أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)















المزيد.....

تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 23:27
المحور: الادب والفن
    


في زمن أصبحت فيه الإبادة بضاعة رائجة، والأطفال أهدافاً عرضية، والضحايا مجرد أرقام في نشرة أخبار عابرة، تأتي رواية "ضفائر تحت الركام" لتذكرنا بشيء نسيه العالم عمداً: أن وراء كل رقم ضحية هناك طفلة كانت تحلم، وكان لها اسم، وكانت تمشط شعرها أمام مرآة مكسورة كل صباح.

هذه الرواية ليست مجرد عمل أدبي. إنها شهادة. إنها صرخة. إنها وثيقة أدبية تؤرخ لحظة انكشاف الإمبراطورية الأمريكية وكيانها الصهيوني المارق ومحمياتها الخليجية في أوج همجيتها، من غزة إلى ميناب، مروراً بكل الأمكنة التي سقط فيها الأطفال كي تبقى أسعار النفط منخفضة وتبقى الهيمنة الغربية قائمة.

اسمها "ضفائر تحت الركام". والضفائر هنا ليست مجرد تسريحة شعر. الضفائر هي رمز البراءة التي تحاول التمسك بجمالها حتى تحت وطأة الموت. الضفائر هي ما تبقى من الطفولة حين يسرقها الكبار. الضفائر هي الخيط الرفيع الذي يربط الفتيات بالحياة، حتى عندما تكون الحياة مستحيلة.

تدور أحداث الرواية في مدينة ميناب الساحلية بمحافظة هرمزغان الإيرانية، في صباح الثامن والعشرين من فبراير عام 2026. ذلك الصباح الذي شهد واحدة من أبشع مجازر العصر الحديث: قصف مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات بصاروخ توماهوك أمريكي، مما أودى بحياة مئة وثمانين فتاة، معظمهن بين السابعة والثانية عشرة.



لكن الرواية لا تبدأ بالقصف، كما لا تبدأ الحياة بالموت. تبدأ برائحة الخبز البلدي تفوح من الفرن في نهاية الزقاق. تبدأ بمرآة صغيرة مكسورة الزاوية تصلح فيها أم شذى ضفائر ابنتها. تبدأ بحلم طفلة في التاسعة تحفظ جدول الضرب وتريد أن تصبح طبيبة.

الرواية تبدأ من حيث تبدأ كل الحكايات الحقيقية: من التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحياة حياة.

شذى، بطلة الرواية، ليست فتاة خارقة. ليست بطلة من نوع هوليوود التي تقاتل الجيوش بقواها الخارقة. شذى هي طفلة عادية، تحب الرياضيات وتخاف من الامتحانات، وتضحك مع صديقتها رقية، وتغضب عندما تسقط قلمها، وتحلم بحقيبة مدرسية جديدة. عاديتها هي بالضبط ما يجعلها استثنائية. لأنها في عالم يحاول قتلها، مجرد البقاء على قيد الحياة هو انتصار.

صديقتها رقية، في الثامنة، ذات العيون الخضراء التي تشبه قطط الزقاق، تحمل قارورة ماء مزينة بملصقات لشخصيات كرتونية. رقية هي الصديقة المقربة، رفيقة الدرب، شقيقة الروح. موتها سيكون نقطة التحول في حياة شذى، والجرح الذي لا يلتئم، والشيء الذي يجعل الطفلة تفكر كالكبار.

أم شذى، لجين، امرأة في الرابعة والثلاثين، خياطة حاذقة تخيط فساتين الأفراح التي لم تعد هناك أفراح لتخيط لها. أرملة صياد ابتلعه البحر - أو ابتلعته زوارق الحرس الثوري، حسب الرواية - تواجه وحدها مسؤولية تربية ابنتيها في عالم ينهار.

المعلمة فاطمة، المدرسة المجتهدة التي تحاول جعل الرياضيات ممتعة، والتي ستفقد في لحظة كل ما بنته خلال سنوات من التدريس، وستقضي بقية حياتها تحاول تعليم فتيات جديدات كيف ينسين، أو كيف يتذكرن بطريقة لا تحطمهن.

هؤلاء هم أبطال الرواية. لا جنرالات، ولا سياسيون، ولا رجال أقوياء. نساء وفتيات. لأن الرواية تريد أن تقول: في حروب الإمبراطوريات، الضحايا الحقيقيون هم دائماً النساء والأطفال. وهم أيضاً المقاومون الحقيقيون.



التوقيت: 10:45 صباحاً، أثناء تبديل الحصص الدراسية. اختار الطيارون الأمريكيون هذا التوقيت بدقة. ليس بالصدفة، وليس كما زعم التقرير العسكري الأمريكي الأولي عن "خطأ في تحديد الهدف". بل عن قصد وعمد. لأن هذا هو وقت الذروة، وقت وجود أكبر عدد من الطالبات في المدرسة. هذا هو وقت تحقيق أقصى أثر، وأعلى حصيلة، وأبلغ رسالة.

الرسالة كانت: لا مكان آمناً. لا مدرسة تحميكم. لا طفولة تحميكم. لا براءة تحميكم. نحن الإمبراطورية الأمريكية و كيانها الصهيوني المارق ومحمياتها الخليجية . ونحن نقتل من نريد، متى نريد، وأين نريد.

هذه هي الهمجية المكشوفة التي تتحدث عنها الرواية. ليس الهمجية كغريزة حيوانية عابرة، بل الهمجية كمنهج، كنظام، كضرورة هيكلية لمرحلة أفول الإمبريالية.

فالإمبراطورية عندما كانت قوية، كانت بحاجة إلى أقنعة. كانت بحاجة إلى خطاب حقوق الإنسان، إلى القوة الناعمة، إلى هوليوود، إلى الجامعات التي تجذب الطلاب الدوليين، إلى المساعدات الإنسانية، إلى الدبلوماسية التي تبيع الأوهام. كانت بحاجة إلى أن يصدق العالم أنها قوة خيّرة تنشر الديمقراطية وتحارب الإرهاب.

لكن الإمبراطورية عندما تضعف، عندما تفقد تفوقها الاقتصادي، عندما تنهار هيبتها الأخلاقية، عندما تنكشف أكاذيبها، عندها ترمي الأقنعة. تصبح همجية مكشوفة. لا تتحدث عن حقوق الإنسان بعد الآن. تتحدث عن الصواريخ وعن "المصالح الوطنية" وعن "الردع". لم تعد بحاجة إلى إقناع أحد بشرعية حروبها. صارت تمارس الإبادة بكل وقاحة، وتسأل: من سيمنعنا؟

الرواية تسمي الأشياء بمسمياتها. لا تسمي ما حدث "خطأً" ولا "أضراراً جانبية" ولا "ضحايا عرضيين". تسميه ما هو عليه: إبادة. جريمة حرب. إرهاب دولة. همجية مكشوفة.



في قلب الرواية، هناك سؤال مركزي تطرحه شذى على أمها، وهو السؤال نفسه الذي يطرحه كل طفل فلسطيني عاش تحت القصف، وكل طفل عراقي رأى مدمرة صواريخ تحلق فوق بيته، وكل طفل أفغاني ولد وترعرع تحت وطأة الاحتلال:

"أمي، هل تعتقدين أن الله رأى ما حدث؟"

"أكيد رآه يا حبيبتي."

"إذاً، لماذا لم يفعل شيئاً؟"

هذا هو السؤال الأعمق في الرواية. ليس سؤالاً لاهوتياً بحتاً، بل سؤالاً وجودياً، سياسياً، أخلاقياً. سؤال عن العدالة الإلهية في عالم يسوده الجور. سؤال عن معنى الخير في زمن انتصار الشر. سؤال عن جدوى المقاومة في مواجهة آلة إبادة لا تعرف الرحمة.

أم شذى لا تجيب إجابة لاهوتية معقدة. لا تتحدث عن "حكمة الله" أو "الابتلاء" أو "الأجر في الآخرة". تجيب بإجابة أم عادية تريد أن تمنح ابنتها القوة لمواصلة الحياة:

"لأنه يريد منا أن نفعل شيئاً. يريد أن يرانا أقوياء. يريد أن نكون نحن جواب السؤال."

هذه الإجابة تلخص فلسفة الرواية بأكملها: أن البشر، وليس الآلهة، هم من يصنعون التاريخ. أن المقاومة، وليس الصبر على الظلم، هي الطريق. أن الضحايا عندما يتحولون إلى فاعلين، يصبحون أقوى من كل جيوش العالم.

لكن يبقى السؤال مفتوحاً. الرواية لا تقدم إجابات سهلة. لأنها تعرف أن أسئلة الأطفال عن سبب معاناتهم لا تجيب حقاً. لكنها تعرف أيضاً أن هذه الأسئلة هي بداية الوعي، ونهاية القبول بالظلم كقدر.



الرواية لا تقتصر على ميناب. تمتد خيوطها إلى واشنطن، إلى قبو بلا نوافذ حيث يجلس الجنرال ماكدونالد أمام شاشات تعرض صور الأقمار الصناعية. ماكدونالد ليس شريراً بالمعنى الكلاسيكي. ليس وحشاً يستمتع بالقتل. هو رجل عادي، مثل ملايين الرجال العاديين، وجد نفسه في الجيش لأنه كان الطريقة الوحيدة للخروج من بلدته الفقيرة. تزوج، أنجب ابنة، اشترى منزلاً في الضواحي، وخدم إمبراطورية كانت يوماً ما تؤمن بشيء، ثم توقفت عن الإيمان.

ماكدونالد هو ضمير الإمبراطورية المتعثر. هو من يكتب التقرير الذي يصف مذبحة ميناب بأنها "خطأ في تحديد الهدف". هو الذي يخبر العالم أن المدرسة كانت تستخدم كقاعدة عسكرية. هو الذي يرى صور الفتيات الميتات على شاشته ثم يذهب لتناول العشاء مع عائلته.

لكن ماكدونالد أيضاً من يتقيأ في الليل. من يشعر بروحه تذوب يوماً بعد يوم. من ينظر إلى ابنته في التاسعة ويرى فيها شذى. من يقدم استقالته بعد أن لا يطيق سماع الكذبة.

هذه الشخصية هي واحدة من أعمق ما في الرواية. لأنها تظهر أن العدو ليس كتلة واحدة متجانسة. أن هناك في داخل الآلة الإمبريالية بشراً يدركون أنهم يشاركون في جريمة، لكنهم لا يعرفون كيف يخرجون منها. ماكدونالد ليس بطلاً - فهو لا ينقذ أحداً، ولا يوقف المجزرة، ولا يعيد فتيات ميناب إلى الحياة. لكنه شاهد. وهو الذي سيشهد يومًا أمام التاريخ أو أمام نفسه.

الرواية بذلك تتجاوز الثنائية السهلة (نحن الخير / هم الشر) إلى رؤية أكثر تعقيداً للصراع. رؤية ترى أن الاستعمار والإمبريالية ليسا مجرد أخطاء فردية، بل أنظمة تنتج سلوكيات معينة، وتخلق ضحايا في كل جانب، حتى بين من يمسكون بزمام القوة.



تقنية السرد في "ضفائر تحت الركام" تستحق وقفة متأنية. الكاتب - أو الراوي - يختار أسلوباً متعدد الأصوات، ينتقل بين ضمير الغائب عندما يحكي عن شذى وأمها، وبين ضمير المتكلم في مقاطع نادرة وحاسمة، كما في لحظة اعتراف ماكدونالد أو في كلمات شذى الأخيرة أمام الكاميرا.

هذا التعدد الصوتي ليس مجرد حيلة تقنية. إنه قرار أيديولوجي عميق. فالرواية تريد أن تقول إن صوت الطفل يحمل وزناً يساوي وزن صوت الجنرال. إن صوت الأم الثكلى يحمل حقيقة لا تقل عن حقيقة التقرير العسكري. إن أصوات الضحايا يجب أن تُسمع، ليس كشهادة فقط، بل كحجة في محاكمة التاريخ.

كما تستخدم الرواية تقنية "التذكير" - إعادة مقاطع بعينها بأسلوب مختلف. أبرزها تكرار جدول الضرب الذي تحفظه شذى: "ثلاثة في ثلاثة تسعة. أربعة في أربعة ستة عشر." في المرة الأولى، يبدو كأي جدول ضرب تردده طفلة. لكن كلما تكرر، يتحول إلى تعويذة، إلى صرخة، إلى دليل على أن هذه الطفلة كانت تعيش وتتعلم وتحلم قبل أن تُقتل. في نهاية الرواية، عندما تردده شذى للمرة الأخيرة قبل أن تتحول إلى "فكرة"، يصبح الجدول بكاءً، وتذكيراً بكل الأصوات التي أُسكتت.

الصور البصرية في الرواية قوية بشكل استثنائي. "رائحة الخبز تفوح من الفرن البلدي" في البداية توازيها "رائحة اللحم المحروق" بعد القصف. "ضفائر شذى التي تصلحها أمها" توازيها "أشلاء الضفائر المتناثرة تحت الركام". "قارورة رقية المزينة بملصقات كرتونية" توازيها "أيدي رقية المنفصلة عن جسدها والتي لا تزال تمسك القارورة". هذه الثنائيات البصرية تخلق شعوراً بالخسارة لا يمحى، وتجعل القارئ يشعر بالجريمة بكل حواسه، لا بعقله فقط.



