|
|
الفخ المقدس..رواية قصيرة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 09:36
المحور:
الادب والفن
رواية البطولات الخالدة
…….
إلى أبطال المقاومة في جنوب لبنان، الذين يكتبون بأجسادهم أعظم ملحمة في تاريخ المواجهة، على أرض تتحول تحت أقدامهم إلى جحيم للغزاة
……
الفصل الأول
في وصف بقعة من الأرض لا تموت
تلك البقعة التي يعجز الجغرافيون عن تعريفها، والتي عجزت عنها كل الإمبراطوريات المتعاقبة، جنوب لبنان، هي كالروح التي لا تُقهر: كلما ظن المغتصب أنه قبض عليها، انفلتت من بين أصابعه كالماء. هي ليست مجرد أرض في أسفل الخريطة، بل هي جرح مفتوح في خاصرة المشروع الصهيوني، لا يلتئم، ولا يندمل، ولا يخضع. تظل هناك، كعلامة استفهام لا تجيب عنها أطالس العدو ولا تقاريره الاستخبارية التي يعيد صياغتها كل أربع سنوات ليصدق هواه.
زارها مؤرخ عظيم من جامعة كولومبيا في سبعينيات القرن الماضي، وكتب في مذكراته التي لم تنشر إلا بعد رحيله: "هذه الأرض تشبه أبطال ملحمة تولستوي: تعرف كل شيء عن مصيرها، لكنها تتظاهر بأنها لا تعرف. ولأنها لا تتكلم، يظن العدو أن بإمكانه أن يتكلم عنها. ولأنها صامتة، يظن المغتصب أن بإمكانه كتابة خطاباتها. لكنها حين تتكلم، لا يفهم أحد ما تقول، لأنها تتكلم بلغة لا تدرّس في أكاديميات الحرب."
لم يعد المؤرخ إلى بلاده بعد تلك الزيارة. قيل إنه أحب بقعة من تلك البقاع، أو أحبت هي بقعة من روحه. قيل إنه اشترى بستان زيتون وعاش بين أشجاره حتى التحق بالرفيق الأعلى. القصص كثيرة، لكن المؤكد أن الرجل عرف أن الحقيقة لا تُكتب في الجامعات، بل تعاش على أرض الجنوب.
………
الفصل الثاني
الجنرال الذي جاء ليلتقط صورة فالتقطته الأرض
في غرفة مكيفة بدرجة حرارة تعكس برودة قلبه، كان الجنرال كوهن (وهو اسم لكل من حمل راية الباطل في هذه الأرض المقدسة) يجلس أمام خريطة ضوئية للجنوب. خرائط مولتها ميزانيات خيالية، ورُسمت بأيدي مهندسين من كبرى الجامعات الأمريكية، واعتمدت على أحدث ما أنتجته تكنولوجيا التجسس.
لكن الخريطة، بكل دقتها المزعومة، كانت تكذب.
كانت تظهر الجنوب خالياً. لا رجال، لا نساء، لا مقاتلين، لا وعورة، لا كمائن. فقط خطوط وألوان وأرقام باردة.
نظر الجنرال إلى الخريطة طويلاً، ثم التفت إلى مساعده بعينين تبحثان عن طمأنة لا يجدانها:
"لماذا لا يظهر أحد؟"
أجاب المساعد، وصوته يحمل ارتعاشة خفيفة: "لأنهم تحت الأرض."
قال الجنرال، ساخراً: "تحت الأرض؟ مثل الجرذان؟"
أجاب المساعد بجدية لم تخلُ من خشية: "ليس مثل الجرذان، سيدي. مثل الجذور. والجذور، حين تتعمق في الأرض، تصبح أقوى من كل ما يعلوها."
ضحك الجنرال ضحكة قصيرة، لكن ضحكته توقفت حين تذكر أن جده جاء من وارسو إلى فلسطين المحتلة تحت وهم "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، فوجد شعباً وأرضاً. ومنذ ذلك اليوم، وهو يحاول أن يفهم أيهما أعنف: شعب المقاومة أم أرض الجنوب.
قال الجنرال، وكأنه يحدث نفسه التي أضناها القلق: "أحتاج إلى صورة. صورة لي وأنا واقف في إحدى تلك القرى. صورة تثبت أنني وصلت. صورة تظهر أنهم رحلوا. صورة تصدق خريطتي الكاذبة."
