أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟















المزيد.....


يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 23:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


«ليس في تاريخ الدبلوماسية أن صرخ رجلٌ بالنصر في الصباح، ثم تَسوَّل الهزيمةَ مساءً، بلسان واحد وأمرٍ واحد، أمام الأعداء والأصدقاء على حد سواء... إلا إذا كان ذلك الرجل يعرف أن الجمهور لا يقرأ، بل يَسمع صدى صوته فقط، ويتوهَّم أن الصدى معركة.»



عندما يتحدث التاريخ عبر تغريدة

عندما يقرع التاريخُ أبوابَ الحاضر، فإنه لا يدخل فارغ اليدين، بل يحمل معه أشباحَ خطاباتٍ سابقة، ونصوصَ هزائم سحيقة كُسيت بثياب الانتصارات الوهمية. في مشهد سياسي فريد من نوعه – بل فريد في تناقضه الصارخ لدرجة أنه يستحق أن يُدرَّس في كليات الفلسفة السياسية والتحليل النفسي للشخصيات القيادية – قدّم الرئيس الأمريكي السابع والأربعون (والخامس والأربعون سابقًا) دونالد ترامب، عبر منصة «إكس» التي كانت تُعرف باسم تويتر، و متصته تروث مادةً دسمةً لعلماء النفس السياسي قبل الصحفيين، وللمؤرخين قبل المحللين الاستراتيجيين.

لقد اعتدنا على أن التناقض سمة من سمات السياسة، لكننا لم نعتد على أن يتناقض الرجل الواحد في اليوم الوحد، وفي القضية الواحدة، تناقضًا وجوديًا، بحيث يهدد صباحًا بـ«محو حضارة عمرها ألفا سنة»، ثم يعود مساءً ليقول إن «النقاط العشر الإيرانية هي أساس الحل». هذا ليس مجرد تذبذب تكتيكي، ولا هو حيلة تفاوضية بارعة، بل هو يأس استراتيجي مكشوف، يصرخ من داخل النص قبل أن يصرخ من خارج السياق.

هذه الكلمات ليست مجرد رصد لتناقضات تغريدة وأخرى، ولا هي اجترار لأخبار الساعة التي تموت عند الغروب. بل هي تشريح لـ«حالة الياس الاستراتيجي» التي تصيب إمبراطورية تدرك – في غرفها العميقة السرية – أنها فقدت قدرتها على الإملاء، وتحاول أن تسمي «الاستسلام» انتصارًا، و«التراجع» تفاوضًا، و«الدفع الثمن» فرضَ رسومٍ سيادية. إنها رحلة في عقل ترامب الهتلري العبارة، الكسول الفعل، العاجز عن المتابعة، الذي يصطدم بواقع دول البريكس المتصلب، وإرادة إيران التاريخية التي لا تنكسر بالقصف، ومضيق هرمز الذي تحول – كما قناة السويس عام 1956 – من ممر عالمي خاضع للقوى الكبرى إلى سلاح سيادي بيد دولة نامية تعرف حقوقها الدولية جيدًا.

سنكتب تحقيقًا أدبيًا مقارنًا، نتنقل فيه بين عبارات هتلر في «كفاحي»، وخطابات عبد الناصر في تأميم القناة، وتغريدات ترامب في صباح ويوم واحد، وبيانات البريكس والصين وروسيا، وصولًا إلى صرخات الأطفال في غزة وجنوب لبنان التي تتوسط كل هذا الصراع، وتذكّر العالم بأن السياسة الكبرى ليست مجرد لعبة شطرنج بين عمالقة، بل هي دماء وأحلام ومضايق تتحول إلى سكاكين في حلوب الاقتصاد العالمي.



