|
|
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 18:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في مديح العبودية: كيف حوّلت النخب الأوروبية القارة إلى وقود لحروب غيرها؟
هل يمكن لإمبراطورية أن تحكم من دون عبيد؟ وهل يمكن للعبد أن يظل سعيداً وهو يشهد بأم عينيه سيده يقطع الشرايين التي تغذي جسده، ثم يصفق له لأنه أتقن دور الجلاد في مسرحية انتحاره؟ في مشهدية دانتيّية بامتياز، تقف أوروبا الغربية اليوم على مسرح التاريخ عارية إلا من أوهام السيادة، ممسكة بملف الحرب الباردة وكأنه كتاب مقدس، بينما تمضي رياح التاريخ في اتجاه آخر. إنها القارة التي كانت بالأمس تفرض شروطها على العالم، وإذا بها اليوم مجرد ورقة في لعبة بوكر عالمية، يتحكم بها من لا يرون في مصيرها سوى رقم في معادلة النفوذ.
قبل أيام قليلة فقط، وفي مشهد بدا وكأنه اقتباس مباشر من رواية كافكا، خرج بارت دي ويفر، رئيس وزراء بلجيكا، ليصرح بما يهمس به القادة الأوروبيون في الغرف المغلقة منذ أشهر: "لا يمكننا تهديد بوتين بإرسال أسلحة إلى أوكرانيا، ولا يمكننا خنقه اقتصادياً دون دعم أمريكي، لذلك لم يعد أمامنا سوى خيار واحد: عقد صفقة" . تصريح لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل اعتراف تاريخي بأن الإمبراطورية العجوز لم تعد تملك زمام قرارها الحربي، وأن كل الدماء التي أريقت، وكل الأموال التي بذرت، وكل الشرايين التي قطعت، لم تكن سوى أوهام بطولة في مسرحية كتبها الآخرون.
لكن السؤال الذي لا تطرحه النخب الأوروبية على نفسها، أو تطرحه في الخفاء خوفاً من بطش السيد، هو: ماذا لو رفضت روسيا العودة؟ ماذا لو كانت السنوات الثلاث الماضية قد رسمت خطاً أحمر لا يمكن التراجع عنه؟ ماذا لو كانت القارة الآسيوية، بأسواقها العملاقة وشراكاتها الاستراتيجية، قد أصبحت البديل الذي لا رجعة فيه؟ وهل يمكن لقميص أوروبا المسموم أن يلبس مرة ثانية بعد أن مزقته الحرب والعقوبات والتبعية العمياء؟
اعترافات خلف الأبواب المغلقة: دي ويفر يكسر جدار الصمت البلجيكي
في مشهد سياسي نادر، تجرأ رجل من داخل القلعة الأوروبية ليقول ما لا يجرؤ الآخرون على البوح به. بارت دي ويفر، القومي الفلمنكي الذي اعتاد على صدمة النخبة الأوروبية بمواقفه، فتح نافذة على عالم من النفاق السياسي لا مثيل له. "في جلسات خاصة، يخبرني القادة الأوروبيون أنني على صواب، لكن لا أحد يجرؤ على التصريح بذلك علناً" . عبارة تقول كل شيء عن أزمة القيادة في قارة تدّعي الديمقراطية والشفافية، بينما تختبئ نخبها خلف ستار من الخوف من واشنطن.
دي ويفر لم يكتف بهذا القدر من الصراحة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليلمح إلى ما تعتقده النخبة ولا تقوله: أن الولايات المتحدة "ليست مع أوكرانيا على الإطلاق"، وأنها في بعض الأحيان تبدو "أقرب إلى بوتين منها إلى زيلينسكي" . إنها شهادة خطيرة من رأس هرم السلطة في بلجيكا، تؤكد أن الحرب الأوكرانية لم تكن يوماً حرباً أوروبية خالصة، بل كانت ورقة ضغط أمريكية بامتياز، وحين انعكست الأوراق، اكتشفت أوروبا أنها كانت تراهن بورقتها الأخيرة في لعبة لا تعرف قواعدها.
لكن المثير في موقف دي ويفر أنه يعترف بعجزه، ليس فقط عن مواجهة روسيا، بل عن مواجهة سيده الأمريكي. "بدون تفويض للذهاب والتفاوض في موسكو، لن نكون على طاولة المفاوضات حيث سيضغط الأمريكيون على أوكرانيا لقبول صفقة. ويمكنني القول بالفعل إنها ستكون صفقة سيئة بالنسبة لنا" . اعتراف بالهزيمة قبل أن تبدأ المعركة، وانكشاف كامل لعورة المشروع الأوروبي الذي ظن نفسه نداً للقوى العظمى، فإذا به مجرد ظل يتحرك كما تحركه خيوط الماريونيت.
بلجيكا، هذا البلد الصغير الذي كان يوماً رمزاً للتوفيق بين القوى العظمى، بات اليوم نموذجاً مصغراً لمأساة أوروبية كاملة. ففي الوقت الذي يتحدث فيه رئيس وزرائها عن ضرورة التفاوض، يستمر وزير دفاعها، تيو فرانكن، المنتمي للحزب ذاته، في سياسة استنزاف مالية غير مسبوقة. فبعد أن نهبت صناديق الضمان الاجتماعي بحجة الإصلاحات الاقتصادية، إذا بتلك الأموال تذهب لشراء طائرات اف ٣٥ الأمريكية وأنظمة ، ناسامس التي أثبتت حروب الجيل الجديد أنها مجرد خردة ثمينة أمام مسيرات "شاهد" الإيرانية التي لا يتجاوز ثمن الواحدة منها ثلاثين ألف دولار .
إنها مأساة ساخرة بامتياز: أوروبا تشتري أغلى الأسلحة الأمريكية لتدمير نفسها بنفسها، بينما تدمر إيران تلك الأسلحة بأرخص الإمكانيات. وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة ليس جيوش "أريزونا" أو "نورماندي" هي التي تحرر القارة العجوز، بل درونات إيرانية الصنع تكشف هشاشة أعتى الترسانات العالمية.
نورد ستريم: حين فجر الحليف شريان الحياة الأوروبي
في ليلة سبتمبر من عام 2022، وتحت مياه بحر البلطيق، انفجر خط أنابيب نورد ستريم في مشهد هوليوودي بامتياز. كان انفجاراً لم يقتصر على أنابيب الغاز، بل فجر معه آخر أوهام السيادة الأوروبية. كانت أوروبا تعتمد على الغاز الروسي الرخيص لتغذية صناعتها وتدفئة بيوتها لعقود، وكان نورد ستريم شريان الحياة الذي يربط القارة العجوز بجارتها الشرقية. لكن هذا الشريان قُطع، ليس بقرار أوروبي، ولا بفعل حربي روسي، بل بقرار أمريكي صرف.
لطالما حذرت واشنطن من مشروع نورد ستريم، ليس لأنه يهدد البيئة أو يعمق التبعية الأوروبية لروسيا (كما كانت تدّعي)، بل لأنه كان سيحول دون بيع الغاز الأمريكي المسال إلى أوروبا بأسعار مضاعفة. وحين نفذت التهديدات، وقفت أوروبا مكتوفة الأيدي تتابع بأم عينيها تفجير شريانها الاقتصادي، ولم تجرؤ على التحقيق في الجريمة، خوفاً من أن يقود التحقيق إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي أو البيت الأبيض نفسه.
منذ ذلك التفجير، دخلت أوروبا في دوامة طاقة لا مثيل لها. فبدلاً من الغاز الروسي الرخيص، باتت تدفع أضعافاً مضاعفة ثمناً للغاز الأمريكي المسال، الذي ينقل عبر المحيطات في ناقلات ضخمة، ليصل بشحنة من الرسوم الإضافية والأرباح الخيالية للشركات الأمريكية. وما كان يوماً مشروعاً لتعزيز الأمن الطاقي الأوروبي تحول إلى كابوس حقيقي. المصانع أغلقت، والفواتير تضاعفت، والطبقة الوسطى التي كانت عماد الاستقرار الأوروبي بدأت تنهار تحت وطأة التضخم وغلاء المعيشة.
كانت الصفقة واضحة منذ البداية: إما أن تكون أوروبا سوقاً للغاز الأمريكي، وإما ألا تكون. واختارت النخب الأوروبية، في لحظة ضعف تاريخي، أن ترضخ للإملاءات الأمريكية، وألا تفتح فمها حتى عندما كان الحليف يقطع شرايينها واحداً تلو الآخر. إنه ليس مجرد تبعية سياسية، بل هو انتحار اقتصادي بطيء تحت قناع "القيم المشتركة" و"الدفاع عن الديمقراطية".
وهم العقوبات: رصاص أوروبي في أرجل أوروبية
بعد تفجير نورد ستريم، جاءت العقوبات على روسيا لتكمل المأساة. أوروبا، بإيعاز أمريكي صرف، أغلقت أسواقها أمام النفط والغاز الروسيين، معتقدة أنها بذلك تخنق الاقتصاد الروسي وتجبر بوتين على الركوع. ولكن ماذا حدث على الأرض؟ روسيا، التي توقعت السيناريو قبل حدوثه بسنوات، كانت قد بدأت بالفعل في تحويل بوصلتها نحو الشرق. خطوط أنابيب جديدة إلى الصين، و صفقات غاز مع الهند، وأسواق جديدة في آسيا الوسطى وإفريقيا، كلها كانت جاهزة للتعويض عن السوق الأوروبية.
النتيجة: روسيا تبيع غازها الآن بأسعار جيدة، وإن بخصم بسيط، لزبائن آسيويين لا يطالبونها بشروط سياسية ولا يهددونها بقطع الشرايين. أما أوروبا، فتدفع أثماناً خيالية لشراء الغاز نفسه، ولكن عبر وسطاء وبأسعار مضاعفة. إنه مثل أن تقطع شريانك لتحرم عدوك من الدم، ثم تكتشف أن عدوك لديه شرايين بديلة، بينما أنت تنزف حتى الموت.
الأكثر إيلاماً أن الأموال التي تنفقها أوروبا على شراء الغاز البديل تذهب في جزء كبير منها إلى الخزانة الأمريكية، التي تبيع الغاز المسال بأسعار تحتكر بها السوق. وبينما تئن الصناعة الأوروبية تحت وطأة ارتفاع تكاليف الطاقة، تزدهر الصناعة الأمريكية، وتفتح مصانع جديدة، وتجذب الاستثمارات الأوروبية الهاربة من جحيم الأسعار. إنها حرب اقتصادية، لكن الضحية فيها هو "الحليف" الأوروبي، بينما المنتصر هو "الحليف" الأمريكي الذي يدير المعركة من خلف الستار.
اليوم، وقد وصل سعر الطاقة في أوروبا إلى مستويات قياسية، تخشى الحكومات الأوروبية اليوم الذي يصل فيه سعر الغاز إلى 150 أو 200 دولار للميغاواط/ساعي. عندها، لن يكون هناك مجال للخطاب السياسي أو الدعم الشعبي لأوكرانيا. عندها، ستشتعل الشوارع، وستسقط الحكومات واحدة تلو الأخرى، وسيحاسب الشعب الأوروبي نخبه على كل يورو أنفق في تمويل حرب لا تعنيهم، وعلى كل وظيفة ضاعت بسبب سياسات عقوبات انتحارية. هذا هو السيناريو الذي يقلق دي ويفر، وهذا هو السبب الحقيقي وراء دعوته إلى "عقد صفقة". ليست قناعة سياسية جديدة، بل خوف من غضبة شعبية وشيكة.
الثمن الإيراني: كيف أجبرت طهران الغزاة على دفع فاتورة باهظة؟
بينما كانت أوروبا تنزف على جبهة الطاقة الأوكرانية، كانت جبهة أخرى أكثر سخونة تشتعل في غرب آسيا. في 28 شباط من هذا العام، وبعد صبر طويل وتهديدات متبادلة، شن التحالف الأمريكي - الإسرائيلي عدواناً واسعاً على إيران، بهدف ضرب برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية. كانت العملية تهدف إلى أن تكون خاطفة وحاسمة، تماماً مثل كل العمليات العسكرية الأمريكية السابقة في المنطقة. لكن ما حدث كان مفاجأة من العيار الثقيل.
إيران لم ترد فقط، بل ردت بطريقة منهجية وذكية، استهدفت بها مصالح العدو في كل مكان. فبدلاً من الانجرار إلى حرب استنزاف تقليدية داخل أراضيها، ضربت طهران القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج بصواريخ باليستية دقيقة، وأغلقت مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، وهددت بضرب كل منشآت الطاقة في المنطقة إذا استمر العدوان . ثم جاءت الضربة الأكثر إيلاماً: استهداف مصالح العدو الاقتصادية في العمق، بدءاً من المطارات والموانئ التي تستخدمها القوات الأمريكية، وصولاً إلى ضربة غير مسبوقة استهدفت المقر الرئيسي لـ"سيتي بنك"، أحد أكبر البنوك الأمريكية، في عملية ذكية أربكت واشنطن وأظهرت هشاشة أمنها الداخلي .
لكن الأكثر إيلاماً للغرب كان تدمير ما أنفق عليه تريليونات الدولارات على مدى خمسة عقود: القواعد العسكرية والتجسسية الأمريكية في المنطقة. فمنذ عقود، كانت الولايات المتحدة تبني شبكة من القواعد في الخليج العربي، في قطر والبحرين والكويت والإمارات، لتكون مراكز انطلاق لأي عملية عسكرية ضد إيران أو للسيطرة على المنطقة. لكن إيران، عبر حروبها بالوكالة وعبر ضرباتها المباشرة، استطاعت تحييد هذه القواعد، بل وتحويلها إلى أهداف ثابتة يمكن تدميرها في أي لحظة.
إيران، بكل ما تملك من إمكانيات متواضعة مقارنة بالترسانة الأمريكية، استطاعت فرض معادلة رعب جديدة: أنتم تملكون أضخم جيش في العالم، لكننا نملك القدرة على ضرب مصالحكم في كل مكان، وقتما نشاء، وبأقل التكاليف. مسيرات "شاهد" التي لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات، أصبحت كابوساً للبارجات الحربية الأمريكية التي تكلف مليارات الدولارات . صواريخ باليستية إيرانية رخيصة تصيب أهدافها بدقة، بينما صواريخ "باتريوت" الأمريكية الفائقة الثمن تفشل في اعتراضها.
إنها معركة الجياع ضد المترفين، معركة من يملكون الإرادة ضد من يملكون المال فقط. وقد أثبتت الأيام القليلة الماضية أن المعادلة تغيرت إلى الأبد. لم تعد أمريكا قادرة على توجيه ضربة عسكرية في المنطقة دون أن تدفع ثمناً باهظاً. ولم تعد قواعدها العملاقة في الخليج تشكل رادعاً، بل أصبحت عبئاً استراتيجياً، لأنها أهداف ثابتة يمكن تدميرها في لحظة. إيران لم تحقق انتصاراً عسكرياً ساحقاً، لكنها حققت انتصاراً استراتيجياً أكبر: أجبرت أمريكا على إعادة حساباتها في المنطقة كلها.
بين واشنطن وطهران: أوروبا في موقف لا تحسد عليه
في خضم هذه المواجهة الشرسة، تقف أوروبا في موقف لا تحسد عليه. فهي من جهة، مطالبة بالوقوف إلى جانب حليفها الأمريكي وتأييد عدوانه على إيران. ومن جهة أخرى، تدرك تماماً أن أي تصعيد في المنطقة سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، لأن مضيق هرمز يمر عبره أكثر من 20% من إمدادات النفط العالمية . وبما أن أوروبا قد قطعت بالفعل علاقتها مع روسيا، فإنها ستعتمد بشكل شبه كامل على نفط الخليج، الذي سينقطع فور اشتعال المنطقة.
الورقة الإيرانية كانت ذكية جداً. فبعد أيام من بدء العدوان، هددت طهران بإغلاق مضيق هرمز بالكامل أمام ناقلات النفط . هذا التهديد، لو نُفذ، يعني كارثة اقتصادية لأوروبا، التي ستجد نفسها بلا مصدر طاقة بديل، في عز الشتاء. وقد أدركت طهران ذلك جيداً، ولعبت بهذه الورقة بمهارة. لم تغلق المضيق بشكل كامل، بل فرضت قيوداً على السفن التي تخدم مصالح أمريكا وإسرائيل، بينما سمحت لسفن الدول الأخرى بالمرور، ضاربة عرض الحائط بالعقوبات الأمريكية ومقسمة المجتمع الدولي ضد واشنطن .
أوروبا اليوم محشورة بين مطرقة التبعية الأمريكية وسندان الاعتماد على الطاقة التي تتحكم بها طهران. إنها معادلة صفرية، حيث مهما اختارت أوروبا، فإنها الخاسر الأكبر. إن دعمت أمريكا بشكل كامل، فقدت مصدر طاقتها الوحيد المتبقي. وإن حاولت التوسط أو الحياد، غضبت واشنطن واتهمتها بالخيانة، كما يحدث الآن مع دول مثل إسبانيا التي سحبت سفيرها من إسرائيل احتجاجاً على الحرب .
في هذه اللحظة، تدرك النخب الأوروبية أن التبعية العمياء لواشنطن وصلت إلى طريق مسدود. فالسياسة الأمريكية لم تعد تخدم المصالح الأوروبية فحسب، بل أصبحت تهددها بشكل مباشر. الحرب على إيران، مثلها مثل الحرب على روسيا، تكلف أوروبا غالياً، بينما تستفيد منها أمريكا عبر بيع أسلحتها وغازها. لكن الفرق الوحيد هو أن هذه المرة، الثمن الذي تدفعه أوروبا قد يكون وجودها الاقتصادي ذاته.
مصير القواعد الأمريكية في غرب آسيا: تريليونات دولارات تتحول إلى رماد
منذ عقود، كانت الولايات المتحدة تبني أعظم شبكة قواعد عسكرية في تاريخ البشرية في منطقة غرب آسيا. قاعدة العديد في قطر، التي تعد أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة، تضم آلاف الجنود وأحدث الطائرات الحربية. قاعدة البحرين، التي تضم الأسطول الخامس الأمريكي، تسيطر على مداخل الخليج العربي. قاعدة الظفرة في الإمارات، وقاعدة الكويت، وقاعدة إنجرليك في تركيا، كلها كانت حلقات في سلسلة طوق الحصار الذي أرادت واشنطن فرضه على المنطقة.
تكلفة هذه القواعد تجاوزت التريليونات، سواء في تكاليف الإنشاء أو في النفقات التشغيلية السنوية. لكن ما كشفته الأيام الأخيرة، وتحديداً بعد العدوان على إيران، هو أن هذه القواعد العملاقة لم تعد تشكل رادعاً، بل أصبحت أهدافاً ثابتة يمكن تدميرها بسهولة. الصواريخ الإيرانية الباليستية، التي تبلغ سرعتها أضعاف سرعة الصوت، يمكنها الوصول إلى أي قاعدة في الخليج في دقائق معدودة. والمسيرات الإيرانية، التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، يمكنها اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية التي صممت لمواجهة طائرات تقليدية، لا أسراباً من الطائرات الصغيرة بدون طيار.
في الأيام الأولى للعدوان، شنت إيران هجوماً صاروخياً واسعاً على قاعدة العديد في قطر، وألحقت بها أضراراً بالغة . كان الهجوم بمثابة رسالة واضحة: لم تعد قواعدكم آمنة، ولم تعد طائراتكم قادرة على الإقلاع متى شئتم. ثم تبعه هجوم آخر على قاعدة الظفرة، وآخر على قاعدة البحرين. والنتيجة كانت كارثة استراتيجية: القوات الأمريكية اضطرت إلى إخلاء بعض القواعد، وتوزيع طائراتها على قواعد بعيدة، مما أفقدها القدرة على تنفيذ ضربات سريعة وفعالة.
الأكثر إيلاماً لواشنطن كان ضرب المنشآت التجسسية والتدريبية. ففي عملية نوعية، استهدفت إيران مقر قيادة العمليات الخاصة في قاعدة عين الأسد، حيث كان يوجد ضباط استخبارات أمريكيون يديرون العمليات السرية في المنطقة. كما استهدفت مراكز تدريب "القوات الخاصة" في أربيل، حيث كانت واشنطن تدرب عناصر من الميليشيات الكردية والعربية لزعزعة استقرار إيران وحلفائها. كل هذه المنشآت، التي كلفت بناؤها مئات الملايين، تحولت إلى أنقاض في دقائق.
لكن الضربة الأكثر إيلاماً من الناحية المعنوية كانت استهداف مقر "سيتي بنك" في عملية إلكترونية - عسكرية مشتركة أربكت واشنطن وأظهرت أن أمريكا نفسها لم تعد آمنة. لم تكن ضربة مباشرة بقنبلة، بل كانت رسالة واضحة: إذا أردنا ضرب اقتصادكم، يمكننا أن نفعل ذلك في أي لحظة، دون الحاجة إلى صواريخ أو طائرات. الانهيار الذي أصاب أسهم البنك في البورصة بعد هذه العملية كان كافياً لإيصال الرسالة إلى البيت الأبيض .