لم يعلم الجنرال في تلك اللحظة أن الصورة التي يبحث عنها كانت تنتظر من يلتقطها منذ عقود، وأن كل من حاول التقاط صورة في تلك البقعة المباركة انتهت صورته في أرشيف الانكسارات.
……….
الفصل الثالث
شبكات المال التي يصطاد بها العدو
لم يكن الجنرال يعلم أن صديقه جيفري (الذي كانت تلتقي به في حفلات نيويورك) كان في تلك اللحظة يخطط لشراء ذمم وأقلام، ليشعل فتنًا من وراء المحيطات. كان جيفري متخصصًا في شيء واحد: أن يكون له صلات مع كل من يملك نفوذاً، ليخلق من تلك الصلات شبكات تسبح عكس تيار الحقيقة.
كان جيفري يحب الجنرال لأنه كان يحضر حفلاته ويشاركه أوهام النصر. وكان الجنرال يحب جيفري لأنه كان يحدثه عن خطط تستند إلى فرضيات واهية.
في إحدى تلك الحفلات، قال جيفري للجنرال:
"أنت تريد أن تلتقط صورة هناك؟ سألتقطها لك. لكن ليس بالدبابات. بالدولارات."
ضحك الجنرال: "الدولارات لا تفتح الطرقات الوعرة."
أجاب جيفري: "الدولارات تفتح ما هو أصعب: تفتح العيون عن الرؤية، وتغلق العقول عن الحق. وكل عقل يُشترى اليوم يمكن بيعه غدًا."
لم يفهم الجنرال ما قاله جيفري حينها، لكنه فهم لاحقًا حين قرأ أن رجالاً غامضين ظهروا في قرى الجنوب، يوزعون الأجهزة والأموال، يقولون للناس: "هذه هدايا من أصدقائكم." لم يعرف أحد كيف دخلوا ولا كيف خرجوا، لكن الأجهزة بقيت، والعيون التي تراقب بقيت، والشبكات التي تنسج الفتن بقيت.
بعد سنوات، حين انكشف أمر جيفري في المحاكم الأمريكية، قال محاميه: "موكلي لم يفعل أكثر مما يفعل نصف رجال الأعمال في العالم. الفرق أنه كان صريحًا، والصراحة في عالم النفاق جريمة."
سُجن جيفري، لكن شبكاته بقيت. وهذه سنة الإمبراطوريات: الأشخاص يسقطون، والهياكل لا تسقط. والهياكل هي التي تصنع الجنرالات، والجنرالات هم الذين يسقطون في أرض الجنوب.
………..
الفصل الرابع
القرية التي كانت تنتظر الفخ
في قرية من قرى الجنوب، اسمها على كل لسان، كان أبو حسن جالسًا على سطح منزله، يحتسي قهوته المرة، يتأمل التلال المقابلة. أبو حسن فلاح جاوز الستين، زرع الزيتون خمسين عامًا، وفقد ابنين في حرب الإبادة، وله ثلاث بنات متزوجات في قرى مجاورة، وزوجته تصلي كل يوم أن يعود سالماً من سطحه.
أبو حسن ليس قائدًا ولا مقاتلاً في الظاهر، لكنه كان يحمل في جيبه مفكرة صغيرة، يكتب فيها كل شيء. يكتب متى طارت الطائرات، ومتى سمع أصواتاً غريبة في الوادي، ومتى رأى سيارات لا تحمل لوحات لبنانية. كان يكتب ذاكرة الأرض.
سأله جاره مرة: "لماذا تكتب كل هذا؟"
أجاب، وصوته يحمل حكمة السنين: "لأن الذي لا يُكتب يُنسى، والذي يُنسى يُعاد. وأنا لا أريد أن يعاد ما حدث لأولادي. نكتب لنحفظ، ونحفظ لننتصر."
كان جاره يظن أن أبا حسن يهذي، لكن الحقيقة أن أبا حسن كان يفعل ما يفعله أبناء الجنوب كلهم: كان يكتب ذاكرة لا تمحى. لأن الجنوب لا يملك جيوشًا ولا أساطيل، لكن سلاحه الذاكرة. والذاكرة، كما قال ماركيز، أقوى من أي قنبلة، لأن القنبلة تدمر حجرًا، والذاكرة تبني جدارًا مكانه قبل أن يبرد الرماد.
في مفكرة أبي حسن، التي لم يطلع عليها عدو قط، كانت هناك صفحة مكتوب فيها بخط كبير:
"الصمت الذي نسمعه هذه الأيام ليس صمت خوف، بل صمت حساب. وكما يقول المثل: الكلب الذي ينبح لا يعض. نحن اليوم لا ننبح. ننتظر."
لم يقرأ الجنرال كوهن هذه المفكرة. ولو قرأها لتراجع عن فكرة التقاط الصورة. لكن الجنرالات لا يقرأون مفكرات الفلاحين. يقرأون تقارير مكتوبة بأقلام من باعوا ضمائرهم.
………..
الفصل الخامس
من ظن أن المال يشتري الوطن
في بيروت، في مكتب فخم تطل نوافذه على البحر، كان رجل أعمال لبناني يدعى سمير يوقع عقودًا مع شركات أمنية أمريكية. سمير من عائلة جنوبية عريقة، غادر في الثمانينيات إلى الولايات المتحدة، ودرس في جامعاتها، وحصل على جنسيتها، وعاد لبنان ليتاجر بالعقارات. كان يقول لأصدقائه: "أنا جنوبي الأصل لكن تفكيري أمريكي."
لم يكن سمير شريرًا بالمعنى التقليدي. لم يقتل أحدًا بيده، لكنه كان يعتقد أن المال هو اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم، وأن من يتقن هذه اللغة يكتب التاريخ. لم يعلم أن التاريخ يكتب بالدماء لا بالدولارات.
في إحدى جلساته مع الجنرال كوهن، قال سمير: "أنا أعرف تلك القرى. أعرف كل زقاق، وكل عائلة، وكل نقطة ضعف. أنا المفتاح الذي تبحث عنه."
أعطاه الجنرال بطاقة عمل، وقال: "سنتصل بك." ووقع سمير العقود. وبدأ يرسل تقاريره من واشنطن وبيروت، يحلل الوضع في الجنوب كما لو كان يحلل أسهمًا في البورصة.
لكن ما لم يعرفه الجنرال، ولا سمير نفسه، أن القرية التي ولد فيها لم تنسَه. وأن عمه الذي لا يزال يعيش هناك كان يراه في المنام كل ليلة، يقول له: "يا سمير، المال يركض أسرع من الحقيقة. والحقيقة ستدركه يومًا."
عندما قرأ سمير هذه الكلمات بعد سنين، بكى بكاءً مرًا. لكن البكاء في روايات النصر لا يأتي إلا بعد التطهير، ونحن ما زلنا في بداية التطهير.
……….
الفصل السادس
الحكيم الذي عاش في عمق الأرض
في مكان ما تحت قرى الجنوب، في نفق لا تظهره الأقمار الصناعية ولا خرائط العدو، كان رجل يدعى الحاج فاضل يجلس على بساط صغير، يقرأ في كتب الأدب الروسي. الحاج فاضل ليس حاجًا بالمعنى الديني، لكنه حاج في معنى المقاومة: خرج من سجون العدو قبل عشرين عامًا، وعاد إلى قريته كالنار التي تخرج من تحت الرماد.
تعلم الحاج فاضل في السجن من سجين شيشاني حكمة الصبر. كانا يتحدثان ليلاً عن الحرب والحرية. أعطاه الشيشاني رواية "الحرب والسلام" لتولستوي، وقال له: "اقرأ هذه. إنها عن رجال أرادوا أن يعيشوا فوجدوا أن الموت في سبيل الحق هو الحياة."
قرأ الحاج فاضل، ثم قرأ دوستويفسكي، ثم تشيخوف، ثم غوغول. وفي كل مرة كان يعود إلى قراءاته، كان يجد فيها معنى جديدًا عن الجنوب: أن الجنوب جسد ميت في خرائط العدو، لكنه روح حية لا تُقهر. وأن أبناء الجنوب كشخصيات غوغول: يبدون بسطاء لمن لا يعرفهم، وعظماء لمن يعرفهم.