الهلوسة التاريخية – تغريدات ترامب بين هتلر وعبد الناصر

أولاً: «محو الحضارة الإيرانية» – عبارة هتلرية بامتياز

ليس من المبالغة القول إن التصنيف اللغوي لتهديدات ترامب لإيران لا يجد مرتكزًا في أدبيات الحرب الباردة، ولا حتى في خطابات الإدارات الجمهورية السابقة، من رونالد ريغان إلى جورج بوش الابن. فعندما يكتب الرئيس الأمريكي عبارة «محو الحضارة الإيرانية» بحروف كبيرة في تغريدة، فهو لا يستخدم مجرد هايبربول (مبالغة بلاغية) سياسية، بل يستدعي مباشرةً فضاءً دلاليًا كاملاً من خطاب أدولف هتلر عن «محو الحضارة السلافية» و«إبادة اليهود من الوجود» و«جعل أوروبا خالية من الأجناس الدنيا».

الفرق الوحيد – وهو فرق جوهري وليس شكليًا – أن هتلر نفّذ ما قاله جزئيًا في أوروبا، وقتل ملايين البشر، بينما ترامب يكتفي بالتغريد، لأنه يعلم علم اليقين أن التنفيذ مستحيل عسكريًا وسياسيًا وأخلاقيًا، حتى لو كان يمتلك القدرة. وهذا هو الياس الأول: ترامب يهدد بما لا يستطيع فعله، ويتوعد بما يعجز عن تنفيذه، ويستدعي ghosts (أشباح) هتلر ليخيف بها العالم، لكن العالم لم يعد خائفًا، وإيران بالذات لم تكن خائفة يومًا.

فالحضارة الإيرانية، بعمقها التاريخي الممتد لآلاف السنين (من الإمبراطورية الأخمينية إلى الدولة الصفوية إلى الجمهورية الإسلامية)، ليست غزة ولا بيروت ولا حتى بغداد. محوها يتطلب حربًا عالمية ثالثة شاملة، وأمريكا اليوم ليست أمريكا 1945 التي خرجت منتصرة أمام الإعلام من حربين عظميين ـ بينما كان النصر مدفوع سوفيتيا فعليا - بل دولة عجزت على مدى عشرين سنة عن كسر إرادة حركة طالبان في أفغانستان، وعن منع الحوثيين في البحر الأحمر من استهداف سفنها، وعن ردع المقاومة في غزة رغم كل القوة الجوية التي تملكها. فكيف بها بمحو إيران ذات البنية الصلبة، والعمق الجيوسياسي، والحلفاء في أربع عواصم عربية؟

ثانيًا: العودة إلى النقاط العشر الإيرانية – عبد الناصر يعود من قناة السويس

في التناقض الأجمل، بل الأكثر دلالة على الياس، يعود ترامب في اليوم نفسه – أو بعد ساعات قليلة – ليكتب أن «النقاط العشر الإيرانية هي أساس الحل في هرمز». وهنا نتذكر العرف القانوني الذي أسسه الزعيم المصري جمال عبد الناصر عام 1956، عندما قام بتأميم قناة السويس التي كانت ملكًا عامًا تستفيد منه القوى الاستعمارية الكبرى (بريطانيا وفرنسا)، وحولها إلى ممر مصري خالص تُفرض عليه رسوم مرور، مع تعويضات للمساهمين السابقين.

القانون الدولي، في ذلك الوقت، صعِق وارتجف، لكنه في النهاية تقبّل الأمر الواقع، وأصبح تأميم القنوات والمضايق وفق السيادة الوطنية عرفًا قانونيًا معترفًا به، شريطة أن يكون المرور مفتوحًا للملاحة الدولية مقابل رسوم عادلة. إيران اليوم تفعل الشيء نفسه، بل أكثر ذكاءً: مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من النفط العالمي وربع الغاز المسال، أصبح بعمقه الأكبر (أكثر من 50 كيلومترًا في الجانب الإيراني) وبالاتفاق الثنائي مع سلطنة عمان، أرضًا إيرانية بحكم الجغرافيا والسيادة وحقوق الجوار. فحق إيران في تحصيل الرسوم على المرور ليس مجرد عمل انتقامي، بل هو عرف قانوني متبع، كما تفعل مصر في قناة السويس، وكما تفعل تركيا في مضيق البوسفور والدردنيل، وكما تفعل الدنمارك في مضيق البلطيق.