مشهد جنازة فتيات ميناب هو من أقوى مشاهد الرواية وأكثرها إيلاماً. لكن الرواية لا تقع في فخ الاستغراق في البكاء والمأساة. بل على العكس، تتحول الجنازة إلى مشهد مقاومة. الأمهات لا يبكين فقط. بل يرفعن أصواتهن. يهتفن. يرددن أسماء بناتهن وكأنهن يستدعيهن من الموت:

"شذى! شذى! لم تمت شذى!"

هذا التحول من النحيب إلى الهتاف هو لحظة فارقة في الرواية. إنها اللحظة التي تتحول فيها الضحية إلى مقاوم. التي تتحول فيها المأساة إلى ملحمة. التي تتحول فيها الهزيمة إلى بذرة نصر.

الرواية بذلك ترفض النظرة الاستعلائية التي ترى ضحايا الاستعمار كمجرد ضحايا، كأرقام في إحصاءات، كوجوه حزينة على غلاف مجلة. تقدمهم كفاعلين، كبشر يقررون كيف يستجيبون للموت. بعضهم يبكي، وبعضهم يصمت، وبعضهم يهتف، وبعضهم يكتب، وبعضهم يعلم. لكن لا أحد يبقى مجرد ضحية.

هذه هي رسالة الرواية الأهم: أن الضحايا عندما يرفضون دور الضحية، يصبحون خطراً على الإمبراطورية الأمريكية وأدواتها في غرب آسيا أكثر من أي جيش. لأن الإمبراطورية تعرف كيف تقاتل الجيوش، لكنها لا تعرف كيف تقاتل الأفكار. والأفكار، كما تقول شذى، لا تُقتل.



اللغة في "ضفائر تحت الركام" هي بطلة ثالثة بعد شذى وأمها. إنها لغة شعرية بدون تكلف، عميقة بدون ادعاء، قاسية حيث يجب أن تكون قاسية، وناعمة حيث يجب أن تكون ناعمة.

خذوا هذا المقطع مثلاً:

"كانت شذى تعتقد أن البحر مالح. لكنها عندما تذوقت دمعة أمها، عرفت أن هناك ما هو أملح من البحر. هناك دموع الأمهات. هناك دموع الأطفال الذين رأوا الموت بعيون لا تزال لا تعرف معنى الموت."

هنا، تستعير الرواية من الاستعارة البحرية التي ظهرت في بداية الرواية (والد شذى الصياد، والبحر الذي "أحلى من دموع الأمهات") وتحولها إلى استعارة جديدة عن الألم. البحر ليس أملح شيء في العالم. دموع الأمهات أملح. لأنها تحمل في طياتها كل الخسائر، كل الأمل الضائع، كل الغد الذي لن يأتي.

أو هذا المقطع:

"الليل ليس بغامض حين تُطفأ الشمس، بل حين تُقنعنا بأن النهار كان وهماً."

هذه الجملة الفلسفية التي تفتتح الرواية تلخص رؤيتها للعالم: أن الخطر الأكبر ليس الظلام نفسه، بل القدرة على جعلنا نشك في وجود النهار أصلاً. إنها استعارة عن الدعاية الإمبريالية الغربية ، عن القدرة على إعادة كتابة التاريخ، عن جعل الضحايا يصدقون أنهم ليسوا ضحايا، أو أن ما حدث لهم لم يحدث أصلاً.

أسلوب الرواية يجمع بين البساطة والعمق. جمَلها قصيرة عادة، كما يناسب سرداً يُفترض أنه يُرى من خلال عيون طفلة. لكنها تحمل في طياتها طبقات من المعنى تجعل القارئ يعود إليها مراراً.




مكانة "ضفائر تحت الركام" في سياق أدب المقاومة العالمي تستحق وقفة. الرواية تقف على أكتاف عمالقة: غسان كنفاني الذي علمنا أن "رجال في الشمس" يمكن أن يختنقوا في خزان مياه وهم على بعد خطوات من الحرية العميلة. محمود درويش الذي علمنا أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". إميل حبيبي الذي علمنا أن "المتشائل" يمكن أن يكون ساخراً وحزيناً ومقاوماً في آن.

