أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - احمد صالح سلوم - ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع















المزيد.....


ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 14:07
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


موكب الأوهام

من يتأمل المشهد الأميركي في عامه الأول من ولاية دونالد ترامب، يدرك أن الرجل جاء إلى البيت الأبيض محمولاً على موجة من الوعود التي أغرت الداخل الأميركي وأربكت الخارج: وعود بإنهاء الحروب، وبإعادة الجنود إلى الوطن، وبفكّ الارتباط مع مغامرات غرب آسيا التي استنزفت واشنطن لعقود. كان ترامب، ذلك الرجل الذي لم يمسك بزمام السياسة من قبل، يجسّد لحظة استثنائية في تاريخ الإمبراطورية الأميركية: لحظة أعلن فيها الشعب الأميركي، بكل ما تحمله كلمة الشعب من فوضى وتناقض، تمرده على نخبه التي قادته إلى متاهات لا أول لها من آخر.

ولوهلةٍ، بدا أن الولايات المتحدة تستعد لطيّ صفحة كاملة من تاريخها العسكري، وأن رئيساً شعبوياً، غير مأخوذ بتقاليد المؤسسة، قد يجرؤ على ما لم يجرؤ عليه أسلافه. كان الوعد الرئاسي يتردّد في القاعات الممتلئة، يتعالى على منابر الحشود الغاضبة التي طالما سئمت التوابيت المغطاة بالعلم والعائدين مجزأين من صحاري لا تعرف لها اسماً. "سأنهي حروبكم"، كان يقول، "سأعيد أبناءكم". وفي تلك اللحظة، كان الصوت يعلو، والدموع تنهمر، والجمهور يرى في ترامب نبيّاً لا سياسياً.

لكن السياسة، كما يقول التاريخ، لا تُدار بالنوايا، ولا تُقاس بالشعارات، بل تُختبر في لحظة الاصطدام مع الواقع. وما كان ترامب ليدرك، وهو يقف على قمة الموجة الشعبوية، أن الغواصة التي يستقلها لا تبحر في بحر هادئ، بل تخترق مياهاً مليئة بالشعاب المرجانية التي لا ترى بالعين المجردة. هنا، في هذه العتبة بين النية والتنفيذ، بين الشعار والقرار، بدأ الوهم يتبدّد.

فبعد أحد عشر شهراً فقط، وجد ترامب نفسه في قلب مستنقع لم يكن في حساباته: مواجهة مفتوحة مع إيران، لا تشبه حروب بوش في أفغانستان ولا مغامرة العراق، بل صدام مع دولة تعرف وزنها، وتعرف حدود الآخرين، وتعرف أن الاستسلام ليس خياراً مطروحاً على الطاولة. إنها مواجهة من نوع آخر، لا تلين فيها الجبهات، ولا تنتهي باحتلال العواصم، ولا تمنح الرئيس الأميركي صورته الخالدة وهو يعلن "مهمة أنجزت". إنها مواجهة مع كيان قام على ثقافة المقاومة، وبنى استراتيجيته على إطالة أمد الحرب لا على حسمها، واختار أن تكون أدواته غير المتناظرة سلاحاً يرهق القوى العظمى قبل أن يهزمها.

وهكذا، تحوّل حلم ترامب في أن يكون "صانع السلام" إلى كابوس لا يجد له مخرجاً. تحوّلت الوعود التي أغرت الأميركيين إلى أغلال تلتف حول عنقه. وأصبح الرجل الذي وعد بإخراج أميركا من مستنقعات الشرق الأوسط، غارقاً في أعمق مستنقع عرفته المنطقة منذ عقود.

صيغة الاستسلام

لم تكن النقاط الخمس عشرة التي قدّمها ترامب كإطار للتفاوض، في تلك الأيام العصيبة التي أعقبت الانسحاب من الاتفاق النووي، سوى صيغة استسلام معلّبة: إيران بلا تخصيب، بلا صواريخ، بلا نفوذ، بلا حضور في الإقليم. إنها وثيقة كتبت بلغة المنتصرين، تلك اللغة التي لا تعرف إلا الأمر والنهي، ولا تخاطب الخصم إلا من موقع الندّ للندّ، بل من موقع السيد للعبد. وفي كل بند من بنودها الخمسة عشر، كان يتجلى ذلك الغرور الأميركي الذي ظنّ أن بمقدوره إعادة تشكيل المنطقة على مقاسه، كما لو كانت قطعة من طين بين يديه.

لكن ما كان لافتاً، وما أثار دهشة المراقبين في واشنطن وعواصم العالم، أن طهران لم ترد. لا وسطاء، لا رسائل، لا قنوات خلفية. صمتٌ كامل، لكنه صمت من يعرف أن خصمه لا يملك أوراقاً حقيقية. صمت من أدرك أن من يطلب كل شيء لا يملك شيئاً، وأن من يفرض شروطاً كهذه إنما يعبّر عن عجزه أكثر مما يعبّر عن قوته.

ترامب، الذي اعتاد أن يعلن "انتصارات" أمام جمهوره، بدا مرتبكاً بين ادعاء أن إيران تستسلم وبين شعور داخلي بأنه تورّط في معركة لا يعرف كيف يخرج منها. كان يقف أمام الكاميرات، يهدد، يتوعد، يرفع صوته، ولكن خلف الأبواب المغلقة كان السؤال يتردّد: ماذا نفعل إذا لم تستجب؟ وماذا لو ردّت إيران بطريقتها الخاصة؟

لم يكن ترامب ليدرك، في ذلك الوقت، أنه يتعامل مع خصم يقرأ التاريخ بعين غير عينه. فإيران، تلك البلاد التي شهدت انقلاب عام 1953 الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية، والتي عاشت ثماني سنوات من حرب الخليج الأولى التي وقفت فيها معظم دول العالم إلى جانب صدام حسين، قد بنت من تجاربها المرة مناعة نادرة. إنها تعرف أن الاستسلام لواشنطن لا يعني نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من التبعية الأشد وطأة.

وهكذا، تحوّلت النقاط الخمس عشرة من ورقة تفاوض إلى نصب تذكاري لفشل دبلوماسي مبكر. وتحوّل ترامب من رئيس يفرض الشروط إلى رئيس ينتظر الرد الذي لم يأتِ. وفي ذلك الصمت الإيراني، كانت تكمن بداية المستنقع الذي سيبتلع الرجل ووعوده.

الإيقاع المضاد

منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها واشنطن وتل أبيب تنفيذ مخططهما القائم على مبدأ "الصدمة والترويع"، كان واضحاً أن هذا المخطط وُلد ميتاً. فاستراتيجية الضربة التي تقطع الرأس، واغتيال القيادة، وشلّ الدولة، هي استراتيجية نجحت فقط في دول منهارة أو محميات بلا سيادة. أما إيران، فليست واحدة منها. إنها دولة ذات بنية مؤسسية معقدة، حيث القيادة ليست شخصاً بقدر ما هي نظام، وحيث اغتيال القائد لا يعني نهاية المؤسسة بل ولادة قائد جديد، غالباً ما يكون أكثر تشدداً وأكثر إصراراً.

هنا وقع ترامب في خطأ استراتيجي قاتل: لقد واجه خصماً لا يخاف الحرب، بل يتقن إدارتها. خصماً قرأ كتابات "صن تزو" عن فن الحرب قبل أن يقرأها مستشارو البيت الأبيض، وخصماً أدرك أن المعركة مع الإمبراطورية لا تُحسم في الجولات الأولى، بل في القدرة على الصمود والتحوّل.

إيران دولة ذات عمق اجتماعي، وشعبها – كما يعرف كل من درس تاريخها – أكثر تشدداً من قيادته، وأكثر وعياً بأن أي استسلام يعني نهاية وجوده لا مجرد نهاية نظامه. إنها حالة فريدة في المنطقة: دولة يلتقي فيها الحس الوطني بالحس الديني، ويتحول فيها الصراع الخارجي إلى عامل تماسك داخلي. فكل ضربة أميركية كانت تزيد من شعبية القيادة الإيرانية، وكل تهديد كان يعيد إنتاج الوحدة الوطنية التي طالما بحث عنها القادة الإيرانيون بوسائل أخرى.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن طهران تمسك بإيقاع التصعيد. كل خطوة أميركية كانت تُقابل بخطوة إيرانية محسوبة. كل تهديد كان يُجابَه بقدرة على الردّ. وكل محاولة لفرض الإيقاع كانت تُقابل بإيقاع مضاد. لم تكن طهران تستعجل الرد، ولم تكن تندفع نحو التصعيد غير المحسوب. كانت تختار الوقت المناسب، والأداة المناسبة، والهدف المناسب، وكأنها تقول لواشنطن: أنت تبدأ، ولكنني من ينهي.

في هذه المعادلة، كان ترامب يجد نفسه دائماً في موقف المتأخر، يلهث خلف الأحداث، يحاول أن يظهر بمظهر القوي بينما هو في أضعف لحظاته. وكان كل تصعيد أميركي جديد يتحوّل إلى فرصة إيرانية جديدة لتعزيز موقعها، وكأن إيران تستخدم عضلات ترامب لتدريب عضلاتها.

كوابيس البيت الأبيض

في دهاليز البيت الأبيض، لم تكن الليالي هادئة. كانت التقارير الاستخباراتية تتراكم على مكتب الرئيس، كل منها يحمل أخباراً أكثر قتامة من سابقتها. المخابرات الأميركية التي طالما اشتهرت بدقتها، كانت تعترف بعجزها عن قراءة النوايا الإيرانية بدقة. كل سيناريو كان يرسمه المحللون كان يتحطم على صخرة الواقع الإيراني غير المتوقع.

كان ترامب، في تلك الليالي، يقلب الخرائط، يعقد الاجتماعات، يستشير المستشارين الذين اختلفوا حول كل شيء إلا حول حقيقة واحدة: أن إيران ليست أفغانستان ولا العراق. كانت أصوات مستشاريه تتعالى في غرفة العمليات، بين دعاة التصعيد الذين يرون في القوة العسكرية الحل الوحيد، وبين دعاة التهدئة الذين يحذرون من مستنقع لا قاع له.

ولكن السؤال الأكثر إيلاماً كان يتردّد في أروقة البيت الأبيض دون أن يجرؤ أحد على طرحه بصوت عالٍ: كيف لرئيس وعد بإخراج أميركا من الحروب أن يجد نفسه على شفا حرب جديدة، أشد تعقيداً وأكثر تكلفة من كل الحروب السابقة؟ وكيف للرجل الذي استخدم شعار "أميركا أولاً" أن يجرّ أميركا إلى مواجهة لا تخدم مصالحها الأولى ولا الأخيرة؟

كان التناقض يتجلى في كل قرار: كلما اشتدت وطأة العقوبات، ازدادت قوة إيران في التفافها حولها. كلما زاد التهديد العسكري، ازدادت براعة إيران في تجنبه. وكان ترامب، الذي يعتقد أن الضغط الأقصى سيؤدي إلى الاستسلام الأقصى، يكتشف يوماً بعد يوم أن الضغط الأقصى لا يؤدي إلا إلى مقاومة قصوى.

في إحدى الليالي العصيبة، وبعد تقرير استخباراتي جديد أظهر تطوراً إيرانياً غير متوقع في قدراتها الصاروخية، قيل إن ترامب صرخ في وجه مستشاريه: "لقد وعدت الشعب الأميركي بأنه لن تكون هناك حروب جديدة! وأنتم تريدون جري إلى حرب لا نهاية لها!" كانت هذه اللحظة، كما يروي شهود العيان، لحظة انكسار صامت، لحظة أدرك فيها الرجل أنه غرق في مستنقع أعمق مما كان يتصور.

واشنطن تحت المجهر

بينما كانت الأنظار تتجه نحو جبهات القتال في الشرق الأوسط، كان الواقع الأميركي الداخلي يشهد تحولات دراماتيكية كانت ستبقى في الظروف العادية حديث الساعة، لكنها في ظل الأجواء الحربية كانت تتراجع إلى الخلفية. ومع ذلك، فالحقيقة، كما يعرف الاقتصاديون، لا تُدار بالشعارات بل بالأرقام. وكانت الأرقام تتحدث بلغة لا تقبل التأويل.

محطات البنزين كانت أولى ضحايا التصعيد. فمع فرض العقوبات على النفط الإيراني، وردود الفعل الإيرانية التي استهدفت ناقلات النفط في مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط بشكل جنوني، ووصلت إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ عقود. وفي أميركا، بلد السيارات بامتياز، كان كل دولار إضافي في سعر الغالون يترجم إلى غضب شعبي متصاعد، وإلى سؤال واحد كان يتردّد في كل محطة وقود: أين وعود ترامب؟

التضخم، ذلك الوحش الذي ظن الأميركيون أنهم تخلصوا منه، عاد ليطرق الأبواب من جديد. أسعار المواد الغذائية ارتفعت، وأسعار الإيجارات قفزت، والمدخرات التي ظن الأميركيون أنها آمنة بدأت تذوب كما يذوب الثلج تحت أشعة الشمس. وكان ترامب، الذي يعتقد أن الاقتصاد هو ورقة رابحته الأقوى في الانتخابات المقبلة، يرى هذه الورقة تحترق بين يديه.

وفي وول ستريت، لم تكن الأجواء أفضل. الأسواق المالية، التي كانت تراهن على استقرار المنطقة، بدأت تشهد تقلبات عنيفة. المؤشرات كانت تهبط في كل مرة تتصاعد فيها التوترات، وتصعد في كل لحظة هدوء مؤقت، وكأنها تعكس حالة الارتباك التي تعيشها إدارة ترامب نفسها.

كان المشهد مأساوياً ساخراً: رئيس وعد بإنعاش الاقتصاد الأميركي، يجد نفسه يتسبب في أسوأ أزمة تضخمية منذ السبعينيات. رئيس وعد بخفض أسعار النفط، يجد نفسه يتسبب في أعلى الأسعار في التاريخ. رئيس وعد بإعادة الازدهار، يجد نفسه يقود أميركا نحو ركود لا يعرف مداه.

خريطة الألم في الخليج

لم تكن تداعيات الحرب محصورة في واشنطن وطهران، بل امتدت إلى قلب المنطقة العربية حيث تقع "المحميات الخليجية" – السعودية والإمارات خصوصاً – التي بنت ازدهارها على وهم الحماية الأميركية. هذه الدول، التي اعتادت أن تعيش في ظل المظلة الأميركية، وجدت نفسها فجأة في خط النار المباشر.

المحميات الخليجية تعتمد على تحلية المياه وعلى النفط والغاز. إنها بنية حيوية هشة، تعرف إيران، كما تعرف القيادات العسكرية في واشنطن، أن ضرب محطات التحلية وأنابيب النفط كفيل بإعادة هذه المحميات إلى صحراء الربع الخالي. فالمملكة العربية السعودية، التي تملك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، تحتاج فقط إلى ضربة مركّزة على أرامكو ومحطات التحلية لتنهار بنيتها الحيوية. أما الإمارات، فهشاشتها أكبر، وبنيتها الدفاعية أقل قدرة على الصمود، واعتمادها على السياحة والخدمات المالية يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب أمني.

هذه ليست مبالغات، بل حقائق يعرفها المخططون العسكريون في واشنطن قبل غيرهم. وفي غرف العمليات السرية، كانت السيناريوهات الكابوسية تُرسم: إيران تضرب منشآت النفط السعودية، فتشتعل الأسواق العالمية، وتتوقف الحياة الاقتصادية في الخليج. إيران تغلق مضيق هرمز، فيتوقف ربع النفط العالمي عن المرور. إيران تستخدم أذرعها في اليمن لتضرب أهدافاً إماراتية، فتنهار ثقة المستثمرين.

وما زاد الطين بلة أن هذه الدول، التي راهنت طويلاً على الحماية الأميركية، بدأت تكتشف أن قوة الردع الأميركية لم تعد كما كانت. حاملات الطائرات التي كانت تملأ المضيق لم تعد تخيف أحداً. القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة تحولت من مواقع قوة إلى أهداف محتملة. وحلفاء واشنطن التقليديون بدأوا يبحثون عن بدائل، وعن قنوات اتصال مع طهران، وعن تأمينات إضافية لم تكن في حساباتهم من قبل.


إسرائيل بين الهشاشة والانهيار

في تل أبيب، كانت الأجواء أكثر قتامة. فإسرائيل، في جوهرها، جيش يملك دولة لا دولة تملك جيشاً. ولهذا، عندما ينهار الجيش، تنهار إسرائيل. وهذه الحقيقة، التي طالما ظللت الكيان الصهيوني، أصبحت ماثلة للعيان كما لم تكن من قبل.

اعترافات كبار القادة الإسرائيليين كانت صادمة. إيال زامير، رئيس هيئة الأركان الأسبق، تحدث علناً عن جيش على حافة الانهيار. إسحق بريك، اللواء الاحتياط، حذّر من كارثة وجودية إذا استمرت الحرب على جبهات متعددة. ومخزون القبة الحديدية الذي استنزفته إيران جعل تل أبيب مكشوفة كما لم تكن منذ 1948.

لكن الأزمة الإسرائيلية لم تكن عسكرية فقط. فالمجتمع الإسرائيلي نفسه كان يظهر علامات التصدع. آلاف المستوطنين بدأوا يفكرون في المغادرة. الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يعتمد على الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا العالية، بدأ يشهد نزوحاً للشركات ورؤوس الأموال. والسياحة، التي تشكل شرياناً مهماً للاقتصاد، انهارت تماماً.

كان المشهد أشبه بفيلم كابوسي: إسرائيل التي ظننت نفسها الدولة العظمى الصغرى، تجد نفسها عاجزة عن حماية مستوطناتها، عاجزة عن ضمان أمن مواطنيها، عاجزة حتى عن الحفاظ على تل أبيب، عاصمتها الاقتصادية والثقافية، من رشقات الصواريخ.

والأكثر إيلاماً، أن إسرائيل وجدت نفسها في عزلة دولية غير مسبوقة. حتى حلفاؤها التقليديون بدأوا يبتعدون. الدول العربية التي كانت تراهن على التطبيع، بدأت تعيد حساباتها. والرأي العام العالمي، الذي طالما تعاطف مع الرواية الصهيونية، بدأ يتغير. في الجامعات الأميركية والأوروبية، كانت المظاهرات المؤيدة لفلسطين تشهد أوسع مشاركة في التاريخ. والنخب السياسية في الغرب بدأت تتحدث عن "حل الدولتين" بلغة أكثر جدية من أي وقت مضى.

أوراق طهران غير المستخدمة

طهران، بدهائها المعروف، لم تستخدم بعد كل أوراقها. كانت تعرف أن التصعيد التدريجي هو سلاحها الأقوى، وأن إطالة أمد الحرب تصب في مصلحتها. وفي أدراج القيادة الإيرانية، كانت تنتظر أوراق لم تلعب بعد، كل منها قادر على تغيير موازين القوى بشكل جذري.

الورقة الأولى: إغلاق باب المندب. هذا الممر المائي الحيوي، الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية، كان تحت سيطرة الحوثيين، حلفاء إيران في اليمن. قرار واحد من طهران يمكن أن يغلق هذا الممر، فيشل حركة الملاحة الدولية، ويضرب الاقتصاد العالمي في مقتل.

الورقة الثانية: هروب الأجانب من الخليج. دول الخليج تعتمد بشكل كبير على العمالة الأجنبية والخبرات الغربية. أي تصعيد أمني كبير سيدفع هؤلاء الأجانب إلى المغادرة، مما سيؤدي إلى انهيار اقتصادي فوري في هذه الدول. العمال الآسيويون سيعودون إلى بلادهم، والخبراء الغربيون سيغادرون، والاستثمارات الأجنبية ستجف.

الورقة الثالثة: نزوح المستوطنين من إسرائيل. المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية والجولان هم أكثر فئات المجتمع الإسرائيلي تطرفاً، لكنهم أيضاً أكثرها هشاشة. أي تصعيد كبير سيجعل حياتهم مستحيلة، ويدفعهم إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية، مما سيخلق أزمة سكانية وسياسية في إسرائيل.

الورقة الرابعة: انهيار المحميات الخليجية إلى ما كانت عليه قبل النفط. هذه الدول، التي بنيت على الثروة النفطية، لم تختبر أبداً كيف تعيش بدونها. صدمة نفطية كبيرة، مصحوبة بتدمير بنيتها التحتية، ستعيدها عقوداً إلى الوراء، وستكشف عن هشاشة لم تكن ظاهرة على السطح.

طهران كانت تدرك أن كل هذه الأوراق، إذا استخدمت في الوقت المناسب، يمكن أن تغير المعادلة بشكل جذري. لكنها كانت أيضاً تدرك أن استخدامها مبكراً قد يحرقها دون جدوى. لذلك كانت تنتظر، تراقب، تختار الوقت المناسب، وكأنها تقول لواشنطن: أنتم لم تروا شيئاً بعد.

معركة السردية

كان ترامب، في جوهره، رجل سردية. لقد بنى صعوده السياسي على قدرته على فرض روايته على الواقع، على تحويل الأكاذيب إلى حقائق مقبولة، على جعل جمهوره يصدق ما يريد تصديقه. لكن في مواجهة إيران، كانت هذه القدرة تواجه تحديها الأكبر.

إيران، أيضاً، كانت تلعب لعبة السردية، ولكن بلعبة مختلفة تماماً. في السردية الإيرانية، كانت واشنطن هي المعتدي، وإسرائيل هي العدو الأبدي، والمقاومة هي السبيل الوحيد. هذه السردية كانت تتسق مع تاريخ طويل من التدخلات الغربية، ومع واقع جغرافي وسياسي يجعل من الاستسلام خياراً غير ممكن.

في الساحة الدولية، كانت معركة السردية تحسم لمصلحة إيران بشكل متزايد. الرأي العام العالمي، الذي طالما رأى في إيران تهديداً، بدأ يرى فيها ضحية. وسائل الإعلام الغربية، التي طالما كررت الرواية الأميركية، بدأت تنشر تقارير مختلفة. والمثقفون والأكاديميون في الغرب بدأوا يكتبون مقالات تعيد قراءة الصراع من منظور مختلف.

وفي الداخل الأميركي، كانت السردية تتصدع أيضاً. الأميركيون الذين انتخبوا ترامب لأنه وعد بإنهاء الحروب، بدأوا يتساءلون كيف وصلوا إلى حرب جديدة. الذين انتخبوه لأنه وعد بخفض أسعار النفط، بدأوا يدفعون أثماناً لا تطاق في المضخات. الذين انتخبوه لأنه وعد بـ"أميركا أولاً"، بدأوا يرون أميركا تقود حروباً لا تعود عليهم بأي فائدة.

هنا، في هذه الفجوة بين الوعد والواقع، بدأت سردية ترامب تنهار. كل يوم كانت تكشف عن كذبة جديدة، عن وعد لم يتحقق، عن حلم تحول إلى كابوس. وكانت إيران، التي لا تتحدث كثيراً، تترك أفعالها تتحدث عنها، وتترك الصور تتحدث عنها: صور الصواريخ التي تخترق القبة الحديدية، صور المستوطنين الفارين، صور محطات البنزين المزدحمة في أميركا.

لحظة الحقيقة

كلما طالت الحرب، أصبح الوضع أصعب على ترامب، وأفضل لإيران. فطهران كانت تملك عنصراً لا تملكه واشنطن: الوقت. كانت تعرف أن إدارة ترامب، بكل صخبها وتهديداتها، هي إدارة مؤقتة، وأن الرئيس الأميركي، حتى لو أعيد انتخابه، لن يبقى إلى الأبد. أما إيران، فهي دولة استمرت عبر القرون، وعبرت من عواصف كثيرة، وستعبر هذه العاصفة أيضاً.

في واشنطن، كانت المؤشرات تدق ناقوس الخطر. استطلاعات الرأي كانت تظهر تراجعاً حاداً في شعبية ترامب. الجمهوريون، الذين كانوا يقفون خلف رئيسهم، بدأوا يبتعدون تدريجياً. حتى أشد مؤيدي ترامب بدأوا يتساءلون: هل هذه الحرب تستحق كل هذه التضحيات؟

وفي طهران، كانت الأجواء مختلفة. الشعب الإيراني، الذي عانى من عقوبات قاسية ومن صعوبات اقتصادية كبيرة، كان متماسكاً بشكل مدهش. القيادة الإيرانية كانت تظهر ثقة متزايدة، وكأنها تعرف أن النصر قريب. والحرس الثوري الإيراني كان يستعد للمراحل المقبلة، معتقداً أن اللحظة الحاسمة قد حانت.

الخيارات المتاحة أمام ترامب كانت تضيق يوماً بعد يوم. الانسحاب من المواجهة كان يعني الاعتراف بالهزيمة، وكان يعني نهاية حلمه السياسي. التصعيد العسكري الكبير كان يعني الدخول في حرب لا نهاية لها، وكان يعني خسارة أي فرصة لإعادة انتخابه. البقاء في المستنقع كان يعني استمرار النزيف، واستمرار تدهور وضعه الداخلي والخارجي.

وإيران كانت تعرف كل ذلك. كانت تعرف أن ترامب ليس لديه خيار جيد، وأن أي خيار سيختاره سيكون أسوأ من الذي سبقه. كانت تنتظر، تراقب، تعد أوراقها، وكأنها تعرف أن الزمن يعمل لصالحها، وأن الصبر هو سلاحها الأقوى.

الإمبراطورية التي تترنح

في النهاية، قد تجد واشنطن نفسها أمام خيار واحد: الرحيل من غرب آسيا، ومعها كيانها الصهيوني ومحمياتها. ليس لأن أحداً أجبرها على الرحيل، بل لأنها فقدت القدرة على البقاء. فالإمبراطوريات – كما يقول التاريخ – لا تسقط بضربة واحدة، بل تسقط حين تفقد قدرتها على فرض إرادتها. وحين تبدأ تكلفة البقاء تفوق منفعته، وحين تدرك الأمم الخاضعة لها أن سطوتها لم تعد مطلقة، وحين يدرك الحلفاء أن حمايتها لم تعد مضمونة.

ما يجري اليوم هو لحظة الحقيقة: إيران تفرض الإيقاع، وترامب يلهث خلفه. ليس لأن إيران أقوى عسكرياً، بل لأنها أعقل سياسياً، وأكثر صبراً، وأفضل قراءة للتاريخ. وليس لأن ترامب أضعف مما كان، بل لأنه وقع في فخ لم يتوقعه: فخ الوعود التي تحولت إلى مستنقع، وفخ الشعارات التي اصطدمت بالواقع، وفخ الحلم الأميركي الذي تحول إلى كابوس أميركي.

العبرة التي تخرج من هذه الملحمة ليست عسكرية ولا سياسية فقط، بل وجودية. إنها قصة رجل ظن أنه يستطيع تغيير قوانين التاريخ، فإذا به يصطدم بها بقوة. وقصة إمبراطورية ظنت أن هيمنتها أبدية، فإذا بها تترنح على حافة الهاوية. وقصة شعب ظن أن وعوداً انتخابية كافية لتغيير مصيره، فإذا به يدفع الثمن غالياً.

ترامب لم يخسر الحرب بعد، لكنه خسر الرواية. وإيران لم تنتصر بعد، لكنها تمسك بمفاتيح النصر. وما بين هذا وذاك، تقف المنطقة على أبواب تحولات كبرى، ستغير خريطة القوى فيها لعقود قادمة. وفي قلب هذه التحولات، يظل السؤال الأكبر: هل يتعلم صنّاع القرار في واشنطن الدرس؟ أم أنهم سيواصلون تكرار أخطاء الماضي، وهم يظنون أنهم يصنعون المستقبل؟

هذا ما ستجيب عنه الأيام. لكن ما لا شك فيه أن المستنقع الذي وعد ترامب بإخراج أميركا منه، قد ابتلعه هو أولاً. وأن الوعد الذي أغرت به الأميركيين، تحول إلى أغلال تلف أعناقهم. وأن الرجل الذي جاء ليكتب فصلاً جديداً في التاريخ، وجد نفسه مجرد هامش في فصل كتبته إيران بأحرف من نار.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
- مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال ...
- مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
- إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
- كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي ...
- التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
- تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له ...
- إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
- مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في ...
- قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026 ...
- الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
- «الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار ...
- نهاية الهيمنة: قراءة في زلزال الصواريخ الإيرانية وانهيار -ال ...
- قراءة استراتيجية في العقل الإيراني خلال حرب رمضان ٢ ...
- محميات الخليج الصهيو أمريكية : قراءة في بنية التبعية ومصير ا ...
- -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
- بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام ا ...
- مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المداف ...
- كتاب : الموت الحضاري: حين يصبح المبدع رقماً
- خرائط الرمال المحترقة: تفكيك الهيمنة في زمن التعتيم


المزيد.....




- عائلة مزارعين ترفض عرضاً بقيمة 26 مليون دولار من شركة ذكاء ا ...
- الشركة قدرت -ذوق اللص الرفيع-.. اختفاء 12 طنًا من شوكولاتة - ...
- مقاطع منسوبة لـ-احتفالات سورية في ألمانيا باستقبال الشرع-.. ...
- سفن من باكستان والصين والهند تعبر مضيق هرمز بوساطة من إسلام ...
- اختتام المؤتمر الدولي المناهض للفاشية والإمبريالية بالبرازيل ...
- في إيران ولبنان.. الأطفال يدفعون ثمنا باهظا للحرب
- الولايات المتحدة تعلن استئناف سفارتها في فنزويلا عملها بعد س ...
- تضرر مصفاة للنفط في حيفا ومصنعا في جنوب إسرائيل جراء صواريخ ...
- هل تنجح باكستان في مهمة الوساطة -من وراء الكواليس- بين طهران ...
- مظاهرة في تعز اليمنية تندد بهجمات إيران على الخليج والأردن


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - احمد صالح سلوم - ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع