تخدم الإمبريالية ، بل إنها رأس حربتها في غرب آسيا.. وصدرت نسختها الوهابية الإخوانجية الصهيونية التكفيرية عبر سيد قطب لتفتيت المجتمعات العربية والإسلامية لتخدم افكار سيد قطب الإمبريالية من خلال إدخال المجتمعات في اقتتال اسلامي صهيوني لا نهاية له..بدلا من التركيز على الوعي الاجتماعي الطبقي بأن الصراع بين مراكز استعمارية غربية و فئات تجارية طفيلية كومبرادور من محميات الخليح ومن لف لفهم من جهة والطموح التحرري للشعوب العربية وبناء تنميتها المتمركزة على الذات وفك الارتباط مع النظام الرأسمالي الامريكي .. من جهة مقابلة
مقارنة مع كتابنا: هناك تشابه شكلي للوهلة الأولى بين نقد قطب للغرب ونقد كتابنا لأمريكا، لكن هناك فروق جوهرية. أولاً، قطب يرى الصراع من منظور ديني إسلامي وهابي خرافي ، بينما كتابنا يرى الصراع من منظور سياسي اشتراكي تحرري، يجمع بين أديان وقوميات مختلفة ولكن هدفه نموذج اشتراكي عالمي الطابع . ثانياً، قطب يدعو إلى العودة إلى "الإسلام الأصيل" كحل وهنا يحمل في تفاصيل كلامه العام عدمية من حيث جاهليته بالبرامج الاقتصادية والوعي الطبقي الاجتماعي وعدم تمييزه بين السياق الاشتراكي التحرري لروسيا والصين والنمط الهمجي الغربي الاستعماري ، بينما كتابنا لا يقدم حلاً جاهزاً، بل يدعو إلى المقاومة والتحرر دون تحديد نموذج سياسي أو ديني محدد بمرحلة اولى ولكن بطابع اشتراكي عالمي في مرحلة تالية . ثالثاً، قطب كان يعيش في زمن الهيمنة الغربية المطلقة بشكل مراهق يدل على غباء أطروحته من التكفير والعدمية، بينما كتابنا يعيش في زمن أفول هذه الهيمنة، مما يعطيه أفقاً أوسع للتفاؤل.
ب. علي شريعتي: العودة إلى الذات (1970)
على الجانب الآخر من العالم العربي، في إيران، كان المفكر علي شريعتي يطور رؤية مختلفة للصراع مع الغرب. شريعتي، الذي تأثر بالماركسية والوجودية والفكر الإسلامي، قدم رؤية تجمع بين النقد الاجتماعي والإيمان الديني.
أطروحة شريعتي كانت أن مشكلة الشرق هي "الاغتراب": اغتراب عن الذات، وعن التاريخ، وعن الدين. الاستعمار الغربي لم يسرق ثروات الشرق فقط، بل سرق هويته وثقافته وإيمانه. لذلك، فالتحرر الحقيقي يبدأ بالعودة إلى الذات، باستعادة الهوية، بتجاوز عقدة النقص تجاه الغرب.
شريعتي ورجال الدين: كان شريعتي ينتقد رجال الدين التقليديين الذين يقدمون إسلاماً جامداً منفصلاً عن قضايا المجتمع والتحرر. وكان يدعو إلى "إسلام أحمر" ثوري، يقف إلى جانب المستضعفين، ويقاوم الظلم والاستغلال، بدلاً من "إسلام أسود" رجعي يبرر القمع والتبعية.
مقارنة مع كتابنا: كتابنا أقرب إلى شريعتي منه إلى قطب. فشريعتي، مثل كتابنا، يرى الصراع من منظور سياسي طبقي: صراع بين المستضعفين والمستكبرين، بين الشعوب المقهورة والإمبراطورية المهيمنة. وهو، مثل كتابنا، يدعو إلى العودة إلى الذات، وإلى استعادة الثقة في القدرات الذاتية. لكن شريعتي، كونه مفكراً دينياً، يضع الإسلام في مركز رؤيته، بينما كتابنا يتسع لرؤية أوسع تشمل العلمانيين والدينيين، العرب والعجم، المسلمين والمسيحيين.
ج. مالك بن نبي: شروط النهضة (1948)
المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي عاش تجربة الاستعمار الفرنسي مباشرة، قدم رؤية مختلفة للصراع مع الغرب. في كتابه "شروط النهضة" (1948)، حاول تحليل أسباب تخلف المجتمعات الإسلامية، ووضع شروطاً للنهضة والتحرر.
