أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-















المزيد.....


مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 23:50
المحور: الادب والفن
    


مسرحية ساخرة في ثلاثة مشاهد

زمان: ليلة ممطرة من عام 2023، أو ربما 1979، أو حتى هذا العام 2026 أو أي عام يكون فيه النفط أغلى من الدم.

مكان: "سرداب المنامة" – استوديو إخباري فخم في إحدى محميات الخليج الصهيوأمريكية، جدرانه من الذهب المجوف، وأرضيته من الرخام المستورد، وسقفه من أكاذيب معلبة. في الخلفية، علم أمريكي ضخم مكتوب عليه: "نحن هنا لنحميكم من أنفسكم".

….

شخصيات المسرحية (بأسماء رمزية موحية)

· فَلْفَلَةْ بن جابر العتم – إعلامي خليجي شهير، مقدم برنامج "يا ليتنا ما خلقنا"، جعبته فارغة ولسانه ممتد كبساط الريح. يغير لهجته حسب لون الدولار: أخضر لأمريكا، رمادي لإسرائيل، وأسود لأعدائهما.
· عَنْتَرْ أبو السردة – إعلامي مصري مأجور، يبكي على الهواء بدموع صناعية، ويطالب بالتضامن مع "القواعد المباركة"، ويسمي الاحتلال "وصاية حضارية". لديه ثلاث ساعات: ساعة في يده، وساعة في جيبه، وساعة موقوتة تحت كرسيه.
· دُحْيَانْ الكلبي – مذيع نشرات أخبار، يتلو التقارير كما يتلو القرآن، لكن بالإسناد إلى البيت الأبيض. يبدأ نشرته بـ"بسم الله والله أكبر، ثم أمريكا وإسرائيل أكبر منهما".
· شَيْخْ رُوَيْبِضَةْ – شيخ قناة يفتي بجواز السجود للصنم إذا كان مصنوعًا من البترودولار. لحيته صناعية لكن فتاويه حقيقية.
· طُرْطُور العجمي – ممثل دور جندي أمريكي، يرتدي زيًا لا يناسبه، ويسقط على وجهه كلما ركض.
· تِيهُوسْ رَامْبُوش – شخصية رمزية لدونالد ترامب، يرتدي باروكة برتقالية كذيل ثعلب، وحذاء طويلًا كقضيب صيد، يداه تتحدثان بلغة لا يفهمها إلا من دفع الضريبة.
· أم السواعد – شخصية تمثل القواعد الأمريكية في الخليج، تخرج من علبة سردين عملاقة مكتوب عليها "صنع في واشنطن". تحمل صينية ذهبية عليها: صواريخ، وقنابل، وشيكات على بياض.
· جوقة الببغاوات المذهبة – إعلاميون مأجورون، يرددون خلف شاشاتهم كالببغاوات المدربة: "نعم لسيدنا، لا لسيدهم، نحن عبيد من دفع".

……

المشهد الأول

"استوديو سرداب المنامة – أو حين يصير الكذب فطرة"

قاعة استوديو فخمة بذخ سليماني، ذهب ومرمر، شاشات تعرض صورًا لأعلام أمريكا وإسرائيل في إطار واحد. في الزاوية، تمثال صغير لحرية المرأة الأمريكية مكتوب عليه: "اخرجي من بيتك عارية – هكذا نحررك".

يدخل فَلْفَلَةْ بن جابر العتم مرتديًا بدلة أرجوانية، حذاءه من جلد الخنزير (المباح للضرورة الأمريكية)، يضع يده على قلبه كأنه يقسم بالقرآن.

فَلْفَلَةْ بن جابر العتم (للكاميرا، بصوت نشاز يجمع بين الترنيم الديني والزغاريد الوطنية): يا أمة العرب، يا أمة الإسلام، يا من خلقكم الله من ماء وطين، ثم خلق أمريكا من نور وياقوت! (يمسح عرقًا وهميًا) أتيناكم اليوم ببشرى عظيمة: القواعد الأمريكية في سرداب المنامة لم تأت لتستعمرنا، بل أتت لتعلمنا كيف نأكل بالشوكة والسكين!

جوقة الببغاوات المذهبة تردد: "بالشوكة والسكين! بالشوكة والسكين! يا له من مجد مبين!"

فَلْفَلَةْ (يبكي بحرقة سارق اكتشفته الكاميرا): والله إني لأبكي كل ليلة حين أرى طائرات F-35 تحلق فوق منازلنا. أتبكي أم تبكي من الجمال؟ أبكي من الفرحة! إنها تذكرني بأيام العز أيام كنا عبيدًا مكبلين، أما اليوم فنحن عبيد مكرمون! (يتنهد تنهيدة عاشق) يا ليت الأيام تعود إلى الوراء فنزداد استعبادًا وننال رضا السيد!

يدخل عَنْتَرْ أبو السردة من باب جانبي مخفي بين الشاشات، يرتدي بدلة سوداء حدادًا على ضميره، وربطة عنق حمراء كقطرة دم وهمي. سماعة أذنه لا تفارقه كأنها وصمة عار.

عَنْتَرْ أبو السردة (بصوت أثيري يشبه بكاء جنازة مدفوعة الأجر): جمهوري الكريم! يا من تتابعونني من بطن الأرض إلى قمة الجبل! يا من تضعون ثقتكم فيَّ كأني نبي مرسل! (يرفع يده كالخطيب) اسمعوني جيدًا، واكتبوا كلامي بماء الذهب على جباه أولادكم!

فَلْفَلَةْ ينظر إليه باستغراب ممثل جيد.

فَلْفَلَةْ: يا عنتر، نحن في بث مباشر، وكل العالم يرانا!

عَنْتَرْ أبو السردة (يزيد صوته كمن يكتم ألمًا اصطناعيًا): وأنا أريد العالم أن يراني! أريد القمر أن يراني! أريد ترامب نفسه أن يشاهدني وهو جالس في مرحاضه! (يصرخ فجأة) أقولها بكل صوت: من يطعن في القواعد الأمريكية فهو كافر مرتد! من يشكك في وجودها فهو خائن لم يتوضأ من نجاسة العمالة لإيران!

فَلْفَلَةْ يصفق بقدميه لأنه نسي يديه، جوقة الببغاوات تردد: "كافر مرتد! خائن متواطئ! نحن عبيد لا نبدل!"

فَلْفَلَةْ (يهمس في أذن عنتر): بالله عليك يا أستاذ، سؤال صغير بيني وبينك... كم ثمن هذه الحماسة؟

عَنْتَرْ (يهمس خجلاً من نفسه لكن ليس من كشفه): الألف دولار للدقيقة... وأحيانًا أخذل في النهاية إذا زادوا خمسين. (يعود بصوت مرتفع) لكنني لا أبيع ضميري! أنا أؤجر عقلي فقط! ضميري ملك لله، وعقلي ملك لمن اشتراه!

……

المشهد الثاني

"حلم رامبوش – أو حين قال الحقيقة بالصدفة"

تتحول الإضاءة إلى ظلام حالك، ثم تضاء شاشة خلفية عتيقة تعرض فيلمًا بالأبيض والأسود يقطعه شرط. يظهر تِيهُوسْ رَامْبُوش على خشبة المسرح من خلف الشاشة، يقفز كالضفدع، يرتدي بدلة حمراء كالدم، باروكة برتقالية كالنار، حذاؤه طويل مدبب كخنجر مسموم.

تِيهُوسْ رَامْبُوش (بلكنة عربية مهجنة تشبه صوت ببغاء مدخن): سنة 1987. سنة مجيدة. سنة حلوة. سنة.. سنة.. (ينظر للجمهور) أعرفكم بالسنة؟ لا يهم. المهم أنني كنت جالسًا في برجي. برجي الطويل. برجي الكبير. برجي الجميل جدًا. والناس يسألوني: سيد تيهوس، ماذا تريد من صحراء العرب؟ (يحدق في الجمهور كمن يوشك على سرقة كنز) فقلت لهم. قلت.. قلت الحقيقة التي لا يحبونها. قلت.. (يصرخ فجأة) النفط! نعم، النفط! أريد نفط إيران! ونفط من بجانب إيران! ونفط من تحت إيران! ونفط من يتذكر إيران!

جمهور المسرحية يقهقه، بعضهم يسقط من كرسيه.

تِيهُوسْ رَامْبُوش (يكمل وقد انتفخت أوداجه): قالوا لي: سيد تيهوس، لكن هذا احتلال! فقلت لهم: احتلال؟ أي احتلال؟ أمريكا العظيمة لا تحتل، أمريكا العظيمة تتبنى! تتبنى النفط! النفط يتيم بلا أب، وأمريكا أم حنونة تتبنى الأيتام! (يبكي بدموع تمساح أمريكي) النفط المسكين، عند العرب يضيع، عندنا في أمريكا يتحول إلى ديمقراطية وحقوق إنسان!

يدخل طُرْطُور العجمي، يرتدي زي جندي أمريكي أكبر منه بثلاثة مقاسات، خوذته تغطي عينيه، يحمل بندقية بلاستيكية من لعبة أطفال.

طُرْطُور العجمي (يصطدم بالجدار قبل أن يصل): سيدي الرئيس! سيدي الرئيس! بشرى! لقد وجدنا النفط!

تِيهُوسْ رَامْبُوش (يقفز فرحًا): أي نفط؟ من أين؟ من مين؟ خذوه بسرعة قبل أن ينتبه أصحابه!

طُرْطُور العجمي (يحاول تذكر الدرس): آه.. آه.. نفط قطر؟

تِيهُوسْ رَامْبُوش (يصفعه على رأسه): أي قطر؟ قطر عندهم قاعدة الظالمية! لا نأخذ منهم شيئًا، فقط نأخذ منهم المال!

طُرْطُور العجمي: نفط الكويت؟

تِيهُوسْ رَامْبُوش: الكويت صديقتنا، عندهم مطعم ماكدونالدز في كل زاوية! نأكل عنده ثم نسرقهم بعدين!

طُرْطُور العجمي (يصرخ منتشيًا): إذن.. نفط إيران!

تِيهُوسْ رَامْبُوش (يحتضنه): أحسنت! إيران! إيران التي تكرهنا! إيران التي تقول عني مجنون! أنا لست مجنونًا، أنا عبقري! أنا أريد نفطهم كله! من أول قطرة إلى آخر قطرة! خذوه واحضروه لي في كأس كريستالي لأشرب صحتي!

طُرْطُور العجمي يركض خارج المسرح ليطبق الأوامر، لكنه يتعثر بحذائه الطويل ويسقط في حفرة الأوركسترا.

……

تظهر أم السواعد من تحت خشبة المسرح تخرج من علبة سردين عملاقة مكتوب عليها "القواعد الأمريكية – عرض خاص: احصل على قاعدة واحصل على الثانية مجانًا". ترتدي ثوبًا مكتوبًا عليه "احتلال بأقل الأسعار"، وتتمايل كجمل في حلبة مصارعة.

أم السواعد (تغني بصوت رخيم كمنشار صدئ):
تعالوا يا عباديد البترول تعالوا
عندي قنابل ذكية وعندي حمقى جهلة
عندي ديمقراطية مغلفة بالنايلون
وعندي حرية مستعملة كالسيفون
فقط وقعوا على عقد استعباد جديد
وأنا أحمي عروشكم من كل صنديد

فَلْفَلَةْ بن جابر العتم يدخل مسرعًا يزحف على بطنه، يقبل الأرض أمام أم السواعد.

فَلْفَلَةْ (بصوت خاشع كمن يتلو آية الكرسي): سيدتي الأمريكية! سيدتي التي خُلقت من نور وغبار النجوم! سيدتي التي إذا تنهدت اهتزت الأرض وإذا ضحكت انفجرت البراكين! (يرفع رأسه بعينين مذعورتين) أمريني، سيدتي، أمريني فقط. قولي لي أن أبيع أمي، بعتها. قولي لي أن أبيع ديني، بعته. قولي لي أن أبيع أولادي، سأفتح لهم مزادًا علنيًا!

عَنْتَرْ أبو السردة يزحف من الجهة الأخرى، يتدافعان كالأطفال على قطعة حلوى.

عَنْتَرْ أبو السردة: أنا أسبق! أنا من قال في برامجي إن القواعد الأمريكية هي الكعبة الجديدة! أنا من طفت حولها سبعة أشواط على الهواء مباشرة!

فَلْفَلَةْ: كذاب! أنا من سجدت لها في حلقة خاصة مدتها ثلاث ساعات!

أم السواعد (تضرب كعبها على الأرض): اسكتا! لا تتشاجرا على شرف خدمتي! (ترفع حذاءها المتسخ) لكل منكما أريد أن يقبل نعلي... لا، ليس النعل فقط، بل باطنه الذي مشى على أشلاء ضحاياه في خمس قارات!

فَلْفَلَةْ وعَنْتَرْ يتسابقان على باطن الحذاء، يصرخان، يبكيان، يتعانقان من شدة التدافع.

فَلْفَلَةْ: أنا أولاً! عندي صفقة أسلحة جديدة إذا رضيت عني!

عَنْتَرْ: أنا أولاً! عندي فتوى من شيخ رويبضة بجواز ما تفعلين!

يتشاجران، تسقط باروكة عنتر، فيظهر أصلع كالبيضة. يسقط فلفلة أيضًا، فتنكشف وسادة في بطنه.

……

المشهد الثالث

"جلسة الإنصاف – أو حين أشرقت شمس الحقيقة"

تتحول الإضاءة إلى ضوء فضي نقي. على خشبة المسرح، تظهر محكمة ثورية، القاضي امرأة ترتدي عباءة بيضاء كالثلج، تحمل مطرقة من كلمة "لا".

القاضية هِنْدُوس الفجر (بصوت يقطع الحجر): هدوؤووووووم! أنا القاضية هندوس، ابنة الضاد، حفيدة من قال لا في زمن النعماء. هذه ليست محكمة ورق، هذه محكمة الضمير العربي المقتول. والمتهمون اليوم... (تقرأ من لفيفة) فَلْفَلَةْ بن جابر العتم، وعَنْتَرْ أبو السردة، ودُحْيَانْ الكلبي، وشَيْخْ رُوَيْبِضَةْ... وجوقة الببغاوات المذهبة.

فَلْفَلَةْ يرفع يده كتلميذ يريد الاستئذان.

فَلْفَلَةْ: سيدتي القاضية، بتهمة إيش؟ نحن إعلاميون شرفاء، عندنا جوائز من أمريكا نفسها!

القاضية هِنْدُوس (تضحك ضحكة القطار قبل أن ينحدر): جوائز؟ أي جوائز؟ جائزة "أفضل خروف ناطق"؟ جائزة "أكثر إعلامي باع ضميره بأعلى سعر"؟ (تضرب بالمطرقة) هذه جوائزكم! وهذا شرفكم الذي يليق بكم!

دُحْيَانْ الكلبي يدخل مرتديًا بدلة المذيع التقليدية، يحمل ورقة كبيرة يقرأ منها كنشرة أخبار.

