أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا وأورويل وبولجاكوف وفولتير















المزيد.....

دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا وأورويل وبولجاكوف وفولتير


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 17:24
المحور: الادب والفن
    


ميزان الأبله في مرآة الأدب العالمي

تمهيد: لماذا هذه المقارنة الآن؟

صدرت رواية «ميزان الأبله» للتو، على منصة الكاتب الخاصة، مجانية للجميع. وهي فعل جرأة أدبي نادر في زمن تتحول فيه الكلمة إلى سلعة. لكن الجرأة ليست في النشر المجاني فقط، بل في جوهر الرواية نفسها: رواية قصيرة بخمسة فصول، تكتب نفسها خارج كل تصنيف مريح. ليست سياسة صرفة، رغم أن شخصياتها تحمل أسماء روسية ولاتينية وتجلس في «إدارة عليا لإدارة الإدارات العليا». وليست فلسفة، رغم أن ميزانها الذهبي يزن مفاهيم مثل الإرادة والكرامة. وهي ليست عبثية كافكية خالصة، لأن بطلها لا يتحول إلى حشرة، بل يحول السلطة إلى تماثيل تجلس على كراسي تتهاوى.

هذه الدراسة تحاول أن تضع «ميزان الأبله» في سياقه العالمي، وتقرأه إلى جانب ستة نصوص كبرى شكلت وعي القارئ الحديث بكيفية سرد السلطة وسخرية التاريخ: «المعطف» لغوغول، «المسخ» لكافكا، «1984» و«المزرعة الحيوانية» لأورويل، «القلب الكلب» و«السيد ومرغريتا» لبولجاكوف، و«كانديد» لفولتير. ليس لأن الكاتب المجهول اقتبس منهم – وهو يشير إلى غوغول صراحة في خاتمته – بل لأن نصوصه تلتقي معهم في سؤال واحد: كيف توزن الكلمة حين تفقد السلطة وزنها الحقيقي؟



أولاً: الميزان مقابل المعطف – من غوغول إلى راهننا

يقف غوغول في خاتمة «ميزان الأبله» كأب روحي مُعلَن: «والمعطف، كما قال غوغول، لا يصنع رجلاً جديداً». في قصة غوغول «المعطف» (1842)، يتحول البطل أكاكي أكاكيفيتش من موظف بائس إلى شبح بعد أن يُسرق معطفه الجديد. المعطف هناك رمز للكرامة المزيفة التي يمنحها المظهر الخارجي. في روايتنا، المعطف يعود لكن مقلوبًا: أناتولي شفيدكا يرتدي معطفًا صوفًا خشنًا، حافي القدمين أحيانًا، ومعطفه في النهاية يعلق فارغًا على شماعة، جيوبه مليئة بالتفاح الطازج. الفارق جوهري:

غوغول ميزان الأبله
المعطف يصنع الرجل (وهمًا) المعطف لا يصنع الرجل (حقيقة)
البطل يموت وينتقم كشبح البطل يختفي ويترك أثره في ميزان
السخرية من البيروقراطية القيصرية السخرية من البيروقراطية المعولمة

لكن التشابه الأعمق يكمن في اللعب بالتفاصيل الصغيرة: غوغول يشتهر بجملة «حتى أن بعض الكتبة كان لديهم غرفة انتظار...» التي تستغرق صفحتين. وكاتبنا يشتهر باختصار «إ.ع.إ.إ.ع.إ.ع» الذي لا ينطقه أحد وحتى رئيس الإدارة. كليهما يدرك أن السلطة تعيش في التفاصيل البيروقراطية المملة أكثر مما تعيش في الخطب المدوية. لكن كاتبنا يذهب أبعد: لا يجعلك تضحك من تفاهة البيروقراطية فقط، بل يجعلك تشعر أن هذه التفاهة هي ما يبقي العالم آمنًا. لو أن الإدارة كانت كفؤة، لكانت دمرت العالم حقًا. فشلها هو خلاصنا. هذه مفارقة لم يجرؤ غوغول على كتابتها.



ثانيًا: كافكا والتحول إلى تمثال – الجلوس الطويل سردًا للاغتراب

كافكا جعل غريغور سامسا يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه حشرة. كاتبنا جعل سعادة النمر وسعادة الطاووس يجلسان طويلاً على كرسييهما حتى لم يعودا قادرين على النهوض. لكن التحول هنا ليس بيولوجيًا، بل وجودي. الجلوس الطويل «يحول الإنسان إلى تمثال» – وهذا عنوان الفصل الأول ليس زينة. التمثال هو ما تصبح عليه السلطة حين تتوقف عن الحركة والفعل، وتكتفي بالتهديد والتقرير والبيان.

فرق جوهري بين كافكا وكاتبنا: في «المسخ»، الأسرة تنبذ غريغور، وتتحرر بموته. في «ميزان الأبله»، الكرسيان ينهاران لأنه لم يعد أحد يجلس عليهما. سعادة النمر وسعادة الطاووس يقضيان وقتهما واقفين أمام النافذة ينظران إلى الشرق، في مشهد لا يخلو من تراجيديا هزلية. إنهما يتحرران من كرسيهما ليس لأنهما أرادا ذلك، بل لأن الميزان الصغير الذهبي جعلهما يدركان أن كلامهما لا يزن شيئًا. وهذا الإدراك هو بداية التحول.

كافكا يصور الاغتراب كقدر لا مفر منه. كاتبنا يصور الاغتراب كخيار ساذج: يمكنك أن تتحول إلى تمثال إذا ظللت جالسًا، لكن النهوض وارد. النمر يذهب ليزرع البرتقال (وهو لا يجيده، لكنه يحاول). الطاووس يحاول كتابة مذكراته (ولا يجيدها، لكنه يحاول). هذا الأفق من «الممكن» هو ما يفصل عالم كاتبنا عن عالم كافكا القاتم. وكأنه يقول: كافكا كان محقًا في تشخيص المرض، لكن الدواء لم يُكتَب بعد. أنا سأكتبه ولو في الخيال.



ثالثًا: أورويل واللغة كسلاح – وزن الكلمة في «1984»

في رواية أورويل الخالدة، تبتكر السلطة «اللغة الجديدة» (نيوسبيك) لتقليص المفردات، ومحو الكلمات التي تعبّر عن الحرية. الهدف: جعل الجريمة مستحيلة لأن لا كلمة لها. في «ميزان الأبله»، العكس يحدث: السلطة تمتلك كل الكلمات (خطابات، تصريحات، بيانات، تغريدات)، لكنها تضعها في كفة الميزان فلا يتحرك. الكلمات فقدت وزنها لأنها لم تعد صادقة.

أورويل: السلطة تسرق اللغة لتمنع الفكر.
كاتبنا: السلطة تستهلك اللغة حتى تصبح بلا معنى.

اللحظة الأكثر أورويلية في الرواية هي عندما يقرأ أناتولي من «القانون الأساسي لتصحيح المفاهيم» مادة مكتوبة بلغة بيروقراطية معقدة تسمح له بفعل ما يفعله. إنها مفارقة جميلة: يستخدم لغة السلطة (الأرقام، المواد، الفقرات، الملاحق) لفضح فجواتها. تذكير بأن أورويل نفسه كان صحفيًا يعرف كيف تعمل الآلة الإعلامية للدولة. لكن كاتبنا يضيف لمسة ساخرة: المادة القانونية التي تتيح لأناتولي الدخول هي نفسها التي تجعل اعتراض النمر والطاووس دليلاً على أن ميزانهما معطوب. حلقة منطقية مفرغة تذكرنا بـ «الجهاز المزدوج الفكر» في 1984 (تقول 2+2=5 وتؤمن بها). لكن هنا، الحلقة تُستخدم لصالح الحقيقة، لا ضدها. وهذا – لو تأملته – هو الاختلاف الأخلاقي الجوهري بين عالم أورويل البائس وعالم كاتبنا المتفائل ولو قليلاً.



رابعًا: بولجاكوف والشيطان الساخر – أناتولي شفيدكا كنوع من «فولاند»

في «السيد ومرغريتا» (1937-1940) لميخائيل بولجاكوف، يزور الشيطان فولاند موسكو السوفياتية برفقة قط أسود عملاق ورجل فاسد. يفضح نفاق البيروقراطيين والكتاب والفنانين. في «ميزان الأبله»، يزور أناتولي شفيدكا الإدارة العليا برفقة ببغاء أخضر يتحدث أسعار العملات وفأر ميت لا يرقص إلا إذا هُز. أوجه الشبه مذهلة:

بولجاكوف ميزان الأبله
فولاند شيطان يفضح البشر أناتولي موظف جديد يفضح الميزان المعطوب
مرافقوه غريبون (بيهيموت القط) مرافقوه غريبون (ببغاء، فأر ميت)
موسكو البيروقراطية إدارة عالمية بلا هوية
النهاية: الخلاص عبر الحب والإبداع النهاية: الخلاص عبر الاعتراف والانسحاب

لكن الاختلاف حاسم: فولاند يأتي من الخارج، من عالم ماورائي. أناتولي يأتي من الداخل: «موظف جديد في قسم تصحيح المفاهيم في الطابق السابع». هو ليس شيطانًا، بل جزء من الآلة التي يفضحها. وهو لا يملك قوى خارقة (الفأر الميت لا يرقص إلا إذا هزّه). قوته الوحيدة هي الميزان، أي الحقيقة التي توزن. وهذا قول بأن البطل الحقيقي ليس ثائرًا من خارج النظام، بل موظف عادي يقرأ اللوائح بانتباه. رسالة بولجاكوفية ساخرة: الشيطان يمكن أن يكون في التفاصيل البيروقراطية أيضًا.

أضف إلى ذلك أن «القلب الكلب» لبولجاكوف (1925) يصور عالمًا يحاول فيه العلم تغيير الطبيعة بغرور، وينتهي بكارثة. في روايتنا، تحاول الصواريخ (رمز العلم المادي) أن تزن العالم، لكن الميزان الحقيقي يزن الإرادة. التشابه: كليهما يهاجم وهم أن التكنولوجيا وحدها تصنع التاريخ. الفارق: بولجاكوف ساخر حتى النخاع، أما كاتبنا فيخلط السخرية برقة أمل نادرة.



خامسًا: فولتير و«كانديد» – لماذا نزرع البرتقال بعد المأساة؟

في رواية فولتير الفلسفية «كانديد» (1759)، يسخر البطل من تفاؤل لايبنتز بعد رؤيته شرور العالم. كلمته الشهيرة: «علينا أن نزرع حديقتنا». في نهاية «ميزان الأبله»، سعادة النمر يشتري مزرعة صغيرة ويزرع البرتقال. لا أحد يشتري برتقاله، لكنه سعيد. هذه النهاية هي «كانديد» بلا سخرية: زراعة الحديقة بعد الانهيار ليست تهربًا من الواقع، بل هي الفعل الوحيد الممكن.

فولتير: العالم مليء بالشر، فلا تنتظر العدالة الكاملة، احتفظ بحديقتك.
كاتبنا: العالم مليء بالسلطة الفارغة، لكن يمكنك أن تكون سعيدًا بمزرعة برتقالة لا يشتريها أحد، لأن السعادة ليست في النجاح بل في الفعل.

لكن هناك فرق عمري: فولتير ينتمي لعصر التنوير، وما زال يؤمن بالعقل كأداة نقد. كاتبنا ينتمي لعصر ما بعد الحداثة، حيث العقل نفسه أصبح موضع شك (الميزان الذهبي ليس عقلًا، بل إرادة). لذلك، النمر لا ينجح كزارع برتقال، لكنه سعيد. هذا استسلام لطيف أو حكمة متعبة، من يقرر؟



سادسًا: السايغون في الرواية – استعارة فيتنام كمرآة للانسحاب المشرف

الفصل الرابع من الرواية يروي قصة سايغون (مدينة هوشي منه الآن) كـ»قنصلية على سطحها مروحية»، والجيش الذي اعتقد أنه لا يُقهر يهرب تاركًا وراءه أسلحة بمليارات الدولارات. هذه إشارة واضحة إلى سقوط سايغون عام 1975 ونهاية حرب فيتنام. لكن كاتبنا يحولها إلى درس أخلاقي للسلطة الحاضرة: «أنتم في سايغون. أنتم على سطح قنصلية، والمروحية تنتظر. لكن المروحية هذه المرة ليست هليكوبتر، بل كلمة واحدة: انسحاب».

ما يميز هذه الاستعارة أنها ليست استعارة جيوسياسية رخيصة. في الأدب العالمي، كثيرًا ما استخدمت فيتنام كرمز للهزيمة الأمريكية (في روايات مثل «الضفادع» لمور ديكر، و«شجرة الرمان» لروبرت ماسون). لكن هنا، فيتنام ليست هزيمة، بل درسان:

1. الشعب لا يموت عندما تنهزم مؤسسته العسكرية. الرواية تقول: بعد الحرب، الفيتناميون لم يضحكوا على الجيش المنهزم، بل أعادوا بناء مدينتهم. هزيمة الدولة ليست هزيمة الأمة.
2. الهزيمة يمكن أن تكون أكثر إنسانية من الاستمرار في حرب خاسرة. هذا الدرس صعب، ويعارض كل ما تروّجه البروباغندا الوطنية. لكن الرواية تجرؤ عليه بوضوح: «المروحية هي كلمة انسحاب».

بمقارنة هذه المعالجة مع معالجة الحرب الفيتنامية في الأدب الأمريكي (تيم أوبراين، «الأشياء التي حملوها»، حيث الجنود الأفراد يتحملون العبء الأخلاقي)، نجد أن كاتبنا يرفع العبء من الجنود ويضعه على القادة: النمر والطاووس. إنه ليس نقدًا للجندي، بل لثقافة «نحن لا نتراجع أبدًا» التي تُدخل الأمم في حروب لا نهاية لها.



سابعًا: الببغاء، الفأر الميت، والتفاحة الفاسدة – لامبالاة الرموز

من أقوى ملامح «ميزان الأبله» هو استخدامها رموزًا لامبالية بشكل صارخ. الببغاء الأخضر الذي لا يتكلم إلا إذا سُئل عن أسعار العملات في بورصة طوكيو – وفي كل مرة يتكلم خارج السياق، يغمى عليه أو ينقر على قفصه. الفأر الميت الذي علّمه أناتولي أن يرقص على أنغام الناي، لكنه لا يرقص إلا إذا هزّه. التفاحة الفاسدة التي ترمز للسمعة التي تعفنت.

هذه الرموز ليست «متعددة المعاني» بالمعنى الرومانسي. هي رموز عبثية: لها معنى واحد، لكن ذلك المعنى هو اللامعنى نفسه. التفاحة الفاسدة تعفنت، الفأر ميت ولا يرقص إلا ميكانيكيًا، الببغاء متخصص في شيء لا يفهمه (السياسة). إنها صورة مصغرة للسلطة في الرواية: تعمل لكن بلا روح، تتحدث لكن بلا وزن، تهدد لكن بلا فعل.

في الأدب المقارن، نجد هذا الأسلوب عند صمويل بيكيت (في «في انتظار غودو») وعند أويجين يونسكو (في «الكورس»). لكن بيكيت كان عبثيًا حزينًا، ويونسكو كان عبثيًا مهرجًا، أما كاتبنا فهو عبثي «طبيعي»: يتعامل مع اللامعنى كأنه جزء من الروتين اليومي. الببغاء يغمى عليه من شدة الدهشة لأنه نطق في سياق سياسي. هذا كوميدي بالأبيض والأسود، لكنه يذكرك بأن الببغاء كان يتوقع أسئلة عن الأسعار فقط. هو ضحية تخصصه المحدود. مثل النمر والطاووس، ضحايا تخصصهما في التهديد.



ثامنًا: النمر والطاووس كأرخيتايب عالمي للسلطة الفارغة

لماذا نمر وطاووس بالتحديد؟ في الثقافة العالمية، النمر رمز القوة والافتراس المفترض. أما الطاووس فرمز التباهي والجمال السطحي. الثنائي يكمل أحدهما الآخر: نمر يزأر (لكن صوته يشبه معدة جائعة)، وطاووس ينشر ريشه أمام الكاميرات (لكن لا يطير). اسماهما الحقيقيان – إيوان بتروفيتش كفاسوروف (مخيف وطويل ولا معنى له) وبيندكت فرنانديز (لاتيني زائف) – يؤكدان أن هذه السلطة لا جذور لها. إنها مزيج من مخاوف وأوهام.