أطروحة بن نبي كانت أن مشكلة العالم الإسلامي ليست في الاستعمار وحده، بل في "القابلية للاستعمار". فالشعوب التي تستعمر، في نظره، هي شعوب فقدت قدرتها على الإبداع والمبادرة، ووقعت في فخ التبعية والتقليد. لذلك، فالتحرر الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الشخصية الإسلامية، وإحياء القدرة على الابتكار، وبناء مجتمع قائم على العلم والعمل.
بن نبي والاستعمار: رغم نقده للقابلية للاستعمار، لم يبرر بن نبي الاستعمار، بل رآه كارثة على الشعوب المستعمرة. وهو دعا إلى مقاومته بكل الوسائل. لكنه أصر على أن المقاومة وحدها لا تكفي، بل لا بد من بناء بديل حضاري يملأ الفراغ بعد زوال الاستعمار.
مقارنة مع كتابنا: كتابنا يشارك بن نبي في التأكيد على أهمية بناء البديل، وليس فقط مقاومة العدو. فانهيار المحميات الخليجية، مثلاً، يجب أن يتبعه بناء نماذج جديدة، وإلا فستحل محلها فوضى وصراعات. لكن كتابنا يختلف عن بن نبي في التركيز على العوامل الخارجية (الهيمنة الأمريكية) أكثر من التركيز على العوامل الداخلية (القابلية للاستعمار). ففي رأي كتابنا، القابلية للاستعمار ليست مجرد ضعف داخلي، بل هي أيضاً نتيجة لعقود من القمع والتجهيل والتشويه المتعمد من قبل الاستعمار نفسه.
د. إدوارد سعيد: الاستشراق (1978)
لا يمكن الحديث عن الفكر النقدي في الشرق دون الوقوف عند كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" (1978)، الذي أحدث ثورة في فهم العلاقة بين الغرب والشرق . سعيد، وهو فلسطيني أمريكي عاش تجربة النكبة والشتات، استطاع أن يقدم قراءة عميقة لآليات الهيمنة الثقافية الغربية.
أطروحة سعيد كانت أن "الاستشراق" ليس مجرد دراسة أكاديمية للشرق، بل هو خطاب سلطة، أداة من أدوات الهيمنة الاستعمارية. المستشرقون، في نظر سعيد، لم يدرسوا الشرق ليفهموه، بل درسوه ليسيطروا عليه. صنعوا صورة عن "الشرقي" ككائن بدائي، غير عقلاني، متخلف، بحاجة إلى توجيه الغرب وحضارته .
سعيد والهوية: من أهم إسهامات سعيد أنه فضح آلية صنع "الآخر". الغرب، في نظره، يحتاج إلى صنع "شرقي" سلبي ليبرر هيمنته عليه. وهذه الآلية لا تقتصر على الماضي الاستعماري، بل تمتد إلى الحاضر، في صورة خطابات الإعلام والسياسة التي تصور العرب والمسلمين كتهديد للحضارة الغربية.
مقارنة مع كتابنا: كتابنا هو امتداد طبيعي لمشروع سعيد النقدي. فالكتاب يحاول تفكيك خطاب الهيمنة الأمريكية، وكشف الآليات التي تعمل بها الإمبراطورية: من الاستشراق الثقافي إلى القواعد العسكرية، من اللوبيات المالية إلى شبكات الابتزاز. لكن كتابنا يتجاوز سعيد في نقطة مهمة: فهو لا يكتفي بالنقد، بل يقدم قراءة للتحولات الكبرى وسبل التحرر. سعيد ظل في الغالب في موقع الناقد، بينما كتابنا يحاول أن يكون جزءاً من حركة التحرر نفسها.
القسم الثالث: تحليل مقارن
في الرؤية والمنهج والغاية
(5) الرؤية: من أين ينظر كل كاتب إلى العالم؟
الاختلافات الجوهرية بين الكتب التي ناقشناها تعكس في جوهرها اختلافاً في موقع كل كاتب من الصراع.
ستيفن كوك ينظر إلى العالم من داخل المؤسسة الأمريكية. هو جزء من "مجلس العلاقات الخارجية"، المؤسسة التي تخرج نخب السياسة الخارجية الأمريكية. كتابه هو محاولة لإصلاح السياسة الأمريكية من الداخل، لجعلها أكثر فعالية في حماية المصالح الأمريكية. الشعوب العربية والإيرانية، في نظره، ليست فاعلاً مستقلاً، بل هي إما "حلفاء" يجب الحفاظ عليهم، أو "أعداء" يجب مواجهتهم.
صامويل هنتنغتون ينظر إلى العالم من موقع القوة الغربية التي بدأت تشعر بالتهديد. كتابه هو تعبير عن قلق النخبة الأمريكية من صعود حضارات أخرى، خاصة الإسلامية والكونفوشيوسية. وهو يقدم وصفة للغرب ليظل مسيطراً: الوحدة الداخلية، والتحالفات الإستراتيجية، ومواجهة التحديات.