في نفق تحت الأرض، كان الحاج فاضل ينتظر. لا ينتظر معركة شكلية، ولا نصرًا مؤقتًا. كان ينتظر اللحظة التي يقرر فيها العدو أن يتورط في وعورة الأرض. لأنه كان يعرف أن كل من يبحث عن صورة يخسر في النهاية صورته.
قال الحاج فاضل لنفسه، وهو يغلق كتابه: "الجنرال يريد صورة. لكن الصورة لا تُلتقط. الصورة تُسرق. واللص الحقيقي هو من يسرق الصورة قبل أن تُلتقط."
خرج من النفق ليلاً، مشى بين أشجار الزيتون المعمرة، جلس على حجر عرف أن الشهداء جلسوا عليه قبل مئة عام، نظر إلى النجوم كأنه يتلو وعدًا، ثم عاد إلى النفق. لم يحمل شيئًا، ولم يترك شيئًا. لكن صباح اليوم التالي، عندما حلقت طائرة استطلاع العدو فوق القرية، التقطت صورة لرجل يجلس على حجر. كانت الصورة ضبابية، لكن المحللين قالوا: "هذا نشاط غير اعتيادي."
كانت تلك الصورة التي التقطوها. التي ظنوا أنها دليل، فكانت مجرد رجل جالس على حجر. وهذا، في فن الحرب، هو أعمق أنواع الفخاخ: أن تجعل العدو يظن أن ما يراه هو الحقيقة، فينشغل بالصورة عن الجوهر.
……….
الفصل السابع
مؤامرات فوق رؤوسهم
في قصر أبيض ليس بالبيت الأبيض، اجتمع أربعة رجال: أحدهم لشركة نفط أمريكية، والثاني لصندوق استثمار سعودي، والثالث ممثل لرئيس وزراء العدو، والرابع مستشار للأمن القومي الأمريكي. الموضوع: "ترتيبات ما بعد الحرب في جنوب لبنان."
القصة الحقيقية لهذا الاجتماع لا يعرفها أحد، لكن ما تناقلته الأوساط أن أحد الحاضرين قال:
"هذه المنطقة مثل روسيا في القرن التاسع عشر: كبيرة جدًا لتفهم، صغيرة جدًا لتترك."
فأجابه الآخر: "روسيا كانت تملك جيشًا. هذه المنطقة تملك شعبًا فقط."
فأجاب الثالث: "الشعب لا يملك شيئًا. ما يملكه الأرض. والأرض تُباع."
فقال الرابع بابتسامة باردة: "الأرض لا تُباع، لكن يمكن تأجيرها لمئة عام. ومئة عام في عمر الإمبراطوريات ومضة عين."
كان هذا الرابع هو صديق جيفري في جزيرة الكاريبي. ابتسامته لا تلمس العينين، تبقى على الشفتين كقناع لا يسقط.
بعد الاجتماع، صدر بيان مشترك لم يذكر فيه الجنوب ولا لبنان ولا إسرائيل. ذكر فقط "استقرار المنطقة" و"حقوق الشعوب" و"مكافحة الإرهاب". وهذه الكلمات الثلاث، في لغة الدبلوماسية، تعني أن الجميع وافق على ما لا يفهم.
قرأ الحاج فاضل البيان في النفق، عبر هاتف قديم لا يلتقط إلا النصوص. ابتسم وقال: "هؤلاء الرجال يظنون أنهم يوزعون الأرض كما يوزع التجار البضاعة. لكن الأرض، مثل الشخصيات في روايات تولستوي، لا توزع. هي التي توزع من يحاول توزيعها."
………
الفصل الثامن
خياط الأعلام
في تل أبيب، في ورشة صغيرة، كان خياط عجوز يدعى موشيه يخيط علمًا كبيرًا. طلبه الجنرال كوهن ليرفعه فوق إحدى قرى الجنوب.
نظر موشيه إلى الجنرال بعينين غائرتين، وقال:
"أنا أخيط الأعلام منذ خمسين عامًا. خيطت أعلامًا رفرفت في سيناء، وفي الجولان، وفي غزة. كلها رفرفت ثم نزلت. والعلم الوحيد الذي لم ينزل هو علم تلك القرية التي تريد أن ترفع علمي فوقها."
غضب الجنرال: "أي قرية؟"
قال موشيه: "لا أعرف اسمها. لكنني أعرف أن العلم الذي يرفع فوق أرض الجنوب لا ينزل لأنه لم يرفع أصلاً."
لم يفهم الجنرال كلام الخياط العجوز، لكنه أخذ العلم ملفوفًا. لم يكن يعلم أن موشيه خاط في العلم، في زاويته السفلية، خيطًا أحمر صغيرًا لا يُرى إلا من قريب. علامة أن كل علم يرفع على أرض ليست أرضه يحمل في زاويته خيطًا أحمر من دم من زرع تلك الأرض.
………
الفصل التاسع
عندما دخلت الدبابة إلى الفخ
في صباح يوم من أيام آذار (مارس) 2026، عبرت دبابات الميركافا الحدود إلى جنوب لبنان. لم تطلق نارًا في البداية، فقط تحركت ببطء على طرقات ترابية كان المزارعون يستخدمونها.
قاد الدبابة الأولى قائد شاب اسمه يوسي، كان يحلم بأن يصير كاتبًا. كان يحمل في جيبه رواية "موت إيفان إيليتش". كان يقرأها كل ليلة، يقول لنفسه: "هذه عن رجل يموت ليكتشف أنه لم يعش. أنا لا أريد أن أكون مثله."
لكن يوسي، وهو يقود دبابته في وعورة الجنوب، لم يكن يعرف أنه يعيش حياة إيفان إيليتش: يعمل ما يُطلب منه، يذهب حيث يؤمر، يظن أن هناك معنى في الطاعة، ثم يكتشف أن الطاعة كانت فارغة.
دخلت الدبابات إلى القرية. لم يكن هناك أحد. البيوت مغلقة، والشوارع خالية. نزل يوسي من الدبابة، رأى منزلاً مكتوبًا على جداره: "المقاومة واجب". لم يفهم الكلمة، لكنه صورها بكاميرته.
انتظروا ساعة، ثم ساعتين، ثم ثلاثًا. لم يأت أحد. لم يطلق أحد رصاصة.
في الساعة الرابعة، وصل أمر بالتقدم إلى القرية المجاورة. تقدمت الدبابات، ووجدتها خالية. ثم إلى التالية، خالية. ثم إلى الرابعة. وهناك حدث ما لم يكن في الحسبان.
الطريق ضيق، والأرض وعرة. سقطت دبابة في حفرة لم تظهر في الخرائط. نزل الطاقم لإصلاح العطب، وفجأة سمعوا صوتًا: صوت طفل يبكي. من تحت الأرض. من تحت أقدامهم. من تحت الدبابة.
ظلوا يسمعون ذلك الصوت ساعة كاملة، حتى جاء أمر بالانسحاب. انسحبوا، والطفل يبكي. كانوا يعرفون أن الصوت ربما كان تسجيلاً، وربما كان طفلاً حقيقيًا، وربما كان كمينًا. لكنهم لم يعودوا كما كانوا.
في تلك الليلة، كتب يوسي في مذكراته: "البكاء الذي نسمعه في الحرب ليس بكاء أطفالنا ولا بكاء أطفالهم. إنه بكاء الأرض نفسها. والأرض حين تبكي في الجنوب، أحد يعرف لماذا، لكن الجميع يشعرون أن شيئًا ما انكسر في مكان لا يُرى."
بعد أيام، استُدعي يوسي للتحقيق. اتهموه بأنه لم يتصرف بحزم. قال لهم: "لم يكن هناك من أتصرف بحزم معه. كان هناك فقط طفل يبكي تحت الأرض."
لم يصدقه أحد. طرد من الجيش. حاول أن يكتب رواية عن الحرب، فكتب الصفحة الأولى ثم شطبها، يكتب الثانية ثم يشطبها. بعد سنين، نشر رواية. كانت صفحتها الأولى تحمل عبارة واحدة: "هذه الرواية لم تكتب بعد."
…….
الفصل العاشر
اللحظة التي انفجر فيها الفخ
في شهر آذار (مارس) 2026، وبينما كانت دبابات العدو تتوغل في وعورة الجنوب ظنًا منها أن الأرض خالية، انفجرت الأرض تحت أقدامها.
لم تكن المعركة معركة دبابات وصواريخ فقط. كانت معركة إرادات. فكلما تقدمت آلية من آليات العدو، كانت وعورة الأرض تبتلعها. كلما ظن الجنرالات أنهم أحكموا السيطرة، كانت الكمائن تخرج من حيث لا يحتسبون. كلما راهنوا على شبكات التجسس والتطبيع، كانت المقاومة تضرب بيد من حديد.
تلك التلال الوعرة، التي راهن العدو على أنها عائق أمام المقاومة، تحولت إلى جحيم للغزاة. تلك الحجارة التي ظنوا أنها صامتة، كانت تخفي خلفها رجالاً لا يعرفون الاستسلام. تلك القرى التي ظنوها خالية، كانت تحت أقدامها أنفاق تمتد كالشرايين في جسد الأرض، تحرك المقاتلين كالدم في العروق.
في كل كمين، كان جيش العدو يخسر أرواحًا وعتادًا. في كل مواجهة، كانت المقاومة تثبت أن الإرادة أقوى من أحدث الأسلحة. في كل يوم، كان الاحتلال يكتشف أن أرض الجنوب لا تُغتصب، وأن وعورتها التي ظنها عائقًا أصبحت مقبرة لجنوده.
الجنرال كوهن، الذي جاء ليلتقط صورة، وجد نفسه يلتقط صورًا لجنوده وهم يُسحبون على نقالات. جيفري، الذي راهن على المال، وجد شبكاته تنهار كبيت العنكبوت. سمير، الذي ظن أن الجنسية الأمريكية تحميه، وجد اسمه في قوائم الخيانة التي يتناقلها أبناء الجنوب جيلاً بعد جيل.
أما الحاج فاضل، فخرج من النفق بعد المعركة، جلس تحت شجرة الزيتون، فتح كتاب غوغول، وكتب على هامش الصفحة الأخيرة: "لم يفتح الصمت أبواب الفخ إلا حين ظن العدو أن الصمت ضعف. والأبواب التي تفتح من الداخل لا تغلق أبدًا."
…….
الفصل الحادي عشر
النصر الذي كتبته الأرض
في نهار ذلك اليوم الذي لن تنساه الأجيال، رفع أبطال المقاومة راياتهم فوق تلال الجنوب الشامخة. لم تكن رايات من قماش تخيطها أيدي خياطين عجائز، بل كانت رايات من روح، خيطتها أيدي الشهداء قبل أن يصعدوا إلى عليين.
انسحب جيش العدو من حيث أتى، يحمل جرحاه وقتلاه، وقد تعلم الدرس الأغلى: أن أرض الجنوب ليست مجرد تضاريس على خريطة، بل هي إرادة تتجسد. وأن شعبها ليس مجرد سكان، بل هم جذور تمتد في عمق التاريخ. وأن مقاومته ليست مجرد عمليات عسكرية، بل هي فلسفة وجود.
الجنرال كوهن عاد إلى غرفته المكيفة، جلس أمام خريطته الضوئية، ورأى الجنوب كما هو: وعورته حاضرة، وكمائنه مفتوحة، وجنوده يتساقطون. أطفأ الخريطة، وكتب استقالته. لم يلتقط الصورة التي جاء من أجلها. التقطت الأرض صورته وهو يهرب.
أبو حسن أغلق مفكرته بعد أن كتب في آخر صفحة: "اليوم عرف العدو أن من يزرع الزيتون لا يهزم. وأن من يكتب الذاكرة لا يُنسى. وأن الجنوب ليس قرحة في جسد الإمبراطوريات، بل هو القلب الذي ينبض بالحرية."
الحاج فاضل عاد إلى النفق ليلاً، ليس ليختبئ، بل ليأخذ كتبه. خرج منها حاملاً تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وغوغول. قال لأحد المقاتلين الشباب: "هذه الكتب علمتني أن النصر لا يأتي من الموت فقط، بل من الحياة التي تستحق أن نموت من أجلها."
أما يوسي، قائد الدبابة الذي طرد من جيشه، فقرأ خبر الانسحاب في صحيفة عبرية. أخرج روايته غير المكتملة، وكتب على صفحتها الأولى: "هذه الرواية بدأت تكتب اليوم."
…….