دُحْيَانْ الكلبي (بصوت عالٍ ومهتز): في خبر عاجل... القاضية هندوس تتهم إعلاميين أوفياء... مصدر مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية نفى صحة الخبر... وأكد أن كل الإعلاميين الموجودين في القائمة هم نماذج مشرفة للكرامة العربية... وخبر آخر: ترامب يطالب باسترجاع النفط الإيراني كدين قديم... ونعود إليكم بعد قليل مع برنامج "يا ليتنا ما خلقنا"...

القاضية هِنْدُوس (تصفع الطاولة بقوة): توقف! توقف عن هراءك! أنت لست في استوديو الدعاية، أنت في محكمة الحقيقة! وإذا لم تصمت، سأحكم عليك بمشاهدة قناتك عشرين ساعة متتالية بدون فاصل إعلاني!

دُحْيَانْ الكلبي يصرخ كمن رأى الشيطان: "لا لا لا! أي شيء إلا هذا! حتى الموت أهون من مشاهدة قناتي!"

….

شَيْخْ رُوَيْبِضَةْ يدخل مرتديًا جلبابًا أبيض ولحية سوداء كثيفة (واضح أنها من صنع الصين)، يحمل مصحفًا مغلفًا بالبلاستيك وهاتفًا ذهبيًا.

شَيْخْ رُوَيْبِضَةْ (بصوت يقلد شيوخ السوء): السلام عليكم يا جماعة الخير. أنا جاي أتكرم عن إخواني الإعلاميين. هم رجال أمانة وصدق و...

القاضية هِنْدُوس (تقاطعه): يا شيخ رويبضة، سؤال ديني: كم أخذت على الفتوى التي أبيحت فيها القواعد الأمريكية من قبل أن تنزل؟

شَيْخْ رُوَيْبِضَةْ (يتمتم كمن يقرأ الفاتحة عكسيًا): أنا... أنا... والله ما أخذت شيئًا... (ينظر للأرض) كان هدية بسيطة... خمسماية ألف... (يرفع رأسه) دولار! لكنني تصدقت بها على فقراء أمريكا!

القاضية هِنْدُوس: فقراء أمريكا؟ الذين ينامون في الشوارع بينما بيوتهم في وادي السيليكون تحترق؟ (تضحك) يا شيخ، لو كانت صدقتك صادقة، لدفعتها لنا نحن فقراء العرب!

شَيْخْ رُوَيْبِضَةْ يحاول الاختفاء وراء لحيته، لكنها تسقط على الأرض.

……

تضيء شاشة خلفية تعرض لقطات من أرشيف هندوس الفجر. يظهر تِيهُوسْ رَامْبُوش يصرخ: "النفط... النفط... أريد النفط". تعاد اللقطة ثلاث مرات.

القاضية هِنْدُوس (للجمهور): أيها الحضور المتفرجون على عارهم، ما رأيكم برجل قال الحقيقة عام 1987 ثم أصبح رئيسًا بعد ثلاثين سنة؟ (تضحك) هذا رجل يحافظ على كلمته! ليس كإعلاميينا الذين يحافظون على كذبتهم فقط!

فَلْفَلَةْ يقفز من مكانه كالنمر المجروح.

فَلْفَلَةْ: كيف تجرئين على مقارنتنا بترامب؟ نحن أفضل منه! نحن نغير رأينا كل دقيقة، أما هو فيغير كل خمس دقائق! نحن الأسرع في الانبطاح!

عَنْتَرْ أبو السردة: صحيح! نحن محترفون! اليوم مع أمريكا، بكرة مع إسرائيل، بعده مع أي حد عنده فلوس! المهم الشيك يكون نقدًا وغير قابل للكسر!

جوقة الببغاوات تردد: "نقدًا نقدًا! شيكات شيكات! نحن عبيد الصفقات!"