إدوارد سعيد ينظر إلى العالم من موقع المقهور، الفلسطيني المشرد، العربي في الغرب. كتابه هو محاولة لكشف آليات الهيمنة، وتحرير العقل من قبضة الخطاب الاستشراقي. هو يكتب من موقع النقد، وليس من موقع تقديم بديل.
كتابنا "انهيار الإمبراطورية" ينظر إلى العالم من موقع المقاومة والتحرر. هو يكتب في لحظة أفول الهيمنة الأمريكية، من داخل المنطقة العربية التي تشهد تحولات كبرى. وهو يحاول أن يكون جزءاً من هذه التحولات، وليس مجرد راصد لها.
هذه الاختلافات في الرؤية تفسر لماذا يرى كوك في "نهاية الطموح" خطراً على أمريكا، بينما يرى كتابنا في "انهيار الإمبراطورية" فرصة لشعوب المنطقة. وتفسر لماذا يرى هنتنغتون في "صدام الحضارات" تهديداً للغرب، بينما يراه سعيد وكتابنا خطاباً يبرر الهيمنة.
(6) المنهج: كيف يقرأ كل كاتب التاريخ والواقع؟
الاختلاف في الرؤية يقابله اختلاف في المنهج، في طريقة قراءة التاريخ وفهم الواقع.
كوك يستخدم منهجاً واقعياً، يركز على المصالح الوطنية الأمريكية، وتحالفات القوى، وتوازنات القوة. التاريخ عنده هو سجل للنجاحات والإخفاقات في تحقيق هذه المصالح. هو لا يسأل عن الحق والعدل، بل عن ما يفيد أمريكا.
هنتنغتون يستخدم منهجاً حضارياً، يركز على الانتماءات الثقافية والدينية كأساس للصراع والتحالف. التاريخ عنده هو صراع بين كيانات حضارية كبرى، كل منها لها روحها وجوهرها الثابت.
سعيد يستخدم منهجاً نقدياً، مستلهماً من الماركسية وما بعد البنيوية. يركز على تحليل الخطاب، وكشف آليات إنتاج المعرفة والسلطة. التاريخ عنده هو سلسلة من عمليات الهيمنة والمقاومة.
كتابنا يستخدم منهجاً متعدد الأبعاد: تاريخياً، جيوسياسياً، اقتصادياً، قانونياً، وفلسفياً. يركز على تحليل بنية الهيمنة، وفهم آليات عمل الإمبراطورية، واستشراف مسارات التحرر. التاريخ عنده ليس صراعاً بين حضارات ولا سجلاً للمصالح الوطنية، بل هو صراع بين مشاريع الهيمنة ومشاريع التحرر.
(7) الغاية: لماذا يكتب كل كاتب؟
لكل كتاب غاية، رسالة يريد إيصالها، تأثير يريد إحداثه.
كوك يكتب ليؤثر في صناع القرار الأمريكي. غايته إقناعهم بأن الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط خطأ، وأن "التراجع والتحوط" هو الاستراتيجية الصحيحة. هو يكتب من أجل بقاء النفوذ الأمريكي في المنطقة، ولو بشكل أقل طموحاً.
هنتنغتون يكتب ليحذر الغرب من خطر الحضارات الأخرى، وليحثه على الوحدة والاستعداد للصراع. غايته حماية الهيمنة الغربية في عصر ما بعد الحرب الباردة.
سعيد يكتب ليكشف زيف الخطاب الاستشراقي، وليحرر العقل من هيمنته. غايته تمكين المقهورين من رؤية واقعهم بشكل أكثر وضوحاً، ومن تفكيك آليات هيمنة ثقافية ظلت تعمل لعقود.
كتابنا يكتب ليكون جزءاً من حركة التحرر. غايته تحليل التحولات الكبرى التي نشهدها، واستشراف ملامح النظام العالمي الجديد، ودعم المقاومة في مواجهة الهيمنة. هو يكتب من أجل نهاية الإمبراطورية، وولادة عالم جديد أكثر عدلاً.
…..
القسم الرابع: ماذا يميز كتاب "انهيار الإمبراطورية"؟
قراءة نقدية للتميز
(8) الصوت من الداخل
أول ما يميز كتابنا عن الكتب الغربية التي ناقشناها هو أنه مكتوب من داخل المنطقة، من قلب المعاناة والتجربة. ليس كاتباً غربياً ينظر إلى الشرق من بعيد، وليس أكاديمياً يكتب في برجه العاجي. هو ابن هذه المنطقة، عاش حروبها، ذاق مرارة التبعية فيها، وشهد بأم عينيه كيف تسرق ثرواتها باسم الاستقرار، وكيف تسفك دماؤها باسم الديمقراطية.
هذا القرب من المعاناة يمنح الكتاب مصداقية لا يمكن أن توفرها أي قراءة خارجية. فكاتبه لا يتحدث عن "المصالح الأمريكية" في المنطقة، بل عن آلام شعوبها وآمالها. لا يرى شعوب المنطقة كأدوات في لعبة القوى الكبرى، بل كفاعلين أساسيين في تاريخهم.
(9) الرؤية من أسفل
الكتب الغربية التي ناقشناها، حتى الأكثر انتقاداً منها مثل كتاب سعيد، تظل في النهاية تنظر إلى العالم من "فوق". هي تركز على النخب، على القوى الكبرى، على تحالفات الدول، على خطابات السلطة.
كتابنا يحاول أن ينظر إلى العالم من "أسفل". من موقع الشعوب المقهورة، من موقع المقاومة، من موقع الذين يدفعون الثمن الأكبر للهيمنة الأمريكية. هذه الرؤية من أسفل تمكنه من رؤية ما تغفله الرؤى من فوق: صمود الشعب الإيراني تحت الحصار، وعي الشعوب العربية المتزايد، قدرة المقاومة على استنزاف القوى العظمى.
(10) التحليل المتعدد الأبعاد
كتابنا لا يكتفي ببعد واحد في تحليله، بل يجمع بين أبعاد متعددة: البعد التاريخي، لقراءة الجذور العميقة للصراع؛ البعد الجيوسياسي، لفهم موازين القوى والتحولات الإقليمية؛ البعد الاقتصادي، لتحليل شبكات المصالح وهشاشة النماذج الريعية؛ البعد القانوني، لمناقشة إمكانيات العدالة الدولية؛ البعد الفلسفي، للتأمل في المفاهيم الكبرى: الإمبراطورية، الهيمنة، المقاومة، التحرر.
هذا التعدد الأبعاد يجعل الكتاب أكثر عمقاً وشمولية من الكتب التي تكتفي ببعد واحد، مثل البعد الحضاري عند هنتنغتون، أو البعد النقدي عند سعيد، أو البعد الواقعي عند كوك.
(11) اللغة الأدبية
كتابنا يكتب بلغة أدبية ، تليق بعظمة الموضوع الذي يناقشه. ليست لغة التقارير الجافة التي يكتب بها كوك، ولا لغة النظريات الأكاديمية التي يكتب بها هنتنغتون، ولا لغة النقد المعقدة التي يكتب بها سعيد. إنها لغة تلامس القلب قبل العقل، لغة تجعل القارئ يعيش الأحداث لا يقرأ عنها فقط.
هذه اللغة الأدبية ليست زينة خارجية، بل هي جزء من الرؤية. فالكاتب يؤمن أن القضايا الكبرى تستحق لغة كبرى، وأن الحديث عن المصير لا يليق به إلا بلاغة المصير.
(12) الشجاعة في التسمية
الكتب الغربية التي ناقشناها تتجنب تسمية الأشياء بأسمائها. كوك يتحدث عن "الطموحات الكبرى" بدلاً من الحديث عن "الإمبريالية". هنتنغتون يتحدث عن "الصدام الحضاري" بدلاً من الحديث عن "الهيمنة الغربية". سعيد يتحدث عن "الاستشراق" كخطاب سلطة، لكنه لا يذهب إلى تسمية ما يحدث اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان باسمه الحقيقي.
كتابنا يسمي الأشياء بأسمائها. يتحدث عن "الإمبراطورية الأمريكية"، وليس عن "القوة العظمى". يتحدث عن "المحميات الخليجية"، وليس عن "الدول الحليفة". يتحدث عن "الكيان الصهيوني"، وليس عن "إسرائيل". هذه الشجاعة في التسمية تمنح الكتاب قوة إضافية، وتجعل القارئ يشعر أنه يقرأ الحقيقة، وليس خطاباً مموهاً.
….
خاتمة الدراسة المقارنة
في أفق الكتابة المقاومة
(13) قيمة الاختلاف
الاختلاف بين رؤية كتابنا ورؤية الكتب الغربية التي ناقشناها لا يقلل من قيمة أي منها. كل كتاب يعبر عن موقع معين، ويخاطب جمهوراً معيناً، ويحقق غاية معينة.
كوك يقدم قراءة واقعية من داخل المؤسسة الأمريكية، مفيدة لفهم كيف تفكر النخب الحاكمة في واشنطن. هنتنغتون يقدم قراءة مثيرة للجدل عن دور الثقافة والدين في الصراعات الدولية، حتى لو كنا نرفض استنتاجاته السياسية. سعيد يقدم أدوات نقدية لا غنى عنها لفهم آليات الهيمنة الثقافية.
