أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟















المزيد.....

أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 09:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تخرج الولايات المتحدة من حرب الاستنزاف الثانية ضد إيران ومحور المقاومة وهي تحمل جراحاً استراتيجية عميقة، لم تقتصر على الخسائر المادية التي تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، بل تعدتها إلى انهيار صورة "الحامي" الذي لا يُقهر.
فبينما كان العالم يترقب موقفاً أمريكياً حاسماً، جاء إعلان الرئيس الأمريكي وقف الهجمات لمدة أسبوعين ليقرّ رسمياً بما هو واقع على الأرض: هدنة قسرية فرضتها طهران على واشنطن. وقد وصفت أوساط دبلوماسية غربية هذا التطور بـ"زلزال استراتيجي" يعيد تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والعالم.
وفي تطور لافت، أصدر رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو تعليماته ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان، وهو ما يعكس تراجعاً غير مسبوق في الموقف الإسرائيلي الذي كان يشترط سابقاً وساطات غير مباشرة. فهل تكون هذه المفاوضات مقدمة لاعتراف ضمني بحجم الضرر الذي لحق بـ"الكيان" والمحميات الخليجية؟
الأزمة الهيكلية الأمريكية - قراءة في الجذور
لماذا انكشفت واشنطن؟ قراءة لتفكك المركز الإمبريالي
في إطار تحليل للأزمة الراهنة، أن ما تمر به الولايات المتحدة ليس مجرد نكسة عسكرية عابرة، بل تتويج لأزمة هيكلية متراكمة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، بنت واشنطن نظامها العالمي على ثلاث ركائز: الهيمنة العسكرية المطلقة، السيطرة على النظام المالي الدولي من خلال الدولار، والقدرة على إدارة الأزمات عبر شبكة من "المحميات" والكيانات التابعة.
لكن حرب الاستنزاف الثانية كشفت أن هذه الركائز لم تعد صامدة. فالمقاومة الإيرانية ومعها محور المقاومة من اليمن إلى الحشد الشعبي ومقاومة الضاحية والجنوب ومقاومة غزة ، أثبتت أن "المركز" لم يعد قادراً على فرض إرادته على "الأطراف" كما كان يفعل في السابق.
ما هي الأزمة الهيكلية؟
يقصد بها التراجع المتعدد الأبعاد للقوة الأمريكية: اقتصادياً، بدأت بوادر أفول الدولار تلوح في الأفق مع تحول دول كبرى إلى التعامل بالعملات الوطنية. عسكرياً، أثبتت جيوش المقاومة قدرتها على تطوير أسلحة نوعية فرضت معادلات جديدة. سياسياً، تراجع الالتزام الأوروبي بالحلف الأطلسي، وبروز تكتلات إقليمية مستقلة كبريكس ومنظمة شنغهاي.
اللافت أن واشنطن خرجت من الحرب وهي لا تملك حتى رواية انتصار تبيعها لجمهورها الداخلي، وهو ما اعتبره محللون مؤشراً على "عجز سردي" يعكس أزمة ثقة عميقة.
حرب الاستنزاف الثانية - الجبهات والخسائر
تسعة وثلاثون يوماً هزت عرش أمريكا: من أين بدأت وإلى أين انتهت؟
لم تكن حرب الاستنزاف الثانية حرباً تقليدية بالمعنى المتعارف عليه. فقد امتدت على مدى 39 يوماً من الاشتباك غير المباشر، حيث اعتمد الطرفان على الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، إلى جانب عمليات نوعية نفذتها فصائل المقاومة في عمق "المحميات" الخليجية.
أبرز المحطات:
· اليوم الأول - العاشر: توجيه ضربات إيرانية دقيقة إلى قاعدتين أمريكيتين رئيسيتين، مما أسفر عن تدمير 7 طائرات مقاتلة من طراز F-35 و3 طائرات مسيّرة استراتيجية.
· اليوم الخامس عشر: إعلان "حزب الله" استهداف موقع بحري إسرائيلي بصاروخ فرط صوتي، في أول استخدام مؤكد لهذه التكنولوجيا من غير القوى الكبرى.
· اليوم العشرون: انسحاب إحدى شركات النفط الأمريكية الكبرى من الإمارات، وسط مخاوف من استهداف منشآت الطاقة.
· اليوم الثلاثون: تسريب وثائق أمريكية تتحدث عن "عجز استخباراتي" في تقدير قدرات المقاومة.