القاضية هِنْدُوس (تضرب بالمطرقة ثلاثًا كالرعد): إذن، أصدرت المحكمة حكمها النهائي: (تتوقف للحظة، تبتسم كالثعلب) حكم الله ثم حكمي... أن تشتري كل واحد منكم تذكرة لحضور هذه المسرحية كل مساء ولمدة سنة هجرية كاملة! وكلما ضحكتم على حماقتكم، يخفف عنكم العذاب ساعة!

المتهمون يصرخون كالذبائح: "استئناف! استئناف! هذه محكمة صهيونية! هذه مؤامرة إيرانية!"

…..

المشهد الخاتم

"فجر الحرية – أو حين أشرقت شمس لا تغيب"

تتحول الإضاءة فجأة إلى ضوء أبيض نقي كالحليب. يدخل من كل باب صحفيون شباب، رجال ونساء، وجوههم تشبه القمر، أعينهم تشبه النجوم، أقلامهم كالسيوف، كاميراتهم كالعيون.

أحد الصحفيين الشباب (يصرخ كالأسد): سقط سرداب المنامة! سقط استوديو العار!

آخر: سقطت القنوات التي تبيع الضمير بالجملة والقطاعي!

ثالث: سقط الإعلام المأجور الذي جعلنا أضحوكة العالم!

فَلْفَلَةْ وعَنْتَرْ ودُحْيَانْ والكلبي وشَيْخْ رُوَيْبِضَةْ يقفون مذعورين كالدجاج المذبوح، يحاولون الهرب لكن أرجلهم مربوطة بخيوط الدولار.

عَنْتَرْ أبو السردة (يبكي حقًا هذه المرة، بدموع حقيقية): يا جماعة الخير، أنا تائب توبة نصوح! سأرمي سماعة الأذن في البحر المتوسط! سأغلق قناتي وأفتح مقهى شعبي!

فَلْفَلَةْ: وأنا! وأنا! سأبيع بدلتي الأرجوانية وأشتري جلبابًا صوفيًا! سأرجع إلى فطرتي التي خلقني الله عليها قبل أن يخلق الدولار!

دُحْيَانْ الكلبي: وأنا سأقرأ الأخبار كما هي، بدون زيادة ولا نقصان، حتى لو كانت مرة على آذان الممولين!

شَيْخْ رُوَيْبِضَةْ: وأنا سأحرق فتواي القديمة وأعتكف في المسجد الحرام أربعين يومًا بلا هاتف!

فجأة، تظهر أم السواعد من جديد، لكن هذه المرة ثوبها ممزق بالكامل، مكتوب عليه "تخفيضات 99% – عرض أخير".

أم السواعد (بصوت متعب كقطار عجوز): وين الزباين؟ وين المشترين؟ أنا جايبة معاي صفقة القرن: قاعدة عسكرية مع قنبلتين ذكيتين مجانًا! (تصرخ) يا عرب، تعالوا قبل فوات العرض!

لا أحد يلتفت إليها. تتجه نحو الصحفيين الشباب، فيرفعون أقلامهم وكأنها حراب.

أحد الصحفيين (بصوت لا يقبل الجدل): اخرجي من أرضنا! هذه أرض العرب، وهذا زمان العرب، وهذه إرادة العرب التي لا تلين!

أم السواعد تتراجع إلى الخلف، تتعثر في علبة السردين، تسقط في جحر مظلم. نسمع صوت ارتطام بعيد.

……

تضيء الإضاءة كاملة. تظهر القاضية هِنْدُوس الفجر على خشبة المسرح، لكن هذه المرة ليست كقاضية، بل كراوية تحكي نهاية حكاية.

هِنْدُوس الفجر (للجمهور، بصوت هادئ كالمطر): أيها السيدات والسادة، هذه المسرحية لم تنتهِ بعد. الستار سقط، لكن الواقع لا يزال يُعرض. الإعلام الحر ليس أغنية نرددها، الإعلام الحر هو خيار نعيشه. خيار أن نكون صادقين ولو كنا وحدنا. خيار أن نرفض الهيمنة ولو كنا جياعًا. خيار أن نعرف أن القواعد الأمريكية ليست قواعد حماية، بل قواعد استعباد باسم التقدم.

(تتوقف لحظة، تبتسم كمن يرى فجرًا بعد ليل طويل)

أما عن ترامب وحلمه النفطي، فقد كشفته هند الضاوي قبل سنوات، لكن العيون لا ترى ما لا تريد رؤيته. واليوم، بعد أن شاهدتم هذه المسرحية، لا عذر لأحد. إما أن تكونوا ضمائر حرة، أو ببغاوات مذهبة. والخيار لكم، لكن النتيجة ستكون على حسابكم.

(ترفع يدها كالمحاربة)

تحية لكل إعلامي حر في كل مكان، يدفع الثمن غاليًا ولا يبيع. تحية لهند الضاوي التي أضاءت قنديلًا في الظلام. وتحية لكم أنتم... إن كنتم تستحقون التحية.

(تخفض يدها)

والآن... انتهت المهزلة. لكن المهزلة الحقيقية لا تزال تُعرض على شاشاتكم كل ليلة. فاحذروا أن تكونوا ضحكًا على الذين يشترون الضمائر بأبخس الأثمان.

……

إضاءة أخيرة: يظهر تِيهُوسْ رَامْبُوش على شاشة خلفية، يلوح بيديه كالمجنون ويصرخ: "سأعود! سأعود! وسأخذ النفط! أعطوني النفط! النفط حقي! النفط حلمي! النفط... النفط... النفط!"

يعلو صوته ثم يتحول إلى صفير. تضحك القاضية هندوس. يصفق الجمهور بحرارة. ثم... ظلام تام.

نهاية المسرحية

……

مشهد ما بعد النهاية

في الظلام الدامس، يُسمع صوت عَنْتَرْ أبو السردة يهمس لأحد المتفرجين:

"بس أنا مش فاهم حاجة... كلهم بيعملوا كده... ليه أنا بالذات اللي اتنكت عليا؟ (يبكي بهدوء) أنا عندي قسط عربية فاخرة... وعندي مدرسة خاصة لأولادي... وعندي زوجة تحب التسوق... (يتنهد) طيب... خلينا نتفق... أنا أكون إعلامي حر إذا ضاعفتم لي الأجر؟"

يضحك الجمهور. يسقط الستار للمرة الأخيرة.

الستار

…..

كتبت هذه المسرحية في سرداب المنامة، في زمن كثر فيه الإعلاميون الذين يضحكون على المشاهدين قبل أن يضحكوا على أنفسهم. فإن ضحكت من قلبك، فاعلم أنك تضحك على جرح ينزف. وإن بكيت، فاعلم أن دموعك وحدها لا تكفي. المطلوب قرار. والإعلام الحر لا يولد من رحم السخرية، بل من رحم الجرأة على قول: "لا، لن أكون عبدًا لأحد بعد اليوم". فإن كنت قادرًا، فقلها الآن. وإن لم تكن، فلتضحك... فالدولار لا يضحك.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا ...
- هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية ...
- في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
- سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن ...
- الفخ المقدس..رواية قصيرة
- مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
- مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف ...
- ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
- مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
- مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال ...
- مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
- إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
- كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي ...
- التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع
- تداخل شبكة إبستين مع الموساد الإسرائيلي واللوبيات المنفذة له ...
- إيران وإسرائيل: صراع الوجود الذي يعيد تشكيل غرب آسيا
- مركز الثقل المالي على صفيح ساخن: استهداف البنوك الأمريكية في ...
- قراءة تحليلية معمقة لنتائج الانتخابات البلدية الفرنسية 2026 ...
- الطاعون الأطلسي: أوروبا بين فكي الإمبراطورية وسندان الانتحار
- «الشرق الذي يعود: سردية جديدة في زمن سقوط المظلّات الاستعمار ...


المزيد.....




- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-