لكن كتابنا يقدم ما لا تقدمه هذه الكتب: صوتاً من داخل المعاناة، ورؤية من أسفل، وتحليلاً متعدد الأبعاد، ولغة أدبية راقية، وشجاعة في التسمية. إنه ليس مجرد كتاب عن انهيار الإمبراطورية، بل هو جزء من عملية الانهيار نفسها. ليس مجرد راصد للتحولات، بل هو مساهم في صنعها.
(14) أفق الكتابة المقاومة
كتاب "انهيار الإمبراطورية" ينتمي إلى تقليد طويل من الكتابة المقاومة في الشرق. تقليد يمتد من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده، من عبد الرحمن الكواكبي إلى مالك بن نبي، من سيد قطب إلى علي شريعتي، من غسان كنفاني إلى إدوارد سعيد، من محمود درويش إلى اليوم.
هذا التقليد يتميز بأنه لا يكتب للسلطة، بل يكتب للشعب. لا يكتب لتبرير الهيمنة، بل يكتب لكشفها ومقاومتها. لا يكتب من موقع القوة، بل من موقع المعاناة والأمل. لا يكتب بلغة البروتوكولات، بل بلغة القلب والدم.
في لحظة أفول الإمبراطورية الأمريكية، تزداد الحاجة إلى هذا التقليد. الحاجة إلى كتابة تحلل، وتفضح، وتوجه، وتحفز. كتابة تكون جزءاً من حركة التحرر، وليس مجرد راصد لها. كتابة تستشرف المستقبل، وليس فقط تسجل الماضي.
(15) دعوة للقراءة النقدية
في النهاية، لا أدعي أن كتاب "انهيار الإمبراطورية" هو الكتاب الوحيد أو الأفضل في قراءة التحولات الكبرى. هو كتاب بين كتب، يأخذ من الكتب السابقة، ويختلف معها، ويحاول أن يضيف جديداً.
أدعو القارئ إلى قراءة نقدية، لا تقف عند هذا الكتاب، بل تتجاوزه إلى الكتب الأخرى التي ناقشناها. اقرأوا كوك لتفهموا كيف تفكر واشنطن. اقرأوا هنتنغتون لتفهموا مخاوف الغرب. اقرأوا سعيد لتفهموا آليات الهيمنة الثقافية. ثم عودوا إلى كتابنا، وكونوا رأيكم بأنفسكم.
المعرفة لا تأتي من كتاب واحد، ولا من رؤية واحدة. إنها تأتي من تعدد القراءات، ومن الجدل بينها، ومن استخلاص العبر من كل منها. وهذا هو ما حاولت هذه الدراسة المقارنة أن تساهم فيه.
……….
ملحق: مراجع إضافية للدراسة المقارنة
1. Steven A. Cook, The End of Ambition: America s Past, Present, and Future in the Middle East (Oxford University Press, 2024) 2. Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (Simon & Schuster, 1996) 3. Edward W. Said, Orientalism (Pantheon Books, 1978) 4. Edward W. Said, "The Clash of Ignorance," The Nation, October 22, 2001 5. Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (Free Press, 1992) 6. Sayyid Qutb, Ma alim fi al-Tariq (1964) 7. Ali Shariati, Return to Self (1970) 8. Malik Bennabi, Conditions de la Renaissance (1948) 9. Ian Buruma & Avishai Margalit, Occidentalism: The West in the Eyes of Its Enemies (Penguin Press, 2004) 10. Aijaz Ahmad, In Theory: Classes, Nations, Literatures (Verso, 1992)
تمت الدراسة المقارنة بحمد الطبيعة في مارس 2026 م
……..