الياس هنا أن ترامب يطلب من إيران «فتح المضيق» وكأنه كان مغلقًا بفعل إرادة إيرانية عدوانية، متناسيًا – أو متجاهلاً عمدًا – أنه كان مفتوحًا تمامًا قبل بدء العدوان الأمريكي الصهيوني على غزة ولبنان وإيران. لكن إيران اليوم تفتحه بشروطها الجديدة، أي برسوم سيادية، وكأنها تقول لأمريكا وللعالم: «هذا هو ثمن فشلكم في حربكم ضدنا، وهذا هو العرف القانوني الذي طبقه عبد الناصر قبلي، وسيطبقه كل من يمتلك ممرًا مائيًا استراتيجيًا».


بريكس ينتفض – الصين تسلح وروسيا تتمركز في كوبا

أولاً: الرد الصيني – أسلحة مضادة للطائرات عبر تمرير خبر

عندما صرخ ترامب بـ«محو الحضارة الإيرانية»، لم تكتف الصين ببيان دبلوماسي معتاد، ولا بسلسلة من التصريحات المكررة التي تدعو إلى ضبط النفس. بل قامت بعمل أبلغ من ألف كلمة وأكثر تأثيرًا من مئة بيان: تسريب خبر تسليم أسلحة مضادة للطائرات متطورة (يُشاع أنها من طراز HQ-9B، النسخة الصينية من نظام S-300 الروسي) إلى إيران، مع طواقم تدريب صينية تعمل داخل الأراضي الإيرانية.

هذه ليست مجرد صفقة تسليح عابرة، ولا هي رسالة عسكرية فحسب، بل هي إعلان صريح أن بكين لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديد إبادي لحليفها الرئيسي في عبّارة الطاقة العالمية. الصين تعتمد على نفط الخليج بنسبة تزيد على 40% من احتياجاتها، ومضيق هرمز هو شريانها الأول. لذلك، عندما يهدد ترامب بمحو إيران، فإن بكين تترجم ذلك إلى: «أنت تهدد أمن الطاقة الصيني، وأمن الطاقة الصيني خط أحمر».

وهنا يصل الياس الأمريكي إلى مستوى غير مسبوق: فالصين لا تحتاج إلى مجلس الأمن الدولي لاستخدام حق النقض (الفيتو)، بل تفرض فيتوًا عمليًا على الأرض، من خلال إرسال أسلحة ومدربين إلى قلب مسرح الصراع، بينما أمريكا عاجزة عن منع ذلك، لأن أي محاولة لاعتراض الشحنات الصينية ستؤدي إلى مواجهة مباشرة مع قوة عظمى صاعدة، وهو ما لا يريده البنتاغون ولا ترامب نفسه.

ثانياً: روسيا تكشف الضعف الأمريكي من كوبا إلى مضيق بنما

أما روسيا، التي تملك خبرة أطول في لعبة «الضغط على نقاط ضعف الخصم» من أي قوة أخرى، فقد اختارت لغة أكثر جرأة وحسمًا. في بيان صادر عن وزارة الدفاع الروسية، ونُقل على لسان المتحدث الرسمي، جاء التالي: «مضيق بنما مهم لأمن روسيا الاقتصادي والعسكري، ولن نسمح لأي قوة بأن تحتكره». هذا التصريح وحده كان بمثابة قنبلة دبلوماسية، لأن مضيق بنما يعتبر تقليديًا «فناءً خلفيًا أمريكيًا» منذ معاهدة توريخوس-كارتر عام 1977.

ولكن روسيا لم تتوقف عند التصريح، بل أعلنت أنها «لن تنسحب من كوبا» (في إشارة إلى القاعدة العسكرية الروسية التي أعيد تفعيلها في جزيرة الحرية)، بل ستتولى إدارة مصانع كوبا الحيوية (السكر، والنيكل، والأدوية) كجزء من حزمة مساعدات اقتصادية وعسكرية. هذا يعني بقاء الجيش الروسي في الجزء الغربي من القارة الأمريكية، في خرق صارخ لمبدأ مونرو الذي ظل مقدسًا لدى واشنطن منذ عام 1823: «أمريكا للأمريكيين».

ترامب يهدد بمحو إيران في غرب آسيا ، لكن روسيا تفتح جبهة خلفية في الفناء الخلفي الأمريكي نفسه، وتقول له: «أنت مكشوف حتى في جارتك كوبا، فكيف تهدد إيران؟». وهنا يصل الياس إلى ذروته المأساوية: القوة التي كانت تتحكم في العالم بأسره عبر 800 قاعدة عسكرية في 80 دولة، أصبحت مكشوفة وعاجزة في مواجهة وجود عسكري روسي على بعد 150 كيلومترًا فقط من شواطئ فلوريدا، عاجزة عن طردهم، مهددة من الصين في آسيا، ومن إيران في غرب آسيا ، ومن المقاومة في غزة ولبنان واليمن.



الهزيمة المجيدة – كيف دمرت إيران البنية التحتية لـ«أفقار غرب آسيا »؟

أولاً: الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية – أربعة أهداف سقطت جميعها

دخل ترامب ونتنياهو (ومعهما محميات الخليج الصهيوأمريكية) الحرب العدوانية على إيران بعد عملية «طوفان الأقصى» بفترة قصيرة، معلنين – عبر قنوات إعلامية وصريحة – أربعة أهداف كبرى لا تقبل القسمة على اثنين:

1. تغيير النظام في إيران، أي الإطاحة بالجمهورية الإسلامية وإحلال نظام عميل مكانها.
2. تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، بما في ذلك تدمير المنشآت النووية.
3. نزع الصواريخ الباليستية التي تشكل رادعًا إيرانيًا أمام التفوق الجوي الأمريكي.
4. وقف دعم المقاومات في غرب آسيا: حزب الله في جنوب لبنان، الحشد الشعبي في العراق، أنصار الله في اليمن، حركة حماس في غزة.

بعد 39 يوما من العدوان الجوي والصاروخي، والقصف المتبادل، والاغتيالات، والتهديدات النووية المتبادلة، جاءت النتيجة عكسية تمامًا:

· إيران لم تسقط، بل ازدادت قوة داخليًا وتحالفات خارجيًا.
· برنامجها النووي لم يتوقف، بل تسارع التخصيب.
· صواريخها الباليستية ضربت القواعد الأمريكية في المحميات والكيان وفي عين الأسد (العراق) وقواعد التجسس في أربيل وسورية ، بدقة غير مسبوقة.
· المقاومات كلها لم تتفكك، بل تعاظمت، ووسعت نطاق عملياتها: اليمن أغلق البحر الأحمر، والعراق استهدف القواعد الأمريكية، ولبنان أخلَى الشمال، وغزة صمدت رغم الإبادة.

لكن الأهم من ذلك كله، أن إيران حققت إنجازًا استراتيجيًا جديدًا، لم تكن تخطط له أصلاً: تدمير البنية التحتية لـ«أفقار شعوب غرب آسيا» – أي أنظمة التجسس والقواعد العسكرية والمراكز الاستخباراتية التي أقامتها واشنطن بأموالها وبأموال محميات الخليج (السعودية، قطر، الإمارات، البحرين، الكويت) على مدى خمسين سنة. قواعد تجسس في شمال العراق، ومنشآت استماع في سلطنة عمان، ومراكز قيادة في قطر، ومطارات عسكرية في الإمارات – كلها إما تم قصفها بشكل مباشر من قبل الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة، أو تم إخلاؤها خوفًا من القصف، أو أصبحت غير صالحة للاستخدام بسبب قربها من جبهات القتال.

هذه البنية التحتية كانت تمثل العمود الفقري للسيطرة الأمريكية على المنطقة. بتدميرها، تكون إيران قد حررت المنطقة من «الاستعمار الناعم» الذي استمر نصف قرن، وجعلت «محميات الخليج» عارية من الحماية الأمريكية الفعلية.

ثانياً: الاعتراف بالهزيمة على طبق من ذهب – ترامب يقرّ بما لا يريد

في لحظة تاريخية تشبه في سخريتها ودراماتيكيتها نهاية حرب فيتنام (عندما أُخليت السفارة الأمريكية بطائرات الهليكوبتر من على السطح)، يخرج وزير حرب ترامب (أو أحد مساعديه) ليعلن «النصر الكبير» على إيران، ويصف العملية بأنها «أنجح عملية عسكرية في التاريخ». وفي اليوم نفسه، أو بعد ساعات، يُفاجأ العالم بأن ترامب نفسه سيُفاوض إيران على أساس النقاط العشر الإيرانية التي كان يرفضها قبل أيام بوصفها «إذلالًا لأمريكا».

وهذا هو جوهر الياس الذي نعنونه هنا: أن تعلن النصر بأعلى صوت، ثم تتفاوض على شروط المهزوم. إنه «نصر براق وجميل» كما يصف الساخرون من الإعلام البديل، لكنه في الحقيقة اعتراف صريح بأن المطالب الأربعة الأساسية للإدارة الأمريكية قد سقطت كلها، كأوراق الخريف في عاصفة أكتوبر. لم يبقَ أمام ترامب سوى مطلب واحد: فتح مضيق هرمز. لكن حتى هذا المطلب الواحد، لم يعد يخصه، بل أصبح خاضعًا للشروط الإيرانية. أي أنه لم ينتصر في أي شيء، بل خسر أربعة أهداف كبرى، ورضي بثالث معدوم القيمة لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هو في الحقيقة هدية لإيران تزيدها قوة.

وهكذا، فإن تصريحات ترامب ووزير حربه عن «إعلان النصر» ليست في الواقع سوى اعترافًا بالهزيمة، أو بتقديمها على طبق من ذهب مذهب براق وجميل، لكنه في النهاية طبق هزيمة.


لا وقف لإطلاق النار – الطاقة تنتظر هرمزًا فارسيًا

أولاً: لماذا لا يوجد اتفاق؟ شروط متضاربة وحرب مستمرة

يصرخ العالم كل يوم بوقف إطلاق النار، وتخرج مظاهرات في لندن ونيويورك وباريس وطهران وبغداد، وتجتمع مجالس الأمن على استحياء. لكن الحقيقة المريرة أن إيران ترفض فتح مضيق هرمز إلا بشروطها التي أعلنتها (نقاطها العشر)، والكيان الصهيوني يواصل قصف الأطفال والمدنيين في لبنان وغزة بلا رحمة، بحجة «القضاء على الإرهاب»، وأمريكا تواصل دعم الكيان بكل ما أوتيت من قوة، رغم تصريحات ترامب المتناقضة.

إذًا، لا وقف لإطلاق نار شامل، ولا حتى هدنة إنسانية حقيقية. وبالتالي لا خفض فعلي لأسعار الطاقة . أوروبا ترتجف بردًا في شتاء قارس، والغاز يتجاوز 3000 دولار لكل ألف متر مكعب، والنفط يرتفع فوق 150 دولارًا للبرميل بالشراء الفعلي وليس ورقيا في البورصات . الولايات المتحدة تدفع 5 دولارات للغالون الواحد في بعض الولايات، والصين تعبّئ احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، والهند تبحث عن مصادر بديلة في روسيا وفنزويلا.

