أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في الخليج















المزيد.....


مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في الخليج


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في الخليج وإعادة إنتاج شروط التحرر من الهيمنة

مقدمة: حين يتحول المال إلى هدف

هاهو مشهد يشبه لوحة سريالية تجمع بين وهج ناطحات السحاب في دبي ودخان الصواريخ المنطلقة من جهات مجهولة، حيث يجد المركز المالي الخليجي نفسه فجأة على خط النار. فالهجوم الصاروخي الذي استهدف أكبر مكتب إقليمي لـ"سيتي بنك" في دبي لم يكن مجرد حادثة عابرة في سلسلة طويلة من أحداث العنف الإقليمي، بل حمل في طياته دلالات أعمق، ربما تكون إيذاناً ببداية مرحلة جديدة من الصراع، حيث تتحول مراكز الثقل المالي والاقتصادي إلى أهداف استراتيجية من الدرجة الأولى.

ما جرى في دبي يطرح تساؤلات جوهرية لا تتعلق فقط بمن نفذ، ولماذا الآن، بل تتجاوز ذلك إلى فهم البنية العميقة للصراع الدائر في غرب آسيا. لماذا تستهدف بنوك أمريكية في قلب الخليج؟ وما العلاقة بين صواريخ المقاومة وأسواق المال؟ وكيف يمكن لضربة موجهة ضد بنك أن تعيد تشكيل ملامح المنطقة برمتها؟

هنا نحاول الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال مقاربة نظرية ترى في الاقتصاد الرأسمالي العالمي بنية هرمية، مركز مهيمن وأطراف تابعة، وأن لحظة التحول الكبرى لا تأتي من المركز بل من تمرد الأطراف على شروط الإدماج التي تنتج تخلفها وتكرسه. فاستهداف البنوك الأمريكية في الخليج ليس عملاً عسكرياً بحتاً، بل هو تدخل جراحي في الجهاز العصبي للمنظومة الرأسمالية العالمية، ومحاولة لكشف هشاشة "المراكز" الوهمية في "الأطراف"، وربما خطوة أولى على طريق طويل من "فك الارتباط" الذي يمهد لتسوية جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ والثروة في المنطقة.

دبي... وهم المركز الاستعماري في جسم الطرف

١.١ مدينة الكرنفال الدائم

دبي، تلك المدينة التي تثير الدهشة والإعجاب في آن، تقدم نفسها كنموذج للحداثة والانفتاح في محيط عربي وإسلامي محافظ. هي مدينة الناطحات التي تخترق السحاب، والجزر الاصطناعية التي ترسم أشكالاً خرافية على صفحة الماء، والمراكز التجارية التي تستوعب منتجات العالم بأسره. لكن دبي، في عمقها البنيوي، تمثل نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته "المركز الوهمي في الأطراف الحقيقية".

فهذه المدينة التي تضم أضخم المكاتب الإقليمية للبنوك العالمية، وفي مقدمتها "سيتي بنك"، والتي تدير تريليونات الدولارات من الأصول، تعيش على إيقاع اقتصادي لا ينتمي إليها عضوياً. إنها بمثابة محطة عبور كبرى للرأسمال العالمي، أو "منطقة ترانزيت" مالية واستثمارية، تقدم الخدمات والتسهيلات والأمان لرأس المال القادم من المركز، مقابل حصة من الريع. لكنها لا تملك مفاتيح التحكم الحقيقية في هذا الرأسمال.

١.٢ نظرية الطرف والمركز: قراءة في البنية الخفية

تقوم إحدى أبرز المقاربات النظرية لتفهم العلاقات الاقتصادية الدولية على فكرة أن النظام الرأسمالي العالمي ليس مجرد ساحة يتفاعل فيها لاعبون متساوون، بل هو بنية هرمية صارمة تتوزع الأدوار فيها بشكل لا يقبل المساومة تقريباً. في هذه البنية، هناك "مركز" متطور، و"أطراف" متخلفة، وهذا التخلف ليس مجرد مرحلة تاريخية يمكن تخطيها بالتدريج، بل هو شرط ضروري لتطور المركز نفسه.

فالمصانع في المركز تحتاج إلى مواد خام رخيصة من الأطراف، وأسواقها تحتاج إلى مستهلكين في الأطراف، وبنوكها تحتاج إلى فوائض مالية تُستثمر في الأطراف. وبالتالي، فإن استمرار تطور المركز يتطلب بقاء الأطراف في موقعها التابع، يؤدي وظيفتها في توفير الموارد واستقبال المنتجات واستيعاب فوائض رأس المال. هذا ما يفسر لماذا لا يمكن للأطراف أن "تلحق" بالمركز ببساطة، لأن عملية اللحاق ذاتها تعني تفكيك شروط استمرار تطور المركز.

هذا التحليل النظري، الذي طور على مدى عقود، يقدم مفتاحاً لفهم موقع دبي والخليج عموماً في المنظومة الرأسمالية العالمية. فالخليج، بثرواته النفطية الهائلة، وموقعه الجغرافي الاستراتيجي، وأسواقه المالية الواعدة، ليس مركزاً بالمعنى الكامل، بل هو "طرف مميز" أو "طرف مُدمج بشكل متطور" في خدمة المركز. النفط الخليجي يغذي الصناعة الأمريكية والأوروبية، والفوائض المالية الخليجية تُستثمر في البنوك والأسهم الأمريكية، والبنوك الأمريكية تدير أموال الخليجيين والأجانب في المنطقة. إنها دورة متكاملة تخدم مصالح المركز في نهاية المطاف.

١.٣ "سيتي بنك" في دبي: واجهة المركز الصهيو امريكي في عمق الطرف

وجود مكتب إقليمي ضخم لـ"سيتي بنك" في دبي ليس مجرد قرار تجاري عادي. إنه تجسيد مادي لهذه العلاقة البنيوية بين المركز والأطراف. فالبنك، الذي يعد أحد أكبر المؤسسات المالية في العالم، لا يأتي إلى دبي ليخدم السوق المحلي فحسب، بل ليكون همزة الوصل بين الأسواق الناشئة في المنطقة والأسواق المتقدمة في الغرب. هو وسيلة لاستقطاب رؤوس الأموال الخليجية والعربية نحو استثمارات تديرها مؤسسات المركز، وهو أداة لتمويل المشاريع الكبرى التي تنفذها شركات من المركز في المنطقة، وهو ضمانة لاستمرار تدفق العوائد المالية باتجاه المساهمين والمستثمرين في نيويورك ولندن.

لذلك، فإن تدمير هذا المكتب ليس مجرد خسارة مادية لمبنى أو حتى لبيانات ومعاملات. إنه ضربة رمزية وعملية في آن لواحدة من أهم قنوات التواصل التي تربط الطرف بالمركز. إنه أشبه بقطع شريان رئيسي في جسد العلاقة الاقتصادية التي تسمح للمركز باستمرار هيمنته عبر آليات مالية أكثر من كونها عسكرية.


الصاروخ الذي قرأ النظرية... لماذا استهدفت البنوك؟

٢.١ تحول استراتيجي في مفهوم الهدف

عندما وسعت إيران قائمة أهدافها لتشمل "رأس المال والمصالح الأمريكية"، كما أعلنت مصادر إيرانية رسمية، لم تكن تطلق شعاراً عاطفياً أو خطاباً إعلامياً مؤقتاً. كانت تعلن عن تحول استراتيجي في مفهوم الهدف، يرقى إلى مستوى إعادة تعريف ساحة المعركة ذاتها. فلم تعد المعركة محصورة في اشتباكات عسكرية مباشرة، أو حتى في استهداف قواعد عسكرية محددة، بل امتدت لتشمل البنية التحتية للهيمنة الاقتصادية الأمريكية على المنطقة.

هذا التحول يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الإمبريالية المعاصرة، التي لا تعتمد بالدرجة الأولى على الاحتلال العسكري المباشر، بل على آليات اقتصادية ومالية معقدة. فالسيطرة على النفط، وإدارة تدفقات رأس المال، والتحكم في أنظمة المدفوعات العالمية، وهيمنة المؤسسات المالية الدولية، كلها أدوات أكثر فعالية وأقل كلفة من الدبابات والجنود. لذلك، فإن استهداف البنوك الأمريكية في الخليج هو استهداف للشريان الذي يغذي هذه الهيمنة.

٢.٢ تدمير البيانات: موت أبطأ لكنه أشمل

الخبر الذي ورد عن تدمير أكبر مكتب إقليمي لـ"سيتي بنك" في دبي يحمل في طياته تهديداً أكبر لم يُذكر صراحة، لكنه يفهم ضمنياً: ما مصير البيانات التي كانت مخزنة في خوادم هذا المكتب؟ فالهجوم الصاروخي الذي يدمر مبنى، قد يدمر أيضاً مراكز البيانات التي تحتوي على سجلات الإيداع، والمعاملات المالية، والتحويلات، والعقود، والاتفاقات.

هذا البعد بالغ الأهمية، لأن تدمير البيانات قد يكون أشد فتكاً من تدمير الأصول المادية. فالمباني يمكن إعادة بنائها، والأموال المنقولة يمكن تعويضها، لكن البيانات المالية المصرفية، إذا فقدت بشكل نهائي، تؤدي إلى محو ذاكرة مالية كاملة. عقود تختفي، أرصدة تتبخر، ملكيات تُلغى، والتزامات تُمسى. إنها فوضى شاملة تطال ملايين العملاء والشركات، وتهدد الثقة في النظام المصرفي برمته.

هذا التهديد تحديداً هو ما يجعل دبي كمركز مالي على المحك. فمدينة قامت شهرتها على الأمان والاستقرار والموثوقية، إذا تعرضت لضربة واحدة تطال البنية التحتية للبيانات المالية، قد تشهد نزوحاً جماعياً للاستثمارات والودائع. والأهم من ذلك، أن المستثمرين والشركات سيعيدون النظر في جدوى تمركز عملياتهم المالية في منطقة أصبحت عرضة لمثل هذه المخاطر. حادثة واحدة كهذه قد تكون كافية لتحويل وجهة التدفقات المالية من دبي إلى سنغافورة أو زيورخ أو نيويورك نفسها.

٢.٣ المنطق الكامن وراء اختيار الأهداف المالية

اختيار الأهداف المالية والبنوك ليس اعتباطياً، بل يخضع لمنطق استراتيجي دقيق. أولاً، هذه الأهداف تمثل "العصب الناعم" للاقتصاد، أي أنها شديدة الحساسية وأي ضرر يلحق بها ينتقل بسرعة إلى باقي القطاعات. ثانياً، هي تمثل واجهة الهيمنة الأمريكية الأكثر ظهوراً في الحياة اليومية للمواطنين والشركات في المنطقة. ثالثاً، استهدافها يخلق تأثيراً نفسياً هائلاً، حيث يشعر الناس بأن أموالهم ومدخراتهم لم تعد آمنة، مما يولد ضغطاً شعبياً على الحكومات لوقف التصعيد.

بالإضافة إلى ذلك، فإن استهداف البنوك الأمريكية في الخليج يحمل رسالة مزدوجة: إلى الولايات المتحدة تقول لها إن "حصان طروادة" الاقتصادي الذي زرعته في المنطقة أصبح مكشوفاً وضعيفاً، وإلى حكومات الخليج تقول لها إن استضافتها لهذه المصالح الأمريكية تجعلها شريكاً في الصراع وتعرضها للخطر. هذه رسالة ذكية تهدف إلى فك الارتباط بين مصالح الخليج الأمنية والاقتصادية من جهة والاستراتيجية الأمريكية من جهة أخرى.


إيران... فاعل على "الأطراف" يعيد إنتاج شروط التحرر

٣.١ موقع إيران في بنية المركز والأطراف

إيران نفسها تقدم حالة فريدة في بنية الأطراف والمركز. فهي من جهة، جزء من "الأطراف" في النظام الرأسمالي العالمي، تعاني من التخلف التكنولوجي، وتعتمد على صادرات النفط الخام، وتواجه عقوبات تعيق اندماجها في الاقتصاد العالمي. لكنها من جهة أخرى، تمتلك مشروعاً سياسياً وحضارياً يسعى للاستقلال عن هيمنة المركز، ويتبنى خطاباً مناهضاً للإمبريالية، ويسعى لبناء تحالفات إقليمية ودولية بديلة (مع الصين وروسيا مثلاً).

هذا الموقع المزدوج يجعل إيران قادرة على فهم آليات الهيمنة العالمية من الداخل، وفي الوقت نفسه، تملك إرادة سياسية وأيديولوجية لمواجهتها. فتجربتها مع العقوبات الاقتصادية علمتها كيف تعتمد على قدراتها الذاتية، وكيف تبحث عن ثغرات في النظام المالي العالمي، وكيف تبني شبكات تجارية ومصرفية خارج سيطرة الغرب.

٣.٢ من "تصدير الثورة" إلى "تصدير عدم الاستقرار الاقتصادي"

لطالما اتهمت إيران بتصدير الثورة عبر دعم حركات المقاومة في المنطقة. لكن ما نشهده اليوم قد يكون تطوراً جديداً في هذه الاستراتيجية، يمكن تسميته "تصدير عدم الاستقرار الاقتصادي". فبدلاً من الاكتفاء بدعم حلفائها في لبنان أو فلسطين أو العراق أو اليمن، بدأت إيران بتوجيه ضربات مباشرة للبنية التحتية الاقتصادية لدول الخليج، خاصة تلك المرتبطة بالمصالح الأمريكية الاستعمارية .

هذا التكتيك يحقق عدة أهداف في آن واحد: فهو يرفع كلفة العدوان على إيران على حلفاء أمريكا في المنطقة، ويضغط على حكومات الخليج للضغط على واشنطن للركوع لشروط طهران، ويكشف هشاشة النموذج الاقتصادي الخليجي القائم على الاستقرار والأمان، ويوجه رسالة للمستثمرين الأجانب بأن المنطقة لم تعد آمنة كما كانوا يعتقدون.

٣.٣ استهداف البنوك: رسالة إلى حلفاء أمريكا قبل أعدائها

عندما تضرب إيران بنكاً أمريكياً في دبي، فإن الرسالة الأولى تتجه إلى حكومة الإمارات وليس إلى واشنطن. الرسالة تقول: "أنتم تستضيفون قواعد عسكرية أمريكية، وتستثمرون أموالكم في أذون الخزانة الأمريكية، وتدير بنوككم الأمريكية أموال المنطقة، وتقدمون التسهيلات للشركات الأمريكية. هذا كله يجعلكم جزءاً من المعسكر المعادي، ويعرض مصالحكم الحيوية للخطر."

هذه الرسالة تفهمها حكومات الخليج جيداً، خاصة أن اقتصادها يقوم على جذب الاستثمارات الأجنبية واستقطاب رؤوس الأموال. أي تصعيد أمني يهدد هذا النموذج سيدفعها إلى إعادة حساباتها بدقة. وقد رأينا بوادر هذا الضغط بالفعل، حيث سارعت بعض دول الخليج إلى إغلاق أجوائها، وأعلنت شركات طيران كبرى تعليق رحلاتها، وتوقفت بعض المنشآت النفطية عن العمل.


تداعيات استراتيجية... نحو تصفية المصالح الأمريكية في غرب آسيا؟

٤.١ إعادة تعريف الوجود الأمريكي: من القواعد العسكرية إلى المصالح الاقتصادية

الوجود الأمريكي في غرب آسيا يتخذ أشكالاً متعددة: قواعد عسكرية ضخمة (كما في قطر والبحرين والكويت والإمارات)، وشركات نفط عملاقة (أرامكو السعودية كانت في السابق، وشركات خدمات نفطية لا تزال)، وبنوك ومؤسسات مالية (سيتي بنك وغيره)، وعلامات تجارية استهلاكية منتشرة في كل مكان.

استهداف البنوك الأمريكية يحول انتباه صناع القرار في واشنطن إلى نقطة ضعف جديدة في استراتيجيتهم الإقليمية. فالقواعد العسكرية محصنة ومدججة بالدفاعات الجوية، لكن البنوك والمطاعم والفنادق والمراكز التجارية أقل تحصيناً بكثير. إذا أصبحت هذه الأهداف "الناعمة" في مرمى النيران، فإن الشركات الأمريكية ستبدأ بإعادة تقييم وجودها في المنطقة، وسيزداد الضغط على الحكومة الأمريكية إما لتوفير الحماية لها أو للموافقة على تسويات سياسية توقف التصعيد.

٤.٢ انهيار الثقة... والنموذج الاقتصادي الخليجي على المحك

الاقتصاد الخليجي، وخاصة في محميتي الإمارات وقطر، يقوم على معادلة بسيطة: استقرار سياسي وأمني في مقابل تدفقات مالية واستثمارية. هذا النموذج نجح لعقود لأن المنطقة كانت بالفعل أكثر استقراراً من غيرها، ولأن الحروب كانت تدور في أماكن أخرى (العراق، سوريا، اليمن، لبنان) وليس في قلب الخليج.

لكن عندما تصل الصواريخ إلى دبي والرياض والكويت، وعندما تستهدف البنية التحتية الحيوية (النفط، المياه، الكهرباء، المال)، فإن جوهر هذا النموذج ينهار. فالمستثمر الأجنبي لا يبحث عن أعلى عائد فقط، بل عن أقل مخاطرة أيضاً. وإذا أصبح الخليج منطقة مخاطرة مرتفعة، فإن رأس المال سيهرب إلى وجهات أكثر أماناً.

التهديد الأكبر لا يأتي من صاروخ واحد يضرب بنكاً بعينه، بل من تراكم هذه الحوادث وتأثيرها النفسي. كل حادثة جديدة تؤكد للمستثمرين أن ما كان مستبعداً بالأمس أصبح ممكناً اليوم، وأن منطقة آمنة الأمس قد تكون ساحة حرب الغد. هذا الإدراك الجديد للمخاطرة كافٍ وحده لإحداث تغيير جذري في خرائط الاستثمار العالمية.

٤.٣ نحو غرب اسيا ما بعد أمريكا؟

السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه: هل نشهد بداية نهاية الهيمنة الأمريكية في غرب آسيا؟ وهل استهداف المصالح الاقتصادية الأمريكية هو الخطوة الأولى في مسار طويل لتصفية هذا الوجود؟

الإجابة تحتاج إلى تواضع وتحفظ، لأن التاريخ لا يكتب بين ليلة وضحاها. لكن يمكن القول إن ما نشهده هو تحول نوعي في طبيعة الصراع. فالمرحلة التي كانت فيها أمريكا القوة الخارجية الوحيدة والمهيمنة في المنطقة آخذة في الأفول، ليس فقط بسبب الضربات الإيرانية، بل بسبب تحولات أعمق: تراجع الاعتماد الغربي على نفط الخليج، وصعود القوى الآسيوية (الصين وروسيا و الهند) كشركاء تجاريين رئيسيين، وتآكل المصداقية الأمريكية بعد حروب العراق وأفغانستان، والتحول الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا والمحيط الهادئ.

في هذا السياق الأوسع، تأتي الضربات ضد المصالح الاقتصادية الأمريكية لتسرع وتيرة هذا الأفول، وتدفع حكومات المنطقة إلى تنويع علاقاتها الدولية وتقليل اعتمادها على واشنطن. ليس بالضرورة أن تحل محل النفوذ الأمريكي نفوذ إيراني، بل قد نشهد مرحلة تعددي القطبية، حيث تتنافس قوى متعددة (أمريكا، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي، إيران، تركيا، إسرائيل) على النفوذ في فضاء إقليمي أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.


التداعيات الأخرى... صدمة تمتد عبر القارات

٥.١ أزمة الطاقة العالمية: النفط في مرمى النيران

الخليج ليس مجرد منطقة مالية، بل هو قلب صناعة الطاقة العالمية. عبر مضيق هرمز، الذي يطل على دبي ويشرف على الساحل الإيراني، يمر حوالي ٢٠٪ من إمدادات النفط العالمية يومياً. أي تهديد لهذا المضيق، أو لأي منشآت نفطية كبرى في المنطقة، ينعكس فوراً على أسعار النفط عالمياً.

استهداف مصفاة سعودية كبرى في هجوم سابق، وإغلاق الكويت أجواءها، وارتفاع أقساط التأمين على ناقلات النفط، كلها مؤشرات على أن أزمة الطاقة لم تعد احتمالاً نظرياً بل واقعاً يتشكل يومياً. في سيناريو التصعيد المطول، يتوقع المحللون وصول النفط إلى ١٠٠ دولار للبرميل أو أكثر، مما يعني موجة تضخمية جديدة تضرب الاقتصاد العالمي الذي لم يتعاف بعد من صدمات سابقة.

٥.٢ الهند وآسيا: المتفرج الذي يدفع الثمن

الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وفي مقدمتها الهند، تعتمد بشكل كبير على واردات النفط من الخليج. الهند وحدها تستورد أكثر من ٨٠٪ من حاجتها النفطية، ونحو نصف هذه الواردات تأتي عبر مضيق هرمز. أي اضطراب في هذه الإمدادات يعني ارتفاع فاتورة الاستيراد، وزيادة التضخم، وضغط على العملة المحلية، وتوسع في عجز الميزان التجاري.

الهند تواجه أيضاً معضلة إنسانية، حيث يوجد نحو ١٠ ملايين هندي يعيشون ويعملون في دول الخليج. إجلاؤهم في حال تفاقم الصراع سيكون عملية معقدة ومكلفة، خصوصاً مع إغلاق المجالات الجوية وتعطل حركة الطيران. هذه الأعداد الهائلة تجعل من استقرار الخليج أولوية قصوى لدول مثل الهند، التي تمارس ضغوطاً دبلوماسية خلف الكواليس لتهدئة التصعيد.

٥.٣ النظام المالي العالمي: صدمة ثقة أم صدمة بنيوية؟

التهديد الذي تتعرض له البنوك الأمريكية في الخليج لا يقتصر تأثيره على المنطقة، بل يمتد إلى النظام المالي العالمي برمته. فهذه البنوك ليست كيانات منعزلة، بل هي عقد في شبكة مالية عالمية معقدة. أي اضطراب كبير في عملياتها الإقليمية قد ينتقل عبر سلسلة من التداعيات إلى مراكزها الرئيسية في نيويورك ولندن، ثم إلى الأسواق المالية العالمية.

الأهم من ذلك، أن استهداف البنوك يضرب الثقة في قدرة النظام المالي العالمي على حماية أصوله في مناطق الصراع. هذه الثقة هي العملة الحقيقية التي يتعامل بها النظام المالي، وأي تشقق فيها قد يؤدي إلى إعادة تقييم جذرية للمخاطر، وارتفاع تكلفة التأمين والتمويل، وانكماش في الائتمان والاستثمار.


نحو نظرية جديدة للصراع... المال والدم في معادلة واحدة

٦.١ تجاوز ثنائية العسكري والمدني

ما يحدث في غرب آسيا اليوم يتجاوز التصنيفات التقليدية للحرب والسلام، والعسكري والمدني، والاقتصادي والسياسي. إنه يقدم نموذجاً جديداً للصراع، حيث تصبح البنوك أهدافاً استراتيجية، وحيث تكون مراكز البيانات أهم من الثكنات العسكرية، وحيث يمكن لصاروخ واحد أن يهز ثقة الملايين في المستقبل.

هذا التجاوز للتصنيفات التقليدية يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الرأسمالية المعاصرة نفسها. ففي عالم أصبحت فيه التدفقات المالية أهم من تدفقات السلع، وأصبحت فيه البيانات أغلى من النفط، وأصبحت فيه الثقة أثمن من الذهب، لا عجب أن تتحول مراكز هذه التدفقات والبيانات والثقة إلى أهداف رئيسية في أي صراع.

٦.٢ فك الارتباط... الطريق الطويل نحو التحرر

المفهوم النظري لـ"فك الارتباط" لا يعني بالضرورة الانعزال عن العالم، بل يعني إعادة تنظيم العلاقات مع النظام العالمي بشكل يخدم الأولويات الداخلية ويحميها من صدمات وتقلبات المركز. هو عملية بناء قدرات ذاتية تسمح للدولة أو المنطقة بالصمود في وجه الضغوط الخارجية، والتفاوض من موقع أقوى، واختيار شراكاتها الدولية بناءً على مصالحها وليس على إملاءات الهيمنة.

ما نشهده اليوم في غرب آسيا يمكن النظر إليه كبداية لعملية فك ارتباط إقليمي، وليست بالضرورة إرادية أو واعية بالكامل، لكنها حتمية يفرضها تطور الصراع. فدول الخليج التي كانت تعتمد بشكل شبه حصري على المظلة الأمنية الأمريكية، تجد نفسها مضطرة للبحث عن بدائل، أو على الأقل لتنويع علاقاتها الدولية. والبنوك الأمريكية التي كانت تحتكر إدارة الثروات الخليجية، تجد نفسها مهددة ومستهدفة، مما قد يدفع الحكومات الخليجية إلى تحويل جزء من أصولها إلى عملات وبنوك ومراكز مالية أخرى.

٦.٣ الخلاصة: حين يصبح المال هدفاً يصبح الدم ثمناً أكبر

في النهاية، ما يجري في الخليج يحمل درساً قاسياً: عندما تتحول البنوك إلى أهداف، فإن ثمناً أكبر من المال يُدفع. ثمناً يُدفع بالدماء، وبالأحلام المؤجلة، وبالمستقبل الذي يغدو أكثر غموضاً. دبي التي بُنيت كحلم زجاجي يلامس السماء، تكتشف أن الزجاج يمكن أن يتحطم. والبنوك التي اعتقدت أن أموالها في مأمن خلف أسوار ناطحات السحاب، تدرك أن لا حصون في زمن الصواريخ الذكية.

الرهان الإيراني، كما يبدو، هو أن الضغط على المصالح الاقتصادية الأمريكية وحلفائها قد يكون أكثر فعالية من المواجهة العسكرية المباشرة. رهان يقرأ النظرية الاقتصادية للهيمنة بعناية، ويحاول تطبيقها في ساحة المعركة. لكن هذا الرهان يحمل في طياته مخاطر هائلة، ليس فقط على أمريكا وإسرائيل، بل على إيران نفسها والمنطقة بأسرها.

ففي الحرب، كما في المال، لا غالب ولا مغلوب بالكامل. كل ضربة تخلق جروحاً تبقى ندوبها سنوات طويلة. وكل صاروخ يستهدف بنكاً قد يدمر معه أحلام عائلة، ومدخرات شاب، ومستقبل طفل. ربما لهذا السبب، حين نكتب عن استهداف البنوك الاستعمارية ، لا نكتب فقط عن أرقام وميزانيات، بل نكتب عن الحياة نفسها، التي تظل، رغم كل شيء، أغلى ما نملك ومن تنهبها هذه البنوك بمحميات الخليج الصهيو أمريكي.


في البدء كانت النار... وفي النهاية يكون المال

ربما يكون من المفارقات أن نهاية الهيمنة الأمريكية في غرب آسيا، إذا ما تحققت، لن تأتي على يد جيوش عربية تغزو تل أبيب، ولا على يد فيالق إيرانية تحتل الرياض، بل قد تأتي على شكل صفقة مالية فاشلة، أو انهيار مصرفي مفاجئ، أو ضربة موجهة ضد مركز بيانات في صحراء دبي.

ففي عصر العولمة المالية، صارت أسواق المال هي ساحات المعارك الكبرى. وصارت البنوك هي الحصون التي تتحكم بمصائر الشعوب. وصارت البيانات هي السلاح الأفتك في ترسانة الإمبريالية الجديدة.

لذلك، حين نقرأ خبر تدمير مكتب "سيتي بنك" في دبي، علينا ألا نقرأه كخبر عابر عن حادثة عسكرية، بل كفصل من فصول التحول الكبير الذي يعيد تشكيل منطقتنا والعالم. فصل يحمل في طياته بذور المستقبل، سواء كان مستقبلاً متعدد الأقطاب، أو مرحلة جديدة من الصراع، أو ربما بداية النهاية لنظام دولي لم يعد قادراً على احتواء تناقضاته.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتعلم المنطقة دروس الماضي، وتدرك أن المال حين يصبح هدفاً للحرب يصبح السلام أغلى وأثمن؟ أم أن دوامة العنف ستواصل دورانها، تلتهم في كل مرحلة جزءاً جديداً من أحلامنا ومستقبلنا؟ الإجابة، كما هي العادة، تكتبها الأيام المقبلة، بحروف من نار ودم، وأيضاً من مال ودموع.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026 ...
- الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
- «الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار ...
- نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال ...
- قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢ ...
- محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا ...
- -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
- بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا ...
- مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف ...
- كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
- خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
- قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
- الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
- نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد ...
- التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
- صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
- إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
- كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
- كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي ...
- الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة


المزيد.....




- لماذا تبدو مرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز مهمة محفوفة بالم ...
- فيديو منسوب لـ-ضربة إيرانية على قاعدة أمريكية في قطر-.. ما ص ...
- حتى آخر قطرة.. تجارب فيزيائية واكتشافات في المطبخ بدل المختب ...
- حرب إيران.. كيف تحول ميرتس من متفهم لترامب إلى متشكك بنواياه ...
- لبنان: خطر كارثة إنسانية شاملة
- إيران: توسيع ساحات الصراع لكسب الحرب
- معركة مضيق هرمز.. هل مزقت التحالف الغربي؟
- سماء الشرق الأوسط مزدحمة بالإمدادات.. تصاعد الشحن العسكري ال ...
- محمد المسفر: على العرب توجيه رسائل واضحة لأمريكا وإسرائيل بو ...
- وزير الإعلام الباكستاني للجزيرة: مستعدون للوساطة بين أمريكا ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في الخليج