فهرسة محتويات الكتاب
انهيار الإمبراطورية: كيف يكتب الشرق الأوسط نهاية الهيمنة الأمريكية
المقدمة
لحظة تاريخية فارقة
فجر السبت الذي غير وجه العالم عندما ينهار السراب: قراءة في انكشاف الحقيقة الإمبراطورية تحتضر: ملامح لحظة التحول الشرق الأوسط يكتب نهايته: قراءة في تحولات كبرى المنهج: بين التحليل السياسي والتأمل الفلسفي خريطة الكتاب: بين الفصول الستة قبل أن نبدأ: اعتراف أول
الفصل الأول
تفكيك أصنام الإمبراطورية الأمريكية
من يمسك بخيوط اللعبة؟
تمهيد: في مفهوم الإمبراطورية الإمبراطورية التي لا تعترف بأنها إمبراطورية بنية الإمبراطورية: الجيش، المال، الاستخبارات، الإعلام كيف تعمل الإمبراطورية: بين الإغراء والترهيب
القسم الأول: شبكة المصالح المالية جاريد كوشنر: نموذج لتداخل المصالح من كوشنر إلى ترامب: العائلة التي تدير الدولة صناديق التحوط وسوق السندات: من يتحكم في الاقتصاد العالمي؟
القسم الثاني: شبكة الابتزاز والولاء جيفري إبستين والإمبراطورية السرية جزيرة إبستين: حيث تُشترى النخب شبكة الابتزاز كأداة حكم غسان سلامة وشهادة على الآلية
القسم الثالث: اللوبي الإسرائيلي أيباك: الدولة داخل الدولة من أيباك إلى AIPAC: شبكة المنظمات المترابطة جو كينت: شهادة من الداخل
القسم الرابع: الإمبراطورية لا تحكم بالجيوش فقط ثمانمائة قاعدة عسكرية: حضور بلا حدود البنتاغون وشركات الدفاع: مثلث الموت الإعلام كسلاح: صناعة الوعي التعليم والثقافة: تشكيل الوعي من الجذور
القسم الخامس: الإمبراطورية في لحظة الأفول علامات الانهيار المبكرة ما بعد الانهيار: ملامح العالم الجديد
خاتمة الفصل الأول: نحو تفكيك أصنام الإمبراطورية
……
الفصل الثاني
مفارقات التاريخ
عندما تكون المفاوضات مقدمة للاغتيال
تمهيد: في عبثية التاريخ التاريخ لا يتكرر، لكنه يقف على ساق واحدة القادة الذين اغتيلوا وهم يمسكون بأقلام السلام طاولة المفاوضات: ملاذ آمن أم فخ مميت؟
القسم الأول: في تاريخ الغدر الدبلوماسي قصة عمرها قرن: من سايكس بيكو إلى 28 شباط اغتيال قاسم سليماني: بروفا لما سيأتي
القسم الثاني: خلف الاغتيال إسرائيل: من يجر من؟ نتنياهو: الحالم بشرق أوسط جديد ترامب: التاجر الذي أراد حرباً مربحة
القسم الثالث: القانون الدولي القانون الدولي: من يصنعه ولمن؟ المحكمة الجنائية الدولية: بين مذكرات التوقيف وجدران الصمت محكمة العدل الدولية: ملاذ الضعفاء أم مسرح للعبث؟ العقوبات الأمريكية على القضاة: رسالة للعالم
القسم الرابع: الاغتيال في الفكر الاستراتيجي الحرب والسياسة: قراءة في العلاقة الملتبسة الاغتيال كأداة استراتيجية: من مكة إلى سراييفو من درس الاستراتيجية الإيرانية؟
القسم الخامس: بعد الاغتيال إيران بعد الاغتيال: صدمة ويقظة المنطقة بعد الاغتيال: احتدام المقاومة العالم بعد الاغتيال: صدمة وعزلة لأمريكا
خاتمة الفصل الثاني: الدروس المستفادة في زمن الإمبراطورية، لا شيء مقدس المقاومة هي السبيل الوحيد الشرق الأوسط الجديد: يولد من رحم الألم
……..
الفصل الثالث
مضيق هرمز
شريان الاقتصاد العالمي وسيف المقاومة
تمهيد: في جغرافية المصير شريان لا يتسع إلا للأمل والخطر لماذا هذا المضيق بالذات؟ بين الجيوسياسية والجيواستراتيجية: قراءة في الموقع
القسم الأول: المضيق في التاريخ صراع عمره خمسة قرون: من البرتغاليين إلى الأمريكيين حرب الناقلات: ثمانينيات القرن العشرين 2026: عندما أصبح التهديد حقيقة
القسم الثاني: التأثيرات الاقتصادية المباشرة دبي: المدينة التي بنيت على الرمال الأرقام التي لا تكذب لماذا انهارت دبي بهذه السرعة؟
القسم الثالث: السعودية الرياض: هل هي دبي القادمة؟ رؤية 2030: حلم يتبخر التصريحات السعودية: بين الغضب والعجز
القسم الرابع: التأثيرات العالمية النفط وارتفاع الأسعار: من 80 إلى 150 دولاراً التضخم والركود: العودة إلى سبعينيات القرن العشرين التأثير على الانتخابات الأمريكية: ترامب في موقف حرج
القسم الخامس: استراتيجية الصمود الإيرانية معادلة الردع الجديدة إغلاق هرمز: ورقة الضغط الأكبر الوقت: العامل الحاسم
خاتمة الفصل الثالث: الدروس المستفادة من أزمة هرمز الهشاشة المقنعة قوة الموقع الاستراتيجي الصمود أطول من القوة الشرق الأوسط الجديد: يولد من رحم الألم
…….
الفصل الرابع
استراتيجية الصمود
كيف تواجه إنساناً يمتلك الوقت؟
تمهيد: في فلسفة المقاومة عندما يصبح الوقت سلاحاً جينات الصمود: كيف تبنى ثقافة المقاومة؟ الفرق بين الصمود والانهزام
القسم الأول: معادلة الردع الجديدة قبل 28 شباط: قواعد اللعبة القديمة بعد 28 شباط: قواعد اللعبة الجديدة ماذا تعني معادلة الردع الجديدة؟
القسم الثاني: القدرات الصاروخية الإيرانية الترسانة الصاروخية: إنجاز وطني ما بعد 28 شباط: الأداء في الميدان الصواريخ المضادة للسفن: تهديد وجودي للأسطول الخامس
القسم الثالث: إغلاق هرمز لماذا هرمز هو مفتاح المعركة؟ كيف يتم إغلاق مضيق هرمز؟ تأمين النفط: هل من بديل؟ التأثير على دول الخليج: من الرفاهية إلى الانهيار
القسم الرابع: الوقت من يملك الوقت يملك المستقبل استنزاف الإمبراطورية: كيف تطحن الحروب الطويلة القوى العظمى؟ آلة طحن القوى العظمى
القسم الخامس: الأبعاد النفسية للصمود علم النفس الجماعي: لماذا تزداد الشعوب صلابة تحت الضغط؟ القيادة والكاريزما: دور المرشد الجديد في توحيد الصف الإعلام الحربي: صناعة الأمل في زمن اليأس
القسم السادس: حدود الصمود نقطة التحول: متى ينكسر الصمود؟ الخسائر البشرية والحدود النفسية الانهيار الاقتصادي والحدود المادية الانقسامات الداخلية وحدود الوحدة هل تصل إيران إلى نقطة الانهيار؟
خاتمة الفصل الرابع: دروس في فن الصمود الصمود فن لا يقل أهمية عن القتال الوقت سلاح الفقراء الإرادة أقوى من الحديد
…….
الفصل الخامس
انهيار "محميات الخليج"
بين الضرورة التاريخية والإرادة السياسية
تمهيد: في مفهوم المحمية المحمية: حين تكون السيادة اسماً بلا مسمى جذور المحمية: من الاستعمار البريطاني إلى الهيمنة الأمريكية النفط والهشاشة: كيف بنيت الرفاهية على رمال متحركة؟
القسم الأول: في نقد مفهوم المحمية المحمية في الفكر النقدي: من التبعية إلى التحرر الأكذوبة الكبرى: "المظلة الأمنية الأمريكية" الاقتصاد الريعي: بين الثراء الظاهري والهشاشة الحقيقية
القسم الثاني: أسباب الانهيار العامل الأول: انكشاف زيف المظلة الأمنية الأمريكية العامل الثاني: انهيار النموذج الاقتصادي الوهمي العامل الثالث: الغضب الشعبي الصامت
القسم الثالث: سيناريوهات الانهيار الجدول الزمني للانهيار: تقديرات وتحليلات البحرين: الحلقة الأضعف السعودية: السقوط المدوي الإمارات: انهيار النموذج
القسم الرابع: ما بعد الانهيار هل من بديل؟ دروس من التاريخ: كيف تنتزع الشعوب حقوقها؟ نحو خليج جديد: رؤية للمستقبل
القسم الخامس: البدائل الممكنة البديل الأول: الاستمرار تحت مظلة جديدة البديل الثاني: التحول الديمقراطي البديل الثالث: الفوضى والصراع أي البدائل أكثر ترجيحاً؟
القسم السادس: دور القوى الإقليمية والدولية إيران: الجارة القوية التي لا يمكن تجاهلها الصين: القوة الاقتصادية الصاعدة روسيا: عودة القوة القديمة تركيا: طموحات إقليمية متجددة
القسم السابع: نحو خليج جديد خليج بلا محميات: هل هو ممكن؟ دور شعوب الخليج في بناء المستقبل
خاتمة الفصل الخامس: دروس من رمال الخليج انهيار المحميات ليس نهاية التاريخ الحرية أغلى من الرفاهية الشرق الأوسط الجديد يولد من رحم الألم
……..