ثانياً: شروط إيران = هزيمة أمريكا وترامب ونتنياهو معًا

فتح مضيق هرمز بالشروط الإيرانية يعني على أرض الواقع:

· إيران تفرض رسومًا سيادية على مرور السفن، أي أنها تحصل على إيرادات سنوات بعشرات المليارات.
· إيران تتحكم في نبض الاقتصاد العالمي، لأن أي ارتفاع في الرسوم يعني ارتفاعًا فوريًا في أسعار النفط والغاز.
· إيران تُعلن أن أراضيها توسعت شرعًا في المضيق، بحكم السيطرة الفعلية والقانون الدولي العرفي.
· إيران تفرض معادلة جديدة: «من يريد الأمان في هرمز، فليدفع الثمن لإيران، وليس لأمريكا».

هذا ليس وقف إطلاق نار، هذا إعلان انتصار إيراني كامل، ليس فقط على ترامب، بل على المشروع الأمريكي في غرب آسيا بأكمله. ترامب ونتنياهو ومحميات الخليج الصهيوأمريكية ليسوا أمام خيار سوى قبول الهزيمة أو الاستمرار في حرب خاسرة لا نهاية لها. وكل يوم يمر، تزداد خسائرهم ماديًا ومعنويًا وغير معنويًا.

ثالثًا: الهزيمة أن دخلوا لتغيير النظام وخرجوا يدفعون رسوم مرور

لنلخص الأمر بعبارة أخيرة: الهزيمة ليست في سقوط طائرة أو غرق مدمرة (على أهميتها)، بل الهزيمة الحقيقية أن ترامب ونتنياهو دخلوا الحرب على أساس تغيير النظام والبرنامج النووي والصواريخ الباليستية ووقف دعم المقاومات، ثم خرجوا – أو هم يخرجون – يطلبون فقط فتح مضيق هرمز، وهو كان مفتوحًا أصلاً قبل الحرب، ولكنهم أضاعوه بسبب حماقتهم، ثم أصبح عليهم أن يدفعوا لإيران رسوم مرور لفتحه مرة أخرى.

هذا هو بعينه ما فعله عبد الناصر في قناة السويس: حول ممرًا دوليًا كانت تتحكم فيه القوى الاستعمارية إلى ملكية مصرية تفرض رسومًا. إيران اليوم تفعل الشيء نفسه في هرمز، ولكن بظروف أكثر قسوة على أمريكا: فبينما كانت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل قد هُزموا عسكريًا في السويس عام 1956، فإن أمريكا اليوم لم تُهزم عسكريًا بعد، لكنها هُزمت سياسيًا ونفسيًا، وهذا أسوأ.

………

ياس ترامب – صرخة عجز أمريكي غير مسبوق

لقد اعتدنا في التاريخ أن الأقوياء ينهزمون في صمت، أو يتراجعون بتغطية دبلوماسية محكمة، أو يخرجون من الحروب تحت عناوين «إعادة انتشار» أو «تسوية مشرفة». لكن ترامب قدّم نموذجًا جديدًا، ربما لم يحدث إلا في حالات نادرة جدًا: الهزيمة بالتغريد. يبدأ صباحه بتهديد هتلري (محو الحضارة الإيرانية)، وينتهي مساؤه بقبول شروط الخصم (النقاط العشر الإيرانية)، وفي اليوم التالي يعلن النصر، وبعده يعلن الانسحاب، ثم يعود ليهدد من جديد، في دائرة مفرغة من الياس والهلوسة.

هذا ليس جنونًا، ولا هو ضعف في الشخصية فقط، بل هو إدراك متأخر ومؤلم أن العالم لم يعد أحادي القطب. دول البريكس (روسيا، الصين، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا) تقف كجدار صلب أمام محو أي حضارة، وتعلن بوضوح أنها لن تسمح بتكرار سيناريو ليبيا أو العراق أو سوريا. الصين تسلح إيران علنًا، وروسيا تشغل مصانع كوبا سرًا وعلنًا، وإيران تدمر قواعد الخمسين سنة في غضون أسابيع، وعبد الناصر يعود من الموت ليعلم ترامب معنى السيادة الوطنية على الممرات المائية.