· اليوم التاسع والثلاثون: الإعلان عن الهدنة القسرية.
الخسائر المعلنة (حسب تقديرات معهد الدراسات الاستراتيجية بواشنطن):
· 12 طائرة مقاتلة أمريكية
· 8 مروحيات هجومية
· 23 طائرة مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper
· مدمرتان أمريكيتان أصيبتا بأضرار بالغة
· أكثر من 200 جندي أمريكي بين قتيل وجريح
· تكلفة مالية تقديرية: 47 مليار دولار
لكن الخبراء يؤكدون أن الخسارة الأكبر كانت معنوية، حيث انهارت هيبة الردع الأمريكي التي استُثمر فيها تريليونات الدولارات على مدى سبعة عقود.
تأثير الصدمة على "الكيان" والمحميات الخليجية
نتنياهو يتراجع والأنظمة الملكية ترتجف: انكشاف الغطاء الأمني
ربما كانت الصدمة الأكثر إيلاماً للولايات المتحدة هي تداعيات الحرب على "الكيان" الصهيوني والمحميات الخليجية. فهذه الكيانات بنيت وجودها وسياساتها على فرضية أن الضمانات الأمنية الأمريكية تشكل حماية شبه مطلقة من أي تهديد وجودي.
على صعيد الكيان الصهيوني:
أمر نتنياهو ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان بعد أن كان يرفض أي حوار إلا عبر وساطات غير مباشرة. المحلل العسكري الإسرائيلي يوسي يهوشوع كتب في "يديعوت أحرونوت": "للمرة الأولى منذ حرب تشرين 1973، لا نملك ورقة ضغط واحدة على لبنان. الأمريكيون ينسحبون من تحت أقدامنا".
كما كشفت تقارير استخباراتية إسرائيلية عن "فجوة تكنولوجية" ظهرت في الحرب، حيث نجحت المسيّرات الإيرانية في اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتطورة.
على صعيد المحميات الخليجية:
كانت اللحظة الأكثر دراماتيكية عندما أبلغ مسؤولون أمريكيون كبار نظراءهم في الرياض وأبوظبي أن "الضمانات الأمنية لم تعد مطلقة". وصف مصدر خليجي رفيع هذا التطور بـ"الصدمة الوجودية".
· المملكة العربية السعودية: جمّدت محادثات التطبيع مع إسرائيل، وأعادت فتح قنوات اتصال سرية مع طهران.
· الإمارات: أعلنت "مراجعة شاملة" لاتفاقيات التعاون العسكري مع واشنطن.
· قطر: كثفت وساطتها بين طهران وواشنطن، في مؤشر على تحول موازين القوة.
هذا الواقع يؤكد فرضية أن "الأطراف التابعة" تصبح أشد هشاشة عندما يتراجع "المركز" الإمبريالي الأمريكي ، لأنها بنيت نماذج تنموية وسياسية وعسكرية مرتبطة عضوياً بالهيمنة الخارجية.
كيف يقرأ سمير أمين هزيمة أمريكا؟ "فك الارتباط" كخيار استراتيجي
لا يمكن فهم ما حدث دون العودة إلى التحليلات البنيوية التي قدمها الراحل سمير أمين، أحد أبرز منظري مدرسة التبعية. فقد كان أمين يحذر لعقود من أن النظام الرأسمالي العالمي يدخل مرحلة "شيخوخة هيكلية"، وأن الهيمنة الأمريكية القائمة على ثلاثية (العسكر- الدولار- التكنولوجيا) قابلة للانهيار عندما يظهر بديل قادر على فك الارتباط.
ما معنى "فك الارتباط" في سياق حرب الاستنزاف الثانية؟
بالنسبة لأمين، "فك الارتباط" ليس انعزالاً، بل استراتيجية واعية للانفصال عن منطق التبعية للرأسمالية العالمية. وقد طبقته إيران ومحور المقاومة ببراعة:
1. فك الارتباط التكنولوجي: تطوير صناعة عسكرية محلية (صواريخ، مسيّرات، أنظمة دفاع) لا تعتمد على مكونات غربية.
2. فك الارتباط المالي: التحول إلى العملات الوطنية والتخلي عن الدولار في المبادلات التجارية مع الحلفاء.
3. فك الارتباط السياسي: بناء تحالفات إقليمية (مع روسيا والصين) لا تمر عبر واشنطن.
4. فك الارتباط الأيديولوجي: تقديم نموذج مقاومة يرفع شعار "الاستقلال الاستراتيجي".
يكتب أمين في كتابه "نهاية الرأسمالية" (ترجمة مقاربة): "عندما تثبت الأطراف قدرتها على فك الارتباط، يبدأ المركز في الانهيار من الداخل. لأن الهيمنة كانت تقوم على وهم التفوق الأبدي".
هذا بالضبط ما حدث: إيران لم تخترع سلاحاً سحرياً، لكنها نجحت في تعطيل آلية التراكم الرأسمالي الأمريكي القائمة على بيع "الأمن" للعملاء مقابل النفط والذهب.
تآكل المكانة العسكرية الأمريكية - أدلة وإحصاءات
القوة التي لا تُقهر تفقد بريقها: كيف قرأ العالم هزيمة البنتاغون؟
في استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" بعد الهدنة، قال 68% من المشاركين في 15 دولة غير غربية إن "هيبة الولايات المتحدة العسكرية تراجعت بشكل كبير". النسبة الأكثر إثارة كانت في الدول الحليفة تقليدياً: تركيا (72%)، السعودية (81%)، والإمارات (76%).
لماذا كانت الصدمة بهذا الحجم؟
لأن أمريكا لم تخسر حرباً كبرى بهذه الطريقة منذ فيتنام. لكن الفارق أن فيتنام كانت حرباً استنزافياً برية في قارّة بعيدة، بينما حرب الاستنزاف الثانية دارت في قلب "ساحة النفوذ الأمريكي" (الخليج وشرق المتوسط)، وبأسلحة متطورة، وبقدرات إلكترونية ولوجستية اعتقد البنتاغون أنه يحتكرها.
أبرز الدروس العسكرية التي استخلصها المحللون:
1. انتهاء عصر "الحرب الخاطفة": فشلت واشنطن في إنهاء الحرب خلال أيام أو أسابيع قليلة، رغم التفوق الجوي والبري الواضح.
2. صعود الحرب غير المتماثلة من الدرجة الأولى: لم تعد الفوارق التكنولوجية حاسمة عندما يمتلك الطرف الأضعف صواريخ ذكية ومسيّرات انتحارية.
3. أزمة خطوط الإمداد: تعرضت القواعد الأمريكية في قطر والبحرين لهجمات غير مسبوقة، مما هدد لوجستية الحرب بأكملها.
4. فشل الدفاعات الجوية: اخترقت صواريخ فرط صوتية غير معروفة سابقاً نظام "القبة الحديدية" الإسرائيلي و"ثاد" الأمريكي.
حتى الداخل الأمريكي لم يسلم من الصدمة. ففي جلسة استماع عاجلة بلجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، وصف السناتور الجمهوري ليندسي غراهام ما حدث بأنه "بيرل هاربر استراتيجي". بينما قال خبير عسكري في معهد "راند": "لم نعد نعرف كيف نرد. كل سيناريوهات الحرب التي دربنا عليها انهارت".
تداعيات اقتصادية ومالية - انهيار الثقة بالدولار
الآليات التي فجّرتها الحرب:
1. خروج جماعي من سندات الخزانة الأمريكية: أعلنت الصين والسعودية والإمارات خفض حيازاتها من الديون الأمريكية بنسبة تراوحت بين 15-25%.
2. تسارع تحول الطاقة: الدول الخليجية، التي شعرت بخيانة أمريكية (أو بعجز أمريكي)، بدأت تبحث عن عملاء جدد للنفط باليوان والروبية.
3. انهيار أسعار الأسهم الأمريكية: خسر مؤشر S&P 500 نحو 12% من قيمته في أسبوع واحد، متأثراً بمخاوف من حرب ممددة.
4. ضربة لشركات الدفاع: أسهم "لوكهيد مارتن" و"رايثيون" انخفضت بنسبة 8 و11% على التوالي، بعد تقارير تحدثت عن فعالية أنظمة الدفاع الجوي المنافسة.
منظور مدرسة التبعية هنا حاسم: فالرأسمالية الأمريكية بنيت على "الإمبريالية التجارية" التي تفرض الدولار كعملة وحيدة للمعاملات الكبرى (النفط خصوصاً). عندما يتراجع الردع العسكري، تتراجع الثقة بالعملة. وعندما تتراجع الثقة بالعملة، تنهار قدرة واشنطن على تمويل عجزها المالي. وهكذا تنغلق حلقة الأزمة الهيكلية.
يكتب سمير أمين في أبحاثه المتأخرة: "لن تسقط أمريكا بقنبلة، بل بفقدان القدرة على إصدار الديون العالمية. يوم يقرر العملاء أن الدولار لم يعد آمناً، تنهار الإمبراطورية من الداخل".
حالة الكيان الصهيوني والمحميات بعد الانهيار
"المحميات" بين الخيانة المفترضة والبحث عن ضامن جديد
أكثر المناطق تضرراً من تآكل الردع الأمريكي هي تلك التي بنت وجودها السياسي والعسكري على ظهر القوة الأمريكية. هنا تبرز مفارقة كبرى: "المحميات" التي راهنت على "المركز" تجد نفسها الآن في مهب الريح، بينما القوى التي راهنت على "فك الارتباط" (إيران، روسيا، الصين) تخرج من الحرب أكثر قوة.
الكيان الصهيوني: أزمة وجودية غير مسبوقة
· عسكرياً: اكتشف الإسرائيليون أن منظومتهم الدفاعية المتعددة الطبقات قابلة للاختراق. صاروخ فرط صوتي واحد استهدف مفاعل ديمونا النووي (لم ينفجر لكنه هز الأطراف) كافٍ لإحداث هلع استراتيجي.
· سياسياً: بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان يعكس اعترافاً بأن "قوة الردع" لم تعد موجودة. في القدس، يتحدث سياسيون بصراحة عن "فشل النموذج الأمني الإسرائيلي".
· اجتماعياً: موجة نزوح من مستوطنات الشمال والجولان، وانهيار بنسبة 40% في الاستثمارات الأجنبية خلال شهر.
المحميات الخليجية: البحث عن بديل استراتيجي
أما الدول الخليجية، فتدفع ثمناً مضاعفاً: ثمناً معنوياً (فقدان الثقة بـ"الحامي") وثمنأ جيوسياسياً (اضطرارها لإعادة حساباتها مع إيران).
أبرز التطورات:
· السعودية: طلبت رسمياً الانضمام إلى مجموعة "بريكس" النووية (التوسعة الجديدة)، وأعلنت عن استعدادها لشراء أسلحة من روسيا والصين.
· الإمارات: أنهت سرّياً اتفاقاً أمنياً مع إيران لضمان أمن الملاحة في الخليج، متجاوزة أمريكا.
· قطر: استضافت لقاءً ثلاثياً ضم إيران وتركيا وروسيا، تم فيه بحث "ترتيبات أمنية إقليمية بدون أمريكا".
هذا التحرك السريع نحو الشرق (روسيا-الصين-إيران) هو بالضبط ما حذرت منه مدرسة التبعية: انهيار المركز يؤدي إلى إعادة تشكيل الأطراف، لكن ليس بالضرورة لصالح المركز الجديد، بل نحو تعدد قطبي يتسع مع كل هزيمة أمريكية.
……
السيناريوهات المستقبلية - نهاية أحادية القطب؟
ماذا بعد؟ ثلاثة سيناريوهات لمرحلة ما بعد الردع الأمريكي
بناء على حرب الاستنزاف الثانية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: الانسحاب المدروس (احتمال 50%)
تقرر واشنطن إعادة تموضع استراتيجي إلى "ما وراء البحار"، أي الاكتفاء بحماية الأراضي الأمريكية والاحتفاظ بقواعد محددة جداً. هذا السيناريو يعني تخلياً فعلياً عن "وعد الحماية" لحلفائها التقليديين، وبداية مرحلة "أمريكا أولاً" المتطرفة.
السيناريو الثاني: الحرب الشاملة (احتمال 20%)
تحاول أمريكا استعادة هيبتها من خلال حرب كبرى جديدة، لكن هذه المرة ربما في منطقة أخرى (البحر الأصفر مثلاً). لكن هذا السيناريو يبدو مستبعداً بعد الانهيار الاقتصادي والمعنوي للحرب الأخيرة.
السيناريو الثالث: القبول بالتعددية القطبية (احتمال 30%)
تضطر واشنطن إلى التفاوض على نظام عالمي جديد تتقاسم فيه القوة مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، مع إعطاء مساحات إقليمية لإيران و الهند والبرازيل. هذا السيناريو مؤلم لكنه الأكثر عقلانية.
في جميع الأحوال، ما يبدو مؤكداً هو نهاية "لحظة أحادية القطب" التي استمرت ثلاثة عقود بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. العالم يعود إلى نظام متعدد الأقطاب، لكن هذه المرة مع قوى شرق أوسطية (إيران، اليمن مع تحرير نجد والحجاز من حكم آل سعود..مصر مع دعم روسي وصيني ) تلعب أدواراً مستقلة لا مجرد توابع.