الفصل السادس
تفكك الكيان الصهيوني
هل هو ممكن؟
تمهيد: في زمن الأفول الكيان الذي ظن نفسه أبدياً ما معنى "تفكك الكيان"؟
القسم الأول: الأوهام الإسرائيلية الوهم الأول: الجيش الذي لا يُقهر الوهم الثاني: المظلة الأمريكية التي لا تسقط الوهم الثالث: التفوق التكنولوجي الذي لا يُخترق الوهم الرابع: التماسك الداخلي الذي لا ينكسر
القسم الثاني: عوامل الضعف الداخلية الاعتماد على الدعم الخارجي: نقطة الضعف الأكبر العزلة الدولية المتزايدة: من الحليف المفضل إلى الدولة المنبوذة الجبهة الداخلية: الفقاعة التي قد تنفجر الهجرة العكسية: نزيف الدماغ الذي يهدد البقاء
القسم الثالث: سيناريوهات التفكك السيناريو الأول: الانهيار الداخلي المفاجئ السيناريو الثاني: التحول إلى دولة مدنية السيناريو الثالث: التراجع الاستراتيجي التدريجي
القسم الرابع: العوامل الخارجية المسرعة للتفكك محور المقاومة: من الدفاع إلى الهجوم الدور الفلسطيني: من هامش إلى مركز التحولات في العالم العربي: من التطبيع إلى المواجهة الدور الأمريكي: من الحامي إلى المتخلي
القسم الخامس: العقبات أمام التفكك التماسك في مواجهة الخطر الخارجي القوة العسكرية والردع الدعم الغربي المستمر غياب البديل
خاتمة الفصل السادس: دروس في زوال الأوهام لا شيء أبدياً التفكك ليس مستحيلاً مقاومة الاحتلال هي الطريق فلسطين للفلسطينيين
…………
الخاتمة
نحو عالم جديد
ملامح ما بعد الانهيار
تمهيد: في لحظة التحول الكبرى بين عالم يموت وعالم يولد قراءة في مفاصل التحول
القسم الأول: نهاية الأحادية القطبية من القطب الواحد إلى التعدد القطبي الصعود الصيني: القطب الجديد روسيا: عودة القوة العظمى الاتحاد الأوروبي: البحث عن دور الهند: القطب الصاعد
القسم الثاني: انهيار نظام البترودولار الدولار: عملة الإمبراطورية بدائل الدولار: اليوان والروبل والعملات الرقمية تداعيات انهيار البترودولار
القسم الثالث: صعود القوى الإقليمية إيران: القوة الصاعدة تركيا: طموحات إقليمية متجددة السعودية: بين الانهيار والتحول مصر: حلم النهضة الضائع
القسم الرابع: نهضة الشعوب وعي جديد في المنطقة العربية دروس من تجارب الشعوب دور المثقفين والنخب في بناء المستقبل
القسم الخامس: العدالة الدولية هل يمكن محاكمة مجرمي الحرب؟ العقبات أمام العدالة ما الذي يمكن أن يغير المعادلة؟
القسم السادس: نحو رؤية جديدة أسس النظام العالمي الجديد دور الأمم المتحدة في النظام الجديد دور القوى الإقليمية في النظام الجديد
الخاتمة الأخيرة: إلى أين تتجه الأمور؟ قراءة في المستقبل ما الذي يمكن أن نفعله؟ كلمة أخيرة: لن نخون الدماء
……..
ملحق: المصادر والمراجع
تقارير وكالات الأنباء العالمية وكالة فرانس برس رويترز أسوشيتد برس
الشبكات الإخبارية سي إن إن (CNN) بي بي سي (BBC)
المؤسسات المالية الدولية بنك غولدمان ساكس وكالة فيتش للتصنيف المالي البنك الدولي صندوق النقد الدولي
المراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية مجلس العلاقات الخارجية (CFR) مركز كارنيغي للشرق الأوسط معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى منظمة العفو الدولية هيومن رايتس ووتش
الكتب والمراجع الأساسية أعمال ستيفن كوك، صامويل هنتنغتون، إدوارد سعيد كتابات سيد قطب، علي شريعتي، مالك بن نبي تقارير مؤشر دبي العقاري (DFMRE) وثائق وزارة العدل الأمريكية مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية
…….
ثبت بالمصطلحات والمفاهيم الأساسية
الإمبراطورية الأمريكية الهيمنة الأحادية القطبية المحميات الخليجية مضيق هرمز استراتيجية الصمود معادلة الردع اللوبي الإسرائيلي (أيباك) شبكات الابتزاز نظام البترودولار الربيع العربي اتفاقيات أبراهام محور المقاومة تفكك الكيان الصهيوني النظام العالمي الجديد العدالة الدولية
---
تمت فهرسة الكتاب بحمد الطبيعة ربيع الأول 1447هـ أيلول 2026م
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
-
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا
...
-
مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف
...
-
كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
-
خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
-
قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
-
الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
-
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد
...
-
التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
-
صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
المزيد.....
-
من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام
...
-
معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين
...
-
الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
-
يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
-
وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
-
ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
-
حينما أنهض من موتي
-
كسر العظام
-
وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن
...
-
-مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل
...
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|