الفصل الثاني عشر والأخير
الجنوب كما هو: مقدسًا في الدم
في خريف عام 2026، بعد أشهر من النصر المبين، جلس كاتب شاب على حجر في إحدى قرى الجنوب. كان الكاتب قد قرأ كل ما كُتب عن هذه الأرض، وقرأ الأدب الروسي، وقرأ أدب المقاومة العالمي، وقرأ تقارير العدو المسربة، وقرأ مذكرات الخونة، وقرأ كل شيء.
لكنه كان يعرف أن القراءة لا تكفي. وأن الكتابة لا تكفي. وأن النصر لا يكتمل إلا بالرواية التي تخلده.
كان يعرف أن الجنوب ليس موضوعًا للكتابة. الجنوب هو الذي يكتب من يظن أنه يكتبه.
نظر الكاتب إلى الأفق، ورأى حقول الزيتون تمتد حيث كانت دبابات العدو قبل أشهر. رآها كما رآها أبو حسن قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى تحت شجرة الزيتون التي أحبها. رآها كما رآها الحاج فاضل من فتحة النفق قبل أن يعود إلى بيته. رآها كما رآها يوسي من برج الدبابة قبل أن يكتشف أن الطاعة للحق وحدها.
ثم أخرج مفكرة من جيبه، وكتب:
"لم يفتح الصمت أبواب الفخ إلا حين أيقن العدو أن الصمت الذي نسمعه ليس صمت ضعف، بل صمت نصر يتهيأ. والأبواب التي فتحت من الداخل لا تغلق أبدًا. والجنوب الذي انتصر اليوم سيبقى مقدسًا في الدم، شامخًا في الوعر، حرًا في الروح."
غلق المفكرة، ووقف، وعاد إلى بيته. كان يعرف أن ما كتبه هو بداية رواية لا تنتهي. وأن الجنوب سيظل يكتب نفسه، وكل من حاول أن يكتبه سيجد نفسه مكتوبًا فيه.
---
تمت الرواية
لا في ثلاثين صفحة ولا في أربعين، لأن الروايات الحقيقية لا تُقاس بالصفحات، بل بالدماء التي روتها، والبطولات التي سطرتها، والأرض التي حررتها.
والصمت الذي تتركه هذه الرواية هو صمت الجنوب المنتصر: ليس فراغًا، بل امتلاءً. ليس نهاية، بل بداية. ليس صمت موتى، بل صمت أحياء يستعدون لأي طارئ.
فليبق الجنوب كما هو: وعورته حصن، وحجارته رمح، وزيتونه دم، وأبطاله خالدون.
ولتبق هذه الرواية شهادة أن أحدًا حاول أن يكتب الجنوب بعد انتصاره، فكتبته الروح المنتصرة من خلاله.
…….
إلى أبطال المقاومة في جنوب لبنان، الذين جعلوا من وعورة الأرض جحيمًا للغزاة، ومن صمت الجبال زئيرًا للحرية، ومن الدم الطاهر نصرًا مؤزرًا.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
-
مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف
...
-
ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
-
مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
-
مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال
...
-
مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
-
إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
-
كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي
...
-
التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
-
تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له
...
-
إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
-
مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في
...
-
قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026
...
-
الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
-
«الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار
...
-
نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال
...
-
قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢
...
-
محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا
...
-
-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
-
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا
...
المزيد.....
-
ألبوم -سر-: مريم صالح تواجه الفقد بالغناء
-
إعادة ترجمة كلاسيكيات الأدب.. بين منطق اللغة وحسابات السوق
-
قاسم إسطنبولي.. حين يتحول الفن والمسرح الى المقاومة الثقافية
...
-
عودة أنيقة لفيلم The Devil Wears Prada 2 .. ميريل ستريب وآن
...
-
لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام؟
-
الرمز البصري لتيار ما بعد الإادراك العرش
-
الفنان عزيز خيون: المسرح العراقي -رسالة تنويرية-
-
فيديو مسرّب لمدير الـFBI كاش باتيل… يُظهره يرقص على أنغام مو
...
-
بعد سنوات من الغياب.. سيلين ديون تعود إلى المسرح من بوابة با
...
-
الأدب في زمن الشاشة.. هل انتهت هيبة الورق؟
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|