في الأدب العالمي، ثنائيات السلطة هائلة: كارثاغو وروما (تاريخيًا)، بيج آند سمول براذر في أورويل، لينين وستالين في بولجاكوف. لكن الخاص هنا أن النمر والطاووس ليسا متناقضين بل متكاملين. النمر يهدد في العلن، والطاووس يجمل التهديد. وهما يقرصان بعضهما تحت الطاولة ليتأكدا من الكابوس. هذه صورة دقيقة لكيف تعمل السلطة الجماعية: ليست دائمًا متآمرة واعية، بل في كثير من الأحيان لا تصدق نفسها. قرصة تحت الطاولة هي أكثر مشاهد الرواية تعقيدًا: إنها اعتراف بالهزيمة قبل أن تُرفع الراية البيضاء.



تاسعًا: من هو أناتولي شفيدكا؟ البطل الذي لا يريد أن يكون بطلاً

أناتولي جافريلوفيتش شفيدكا اسم روسي طويل، ولقبه «شفيدكا» قد يوحي بجذر سلافي (شيفيد؟ شفيد؟). لكنه ليس مهمًا. المهم أنه يحمل ميزانًا وتفاحة فاسدة. لا يرفع صوته، لا يلوح بسلاح، لا يلقي خطابات. كل ما يفعله – تقريبًا – هو القراءة من القانون ووزن الكلمات. في نهاية الرواية يختفي، ويترك معطفه فارغًا. هذا النوع من الأبطال نادر في الأدب العالمي. أقرب نموذج هو إيفان دينيسوفيتش في سولجينيتسين، الذي ينجو من المعسكر بالصبر والتفاصيل الصغيرة. لكن إيفان ليس بطل تغيير، بل بطل بقاء. أما أناتولي فهو بطل تحول: وجوده يغير مجرى الإدارة بأكملها، دون أن يرفع إصبعه تقريبًا.

مقارنة مع «الرجل الذي ضحك» لهوغو، أو «العجوز والبحر» لهيمنغواي، نجد أن أناتولي ليس بطلاً تراجيدياً ولا ملحميًا. إنه بطل طبيعي، يكاد يكون «موظف مثالي» يقرأ اللوائح. وهذا هو الثوري الحقيقي في عصر البيروقراطية: من يعرف النصوص أفضل من السلطة نفسها.



عاشرًا: اللغة – بين غوغول وأورويل وفولتير و»ميزان الأبله»

لا يمكن إنهاء هذه المقارنة دون النظر إلى اللغة نفسها. رواية «ميزان الأبله» مكتوبة بلغة عربية فصيحة لكنها ليست تقليدية. إنها تميل إلى الإيقاع السريع أحيانًا (الجمل القصيرة المقطعة)، وإلى الفقرات الطويلة الشبيهة بأنفاس راوٍ يحكي حكاية شعبية. العناوين الفصلية طويلة وتعلن عن «الذي يثبت أن...» – وهذا تذكير بعناوين فصول «مغامرات هاكلبري فين» لتواين (الذي كان يكتب عناوين ساخرة طويلة) وعناوين فصول فولتير. لكنها تختلف في أنها تثبت أشياء متناقضة: «الذي يثبت أن الجلوس على كرسي طويلاً يحول الإنسان إلى تمثال» – هذا ليس حرفيًا، لكنه يصبح حرفيًا في سياق الرواية، وهو عبقرية الأسلوب.

الاستعارات هنا عضوية: الصواريخ «أعواد ثقاب في عاصفة»، البلاط «بارد كبرد المقابر»، الغرفة «تتسع كما لو أن شخصًا ما يقرر هدم الإدارة من داخلها». كلها استعارات تحيل إلى الموت والعبث والتفكك. لكن في نفس الوقت، هناك استعارات حية: «الشعب صنع الخبز من الرمل والحلم». التناقض الأسلوبي مقصود، ويعكس التناقض المركزي للرواية: بين السلطة التي تموت والأمة التي تحيا.

هل تصل هذه اللغة إلى مستوى غوغول أو بولجاكوف؟ هذا ليس لنا أن نقوله، لكنها بلا شك وصلت إلى شيء نادر في الرواية العربية المعاصرة: قدرة على السخرية دون استعلاء، وعلى الحزن دون بكاء، وعلى الأمل دون سذاجة. وهذا أكثر مما تقدمه معظم المقدمات النقدية الطويلة.

……

خاتمة الدراسة: لماذا تقرأ «ميزان الأبله» اليوم؟

في زمن حيث أصبح التهديد السياسي طقسًا يوميًا، والكلمة فقدت وزنها في كل مكان، تأتي هذه الرواية لتذكرنا بأن الميزان ما زال ذهبيًا. ليس لأن الذهب ثمين، بل لأنه رمز لشيء لا يصدأ. الميزان لا يصنع المعجزات. النمر يذهب ليزرع البرتقال ولا أحد يشتريه. الطاووس يكتب مذكرات وتمحى. لكن شيئًا ما تغير: لم يعُد الكلام يُقال اعتباطًا. في الغرفة المستديرة، صار كل كلمة توزن. وهذا ربما هو ما يسمى بالحرية: لا أن تقول ما تريد فقط، بل أن تزن ما تقول.

«ميزان الأبله» ليست أطول رواية ستقرأها هذا العام، لكنها قد تكون الأكثر ترشيحًا لإعادة قراءتها. لأنها تعمل على مستويات: متعة سردية فورية (ببغاء ينطق أسعار النفط، فأر ميت يرقص)، وفكرة فلسفية عميقة (الكلام وزنه)، ونقد سياسي جريء (التهديد ليس إنجازًا)، وروح إنسانية دافئة (النمر يزرع البرتقال ولا يشتروه لكنه سعيد).

وهي مجانية على موقع الكاتب على Substack. هذا أيضًا جزء من الرواية: لا تدفع لأحد لتقرأ عن الميزان الحقيقي. الميزان لا يُباع.

لذا، اقرأها. وازن ما تقرأ. ثم أعد الميزان إلى جيبك. فأنت، مثل أناتولي شفيدكا، تحتاج أحيانًا أن تظهر في إدارة فارغة حافي القدمين، وتحمل تفاحة فاسدة، وتقول: ميزانكم معطوب. هذا العمل – الفردي، الصغير، غير البطولي – ربما يكون الأكثر بطولة في زمننا.



المصادر المقارنة:

· غوغول، نيقولاي. «المعطف» (1842).
· كافكا، فرانز. «المسخ» (1915).
· أورويل، جورج. «1984» (1949) و«المزرعة الحيوانية» (1945).
· بولجاكوف، ميخائيل. «القلب الكلب» (1925) و«السيد ومرغريتا» (نُشرت بعد وفاته 1966).
· فولتير. «كانديد، أو التفاؤل» (1759).
· أوبراين، تيم. «الأشياء التي حملوها» (1990) – كمرجع عن حرب فيتنام.

رابط القراءة المجانية لرواية «ميزان الأبله»: [https://open.substack.com/pub/saloum1/p/221?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw]

مع ترجمات إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية والروسية و الاسبانية والفارسية و الهولندية

……..



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة ...
- دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية ...
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
- رواية قصيرة : المقام الأبدي
- كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي ...
- تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة ...
- سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف ...
- قصة قصيرة : العراف والملكان
- رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
- من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق ...
- نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
- القارة التي لا تُقصف: لماذا فشل التهديد النووي في ثني إيران؟
- تفجيرات السيل الشمالي: بين التحقيق الألماني، كشف سيمور هيرش، ...
- رواية : امارات الفقاعة..سياسية ساخرة
- مسرحية -طاولتان في الربيع-..كوميديا سياسية
- مسرحية : «مَلْعَبُ العَبِيدِ وَعَرْشُ البَرَامِيلِ».. كُومِي ...
- ملف الأوقاف العثماني.. كيف تنظر المحاكم الدولية إلى جرائم عص ...
- مسرحية -فينيق طهران: كوميديا القواعد الذهبية-
- يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا وأورويل وبولجاكوف وفولتير