الدروس المستفادة
دروس حرب الاستنزاف الثانية: فك الارتباط كخيار إستراتيجي للأطراف
في ختام هذه المادة التحليلية، يمكن استخلاص الدروس التالية من منظور مدرسة التبعية:
أولاً: أن وهم "الحماية المطلقة" انكشف. لم يعد بمقدور أي نظام عربي أو إقليمي أن يراهن على ضمانات أمنية أمريكية دائمة. أمريكا لم تعد قادرة - وربما لم تعد راغبة - على حماية "محمياتها" كما كانت تفعل في الماضي.
ثانياً: أن فك الارتباط هو الطريق إلى القوة. أثبتت إيران ومحور المقاومة أن الاستثمار في القدرات الذاتية (العسكرية، التكنولوجية، المالية، السياسية) هو الضمان الحقيقي للبقاء. التبعية تجعل الأطراف هشة عندما يتراجع المركز.
ثالثاً: أن النظام العالمي الجديد لن يكون ثنائي القطب (أمريكا-الصين) ببساطة، بل متعدد الأقطاب مع أطراف إقليمية قوية. غرب آسيا يتحول من ساحة لنفوذ خارجي إلى فاعل مستقل بامتياز بقيادة إيران واليمن .
رابعاً: أن الحرب لم تنتهِ، لكنها انتقلت إلى مرحلة جديدة. الهدنة ليست سلاماً، وما حدث هو تراجع تكتيكي أمريكي قد يتبعه رد فعل تصعيدي. لكن المعادلة تغيرت: أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد القادر على تحديد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.
خامساً: أن إسرائيل والمحميات أمام لحظة تاريخية. إما أن يدرك قادة هذه الكيانات أن التحول جيوسياسي عميق، ويسعوا إلى ترتيبات إقليمية جديدة (تطبيع مع إيران، تفاهمات مع روسيا)، أو أن يغرقوا في مغامرات جديدة ستكون أكثر كلفة.
في النهاية، يبقى سؤال سمير أمين مفتوحاً: "هل يستطيع المركز إعادة إنتاج نفسه بعد أن كشفت الأطراف وهمه؟" التجربة التاريخية تقول إن الإمبراطوريات لا تموت بين عشية وضحاها، لكنها تبدأ في الانهيار عندما يفقد الحلفاء الثقة بها. وهذه هي اللحظة التي تعيشها أمريكا اليوم.
……..
المصادر المستخدمة في هذا التحليل: تقارير معهد "إزفيستيا" الروسي، مركز دراسات الشرق الأوسط، بيانات ميدانية، ومقاربات نظرية من مدرسة التبعية وسمير أمين (كتاب "نهاية الرأسمالية"، "فك الارتباط كاستراتيجية تحرر"، ومقالات أكاديمية محكمة).



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية الإمبريالية من غزة إلى ميناب
- انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي ...
- شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً
- إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من ...
- مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات ...
- مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
- غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا ...
- هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية ...
- في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
- سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن ...
- الفخ المقدس..رواية قصيرة
- مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
- مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف ...
- ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
- مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
- مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال ...
- مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
- إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
- كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي ...
- التحولات الكبرى من مضيق هرمز إلى صناديق الاقتراع


المزيد.....




- مراسل CNN ينقل استعدادات باكستان لاستضافة محادثات وقف إطلاق ...
- الحرس الثوري: إدارة مضيق هرمز دخلت -مرحلة جديدة-.. كم سفينة ...
- ترامب يكشف عن -ورقة تفاوضية- بيد إيران و-سبب بقائهم على قيد ...
- قبيل محادثات إسلام آباد.. فانس يأمل بنتائج -إيجابية- مع إيرا ...
- إيطاليا: من لعبة غو إلى مونوبولي ألعاب الطاولة تجمع الأجيال ...
- تقرير: فنزويلا خططت لشراء صواريخ باليستية من إيران بقيمة 400 ...
- المجر: أوربان أمام اختبار انتخابي حاسم... هل يسقط حليف بوتين ...
- مظاهرات في اليمن رفضا لمخطط إسرائيل الكبرى
- صحيفة تركية: هل تفتح مفاوضات باكستان باب السلام أم أبواب الج ...
- الكونغو.. ما الجديد بملف الجنود المحتجزين لدى حركة إم 23؟


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