لكن "ضفائر تحت الركام" ليست مجرد امتداد لهذا التقليد. إنها تضيف إليه شيئاً جديداً: منظور الطفل. ليس الطفل كرمز للبراءة، بل الطفل كفاعل سياسي، كشاهد، كمقاوم، كفيلسوف يطرح أسئلة لا يستطيع الكبار الإجابة عليها.

شذى ليست "طفلة فلسطينية" في قالب نمطي. ليست تلك الصورة التي اعتدنا عليها في الإعلام: طفل يبكي في حضن أمه، أو طفل يرفع حذاءه أمام دبابة. شذى أكثر تعقيداً. إنها طفلة تحفظ جدول الضرب وتفكر في البلاستيدات الخضراء. طفلة تغضب من صديقتها لأنها نسيت إحضار المسطرة. طفلة تخاف من امتحان الرياضيات أكثر من خوفها من الطائرات الحربية.

هذه العادية، هذه التفاصيل الصغيرة، هي ما يجعل موتها مؤلماً لدرجة لا تحتمل. لأنها تذكرنا أن كل طفل يموت في الحرب كان يحمل عالماً كاملاً بداخله: أحلاماً وخيبات، أصدقاء وأعداء، حباً وكراهية، خوفاً وشجاعة. عندما تقتل طفلاً، أنت لا تقتل جسداً واحداً. أنت تقتل عالماً بأكمله.




نهاية الرواية لا تحتاج إلى تلخيص، لكنها تحتاج إلى تأمل. شذى لا تموت بطريقة بطولية تقليدية. لا تستشهد في المعركة، ولا تسقط وهي ترفع العلم، ولا تُعدم أمام الكاميرات. تموت بهدوء، على حجر كبير، بعد أن تنهي كتابة "رسالة من تحت الركام". تموت كما يموت الأطفال في الحروب: دون ضجة، دون كاميرات، دون جنازات رسمية.

لكن موتها ليس نهاية. تتحول إلى "فكرة". والفكرة، كما تقول، لا تُقتل.

هذه المقولة الأخيرة - "تحولت إلى فكرة. والأفكار لا تُقتل" - هي شهادة ميلاد أدب جديد. أدب لا ييأس من الموت، لكنه لا يجمل الموت أيضاً. أدب يعرف أن الكلمات قد لا تنقذ الأطفال، لكنها قد تخلق منهم أفكاراً، والأفكار قد تنقذ أطفالاً آخرين.

"ضفائر تحت الركام" إذاً هي عمل عن الأمل. ليس الأمل الساذج الذي يتجاهل القسوة، بل الأمل العنيد الذي يصر على البقاء رغم كل شيء. الأمل الذي يدفع أماً ثكلى إلى تبني يتيمات. الأمل الذي يدفع معلمة إلى السفر من القاهرة إلى ميناب رغم القنابل. الأمل الذي يدفع طفلة إلى الكتابة في الليلة التي تسبق موتها.

هذا الأمل ليس جميلاً فقط. إنه أيديولوجي. إنه مقاوم. إنه خطير على الإمبراطورية الأمريكية . لأن الإمبراطورية تريدنا أن نيأس. تريدنا أن نعتقد أن المقاومة لا جدوى منها. تريدنا أن نستسلم. "ضفائر تحت الركام" تقول لنا: لا تستسلموا. لا تموتوا قبل أن تموتوا. كونوا أفكاراً. الأفكار لا تُقتل.

……………
يمكن قراءة الرواية مجانا على الرابط التالي :
https://open.substack.com/pub/saloum1/p/235?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
و قراءتها باللغة الفرنسية والإنكليزية و الإسبانية على الروابط التالية :
https://open.substack.com/pub/saloum1/p/roman-court-nattes-sous-les-decombres?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw

https://open.substack.com/pub/saloum1/p/short-novel-braids-under-the-rubble?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw

https://open.substack.com/pub/saloum1/p/novela-corta-trenzas-bajo-los-escombros?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
- دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع ...
- مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
- قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل ...
- دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و ...
- مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة ...
- دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية ...
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
- رواية قصيرة : المقام الأبدي
- كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي ...
- تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة ...
- سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف ...
- قصة قصيرة : العراف والملكان
- رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
- من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق ...
- نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
- القارة التي لا تُقصف: لماذا فشل التهديد النووي في ثني إيران؟
- تفجيرات السيل الشمالي: بين التحقيق الألماني، كشف سيمور هيرش، ...
- رواية : امارات الفقاعة..سياسية ساخرة


المزيد.....




- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)