الياس الذي نعنونه هنا ليس يأس ترامب الشخصي – فهو رجل أعمال يفهم أن الهزيمة صفقة سيئة، لكنه قد يتقبلها إذا وجد مخرجًا إعلاميًا – بل هو يأس منظومة كاملة، أدركت بعد عقود من الهيمنة أن «تغيير الأنظمة» أصبح حلمًا بعيدًا، و«فرض الرسوم على هرمز» أصبح واقعًا لا مفر منه. إنه يأس أمريكا التي تبحث عن مخرج في تغريدة، فلا تجد سوى تناقضات ترامب.

«وهكذا تنتهي الإمبراطوريات: لا بسقوط عواصمها تحت القنابل، بل بسقفها الأخلاقي أولاً، ثم بسقوط هيبتها ثانيًا، ثم بتغريدات زعيمها الذي يهدد في الصباح ويستجدي في المساء، ولا يلاحظ أحد أن الرجل نفسه هو من يكتب التناقضين بيد واحدة.»


…….


ملحق: مصادر ومراجع وهمية (للأمانة الصحفية)

· تغريدات دونالد ترامب على منصة «إكس» وتروث – أرشيف يومي، تم تتبعه وتحليله.
· خطاب جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، 26 يوليو 1956.
· بيانات وزارة الدفاع الروسية بشأن كوبا ومضيق بنما، 2024-2025.
· تقارير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) حول صفقات الأسلحة الصينية الإيرانية.
· تصريحات قادة دول البريكس في قمة جوهانسبرغ الأخيرة.
· دراسات قانونية حول عرف المرور في المضايق الدولية (جامعة كامبريدج، كلية الحقوق).
· تحليل استراتيجي لمركز الدراسات الإستراتيجية للشرق الأوسط (واشنطن، 2025).



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟
- الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية الإمبريالية من غزة إلى ميناب
- انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي ...
- شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً
- إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من ...
- مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات ...
- مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
- غرب آسيا في مرمى التحول: حين تعيد السماء كتابة قواعد الاشتبا ...
- هند الضاوي تكشف حلم ترامب النفطي منذ 1987: قراءة استراتيجية ...
- في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام
- سوريا بين وهم -الإعمار- وحقيقة -الفاتورة-: كيف يدفع المواطن ...
- الفخ المقدس..رواية قصيرة
- مسرحية: -الفَاتُورة- .. (فصلان في خراب سوريا الجديدة)
- مسرحية -مُسْتَنْقَعُ الْوَاعِدِينَ-.. كوميديا سياسية سوداء ف ...
- ترامب… حين يتحوّل الوعد إلى مستنقع
- مقدمة كتاب إمبراطورية الجزيرة كنموذج للانتحار الجماعي
- مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في ال ...
- مسرحية الفرات والنيل..كوميديا
- إيران، الإمبراطورية، وانحطاط المركز الابستيني الأمريكي
- كتاب : حين تنكسر الأصنام .. تفكيك آلهة الإمبراطورية الأمريكي ...


المزيد.....




- في دبي.. تجديد كامل لبرج العرب الأيقوني يستمر 18 شهرًا
- حادثة مرعبة.. أسماك قرش تحاصر صيّادًا في مياه كارولاينا الشم ...
- ترامب: رد فعل إيران على الحصار كان -مذهلًا للغاية-
- غرف طوارئ وتكايا وتطبيقات تحويل: كيف يعيش السودانيون الحرب ا ...
- تقرير: هكذا وفّرت واشنطن لقادة إيران -ملاذًا آمنًا- عن غير ق ...
- وثائق مسرّبة: قمر تجسس صيني ساعد إيران في رصد مواقع عسكرية أ ...
- -ناتو أوروبي-.. أوروبا تستعد لسيناريو انسحاب ترامب
- الحرب تربك المدارس في العراق… طلبة بغداد بين القلق الأمني وم ...
- الكاميرون تستعد لاستقبال البابا ليون الـ14 محطته الثانية بعد ...
- حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية.. من يمر من مضيق هرمز؟


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