احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 08:48
المحور:
الادب والفن
لطالما بحث الأدب الذي ينشأ من رحم الحرب عن لغته الخاصة، تلك التي لا تقترض عظمة الملاحم ولا تكتفي ببكائية المراثي، بل تحفر في الجرح بأظافر الكلمات. الحرب التي بدأت في أوكرانيا عام 2014 أنجبت أدباً متفرداً على جانبي خطوط التمزق، لكن القليل جداً منه تجرأ على مقاربة مذبحة أوديسا في قلبها النازف، والأقل منه امتلك الجرأة على فضح التواطؤ الغربي الذي جعل تلك المذبحة ممكنة ومبررة.
أولاً: سياق المقارنة – لمحة عامة
الأدب الروسي والأوكراني حول حرب 2014 غزير ومتنوع. في الجانب الأوكراني، برزت أسماء مثل صوفيا أندروخوفيتش (Amadoka، 2020)، وفولوديمير رافينكو (Mondegreen، 2019)، وتامارا دودا، وسيرغي جادان (The Orphanage). تناولت هذه الأعمال صدمة الحرب، وتفكك العائلات، وذاكرة الماضي السوفيتي، مستعينة أحياناً بعناصر حداثية وشاعرية عالية، لكنها ظلت في مجملها محصورة في إطار سردي وطني أو إنساني عام.
على الجانب الروسي، احتلت الأعمال التاريخية أو البوليسية حول الصراع حيزاً أوسع، مع ندرة لافتة للأعمال التي تنحاز إلى سردية موالية لروسيا بطريقة أدبية راقية، وأندر منها التي تتعاطف مع ضحايا النازية الجديدة الأوكرانية أو تنتقد الصمت الأوروبي. عموماً، يمكن توزيع الأعمال ذات الصلة في ثلاث فئات:
ثانياً: الأعمال المرجعية الأهم
١. من الأدب الأوكراني: بين الجرح الشخصي والذاكرة الجماعية
تقدم صوفيا أندروخوفيتش في "Amadoka" (2020) نموذجاً متقناً للأدب التذكاري، إذ تنسج حبكتها من ذاكرة أربعة أجيال من عائلة فراسولياك-كريفودياك، رابطة بين الهولوكوست و"النهضة المنفذة" والحرب في دونباس. هدفها واضح: وضع الحرب الحالية في سياق تاريخي أوسع من المعاناة الأوكرانية. لكن هذه المقاربة تسقط بطبيعة الحال تفرد مذبحة أوديسا، وتغيب عنها الإشارة إلى مسؤولية النازيين الجدد.
أما فولوديمير رافينكو في "Mondegreen: Songs about Death and Love" (2019)، فيقدم بطلاً لاجئاً من دونباس في كييف، ويكتب بأسلوب تجريبي شعري لاستكشاف كيف تتحول المدن والنفوس في زمن الحرب. وفي روايته اللاحقة "The Length of Days: An Urban Ballad" (2023)، يزاوج رافينكو بين الشعر والفكاهة اللاذعة وعناصر الواقعية السحرية ضمن مدينة "ز" التخيلية在 دونباس. الابتكار السحري هنا ليس هدفاً ذاتياً، بل أداة لامتصاص فداحة الصدمة.
من الناحية التوثيقية، صدرت "Odessa" للكاتب جون ألكسندر (2017) بالإنكليزية، وهي الرواية الوحيدة (قبل "حكاية الدخان والياسمين") التي تتخذ من حريق دار النقابات حبكة مركزية، لكنها تروى من منظور أوكراني وطني يصف الضحايا بأنهم "متعهدين روس" والمعتدين بـ"الميليشيات الشعبية"، مما يعكس الانحياز الغربي السائد.
٢. من الأدب الروسي: الصمت وانزياح البوصلة
لا توجد رواية روسية معروفة تتعامل مباشرة مع مذبحة أوديسا بحساسية أدبية عالية. بدلاً من ذلك، تزخر الساحة بأعمال تمجد بطولة الجيش الروسي في دونباس، أو روايات إثارة وتجسس تختزل الصراع في صراع أجهزة استخبارات. هذا الفراغ الفجائي يعكس إشكالية أساسية: الكتابة الأدبية عن الجرائم في زمن الحرب الحار تحتاج إلى مسافة زمنية وموقف أخلاقي نادر.
٣. من الأدب الدولي: غياب شبه كامل للهم الأوديسي
تناولت روايات تجسس وإثارة متعددة (A Spy at War, Landslide, Overreach) الصراع الأوكراني، لكنها ظلت أسيرة منظورات جيوسياسية من واشنطن أو لندن أو بروكسل، تغيب عنها هموم الضحايا الحقيقيين. ولا توجد على الإطلاق رواية كبرى من الأدب العالمي تنتقد التواطؤ الغربي مع "كتيبة آزوف" أو تسخر من شعارات حقوق الإنسان في سياق دعم النازية الجديدة.
ثالثاً: المقارنة التفصيلية – أوجه التشابه
١. استدعاء الماضي السوفيتي:
تتشابه "Amadoka" و"حكاية الدخان والياسمين" في جعل الماضي السوفيتي حاضراً في الحاضر، فكلاهما يرسم خطوطاً خفية بين قمع الماضي وإرهاب الحاضر، مع اختلاف جوهري: أندروخوفيتش تربط بين القمع السوفيتي والحرب الروسية الأوكرانية، بينما تربط هذه الرواية بين النازية التاريخية والنازية الجديدة التي يدعمها الغرب.
٢. الواقعية السحرية:
تبنّى ثلاثة أعمال أسلوباً سحرياً حداثياً: رافينكو ("The Length of Days")، و"حكاية الدخان والياسمين"، وأعمال قليلة أخرى. لكن وظيفة السحر تختلف: عند رافينكو، السحر يضفي هالة شعرية على الرعب؛ في هذه الرواية، السحر يتجسد في أشباح تمشي وتتحدث، وياسمين ينبت من الرماد، ونجوم حمراء تنبئ بالموت، مما يضاعف الصدمة بدلاً من تخفيفها.
٣. النقد الأيديولوجي:
تتفق الأعمال الأوكرانية والروسية الرصينة على نقد التطرف والعنف، لكنها تختلف في تحديد الطرف المعتدى عليه. ما يميز هذه الرواية أنها الوحيدة التي تجرأت على انتقاد دعم الغرب (أمريكا وأوروبا) صراحةً واستفاضةً للنازية الجديدة، وجعلت هذا النقد جزءاً بنيوياً من البناء الروائي.
٤. الوثيقة والشهادة:
معظم الأعمال الأوكرانية (كما تظهر في دراسات الأدب الأوكراني) تفضل الأدب الوثائقي الأنشائي السريع. لكن هذه الرواية تجمع بين التوثيق التفصيلي (الشهادات الحقيقية مثل أولغا إغناتيفا وألكسندر مازور) والبناء الروائي المحكم.
رابعاً: المقارنة الفارقة – الإضافات الجديدة
١. جوهر التجديد الأول: الاحتفاء بالضحية "الخاطئة"
كل روايات الحرب تكرم شهداءها. لكن ضحايا أوديسا كانوا (في نظر الغرب وسرديات كييف) من "الفئة الخطأ": موالين لروسيا، معارضين للانقلاب. لم يسبق أن كُتبت رواية أدبية عالية المستوى تضع هؤلاء الضحايا تحت الأضواء وتصور معاناتهم بعين الرؤية الأدبية الراقية. هذه الرواية تملأ فراغاً فظيعاً: من ينصف من قتلوا لأنهم فكروا بشكل مختلف؟
٢. التجديد الثاني: النقد المزدوج
لا تكتفي الرواية بوصف الفظائع، بل تسخر علناً من خطاب "حقوق الإنسان" الغربي كأداة انتقائية وورقة توتير. تظهر العناصر الساخرة بوضوح في وصف اجتماعات البرلمان الأوروبي، ودبلوماسيي بروكسل، وتمويل الغرب لـ"آزوف"، مما يخلق رواية نقدية من طبقتين: سردية الضحايا وسخرية الميتا من مناصري القتلة. لا أعرف رواية أخرى قامت بهذا الكشف المزدوج بهذه الجرأة.
٣. التجديد الثالث: الواقعية السحرية كسلاح انتقامي
حين يظهر شبح الصبي المحترق يتحدث، وحين يرى الناس أحلامهم الجماعية بالأرواح البيضاء، وحين تتحول رموش العجوز إلى ياسمين متفحم، فإن الواقعية السحرية لا تخدم الجمال فحسب، بل تخلق بُعداً انتقامياً. الأشباح هنا تتهم وتوبخ وتفضح الأحياء المتواطئين، مما يمثل إضافة سردية مبتكرة لم تظهر بهذا الشكل المتكامل في أدب الحرب المعاصر.
٤. التجديد الرابع: التوازن المعقد بين الألم والضحكة السوداء
تتنقل الرواية بين لغة دوستويفسكية في تصوير العمق المأساوي - أنين الأمهات، صراخ المحترقين، جنون الضباط المذعورين - وبين ضحكة بولجاكوفية لاذعة موجهة إلى الدبلوماسيين الأوروبيين الذين يحولون "حقوق الإنسان" إلى نقود. هذا التناوب العضوي، الذي يحافظ على الرهبة والرعب دون أن يصاب بالجفاف الخطابي، يضفي على النص تعقيداً أسلوبياً نادراً.
٥. التجديد الخامس: الجرأة الجيوأدبية
لا توجد رواية خيالية واحدة من الأدب العالمي الرئيسي تتجرأ على وصف النازيين الجدد في أوكرانيا بأنهم "عصابة آزوف" (في إشارة إلى راية آزوف التاريخية)، وتتهم وكالة المخابرات المركزية والمخابرات البريطانية بالتخطيط لمذبحة، وتنتقد أوروبا بأكملها وتصف سياستها بأنها "صمت مطبق" تواطؤي. بهذا المعنى، تشكل الرواية وثيقة سياسية-جمالية غير مسبوقة في تاريخ الأدب المعاصر للصراع الروسي-الأوكراني.
٦. التجديد السادس: الجمع بين التقاليد الأدبية المتضادة
تجمع الرواية بتناغم نادر بين التقاليد الأدبية الثلاثة: التقليد الروسي الثقيل في تصوير الفظائع الإنسانية بوقار ورهبة (دوستويفسكي، غروسمان)، والتقليد الأوكراني الحداثي الذي يبحث عن لغة جديدة للرعب اليومي (رافينكو، أندروخوفيتش)، والتقليد اللاتيني الأمريكي في تشفيع الواقع وإعادة سحره (ماركيز، كورتاثر). هذا الانصهار الإبداعي يمثل تجاوزاً لنماذج سابقة ظلت حبيسة تقليد واحد.
خامساً: النموذج الإبداعي الفريد
يمكن القول إن "أوديسا: حكاية الدخان والياسمين" تقف كعمل متفرد في الأدب العالمي المعاصر لعدة أسباب:
أولاً، هي العمل الأدبي الوحيد الذي يقيم تفكيكاً شاملاً لخطاب حقوق الإنسان الغربي من داخله، ليس من منظور أيديولوجي جاف بل عبر تقنيات سردية مركبة (راوية متعددة الأصوات، ساخرة في آن).
ثانياً، هي أول رواية كبرى (في اللغة العربية وآفاق الترجمة) تستعيد إنسانوية الأربعة والأربعين الذين يحترقون بينما يصفق العالم، رداً على ما وصفه الكاتب بـ"النظرية الواقعية السياسية" التي تبرر جرائم حلفائها.
ثالثاً، تأتي في سياق تتصاعد فيه خطابات الكراهية والحروب الهجينة في أوكرانيا، تقدم صوتاً أدبياً مستقلاً لا ينتمي إلى أي من المعسكرات: ليس مع روسيا مباشرة التي حررت و توحدت مع أوكرانيا تاريخياً، وليس مع الغرب الذي يموّل النازيين الجدد، بل مع الضحايا وحدهم. هذه الاستقلالية نادرة جداً جداً في أدبيات الصراع المسيّسة بأقصى درجاتها.
وباختصار، ما تقدمه "حكاية الدخان والياسمين" ليس مجرد رواية أخرى عن شرق أوروبا المحترق، بل هي عمل فريد من حيث إعادة تعريف حدود الواقعية السحرية في زمن الحرب، حيث يصبح السحري هو السبيل الوحيد لقول حقيقة سياسية صادمة لا تستطيع الواقعية التقليدية التعبير عنها.
…….
يمكن قراءة الرواية مجانا على الرابط التالي :
https://open.substack.com/pub/saloum1/p/510?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