أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل















المزيد.....

سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 00:00
المحور: الادب والفن
    


دراسة نقدية معمقة

مقدمة: الرواية بين التوثيق والتخييل

الرواية، ذلك الجنس الأدبي الذي ولد ليحكي حكايات البشر، لم يمت يومًا كان في وسعه أن يكون مستقلاً عن سلطة الواقع. ربما هذا هو سر بقائه: قدرته على تمويه الحقيقة داخل جلد الخيال، فيسلها إلى حيث لا تصل السيوف ولا المناهل. رواية "خريطة الضباط" – تلك التي سبق وأن كتبنا فصولها وتمهيدها في سياقات أخرى – تقع في هذا الموقع الحساس: بين التوثيق الصحفي والدراما النفسية، بين الرغبة في فضح وهج الإمبراطورية والالتزام بجماليات السرد.

منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه ليس أمامه رواية بالمعنى التقليدي. لا بطل يخرج من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة في خط مستقيم، ولا حبكة تعتمد على صدف درامية مصطنعة. بدلاً من ذلك، تقدم الرواية "تشريحاً حياً" لجسد الإعلام الملوث، أو بالأحرى جسد القناة التي تحولت، في سياق الرواية، من منصة للمقهورين إلى بوق للإمبراطورية. هذه الورطة السردية – كيف تحكي قصة عن استعمار العقول دون أن تقع في شرك الخطابية المباشرة؟ – تمثل التحدي المركزي الذي واجه الكاتب، وهو التحدي نفسه الذي ستتناوله هذه الدراسة النقدية.

أولاً: استعمار العقل بوصفه بنية روائية

ما يميز "دوحة: مصنع الضباب" عن غيرها من الأعمال التي تناولت الإعلام والسياسة هو إصرارها على ترجمة مفاهيم مجردة – التمويل، البروباجاندا، الحرب النفسية – إلى خبرة محسوسة. البطل، ناصر، ليس ثائراً بالمعنى الرومانسي، بل هو "موظف" أنهكه الكذب اليومي. هذا الاختيار سردي بامتياز: فالأبطال العظام يملؤون النصوص بسهولة، أما الموظف المستعمر عقله فأمر أصعب. الرواية تنجح هنا لأنها تجعل القارئ يشعر بثقل الخيانة اليومية الصغيرة: تغيير كلمة في خبر، تجاهل تقرير مزعج، التحدث بنبرة يأس مسرحية أمام الكاميرا.

استعمار العقل، في هذه الرواية، ليس لحظة واحدة بل عملية تراكمية. تُصوَّر بدقة متناهية في تفاصيل العمل اليومي: غرفة المراقبة ذات الشاشات السبع عشرة، المكيف الذي لا يتوقف أبداً، رسائل البريد الإلكتروني الباردة من هاريس سيمبسون، الجدول البنكي في "الملف 78-أ". كل هذه العناصر تشكل ما يمكن تسميته بـ"سيميائية الاستعمار الناعم": أشياء صغيرة، تقنية، تبدو عادية، لكنها معاً تخلق سجناً لا ترى قضبانه.

وهنا تأتي عبقرية البناء الروائي: السجن ليس خارجياً. السجن داخل رأس ناصر. هو ذلك الصوت الذي يهمس له بأنه لا مفر، وأن الاستقالة تعني الجوع، وأن الوطن ليس هنا بل هناك حيث لا يقرأ أحد رواياته. الرواية لا تكتفي بوصف هذا السجن بل تجعل القارئ يعيش فيه، من خلال التقنيات السردية التي سنأتي على ذكرها.

ثانياً: جدلية الضوء والضباب – تقنيات التبئير والسرد

اعتمد الكاتب على تبئير داخلي ثابت تقريباً، أي أن القارئ لا يرى العالم إلا من خلال وعي ناصر. هذا الاختيار محفوف بالمخاطر: إذ يمكن أن يؤدي إلى رتابة ورؤية أحادية. لكن الرواية تتجنب هذا المأزق عبر تقنيتين ذكيتين:

الأولى: الوثيقة بوصفها فجوة سردية. بين الحين والآخر، تتخلل السرد وثائق – رسائل إلكترونية، مذكرات داخلية، تقارير مصرفية. هذه الوثائق تمنح القارئ إحساساً بالمعرفة الفائقة (نحن نرى ما لا يراه ناصر أحياناً، أو نراه من زاوية مختلفة). على سبيل المثال، عندما يقرأ ناصر الرسالة الغامضة الأولى من مارتن، القارئ يعرف ما يعرفه ناصر، لكنه لا يعرف إن كان مارتن حقيقياً أم فخاً. هذا التبئير المزدوج (الوعي الداخلي لناصر + المادة الوثائقية "الموضوعية") يخلق توتراً سردياً بديعاً.

الثانية: الشخصيات الثانوية كمرايا مكسورة. هاريس سيمبسون، فارس الساخر، لينا الفلسطينية، الدكتور زكي – كل منهم يقدم رؤية مختلفة لنفس المعضلة: كيف تعيش في نظام تعرفه ظالماً ولا تستطيع الخروج منه؟ فارس، مثلاً، يمثل نموذج الإرهاق: لم يعد يؤمن بأي شيء، لكنه يمضي لأنه لا يرى خياراً آخر. لينا تمثل النموذج العالق: ديون والدها تمنعها من المغامرة. هاريس يمثل النموذج المؤمن حقاً – أو المدمن على القوة إلى درجة جعلته يعتقد أن تخدير الشعوب واجب إنساني. هذا التعدد يمنع الرواية من أن تكون خطاباً أخلاقياً من طرف واحد، بل يعرض التعقيد الأخلاقي الكامل.

ثالثاً: اللغة بين الغنائية السياسية واليومي المهترئ

"دوحة: مصنع الضباب" تكتب بلغة تراوح بين مستويين: مستوى غنائي عالٍ، يعتمد الاستعارات الكبرى (خرائط الضباب، استعمار العقل، السجن البنكي)، ومستوى يومي شبه توثيقي (عبارات مثل "فواتير الكهرباء"، "سلة خضار فارغة"، "محرك أقراص صغير خلف المناشف").

هذا التذبذب ليس عيباً بل استراتيجية مدروسة. فاللغة الغنائية العالية تحمل همَّ الرواية الفلسفي: الحديث عن الحرية، الكرامة، المعنى. أما اللغة اليومية فترسخ الرواية في واقع ملموس: رجال يجلسون في مكاتب مكيفة، يرسلون إيميلات، يشعرون بالتعب والجوع العاطفي.

لكن ثمة خطر في هذه الاستراتيجية: الانزلاق أحياناً إلى الخطابية. بعض المقاطع الفلسفية الطويلة (خاصة في التمهيد وبعض حوارات ناصر الداخلية) تخرج من طابع الرواية إلى طابع المقال السياسي. القارئ قد يشعر هنا أن الكاتب يترك فضاء السرد ليحاضر في النظرية النقدية. هذا التوتر بين "الرواية كحكاية" و"الرواية كأطروحة" لم يُحسم بالكامل، وهو ما يضع "خريطة الضباط" في خانة "الرواية الفكرية" التي تتصارع فيها الحكاية مع الفكرة أحياناً.

في المقابل، تنجح الرواية تماماً في مشاهد الحياة اليومية للعاملين في القناة: المشي في الممرات المعقمة، التحدث بنبرات مزدوجة، الشعور بالغثيان أثناء كتابة خبر كاذب. هذه المشاهد مرسومة بحساسية بالغة، وباقتصاد لفظي يجعلها قاسية ومؤثرة في آن.

رابعاً: الزمكان الروائي: الدوحة كفضاء أخلاقي ملوث

اختيار الدوحة فضاءً للرواية ليس اعتباطياً. المدينة تظهر كفضاء جمالي غريب: أبراج زجاجية تعكس الشمس، كورنيش أنيق، مطاعم فاخرة، ولكن تحت هذا السطح اللامع هناك فراغ أخلاقي. الرواية لا تنتقد الدوحة كمدينة بقدر ما تنتقد "النموذج الدوحي" – نموذج المحمية التي تعيش على الكرامة المسروقة من شعوب أخرى.

في هذا الفضاء، كل شيء مباح طالما كان مربحاً. القناة تبث خطاب اليأس على إيران، وفي الوقت نفسه تستقبل ممولين من أبوظبي وإسرائيل عبر قنوات سرية. القصر الذي يُقام فيه "مجلس العين" مزدحم بالبحيرات الاصطناعية وأضواء الليزر، لكنه يخلو من أي حياة حقيقية. الدوحة في الرواية ليست مدينة بقدر ما هي "ديكور" لعبة كبرى، خلف الكواليس يديرها مصرفيون ببدلات سافيل رو.

ناصر، بصفته لبنانياً يعمل في الخليج، يمثل "الغريب الداخلي": هو جزء من النظام لكنه ليس منه. هذا الموقع الهامشي يسمح بنظرة نقدية حادة، لكنه أيضاً يحمل خطر الرومانسية: أليست رحلة ناصر نحو "الوعي" مفرطة في الوضوح؟ ألا يبدو أحياناً وكأنه "وعي مفارق" جاهز، بدلاً من أن يبنيه السرد بشكل تدريجي؟

خامساً: الشخصية المركزية – ناصر بين الأسطرة واليومي

ناصر ليس بطلاً تقليدياً. لا يمتلك خطابة ثورية، ولا يخطط لعمليات فدائية، ولا حتى ينجو في النهاية بسلام تام. كل ما يفعله هو: يقرر أن يوقف الكذب. هذا القرار، في سياق الرواية، يحمل أبعاداً تراجيدية. فـ"التوقف عن الكذب" ليس فعلاً عظيماً في العالم العادي، لكنه في عالم "خريطة الضباط" يشبه قيامة الموتى. العالم الذي تصفه الرواية هو عالم تُعاد فيه تعريف الأخلاق: الصدق أصبح تمرداً، والضمير أصبح خيانة.

ناصر يتطور خلال الفصول الثلاثة من موظف منهك إلى شبه متمرد، لكن هذا التطور يمر بمراحل نفسية دقيقة:

· في الفصل الأول: الصدمة المعرفية (اكتشاف حجم المؤامرة).
· في الفصل الثاني: الانقسام النفسي (الحياة المزدوجة بين العمل والتوثيق).
· في الفصل الثالث: القرار الأخلاقي (المخاطرة بكل شيء من أجل النشر).

لكن المشكلة أن هذا التطور يبدو أحياناً مدفوعاً أكثر بالحاجة السردية (يجب أن يصل ناصر إلى نقطة اللاعودة) منه بالمنطق النفسي. قفزته من الخوف إلى المقاومة تأتي بشكل مفاجئ نسبياً بعد لقائه بالدكتور زكي. هذا اللقاء يعمل كـ"مُسرّع سردي" أكثر منه كتحول عضوي. كان يمكن أن نرى ناصر يتساءل، يشك، يتراجع، ثم يتقدم، بدلاً من أن يتحول فجأة بعد حوارين أو ثلاثة.

سادساً: الرواية كفضح لنمذجة الخطاب

من أبرز إنجازات "دوحة: مصنع الضباب"أنها لا تكتفي بفضح "ماذا" تقول القناة، بل تكشف "كيف" تُنتج هذا الخطاب. مشاهد غرفة المونتاج، وتوجيهات هاريس للمراسلين، واستئجار ممثلين لتجسيد دور "المواطن الإيراني اليائس" – هذه كلها تُظهر أن اليأس ليس "حقيقة" بل "سلعة" تُصنع وفق مواصفات.

هذا هو المستوى الأعمق للنقد: ليس نقد المحتوى فقط بل نقد الشكل وآليات الإنتاج. الرواية تشبه، في هذا، أعمال تشومسكي لكن بشكل درامي. هي تفكيك لـ"هندسة الوعي" تُقدَّم كمسرحية عبثية: رجال في غرف مكيفة يقررون كيف يجب أن يشعر الناس في بلد آخر، ثم يبثون تلك المشاعر عبر شاشات، ثم يصدقها الجمهور لأنها تكررت بما فيه الكفاية.

وهنا تصل الرواية إلى ذروتها الفلسفية: ما الفرق بين "الخبر" و"الحقيقة" في عصر إعادة الإنتاج الرقمي؟ جواب الرواية ضمني: لا فرق. أو الفرق هو أن الخبر يخدم مصالح جهة ما، بينما الحقيقة... الحقيقة لا تخدم أحداً، ولهذا هي أول ضحية في زمن الإمبراطوريات.

سابعاً: الإيراني الغائب – نظرة نقدية في التمثيل

لا بد من وقفة نقدية حول شخصية "الإيراني" في الرواية. الإيرانيون لا يظهرون كشخصيات كاملة. هم إما "مصادر" (مثل بهمن المراسل المزيف)، أو "أرقام" في تقارير (مثل فواتير الكهرباء وطوابير الخبز)، أو "موضوع خطاب" (ما يقوله هاريس عنهم، وما يقوله ناصر عن صمودهم). لا نرى إيرانياً واحداً يتكلم "من الداخل" بصوته الحقيقي. هذا الغياب يمكن قراءته بطريقتين:

أولاً: يمكن اعتباره عيباً سردياً. ففضح استعمار العقل دون إعطاء صوت للمستعمر (أو لمن يُقال عنهم إنهم "يائسون") يجعل النقد ناقصاً. إذا كانت الرواية تهاجم تمثيل الجزيرة للإيرانيين، فلماذا تعيد إنتاج غيابهم هي نفسها؟

ثانياً: يمكن قراءة هذا الغياب كجزء من الاستراتيجية السردية ذاتها. الرواية تحكي قصة "صناعة اليأس" من داخل المطبخ الإعلامي، ليس من داخل الشارع الإيراني. هي ليست رواية عن إيران بقدر ما هي رواية عن آلة استعمار العقل. والإيراني، في هذه الآلة، إما "هدف" أو "مادة خام"، ونادراً ما يكون فاعلاً. غيابه عن السرد يعكس، بطريقة تراجيدية، غيابه عن صناعة القرار في خطابه الإعلامي. لكن يبقى هذا التبرير غير كافٍ تماماً. رواية بهذا الحجم تحتاج، على الأقل، إلى مشهد واحد من طهران – من عيون إيراني حقيقي – لكسر جدار التمثيل.

ثامناً: التناص والاقتباس – الرواية في حوار مع الواقع

"دوحة: مصنع الضباب" تزخر بإشارات ضمنية إلى نصوص وأحداث خارج النص: نظرية ميرشايمر عن الواقعية الهجومية، مقولات جيفري ساكس، دراسات ويكيليكس حول علاقة السفير الأمريكي بوضاح خنفر، وغيرها. هذه الإشارات تمنح الرواية بعداً توثيقياً وتضفي مصداقية على سرديتها.

لكنها أيضاً تخلق مشكلة للقارئ غير الملم بهذه المرجعيات. الرواية تفترض قارئاً مثقفاً سياسياً يتابع أدبيات العلاقات الدولية واستراتيجيات الحرب النفسية. هذا الجمهور المستهدف قد يكون محدوداً. يمكن القول إن الرواية تكتب نفسها خارج "السوق الأدبي" الواسع، متجهة نحو "النخبة الناقدة" التي تسعد بفك الشفرات. هذا ليس عيباً في ذاته – فالأدب الجاد ليس ملزماً بأن يكون شعبوياً – لكنه يحد من انتشارها وتأثيرها المحتمل.

في المقابل، المشاهد اليومية العادية (ناصر وهو يشتري قهوته، ابنته تسأل أسئلة محرجة، ليلى تبكي في الهاتف) هي التي تعيد الرواية إلى الأرض، وتجعلها قابلة للقراءة عاطفياً حتى لمن لا يعرف الفرق بين ميرشايمر وساكس.

تاسعاً: النهاية – مقاومة اليأس أم يأس المقاومة؟

تنتهي الرواية بمشهد ناصر وهو يكتب سطراً أول من روايته في بيروت. المشهد يحمل أملاً حذراً لكنه ليس منتصراً. ناصر لم يهزم النظام، هو فقط كشف جزءاً منه. الوثائق سُرِّبت، لكن القناة لا تزال تبث. هاريس لم يُقدَم للمحاكمة، بل على الأرجح حصل على ترقية. ناصر نفسه أصبح لاجئاً في بلده، يواجه مستقبلاً مجهولاً مع ابنته وزوجته.

هذه النهاية واقعية أكثر منها ملحمية. وهي أقرب إلى روح الرواية التي لم تَعِد القارئ أبداً بنهاية سعيدة. لكن السؤال النقدي: هل تنجح الرواية في تقديم "الأمل" كخيار عملي، أم أنها تكتفي بتشخيص اليأس دون تقديم ترياق؟

الجواب معقد. الرواية تقدم فعلاً "مجرداً" للمقاومة: ناصر لم يحرر شعباً، لكنه حرّر نفسه من الكذب. هذا الفعل الفردي قد لا يغير العالم، لكنه يغيره على المستوى الرمزي. وهنا تلتقي الرواية مع تقليد أدبي طويل (من دوستويفسكي إلى أورويل) حيث الفعل الأخلاقي الفردي، حتى لو كان صغيراً، هو الشرارة التي قد تضيء عتمة طويلة.