واشنطن اليوم تدرك أن مشروعها العسكري في غرب آسيا يواجه أكبر تهديد له منذ عقود. التريليونات التي أنفقت على مدى خمسين عاماً لبناء هذه القواعد أصبحت في مهب الريح. ليس لأن الجيش الأمريكي أصبح ضعيفاً، بل لأن طبيعة الحرب تغيرت، ولأن إيران استطاعت قراءة نقاط الضعف في الهرم العسكري الأمريكي وضربها بدقة. القواعد الثابتة لم تعد صالحة في عصر الحروب السريعة والسيالة. وحاملات الطائرات العملاقة لم تعد تشكل رادعاً في وجه مسيرات رخيصة يمكنها اختراق دفاعاتها بسهولة.
بلجيكا نموذجاً: كيف تتحول دولة صغيرة إلى ضحية كبرى؟
في قلب أوروبا، تقدم بلجيكا اليوم نموذجاً مصغراً للمأساة الأوروبية الكبرى. هذا البلد الصغير، الذي كان يوماً مقراً للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ورمزاً للتوفيق بين القوى العظمى، بات اليوم مثالاً ساطعاً على التبعية العمياء التي تنتهي بالانتحار الاقتصادي. ففي الوقت الذي يتحدث فيه رئيس وزرائه عن ضرورة التفاوض مع روسيا، تنهمك حكومته في سياسة إنفاق عسكري غير مسبوقة، تمول من جيوب الفقراء قبل الأغنياء.
القصة بدأت قبل عام، مع تشكيل ائتلاف "أريزونا" الحكومي، الذي يضم أحزاباً من اليمين واليسار في مزيج غريب. كان وعد هذا الائلاف بالإصلاح الاقتصادي وتقليص العجز في الميزانية، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً. فبينما قطعت الحكومة الدعم عن الضمان الاجتماعي، ورفعت سن التقاعد، وخفضت رواتب الموظفين العموميين، كانت تفتح أبواب الخزينة على مصراعيها لشراء الأسلحة الأمريكية.
وزير الدفاع تيو فرانكن، المنتمي لحزب رئيس الوزراء نفسه، كان الأكثر حماسة في هذه الصفقات. تحت شعار "تحديث الجيش" و"الوفاء بالتزامات الناتو"، أبرم عقوداً بمليارات اليورو لشراء طائرات F-35 الأمريكية، وأنظمة باتريوت للدفاع الجوي، وصواريخ هاربون المضادة للسفن. كل هذا يحدث بينما تعاني المستشفيات البلجيكية من نقص في التمويل، والمدارس تفتقر إلى أبسط الإمكانيات، والمواطن العادي يئن تحت وطأة الضرائب وغلاء المعيشة .
السخرية الأكبر أن هذه الأسلحة الأمريكية الفائقة الثمن أثبتت، في حروب غرب آسيا الأخيرة، أنها لا تساوي شيئاً أمام المسيرات الإيرانية الرخيصة. طائرات F-35، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها أكثر من مائة مليون دولار، يمكن إسقاطها بصاروخ أرض-جو لا يتجاوز ثمنه بضع عشرات الآلاف. وأنظمة باتريوت، التي تباع بعشرات الملايين، تفشل في اعتراض مسيرات "شاهد" التي لا يتجاوز ثمنها ثلاثين ألف دولار . إنها صفقة القرن لصالح الصناعات العسكرية الأمريكية: تبيع الخردة بأغلى الأثمان، ثم تبيع الذخيرة لتعويض ما دمر، ثم تبيع أسلحة جديدة لتحل محل المدمر.
لكن لماذا تفعل بلجيكا ذلك؟ الجواب بسيط ومأساوي في آن: لأنها لا تملك خياراً آخر. فكما اعترف دي ويفر صراحة، "لا يوجد بديل أوروبي" لطائرات F-35، ولا توجد منظومة دفاع جوي أوروبية يمكن الاعتماد عليها . بعد عقود من إهمال الصناعات الدفاعية الأوروبية، والاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية، وجدت أوروبا نفسها عارية تماماً، مضطرة لشراء ما تبيعه واشنطن، حتى لو كان خردة، حتى لو كان ثمناً باهظاً، حتى لو كان يعني إفلاس خزينتها.
بلجيكا، مثلها مثل معظم أوروبا، كانت تعيش وهماً باسم "الرفاهية". كانت تنفق على الضمان الاجتماعي والمعاشات والتعليم، معتمدة في أمنها على "العصا الغليظة" الأمريكية كما يسميها دي ويفر . لكن الآن، وقد تحولت تلك العصا ضدها، تكتشف أوروبا أنها لم تكن تنمي عضلاتها الدفاعية طوال هذه العقود. والنتيجة أنها مضطرة اليوم لدفع أثمان باهظة لتعويض ما أضاعته من وقت، بينما تتهاوى مكتسباتها الاجتماعية تحت وطأة هذا الإنفاق العسكري الجنوني.
دعم أوكرانيا: حكومة أريزونا وسنوات التدمير الممنهج
في سياق بلجيكا الداخلي، هناك قصة أخرى لا تقل مأساوية، تتعلق بالدعم البلجيكي لأوكرانيا. فمنذ تشكيل حكومة ائتلاف "أريزونا" قبل عام، لم تشهد بلجيكا مثل هذا المستوى من الدعم لكييف. الأرقام الرسمية تتحدث عن تضاعف المساعدات العسكرية والمالية مقارنة بكل السنوات السابقة مجتمعة. بلجيكا، التي كانت هامشية في دعم أوكرانيا، أصبحت فجأة في طليعة الدول الأوروبية المانحة.
لكن هذا الدعم له ثمن باهظ يدفعه المواطن البلجيكي البسيط. فالحكومة، بدلاً من أن تستثمر أموال دافعي الضرائب في تحسين الخدمات العامة ودعم القدرة الشرائية المتآكلة، تفضل إنفاقها على تمويل حرب لا تنتهي في أقصى الشرق الأوروبي. وبينما تغلق المستشفيات أبوابها أو تقلص خدماتها بسبب نقص التمويل، تتجه المليارات نحو كييف لشراء أسلحة لا تغير شيئاً في معادلة الحرب.
ما يجعل الأمر أكثر إثارة للجدل هو أن الحكومة البلجيكية الحالية تتبع سياسة اقتصادية تقشفية تجاه مواطنيها، بينما هي مسرفة بشكل خرافي في دعم أوكرانيا. تحت شعار "الإصلاحات الضرورية"، تم تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي، ورفع سن التقاعد، وتجميد الأجور في القطاع العام. لكن تحت شعار "الدفاع عن الديمقراطية الأوروبية"، تُفتح الخزينة لكل مطالب كييف، دون محاسبة أو رقابة .
هذا التناقض الصارخ يخلق غضباً شعبياً متزايداً، يستغله اليمين المتطرف بمهارة. ففي استطلاعات الرأي الأخيرة، تراجعت شعبية الأحزاب المؤيدة للحكومة بشكل لافت، بينما تصاعدت شعبية الأحزاب التي تنتقد الدعم الأوكراني وتدعو إلى التركيز على الأولويات الداخلية. دي ويفر نفسه، وهو زعيم قومي، يدرك هذا التحول جيداً. دعوته للتفاوض مع روسيا ليست مجرد قناعة استراتيجية، بل هي استجابة لضغط شعبي متزايد، وخوف من أن تدفع حكومته ثمن دعمها المفرط لأوكرانيا في صناديق الاقتراع القادمة.
الانقسام داخل الائتلاف الحكومي نفسه بدأ يطفو على السطح. فوزير الخارجية ماكسيم بريفو، المنتمي لحزب مختلف، حذر من "تطبيع العلاقات مع روسيا قبل الأوان" . بينما يرى آخرون، خاصة في الجناح الاقتصادي للحكومة، أن استمرار الحرب يعني استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار تدمير التنافسية الصناعية البلجيكية. بلجيكا، مثل ألمانيا، تعتمد بشكل كبير على الغاز الرخيص لتغذية صناعتها الثقيلة. وبدون هذا الغاز، تنتقل المصانع إلى حيث الطاقة أرخص، أي إلى الولايات المتحدة أو آسيا.
المواطن البلجيكي بدأ يستيقظ على حقيقة مرة: حكومته تنفق أمواله في حرب لا تؤدي إلا لإفقاره، وتقطع عنه الدعم الاجتماعي لتمويل صفقات سلاح لا تحمي أحداً، وتدمر علاقاته مع جيرانه الشرقيين لمصلحة حليف بعيد لا يهمه مصيره. إنها يقظة متأخرة، لكنها قد تكون كافية لإسقاط الحكومة في اللحظة التي يصل فيها سعر الطاقة إلى مستوى لا يحتمل.
الخيار الروسي: العودة مستحيلة أم انتظار الاعتذار؟
في كل هذا المشهد المتشابك، يبقى السؤال الأكبر معلقاً في الهواء: هل ستعود روسيا إلى التعامل مع أوروبا كما كانت؟ هل ستفتح صنابير الغاز مجدداً إذا طرق الأوروبيون باب موسكو طالبين الصفقة؟ أم أن السنوات الثلاث الماضية قد رسمت خطوطاً حمراء لا يمكن التراجع عنها؟
منذ بدء الحرب الأوكرانية وفرض العقوبات الغربية، اتبعت روسيا استراتيجية واضحة: "توجه نحو الشرق". في البداية، نظر الكثيرون في الغرب إلى هذه الاستراتيجية على أنها تهديد أجوف، أو محاولة يائسة للتفاوض مع الصين من موقع ضعف. لكن ما حدث على الأرض كان مختلفاً. روسيا لم تكتف بزيادة صادراتها إلى الصين، بل بنت بنية تحتية كاملة لهذه العلاقة الجديدة. خط أنابيب "قوة سيبيريا-2" الذي سينقل الغاز الروسي إلى الصين عبر منغوليا هو مشروع استراتيجي ضخم، سيجعل الصين المستهلك الأول للغاز الروسي لعقود قادمة .
لكن الأهم من البنية التحتية هو التحول في العقلية الروسية. النخبة الروسية، التي كانت تنظر إلى أوروبا كنموذج يحتذى وشريك طبيعي، تغيرت نظرتها تماماً بعد ما حدث. فبعد أن جمدت أوروبا الأصول الروسية، وطردت الدبلوماسيين، وقطعت كل قنوات الحوار، لم يعد هناك مجال للثقة. حتى لو انتهت الحرب غداً، وعادت العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها، فإن الذاكرة الجماعية الروسية ستحتفظ بما فعلته أوروبا. لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن التعاون مع أوروبا يمكن أن يتحول إلى حرب اقتصادية في أي لحظة، وأن الأمن الطاقي لا يمكن أن يظل رهينة للتقلبات السياسية في بروكسل أو واشنطن.
روسيا اليوم لديها بدائل حقيقية. الصين تبتلع كميات هائلة من الطاقة، والهند تزيد وارداتها بشكل مطرد، وأسواق جديدة تفتح في باكستان وإفريقيا وآسيا الوسطى. صحيح أن هذه الأسواق تدفع أقل مما كانت تدفعه أوروبا، لكنها تدفع بانتظام، ولا تفرض شروطاً سياسية، ولا تهدد بقطع العلاقات. في عالم تسوده الحرب الباردة الجديدة، الاستقرار أهم من السعر.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العودة إلى السوق الأوروبية تعني بالنسبة لروسيا العودة إلى دائرة التبعية والضغوط السياسية. أوروبا كانت ولا تزال جزءاً من الحلف الأطلسي، وحليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة. أي غاز روسي يذهب إلى أوروبا يمكن استخدامه كورقة ضغط في أي لحظة، كما حدث في الماضي. فلماذا تعيد روسيا إنتاج نفس الدائرة المفرغة التي أوصلتها إلى ما هي فيه الآن؟
هناك أيضاً عامل الوقت. تحول البنية التحتية للطاقة يستغرق سنوات، بل عقوداً. روسيا تستثمر الآن في خطوط أنابيب ومحطات تسييل موجهة نحو آسيا. بمجرد اكتمال هذه الاستثمارات، سيكون من الصعب جداً تحويل التدفقات مرة أخرى نحو الغرب. السفن التي تنقل الغاز المسال إلى آسيا لا يمكنها ببساطة تغيير مسارها إلى أوروبا بين ليلة وضحاها، لأن العقود مختلفة، والمحطات مختلفة، والسوق مختلفة.
بالنسبة لروسيا، فإن أفضل سيناريو هو تنويع العملاء بحيث لا يشكل أي منهم تهديداً استراتيجياً. الصين قد تصبح في المستقبل القريب المستهلك الأكبر، لكنها لن تكون الوحيد. الهند تبرم صفقات طويلة الأجل، واليابان وكوريا الجنوبية تبحثان عن بدائل للطاقة بعد إغلاق محطاتهما النووية، ودول آسيوية أخرى تزيد وارداتها. في هذا السيناريو، تصبح أوروبا مجرد عميل آخر، وليس العميل الأوحد الذي كان.
وبالتالي، فإن أي صفقة مستقبلية مع أوروبا، إذا حدثت، ستكون مختلفة جذرياً عن الماضي. ستعتمد على عقود قصيرة الأجل، بأسعار متغيرة، ودون التزامات استراتيجية طويلة المدى. روسيا قد تبيع الغاز لأوروبا، لكنها لن تضع كل بيضها في تلك السلة مرة أخرى. الذئب الجريح لا يعود إلى الفخ الذي أوقعه مرة، حتى لو وضعوا فيه الجبن الطري.
الانهيار الوشيك: ماذا يحدث عندما يصل سعر الطاقة إلى 200 دولار؟
في خضم هذه اللعبة السياسية المعقدة، هناك حقيقة اقتصادية صارخة لا يمكن تجاهلها: أوروبا على شفا انهيار طاقوي حقيقي. التقديرات تشير إلى أن سعر الغاز في أوروبا قد يصل إلى 200 دولار للميغاواط/ساعي في الشتاء القادم إذا استمرت الحرب في أوكرانيا وتصاعدت المواجهة مع إيران . هذا الرقم ليس مجرد رقم في جداول البورصات، بل هو إنذار بكارثة إنسانية واجتماعية وسياسية شاملة.
عندما يصل سعر الغاز إلى 150 دولاراً، تبدأ المصانع الثقيلة في الإغلاق. الصناعات الكيماوية، وصناعة الصلب، وصناعة الأسمدة، كلها قطاعات تعتمد على الغاز كمادة أولية أو كمصدر طاقة. عندما يصبح الغاز بهذا السعر، لا تعود هذه الصناعات قادرة على المنافسة عالمياً. إما أن تنتقل إلى حيث الطاقة أرخص، وإما أن تغلق أبوابها نهائياً. آلاف الوظائف تختفي، ومدن بأكملها تعتمد على صناعة واحدة تدخل في دوامة البطالة والفقر.
عندما يصل السعر إلى 200 دولار، تبدأ الأسر في الاختيار بين التدفئة والطعام. في أوروبا الشرقية، حيث الشتاء قاسٍ، والبيوت قديمة، والعزل الحراري ضعيف، تصبح فواتير التدفئة عبئاً لا يطاق. ملايين الأسر تجد نفسها أمام خيار مرير: إما أن تبقى دافئة وتتضور جوعاً، وإما أن تأكل وتتجمد. في بريطانيا، التي تعتمد بشكل كبير على الغاز للتدفئة، توفي آلاف المسنين العام الماضي بسبب البرد، وهم يوفرون المال لشراء الطعام. هذا السيناريو سيتكرر بمقياس أكبر بكثير.
عندما يصل السعر إلى 250 دولاراً، تبدأ الاحتجاجات الشعبية. لقد رأينا نماذج مصغرة من هذا السيناريو في فرنسا مع "السترات الصفراء"، وفي هولندا مع احتجاجات المزارعين، وفي ألمانيا مع تظاهرات ضد سياسات الطاقة الخضراء. لكن عندما يصبح البرد قاتلاً، والطعام غير متاح، والوظائف مفقودة، فإن الاحتجاجات تتحول إلى ثورات. الشارع الأوروبي، الذي تحمل الكثير في السنوات الماضية باسم "القيم الأوروبية" و"الدفاع عن الديمقراطية"، سينفجر في وجه النخب التي قادته إلى هذا الجحيم.
السؤال الذي يطرح نفسه: أي حكومة أوروبية ستنجو عندما يصل السعر إلى هذا المستوى؟ الحكومات الحالية في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، كلها تواجه تراجعاً في شعبيتها أصلاً. أي تصعيد إضافي في أزمة الطاقة يعني نهايتها المحتومة. وسيكون البديل هو أحزاب اليمين المتطرف والشعبويين، الذين يعدون بإعادة العلاقات مع روسيا، ووقف دعم أوكرانيا، والتركيز على الأولويات الوطنية. هذه الأحزاب قد لا تكون أفضل من الحالية، لكنها على الأقل تقدم وعداً بإنهاء الكابوس.
هذا هو السيناريو الذي يقلق دي ويفر حقاً. ليس موقف أوكرانيا، ولا مصير زيلينسكي، بل مصير حكومته هو. إنه يدرك أن الدعم المفرط لأوكرانيا، الذي قاده ائتلافه خلال السنة الماضية، قد يتحول إلى لعنة تطيح بهم جميعاً. لذلك يدعو إلى "عقد صفقة" قبل فوات الأوان، قبل أن يتحول الشارع الأوروبي إلى بركان لا يمكن السيطرة عليه.
الاعتراف المؤلم: واشنطن تلعب لعبتها، وأوروبا تدفع الثمن
في خضم هذه الأزمة المتعددة الأوجه، بدأ القادة الأوروبيون يدركون حقيقة مؤلمة: الولايات المتحدة ليست فقط غير مهتمة بمصالح أوروبا، بل إنها تستغل ضعف أوروبا لتحقيق مكاسبها الخاصة. دي ويفر، في تصريحاته الأخيرة، لم يتردد في الإشارة إلى أن واشنطن تبدو أحياناً "أقرب إلى بوتين منها إلى زيلينسكي" . إنها ملاحظة لاذعة، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن الحرب في أوكرانيا لم تعد كما كانت.
الولايات المتحدة، تحت قيادة ترامب، لديها أولويات مختلفة تماماً عن أوروبا. الأولوية الأولى هي الصين، والمنافسة الاستراتيجية في آسيا. أوكرانيا، بالنسبة لواشنطن، مجرد جبهة ثانوية يمكن التضحية بها إذا تطلب الأمر تركيز الموارد في المحيط الهادئ. والأولوية الثانية هي إيران، وحماية إسرائيل، والهيمنة على غرب آسيا. أوروبا، في هذه المعادلة، مجرد أداة لتحقيق هذه الأهداف، يمكن استخدامها ثم التخلص منها.
ما يزيد الطين بلة أن السياسة الأمريكية تجاه روسيا تبدو متناقضة بشكل صادم. فمن جهة، تشجع واشنطن الأوروبيين على التصعيد والعقوبات وقطع العلاقات مع موسكو. ومن جهة أخرى، ترفع العقوبات عن النفط الروسي عندما تحتاج الأسواق العالمية إلى إمدادات إضافية، كما حدث مؤخراً مع إعفاء النفط الروسي من العقوبات لمدة 30 يوماً بسبب أزمة إيران . إنها سياسة "افعل ما أقول لا ما أفعل" بامتياز، حيث يتحمل الأوروبيون العبء الأكبر من العقوبات، بينما تستمر أمريكا في التجارة مع روسيا عندما يناسبها ذلك.
الانطباع السائد في العواصم الأوروبية اليوم هو أن واشنطن تستخدم الحرب الأوكرانية لتصفية حساباتها مع روسيا، على حساب المصالح الأوروبية. وأوروبا، بدلاً من أن تكون شريكاً استراتيجياً، أصبحت مجرد ساحة معركة بالوكالة، وخزانة تمويل مفتوحة، وسوق أسيرة للسلاح والغاز الأمريكي. إنها علاقة غير متكافئة بشكل صادم، لكن النخب الأوروبية لا تجرؤ على قول ذلك بصوت عالٍ، خوفاً من بطش الحليف الكبير.
ما بعد الكارثة: أوروبا بين فكّي الإمبراطوريتين
إذا كانت روسيا قد ولت وجهها نحو الشرق، والولايات المتحدة مشغولة بآسيا وغرب آسيا، فأين موقع أوروبا في النظام العالمي الجديد؟ الإجابة المختصرة: في الهامش. أوروبا، التي كانت مركز العالم لخمسة قرون، تخاطر بأن تصبح مجرد هامش بين إمبراطوريتين عظيمتين: الصين شرقاً، وأمريكا غرباً.
التحولات الكبرى في الجغرافيا السياسية لا تحدث بين عشية وضحاها، لكنها تحدث. وما نشهده اليوم هو لحظة تاريخية فاصلة. أوروبا فقدت مصدر طاقتها الرخيص من الشرق، وخسرت أسواقها هناك، وأصبحت تعتمد على أمريكا في أمنها وطاقتها وسلاحها. وفي المقابل، لم تحصل على شيء سوى وعد بمواصلة الحرب حتى آخر أوكراني، وآخر يورو في خزائنها.
السيناريو الأسوأ بالنسبة لأوروبا هو أن تنتهي الحرب في أوكرانيا باتفاق يرضي جميع الأطراف، باستثناء الأوروبيين. تتخيل أن أمريكا وروسيا قد تتفقان على تقاسم مناطق النفوذ، على حساب المصالح الأوروبية. أو أن الصين قد توسع نفوذها في أوروبا الشرقية عبر مبادرة "الحزام والطريق"، بينما تظل أوروبا الغربية أسيرة التبعية الأمريكية. في كلا الحالتين، أوروبا هي الخاسر الأكبر.
لكن السيناريو ليس قاتماً تماماً. فالأزمات الكبرى تخلق أيضاً فرصاً كبرى. تصريحات دي ويفر، وردود الفعل الأوروبية الأخرى، تشير إلى أن وعياً جديداً بدأ يتبلور. فكرة "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، التي كانت مجرد شعار يردده المسؤولون في خطاباتهم، أصبحت اليوم ضرورة وجودية. الحديث عن جيش أوروبي موحد، وعن صناعة دفاعية أوروبية مستقلة، وعن سياسة خارجية أوروبية موحدة، لم يعد مجرد حلم بعيد، بل ضرورة حتمية.
المشكلة أن الطريق إلى الاستقلال الاستراتيجي طويل وشاق. يتطلب استثمارات ضخمة في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتحدي الهيمنة الأمريكية داخل الناتو. يتطلب توحيد السياسات الخارجية لدول ذات مصالح متباينة. وفوق كل ذلك، يتطلب وقتاً، والوقت هو ما لا تملكه أوروبا اليوم. فهي تواجه أزمة طاقة خانقة هذا الشتاء، وأزمة اقتصادية متفاقمة، وأزمة سياسية تهدد بتفكك الاتحاد نفسه.
ربما تكون اللحظة الأكثر دراماتيكية في هذه القصة هي لحظة الاعتراف: الاعتراف بأن أوروبا لم تعد مركز العالم، وأن عليها التكيف مع واقع جديد، وأن التبعية لأمريكا لم تعد تخدم مصالحها، وأن الانفصال مؤلم لكنه ضروري. دي ويفر، في تصريحاته، يعترف بهذا جزئياً. لكن الاعتراف وحده لا يكفي. يحتاج إلى أفعال، وإلى تغيير جذري في السياسات، وإلى شجاعة لقول "لا" للحليف الأكبر عندما تطغى مصالحه على مصالح أوروبا.
الخاتمة: جحيم التابعون
في الختام، تبقى أوروبا الغربية أسيرة تناقضاتها التاريخية. تريد أن تكون قوة عالمية لكنها تفتقر إلى الإرادة. تريد الاستقلال عن أمريكا لكنها تخشى خسارة حمايتها. تريد الغاز الروسي الرخيص لكنها تخشى غضب واشنطن. تريد السلام في أوكرانيا لكنها لا تريد التفاوض مع بوتين. تريد الحفاظ على مكتسباتها الاجتماعية لكنها تنفق مليارات على الحرب.
بلجيكا، في هذا السياق، ليست استثناءً بل هي القاعدة. حكومتها تقدم نموذجاً للتناقض الأوروبي: رئيس وزرائها يدعو للتفاوض مع روسيا، بينما وزير دفاعها يشتري أسلحة أمريكية لا تساوي ثمنها. تنهب صناديق الضمان الاجتماعي لتمويل صفقات خردة، ثم تتفاجأ بأن الشعب يغضب. تدعم أوكرانيا أكثر من أي وقت مضى، ثم تكتشف أن هذا الدعم قد يكون سبب سقوطها.
السؤال الأخير، والأكثر إيلاماً، هو: ماذا سيبقى من أوروبا بعد هذه الحرب؟ بعد أن تفقد أسواقها الشرقية، وتدمر صناعتها بارتفاع الطاقة، وتستهلك احتياطياتها في تمويل صراعات الآخرين، وتفقد مصداقيتها الأخلاقية بازدواجية معاييرها، وتتخلى عن مكتسباتها الاجتماعية باسم الدفاع عن قيم لا تمارسها؟ ربما لا يبقى سوى ذكريات، ومتاحف، وحفنة من القادة الذين كانوا يعتقدون أن التبعية لأمريكا هي ثمن بسيط للبقاء، فإذا بها ثمن الاضمحلال.
المشهد الأخير من هذه الدراما لم يُكتب بعد. قد تنتهي الحرب في أوكرانيا بصفقة تُرضي الجميع، وقد تمتد لسنوات قادمة. قد تعود روسيا إلى التعامل مع أوروبا إذا تغيرت الظروف، وقد تنسى القارة العجوز إلى الأبد. لكن المؤكد أن أوروبا التي ستخرج من هذه الأزمة لن تكون هي أوروبا التي دخلتها. القارة التي علمت العالم معنى السيادة والاستقلال، تتعلم اليوم الدرس الأصعب: أنه لا سيادة لمن يعيش على هوى غيره، ولا استقلال لمن يقطع شرايينه بنفسه، ولا كرامة لمن يرضى بالتبعية حتى لو كانت بثمن رخيص، فكيف إذا كان ثمنها الوجود كله؟
…….
المادة الساخرة :
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
رواية كوميدية من ثلاثين فصلاً (كاملة) عن أبطالنا الذين قرروا تدمير قارتهم بأيديهم (وبتمويل من دافعي الضرائب)
…….
الفصل الأول:
في مديح العبودية الطوعية، أو كيف أصبحت أوروبا كلباً مدللاً يعض نفسه بنفسه
في زمن من الأزمان، وتحديداً قبل أن يخترع الإنسان الديمقراطية ويظن أنها تعني أن ينتخب من سيدمره بأريحية، كانت أوروبا قارة جميلة. كانت فيها غابات سحرية، وشعوب تظن أن لها إرادة حرة، وقادة يخطبون الجماهير بحماسة عن "السيادة الأوروبية" و"الاستقلال الاستراتيجي". كانوا يتحدثون عن هذه المفاهيم كما يتحدث طفل في الرابعة عن رغبته في أن يصبح رائد فضاء: بحماسة طاغية، وبلا أي فكرة عن كيفية تحقيقها.
ثم جاءت الحكاية التي سنرويها الآن، حكاية قارة قررت أن تنتحر ببطء، على أنغام الموسيقى الكلاسيكية، وبدعم كامل من النخبة المثقفة التي كانت تشرح للناس لماذا الانتحار الجماعي هو "ثمن الحرية".
تخيلوا معي مشهداً: خمسة وعشرون دولة، تجمعها لغة واحدة تقريباً هي لغة المال، وعملة واحدة هي اليورو الذي يذوب كل يوم، وجيش واحد هو جيش الناتو الذي يقوده أمريكي لا يعرف أين تقع بروكسل على الخريطة بدقة. هذه الدول تجتمع في مباني زجاجية فخمة في بروكسل، وتناقش "مستقبل أوروبا" بينما كان المستقبل يهرب من تحت أرجلها مثل الماء من بين أصابع طفل يحاول الإمساك به.
كان الرمز الأجمل لهذا الانتحار الجماعي هو السيدة أورسولا فون دير لاين، أو "مدام فاندرلاين" كما يحلو لنا تسميتها. هذه السيدة، التي تبدو كما لو أنها خرجت لتوها من إعلان لمساحيق التجميل الألمانية الفاخرة، استطاعت في سنوات قليلة أن تحقق ما عجز عنه غزاة كثر: تحويل أوروبا إلى مستعمرة أمريكية طوعية، تدفع ضرائبها بنفسها، وتقطع شرايينها بنفسها، وتصفق لكل هذا وهي تبتسم ابتسامة الموديل على منصة عرض الأزياء.
كانت مدام فاندرلاين تخرج كل صباح لتعلن شيئاً جديداً عن "دعم أوكرانيا حتى النصر"، وعن "العقوبات التي ستحطم الاقتصاد الروسي"، وعن "الاستغناء عن الطاقة الروسية". وكانت تطلق هذه التصريحات وهي جالسة في مكتبها الفخم، المدفأ بالغاز الأمريكي الذي يكلف ثلاثة أضعاف ما كانت تدفعه أوروبا قبل عامين. وكان المواطن الأوروبي البسيط يشاهدها على شاشة التلفاز، ويدفئ نفسه بحرق قطع الأثاث الخشبية، ويصفق لأن سيدته الجميلة تتحدث بثقة عن "النصر".
يا لها من مهزلة! أوروبا تقطع الغاز الروسي الرخيص "عقاباً" لروسيا، فتشتري الغاز الأمريكي الغالي "مكافأة" لأمريكا، ثم تتفاجأ بأن روسيا تبيع غازها للصين والهند، وأن الاقتصاد الروسي لم ينهار، بينما الاقتصاد الأوروبي ينهار، وأن الحرب مستمرة، بينما المصانع الأوروبية تتوقف. إنها تشبه ذلك الرجل الذي يقرر معاقبة جاره بأن يشعل النار في بيته، فيكتشف أن بيته هو الذي يحترق، بينما الجار يصفق له بحرارة لأنه أحرق نفسه بنفسه.
كانت النخبة الأوروبية تردد طوال الوقت: "هذا ثمن الحرية". وكأن الحرية تعني أن تدفع أضعاف الثمن مقابل نفس السلعة، وأن تدمر اقتصادك لتفرح عدوك، وأن تستورد الديمقراطية من واشنطن كما تستورد الغاز، جاهزة للاستعمال، مع تعليمات باللغة الإنجليزية.
………
الفصل الثاني:
دي ويفر البلجيكي، أو كيف يكتشف رأس الحكمة أن القطار قد فات
في أحد الأيام الجميلة من ربيع 2026، وبينما كانت أوروبا تستمتع بمشاهدة انهيارها التدريجي، خرج رجل بلجيكي ذو شاربين كثيفين ليعلن ما كان يهمس به الجميع في السراديب المظلمة لبروكسل. كان الرجل يدعى بارت دي ويفر، وكان رئيس وزراء بلجيكا، وكان ينتمي إلى اليمين القومي الفلمنكي، أي أنه ليس من النوع الذي يخاف عادة من قول الحقائق المزعجة، لأنه يقضي معظم وقته وهو يقول حقائق مزعجة عن المهاجرين واللغة الفرنسية.
قال دي ويفر شيئاً صادماً: "لا يمكننا تهديد بوتين بإرسال أسلحة إلى أوكرانيا، ولا يمكننا خنقه اقتصادياً دون دعم أمريكي، لذلك لم يعد أمامنا سوى خيار واحد: عقد صفقة".
كان التصريح بمثابة زلزال في عالم السياسة الأوروبية. ليس لأنه كان صادماً في مضمونه، بل لأنه كان أول تصريح صادق يصدر عن زعيم أوروبي منذ سنوات. تخيلوا دهشة الجميع: زعيم أوروبي يقول الحقيقة! كان الأمر أشبه بأن ترى كلباً يتكلم، أو بقرة تطير، أو سياسياً أوروبياً يعترف بأن الإمبراطور عارٍ.
وأضاف دي ويفر قنبلة أخرى: "في جلسات خاصة، يخبرني القادة الأوروبيون أنني على صواب، لكن لا أحد يجرؤ على التصريح بذلك علناً".
هنا نكتشف السر الأعظم في السياسة الأوروبية: كل القادة يعرفون أنهم يسيرون في الطريق الخطأ، لكن لا أحد يجرؤ على قول ذلك، لأن قول ذلك يعني الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين طوال الوقت، وأن كل الدماء التي أريقت، وكل الأموال التي بذرت، وكل الشرايين التي قطعت، كانت عبثاً. إنها معضلة كل النخب: الاعتراف بالخطأ أصعب من الاستمرار فيه حتى النهاية.
لكن المضحك في الأمر أن دي ويفر، حين قال هذا الكلام، كان كمن يصفق في جنازة، أو كمن يكتشف أن القطار قد فات فيشتري تذكرة للقطار التالي، ثم يكتشف أن القطار التالي هو آخر قطار قبل تقاعد السكك الحديدية إلى الأبد. لأنه بينما كان يتحدث عن "عقد صفقة"، كانت روسيا قد قطعت شوطاً بعيداً في رحلتها نحو الشرق، وكانت خطوط الأنابيب الجديدة تتجه نحو الصين، وكانت العقود الجديدة توقع مع الهند، وكانت الذاكرة الروسية الجماعية تخزن صوراً لا تنسى عن الأوروبيين وهم يقطعون علاقاتهم مع موسكو بحماسة العشيق المخدوع.
دي ويفر، بكل أسف، كان كمن يغلق باب الإسطبل بعد أن هربت جميع الخيول، بل بعد أن هربت الخيول وأنجبت خيولاً جديدة في الحقول المجاورة، وفتحت مزرعة خاصة بها، ونسيت أنها كانت تعيش في هذا الإسطبل أصلاً.
……..
الفصل الثالث:
أولاف شولتس، أو كيف يكون الرجل صامتاً مطبقاً بينما ينهار العالم من حوله
في زاوية أخرى من المسرح الأوروبي، كان هناك رجل ألماني طويل القامة، صامت الملامح، يذكرنا بموظف البنك الذي يقضي أربعين سنة خلف شباك زجاجي دون أن يبتسم أو يعبس. كان اسمه أولاف شولتس، وكان مستشار ألمانيا، وهي الوظيفة التي شغلها قبله أناس عظماء مثل هلموت كول وغيرهارد شرودر وأنغيلا ميركل. لكن أولاف كان مختلفاً. كان أولاف نسخة معدلة من القادة الألمان: بلا كاريزما، بلا رؤية، بلا أي شيء سوى قدرة خارقة على التحدث لساعات دون أن يقول شيئاً يذكر.
كان أولاف يجيد ثلاث لغات بطلاقة: الألمانية، والإنجليزية، ولغة الصمت. وكان الصمت هو أكثر لغاته إتقاناً. فحين سأله الصحفيون عن سبب انهيار الاقتصاد الألماني، صمت. وحين سألوه عن سبب ارتفاع أسعار الطاقة، صمت. وحين سألوه عن مستقبل العلاقات مع روسيا، صمت. وحين سألوه عن الطقس، تحدث قليلاً ثم عاد إلى الصمت.
في عهد أولاف، تحولت ألمانيا من "قلب أوروبا النابض" إلى "كبد أوروبا المتعب". المصانع أغلقت، والاقتصاد انكمش، والمواطنون بدأوا يتذكرون أيام ميركل بحنين يشبه حنين الجد لطفولته. كانت ميركل، بكل عيوبها، على الأقل تدير الأزمة. أما أولاف فكان يدير الأزمة كما يدير النعامة رأسه في الرمال: بإيمان عميق بأن الاختفاء هو الحل الأمثل.
وكان أولاف يتحدث عن "دعم أوكرانيا" بنفس النبرة التي يتحدث بها طالب عن واجباته المدرسية: من دون حماسة، من دون قناعة، لكن لأن المعلم يطلب ذلك. وكان يرسل الأسلحة إلى كييف كما يرسل الرجل الذي لا يريد أن يطلق زوجته هدايا في عيد الحب: لأنه مضطر، وليس لأنه مقتنع.
لكن المفارقة الكبرى أن أولاف، الذي كان يبدو كمن لا يعرف شيئاً عن السياسة الدولية، كان يعرف جيداً أن ألمانيا تخوض حرباً اقتصادية لا يمكنها أن تربحها. كان يعرف أن الغاز الروسي الرخيص هو شريان الحياة للصناعة الألمانية. كان يعرف أن العقوبات ترتد على المصالح الألمانية. لكنه لم يكن يعرف كيف يقول ذلك بصوت عالٍ. كان مثل ذلك الرجل الذي يرى أن منزله يحترق لكنه لا يصرخ خوفاً من أن يزعج الجيران.
وفي لحظة نادرة من الصراحة، اعترف أولاف بأن روسيا "لم تكن منتصرة" في هذه الحرب، رغم أن كل المؤشرات كانت تقول العكس. كان اعترافاً غريباً، أشبه بأن يقول رجل واقف في حفرة عميقة: "أنا لست في حفرة، أنا فقط أحفر أساسات لمنزل جديد".
……..
الفصل الرابع:
فريدريش ميرز، أو كيف يكون الرجل أسوأ من سابقه دون أن يفعل شيئاً
بعد أن سئم الألمان من صمت أولاف، انتخبوا رجلاً آخر ظنوا أنه سيكون مختلفاً. كان اسمه فريدريش ميرز، وكان من النوع الذي يظن أن الصراخ يعني القوة، وأن التهديد يعني الفعالية. كان ميرز يشبه أولاف في كل شيء ما عدا الصوت: أولاف صامت، وميرز صاخب. لكن الصخب كان فارغاً مثل الصمت، بل أكثر.
كان ميرز يتحدث عن روسيا وكأنها جار مزعج في الحي، يمكن ترويعه ببعض الكلمات القاسية. كان يقول: "يجب أن ندرك أن الطريقة التي ننهي بها هذه الحرب سيكون لها تأثير دائم على حياتنا". وكان يظن أن هذه الجملة تحمل في طياتها حكمة كونية، بينما هي لا تحمل سوى فراغ يشبه فراغ بالون منفوخ بشدة.
وكان ميرز يصر على أن روسيا "لم تكن منتصرة" في هذه الحرب، رغم أن روسيا كانت تحقق تقدماً على الأرض، وكانت تسيطر على مناطق واسعة من أوكرانيا، وكانت تبيع غازها للصين والهند بأسعار جيدة، بينما كانت أوروبا تنهار. كان إنكاره هذا يشبه إنكار رجل واقف تحت المطر الغزير أن السماء تمطر، لأنه قرأ في التوقعات الجوية أن اليوم سيكون مشمساً.
لكن المضحك في ميرز أنه كان يتبنى نفس السياسات التي اتبعها أولاف، لكن مع مزيد من الحماسة والصراخ. كان يرسل أسلحة إلى أوكرانيا، لكنه يصرخ أثناء الإرسال. كان يفرض عقوبات على روسيا، لكنه يصرخ أثناء الفرض. كان يدمر الاقتصاد الألماني، لكنه يصرخ أثناء التدمير. وكان يظن أن الصراخ يحول الفشل إلى نجاح، والانتحار إلى بطولة.
وفي أحد الأيام، قال ميرز جملة لا تنسى: "ألمانيا يجب أن تكون قائدة لأوروبا". وكان كمن يقول: "الرجل الغارق يجب أن يكون قائداً لفريق السباحة". ألمانيا، التي كانت بالأمس محرك الاقتصاد الأوروبي، أصبحت اليوم عبئاً على الجميع. لكنها ما زالت تريد القيادة. يا للغرور!
……..
الفصل الخامس:
إيمانويل ماكرون، أو كيف يكون الرجل نابليون العصر دون أن يكون له جيش
عبر الحدود، في فرنسا، كان هناك رجل آخر يحلم بأمجاد الماضي. كان اسمه إيمانويل ماكرون، وكان يظن نفسه نابليون بونابرت، لكن من دون جيش، ومن دون انتصارات، ومن دون أي شيء سوى ابتسامة واسعة وبدلة أنيقة. كان ماكرون يتحدث عن "الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا" وكأنه يقرأ قصيدة شعر من وحي الخيال العلمي.
وكان ماكرون، في خطاباته، يصور نفسه كزعيم لأوروبا الموحدة، القادرة على مواجهة التحديات الكبرى، والوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية، ومد الجسور مع روسيا، وقيادة العالم نحو مستقبل أفضل. وكان الفرنسيون يسمعونه ويصدقونه أحياناً، ثم يعودون إلى بيوتهم ليدفئوا أنفسهم بملابس الصوف الثقيلة لأن الغاز غالٍ جداً.
المفارقة أن ماكرون كان أكثر القادة الأوروبيين تناقضاً. فمن جهة، كان يتحدث عن ضرورة الحوار مع روسيا، وكان يدعو إلى عدم إذلال موسكو. ومن جهة أخرى، كان يرسل الأسلحة إلى أوكرانيا، وكان يفرض العقوبات، وكان يطرد الدبلوماسيين الروس. وكان يظن أنه يستطيع الجمع بين المتناقضات، كما لو أنه يحاول أن يجلس على كرسيين في وقت واحد، ثم يتفاجأ بأنه يقع على الأرض.
وكان ماكرون يحب الظهور على شاشات التلفاز، ويتحدث عن "الانتصار الأوروبي" وعن "النموذج الفرنسي" وعن "القيادة العالمية". وكان حديثه يذكرنا بذلك الرجل الذي يتحدث عن خططه للسفر حول العالم، بينما هو عالق في المطار لأن جواز سفره منتهي الصلاحية.
وفي لحظة من لحظات الصدق النادرة، اعترف ماكرون بأن أوروبا "لا تستطيع الدفاع عن نفسها بدون أمريكا". وكان اعترافاً مدوياً، كأن يعترف طباخ مشهور بأنه لا يعرف كيف يسلق بيضة. ثم عاد ماكرون ليتحدث عن "الاستقلال الاستراتيجي". يبدو أن الذاكرة الانتقائية هي سمة القادة الأوروبيين جميعاً.
……
الفصل السادس:
جورجيا ميلوني، أو كيف تكون فاشية جديدة بثياب قديمة
في إيطاليا، كانت هناك سيدة تدعى جورجيا ميلوني، وكانت تقدم نفسها كـ"البديل" عن النخبة الليبرالية الفاسدة. كانت جورجيا تنتمي إلى تيار له جذور في الفاشية الإيطالية القديمة، لكنها قدمت نفسها بنسخة محدثة: فاشية خفيفة، فاشية ديتوكس، فاشية صديقة للبيئة وللناتو وللاتحاد الأوروبي أيضاً. كانت فاشية لا تختلف عن الليبرالية الجديدة إلا في شعاراتها العنصرية وشكل تسريحة شعرها.
وكانت جورجيا تنتقد "النخبة العالمية" وتتحدث عن "إيطاليا أولاً" وعن "حماية الهوية الإيطالية". وكانت شعاراتها تشبه شعارات ترامب، لكن بصوت نسائي أعلى، ولهجة إيطالية أكثر دراماتيكية. وكان الإيطاليون، الذين سئموا من السياسيين التقليديين، يصوتون لها بكثافة، ظناً منهم أنها ستغير شيئاً.
لكن جورجيا، حين وصلت إلى السلطة، اكتشفت أن "إيطاليا أولاً" شعار جميل، لكن تطبيقه صعب. فإيطاليا تحتاج إلى أموال الاتحاد الأوروبي لإعادة الإعمار، وإلى حماية الناتو لمواجهة التهديدات، وإلى الأسواق الأوروبية لتصدير منتجاتها. واكتشفت جورجيا أن "السيادة الوطنية" مفهوم جميل، لكنه لا يدفع الفواتير، ولا يشتري الغاز، ولا يسدد الديون.
ففعلت جورجيا ما يفعله كل اليمين المتطرف حين يصل إلى الحكم: نسيت شعاراتها، وتوافقت مع النخبة، وأصبحت نسخة طبق الأصل ممن كانت تنتقدهم. كانت كمن يتظاهر بأنه ثائر، ثم يكتشف أن الثورة مربحة فقط عندما تكون في المعارضة، أما في الحكم فالمصلحة تقتضي التوافق مع من يملكون المال والسلطة.
وكانت جورجيا تدعم أوكرانيا بحماسة تضاهي حماسة أي ليبرالي أوروبي. كانت ترسل الأسلحة، وتستقبل اللاجئين، وتفرض العقوبات، وتنتقد روسيا. وكان الناخبون الإيطاليون يتساءلون: "أين ذهبت شعارات إيطاليا أولاً؟ لماذا أموالنا تذهب إلى كييف بدلاً من الذهاب إلى نابولي؟". لكن جورجيا لم تكن تسمع، أو كانت تتظاهر بعدم السماع، لأن أذنيها كانتا مليئتين بثرثرة الناتو عن "التهديد الروسي" و"الدفاع عن الديمقراطية".
المضحك المبكي في قصة جورجيا أنها كانت تعتقد أن كونها من اليمين المتطرف سيجعلها مختلفة عن الآخرين. لكنها اكتشفت، كما اكتشف من قبلها، أن اليمين المتطرف واليمين المعتدل واليسار المعتدل كلهم في النهاية يخدمون نفس المصالح: مصالح رأس المال الكبير، مصالح الإمبراطورية الأمريكية، مصالح النخبة التي لا تعرف الحدود ولا الجنسيات ولا الأوطان. الفرق الوحيد هو أن اليمين المتطرف يقدم خدماته بشعارات عنصرية صارخة، بينما يقدمها الآخرون بشعارات إنسانية مزيفة. في النهاية، الخدمة واحدة، والزبون واحد، والنتيجة واحدة: خراب الشعوب وثراء النخبة.
…….
الفصل السابع:
المفوضية الأوروبية، أو كيف تدير 27 دجاجة حظيرة واحدة دون اتفاق
في بروكسل، كانت المفوضية الأوروبية تعمل بجد لتدبير شؤون القارة. كانت المفوضية تتكون من 27 مفوضاً، يمثلون 27 دولة، لكل منها مصالحه الخاصة، ولكل منها حساسياته، ولكل منها فكرة مختلفة عن معنى "أوروبا الموحدة". وكانت هذه المجموعة تجتمع في قاعات فخمة، وتناقش القضايا الكبرى، وتصدر القوانين والتوجيهات، وتتصور أنها تدير قارة بحكمة واقتدار.
وكانت المفوضية، تحت قيادة مدام فاندرلاين، تشبه سفينة ضخمة بلا قبطان، أو بسبعة وعشرين قبطاناً يتشاجرون على اتجاه الإبحار. كل دولة تريد شيئاً مختلفاً: ألمانيا تريد تصدير سياراتها، فرنسا تريد حماية مزارعيها، إيطاليا تريد أموالاً أكثر، بولندا تريد حماية حدودها، اليونان تريد حل أزمتها المالية. وكانت المفوضية تحاول التوفيق بين هذه المصالح المتناقضة، فكانت النتيجة قوانين غامضة لا ترضي أحداً، وتوجيهات فضفاضة يمكن تفسيرها بألف طريقة.
وكانت المفوضية متخصصة في صنع القوانين التي تبدو في الظاهر عظيمة، لكنها في الواقع فارغة. على سبيل المثال، حين اندلعت أزمة الطاقة، أصدرت المفوضية "خطة عمل طارئة" من مائتي صفحة، تشرح بالتفصيل كيف يمكن للأوروبيين توفير الطاقة بإطفاء الأنوار غير الضرورية، وتقليل درجة التدفئة درجة واحدة، واستخدام المصابيح الموفرة. وكانت الخطة تشبه نصيحة طبيب لرجل مصاب بسرطان الرئة بأن يقلل من التدخين.
وكانت المفوضية تحب الاجتماعات. كانت تعقد اجتماعات لا تنتهي حول كل قضية صغيرة وكبيرة. اجتماعات حول العقوبات على روسيا، اجتماعات حول دعم أوكرانيا، اجتماعات حول أمن الطاقة، اجتماعات حول مستقبل أوروبا. وكانت الاجتماعات تنتج وثائق وتقارير وتوصيات، وكانت هذه الوثائق تنتج اجتماعات جديدة لمناقشتها. وكانت هذه الدورة لا تنتهي، بينما كانت أوروبا تحترق، وكان المواطنون يتجمدون، وكانت المصانع تغلق.
وكان أكثر ما يميز المفوضية هو لغتها. لغة بيروقراطية معقدة، مليئة بالمصطلحات الغامضة، والجمل الطويلة، والتعابير المراوغة. لغة تجعل من المستحيل معرفة ما الذي تقوله بالضبط. حين تريد المفوضية أن تقول "لا" تقول: "نحن ندرس الإمكانيات المتاحة في إطار القوانين الحالية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية". وحين تريد أن تقول "نعم" تقول نفس الجملة تقريباً. وحين تريد ألا تقول شيئاً، وهو ما تفعله غالباً، تقول جملة لا تعني شيئاً ولا تنفي شيئاً.
وكانت المفوضية تعيش في فقاعة منعزلة عن الواقع. كان المفوضون يتنقلون في سيارات فارهة، ويقيمون في فنادق خمس نجوم، ويتناولون أشهى الأطباق في مطاعم بروكسل الفاخرة. وكانوا يناقشون "معاناة المواطنين" وهم جالسون في مكاتب مكيفة، محاطون بموظفين يلبسون بدلات أنيقة. وكانوا يقررون زيادة الضرائب على الوقود، وهم لا يعرفون كم يكلف ملء خزان سيارة عادية. وكانوا يفرضون عقوبات على روسيا، وهم لا يعرفون كم تدفع أسرة متوسطة لقاء فاتورة التدفئة.
هذه الفجوة بين النخبة والمواطنين كانت تتسع كل يوم. المواطنون يعانون، والنخبة تتحدث. المواطنون يحتجون، والنخبة تعقد اجتماعات طارئة. المواطنون ينتخبون اليمين المتطرف، والنخبة تتهمهم بالجهل والعنصرية. والنخبة لا تدرك أن المواطنين لم يختاروا اليمين المتطرف حباً به، بل يأساً من النخبة. إنهم يختارون أي بديل، أي كان، حتى لو كان هذا البديل فاشياً أو عنصرياً، لأنه على الأقل يقول الحقيقة بوقاحة، بدلاً من أن يكذب بلباقة.
…….
الفصل الثامن:
نورد ستريم، أو حين فجر الحليف شريان الحياة ولم يجرؤ أحد على السؤال
في ليلة من ليالي سبتمبر 2022، وتحت مياه بحر البلطيق، حدث أمر غريب. خط أنابيب نورد ستريم، الذي ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا، انفجر. لم يكن انفجاراً عادياً، بل كان انفجاراً متقناً، في مكان عميق، في وقت محدد، وكأنه عملية عسكرية مدروسة.
الجميع تساءل: من فعلها؟ روسيا؟ أمريكا؟ أوكرانيا؟ مجموعة من الدلافين الثورية؟ لكن التساؤلات لم تدم طويلاً، لأن التحقيقات توقفت فجأة، والأصوات المطالبة بالكشف عن الحقيقة خفتت، والجميع قرر أن ينسى الأمر وكأنه لم يحدث. كان المشهد أشبه بجريمة قتل في عائلة غنية، حيث يقرر الجميع التغاضي عن الجاني لأن كشف الحقيقة سيهدد الميراث.
لكن الحقيقة كانت معروفة للجميع في الخفاء: أمريكا هي من فجرت الأنابيب. لماذا؟ لأن نورد ستريم كان يهدد هيمنة الغاز الأمريكي على السوق الأوروبية. الغاز الروسي الرخيص كان سيغرق أوروبا، ولن يشتري أحد الغاز الأمريكي الغالي. فقررت واشنطن أن تحل المشكلة بطريقتها الخاصة: بتفجير الأنابيب.
والأوروبيون؟ ماذا فعلوا؟ لا شيء. لم يحتجوا، لم يحققوا، لم يطلبوا تعويضات. بل على العكس، استمروا في شراء الغاز الأمريكي بأسعار مضاعفة، وشكروا أمريكا على "حمايتهم" من التهديد الروسي. كان المشهد أشبه بضحية اعتداء تشكر المعتدي لأنه ضربها بعصا غليظة بدلاً من أن يضربها بسكين حاد.
ومنذ ذلك التفجير، دخلت أوروبا في دوامة طاقة لا مثيل لها. الغاز الأمريكي المسال، الذي يأتي عبر المحيط في ناقلات ضخمة، يكلف أضعاف ما كان يكلفه الغاز الروسي عبر الأنابيب. الفرق في السعر يذهب إلى الشركات الأمريكية، التي تحقق أرباحاً خيالية، بينما تدفع الأسر الأوروبية فواتير لا تطاق، وتغلق المصانع أبوابها، ويهاجر المستثمرون إلى حيث الطاقة أرخص، أي إلى أمريكا نفسها.
إنها صفقة القرن: أمريكا تفجر بنيتها التحتية، وأوروبا تدفع الثمن، وأمريكا تبيعها الغاز البديل، وأوروبا تدفع الثمن مرة أخرى، وأمريكا تستثمر الأرباح في تطوير صناعتها، وأوروبا تدفع الثمن مرة ثالثة. ثلاث مرات تدفع أوروبا ثمن عملية تفجير واحدة. يا له من اقتصاد مبدع!
وكان القادة الأوروبيون، في كل مرة يسألون عن نورد ستريم، يغيرون الموضوع بسرعة، كما يغير الرجل الذي خانته زوجته الموضوع حين يسأله أصدقاؤه عن زوجته. "ماذا حدث لنورد ستريم؟" يسأل الصحفي. فيجيب القائد: "يجب علينا دعم أوكرانيا حتى النصر. روسيا يجب أن تخسر هذه الحرب. الديمقراطية في خطر". وكأن الأسئلة عن نورد ستريم لا علاقة لها بالغاز، ولا بالطاقة، ولا بفواتير المواطنين، بل هي مجرد تفاصيل ثانوية في صراع الخير والشر العالمي.
…….
الفصل التاسع:
العقوبات على روسيا، أو رصاص أوروبي في أرجل أوروبية
بعد تفجير نورد ستريم، جاءت العقوبات على روسيا لتكمل المسرحية الهزلية. أوروبا، بإيعاز أمريكي، قررت أن تعاقب روسيا بقطع العلاقات الاقتصادية معها. الفكرة كانت: إذا حرمنا روسيا من عائدات النفط والغاز، فسينهار اقتصادها، وسيضطر بوتين إلى الانسحاب من أوكرانيا.
لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. روسيا، التي توقعت هذا السيناريو منذ سنوات، كانت قد أعدت العدة. خطوط أنابيب جديدة إلى الصين، عقود طويلة الأجل مع الهند، أسواق جديدة في آسيا الوسطى وإفريقيا. وبينما كانت أوروبا تفرض العقوبات، كانت روسيا توقع صفقات جديدة مع زبائن جدد.
النتيجة: روسيا تبيع غازها اليوم، ربما بخصم بسيط عن السعر العالمي، لكنها تبيعه. بينما أوروبا تشتري الغاز نفسه، لكن عبر وسطاء، وبأسعار أعلى بكثير. إنه مثل أن تقرر مقاطعة بائع الخضار في السوق، فتشتري خضاره من بائع آخر في السوق المجاورة بسعر مضاعف، ثم تتفاجأ بأن البائع الأول ما زال يبيع خضاره لزبائن آخرين، بل ويضحك على غبائك.
الأكثر طرافة أن بعض الدول الأوروبية استمرت في شراء الغاز الروسي، لكن عبر وساطات معقدة. غاز روسي يذهب إلى تركيا، يتحول إلى "غاز تركي"، يباع لأوروبا. غاز روسي يذهب إلى الهند، يتحول إلى "غاز هندي"، يباع لأوروبا. غاز روسي يذهب إلى الصين، يتحول إلى "غاز صيني"، يباع لأوروبا. إنه غاز روسي في كل الأحوال، لكن الأوروبيين يدفعون ضعف الثمن لأنه "غير روسي" حسب الفواتير المزورة.
وكان القادة الأوروبيون يتحدثون عن "فعالية العقوبات" و"تأثيرها المدمر على الاقتصاد الروسي". وكانوا ينشرون أرقاماً وإحصائيات تثبت أن الاقتصاد الروسي ينهار. وكانت هذه الأرقام تذكرنا بأرقام الأنظمة الشمولية التي تعلن كل عام أن المحصول الزراعي هو الأفضل في التاريخ، بينما الشعب يتضور جوعاً.
والحقيقة أن الاقتصاد الروسي، رغم الصعوبات، صمد. بل إنه نما في بعض القطاعات. الصناعات العسكرية ازدهرت، والزراعة تطورت، والعلاقات مع آسيا تعمقت. بينما الاقتصاد الأوروبي، الذي كان يفترض أن ينتصر في هذه الحرب الاقتصادية، أخذ في الانكماش. ألمانيا، قلب أوروبا الصناعي، دخلت في ركود. فرنسا تواجه عجزاً في الميزانية. إيطاليا ديونها تتفاقم. إسبانيا بطالتها ترتفع.
لكن الأوروبيين استمروا في العقوبات. وكأنهم يقولون: "سأستمر في ضرب رأسي بالحائط حتى ينهار الحائط، حتى لو كان رأسي هو الذي ينهار أولاً". يا لها من عزيمة! يا له من إصرار! يا لها من بطولة في تدمير الذات!
…….
الفصل العاشر:
إيران تضرب، وأوروبا ترتجف
بينما كانت أوروبا منشغلة بتدمير نفسها على الجبهة الأوكرانية، كانت جبهة أخرى تشتعل في غرب آسيا. في 28 شباط 2026، شن التحالف الأمريكي الإسرائيلي عدواناً على إيران. كانت العملية تهدف إلى ضرب البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية. وكان الجميع يتوقع حرباً خاطفة، كما اعتادت أمريكا أن تفعل في المنطقة.
لكن إيران كانت قد أعدت العدة أيضاً. ولم ترد إيران بالطريقة التقليدية، بل ابتكرت طريقة جديدة في الرد: ضرب مصالح العدو في كل مكان، وبأقل التكاليف، وبأكبر تأثير.
بدأت إيران بضرب القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج بصواريخ باليستية دقيقة. القاعدة الأمريكية في قطر، التي تضم آلاف الجنود، تعرضت لضربة موجعة. القاعدة في البحرين، مقر الأسطول الخامس، أصيبت بصواريخ لا يمكن اعتراضها بسهولة. القاعدة في الكويت، ومقر القيادة في الإمارات، كلها تعرضت لضربات متتالية.
لكن الضربة الأكثر إيلاماً كانت لتلك القواعد التي كلفت تريليونات الدولارات وبنيت على مدى خمسة عقود. القواعد التي كانت تمثل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، والرموز التي لا تقهر، تحولت إلى أهداف ثابتة يمكن تدميرها في دقائق. أمريكا أنفقت عقوداً لبناء هذه القواعد، وإيران أنفقت دقائق لتدميرها، أو على الأقل لإثبات أنها قابلة للتدمير.
ثم ضربت إيران مركز الثقل الاقتصادي الأمريكي: مقر سيتي بنك. لم تكن ضربة عسكرية تقليدية، بل كانت ضربة إلكترونية وعسكرية مشتركة، أربكت النظام المالي الأمريكي وأظهرت أن أمريكا نفسها لم تعد آمنة. الانهيار الذي أصاب أسهم البنك كان كافياً لإيصال الرسالة: إذا أردنا ضرب اقتصادكم، يمكننا فعل ذلك.
ثم ضربت إيران السفارات الأمريكية والمطارات والموانئ التي تستخدمها القوات الأمريكية في المنطقة. السفارة الأمريكية في بغداد، التي كانت محصنة بأحدث أنظمة الحماية، تعرضت لهجوم صاروخي. المطار العسكري في أربيل، الذي تستخدمه القوات الخاصة الأمريكية، دمر جزئياً. ميناء الفجيرة في الإمارات، الذي ترسو فيه السفن الحربية الأمريكية، تعرض لهجوم بالمسيرات.
وكل هذه الضربات تمت بأسلحة إيرانية رخيصة الثمن. صواريخ لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات الآلاف من الدولارات تدمر منشآت كلفت بناؤها مليارات. مسيرات لا يتجاوز ثمنها ثلاثين ألف دولار تعطل حاملات طائرات كلفت بناؤها عشرة مليارات. إنها معادلة اقتصادية مذهلة: الطرف الأضعف مالياً ينتصر على الطرف الأقوى، لأنه يستخدم أسلحة ذكية رخيصة ضد أهداف غبية باهظة الثمن.
أوروبا، في هذه الأثناء، كانت ترتجف. ليس لأنها تخشى على مصير أمريكا، بل لأنها تخشى على مصيرها هي. فالحرب في غرب آسيا تعني شيئاً واحداً لأوروبا: ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة. مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية، أصبح مهدداً بالإغلاق. وإذا أغلق المضيق، فلن تجد أوروبا مكاناً تشتري منه الطاقة، لأنها قطعت علاقاتها مع روسيا، ولم يبق لها سوى الخليج.
المفارقة الساخرة أن أوروبا التي قطعت شرايينها مع روسيا "عقاباً" لموسكو، أصبحت الآن رهينة لإيران. إذا أغلقت إيران المضيق، تتجمد أوروبا. إذا ضربت إيران منشآت النفط في الخليج، تجوع أوروبا. إذا قررت إيران معاقبة أمريكا، تدفع أوروبا الثمن. إنها التبعية بعينها: تبعية جديدة محل تبعية قديمة، لكن هذه المرة مع عدو لا يمكن التفاوض معه بسهولة.
…..
الفصل الحادي عشر:
بلجيكا نموذجاً، أو كيف تكون ضحية صغيرة في مسرحية كبرى
في قلب هذه المهزلة الكبرى، تقف بلجيكا الصغيرة نموذجاً مصغراً للمأساة الأوروبية. بلجيكا، التي كانت يوماً مقراً للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ورمزاً للتوفيق بين القوى العظمى، أصبحت اليوم مثالاً للتبعية العمياء التي تنتهي بالانتحار الاقتصادي.
قصة بلجيكا تبدأ مع تشكيل حكومة ائتلاف "أريزونا" قبل عام. هذا الائتلاف الغريب، الذي يجمع أحزاباً من اليمين واليسار، وعد بالإصلاح الاقتصادي وتقليص العجز في الميزانية. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.
فبينما قطعت الحكومة الدعم عن الضمان الاجتماعي، ورفعت سن التقاعد، وخفضت رواتب الموظفين العموميين، كانت تفتح أبواب الخزينة على مصراعيها لشراء الأسلحة الأمريكية. وزير الدفاع تيو فرانكن، المنتمي لحزب رئيس الوزراء نفسه، كان الأكثر حماسة في هذه الصفقات. تحت شعار "تحديث الجيش" و"الوفاء بالتزامات الناتو"، أبرم عقوداً بمليارات اليورو لشراء طائرات F-35 الأمريكية، وأنظمة باتريوت للدفاع الجوي، وصواريخ هاربون المضادة للسفن.
كل هذا يحدث بينما تعاني المستشفيات البلجيكية من نقص في التمويل، والمدارس تفتقر إلى أبسط الإمكانيات، والمواطن العادي يئن تحت وطأة الضرائب وغلاء المعيشة. المستشفيات تغلق أبوابها أو تقلص خدماتها، بينما الطائرات الحربية الفاخرة تملأ سماء بلجيكا. المدارس تفتقر إلى معلمين، بينما أنظمة الدفاع الجوي تحمي بلجيكا من عدو غير موجود. إنها أولويات غريبة: الأمن أولاً، حتى لو كان على حساب الصحة والتعليم والمعيشة.
لكن السخرية الأكبر أن هذه الأسلحة الأمريكية الفائقة الثمن أثبتت، في حروب غرب آسيا الأخيرة، أنها لا تساوي شيئاً أمام المسيرات الإيرانية الرخيصة. طائرات F-35، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها أكثر من مائة مليون دولار، يمكن إسقاطها بصاروخ أرض-جو لا يتجاوز ثمنه بضع عشرات الآلاف. أنظمة باتريوت، التي تباع بعشرات الملايين، تفشل في اعتراض مسيرات "شاهد" التي لا يتجاوز ثمنها ثلاثين ألف دولار.
إنها صفقة القرن لصالح الصناعات العسكرية الأمريكية: تبيع الخردة بأغلى الأثمان، ثم تبيع الذخيرة لتعويض ما دمر، ثم تبيع أسلحة جديدة لتحل محل المدمر. دائرة إنتاج لا تنتهي، وأوروبا تدفع الفاتورة في كل مرة.
وما يزيد الطين بلة أن بلجيكا تدعم أوكرانيا بأموال طائلة. في السنة الماضية فقط، وتحديداً منذ تشكيل حكومة "أريزونا"، تضاعف الدعم البلجيكي لأوكرانيا مقارنة بكل السنوات السابقة. بلجيكا ترسل أسلحة ومالاً ومعدات إلى كييف، بينما مواطنوها يدفعون فواتير طاقة خيالية ويعانون من تراجع الخدمات العامة.
والمواطن البلجيكي البسيط يتساءل: لماذا أموالي تذهب إلى أوكرانيا بدلاً من أن تذهب إلى مستشفياتنا ومدارسنا؟ لماذا نشتري أسلحة أمريكية باهظة الثمن بدلاً من أن نخفض الضرائب؟ لماذا ندعم حرباً لا تنتهي بينما اقتصادنا ينهار؟
لكن لا أحد يجيب على هذه الأسئلة. لأن الإجابة ستكون محرجة: النخبة البلجيكية تخدم مصالح أمريكية، وتدفع ثمن هذه الخدمة من جيوب المواطنين، وتأمل ألا ينتبه أحد. لكن المواطنين بدأوا ينتبهون. واستطلاعات الرأي تظهر تراجعاً حاداً في شعبية الأحزاب الحاكمة، وصعوداً لليمين المتطرف الذي يعد بوقف الدعم لأوكرانيا وإعادة العلاقات مع روسيا.
وهنا تكمن المفارقة: اليمين المتطرف، الذي كان النخبة تحتقرهم وتتهمهم بالعنصرية والجهل، أصبح الخيار الوحيد للكثيرين ممن سئموا سياسات النخبة الانتحارية. ليس لأنهم يحبون اليمين المتطرف، بل لأنهم يكرهون النخبة أكثر. إنه اختيار اليائس: أي بديل، حتى لو كان سيئاً، أفضل من استمرار هذا الكابوس.
…..
الفصل الثاني عشر:
دعم أوكرانيا، أو كيف تكون سخياً بأموال غيرك
في سياق بلجيكا الداخلي، هناك قصة أخرى لا تقل طرافة عن بقية القصص. إنها قصة دعم أوكرانيا. فمنذ بداية الحرب، تنافست الدول الأوروبية في إظهار سخائها تجاه أوكرانيا. كل دولة تريد أن تكون الأكثر دعماً، والأكثر تضحية، والأكثر ولاءً للقيم الأوروبية والأطلسية.
بلجيكا، رغم صغر حجمها، لم تكن استثناء. بل على العكس، كانت في طليعة الدول المانحة. أرسلت أسلحة، وفتحت حدودها للاجئين، وفرضت عقوبات على روسيا، وقدمت مساعدات مالية ضخمة. كل هذا باسم "الدفاع عن الديمقراطية" و"الوقوف مع الشعب الأوكراني".
لكن السؤال الذي لم يطرحه أحد: من يدفع ثمن كل هذا السخاء؟ الجواب: دافع الضرائب البلجيكي البسيط. هو من يدفع ثمن الأسلحة التي ترسل إلى أوكرانيا، وهو من يدفع ثمن استقبال اللاجئين، وهو من يدفع ثمن العقوبات بارتفاع الأسعار، وهو من يدفع ثمن كل شيء.
والمواطن البلجيكي البسيط، الذي يعاني أصلاً من غلاء المعيشة وتراجع الخدمات، يجد نفسه مضطراً لتمويل حرب لا تنتهي في بلد لا يعرف مكانه على الخريطة بدقة. إنه مثل أن يطلب منك جارك أن تدفع إيجار بيته لأن جاره الآخر يهدده. قد تفعلها مرة أو مرتين، لكن عندما يطلب منك ذلك كل شهر، تبدأ بالتساؤل: لماذا أنا بالذات؟ ولماذا لا يدفع هو؟
والأكثر طرافة أن النخبة الأوروبية تتحدث عن "دعم أوكرانيا حتى النصر" وكأن النصر قاب قوسين أو أدنى. بينما الواقع يقول إن الحرب قد تطول سنوات، وإن النصر مفهوم نسبي، وإن الثمن الذي تدفعه أوروبا يتضاعف كل يوم. لكن النخبة لا تريد سماع هذا. هي تريد الاستمرار في إنكار الواقع، كما ينكر الرجل الذي يعلم أنه مفلس حقيقة إفلاسه.
والدول الأوروبية، في تنافسها على دعم أوكرانيا، تشبه متسابقي الماراثون الذين يتسابقون لمعرفة من يصل إلى خط النهاية أولاً، غير مدركين أن خط النهاية هو حافة الهاوية. كلما زاد الدعم، زادت التكاليف، وكلما زادت التكاليف، زادت معاناة المواطنين، وكلما زادت معاناة المواطنين، زاد غضبهم، وكلما زاد غضبهم، قلت فرص النخبة في البقاء في الحكم.
إنها معادلة بسيطة، لكن النخبة لا تفهمها، أو ترفض فهمها، لأن فهمها يعني الاعتراف بأن كل ما تفعله خطأ. والاعتراف بالخطأ صعب على من ظلوا سنوات يرددون أنهم على صواب.
…….
الفصل الثالث عشر:
الخيار الروسي، أو حين تكتشف أن من هجرتهم وجد غيرك
وفي خضم هذه المهزلة الأوروبية، هناك سؤال يلوح في الأفق: ماذا عن روسيا؟ هل ستعود إلى التعامل مع أوروبا إذا طرقت أبوابها طالبة الصفقة؟ أم أن سنوات القطيعة قد رسمت حدوداً لا يمكن تجاوزها؟
منذ بدء الحرب وفرض العقوبات، اتبعت روسيا استراتيجية واضحة: "توجه نحو الشرق". في البداية، نظر الكثيرون في الغرب إلى هذه الاستراتيجية على أنها مجرد تهديد أو محاولة يائسة للتفاوض مع الصين من موقع ضعف. لكن ما حدث على الأرض كان مختلفاً.
روسيا لم تكتف بزيادة صادراتها إلى الصين، بل بنت بنية تحتية كاملة لهذه العلاقة الجديدة. خط أنابيب "قوة سيبيريا-2" الذي سينقل الغاز الروسي إلى الصين عبر منغوليا هو مشروع استراتيجي ضخم، سيجعل الصين المستهلك الأول للغاز الروسي لعقود قادمة. عقود طويلة الأجل مع الهند، اتفاقيات تعاون مع دول آسيا الوسطى، شراكات جديدة مع دول إفريقية. كل هذا يحدث بينما أوروبا مشغولة بفرض عقوبات لا تؤثر على روسيا بقدر ما تؤثر عليها هي.
والأهم من البنية التحتية هو التحول في العقلية الروسية. النخبة الروسية، التي كانت تنظر إلى أوروبا كنموذج يحتذى وشريك طبيعي، تغيرت نظرتها تماماً بعد ما حدث. فبعد أن جمدت أوروبا الأصول الروسية، وطردت الدبلوماسيين، وقطعت كل قنوات الحوار، لم يعد هناك مجال للثقة.
حتى لو انتهت الحرب غداً، وعادت العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها، فإن الذاكرة الجماعية الروسية ستحتفظ بما فعلته أوروبا. لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن التعاون مع أوروبا يمكن أن يتحول إلى حرب اقتصادية في أي لحظة، وأن الأمن الطاقي لا يمكن أن يظل رهينة للتقلبات السياسية في بروكسل أو واشنطن.
روسيا اليوم لديها بدائل حقيقية. الصين تبتلع كميات هائلة من الطاقة، والهند تزيد وارداتها بشكل مطرد، وأسواق جديدة تفتح في باكستان وإفريقيا وآسيا الوسطى. صحيح أن هذه الأسواق تدفع أقل مما كانت تدفعه أوروبا، لكنها تدفع بانتظام، ولا تفرض شروطاً سياسية، ولا تهدد بقطع العلاقات. في عالم تسوده الحرب الباردة الجديدة، الاستقرار أهم من السعر.
وبالتالي، فإن أي عودة روسية إلى السوق الأوروبية، إذا حدثت، ستكون مختلفة جذرياً عن الماضي. ستعتمد على عقود قصيرة الأجل، بأسعار متغيرة، ودون التزامات استراتيجية طويلة المدى. روسيا قد تبيع الغاز لأوروبا، لكنها لن تضع كل بيضها في تلك السلة مرة أخرى. الذئب الجريح لا يعود إلى الفخ الذي أوقعه مرة، حتى لو وضعوا فيه الجبن الطري.
والقادة الأوروبيون، أمثال دي ويفر، الذين يتحدثون الآن عن "عقد صفقة" مع روسيا، يبدون كمن يغلق باب الإسطبل بعد أن هربت جميع الخيول. لقد فات الأوان. روسيا وجدت زبائن جدد، وأوروبا وجدت موردين جدد (أغلى ثمناً)، والعلاقات لن تعود كما كانت أبداً. إنها نهاية حقبة، وبداية حقبة جديدة، فيها أوروبا خاسرة، وروسيا خاسرة أيضاً، لكن أوروبا تخسر أكثر لأنها خسرت شريكاً موثوقاً من دون أن تكسب أي شيء ذي قيمة.
……..
الفصل الرابع عشر:
أقصى اليمين، أو حين يكون العدو صورة طبق الأصل
في كل هذه المهزلة، هناك طرف آخر يستحق السخرية: أقصى اليمين الأوروبي. هذه الأحزاب التي تقدم نفسها كبديل عن النخبة الليبرالية، وتعد بحماية الهوية الوطنية، وإعادة السيادة للشعوب، ووقف الهجرة، وتفضيل المواطن على الأجنبي. تبدو وكأنها مختلفة، تبدو وكأنها تمثل الخيار الآخر، تبدو وكأنها الحل لمن سئموا السياسات الحالية.
لكن الحقيقة أن أقصى اليمين لا يختلف عن العصابة النيوليبرالية إلا في الشعارات. فحين يصل إلى الحكم، يفعل نفس الشيء، بل أحياناً يفعله بشكل أسوأ. القصة تتكرر مع كل حزب يميني متطرف يصل إلى السلطة: ينسى شعاراته، ويتوافق مع النخبة، ويخدم نفس المصالح التي كان ينتقدها.
لماذا؟ لأن مصالح رأس المال لا تعرف الحدود ولا الأيديولوجيات. رأس المال يريد أرباحاً، وأمناً، واستقراراً. وهو على استعداد للتعامل مع أي كان، ليبرالياً كان أم محافظاً، يسارياً أم يمينياً، معتدلاً أم متطرفاً. المهم أن يضمن استمرار تدفق الأرباح، واستمرار النظام الذي يخدم مصالحه.
واليمين المتطرف، حين يصل إلى الحكم، يكتشف أن الاقتصاد لا يدير بالشعارات، وأن العولمة لا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي، وأن الأسواق المالية تعاقب أي حكومة تحاول الخروج عن الإجماع. فيكتشف أن "إيطاليا أولاً" شعار جميل، لكن تطبيقه يعني خسارة استثمارات، وتراجع تصنيف ائتماني، وهروب رؤوس أموال. فيتراجع عن شعاراته، ويتوافق مع الواقع، ويصبح نسخة طبق الأصل ممن كان ينتقدهم.
الفرق الوحيد بين اليمين المتطرف واليمين التقليدي هو أن الأول يقدم خدماته بشعارات عنصرية صارخة، بينما يقدمها الثاني بشعارات إنسانية مزيفة. الأول يقول: "نحن نفضل مواطنينا على الأجانب". والثاني يقول: "نحن ندافع عن حقوق الإنسان والقيم الأوروبية". لكن في النهاية، كلاهما يخدم نفس المصالح، ويطبق نفس السياسات، ويؤدي إلى نفس النتائج.
جورجيا ميلوني في إيطاليا خير مثال. كانت تنتقد النخبة العالمية، وتتحدث عن حماية الهوية الإيطالية، وتعد بوقف الهجرة. فلما وصلت إلى الحكم، استمرت في سياسات سلفائها، بل وزادت عليها بدعم أوكرانيا بحماسة تفوق حماسة الليبراليين. الناخبون الإيطاليون الذين صوتوا لها ظناً منهم أنهم سيصوتون للتغيير، اكتشفوا أنهم صوتوا للاستمرار، لكن بوجه جديد.
وهكذا، يبقى الخيار الحقيقي الوحيد لأوروبا خارج هذا الإجماع المزيف. يبقى اليسار الجذري، الذي يقدم بديلاً حقيقياً عن سياسات التقشف والتبعية لأمريكا والحروب بالوكالة. يبقى اليسار الذي يدعو إلى الاستثمار في الخدمات العامة بدلاً من الأسلحة، وإلى التعاون مع الجيران بدلاً من عدائهم، وإلى سيادة حقيقية تستند إلى قوة اقتصادية واجتماعية، لا إلى تبعية عمياء لحليف لا يرحم.
اليسار الجذري في أوروبا، رغم ضعفه الحالي، يمثل الأمل الوحيد للخروج من هذه الدوامة. لأنه الوحيد الذي يجرؤ على قول إن العدو ليس روسيا ولا الصين ولا إيران، بل النظام الرأسمالي الذي يضع أرباح القلة على حساب حياة الأغلبية. لأنه الوحيد الذي يرفض سياسات التقشف التي تدمّر المجتمعات. لأنه الوحيد الذي يدعو إلى السلام بدلاً من الحرب، والتعاون بدلاً من الصراع، والعدالة الاجتماعية بدلاً من تركز الثروة.
لكن اليسار الجذري ما زال ضعيفاً، وما زالت النخبة تسيطر على وسائل الإعلام وتصوّره كخطر على الديمقراطية. وما زالت الشعوب، المخدوعة بوعود اليمين الكاذبة، تتردد في منحه الثقة. لكن الأزمات المتلاحقة، والانهيارات المتسارعة، قد تفتح الطريق أمامه أخيراً. فقد لا يكون البديل الآن، لكنه قد يصبح البديل غداً، حين يكتشف الجميع أن اليمين المتطرف واليمين المعتدل واليسار المعتدل كلهم في النهاية يخدمون نفس السيد.
…….
الفصل الخامس عشر:
الانهيار الوشيك، أو حين يصل سعر الطاقة إلى 200 دولار
في خضم هذه اللعبة السياسية المعقدة، هناك حقيقة اقتصادية صارخة لا يمكن تجاهلها: أوروبا على شفا انهيار طاقوي حقيقي. التقديرات تشير إلى أن سعر الغاز في أوروبا قد يصل إلى 200 دولار للميغاواط/ساعي في الشتاء القادم إذا استمرت الحرب في أوكرانيا وتصاعدت المواجهة مع إيران. هذا الرقم ليس مجرد رقم في جداول البورصات، بل هو إنذار بكارثة إنسانية واجتماعية وسياسية شاملة.
عندما يصل سعر الغاز إلى 150 دولاراً، تبدأ المصانع الثقيلة في الإغلاق. الصناعات الكيماوية، وصناعة الصلب، وصناعة الأسمدة، كلها قطاعات تعتمد على الغاز كمادة أولية أو كمصدر طاقة. عندما يصبح الغاز بهذا السعر، لا تعود هذه الصناعات قادرة على المنافسة عالمياً. إما أن تنتقل إلى حيث الطاقة أرخص، وإما أن تغلق أبوابها نهائياً. آلاف الوظائف تختفي، ومدن بأكملها تعتمد على صناعة واحدة تدخل في دوامة البطالة والفقر.
عندما يصل السعر إلى 200 دولار، تبدأ الأسر في الاختيار بين التدفئة والطعام. في أوروبا الشرقية، حيث الشتاء قاسٍ، والبيوت قديمة، والعزل الحراري ضعيف، تصبح فواتير التدفئة عبئاً لا يطاق. ملايين الأسر تجد نفسها أمام خيار مرير: إما أن تبقى دافئة وتتضور جوعاً، وإما أن تأكل وتتجمد. في بريطانيا، توفي آلاف المسنين العام الماضي بسبب البرد، وهم يوفرون المال لشراء الطعام. هذا السيناريو سيتكرر بمقياس أكبر بكثير.
عندما يصل السعر إلى 250 دولاراً، تبدأ الاحتجاجات الشعبية. لقد رأينا نماذج مصغرة من هذا السيناريو في فرنسا مع "السترات الصفراء"، وفي هولندا مع احتجاجات المزارعين، وفي ألمانيا مع تظاهرات ضد سياسات الطاقة الخضراء. لكن عندما يصبح البرد قاتلاً، والطعام غير متاح، والوظائف مفقودة، فإن الاحتجاجات تتحول إلى ثورات. الشارع الأوروبي، الذي تحمل الكثير في السنوات الماضية باسم "القيم الأوروبية" و"الدفاع عن الديمقراطية"، سينفجر في وجه النخب التي قادته إلى هذا الجحيم.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أي حكومة أوروبية ستنجو عندما يصل السعر إلى هذا المستوى؟ الحكومات الحالية في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، كلها تواجه تراجعاً في شعبيتها أصلاً. أي تصعيد إضافي في أزمة الطاقة يعني نهايتها المحتومة. وسيكون البديل هو أحزاب اليمين المتطرف والشعبويين، الذين يعدون بإعادة العلاقات مع روسيا، ووقف دعم أوكرانيا، والتركيز على الأولويات الوطنية.
هذا هو السيناريو الذي يقلق دي ويفر حقاً. ليس موقف أوكرانيا، ولا مصير زيلينسكي، بل مصير حكومته هو. إنه يدرك أن الدعم المفرط لأوكرانيا، الذي قاده ائتلافه خلال السنة الماضية، قد يتحول إلى لعنة تطيح بهم جميعاً. لذلك يدعو إلى "عقد صفقة" قبل فوات الأوان، قبل أن يتحول الشارع الأوروبي إلى بركان لا يمكن السيطرة عليه.
لكن دي ويفر، وغيره من القادة الأوروبيين، يدركون أيضاً أن الصفقة قد تأتي متأخرة. فروسيا، بعد كل ما حدث، قد لا تكون مستعدة للعودة إلى العلاقات السابقة. والصين، بعد كل العقود التي وقعتها، قد تكون الشريك الجديد الدائم. وأوروبا، بعد كل التضحيات التي قدمتها، قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة الشتاء البارد والفواتير المستحيلة.
---
الفصل السادس عشر: الاعتراف المؤلم، أو حين تكتشف أوروبا أن الحليف ليس صديقاً
في خضم هذه الأزمة المتعددة الأوجه، بدأ القادة الأوروبيون يدركون حقيقة مؤلمة: الولايات المتحدة ليست فقط غير مهتمة بمصالح أوروبا، بل إنها تستغل ضعف أوروبا لتحقيق مكاسبها الخاصة. دي ويفر، في تصريحاته الأخيرة، لم يتردد في الإشارة إلى أن واشنطن تبدو أحياناً "أقرب إلى بوتين منها إلى زيلينسكي". إنها ملاحظة لاذعة، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن الحرب في أوكرانيا لم تعد كما كانت.
الولايات المتحدة، تحت قيادة ترامب، لديها أولويات مختلفة تماماً عن أوروبا. الأولوية الأولى هي الصين، والمنافسة الاستراتيجية في آسيا. أوكرانيا، بالنسبة لواشنطن، مجرد جبهة ثانوية يمكن التضحية بها إذا تطلب الأمر تركيز الموارد في المحيط الهادئ. والأولوية الثانية هي إيران، وحماية إسرائيل، والهيمنة على غرب آسيا. أوروبا، في هذه المعادلة، مجرد أداة لتحقيق هذه الأهداف، يمكن استخدامها ثم التخلص منها.
ما يزيد الطين بلة أن السياسة الأمريكية تجاه روسيا تبدو متناقضة بشكل صادم. فمن جهة، تشجع واشنطن الأوروبيين على التصعيد والعقوبات وقطع العلاقات مع موسكو. ومن جهة أخرى، ترفع العقوبات عن النفط الروسي عندما تحتاج الأسواق العالمية إلى إمدادات إضافية، كما حدث مؤخراً مع إعفاء النفط الروسي من العقوبات لمدة 30 يوماً بسبب أزمة إيران. إنها سياسة "افعل ما أقول لا ما أفعل" بامتياز، حيث يتحمل الأوروبيون العبء الأكبر من العقوبات، بينما تستمر أمريكا في التجارة مع روسيا عندما يناسبها ذلك.
والانطباع السائد في العواصم الأوروبية اليوم هو أن واشنطن تستخدم الحرب الأوكرانية لتصفية حساباتها مع روسيا، على حساب المصالح الأوروبية. وأوروبا، بدلاً من أن تكون شريكاً استراتيجياً، أصبحت مجرد ساحة معركة بالوكالة، وخزانة تمويل مفتوحة، وسوق أسيرة للسلاح والغاز الأمريكي. إنها علاقة غير متكافئة بشكل صادم، لكن النخب الأوروبية لا تجرؤ على قول ذلك بصوت عالٍ، خوفاً من بطش الحليف الكبير.
والأكثر طرافة أن بعض القادة الأوروبيين ما زالوا يتحدثون عن "العلاقات الأوروبية الأمريكية الاستراتيجية" وكأنها علاقة ندية بين شريكين متساويين. بينما الواقع يقول إن أوروبا أصبحت مجرد تابع، ينفذ أوامر سيده، ويدفع ثمن أوامره، ويصفق له بعد تنفيذها. إنها العلاقة الأكثر إذلالاً في التاريخ الحديث، لكن أوروبا تلبسها ثوب الندية والكرامة.
---
الفصل السابع عشر: ما بعد الكارثة، أو أوروبا بين فكي الإمبراطوريتين
إذا كانت روسيا قد ولت وجهها نحو الشرق، والولايات المتحدة مشغولة بآسيا وغرب آسيا، فأين موقع أوروبا في النظام العالمي الجديد؟ الإجابة المختصرة: في الهامش. أوروبا، التي كانت مركز العالم لخمسة قرون، تخاطر بأن تصبح مجرد هامش بين إمبراطوريتين عظيمتين: الصين شرقاً، وأمريكا غرباً.
التحولات الكبرى في الجغرافيا السياسية لا تحدث بين عشية وضحاها، لكنها تحدث. وما نشهده اليوم هو لحظة تاريخية فاصلة. أوروبا فقدت مصدر طاقتها الرخيص من الشرق، وخسرت أسواقها هناك، وأصبحت تعتمد على أمريكا في أمنها وطاقتها وسلاحها. وفي المقابل، لم تحصل على شيء سوى وعد بمواصلة الحرب حتى آخر أوكراني، وآخر يورو في خزائنها.
السيناريو الأسوأ بالنسبة لأوروبا هو أن تنتهي الحرب في أوكرانيا باتفاق يرضي جميع الأطراف، باستثناء الأوروبيين. تتخيل أن أمريكا وروسيا قد تتفقان على تقاسم مناطق النفوذ، على حساب المصالح الأوروبية. أو أن الصين قد توسع نفوذها في أوروبا الشرقية عبر مبادرة "الحزام والطريق"، بينما تظل أوروبا الغربية أسيرة التبعية الأمريكية. في كلا الحالتين، أوروبا هي الخاسر الأكبر.
لكن السيناريو ليس قاتماً تماماً. فالأزمات الكبرى تخلق أيضاً فرصاً كبرى. تصريحات دي ويفر، وردود الفعل الأوروبية الأخرى، تشير إلى أن وعياً جديداً بدأ يتبلور. فكرة "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، التي كانت مجرد شعار يردده المسؤولون في خطاباتهم، أصبحت اليوم ضرورة وجودية. الحديث عن جيش أوروبي موحد، وعن صناعة دفاعية أوروبية مستقلة، وعن سياسة خارجية أوروبية موحدة، لم يعد مجرد حلم بعيد، بل ضرورة حتمية.
المشكلة أن الطريق إلى الاستقلال الاستراتيجي طويل وشاق. يتطلب استثمارات ضخمة في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتحدي الهيمنة الأمريكية داخل الناتو. يتطلب توحيد السياسات الخارجية لدول ذات مصالح متباينة. وفوق كل ذلك، يتطلب وقتاً، والوقت هو ما لا تملكه أوروبا اليوم. فهي تواجه أزمة طاقة خانقة هذا الشتاء، وأزمة اقتصادية متفاقمة، وأزمة سياسية تهدد بتفكك الاتحاد نفسه.
وربما تكون اللحظة الأكثر دراماتيكية في هذه القصة هي لحظة الاعتراف: الاعتراف بأن أوروبا لم تعد مركز العالم، وأن عليها التكيف مع واقع جديد، وأن التبعية لأمريكا لم تعد تخدم مصالحها، وأن الانفصال مؤلم لكنه ضروري. دي ويفر، في تصريحاته، يعترف بهذا جزئياً. لكن الاعتراف وحده لا يكفي. يحتاج إلى أفعال، وإلى تغيير جذري في السياسات، وإلى شجاعة لقول "لا" للحليف الأكبر عندما تطغى مصالحه على مصالح أوروبا.
---
الفصل الثامن عشر: مأساة بلجيكا، أو كيف تنهب صناديق الضمان الاجتماعي لشراء خردة أمريكية
دعونا نعود إلى بلجيكا، هذا البلد الصغير الذي يقدم نموذجاً مصغراً للكارثة الأوروبية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه بارت دي ويفر عن "عقد صفقة" مع روسيا، يستمر وزير دفاعه تيو فرانكن في سياسة استنزاف مالية غير مسبوقة. تحت شعار "تحديث الجيش"، يوقع فرانكن عقوداً بمليارات اليورو مع الشركات الأمريكية، بينما صناديق الضمان الاجتماعي تنهب، والخدمات العامة تنهار، والمواطنون يغضبون.
القصة بدأت قبل عام، مع تشكيل ائتلاف "أريزونا" الحكومي. كان الوعد بالإصلاح الاقتصادي وتقليص العجز في الميزانية. لكن ما حدث كان العكس: بينما قطعت الحكومة الدعم عن الضمان الاجتماعي، ورفعت سن التقاعد، وخفضت رواتب الموظفين العموميين، كانت تفتح الخزينة على مصراعيها لشراء الأسلحة الأمريكية.
المستشفيات البلجيكية تعاني من نقص حاد في التمويل. الأطباء يشتكون من نقص الأسرة والمعدات. الممرضات يخرجن في إضرابات للمطالبة برواتب أفضل. المدارس تفتقر إلى المعلمين والكتب والموارد الأساسية. الطلاب يدرسون في فصول مكتظة، بمعدات قديمة، وظروف صعبة.
وفي المقابل، تمتلئ سماء بلجيكا بطائرات F-35 الفاخرة. قواعد عسكرية جديدة تبنى بأحدث التقنيات. أنظمة دفاع جوي متطورة تحمي البلاد من عدو غير موجود. كل هذا بأموال كانت يمكن أن تذهب لعلاج المرضى وتعليم الأطفال ودعم الفقراء.
والسخرية الأكبر أن هذه الأسلحة الأمريكية الفائقة الثمن أثبتت، في حروب غرب آسيا الأخيرة، أنها لا تساوي شيئاً. طائرات F-35، التي تعد أعجوبة التكنولوجيا الحديثة، يتم إسقاطها بسهولة بصواريخ أرض-جو رخيصة. أنظمة باتريوت، التي تباع بعشرات الملايين، تفشل في اعتراض مسيرات "شاهد" الإيرانية التي لا يتجاوز ثمنها ثلاثين ألف دولار.
إنه مثل شراء سيارة فيراري باهظة الثمن، ثم تكتشف أنها تتعطل في أول مطب، بينما سيارات الناس العادية تمر بسهولة. بل أسوأ: تكتشف أن الفيراري تستهلك وقوداً أكثر، وتحتاج إلى صيانة أغلى، ولا تصلح إلا للاستعراض، بينما سيارات الآخرين تنقلهم إلى أعمالهم وتعود بهم إلى بيوتهم.
لكن بلجيكا، وكل أوروبا، مستمرة في شراء هذه الفيراري العسكرية. لماذا؟ لأن البديل هو تطوير صناعة دفاعية أوروبية مستقلة، وهذا يحتاج إلى وقت وجهد واستثمار واستقلال سياسي عن أمريكا. والأسهل دائماً هو شراء الجاهز، حتى لو كان جاهزاً معيباً، بدلاً من بناء الجديد، حتى لو كان جديداً أفضل.
والمواطن البلجيكي يدفع الثمن مرتين: مرة عندما تنهب صناديق الضمان الاجتماعي، ومرة عندما تصل فاتورة الطاقة الباهظة. إنه يدفع ثمن سخاء حكومته مع أوكرانيا، وثمن تبعيتها لأمريكا، وثمن غبائها في شراء أسلحة لا تساوي ثمنها. ثلاث مرات يدفع المواطن ثمن قرارات لا يد له فيها، بينما النخبة تستمتع بمكاسبها في بروكسل.
……..
الفصل التاسع عشر:
دعم أوكرانيا في بلجيكا، أو سنة من العطاء بلا حدود
في السنة الماضية فقط، وتحديداً منذ تشكيل حكومة "أريزونا"، تضاعف الدعم البلجيكي لأوكرانيا مقارنة بكل السنوات السابقة. الأرقام الرسمية تتحدث عن مساعدات عسكرية ومالية ضخمة، تجعل بلجيكا في طليعة الدول الأوروبية المانحة.
بلجيكا الصغيرة، التي كان همها الأساسي حل الخلافات بين الفلامنك والوالون، أصبحت فجأة لاعباً رئيسياً في دعم أوكرانيا. ترسل أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية. تفتح حدودها للاجئين وتوفر لهم السكن والرعاية. تفرض عقوبات على روسيا رغم أنها تعرف أنها ستؤذي اقتصادها هي أولاً. تقدم مساعدات مالية لكييف بينما ترفض زيادة ميزانية الصحة والتعليم في الداخل.
والمواطن البلجيكي، الذي يدفع فواتير طاقة خيالية، ويتحمل تقشفاً حكومياً غير مسبوق، ويرى خدماته العامة تتراجع، يتساءل في حيرة: لماذا أموالي تذهب إلى أوكرانيا؟ هل الأوكرانيون أهم منا؟ هل كييف تستحق دعماً أكثر من بروكسل؟ لماذا ندعم حرباً لا تنتهي بينما اقتصادنا ينهار؟
لكن لا أحد يجيب على هذه الأسئلة. لأن الإجابة ستكون محرجة: النخبة البلجيكية تخدم أجندة أمريكية، وتدفع الثمن من جيوب مواطنيها. أوكرانيا، بالنسبة لواشنطن، مجرد ورقة في لعبة كبرى. وبالنسبة لبروكسل، مجرد وسيلة لإثبات الولاء للسيد الأمريكي.
والنتيجة أن بلجيكا، مثلها مثل معظم أوروبا، تخوض حرباً استنزافية مع نفسها. تدعم أوكرانيا حتى آخر يورو في خزينتها. تفرض عقوبات حتى آخر وظيفة في صناعتها. تقطع علاقاتها مع روسيا حتى آخر قطرة غاز في أنابيبها. ثم تتفاجأ بأنها وحيدة في مواجهة الشتاء، بينما روسيا تجد أسواقاً جديدة في آسيا، وأمريكا تستمتع بأرباحها من بيع الغاز والأسلحة.
……
الفصل العشرون:
الخيار الروسي، أو حين يكون الشرق بديلاً لا رجعة فيه
لقد تحدثنا سابقاً عن الخيار الروسي، لكن الأمر يستحق التوسع. فروسيا اليوم ليست روسيا الأمس. بعد ثلاث سنوات من الحرب والعقوبات والقطيعة، تغيرت روسيا تغيراً جذرياً. والنخبة الروسية التي كانت تحلم بالاندماج في أوروبا، أصبحت اليوم تبحث عن مستقبلها في الشرق.
الصين هي الشريك الأكبر الآن. خط أنابيب "قوة سيبيريا-2" سينقل 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين. هذا الرقم يقترب من نصف ما كانت تصدره روسيا إلى أوروبا قبل الحرب. وعقود الغاز مع الصين تمتد لعقود قادمة، مما يعني التزاماً استراتيجياً طويل الأمد.
الهند أيضاً تزيد وارداتها من النفط الروسي بشكل مطرد. روسيا أصبحت المورد الأول للنفط للهند، متجاوزة العراق والسعودية. والهند، مثل الصين، تدفع بالروبية واليوان، وتتعامل مع روسيا كشريك استراتيجي في مواجهة الهيمنة الغربية.
دول آسيا الوسطى، التي كانت تعتبر ساحة نفوذ روسي تقليدي، تتعمق علاقاتها مع موسكو في مجالات الطاقة والدفاع والنقل. باكستان توقع صفقات غاز جديدة. إفريقيا تفتح أبوابها للشركات الروسية في مجالات التعدين والطاقة والزراعة.
كل هذه التحولات تعني شيئاً واحداً: روسيا لم تعد بحاجة لأوروبا. نعم، السوق الأوروبية كانت أكبر وأغلى، لكنها كانت أيضاً غير موثوقة. أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن التعاون مع أوروبا يمكن أن يتحول إلى عداء في أي لحظة، تحت الضغط الأمريكي. أما التعاون مع آسيا، فهو تعاون قائم على المصالح المتبادلة والاحترام، وليس على التبعية والإملاءات.
لذلك، عندما يتحدث دي ويفر وغيره عن "عقد صفقة" مع روسيا، فإنهم يتحدثون عن عالم لم يعد موجوداً. روسيا قد تبيع الغاز لأوروبا مرة أخرى، لكن بشروط مختلفة تماماً: عقود قصيرة الأجل، أسعار متغيرة، وبدون أي التزامات استراتيجية. أوروبا ستصبح مجرد زبون عادي، مثلها مثل أي زبون آخر، وليس الشريك المميز الذي كانت عليه.
إنه درس قاسٍ لأوروبا: حين تقطع شرايينك بنفسك، لا تتوقع أن تعود كما كانت. الجسد يتغير، والشرايين تموت، والأعضاء تضمر. وحتى لو وصل الدم مرة أخرى، فلن يكون بنفس القوة والتدفق.
……
الفصل الحادي والعشرون:
إيران تلقن أمريكا درساً في التكلفة والفعالية
في غرب آسيا، كان المشهد أكثر إثارة. إيران، التي اعتاد الغرب على التقليل من شأنها، قدمت عرضاً عسكرياً واستراتيجياً مبهراً. في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، لم ترد إيران بالطريقة التقليدية المتوقعة، بل ابتكرت طريقة جديدة في الرد: ضرب مصالح العدو في كل مكان، بأقل التكاليف، وبأكبر تأثير.
بدأت إيران بضرب القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج. القاعدة الأمريكية في قطر، التي تضم آلاف الجنود وأحدث الطائرات، تعرضت لضربات دقيقة. قاعدة العديد، التي تعتبر أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة، أصيبت بصواريخ باليستية اخترقت دفاعاتها الجوية. الأسطول الخامس في البحرين تعرض لهجوم بالمسيرات أربك عملياته لأيام.
لكن الضربة الأكثر إيلاماً كانت للقواعد التي كلفت تريليونات الدولارات وبنيت على مدى خمسة عقود. هذه القواعد، التي كانت تمثل الوجود الأمريكي الذي لا يقهر في المنطقة، تحولت إلى أهداف ثابتة يمكن تدميرها في دقائق. أمريكا أنفقت عقوداً لبناء هذه القواعد، وإيران أنفقت دقائق لإثبات أنها قابلة للتدمير.
ثم ضربت إيران مركز الثقل الاقتصادي الأمريكي: مقر سيتي بنك في عملية إلكترونية عسكرية مشتركة. لم تكن ضربة تقليدية، بل كانت رسالة واضحة: إذا أردنا ضرب اقتصادكم، يمكننا فعل ذلك في أي لحظة. الانهيار الذي أصاب أسهم البنك كان كافياً لإيصال الرسالة إلى البيت الأبيض.
ثم ضربت إيران السفارات الأمريكية والمطارات والموانئ التي تستخدمها القوات الأمريكية. السفارة الأمريكية في بغداد، المحصنة بأحدث أنظمة الحماية، تعرضت لهجوم صاروخي. المطار العسكري في أربيل، الذي تستخدمه القوات الخاصة، دمر جزئياً. ميناء الفجيرة في الإمارات، الذي ترسو فيه السفن الحربية، تعرض لهجوم بالمسيرات.
وكل هذه الضربات تمت بأسلحة إيرانية رخيصة الثمن. صواريخ لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات الآلاف من الدولارات تدمر منشآت كلفت بناؤها مليارات. مسيرات لا يتجاوز ثمنها ثلاثين ألف دولار تعطل حاملات طائرات كلفت بناؤها عشرة مليارات.
إنها معادلة اقتصادية مذهلة: الطرف الأضعف مالياً ينتصر على الطرف الأقوى، لأنه يستخدم أسلحة ذكية رخيصة ضد أهداف غبية باهظة الثمن. أمريكا تريد حرباً تكنولوجية باهظة التكاليف، وإيران تقدم حرباً اقتصادية رخيصة وفعالة. وفي هذه المعادلة، إيران هي الرابحة.
أوروبا، في هذه الأثناء، كانت ترتجف. ليس لأنها تخشى على مصير أمريكا، بل لأنها تخشى على مصيرها هي. فالحرب في غرب آسيا تعني شيئاً واحداً لأوروبا: ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة. مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية، أصبح مهدداً بالإغلاق. وإذا أغلق المضيق، فلن تجد أوروبا مكاناً تشتري منه الطاقة، لأنها قطعت علاقاتها مع روسيا.
…….
الفصل الثاني والعشرون:
أوروبا بين مطرقة إيران وسندان أمريكا
المفارقة الساخرة أن أوروبا التي قطعت شرايينها مع روسيا "عقاباً" لموسكو، أصبحت الآن رهينة لإيران. إذا أغلقت إيران مضيق هرمز، تتجمد أوروبا. إذا ضربت إيران منشآت النفط في الخليج، تجوع أوروبا. إذا قررت إيران معاقبة أمريكا، تدفع أوروبا الثمن.
أوروبا اليوم في موقف لا تحسد عليه. فهي من جهة، مطالبة بالوقوف إلى جانب حليفها الأمريكي وتأييد عدوانه على إيران. ومن جهة أخرى، تدرك تماماً أن أي تصعيد في المنطقة سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة. وبما أنها قطعت علاقاتها مع روسيا، فإنها ستعتمد بشكل شبه كامل على نفط الخليج، الذي سينقطع فور اشتعال المنطقة.
الورقة الإيرانية كانت ذكية جداً. فبعد أيام من بدء العدوان، هددت طهران بإغلاق مضيق هرمز بالكامل أمام ناقلات النفط. هذا التهديد، لو نُفذ، يعني كارثة اقتصادية لأوروبا، التي ستجد نفسها بلا مصدر طاقة بديل، في عز الشتاء. وقد أدركت طهران ذلك جيداً، ولعبت بهذه الورقة بمهارة.
أوروبا اليوم محشورة بين مطرقة التبعية الأمريكية وسندان الاعتماد على الطاقة التي تتحكم بها إيران. إنها معادلة صفرية، حيث مهما اختارت أوروبا، فإنها الخاسر الأكبر. إن دعمت أمريكا بشكل كامل، فقدت مصدر طاقتها الوحيد المتبقي. وإن حاولت التوسط أو الحياد، غضبت واشنطن واتهمتها بالخيانة.
في هذه اللحظة، تدرك النخب الأوروبية أن التبعية العمياء لواشنطن وصلت إلى طريق مسدود. فالسياسة الأمريكية لم تعد تخدم المصالح الأوروبية فحسب، بل أصبحت تهددها بشكل مباشر. الحرب على إيران، مثلها مثل الحرب على روسيا، تكلف أوروبا غالياً، بينما تستفيد منها أمريكا عبر بيع أسلحتها وغازها. لكن الفرق الوحيد هو أن هذه المرة، الثمن الذي تدفعه أوروبا قد يكون وجودها الاقتصادي ذاته.
…….
الفصل الثالث والعشرون:
مصير القواعد الأمريكية، أو تريليونات تتحول إلى رماد
منذ عقود، كانت الولايات المتحدة تبني أعظم شبكة قواعد عسكرية في تاريخ البشرية في منطقة غرب آسيا. قاعدة العديد في قطر، قاعدة البحرين، قاعدة الظفرة في الإمارات، قاعدة الكويت، قاعدة إنجرليك في تركيا. كلها كانت حلقات في سلسلة طوق الحصار الذي أرادت واشنطن فرضه على المنطقة.
تكلفة هذه القواعد تجاوزت التريليونات، سواء في تكاليف الإنشاء أو في النفقات التشغيلية السنوية. لكن ما كشفته الأيام الأخيرة هو أن هذه القواعد العملاقة لم تعد تشكل رادعاً، بل أصبحت أهدافاً ثابتة يمكن تدميرها بسهولة.
الصواريخ الإيرانية الباليستية، التي تبلغ سرعتها أضعاف سرعة الصوت، يمكنها الوصول إلى أي قاعدة في الخليج في دقائق معدودة. والمسيرات الإيرانية، التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، يمكنها اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية التي صممت لمواجهة طائرات تقليدية، لا أسراباً من الطائرات الصغيرة بدون طيار.
في الأيام الأولى للعدوان، شنت إيران هجوماً صاروخياً واسعاً على قاعدة العديد في قطر، وألحقت بها أضراراً بالغة. كان الهجوم بمثابة رسالة واضحة: لم تعد قواعدكم آمنة، ولم تعد طائراتكم قادرة على الإقلاع متى شئتم. ثم تبعه هجوم آخر على قاعدة الظفرة، وآخر على قاعدة البحرين. والنتيجة كانت كارثة استراتيجية: القوات الأمريكية اضطرت إلى إخلاء بعض القواعد، وتوزيع طائراتها على قواعد بعيدة، مما أفقدها القدرة على تنفيذ ضربات سريعة وفعالة.
الأكثر إيلاماً لواشنطن كان ضرب المنشآت التجسسية والتدريبية. ففي عملية نوعية، استهدفت إيران مقر قيادة العمليات الخاصة في قاعدة عين الأسد، حيث كان يوجد ضباط استخبارات أمريكيون يديرون العمليات السرية في المنطقة. كما استهدفت مراكز تدريب "القوات الخاصة" في أربيل، حيث كانت واشنطن تدرب عناصر من الميليشيات لزعزعة استقرار إيران وحلفائها. كل هذه المنشآت، التي كلفت بناؤها مئات الملايين، تحولت إلى أنقاض في دقائق.
واشنطن اليوم تدرك أن مشروعها العسكري في غرب آسيا يواجه أكبر تهديد له منذ عقود. التريليونات التي أنفقت على مدى خمسين عاماً لبناء هذه القواعد أصبحت في مهب الريح. ليس لأن الجيش الأمريكي أصبح ضعيفاً، بل لأن طبيعة الحرب تغيرت، ولأن إيران استطاعت قراءة نقاط الضعف في الهرم العسكري الأمريكي وضربها بدقة.
……..
الفصل الرابع والعشرون:
أقصى اليمين، أو نفس الكلب بطوق مختلف
عدنا إلى أقصى اليمين الأوروبي، هذا الظاهرة التي تكرر نفسها في كل أزمة. حين ينهار النظام، وتفشل النخبة، وتئن الشعوب، يظهر اليمين المتطرف ليقدم نفسه كحل. شعارات براقة، وعود سهلة، خطاب غاضب يوجه السخط نحو "الآخر": المهاجر، الأجنبي، العدو الخارجي.
لكن ما يحدث بعد وصول اليمين المتطرف إلى الحكم هو نفسه دائماً: يكتشف أن المشاكل الحقيقية لا تحل بالشعارات. أن العولمة لا يمكن إلغاؤها بمرسوم. أن الأسواق المالية تعاقب أي حكومة تحاول الخروج عن الإجماع. أن رأس المال لا جنسية له ولا أيديولوجيا.
فيفعل اليمين المتطرف ما فعله اليمين المعتدل من قبله: ينسى شعاراته، ويتوافق مع النخبة، ويخدم نفس المصالح. الفرق الوحيد هو أن خدمته تكون مكشوفة وفجة، بينما خدمة اليمين التقليدي تكون مغلفة بشعارات حقوق الإنسان والديمقراطية.
جورجيا ميلوني في إيطاليا خير مثال. كانت تنتقد النخبة العالمية، وتتحدث عن حماية الهوية الإيطالية، وتعد بوقف الهجرة. فلما وصلت إلى الحكم، استمرت في سياسات سلفائها، بل وزادت عليها بدعم أوكرانيا بحماسة تفوق حماسة الليبراليين.
نفس القصة تتكرر مع لوبان في فرنسا، ومع الأحزاب اليمينية المتطرفة في هولندا والنمسا والدول الإسكندنافية. كلهم يصلون إلى الحكم بشعارات التغيير، ثم يتحولون إلى نسخ طبق الأصل ممن أطاحوا بهم. ليس لأنهم خونة أو منافقون، بل لأن النظام لا يترك لهم خياراً آخر. إما أن تتوافق معه، وإما أن تفشل.
وهكذا، يبقى الخيار الحقيقي الوحيد خارج هذا الإجماع المزيف. يبقى اليسار الجذري، الذي يقدم بديلاً حقيقياً عن سياسات التقشف والتبعية لأمريكا والحروب بالوكالة. اليسار الذي يدعو إلى الاستثمار في الخدمات العامة بدلاً من الأسلحة، وإلى التعاون مع الجيران بدلاً من عدائهم، وإلى سيادة حقيقية تستند إلى قوة اقتصادية واجتماعية.
اليسار الجذري في أوروبا، رغم ضعفه الحالي، يمثل الأمل الوحيد للخروج من هذه الدوامة. لأنه الوحيد الذي يجرؤ على قول إن العدو ليس روسيا ولا الصين ولا إيران، بل النظام الرأسمالي الذي يضع أرباح القلة على حساب حياة الأغلبية.
……
الفصل الخامس والعشرون:
الانهيار الوشيك، أو حين يصل السعر إلى 200 دولار
في خضم هذه اللعبة السياسية المعقدة، هناك حقيقة اقتصادية صارخة لا يمكن تجاهلها: أوروبا على شفا انهيار طاقوي حقيقي. التقديرات تشير إلى أن سعر الغاز في أوروبا قد يصل إلى 200 دولار للميغاواط/ساعي في الشتاء القادم إذا استمرت الحرب في أوكرانيا وتصاعدت المواجهة مع إيران. هذا الرقم ليس مجرد رقم في جداول البورصات، بل هو إنذار بكارثة إنسانية واجتماعية وسياسية شاملة.
عندما يصل سعر الغاز إلى 150 دولاراً، تبدأ المصانع الثقيلة في الإغلاق. الصناعات الكيماوية، وصناعة الصلب، وصناعة الأسمدة، كلها قطاعات تعتمد على الغاز كمادة أولية أو كمصدر طاقة. عندما يصبح الغاز بهذا السعر، لا تعود هذه الصناعات قادرة على المنافسة عالمياً. إما أن تنتقل إلى حيث الطاقة أرخص، وإما أن تغلق أبوابها نهائياً. آلاف الوظائف تختفي، ومدن بأكملها تعتمد على صناعة واحدة تدخل في دوامة البطالة والفقر.
عندما يصل السعر إلى 200 دولار، تبدأ الأسر في الاختيار بين التدفئة والطعام. في أوروبا الشرقية، حيث الشتاء قاسٍ، والبيوت قديمة، والعزل الحراري ضعيف، تصبح فواتير التدفئة عبئاً لا يطاق. ملايين الأسر تجد نفسها أمام خيار مرير: إما أن تبقى دافئة وتتضور جوعاً، وإما أن تأكل وتتجمد. في بريطانيا، توفي آلاف المسنين العام الماضي بسبب البرد، وهم يوفرون المال لشراء الطعام. هذا السيناريو سيتكرر بمقياس أكبر بكثير.
عندما يصل السعر إلى 250 دولاراً، تبدأ الاحتجاجات الشعبية. لقد رأينا نماذج مصغرة من هذا السيناريو في فرنسا مع "السترات الصفراء"، وفي هولندا مع احتجاجات المزارعين، وفي ألمانيا مع تظاهرات ضد سياسات الطاقة الخضراء. لكن عندما يصبح البرد قاتلاً، والطعام غير متاح، والوظائف مفقودة، فإن الاحتجاجات تتحول إلى ثورات. الشارع الأوروبي، الذي تحمل الكثير في السنوات الماضية باسم "القيم الأوروبية" و"الدفاع عن الديمقراطية"، سينفجر في وجه النخب التي قادته إلى هذا الجحيم.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أي حكومة أوروبية ستنجو عندما يصل السعر إلى هذا المستوى؟ الحكومات الحالية في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، كلها تواجه تراجعاً في شعبيتها أصلاً. أي تصعيد إضافي في أزمة الطاقة يعني نهايتها المحتومة. وسيكون البديل هو أحزاب اليمين المتطرف والشعبويين، الذين يعدون بإعادة العلاقات مع روسيا، ووقف دعم أوكرانيا، والتركيز على الأولويات الوطنية.
هذا هو السيناريو الذي يقلق دي ويفر حقاً. ليس موقف أوكرانيا، ولا مصير زيلينسكي، بل مصير حكومته هو. إنه يدرك أن الدعم المفرط لأوكرانيا، الذي قاده ائتلافه خلال السنة الماضية، قد يتحول إلى لعنة تطيح بهم جميعاً. لذلك يدعو إلى "عقد صفقة" قبل فوات الأوان، قبل أن يتحول الشارع الأوروبي إلى بركان لا يمكن السيطرة عليه.
لكن دي ويفر، وغيره من القادة الأوروبيين، يدركون أيضاً أن الصفقة قد تأتي متأخرة. فروسيا، بعد كل ما حدث، قد لا تكون مستعدة للعودة إلى العلاقات السابقة. والصين، بعد كل العقود التي وقعتها، قد تكون الشريك الجديد الدائم. وأوروبا، بعد كل التضحيات التي قدمتها، قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة الشتاء البارد والفواتير المستحيلة.
في ألمانيا، المصانع تغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى. الصناعة الكيماوية، التي كانت العمود الفقري للاقتصاد الألماني، تنزف. الصناعة الثقيلة تنتقل إلى حيث الطاقة أرخص. العمال يتظاهرون، والنقابات تحتج، والحكومة تعد بـ "حلول مبتكرة" لا تأتي أبداً. المستشار الألماني، سواء كان صامتاً أو صاخباً، يعجز عن تقديم أي حل حقيقي. والألمان، الذين اعتادوا على الرفاهية والاستقرار، يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة مستقبل غامض.
في فرنسا، "السترات الصفراء" تعود إلى الشوارع، لكن هذه المرة بأعداد أكبر وغضب أشد. المزارعون يغلقون الطرق بالجرارات احتجاجاً على ارتفاع تكاليف الإنتاج. أصحاب المتاجر الصغيرة يعلقون لافتات "مغلق بسبب فواتير الطاقة". وماكرون، نابليون العصر، يتنقل من أزمة إلى أخرى، محاولاً إخماد الحرائق بكلمات منمقة لا تسمن ولا تغني من جوع.
في إيطاليا، الديون تتفاقم، والبطالة ترتفع، والفقر ينتشر. جورجيا ميلوني، التي وعدت بحماية الإيطاليين، تجد نفسها عاجزة عن فعل أي شيء. شعبيتها تنهار، والناخبون يندمون على منحها الثقة. لكن الندم لا يغير شيئاً، والبديل ليس أفضل. الإيطاليون يكتشفون بالطريقة الصعبة أن اليمين المتطرف لا يختلف عن اليمين المعتدل في قدرته على حل الأزمات الحقيقية.
في بلجيكا، الاحتجاجات تتصاعد. المواطنون يخرجون إلى الشوارع بالمئات والآلاف. يهتفون ضد حكومة "أريزونا" التي نهبت صناديق الضمان الاجتماعي لشراء أسلحة أمريكية لا تساوي ثمنها. يهتفون ضد دعم أوكرانيا بينما هم يتضورون جوعاً ويتجمدون من البرد. يهتفون ضد سياسات الطاقة التي جعلت فواتيرهم أضعاف ما كانت عليه قبل عامين.
ودي ويفر، الذي كان شجاعاً بما يكفي ليقول الحقيقة عن ضرورة التفاوض مع روسيا، يجد نفسه الآن في موقف لا يحسد عليه. شعبيته تتراجع، وحكومته تتهاوى، والبديل الذي يقدمه اليمين المتطرف ليس بديلاً حقيقياً. يكتشف بالطريقة الصعبة أن قول الحقيقة متأخراً لا يكفي، وأن الصدق وحده لا يبني حكومة ناجحة، وأن الأوان قد يكون قد فات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
والأوروبيون العاديون، الذين دفعوا طوال هذه السنوات ثمن قرارات لم يتخذوها، وحروب لم يختاروها، وسياسات لم يصدقوها، يجدون أنفسهم الآن في مواجهة أسوأ شتاء في تاريخهم الحديث. شتاء بارد، وجائع، وغاضب. شتاء قد يغير وجه أوروبا إلى الأبد، أو قد يكون مجرد محطة أخرى في رحلة الانحدار الطويلة.
…….
الفصل السادس والعشرون:
الخلاص الموعود، أو اليسار الجذري الذي لا يجرؤ أحد على تسميته
في خضم هذا العبث الكوني، وفي زاوية مهملة من المسرح الأوروبي، يقف اليسار الجذري يتفرج على المهزلة. يقف وحيداً، منزوياً، يرفع شعارات لا يسمعها أحد، ويقدم حلولاً لا يريد أحد سماعها. لكنه، في كل هذه المهزلة، يظل الخيار الوحيد الذي يمكن أن ينقذ أوروبا من نفسها.
اليسار الجذري يقول شيئاً بسيطاً وواضحاً: المشكلة ليست في روسيا ولا في الصين ولا في إيران، المشكلة في النظام الرأسمالي الذي يضع أرباح القلة فوق حياة الأغلبية. المشكلة في النخبة التي تخدم مصالح رأس المال وتتخلى عن مصالح الشعوب. المشكلة في التبعية لأمريكا التي تحول أوروبا إلى مستعمرة طوعية.
اليسار الجذري يدعو إلى شيء بسيط أيضاً: استثمار الأموال في الخدمات العامة بدلاً من الأسلحة. التعاون مع الجيران بدلاً من عدائهم. سيادة حقيقية تستند إلى قوة اقتصادية واجتماعية، لا إلى تبعية عمياء لحليف لا يرحم. سلام عادل في أوكرانيا يقوم على التفاوض والحوار، لا على إطالة أمد الحرب حتى آخر أوكراني.
لكن اليسار الجذري، مع كل هذه الحلول المنطقية، يبقى مهمشاً. وسائل الإعلام تتجاهله، أو تصوره كخطر على الديمقراطية. النخبة تسخر منه، أو تتهمه بالسذاجة والطوباوية. الناخبون، المخدوعة بوعود اليمين الكاذبة، يترددون في منحه الثقة.
ومع ذلك، تبقى الأزمات المتلاحقة، والانهيارات المتسارعة، تفتح الطريق أمامه شيئاً فشيئاً. فكلما فشل اليمين المتطرف في الوفاء بوعوده، وكلما انكشف زيف النخبة الليبرالية، يبدأ الناس بالتساؤل: أليس هناك بديل؟ أليس هناك خيار آخر؟
والجواب هو: نعم، هناك بديل. اليسار الجذري هو هذا البديل. ليس لأنه يمتلك كل الحلول، بل لأنه على الأقل يطرح الأسئلة الصحيحة. ليس لأنه معصوم من الخطأ، بل لأنه الوحيد الذي يجرؤ على قول الحقيقة. ليس لأنه يمثل المثالية المستحيلة، بل لأنه الوحيد الذي يقدم خياراً خارج الإجماع المزيف الذي قاد أوروبا إلى الهاوية.
اليسار الجذري في أوروبا، من بودا إلى ميلان، من برشلونة إلى برلين، يمثل الأمل الوحيد للخروج من هذه الدوامة. قد لا يكون البديل الآن، لكنه قد يصبح البديل غداً، حين يكتشف الجميع أن اليمين المتطرف واليمين المعتدل واليسار المعتدل كلهم في النهاية يخدمون نفس السيد. وحينها، سيبحث الناس عن خيار آخر، ولن يجدوا سوى اليسار الجذري.
…….
الفصل السابع والعشرون:
الاعتراف الأخير، أو دي ويفر يكتشف أن الصفقة قد فات أوانها
في أحد الأيام، وبعد شهور من تصريحاته الجريئة، اكتشف بارت دي ويفر شيئاً مزعجاً: الصفقة التي يدعو إليها مع روسيا قد لا تكون ممكنة. فروسيا، التي اعتاد الأوروبيون على اعتبارها شريكاً يمكن العودة إليه متى شاؤوا، وجدت لنفسها شركاء جدد.
الصين وقعت عقود غاز تمتد لعقود. الهند زادت وارداتها من النفط الروسي بأضعاف. دول آسيا الوسطى وإفريقيا فتحت أسواقها للمنتجات الروسية. والأهم من كل ذلك، أن الذاكرة الروسية حفظت جيداً ما فعلته أوروبا: قطع العلاقات، تجميد الأصول، طرد الدبلوماسيين، إلغاء العقود، شيطنة كل شيء روسي.
في موسكو، لم يعد أحد يثق في أوروبا. لم يعد أحد يعتبر الغرب شريكاً موثوقاً. النخبة الروسية، التي كانت تحلم يوماً بالاندماج في أوروبا، أصبحت اليوم تبحث عن مستقبلها في الشرق. والصين، التي كانت يوماً منافساً استراتيجياً، أصبحت اليوم حليفاً وجودياً.
دي ويفر، وهو يقرأ تقارير استخباراته عن التحولات الروسية، أدرك أنه يغلق باب إسطبل هربت خيوله منذ زمن بعيد. الخيول لم تعد في الإسطبل، ولم تعد في الحقول المجاورة، ولم تعد حتى في البلد المجاور. الخيول هاجرت إلى قارة أخرى، وفتحت مزرعة جديدة، ونسيت أنها كانت تعيش هنا يوماً.
لكن دي ويفر، كسياسي محنك، لم يعلن اكتشافه هذا. واصل دعوته إلى "عقد صفقة"، ليس لأنه يعتقد أنها ممكنة، بل لأنها تمنحه غطاءً سياسياً أمام ناخبيه الغاضبين. "لقد حاولنا"، سيقول لهم، "لكن الروس هم من رفضوا". وسيصدقه بعضهم، وسيشك فيه آخرون، لكنه على الأقل سيكون قد وفّر لنفسه مخرجاً.
وهكذا، يستمر دي ويفر في لعبة السياسة: يتحدث عن الصفقة التي يعلم أنها مستحيلة، ويعد بالحلول التي يعلم أنها غير قابلة للتحقيق، ويوهم الناخبين بأنه يبحث عن مخرج بينما هو يعلم أن المخرج الوحيد هو تغيير جذري للسياسات، وهذا ما لا يستطيع فعله.
……
الفصل الثامن والعشرون:
أورسولا فون دير لاين، أو كيف تصنع إمبراطورية من الكوارث
في بروكسل، كانت مدام فاندرلاين تواصل مسيرتها المظفرة. كل كارثة كانت تتحول في يدها إلى فرصة. كل أزمة كانت تقدم لها ذريعة لمزيد من الصلاحيات. كل انهيار كان يبرر دعوتها إلى "مزيد من التكامل الأوروبي".
أورسولا كانت سيدة الموقف بامتياز. حين اندلعت أزمة الطاقة، دعت إلى "شراء موحد للغاز" يخفض الأسعار. وحين فشلت الفكرة (لأن كل دولة تبحث عن مصلحتها الخاصة)، دعت إلى "تضامن أوروبي" في تقاسم الإمدادات. وحين فشل التضامن أيضاً، دعت إلى "تسريع التحول للطاقة الخضراء" كحل سحري لجميع المشاكل.
وكانت أورسولا تتحدث عن "أوروبا الموحدة" وكأنها حقيقة واقعة، بينما أوروبا كانت تتفتت تحت قدميها. تتحدث عن "القيم الأوروبية" بينما كانت هذه القيم تتهاوى في مواجهة الأزمات. تتحدث عن "السيادة الأوروبية" بينما كانت أوروبا ترضع من ثدي الإمبراطورية الأمريكية.
وكان أكثر ما يميز أورسولا هو قدرتها الفائقة على النجاة من أي فضيحة. حين انكشفت صفقات اللقاحات المشبوهة مع فايزر، مرت الأمور بسلام. حين ظهرت وثائق عن تضارب مصالح عائلتها، مرت الأمور بسلام. حين ثبت فشل سياساتها في الطاقة والعقوبات، مرت الأمور بسلام. كانت كالقط الذي يسقط على أرجله دائماً، بسبعة أرواح سياسية لا تنفد.
والسر في بقاء أورسولا بسيط: إنها تخدم السيد الأمريكي بإخلاص. وطالما أنها تخدمه، فهو يحميها. وطالما أنه يحميها، لا يجرؤ أحد في أوروبا على مساءلتها. إنها معادلة بسيطة: الولاء لأمريكا يضمن البقاء في السلطة، بغض النظر عن حجم الكوارث التي تتسبب فيها.
أورسولا فون دير لاين، التي كانت يوماً مجرد سياسية ألمانية عادية، أصبحت اليوم رمزاً للتبعية الأوروبية. هي الوجه الجميل للإذلال الأوروبي، والابتسامة البراقة للانتحار الجماعي. وهي مستمرة في طريقها، غير آبهة بالخراب الذي تتركه وراءها، لأنها تعلم أن من يخدم السيد لا يسقط أبداً.
……
الفصل التاسع والعشرون:
النهاية المتوقعة، أو كيف تسقط أوروبا دون أن يحرك أحد ساكناً
والآن، وبعد هذه الرحلة الطويلة في عبثية السياسة الأوروبية، نصل إلى النهاية المتوقعة. أوروبا تسقط، لكنها تسقط ببطء، وبأناقة، وبمرافقة الموسيقى الكلاسيكية. تسقط كما يسقط النبلاء في الأفلام القديمة: بكرامة مصطنعة، وابتسامة متجمدة، ووعود بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
الاقتصاد ينهار، والمصانع تغلق، والمواطنون يتظاهرون، والنخبة تتحدث. أسعار الطاقة ترتفع، والخدمات العامة تتراجع، والفقر ينتشر، والنخبة تعقد اجتماعات. الحرب تطول، والدماء تسيل، والخراب يتسع، والنخبة تردد: "نحن مع أوكرانيا حتى النصر".
وكل هذا يحدث دون أن يحرك أحد ساكناً. دون أن يقول أحد "كفى". دون أن يجرؤ أحد على كسر الإجماع المزيف. دون أن يعترف أحد بأن الإمبراطور عارٍ. حتى جاء دي ويفر ليقول ما يهمس به الجميع، لكن صوته كان وحيداً في فضاء الصمت المطبق.
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟ لماذا يستمر الأوروبيون في تدمير أنفسهم؟ لماذا لا يثورون على نخبهم الفاسدة؟ لماذا لا يطالبون بسياسات بديلة؟ لماذا لا يقولون "لا" لأمريكا؟
الإجابة معقدة وبسيطة في آن: لأن الإعلام يسيطر على العقول. لأن النخبة تحتكر الرواية. لأن البديل يصور على أنه خطر. لأن الخوف من المجهول أقوى من الألم المألوف. لأن التغيير صعب، حتى لو كان الوضع الحالي أسوأ.
لكن هناك أمل. ففي كل أزمة تولد فرصة. وفي كل انهيار يظهر أمل جديد. وفي كل مرة يسقط فيها نظام، يقوم آخر على أنقاضه. أوروبا قد تسقط، لكن الأوروبيين سيبقون. والنخبة قد ترحل، لكن الشعوب ستبقى. والنظام القديم قد ينهار، لكن الفرصة ستكون متاحة لبناء نظام جديد أفضل.
اليسار الجذري ينتظر هذه اللحظة. ليس لأنه يتمنى الخراب، بل لأنه يعلم أن الخراب الحالي لا يمكن أن يستمر، وأن البديل الحقيقي الوحيد هو بناء مجتمع جديد على أسس مختلفة: العدالة الاجتماعية، السيادة الحقيقية، التعاون الدولي، السلام العادل.
…….
الفصل الثلاثون:
الخاتمة الساخرة، أو رسالة إلى قادة أوروبا (إن كانوا يقرؤون)
والآن، في الخاتمة، اسمحوا لي أن أوجه رسالة مباشرة إلى أبطالنا الذين تابعنا مسيرتهم الكارثية في هذه الفصول:
إلى مدام فاندرلاين العزيزة،
سيدتي، لقد أتقنتِ فن البقاء على حساب فن الحكم. أتمنى لكِ دوام الصحة والعافية، فأنتِ بحاجة إليهما لمواجهة اللحظة التي يكتشف فيها الأوروبيون أن الإمبراطورة عارية. ونصيحتي لكِ: اشتري مدفأة تعمل بحرق الأوراق، فقد تحتاجينها لتدفئة مكتبك حين تنقطع فواتير الغاز عن بروكسل أيضاً.
إلى أولاف شولتس الصامت،
أيها الرجل الغامض، لقد أثبتَّ أن الصمت ليس ذهباً دائماً، بل قد يكون نحاساً أصفر لا يساوي شيئاً. في المرة القادمة التي يسألك فيها صحفي عن الأزمة، حاول أن تقول كلمة واحدة على الأقل. جرب "نعم" أو "لا" أو حتى "ربما". قد لا يغير ذلك شيئاً، لكنه سيكسر رتابة الصمت المطبق.
إلى فريدريش ميرز الصاخب،
أيها الرجل الذي يظن أن الصراخ يغني عن الفعل، تذكَّر أن الصوت العالي لا يصنع تاريخاً. ألمانيا كانت عظيمة حين كان قادتها يصمتون ويفكرون، لا حين يصرخون ويفشلون. حاول أن تتعلم من أخطاء من سبقوك، لا أن تكررها بصوت أعلى.
إلى إيمانويل ماكرون النابليوني،
عزيزي إيمانويل، لا بأس أن تحلم بأمجاد الماضي، لكن تذكَّر أن نابليون انتهى في منفى بعيد. فرنسا لن تعود كما كانت بالشعارات وحدها. حاول أن تبني جيشاً حقيقياً قبل أن تتحدث عن "الاستقلال الاستراتيجي"، و حاول أن لا تتشبث بمن هم تحت خدمة الاحتكارات المالية وعليك أن تعلم أن البديل اليساري هو الاقضل لفرنسا وعلى راسه لوك ميلنشون وإلا سيبقى جيشك وبلدك مجرد ديكور في استعراضات 14 يوليو.
إلى جورجيا ميلوني الفاشية الجديدة،
سيدتي، لقد أثبتِّ أن اليمين المتطرف هو نفس اليمين القديم، لكن بثياب جديدة وأغاني أقدم. شكراً لك على فضح زيف الشعارات، وإظهار أن خدمة رأس المال لا تحتاج إلى أيديولوجيا، بل فقط إلى انتهازية. أنتِ نموذج رائع للانتهازية الناجحة.
إلى بارت دي ويفر الصريح،
أنت الوحيد الذي قال الحقيقة، ولهذا تستحق التحية. لكن الحقيقة وحدها لا تكفي. المهم هو الفعل. وحين تكتشف أن الصفقة مع روسيا صارت مستحيلة، حاول أن تقول هذه الحقيقة أيضاً. الصدق مؤلم، لكنه أفضل من الأوهام. وليتك تتعلم من حزب العمال الشيوعي كيفية إدارة دولة مع الاستفادة أيضا من الصين وليس عبر نهب المواطنين
وإلى كل القادة الأوروبيين،
لقد أبدعتم في تدمير قارتكم. حطمتم الرقم القياسي في الانتحار الجماعي. أضعتم فرصة تاريخية لبناء أوروبا مستقلة. حولتم القارة العجوز إلى مجرد هامش في عالم جديد تقوده آسيا وأمريكا. تهانينا! لقد دخلتم التاريخ من أوسع أبوابه... كأغبى نخبة سياسية في العصر الحديث.
وأخيراً، إلى القارئ العزيز،
شكراً لأنك تحملت قراءة هذه الفصول الثلاثين من العبث والسخرية. إن ضحكت، فقد فهمت المغزى. إن بكيت، فقد فهمت أكثر. إن شعرت بالغضب، فقد بدأت الطريق نحو التغيير.
أوروبا ليست ضائعة ما دام هناك من يضحك على عبثها، ومن يبكي على مآسيها، ومن يغضب من ظلمها. الأمل ليس في القادة، بل في الشعوب. والثورة ليست في الشوارع فقط، بل في العقول أولاً.
تذكَّر دائماً: لا سيادة لمن يعيش على هوى غيره، ولا استقلال لمن يقطع شرايينه بنفسه، ولا كرامة لمن يرضى بالتبعية. وأوروبا، إن أرادت النهوض، فعليها أولاً أن تقول "لا" للسيد الأمريكي، و"نعم" للتعاون مع الجيران، و"كفى" للنخبة الفاسدة.
هل ستفعل؟ لا أعرف. لكني أعرف شيئاً واحداً: المهزلة مستمرة، والستار لم يسقط بعد، والمسرحية لا تزال في فصولها الأولى. تابعونا في الأجزاء القادمة، حين نكتشف إن كان لأوروبا أمل في الخلاص، أم أنها ستستمر في الانتحار حتى النهاية.
مع تحيات كاتب لم يعد يعرف إن كان يضحك أم يبكي، لكنه متأكد من شيء واحد: لو كان الأوروبيون يقرؤون ما كتبت، لربما غيروا شيئاً. لكنهم لا يقرؤون. ولهذا، تستمر المهزلة.
……
الخاتمة الكبرى: جحيم التابعون
في اللحظات الأخيرة من هذه المسرحية الهزلية، نقف لحظة تأمل. ماذا نرى؟
نرى قارة عجوز، كانت بالأمس تفرض شروطها على العالم، وإذا بها اليوم مجرد ورقة في لعبة بوكر عالمية. نرى شعوباً تئن تحت وطأة الفواتير والضرائب والبطالة. نرى نخباً تتحدث عن "القيم" بينما تبيع مصالح شعوبها بأبخس الأثمان. نرى قادة يتصارعون على كراسي الحكم بينما القارة تغرق.
نرى بلجيكا الصغيرة تنهب صناديق الضمان الاجتماعي لشراء أسلحة أمريكية لا تساوي ثمنها. نرى ألمانيا تغلق مصانعها وتشتكي من الركود. نرى فرنسا تحلم بأمجاد الماضي بينما حاضرها ينهار. نرى إيطاليا تنتخب فاشية جديدة تفعل نفس الشيء الذي كان يفعله من انتقدتهم. نرى المفوضية الأوروبية تعقد اجتماعات لا تنتهي بينما المواطنون يتجمدون في بيوتهم.
نرى روسيا تتجه نحو الشرق، والصين تبتسم، وأمريكا تبيع الغاز والأسلحة، وإيران تضرب حيث يؤلم، وأوروبا تدفع الفاتورة. دائماً تدفع الفاتورة.
وفي النهاية، نرى اليسار الجذري ينتظر في الزاوية، حاملاً حلولاً بسيطة: العدالة الاجتماعية بدلاً من التقشف، السيادة الحقيقية بدلاً من التبعية، التعاون بدلاً من الحرب، السلام بدلاً من الدماء. لكن لا أحد ينظر إليه. الكل مشغول بالمهزلة.
تخيلوا لو أن أوروبا أنفقت ما أنفقته على الأسلحة الأمريكية على تطوير صناعتها الدفاعية المستقلة. تخيلوا لو أنفقت ما أنفقته على دعم أوكرانيا على دعم مواطنيها في مواجهة غلاء المعيشة. تخيلوا لو أنفقت ما أنفقته على استيراد الغاز الأمريكي على تطوير الطاقة المتجددة. تخيلوا لو أنفقت وقتها الذي تضيعه في اجتماعات بروكسل على بناء علاقات حقيقية مع جيرانها.
لكنها لم تفعل. ولهذا، تستمر المهزلة.
هل هناك أمل؟ ربما. فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات تسقط، وأن الأنظمة تموت، وأن الشعوب تنتصر في النهاية. أوروبا قد تسقط، لكن الأوروبيين سيبقون. والنظام الحالي قد ينهار، لكن الفرصة ستكون متاحة لبناء نظام جديد أفضل.
اليسار الجذري هو الأمل الوحيد لهذا النظام الجديد. ليس لأنه يمتلك كل الإجابات، بل لأنه يطرح الأسئلة الصحيحة. ليس لأنه معصوم من الخطأ، بل لأنه الوحيد الذي يجرؤ على قول الحقيقة. ليس لأنه يمثل المثالية المستحيلة، بل لأنه الوحيد الذي يقدم خياراً خارج الإجماع المزيف.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، نكتفي بالضحك على المهزلة. فالضحك، كما قال أحدهم، هو آخر أسلحة العاجزين. لكنه أيضاً أول خطوة نحو الوعي. وإذا كان الوعي هو بداية التغيير، فربما تكون هذه السطور قد ساهمت في خطوة صغيرة نحو ذلك التغيير.
الستار.
---
ملحق: دليل القارئ إلى شخصيات المهزلة
أورسولا فون دير لاين (مدام فاندرلاين): بطلة المسرحية، السيدة التي أتقنت فن البقاء على حساب فن الحكم. تجيد التحدث بلغة لا تعني شيئاً، وعقد اجتماعات لا تنتهي، وإصدار بيانات لا تغير شيئاً. تخدم السيد الأمريكي بإخلاص، ولهذا تبقى في السلطة رغم كل الكوارث.
أولاف شولتس: الرجل الصامت الذي جعل من الصمت فناً. لا يقول شيئاً، لكنه لا يفعل شيئاً أيضاً. نموذج للقائد الذي يختفي في اللحظات الحاسمة، ويظهر حين لا حاجة لظهوره.
فريدريش ميرز: الرجل الصاخب الذي يظن أن الصراخ يغني عن الفعل. يكرر أخطاء سابقيه بصوت أعلى، ويعتقد أن العلو في الصوت يعني العلو في الأداء.
إيمانويل ماكرون: نابليون العصر دون جيش. يحلم بأمجاد الماضي بينما حاضر ينهار. يتحدث عن "الاستقلال الاستراتيجي" بينما يشتري أسلحة أمريكية.
جورجيا ميلوني: الفاشية الجديدة التي أثبتت أن اليمين المتطرف هو نفس اليمين القديم. تصل إلى السلطة بشعارات التغيير، ثم تفعل نفس ما يفعله من انتقدتهم.
بارت دي ويفر: الرجل الصريح الذي قال الحقيقة، لكنه قالها متأخراً. يكتشف أن القطار فات، لكنه يتظاهر بأنه يمكن اللحاق به. نموذج للسياسي الذي يعترف بالمشكلة لكنه لا يملك الحل.
اليسار الجذري: بطل المسرحية الحقيقي، رغم أنه لا يظهر كثيراً على المسرح. الوحيد الذي يقدم حلولاً حقيقية، والوحيد الذي لا يسمعه أحد.
الناخب الأوروبي: الضحية الحقيقية. يدفع الفواتير، ويتحمل التقشف، ويشاهد خدماته العامة تتراجع، ثم ينتخب من جديد من سيواصل تدميره.
……
كلمة أخيرة
عزيزي القارئ،
إذا وصلت إلى هنا، فأنت بطل حقيقي. ثلاثون فصلاً من السخرية والكوميديا السوداء ليست قليلة. أتمنى أن تكون قد استمتعت بالرحلة، وأن تكون ضحكت بما يكفي لتناسى همومك، وبكيت بما يكفي لتتذكر أن وراء الكوميديا مأساة حقيقية.
تذكر دائماً: السياسة ليست مجرد نكتة، لكنها تصبح نكتة حين يتولى أمرها نكتة من البشر. وأوروبا اليوم تديرها نكتة بشرية بامتياز.
حتى نلتقي في مهزلة قادمة، أترككم مع هذه الحكمة المأثورة: "إذا كنت تعتقد أن التغيير صعب، فجرب البقاء على ما أنت عليه. ستجد أن البقاء أصعب".
مع تحيات كاتب تمنى لو كانت هذه المهزلة خيالاً، لكنها للأسف حقيقة.
……..
توثيق المراجع والمصادر
مقدمة
يستند هذا العمل إلى مزيج من الأخبار العاجلة المنشورة في مارس 2026، وتحليلات استراتيجية منشورة في الفترة نفسها، بالإضافة إلى سياقات تاريخية وسياسية موثقة. فيما يلي تفصيل للمراجع التي اعتمدنا عليها في إعداد المادة الصحفية الساخرة "الطاعون الأطلسي".
…..
أولاً: تصريحات بارت دي ويفر والموقف البلجيكي
الرقم المرجع التفاصيل الرابط 1 VRT NWS (هيئة الإذاعة الفلمنكية) تغطية حصرية لتصريحات دي ويفر حول ضرورة التفاوض مع روسيا، ونقله عن القادة الأوروبيين أنهم يتفقون معه في الجلسات الخاصة vrt.be/vrtnws/en/... 2 The Brussels Times نص كامل للمقابلة مع L Echo، يتضمن اقتباس "أحياناً أعتقد أنهم أقرب إلى بوتين منهم إلى زيلينسكي" brusselstimes.com/... 3 Belga News Agency ردود الفعل البلجيكية على تصريحات دي ويفر، وموقف وزير الخارجية ماكسيم بريفو belganewsagency.eu/... 4 Euronews سياق الانقسام الأوروبي حول التصريحات، ومواقف كل من ماكرون وميلوني euronews.com/... 5 International Affairs التغطية الدولية لتصريحات دي ويفر en.interaffairs.ru/...
اقتباسات رئيسية موثقة:
· "لا يمكننا تهديد بوتين بإرسال أسلحة إلى أوكرانيا، ولا يمكننا خنقه اقتصادياً دون دعم أمريكي، لذلك لم يعد أمامنا سوى خيار واحد: عقد صفقة" · "في جلسات خاصة، يخبرني القادة الأوروبيون أنني على صواب، لكن لا أحد يجرؤ على التصريح بذلك علناً" · "الولايات المتحدة ليست مع أوكرانيا على الإطلاق. أحياناً أعتقد أنهم أقرب إلى بوتين منهم إلى زيلينسكي"
ثانياً: أزمة الطاقة وتأثيراتها الاقتصادية
الرقم المرجع التفاصيل الرابط 6 Geo.tv تحليل تأثير وصول سعر النفط إلى 200 دولار على الأسر الأوروبية والصناعة geo.tv/... 7 Euronews قرار الولايات المتحدة تخفيف العقوبات على النفط الروسي لمدة 30 يوماً بسبب أزمة إيران euronews.com/...
معلومات موثقة:
· تحذيرات صندوق النقد الدولي من أن استمرار أسعار النفط عند 200 دولار قد يخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.5-2% · تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على قطاعات: الوقود، التدفئة المنزلية، الأسمدة، التصنيع
ثالثاً: الصراع الأمريكي الإيراني وتداعياته
الرقم المرجع التفاصيل الرابط 8 Sohu News تحليل حادثة إسقاط المسيرة الإيرانية وتكلفة المواجهة غير المتكافئة sohu.com/... 9 Business Standard تحولات الإنتاج العسكري في ظل الحروب الحديثة، ومقارنة التكاليف business-standard.com/... 10 Phoenix News تحليل قيمة الطائرات المقاتلة مقابل المسيرات منخفضة التكلفة news.ifeng.com/... 11 JNNC News تغطية الحادثة بين الطائرة F-35 والمسيرة الإيرانية mini.jnnc.com/...
مقارنات التكلفة الموثقة:
العنصر التكلفة التقريبية المصدر طائرة F-35 أكثر من 100 مليون دولار صاروخ AIM-9X Sidewinder حوالي 500,000 دولار طائرة F-35C (تكلفة الطيران بالساعة) أكثر من 40,000 دولار مسيرة شاهد 129 20,000 - 200,000 دولار (تقديرات مختلفة) مسيرة LUCAS الأمريكية حوالي 35,000 دولار صاروخ توماهوك حوالي 2 مليون دولار منظومة THAAD (للصاروخ الواحد) حوالي 13 مليون دولار
رابعاً: خلفيات إضافية
حول نورد ستريم:
· تفجير خطوط أنابيب نورد ستريم في سبتمبر 2022 · الموقف الأوروبي المتجنب للتحقيق في الحادثة · تحول أوروبا إلى استيراد الغاز الأمريكي المسال بأسعار أعلى
حول حكومة "أريزونا" البلجيكية:
· تشكيل الحكومة قبل عام من كتابة هذه المادة (أي في 2025) · سياسات تقشفية تشمل خفض الدعم عن الضمان الاجتماعي ورفع سن التقاعد · زيادة الإنفاق العسكري وشراء أسلحة أمريكية
حول الدعم البلجيكي لأوكرانيا:
· تضاعف الدعم مقارنة بالسنوات السابقة · تصريحات وزير الدفاع تيو فرانكن حول تحديث الجيش
خامساً: تصنيف المصادر حسب الموثوقية
المستوى المصادر تقييم مصادر أساسية موثوقة VRT (هيئة الإذاعة العامة البلجيكية)، The Brussels Times، Euronews، Belga News Agency تغطية مباشرة لتصريحات دي ويفر، موثوقة عالية مصادر ثانوية موثوقة Business Standard، Geo.tv تقارير اقتصادية واستراتيجية موثوقة مصادر ذات موثوقية متوسطة Sohu، JNNC، Phoenix News (منصات صينية) تحليلات استراتيجية دقيقة ولكن بحاجة إلى تدقيق مصادر هوامشية (غير مستخدمة) لم يتم الاعتماد على مصادر غير موثوقة
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
-
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا
...
-
مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف
...
-
كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
-
خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم
-
قراءة في توقعات جيانغ شيويه تشين لنهاية الهيمنة الأمريكية
-
الإيقاع الإيراني الجديد وسقوط الهيمنة الأحادية القطبية
-
نهاية غرب آسيا القديم: تفكك الهيمنة وولادة نظام إقليمي جديد
...
-
التحقيق في -الكمين الكهرومغناطيسي- الذي هزّ أركان البنتاغون
-
صندوق قمامة تل أبيب في مرآة المكتبة العالمية: دراسة مقارنة
-
إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة
-
كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
-
كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي
...
-
الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
-
كتاب : الغريب الذي يرى
-
تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
المزيد.....
-
فيديو متداول لـ-قصف الحشد الشعبي العراقي بالأباتشي-.. هذه حق
...
-
ملك الأردن في الإمارات.. ويبحث مع محمد بن زايد هجمات إيران ع
...
-
سيناريوهات السيطرة على جزيرة خرج وتأمين مضيق هرمز.. نائب قائ
...
-
أضرار مادية في تساقط شظايا صاروخية بالقدس
-
بين الحرب والحياة.. كيف يعيش سكان البقاع وبعلبك تفاصيلهم الي
...
-
إيران تلوّح بضرب الشركات الأمريكية بالخليج وتواصل هجماتها عل
...
-
كعك العيد في خزنة إلكترونية.. سعر خيالي يثير السخرية في مصر
...
-
توراة وإنجيل وسياسة.. هل يستحضر نتنياهو -عماليق- ليسبغ القدا
...
-
رئيس الدولة وملك الأردن يبحثان التطورات الإقليمية وتداعياتها
...
-
سقوط شظايا صواريخ على الأماكن المقدسة في القدس
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|