أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026 وتداعياتها الاستراتيجية















المزيد.....



قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026 وتداعياتها الاستراتيجية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 00:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المشهد السياسي الفرنسي: صراع الأيديولوجيات وتحولات الخريطة الحزبية

قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية 2026 وتداعياتها الاستراتيجية


مقدمة: فرنسا على مفترق طرق

في مساء الخامس عشر من مارس 2026، وقفت فرنسا أمام مرآة تاريخية تعكس وجهاً سياسياً متشققاً، مشهداً انتخابياً بالغ التعقيد، حيث تتداخل الخطوط الأيديولوجية وتتحالف الأضداد وتتصارع الرؤى الوجودية لمستقبل الأمة. لم تكن الانتخابات البلدية مجرد استحقاق محلي عادي، بل كانت بمثابة استفتاء شعبي على التحولات الكبرى التي تعصف بالجمهورية الفرنسية منذ عقد كامل.

خرجت فرنسا من هذه الانتخابات بصورة سياسية جديدة كلياً: قوتان صاعدتان على حساب القوى التقليدية، ومعركة مفتوحة على ثلاث جبهات. فمن جهة، سجل اليمين المتطرف بزعامة جوردان بارديلا ومارين لوبن تقدماً لافتاً في الجنوب الشرقي. ومن جهة أخرى، حقق اليسار الراديكالي بقيادة جان لوك ميلانشون اختراقات مفاجئة في مدن الضواحي الشعبية. وفي المنتصف، وجدت القوى التقليدية نفسها في موقف لا تحسد عليه، ممزقة بين استراتيجيات متضاربة وتحالفات مربكة.

هذا التقرير ، من التحليل السياسي والاجتماعي، يسعى إلى تفكيك المشهد الانتخابي الفرنسي بكل تعقيداته. سنغوص في خلفيات صعود اليمين المتطرف، وسنحلل ظاهرة "ربيع مرسيليا" وانسحاباتها، وسنناقش الإشكالية الكبرى التي تطرحها هذه الانتخابات: هل يمكن الحديث عن "كتلة متجانسة" تجمع اليمين المتطرف واليسار التقليدي والوسط الماكروني في خدمة المصالح الأوليغارشية؟ وهل يشكل حزب "فرنسا الأبية" البديل الحقيقي الوحيد؟

سنعتمد في هذا التحليل على منهجية تجمع بين:

1. التحليل الكمي: استعراض دقيق للأرقام والنتائج في المدن الكبرى.
2. التحليل النوعي: تفكيك الخطابات السياسية والمواقف الأيديولوجية.
3. التحليل الاجتماعي: دراسة التحولات في البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تفسر هذه النتائج.
4. التحليل الاستشرافي: استشراف السيناريوهات المحتملة بعد جولة الإعادة في 22 مارس.




المشهد الانتخابي: الأرقام والحقائق

أولاً: النتائج العامة على المستوى الوطني

شهدت الانتخابات البلدية الفرنسية في 15 مارس 2026 نسبة مشاركة بلغت 52.3%، وهي نسبة أعلى من المتوقع في ظل حالة الإحباط السياسي العام، لكنها لا تزال تعكس أزمة تمثيل عميقة. فما يقرب من نصف الناخبين الفرنسيين اختاروا العزوف، وهو مؤشر خطير على انفصال متزايد بين المواطنين والمؤسسات.

على مستوى التوزيع العام للأصوات، يمكن رصد الصورة التالية:

الكتلة السياسية نسبة الأصوات (تقديرية) المقارنة مع 2020
اليمين المتطرف (التجمع الوطني وحلفاؤه) 22.5% +4.2 نقطة
اليسار الراديكالي (فرنسا الأبية) 16.8% +5.1 نقطة
اليسار التقليدي (اشتراكي-خضر-شيوعي) 21.3% -3.4 نقاط
اليمين التقليدي (الجمهوريون) 18.1% -2.8 نقطة
الوسط الماكروني (النهضة-آفاق) 12.4% -1.5 نقطة
أحزاب أخرى ومستقلون 8.9% -1.6 نقطة

ما تظهره هذه الأرقام بوضوح هو تآكل الوسط لصالح الأطراف. فالقوى التي كانت تشكل عمود الخيمة السياسية في فرنسا لعقود (الاشتراكي والجمهوريون) تخسر نحو 6 نقاط مئوية مجتمعة، بينما يكتسب اليمين المتطرف واليسار الراديكالي معاً أكثر من 9 نقاط.

ثانياً: المعاقل الجديدة لليمين المتطرف

حقق حزب التجمع الوطني بزعامة جوردان بارديلا ومارين لوبن نتائج تاريخية في عدة مدن، خاصة في المنطقة المعروفة باسم "حزام البحر المتوسط". إليكم التفاصيل الدقيقة:

1. بيربينيان: حصن لا يُقهر

فاز الرئيس الحالي للمدينة، لويس أليو (Louis Aliot)، بولاية ثانية من الجولة الأولى بعد حصوله على 51.4% من الأصوات. هذا الفوز له دلالات عميقة:

· بيربينيان هي المدينة الوحيدة التي يزيد عدد سكانها عن 100,000 نسمة ويقودها اليمين المتطرف.
· أليو، وهو شريك سابق لمارين لوبن، استطاع بناء صورة "عمدة معتدل" يركز على الخدمات المحلية والأمن، مبتعداً عن الخطاب المتطرف.
· الفوز من الجولة الأولى يعني أن 60% من الناخبين في المدينة إما صوتوا له أو قبلوا ضمنياً بفوزه، مما يعكس "تطبيعاً" متزايداً مع اليمين المتطرف.

2. مرسيليا: الزلزال الكبير

في مفاجأة كبرى هزت الأوساط السياسية، حل مرشح التجمع الوطني فرانك أليسو (Franck Allisio) في المركز الأول تقريباً في الدائرة الانتخابية التي تضم قطاعات واسعة من المدينة. حصل على 35.4% من الأصوات، متقدماً بفارق ضئيل على العمدة اليساري الحالي بينوا بايان (Benoît Payan) الذي حصل على 36.7% ضمن تحالف "ربيع مرسيليا".

ما يجعل هذه النتيجة زلزالاً سياسياً:

· مرسيليا هي ثاني أكبر مدن فرنسا، ومعقل تقليدي لليسار منذ عقود.
· فرانك أليسو، البالغ من العمر 42 عاماً، يمثل الجيل الجديد من قادة التجمع الوطني، الأكثر حداثة في الخطاب والأكثر حضوراً إعلامياً.
· النتيجة تعني أن اليمين المتطرف أصبح على بعد خطوة واحدة من حكم ثاني كبرى المدن الفرنسية.

3. نيس: انشقاق اليمين التقليدي

في مدينة نيس الجميلة على الريفييرا الفرنسية، تقدم إريك سيوتي (Eric Ciotti)، المنشق عن اليمين التقليدي والمتحالف مع اليمين المتطرف، في الجولة الأولى بنسبة 43.5% من الأصوات. هذا المشهد فريد من نوعه:

· سيوتي كان قيادياً بارزاً في حزب الجمهوريين قبل أن يعلن تحالفه مع التجمع الوطني في خطوة وصفتها قيادة حزبه بـ"الخيانة الكبرى".
· منافسه كريستيان إستروزي، مرشح اليمين الوسطي المدعوم من حزب النهضة (الماكروني)، حل ثانياً بنسبة 30.9%.
· المعركة هنا ليست بين اليمين واليسار، بل بين يمين متطرف متحالف مع يمين منشق، ويمين وسطي متحالف مع الوسط الماكروني.

4. مدن أخرى سقطت في الجولة الأولى

إضافة إلى المدن الكبرى، فاز التجمع الوطني بعدة مدن بشكل مباشر من الجولة الأولى:

· فريجوس (Fréjus): حيث أعيد انتخاب العمدة اليميني المتطرف دافيد راشرلاين (David Rachline) بسهولة.
· هينان بومون (Hénin-Beaumont): المعقل التاريخي لستيفان بريس (Steeve Briois)، أحد أقدم قادة الحزب.

كما تقدم الحزب في جولات الإعادة في مدن أخرى مثل نيم (Nîmes) وكاركاسون (Carcassonne)، مما يعني أن هذه المدن قد تشهد فوزاً لليمين المتطرف في 22 مارس إذا نجحت التحالفات المحلية.

ثالثاً: الاختراق التاريخي لفرنسا الأبية

على الجانب الآخر من الطيف السياسي، حقق حزب فرنسا الأبية (La France Insoumise) بزعامة جان لوك ميلانشون نتائج مفاجئة أطلق عليها الأخير وصف "اختراق تاريخي". وكان ميلانشون، البالغ من العمر 74 عاماً، قد أعلن في 2024 عودته إلى الواجهة بعد فترة من الهدوء النسبي، ويبدو أن الرسالة وصلت.

1. سان دوني: حلم تحقق

حقق الحزب فوزاً كبيراً برئاسة مدينة سان دوني (Saint-Denis) الضخمة (150,000 نسمة) من الجولة الأولى، حيث فاز مرشحه بالي باغايوكو (Bally Bagayoko) على العمدة الاشتراكي المنتهية ولايته.

دلالات هذا الفوز:

· سان دوني هي عاصمة الضواحي الشعبية، ورمز للفرنسا المتعددة الأعراق.
· بالي باغايوكو، وهو من أصول أفريقية، يمثل الوجه الجديد لليسار الراديكالي الذي يتحدث باسم الأحياء الشعبية والمهمشين.
· الفوز من الجولة الأولى في مدينة بهذا الحجم يعكس اختراقاً عميقاً لقاعدة اليسار التقليدي.

2. روبيه: على بعد خطوة

في مدينة روبيه (Roubaix) الشمالية، المعروفة بفقرها وتنوعها الثقافي، تقدم مرشح الحزب دافيد غيرو (David Guiraud) بشكل كبير في الجولة الأولى بحصوله على أكثر من 46% من الأصوات. هذا يضعه في موقع قوي للفوز بالمدينة في الجولة الثانية، خاصة إذا نجح في استقطاب أصوات اليسار الآخر.

روبيه هي مدينة ذات تاريخ عريق في النضال العمالي، وكانت لعقود معقلاً للحزب الاشتراكي والشيوعي. فوز فرنسا الأبية بها سيكون بمثابة إعلان نهاية عصر اليسار التقليدي في معاقله التاريخية.

3. ليل: المفاجأة الكبرى

في مدينة ليل (Lille)، الشمالية الأنيقة، حققت مرشحة الحزب لهوارية عدوش (Lahouaria Adrouche) مفاجأة بحلولها في المركز الثاني بفارق 1% فقط عن العمدة الاشتراكي المنتهية ولايته. حصلت على حوالي 25% من الأصوات، مقابل 26% للعمدة الاشتراكي مارتين أوبري (Martine Aubry).

مارتين أوبري، الابنة الروحية لفرانسوا ميتران، تترأس ليل منذ 2001. أن تكون مهددة بخسارة المدينة لصالح مرشحة من فرنسا الأبية هو دليل صارخ على التحولات العميقة في المشهد اليساري.

4. تولوز: منافسة شرسة

في تولوز (Toulouse)، المدينة الجنوبية المعروفة بصناعة الطيران، تقدم مرشح الحزب فرانسوا بيكمال (François Piquemal) على منافسه الاشتراكي ليحل في المركز الثاني في الجولة الأولى، خلف العمدة اليميني المنتهية ولايته جان لوك مودونك (Jean-Luc Moudenc).

تولوز هي رابع أكبر مدن فرنسا، وكانت تعتبر لفترة طويلة نموذجاً للتعايش بين اليسار واليمين. صعود فرنسا الأبية إلى المركز الثاني يعني أن اليسار التقليدي خسر موقعه كقوة معارضة رئيسية.

5. ليون: أوراق ضغط

في ليون (Lyon)، ثالث كبرى المدن الفرنسية، حلت مرشحة الحزب أنايس بيلواسة شريفي (Anaïs Belouassa-Cherifi) في المركز الثالث بنسبة 10.9%. هذا المركز أهلها لإجراء محادثات تحالف مع العمدة الخضر المنتهية ولايته غريغوري دوسيه (Grégory Doucet).

ليون تمثل نموذجاً مختلفاً: هنا العمدة من حزب الخضر، وهو حزب يعتبره البعض جزءاً من اليسار التقليدي رغم خطابه البيئي الراديكالي. العلاقة بين فرنسا الأبية والخضر في لون ستكون اختباراً حاسماً لقدرة اليسار على التوحد.



"ربيع مرسيليا": قصة تحالف يساري في مواجهة العاصفة

أولاً: ما هو "ربيع مرسيليا"؟

"ربيع مرسيليا" (Le -print-emps Marseillais) هو تحالف سياسي محلي فريد من نوعه. تأسس في عام 2019 كحركة مواطنين تهدف إلى كسر هيمنة الأحزاب التقليدية على المشهد السياسي في مرسيليا. لكنه تحول مع الوقت إلى تحالف يضم تشكيلة واسعة من قوى اليسار.

المكونات الأصلية للائتلاف:

الحزب/الحركة التوجه الأيديولوجي الدور داخل الائتلاف
الحزب الاشتراكي (PS) يساري-اجتماعي القيادة البراغماتية
أوروبا إيكولوجيا - الخضر (EELV) يساري-بيئي الضمير البيئي للائتلاف
الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) يساري-راديكالي الذراع العمالي والنقابي
الحزب الراديكالي اليساري (PRG) وسط-يساري الجسر مع التيار الوسطي
حركة "Mad Mars" مجتمع مدني المبادرة المؤسسة والروح الثورية

ثانياً: بينوا بايان... الوجه البراغماتي للائتلاف

بينوا بايان (Benoît Payan)، المحامي البالغ من العمر 48 عاماً، هو وجه "ربيع مرسيليا" وعمدة المدينة منذ 2020. ينتمي بايان إلى الحزب الاشتراكي، لكنه يقدم نفسه كرجل توافق وبراغماتية.

بايان يمثل تياراً داخل اليسار الفرنسي يرى أن النجاح في الحكم المحلي يتطلب تجاوز الانقسامات الأيديولوجية والتركيز على الخدمات اليومية للمواطنين. تحت قيادته، ركز "ربيع مرسيليا" على قضايا مثل:

· النظافة العامة (مرسيليا كانت تعاني من أزمة نفايات حادة).
· الأمن في الأحياء الشعبية.
· جذب الاستثمارات لإنعاش الاقتصاد المحلي.

لكن هذا النهج البراغماتي جلب له انتقادات حادة من اليسار الراديكالي، الذي يتهمه بتقديم تنازلات للقطاع الخاص والتخلي عن المبادئ الاشتراكية.

ثالثاً: الانشقاق الكبير... لماذا انسحب الحزب الراديكالي اليساري؟

في 23 فبراير 2026، أي قبل أقل من شهر من الانتخابات، أعلن الحزب الراديكالي اليساري (PRG) انسحابه من ائتلاف "ربيع مرسيليا". كان هذا القرار بمثابة زلزال صغير داخل الائتلاف.

الأسباب المعلنة:

الحزب الراديكالي اليساري أصدر بياناً رسمياً قال فيه إن الانسحاب جاء احتجاجاً على "التقارب المتزايد مع قوائم فرنسا الأبية". وجاء في البيان: "نحن نرفض أي تحالف مع اليسار الراديكالي الذي يقوده جان لوك ميلانشون، لأنه يمثل تياراً شعبوياً معادياً لأوروبا وللقيم الجمهورية".

الأسباب غير المعلنة:

لكن المراقبين يرون أن الانسحاب يعكس انقسامات أعمق:

1. الصراع على القاعدة الناخبة: في مرسيليا، هناك مرشح مستقل لفرنسا الأبية هو سيباستيان ديلوغو (Sébastien Delogu) وحصل على حوالي 12% من الأصوات في الجولة الأولى. هذا يعني أن بينوا بايان وديلوغو يتنافسان على نفس القاعدة الناخبة من الطبقات الشعبية والضواحي.
2. الضغوط الوطنية: الحزب الراديكالي اليساري يعاني على المستوى الوطني من تآكل قاعدته لصالح الوسط الماكروني. الانفتاح على فرنسا الأبية قد يدفع الناخبين الوسطيين إلى الهروب نحو أحضان ماكرون.
3. الشخصيات: العلاقات الشخصية بين قادة الحزبين متوترة تاريخياً، خاصة بعد انتقادات ميلانشون اللاذعة للحكومات الاشتراكية السابقة.

رابعاً: معضلة فرنسا الأبية... دعم أم منافسة؟

الموقف الحالي في مرسيليا معقد إلى أقصى حد. بينوا بايان (ربيع مرسيليا) يواجه خطراً وجودياً من مرشح اليمين المتطرف فرانك أليسو. للفوز في الجولة الثانية، يحتاج بايان إلى أصوات ناخبي فرنسا الأبية (12%) بشكل حاسم.

لكن قيادة فرنسا الأبية في مرسيليا، ممثلة بسيباستيان ديلوغو، ترفض الانسحاب لصالح بايان دون شروط. المطالب واضحة:

· مقاعد في المجلس البلدي: يريد ديلوغو ضمان تمثيل قوي لفرنسا الأبية في الإدارة المحلية.
· برنامج يساري واضح: يريد ديلوغو التزامات ملموسة من بايان بتنفيذ سياسات يسارية في مجالات الإسكان والمواصلات والخدمات العامة.
· اعتراف رمزي: يريد ديلوغو اعترافاً بأن فرنسا الأبية هي القوة الحقيقية لليسار في مرسيليا، وليست مجرد حليف ثانوي.

حتى لحظة كتابة هذا التقرير، المفاوضات بين الجانبين متعثرة. فشل التوصل إلى اتفاق قد يعني فوز اليمين المتطرف بمرسيليا في 22 مارس.




انهيار اليسار التقليدي: من ميتران إلى ماكرون

أولاً: رحلة الانحدار... من المجد إلى التبعية

لطالما كان الحزب الاشتراكي الفرنسي قطب الرحى في السياسة الفرنسية. في عهد فرانسوا ميتران (1981-1995)، قاد الحزب برنامجاً طموحاً من التأميمات والإصلاحات الاجتماعية. في عهد ليونيل جوسبان (1997-2002)، شكل حكومة قوية. لكن منذ ذلك الحين، بدأ منحنى الانحدار.

المحطات الرئيسية في انهيار اليسار التقليدي:

السنة الحدث الدلالة
2002 ليونيل جوسبان يخرج من الجولة الأولى نهاية هيمنة الحزب الاشتراكي على اليسار
2005 رفض الدستور الأوروبي انقسام الحزب بين مؤيد ومعارض
2012 انتخاب فرانسوا أولاند فترة قصيرة من الأمل سرعان ما تبدد
2017 بينوا آمون يحصل على 6% فقط الانهيار الكامل
2022 آن هيدالغو تحصل على 1.7% النهاية المأساوية
2025-2026 دعم ميزانية ماكرون التحول إلى حزب تابع

ثانياً: أوليفييه فور... الاستراتيجية الجدلية

أوليفييه فور (Olivier Faure)، الأمين العام الحالي للحزب الاشتراكي، هو شخصية مثيرة للجدل. من جهة، يقدم نفسه كرجل يساري حقيقي يؤمن بالعدالة الاجتماعية. ومن جهة أخرى، قاد الحزب نحو تحالف استراتيجي مع معسكر ماكرون في البرلمان.

ما الذي يريده فور؟

يبدو أن فور يحاول تنفيذ استراتيجية "اليسار المسؤول":

1. تجنب الفوضى: يرى فور أن إسقاط الحكومة وعدم تمرير الميزانية سيدفع فرنسا إلى أزمة سياسية واقتصادية لا تحمد عقباها.
2. المكاسب الجزئية: يدعي فور أن دعم ميزانية 2026 مقابل تجميد رفع سن التقاعد هو "إنجاز يساري حقيقي". في خطاب له أمام البرلمان، قال: "لقد منعنا زيادة سن التقاعد إلى 65 عاماً، وحصلنا على زيادة الضرائب على الأثرياء. هذا ليس انبطاحاً، هذا عمل سياسي مسؤول".
3. إعادة البناء: يعتقد فور أن الحزب الاشتراكي بحاجة إلى فترة انتقالية يعيد فيها بناء صورته كحزب حكم قبل أن يتمكن من منافسة ماكرون أو ميلانشون.

الانتقادات الموجهة لفور:

لكن هذه الاستراتيجية تتعرض لهجوم عنيف من كل الجهات:

· من اليسار الراديكالي: كما رأينا في تصريحات ماتيلد بانو، يتهمه ميلانشون وأنصاره بأنه "خان اليسار وانضم إلى معسكر الأوليغارشية".
· من داخل حزبه: هناك تيار داخل الحزب الاشتراكي، يقوده نواب مثل جيروم غيج، يعتبر أن التحالف مع ماكرون هو "انتحار سياسي" سيقضي على ما تبقى من هوية الحزب.
· من الناخبين: استطلاعات الرأي تظهر أن قاعدة الحزب الاشتراكي مشتتة؛ بعضهم يفضل التحالف مع الخضر، وبعضهم مع فرنسا الأبية، وبعضهم مع الوسط.

ثالثاً: الخضر... من الراديكالية إلى المؤسسة

حزب الخضر الفرنسي (EELV) كان في الماضي يعتبر الصوت الراديكالي للبيئة والعدالة الاجتماعية. لكنه تحول في السنوات الأخيرة إلى جزء من المؤسسة السياسية.

التحولات الأيديولوجية للخضر:

المرحلة القيادة الخطاب
التسعينات دومينيك فوانيه راديكالي، مناهض للعولمة
الألفينات نويل مامير وسط-يساري، انفتاحي
2010-2020 سيسيل دوفلو براغماتي، يبحث عن تحالفات
2020-2026 مارين توندولييه يساري-بيئي، لكنه منفتح على المؤسسة

موقف الخضر من ميزانية 2026:

في تصويت ميزانية 2026، اختار حزب الخضر الامتناع عن التصويت، بدلاً من المعارضة. هذا الموقف الوسطي أثار غضب قاعدتهم الشعبية.

سيريل شاتلان، الناطق باسم الحزب، برر الموقف قائلاً: "الميزانية تحتوي على نقاط إيجابية في المجال البيئي، ونقاط سلبية في المجال الاجتماعي. الامتناع يعكس هذا التوازن الصعب".

لكن منتقدي الخضر يرون أن الامتناع في مثل هذه القضايا المصيرية هو شكل من أشكال الدعم غير المباشر لحكومة ماكرون، خاصة في ظل غياب أغلبية واضحة في البرلمان.




اليمين المتطرف: التطبيع والتمدد

أولاً: من مارين لوبن إلى جوردان بارديلا... استراتيجية "التطبيع"

منذ تولي مارين لوبن قيادة الجبهة الوطنية (التي أصبحت لاحقاً التجمع الوطني) في 2011، بدأت عملية طويلة من "تطبيع" صورة الحزب. تخلت لوبن عن الخطاب المتطرف لوالدها جان ماري لوبن، وركزت على قضايا "الأمن والهوية" بأسلوب أكثر احترافية.

مراحل التطبيع:

1. 2011-2017: التخلي التدريجي عن الخطاب المعادي للسامية والعنصري الصريح، والتركيز على "الأولوية الوطنية" بدلاً من "فرنسا للفرنسيين".
2. 2017-2022: محاولة بناء صورة "حزب حكم" من خلال المشاركة في الانتخابات المحلية والبرلمانية ببرامج مفصلة.
3. 2022-2026: فترة بارديلا، حيث تحول الحزب نحو جيل جديد أكثر حداثة في الخطاب والأسلوب.

ثانياً: جوردان بارديلا... الوجه الجديد

جوردان بارديلا (Jordan Bardella)، البالغ من العمر 30 عاماً فقط، هو أصغر زعيم حزب في تاريخ فرنسا الحديث. شاب وسيم، ذو حضور إعلامي قوي، يقدم نفسه كصوت فرنسا الشابة المضطهدة من العولمة والهجرة.

نقاط قوة بارديلا:

· الإتقان الإعلامي: يتقن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويظهر في برامج الشباب بثقة.
· الخطاب الأنيق: يتجنب التصريحات الفجة التي كانت تميز الحزب سابقاً، ويتحدث بلغة "الدفاع عن الفرنسيين" بدلاً من "كراهية الأجانب".
· الانضباط الحزبي: استطاع فرض سيطرته على الحزب وإبعاد الأصوات المتطرفة جداً.

تحديات بارديلا:

· الانقسام الداخلي: لا يزال هناك تيار داخل الحزب، يمثله نواب مثل جيلبرت كولار، يعتبر أن "التطبيع" خان المبادئ الأصلية للحزب.
· التحالفات: التحالف مع إريك سيوتي واليمين التقليدي المنشق أثار حفيظة بعض القواعد التي لا تزال تنظر إلى اليمين التقليدي كعدو.

ثالثاً: إريك سيوتي... الخائن أم البطل؟

إريك سيوتي (Eric Ciotti)، النائب عن منطقة الألب البحرية، كان قيادياً بارزاً في حزب الجمهوريين (اليمين التقليدي). لكنه في 2025 أعلن تحالفه مع التجمع الوطني في خطوة وصفتها قيادة حزبه بـ"الخيانة الكبرى".

من هو سيوتي؟

سيوتي (60 عاماً) هو رجل يميني متشدد، معروف بمواقفه المتطرفة في قضايا الأمن والهجرة. كان قد ترشح لزعامة الجمهوريين في 2022 وفاز، لكنه سرعان ما اصطدم بتيار اليمين المعتدل داخل الحزب.

لماذا تحالف مع اليمين المتطرف؟

يبدو أن سيوتي توصل إلى نتيجة أن اليمين التقليدي لم يعد قادراً على منافسة ماكرون من جهة، والتجمع الوطني من جهة أخرى. في رأيه، التحالف مع التجمع الوطني هو السبيل الوحيد لإنشاء "كتلة وطنية" قادرة على هزيمة اليسار والوسط معاً.

تداعيات التحالف:

· طرد من الحزب: تم طرد سيوتي من حزب الجمهوريين فور إعلان تحالفه.
· انشقاقات محلية: عدة شخصيات يمينية محلية في نيس انضمت إلى سيوتي، بينما بقيت أخرى مع المعسكر المعتدل.
· معركة نيس: كما رأينا، يتنافس سيوتي الآن مع مرشح اليمين المعتدل كريستيان إستروزي في معركة شرسة على المدينة.




الوسط الماكروني: من الانتصار إلى التراجع

أولاً: إيمانويل ماكرون... من البطل إلى الرجل المثير للجدل

عندما انتخب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا في 2017، كان بطلاً للتيار الوسطي والليبرالي. شاب وسيم، طموح، يعد بتجاوز الانقسامات التقليدية بين اليسار واليمين. لكن بعد تسع سنوات في الحكم، تبدلت الصورة كثيراً.

تراجع شعبية ماكرون:

السنة نسبة التأييد الحدث المؤثر
2017 62% بداية الحكم
2018 40% احتجاجات السترات الصفراء
2019 32% إصلاح نظام التقاعد
2020 38% جائحة كورونا
2021 35% استمرار الإصلاحات
2022 33% إعادة الانتخاب
2023 30% أزمة الميزانية
2024 28% انتخابات أوروبية
2025 26% أزمة الحكومة
2026 25% الانتخابات البلدية

ثانياً: حزب النهضة... حزب بلا جذور

حزب النهضة (Renaissance)، الذي كان يعرف سابقاً باسم "الجمهورية إلى الأمام"، هو حزب فريد من نوعه في التاريخ الفرنسي. تأسس في 2016 خصيصاً لدعم ترشيح ماكرون، ولم يكن له وجود قبلي في المناطق.

مشاكل الحزب:

1. غياب القواعد المحلية: بينما تمتلك الأحزاب التقليدية شبكات من المنتخبين المحليين في كل قرية ومدينة، فإن حزب النهضة يفتقر إلى هذه القواعد. اعتمد الحزب بشكل أساسي على شخصية ماكرون وشخصيات وازنة من اليمين واليسار انضمت إليه.
2. الانقسامات الداخلية: الحزب يضم شخصيات من خلفيات أيديولوجية مختلفة؛ بعضهم من اليمين الليبرالي، وبعضهم من اليسار الاشتراكي السابق. هذه الانقسامات تظهر في كل استحقاق انتخابي.
3. الإرهاق الشعبي: بعد تسع سنوات من الحكم، بدأ الناخبون يشعرون بالإرهاق من خطاب "الإصلاح المستمر" الذي يقدمه ماكرون، دون أن يلمسوا تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية.

ثالثاً: نتائج 2026... تراجع متوقع

في انتخابات 2026 البلدية، عانى حزب النهضة من تراجع كبير. لم يتمكن من الفوز بأي مدينة كبرى من الجولة الأولى، ومرشحوه في المدن الكبرى حلوا في مراكز متأخرة.

أبرز الخسائر:

· باريس: مرشح الوسط رشيدة داتي (Rachida Dati) حلت في المركز الثاني، لكنها بعيدة عن المنافسة الجادة على الفوز.
· نيس: كريستيان إستروزي، المدعوم من الوسط، حل ثانياً خلف سيوتي المتحالف مع اليمين المتطرف.
· ليون: الوسط لم يتمكن حتى من المنافسة في الجولة الأولى.





فرنسا الأبية: البديل الحقيقي

أولاً: جان لوك ميلانشون... الثائر الأبدي

جان لوك ميلانشون (Jean-Luc Mélenchon) هو بلا شك أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في السياسة الفرنسية. وُلد في 1951 في طنجة بالمغرب، وانخرط في السياسة مبكراً. بدأ مسيرته في الحزب الاشتراكي، وكان وزيراً للتعليم المهني في حكومة ليونيل جوسبان (2000-2002). لكنه انشق عن الحزب في 2008 ليشكل "حزب اليسار"، ثم قاد حركة "فرنسا الأبية" في 2016.

الرؤية الأيديولوجية لميلانشون:

1. القطيعة مع الرأسمالية: يرى ميلانشون أن المشكلة الأساسية في فرنسا هي النظام الرأسمالي الذي يخدم الأقلية الثرية على حساب الأغلبية الشعبية. برنامجه يدعو إلى "تغيير النظام" وليس فقط "تحسينه".
2. العدالة الاجتماعية: يدعو إلى رفع الرواتب، وخفض سن التقاعد إلى 60 عاماً، وفرض ضرائب تصاعدية على الأثرياء.
3. السيادة الشعبية: يدعو إلى إعادة كتابة الدستور لمنح الشعب مزيداً من السلطات من خلال الاستفتاءات والمبادرات الشعبية.
4. البيئة: يربط القضايا البيئية بالعدالة الاجتماعية، ويدعو إلى "تخطيط بيئي" يقوده القطاع العام.

ثانياً: لماذا يصف أنصار ميلانشون حزبه بـ"البديل الحقيقي"؟

من وجهة نظر أنصار فرنسا الأبية، فإن الحزب يمثل الخيار الوحيد خارج "الإجماع الأوليغارشي". هذا الإجماع، في نظرهم، يجمع:

· اليمين المتطرف: الذي يقدم خطاباً عنصرياً لكنه يحافظ على البنى الاقتصادية الرأسمالية.
· اليمين التقليدي والوسط الماكروني: الذين يدافعون صراحة عن سياسات الليبرالية الاقتصادية.
· اليسار التقليدي (الاشتراكي والخضر): الذي أصبح، بعد دعمه لميزانية 2026، مجرد ذراع آخر لهذا الإجماع.

نقاط الاختلاف الجوهرية مع اليسار التقليدي:

القضية فرنسا الأبية اليسار التقليدي
سن التقاعد العودة إلى 60 عاماً تجميد الإصلاح عند 64 عاماً
الحد الأدنى للأجور رفعه إلى 1600 يورو صافياً زيادة تدريجية محدودة
الضرائب على الأثرياء فرض ضرائب تصاعدية قوية زيادة متوسطة
الخصخصة إعادة تأميم الخدمات العامة قبول الشراكات مع القطاع الخاص
التحالفات البرلمانية معارضة كلية لحكومة ماكرون دعم جزئي ومشروط

ثالثاً: نتائج 2026... اختراق حقيقي

نتائج 2026 أظهرت أن خطاب ميلانشون يجد صدى متزايداً، خاصة في:

· الضواحي الشعبية: حيث يعاني السكان من البطالة والفقر والتهميش.
· الأحياء ذات الأغلبية من أصول مهاجرة: حيث يشعر السكان بأن الأحزاب التقليدية تتجاهلهم.
· الشباب: خاصة في الجامعات والأوساط الطلابية.

لكن هذا الاختراق يواجه تحديات كبيرة:

· التحالفات المحلية: كما رأينا في مرسيليا وليون، تبقى مسألة التحالفات مع اليسار التقليدي معقدة ومؤلمة.
· الانتقادات الداخلية: هناك تيار داخل الحزب يرى أن ميلانشون شخصيته القوية تعيق توسع الحزب.
· التغطية الإعلامية: يتهم الحزب وسائل الإعلام الرئيسية بتهميشه وتشويه صورته.



من يخدم الأوليغارشية؟ قراءة في التحالفات غير المقدسة

أولاً: مفهوم "الأوليغارشية" في الخطاب السياسي الفرنسي

مصطلح "الأوليغارشية" (Oligarchie) عاد بقوة إلى الخطاب السياسي الفرنسي في السنوات الأخيرة، خاصة على لسان اليسار الراديكالي. لكن ماذا يعني بالضبط؟

في السياق الفرنسي، تشير الأوليغارشية إلى:

· النخبة المالية: كبار المساهمين في الشركات الكبرى، مدراء الصناديق الاستثمارية، المصرفيين.
· النخبة الإدارية: خريجو المدارس الكبرى (ENA سابقاً، Polytechnique، إلخ) الذين يسيطرون على مفاصل الدولة.
· النخبة الإعلامية: مالكو وسائل الإعلام الكبرى الذين يوجهون الرأي العام.
· الترابط بين هذه النخب: حيث يتنقل الأفراد بين المناصب الحكومية والإدارية والخاصة بسهولة.

ثانياً: الادعاء: "الكل متفق على خدمة الأوليغارشية"

هذه هي الأطروحة المركزية التي يقدمها أنصار فرنسا الأبية. دعنا نفصلها:

1. اليمين المتطرف... خطاب شعبي، سياسة محافظة

الادعاء: رغم خطابه المناهض للنخب، فإن اليمين المتطرف لا يمس المصالح الاقتصادية الكبرى. برنامجه الاقتصادي يركز على:

· تخفيض الضرائب على الشركات (باستثناء الشركات الصغيرة).
· تخفيف القيود الإدارية على الأعمال.
· الحفاظ على البنى الرأسمالية الأساسية.

الأدلة:

· في البرلمان الأوروبي، يصوت نواب التجمع الوطني غالباً مع الكتل المحافظة في القضايا الاقتصادية.
· برنامج 2022 للتجمع الوطني تضمن تخفيضات ضريبية للشركات.
· مارين لوبن تراجعت عن العديد من الوعود الاقتصادية الراديكالية التي كانت تطلقها سابقاً.

2. الوسط الماكروني... ذراع الأوليغارشية المباشر

الادعاء: حزب النهضة هو الذراع السياسي المباشر للأوليغارشية. قادته جاءوا من عالم المال والأعمال، وسياساتهم تخدم بشكل مباشر مصالح كبار الأثرياء.

الأدلة:

· إيمانويل ماكرون نفسه مصرفي سابق في بنك روتشيلد الذي ابستين عميل الموساد ممثل لهذا البنك في اغتصاب القاصرات في جزره للفساد والافساد والإبادة .
· قانون العمل المرن (قانون "الخميس" 2017) سهّل عمليات الفصل والتعيين.
· إلغاء الضريبة على الثروة (ISF) وتحويلها إلى ضريبة على الثروة العقارية فقط (IFI).
· تخفيض الضرائب على الشركات من 33% إلى 25%.

3. اليسار التقليدي... الانبطاح أمام الأوليغارشية

الادعاء: رغم خطابه اليساري، فإن الحزب الاشتراكي والخضر، بدعمهما لميزانية 2026، أظهرا أنهما جزء من الإجماع الأوليغارشي.

الأدلة:

· دعم ميزانية 2026 التي تحافظ على جوهر سياسات ماكرون الاقتصادية.
· التخلي عن معارضة إصلاح التقاعد (الاكتفاء بتجميده).
· القبول بزيادة الضرائب على الأثرياء كـ"إنجاز"، بينما يطالب اليسار الراديكالي بإلغاء كل الإعفاءات الضريبية للأغنياء.

ثالثاً: الرد المضاد... هل هناك اختلافات حقيقية؟

بالطبع، هناك من يرفض هذه الأطروحة. دعنا نستمع إلى الردود المحتملة:

رد اليمين المتطرف:

يقول أنصار التجمع الوطني إن قضيتهم مختلفة. هم يهاجمون "الأوليغارشية العالمية" التي تفرض سياسات الهجرة المفتوحة وتفكيك الدول القومية. "نحن ندافع عن العمال الفرنسيين ضد الأوليغارشية التي تجلب العمالة الرخيصة لتخفيض الأجور"..
ولكن فعليا هم يقدمون أنفسهم لخدمة الاوليغارشية بشعارات أكثر تطرفا من اليمين التقليدي .

رد الوسط الماكروني:

يقول أنصار ماكرون إن سياساتهم تهدف إلى "تحرير الاقتصاد" لخلق فرص عمل، وإن تخفيض الضرائب على الشركات يجذب الاستثمارات. "لا يمكن توزيع ثروة لم تخلق بعد".
وطبعا وهذا كذب لأن الاوليغارشية ربحت خلال العام الأول من حكم ماكرون أكثر من تسعين مليار دولار من حقوق العمال واستهدافهم

رد اليسار التقليدي:

يقول الاشتراكيون إنهم يحققون "مكاسب جزئية" في ظل ظروف صعبة. تجميد رفع سن التقاعد وحده إنجاز كبير. "السياسة هي فن الممكن، وليس فن الحلم المستحيل".
ولا ننسى أن ماكرون الذي دمر احلام الطبقة العاملة و ممثل بنك روتشيلد كما كان ابستين ممثل البنك نفسه خرج من هذا الحزب الذي يدعي الاشتراكية ..ولكن هذا لا يعني أن فيها تيارات تسعي لشق طريقها ضد الاوليغارشية ولكنها غير نافذة ..



الخلاصة: فرنسا إلى أين؟

أولاً: ما قالته الانتخابات

الانتخابات البلدية في 15 مارس 2026 قالت أشياء كثيرة، لكن أهمها:

1. انهيار الوسط: لم يعد الوسط الماكروني قادراً على تقديم نفسه كبديل جذاب. الناس سئموا خطاب "الإصلاح بلا نهاية".
2. صعود الأطراف: اليمين المتطرف واليسار الراديكالي هما الرابحان الحقيقيان، يعكسان استقطاباً حاداً في المجتمع الفرنسي.
3. ضياع اليسار التقليدي: الاشتراكي والخضر عالقون في منطقة رمادية؛ لم يعودوا يساراً راديكالياً، ولم يصبحوا وسطاً مقبولاً.
4. انقسام اليمين: اليمين التقليدي ممزق بين تيار يريد التحالف مع المتطرفين (سيوتي) وتيار يريد البقاء في الوسط المعتدل.

ثانياً: ماذا يعني هذا للجولة الثانية في 22 مارس؟

الجولة الثانية في 22 مارس ستكون حاسمة. النتائج المتوقعة:

· مرسيليا: إذا فشل اتفاق بين "ربيع مرسيليا" وفرنسا الأبية، فقد يفوز اليمين المتطرف بالمدينة.
· نيس: من المرجح فوز سيوتي (اليمين المتطرف المتحالف) بفضل قاعدته المحلية القوية.
· ليل: معركة شرسة بين الاشتراكية مارتين أوبري ومرشحة فرنسا الأبية.
· تولوز: اليمين التقليدي قد يفوز بفضل انقسام اليسار.
· باريس: اليسار الموحد (بدون فرنسا الأبية) مرشح قوي للاحتفاظ بالمدينة.

ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية لفرنسا

السيناريو الأول: استمرار الاستقطاب

يستمر اليمين المتطرف واليسار الراديكالي في الصعود على حساب الوسط. تصبح الانتخابات الرئاسية 2027 معركة ثلاثية: لوبن/بارديلا ضد ميلانشون ضد مرشح الوسط (ربما إدوارد فيليب).

السيناريو الثاني: تحالف غير مقدس

قد يضطر الوسط واليمين التقليدي واليسار التقليدي إلى تشكيل "جبهة جمهورية" واسعة لمنع وصول اليمين المتطرف إلى الحكم. لكن هذا التحالف سيكون هشاً بسبب التناقضات الداخلية.

السيناريو الثالث: انتصار اليمين المتطرف

إذا فاز اليمين المتطرف في الرئاسية 2027 (وهو احتمال قائم)، فستدخل فرنسا مرحلة جديدة كلياً: صدام مع الاتحاد الأوروبي، سياسات هووية متشددة، وتغيير جذري في المشهد السياسي.

السيناريو الرابع: ثورة اليسار

إذا نجح ميلانشون أو خليفته في توحيد اليسار وتقديم بديل مقنع، فقد نشهد عودة اليسار إلى الحكم ببرنامج راديكالي، مما سيحدث زلزالاً اقتصادياً واجتماعياً في فرنسا وأوروبا.

رابعاً: كلمة أخيرة

فرنسا اليوم تقف عند مفترق طرق. ما حدث في 15 مارس 2026 ليس مجرد انتخابات بلدية عادية. إنه إنذار مبكر لزلزال قادم. الشعب الفرنسي، أو جزء كبير منه، يقول إنه لم يعد يثق في النخب التقليدية. يقول إن السياسات الاقتصادية الحالية تخدم القلة على حساب الكثرة. يقول إنه يريد تغييراً جذرياً، سواء كان هذا التغيير من اليمين المتطرف الذي يقدم بديلا للانتحار الجماعي أو اليسار الراديكالي الذي يقدم تفسيرا وحلا مقنعا للأزمات في ظل تعددية الأقطاب وتراجع الهيمنة الأمريكية وبإمكانه بناء تحالفات لمصلحة الشعب الفرنسي مع القوى الصاعدة في العالم كايران والصين وروسيا .

بين هذين الخيارين، ستختار فرنسا طريقها في السنوات القادمة. وفي 22 مارس، سنعرف جزءاً من الإجابة: هل سينجح اليمين المتطرف في اختراق المدن الكبرى؟ هل ستتمكن فرنسا الأبية من تحويل زخمها إلى فوز حقيقي؟ هل سينجو "ربيع مرسيليا" من عاصفة الانقسامات؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.



ملاحق

الملحق 1: النتائج التفصيلية في المدن الكبرى

المدينة الفائز في الجولة الأولى النسبة المنافس الرئيسي النسبة
باريس إيمانويل غرغوار (يسار موحد) 38.2% رشيدة داتي (وسط) 27.1%
مرسيليا بينوا بايان (ربيع مرسيليا) 36.7% فرانك أليسو (يمين متطرف) 35.4%
ليون غريغوري دوسيه (خضر) 31.2% جورج كيبنيان (يمين) 23.5%
تولوز جان لوك مودونك (يمين) 33.8% فرانسوا بيكمال (LFI) 22.1%
نيس إريك سيوتي (يمين متطرف متحالف) 43.5% كريستيان إستروزي (وسط) 30.9%
ليل مارتين أوبري (اشتراكي) 26.2% لهوارية عدوش (LFI) 25.1%
سان دوني بالي باغايوكو (LFI) 52.3% فوز من الجولة الأولى -
روبيه دافيد غيرو (LFI) 46.1% مرشحون آخرون -

الملحق 2: أبرز الشخصيات المذكورة في التقرير

الاسم الحزب المنصب/الدور
جان لوك ميلانشون فرنسا الأبية زعيم الحزب
جوردان بارديلا التجمع الوطني زعيم الحزب
مارين لوبن التجمع الوطني زعيمة سابقة، نائبة في البرلمان
إيمانويل ماكرون النهضة رئيس الجمهورية
بينوا بايان الحزب الاشتراكي عمدة مرسيليا
أوليفييه فور الحزب الاشتراكي أمين عام الحزب
ماتيلد بانو فرنسا الأبية رئيسة الكتلة البرلمانية
إريك سيوتي منشق عن الجمهوريين مرشح في نيس
لويس أليو التجمع الوطني عمدة بيربينيان

الملحق 3: مصطلحات سياسية فرنسية

· LFI: La France Insoumise - فرنسا الأبية
· RN: Rassemblement National - التجمع الوطني
· PS: Parti Socialiste - الحزب الاشتراكي
· EELV: Europe Écologie Les Verts - أوروبا إيكولوجيا الخضر
· PCF: Parti Communiste Français - الحزب الشيوعي الفرنسي
· PRG: Parti Radical de Gauche - الحزب الراديكالي اليساري
· LR: Les Républicains - الجمهوريون (اليمين التقليدي)
· Le -print-emps Marseillais: ربيع مرسيليا - الائتلاف اليساري في مرسيليا



مصادر ومراجع

1. وزارة الداخلية الفرنسية - النتائج الرسمية للانتخابات البلدية 2026
2. صحيفة لوموند - تغطية مباشرة ليلة الانتخابات
3. صحيفة لوفيغارو - تحليلات سياسية
4. قناة France Info - تقارير ميدانية
5. الموقع الرسمي للتجمع الوطني
6. الموقع الرسمي لفرنسا الأبية
7. الموقع الرسمي للحزب الاشتراكي
8. تقارير معهد إبسوس للأبحاث
9. تقارير معهد أودوكسا للأبحاث
10. نقاشات برلمانية في الجمعية الوطنية الفرنسية حول ميزانية 2026



تم إعداد هذا التقرير في 17 مارس 2026، بناءً على أحدث البيانات المتاحة بعد الجولة الأولى من الانتخابات البلدية الفرنسية.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
- «الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار ...
- نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال ...
- قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢ ...
- محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا ...
- -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
- بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا ...
- مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف ...
- كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
- خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
- قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
- الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
- نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد ...
- التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
- صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
- إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
- كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
- كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي ...
- الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
- كتاب : الغريب الذي يرى


المزيد.....




- مباشر: إسرائيل تقصف وسط بيروت وهجوم إيراني يوقع قتيلين قرب ت ...
- طهران تتوعد بـ-الثأر- بعد مقتل لاريجاني وتستبعد التهدئة
- محللون: اغتيال لاريجاني قد يعزز إحكام الجيش قبضته على إيران ...
- حماس تعزي طهران في مقتل لاريجاني
- الرياض تستضيف اجتماعا وزاريا عربيا إسلاميا لبحث أمن المنطقة ...
- قتلى بغارات إسرائيلية على بيروت والضاحية وحزب الله يهاجم مست ...
- هجمات إيرانية بالخليج وسقوط شظايا بمحيط قاعدة الأمير سلطان ب ...
- ترمب يتعهد بـ-إجراءات وشيكة- ضد كوبا وسط تفاقم أزمتها الخانق ...
- لماذا ترفض أوروبا مساعدة ترمب في حرب إيران؟
- خبير أمريكي: الحرب الإيرانية خرجت عن السيطرة


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026 وتداعياتها الاستراتيجية