لكن ثمة خطر في هذا "الفردانية الأخلاقية": أن تُقرأ كنوع من "الخلاص الذاتي" الذي يتجاهل الأبعاد الجماعية للمقاومة. الصمود الإيراني الذي تذكره الرواية باستمرار هو صمود جماعي، مؤسساتي، تاريخي. لكن ناصر يواجه مصيره وحيداً، كأن المقاومة الفردية هي البديل الوحيد. ربما لو كانت الرواية أظهرت شبكة من الأفراد المتضامنين (غير الدكتور زكي فقط) لكانت صورت المقاومة أكثر جاذبية وأكثر واقعية في آن.

عاشراً: الخلاصة – الرواية بين الشهادة والفن

"دوحة: مصنع الضباب"عمل طموح، يحاول أن يفعل شيئاً نادراً في الأدب العربي المعاصر: أن يكتب السياسي دون أن يكون خطابياً، وأن ينقد الإعلام دون أن يكون صحفياً، وأن يفضح استعمار العقل دون أن يعيد إنتاج أساليبه. في هذا، تنجح الرواية إلى حد كبير. لكنها تتعثر أحياناً في التوازن بين "الشهادة" و"الفن".

عندما تتحول إلى شهادة، تكون في أفضل حالاتها: مشاهد غرفة التحكم، لقاءات مجلس العين، تفاصيل الملف 78-أ – هذه كلها تكتب بقبضة ساخطة لكنها دقيقة، كمن يريد أن يقول: "هذا ما رأيته، تحققوا بأنفسكم".

أما عندما تحاول أن تكون "فناً خالصاً"، فترتد أحياناً إلى الخطابية، إلى الفلسفات الجاهزة، إلى الحوارات التي تشرح أكثر مما تكشف. شخصية الدكتور زكي، مثلاً، تعاني من "متلازمة الخبير" – فهو يعرف كل شيء، يشرح كل شيء، ولا يخطئ أبداً. هذا يجعله أقل إقناعاً درامياً، وأقرب إلى "لسان الكاتب" منه إلى إنسان من لحم ودم.

ورغم هذه التحفظات، تبقى "دوحة: مصنع الضباب"إضافة نوعية. هي واحدة من المحاولات القليلة في الأدب العربي التي تتعامل مع "الحرب النفسية" كموضوع مركزي، ليس كخلفية بل كساحة معركة حقيقية. وهي تساهم في تأسيس تقاليد روائية عربية معاصرة تهتم بـ"هندسة الوعي" وآليات استعمار العقل، وهو موضوع سيصبح، في عقود قادمة، أكثر إلحاحاً مما هو عليه اليوم.

في النهاية، تترك الرواية القارئ بسؤال واحد، هو نفسه السؤال الذي تركته مع ناصر على كرسيه الجلدي أمام الشاشات السبع عشرة: في عالم تُصنع فيه الرغبات والأحلام واليأس في مكاتب البنوك، متى نستعيد قدرتنا على الرغبة الحقيقية؟ متى نعرف ما نريد حقاً، بعيداً عن خرائط الضباب التي رسمها غيرنا؟

ليس للرواية جواب. لكن طرح السؤال بهذه الحدة، وتجسيده في شخصية تعاني وتختار وتدفع الثمن – هذا وحده قد يكون كافياً.

ربما هذا هو دور الأدب الحقيقي: لا أن يقدم إجابات، بل أن يجعل الأسئلة أكثر إيلاماً، وبالتالي أكثر استحقاقاً لأن نعيش من أجلها.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع ...
- مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
- قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل ...
- دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و ...
- مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة ...
- دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية ...
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
- رواية قصيرة : المقام الأبدي
- كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي ...
- تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة ...
- سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف ...
- قصة قصيرة : العراف والملكان
- رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
- من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق ...
- نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
- القارة التي لا تُقصف: لماذا فشل التهديد النووي في ثني إيران؟
- تفجيرات السيل الشمالي: بين التحقيق الألماني، كشف سيمور هيرش، ...
- رواية : امارات الفقاعة..سياسية ساخرة
- مسرحية -طاولتان في الربيع-..كوميديا سياسية


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل