أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً















المزيد.....


شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 00:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في براري الصوت العالي

ثمّة لحظات في تاريخ السياسة الدولية، تتكاثف فيها الغيوم فوق سماءٍ كانت صافية، وتتكاثر فيها التهديدات كما تتكاثر الأسئلة في صدر قلق. والتهديد، في هذا السياق، ليس مجرد كلمة تخرج من فم سياسي، بل هو أداة ضغط، وميزان حرارة يقيس نبض الخصوم، وقنطرة يعبرها المتحدث إلى فضاءات من النفوذ الافتراضي.

هكذا قرأت العواصم العربية والأوروبية والآسيوية سلسلة التصريحات التي تصاعدت من واشنطن، وصولاً إلى تلك العبارة التي التقطتها وسائل الإعلام كالوميض: "حتى منتصف نهار الغد". عبارة تحمل في طياتها زمنية مقطوعة، كأنها موعد مع مقصلة، أو كأنها حدّ فاصل بين مرحلة وأخرى.

لكن من يمعن النظر في بنية هذه التهديدات، يجدها لا تنتمي إلى منطق القوة الكلاسيكي، بل إلى جنس آخر من الخطاب: خطاب الاستعراض الذي يتخفف من أثقال الردع، ويتحرك بخفة اللاعب المحترف في حلبة سياسية باتت تعرف كل خدع المسرحيين.

فما سرّ هذه اللغة؟ ولماذا تتصاعد الآن؟ ولماذا لا يبدو الشرق مذعوراً كما كان قبل عقدين؟


لنبدأ من حيث تبدأ كل ظاهرة سياسية: من البنية. فالخطاب التهديدي الرفيع النبرة لا يولد في فراغ، بل يُنسج على أنوال متداخلة من المصالح الداخلية والخارجية. فمن جهة، هناك الجمهور المحلي الذي يتغذى على صور القوة، ومن جهة أخرى، هناك الخصوم الإقليميون الذين تُقاس ردود فعلهم بمقياس الحساسية السياسية.

هنا تبرز خصوصية اللحظة الراهنة. فالشرق الذي نعرفه اليوم ليس ذلك الشرق الذي كان يرتجف أمام نبرة الرئيس الأمريكي الأسبق. لقد مرّت عقود من التحولات، بعضها صامت وبعضها جلجل. فقد تعلمت الدول في غرب آسيا أن الصوت العالي قد يكون غطاءً لضعف في المضمون، وأن السيف الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج يسبقه.

والملفت أن هذه التهديدات تأتي في وقت تبدو فيه واشنطن مقيدة بمشاغلها الداخلية. فالحسابات الانتخابية، والانقسامات الحادة في الرأي العام، والتعب من الحروب البعيدة، كلها عوامل تشكّل قيداً غير مرئي على أي مغامرة عسكرية واسعة. وهذا ما يجعل التهديد، في جوهره، بديلاً عن الفعل، أو على الأقل، مقدمة له قد تظل معلقة إلى أمد غير مسمى.

لكن السؤال الأعمق: كيف تقرأ القوى الإقليمية هذه اللغة؟ هنا نصل إلى قلب التحولات البنيوية التي شهدها النظام العالمي. فقبل ثلاثة عقود، كانت التهديدات الأمريكية تُقرأ على أنها نذير حتمي، كأنها قانون فيزيائي لا يقبل التأويل. أما اليوم، فقد تعلّمت العواصم الكبرى في الشرق أن هناك فجوة بين الكلمة والفعل، وأن هذه الفجوة قد تكون متعمدة، بل إنها قد تكون الغرض الأصلي من التهديد نفسه.

هذا التحول في القراءة ليس مجرد تغير في المزاج السياسي، بل هو نتاج تراكم تجارب طويلة. فقد مرّت المنطقة بموجات من التصعيد والتهدئة، ورأت كيف أن التهديدات الكبرى غالباً ما تنتهي إلى تسويات، وكيف أن "الموعد النهائي" قد يتكرر دون أن يحمل معه أي نهاية حقيقية.

ثم هناك عامل آخر لا يقل أهمية: تعدد مراكز القوة في العالم. فلم تعد واشنطن اللاعب الوحيد على مسرح الشرق، بل هناك أطراف أخرى تملك قدراً من الحماية والمناورة، مما يجعل أي تهديد يواجه بحسابات أكثر تعقيداً من مجرد الخضوع أو التمرد.

دعونا نتأمل طبيعة هذه التهديدات في سياقها المباشر. إنها تتركز غالباً حول ملفات حساسة: أسعار الطاقة، الممرات المائية، برامج التسليح، النفوذ الإقليمي. وفي كل هذه الملفات، ثمة مصالح متشابكة تجعل أي صدام مفتوح مكلفاً للجميع، بما في ذلك من يطلق التهديد.

هذه المعادلة تفسر لماذا تظل التهديدات، مهما بلغت حدتها، داخل حدود معينة. فهي لا تصل إلى درجة إعلان الحرب، ولا تتجاوز عتبة الردع المتبادل. إنها تتحرك في فضاء رمادي، بين السلام والحرب، بين التصعيد والتراجع.

وهذا الفضاء الرمادي هو بالضبط حيث تبرع الإدارة الأمريكية الحالية. ففي التعامل مع هذا الفضاء، تظهر مهارة خاصة في تحويل الكلمات إلى أوراق تفاوض، وفي جعل التهديد نفسه سلعة يمكن المتاجرة بها في أسواق السياسة.

ولكن هل هذه اللعبة آمنة دائماً؟ وهل يمكن للتهديد أن يظل محصوراً في حدوده دون أن ينفلت؟


هنا نصل إلى نقطة التحول الجوهرية. فالشرق الذي نتحدث عنه اليوم ليس مجرد خريطة ثابتة، بل هو كيان حي يتغير من الداخل. التغير يبدأ من بناه الاقتصادية: فبعض دول المنطقة لم تعد تعتمد على مصدر واحد للقوة، بل طورت شبكات معقدة من التحالفات والاستثمارات والشراكات، تجعلها أقل عرضة للضغوط أحادية الجانب.

وهناك تغير آخر في البنية الذهنية: فقد ترسخ لدى صانعي القرار في المنطقة إدراك أن التهديد ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لمفاوضات، وأن "السقف المرتفع" في الكلام يعني غالباً "سقفاً منخفضاً" في الفعل.

وهذا الإدراك لم يأت من فراغ، بل نتج عن سنوات من الاختبارات العملية. ففي كل مرة ارتفعت فيها نبرة التهديد، ثم تبين أن الخطوط الحمراء لم تُختَرَق، وأن "اللحظة الحاسمة" تأجلت إلى لحظة أخرى، ترسخ الدرس: أن جزءاً كبيراً من هذه اللغة هو للاستهلاك الإعلامي ولخلق حالة من الضغط النفسي، لا لتحقيق أهداف عسكرية ملموسة.


لكن هذا لا يعني أن التهديدات لا أثر لها. فهي تترك بصماتها على الأسواق، وعلى تحركات رؤوس الأموال، وعلى حسابات المخاطر التي تجريها الشركات العالمية. وهنا تحديداً تكمن مفارقة مثيرة: فالتهديد يؤثر في الاقتصاد أكثر مما يؤثر في السياسة، وفي الخوف الجماعي أكثر مما يؤثر في قرارات القيادات.

فالأسواق بطبيعتها تتأثر بالكلمات قبل الأفعال، وترتفع حساسيتها لأي تصعيد لفظي. وهذا ما يفسر لماذا تستخدم التهديدات أحياناً كأداة للتأثير في أسعار النفط أو في أسعار صرف العملات. إنها سلاح اقتصادي غير مباشر، يضرب حيث لا ترى العين جراحاً، لكن الميزان التجاري يشعر بها.

وهنا تبرز حكمة بعض القوى الإقليمية في التعامل مع هذه التهديدات. فهي لا تنشغل بالضجيج، لكنها في الوقت نفسه تتخذ احتياطاتها الاقتصادية، وتنوّع شركاءها، وتبني منظومات مالية بديلة تقلل من هشاشتها أمام أي صدمة محتملة.


دعونا ننتقل من التجريد إلى التطبيق، ونتأمل حالة واحدة يمكن اعتبارها نموذجاً مصغراً لهذه الديناميكية. هناك قوة إقليمية كانت على مدى عقود محوراً أساسياً في معادلات التهديد والوعيد. هذه القوة تعرضت لأقسى أنواع الضغوط، من عقوبات إلى تهديدات عسكرية إلى حملات دبلوماسية مكثفة.

ومع ذلك، لم تتراجع هذه القوة عن خطوطها الكبرى، بل تعلمت كيف تصمد، وكيف تحوّل التهديدات إلى فرص للتفاوض، وكيف تبني شبكة من العلاقات تجعل عزلتها مستحيلة. وهي اليوم لا تقرأ التهديدات الجديدة على أنها مفاجأة، بل على أنها تكرار لنمط مألوف، تعرف أين تبدأ مفاصله وأين تنتهي.

هذه القوة تدرك أن التهديدات الأمريكية غالباً ما تأتي في سياق انتخابات أمريكية، أو في سياق أزمات داخلية تحتاج إلى تحويل الانتباه، أو في سياق تفاوضي تريد واشنطن رفع سقفه. وهي تدرك أيضاً أن "الموعد النهائي" ليس نهائياً، وأنه يمكن تجاوزه بالصبر والمناورة.


وهنا نصل إلى البعد النظري الذي يضيء هذه الظاهرة. في التحليل البنيوي للعلاقات الدولية، يُنظر إلى التهديدات على أنها جزء من بنية القوة الشاملة، وليست مجرد أفعال فردية. فقوة أي تهديد لا تكمن في حدته اللفظية، بل في مدى مصداقيته، وفي قدرة من يطلقه على تنفيذه، وفي تكلفة التنفيذ مقارنة بالامتناع عنه.

هذه البنية تتغير عندما تتغير موازين القوة في النظام العالمي. ففي عالم أحادي القطب، كانت التهديدات تحمل وزناً أكبر لأن البدائل كانت محدودة. أما في عالم متعدد الأقطاب، حيث توجد مراكز قوة بديلة، فإن التهديدات تواجه بحسابات مختلفة، وحيث يمكن للدولة المهددة أن تجد ملاذات وحلفاء يخففون من وقع الضغط.

وهذا التحول البنيوي هو ما يفسر لماذا لم يعد الشرق يخاف الصوت المرتفع. ليس لأنه أصبح أكثر شجاعة، بل لأنه أصبح أقل عزلة، وأكثر تشابكاً مع مراكز قوة أخرى تجعل حساب المخاطر مختلفاً عما كان عليه قبل عقدين.

لكن ماذا عن الجانب النفسي في هذه المعادلة؟ فالسياسة ليست مجرد حسابات عقلانية باردة، بل هي أيضاً مزيج من الانطباعات والصور والرموز. والتهديدات، في هذا البعد، تستهدف العقل الجمعي أكثر مما تستهدف القيادات.

وهنا نكتشف مفارقة أخرى: فكلما تكررت التهديدات دون تنفيذ، تراجعت قوتها النفسية. الجمهور الذي كان يرتجف عند أول تهديد، يصبح بعد التهديد العاشر أقل تأثراً، بل قد يتحول الخوف إلى سخرية، والارتباك إلى ثقة زائدة.

هذا التآكل في القوة النفسية للتهديدات هو ما يفسر لماذا تضطر واشنطن أحياناً إلى رفع السقف اللفظي أكثر وأكثر، لتعويض التراجع في المصداقية. لكن رفع السقف هذا له حدوده أيضاً، لأنه كلما ارتفع أكثر، أصبح تحقيقه أصعب، وأصبح التراجع عنه أكثر كلفة.

إنها حلقة مفرغة: التهديد يفقد قوته بالتكرار، ورفع نبرته يجعله أقل قابلية للتنفيذ، وهذا يزيد من فقدان المصداقية، مما يستدعي مزيداً من الرفع، وهكذا.


لننظر الآن إلى الجانب الآخر من الطاولة: كيف تبني القوى الإقليمية استراتيجياتها في مواجهة هذا النمط من التهديدات؟

أولاً: الصبر الاستراتيجي. بدلاً من الرد الفوري، تنتظر هذه القوى لتتبين إن كان التهديد سيترجم إلى فعل أم سيتبخر كما تبخر سابقوه. وهذا الصبر ليس سلبياً، بل هو شكل من أشكال القوة: قوة عدم الانجرار إلى فخ التصعيد الذي قد يريده الخصم.

ثانياً: التنويع في الحلفاء والشركاء. فالدولة التي ترتبط بعلاقات قوية مع عدة مراكز قوة عالمية، تكون أقل عرضة للضغوط القادمة من مركز واحد. وهذا ما دفع بعض القوى الإقليمية إلى تعميق علاقاتها مع الصين وروسيا والهند ودول أخرى، ليس بديلاً عن العلاقة مع واشنطن، بل كتوازن لها.

ثالثاً: بناء القوة الذاتية. فالدولة التي تمتلك قدرات ردع خاصة بها، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، تكون في موقع أقوى عند التعامل مع التهديدات. وهي لا تحتاج إلى أن تخاف، لأن لديها ما ترد به، أو على الأقل ما تجعل به تكلفة العدوان مرتفعة.

ولكن ثمة بُعداً أعمق لا ينبغي إغفاله: البُعد التاريخي. فالشرق الذي نراه اليوم هو نتاج قرون من التفاعل مع القوى الخارجية، وقرون من تعلم دروس القوة والضعف. لقد مرّت المنطقة بفترات من الهيمنة الكاملة، وفترات من التبعية، وفترات من التمرد. وكل هذه التجارب تركت بصماتها في الذاكرة الجمعية.

وما يحدث اليوم هو أن هذه الذاكرة الجمعية وصلت إلى مرحلة من النضج، حيث أصبحت قادرة على التمييز بين التهديد الحقيقي والتهديد الاستعراضي، وبين الخطر الوشيك والخطر البعيد، وبين ما يجب الخوف منه وما يمكن تجاوزه.

هذا النضج التاريخي هو أحد الأسباب التي تجعل المنطقة أقل تفاعلاً مع التهديدات الصاخبة. فكما أن الإنسان الذي سقط عدة مرات يتعلم كيف يتوقع السقوط، كذلك الأمم التي واجهت تهديدات متكررة تتعلم كيف تقيمها ببرود، وكيف لا تسمح للخوف بأن يشل إرادتها.

دعونا نعود إلى التهديد الأحدث، ذلك الذي يحمل في صياغته الزمنية مفارقة ملفتة: "حتى منتصف نهار الغد". لماذا هذه الدقة الزمنية؟ ولماذا هذا التحديد الذي يحيل إلى موعد درامي؟

قد يكون الجواب في الطبيعة التلفزيونية للسياسة المعاصرة. فالتوقيت المحدد يخلق حالة من الترقب، ويجذب انتباه وسائل الإعلام، ويجعل الجمهور عالقاً أمام الشاشات ينتظر ما سيحدث. إنها دراما سياسية بامتياز، حيث يكون التهديد هو بطل الحلقة، والموعد النهائي هو عنصر التشويق.

لكن هذه الدراما لها ثمنها. فحين يحين "منتصف نهار الغد" ولا يحدث شيء، أو يحدث أقل بكثير مما كان متوقعاً، فإن المصداقية تتآكل مرة أخرى. والجمهور الذي كان مشدوهًا يصبح ساخراً، والخصوم الذين كانوا حذرين يصبحون أكثر جرأة.

وهكذا تتحول الدورة إلى حلقة مفرغة أخرى: تهديد يخلق ترقباً، ترقب يتبعه خيبة أمل، خيبة أمل تضعف المصداقية، ضعف المصداقية يستدعي تهديداً أكبر لاستعادة الهيبة، وهكذا.

هنا نصل إلى مقارنة ضرورية بين نمطين من الخطاب السياسي: الخطاب التهديدي الصاخب، والخطاب الردعي الهادئ. الأول يعتمد على الضجيج والوعيد والمواعيد النهائية الدرامية. والثاني يعتمد على بناء القدرات، وإظهار الجاهزية، وخلق حالة من اليقين بأن أي اعتداء سيواجه برد مناسب.

أي النمطين أكثر فعالية في عالم اليوم؟ الأدلة تشير إلى أن الخطاب الهادئ، البعيد عن الضجيج، غالباً ما يكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل. فالقوة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان، بل تظهر عندما يحين وقت الاختبار. والدول التي تمتلك قدرات حقيقية لا تحتاج إلى التلويح بها باستمرار، لأن الجميع يعرفها.

في المقابل، الخطاب الصاخب قد يكون فعّالاً في المدى القصير، وفي خلق حالة من الضغط النفسي، وفي التأثير على الأسواق والرأي العام. لكنه يستهلك مصداقية صاحبه، ويجعل الخصوم يتعلمون ألا يأخذوه على محمل الجد.

ولكن ماذا عن الجبهة الداخلية؟ فالسياسة الخارجية غالباً ما تكون انعكاساً للسياسة الداخلية، والتهديدات التي تطلق للخارج قد تكون موجّهة في جزء منها إلى الداخل.

هنا نجد تفسيراً إضافياً لتصاعد النبرة: الحاجة إلى إظهار القوة أمام جمهور محلي متعب، أو إلى تحويل الانتباه عن مشاكل داخلية، أو إلى توحيد الصفوف خلف قائد في لحظة أزمة. فالتهديد الخارجي هو أداة كلاسيكية لخلق التماسك الداخلي، ولإسكات الأصوات الناقدة، ولإضفاء شرعية على سياسات مثيرة للجدل.

وهذا البعد الداخلي يفسر لماذا قد تستمر التهديدات حتى بعد أن تفقد فعاليتها الخارجية. فهي تؤدي وظيفة داخلية، حتى لو كانت رسالتها للخارج قد أصبحت مكررة ومستهلكة.

ولكن هذه اللعبة خطيرة أيضاً، لأنها قد تؤدي إلى مأزق: فالقائد الذي يرفع نبرة التهديد لإرضاء جمهوره الداخلي، قد يجد نفسه محاصراً بتهديداته، مضطراً إلى التنفيذ لتجنب فقدان المصداقية الداخلية، حتى لو كان التنفيذ ضد مصلحته الاستراتيجية.

هنا نصل إلى سؤال المصير: إلى أين تتجه هذه الديناميكية؟ هل ستستمر التهديدات في التصاعد حتى تصل إلى نقطة اللاعودة؟ أم أن هناك آليات لخفض التوتر وإعادة الأمور إلى مسار أكثر استقراراً؟

الجواب يعتمد على عدة عوامل. أولها: قدرة الأطراف على قراءة نوايا بعضها البعض بدقة. فكثير من الصراعات تنشأ ليس لأن الأطراف تريد الحرب، بل لأن كلاً منها يسيء تفسير تصرفات الآخر. وكلما زادت التهديدات، زادت احتمالات سوء الفهم، وزاد خطر الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة.

ثانيها: وجود قنوات اتصال خلفية، بعيدة عن الأضواء، تسمح بتسوية سوء الفهم قبل فوات الأوان. فالدبلوماسية السرية، رغم كل الانتقادات الموجهة إليها، قد تكون المنقذ الوحيد في لحظات التوتر القصوى.

ثالثها: إدراك الجميع أن التصعيد غير المحدود يؤدي إلى خسارة الجميع، وأن أي حرب واسعة في المنطقة ستكون بلا فائزين حقيقيين. فهذا الإدراك، حين يكون راسخاً، يعمل ككابح طبيعي يمنع التهديدات من التحول إلى أفعال.

لننتقل الآن إلى المشهد الأوسع: كيف تؤثر هذه الديناميكية على النظام العالمي ككل؟ فالشرق ليس جزيرة معزولة، بل هو قلب العالم من حيث الطاقة والتجارة والممرات الملاحية.

عندما ترتفع نبرة التهديدات في الشرق، ترتفع معها أسعار النفط في كل مكان، وتتأثر سلاسل التوريد العالمية، وتزداد حالات عدم اليقين في الأسواق المالية. وهذه التأثيرات ترتد بدورها إلى الولايات المتحدة نفسها، مما يضع قيوداً إضافية على حرية المناورة.

وهذا ما يخلق مفارقة كبرى: فالدولة التي تطلق التهديدات قد تكون أكثر المتضررين منها، بسبب تداعياتها الاقتصادية العالمية. فأسعار النفط المرتفعة تضرب الاقتصاد الأمريكي، والتوتر في الممرات المائية يهدد المصالح الأمريكية، وفقدان الاستقرار في المنطقة يخلق فراغات قد تملأها قوى أخرى.

لذا، فإن لعبة التهديدات ليست لعبة صفرية، حيث يكسب أحدهم ما يخسره الآخر. إنها لعبة خاسر-خاسر إذا تطورت إلى ما هو أبعد من الخطاب، ولعبة مكلفة للجميع حتى وهي في حدودها الحالية.

ولكن هناك من يستفيد من هذه اللعبة، وهم ليسوا بالضرورة من داخل المنطقة. فالتهديدات تخلق حالة من عدم الاستقرار تدفع رؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات آمنة، وتزيد الطلب على السلاح، وتضعف قدرة الدول على التركيز في تنميتها الداخلية.

وهذه الفوائد غير المباشرة تجعل استمرار حالة التوتر مرضياً لبعض الأطراف، الذين يعملون على تغذيتها بطرق خفية. إنهم لا يريدون حرباً مفتوحة، لأن الحرب قد تخرج عن السيطرة، لكنهم يريدون قدراً من التوتر يبقي المنطقة في حالة من التبعية والحاجة.

هذا التحليل يقودنا إلى استنتاج غير مريح: أن التهديدات قد تكون، في بعض جوانبها، منتجاً يتم تصنيعه وتوزيعه بشكل منظم، وليس مجرد ردود فعل عفوية على أحداث طارئة. وأن استمرارها يخدم أجندات خفية تتجاوز ما يُعلن في البيانات الرسمية.

إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن للدول في المنطقة أن تحمي نفسها؟ الجواب يبدأ بالوعي: وعي بطبيعة اللعبة، وبأن التهديدات ليست مجرد ردود فعل على سلوكها، بل هي جزء من لعبة أكبر. وهذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو تحييد فعالية التهديدات.

ثم يأتي بناء البدائل: بدائل اقتصادية تقلل الاعتماد على قنوات التهديد، وبدائل عسكرية ترفع كلفة العدوان، وبدائل دبلوماسية توفر منصات للحوار بعيداً عن لغة الصوت العالي.

وأخيراً، الصبر: ففي لعبة التهديدات، غالباً ما يكون الأكثر صبراً هو الأكثر قدرة على تحقيق أهدافه. فالتهديد، بطبيعته، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. فهو إما أن يتحول إلى فعل، أو أن يتبخر. ومن يستطيع الانتظار حتى تتبخر التهديدات، يكون قد ربح دون أن يخوض معركة.


دعونا نقترب من الخاتمة. ما الذي يمكن أن نستخلصه من كل ما سبق؟

أولاً: أن التهديدات العالية النبرة لم تعد تحمل الوزن الذي كانت تحمله في عالم مختلف. الشرق تغير، والعالم تغير، وآليات التأثير تغيرت. والصوت المرتفع لم يعد مرادفاً للقوة الحقيقية.

ثانياً: أن القوى الإقليمية وتحديدا إيران تعلمت كيف تقرأ هذه التهديدات، وكيف تتعامل معها ببرود محسوب، وكيف تستخدم الصبر كسلاح، والتنويع كدرع، والثقة بالنفس كرديف للقوة.

ثالثاً: أن اللعبة لا تخلو من مخاطر، وأن سوء التقدير قد يؤدي إلى انزلاقات غير مرغوبة. لكن الوعي بهذه المخاطر، والعمل على بناء أنظمة إنذار مبكر وقنوات اتصال احتياطية، يمكن أن يقلل من احتمالات الكارثة.

رابعاً: أن مستقبل المنطقة لن يتحدد بالتهديدات، بل بالقدرة على بناء أنظمة إقليمية قوية، قادرة على إدارة الخلافات دون حاجة إلى وصاية خارجية، وقادرة على تحقيق التنمية التي تجعل التهديدات أقل تأثيراً.



شرق يكتب مصيره

في النهاية، تبقى التهديدات مجرد كلمات. كلمات قد تخيف، قد تربك، قد تؤثر في الأسواق والعناوين، لكنها لا تستطيع أن تصنع التاريخ. التاريخ يُصنع بقدرات حقيقية، وبإرادات صلبة، وبشعوب تعرف ما تريد.

الشرق اليوم يمر بمرحلة تحول كبرى. إنه يخرج من عصر الخوف إلى عصر التوازن، ومن عصر التبعية إلى عصر التنويع، ومن عصر الصوت الواحد إلى عصر الأصوات المتعددة.

هذا لا يعني أن التحديات انتهت، ولا أن التهديدات لن تعود. لكنه يعني أن معادلة الخوف تغيرت. لم يعد الصوت المرتفع وحده كافياً لإخافة من تعلم أن القوة الحقيقية لا تصرخ، بل تنتظر في صمت، ثم تظهر حين يحين وقتها.

وحين يكتب تاريخ هذه المرحلة، سيكتب أنها كانت اللحظة التي أدرك فيها الشرق أن التهديدات قد تكون صاخبة، لكن الإرادة أقوى من الصخب، وأن الغد لا يملكه من يهدد، بل من يبني.

وهكذا، يبقى الشرق واقفاً على أرضه، يراقب، يفهم، يقرر. لا يرتجف، لا يتراجع، لا يخاف. لأن الخوف كان أمس، واليوم وقت الثقة، والغد وقت الفعل.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من ...
- مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات ...
- مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
- غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا ...
- هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية ...
- في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
- سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن ...
- الفخ المقدس..رواية قصيرة
- مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
- مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف ...
- ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
- مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
- مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال ...
- مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
- إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
- كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي ...
- التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
- تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له ...
- إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
- مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في ...


المزيد.....




- رغم إعلان أمريكا وإيران عن وقف إطلاق نار لأسبوعين.. الضربات ...
- ما هي أبرز النقاط في المقترح الإيراني الذي اعتبره ترامب أساس ...
- بعد إعلان وقف إطلاق النار.. ذهول في إسرائيل وحديث إيراني عن ...
- -المسؤولون الإسرائيليون يشعرون بالقلق بشأن اتفاق وقف إطلاق ا ...
- إدانات لاقتحام قنصلية الكويت في البصرة
- ترامب يوافق على تعليق الهجوم على إيران لمدة أسبوعين
- مفاوضات أميركية إيرانية في باكستان… وهدنة مشروطة بفتح هرمز
- الجيش الكويتي: نتصدى لهجمات صاروخية ومسيّرات معادية
- الجهات المختصة تتعامل مع حريق في منشأة حبشان لمعالجة الغاز
- رئيس وزراء باكستان: واشنطن وطهران اتفقتا على هدنة تشمل لبنان ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً