|
|
دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 00:42
المحور:
الادب والفن
مدخل إلى أدب الإبادة - مشترك إنساني أم خصوصيات وطنية؟
قبل الدخول في المقارنة التفصيلية بين "ضفائر تحت الركام" وأعمال أدبية عالمية تعالج مواضيع مشابهة، لا بد من وقفة تأملية حول طبيعة "أدب الإبادة" كجنس أدبي.
هل أدب الإبادة جنس مستقل له قواعده وخصائصه وتاريخه؟ أم أنه مجرد موضوع من بين موضوعات الأدب، مثل الحب أو الموت أو الطبيعة؟
يمكن القول إن الإبادة الجماعية، بفعلها المتطرف (استهداف مجموعة بشرية بأكملها لمجرد هويتها)، تنتج أدباً مميزاً له سماته الخاصة. من تلك السمات، التوتر بين الشهادة والفن - بين واجب التوثيق ورغبة الجمال. من تلك السمات أيضاً، مسؤولية الكاتب تجاه الضحايا الذين لا يستطيعون الكتابة بأنفسهم. ومن تلك السمات، محاولة فهم كيف يمكن للبشر أن يفعلوا هذا ببعضهم البعض.
لكن لكل إبادة خصوصيتها. لا تشبه إبادة الهنود الحمر ابادة الروهينغا ، ولا تشبه ابادة الهولوكوست إبادة الأرمن، ولا تشبه إبادة رواندا إبادة البوسنة، ولا تشبه إبادة فلسطين أو ميناب أياً من السابقات. الاختلافات في هوية الجلاد (دولة نامية أم متقدمة؟)، وفي أيديولوجيا الإبادة (عنصرية أم دينية أم سياسية؟)، وفي رد فعل العالم، وفي توقيت الإبادة - كل ذلك يصنع فروقاً جوهرية بين الأعمال الأدبية التي تتناول هذه الإبادات.
"ضفائر تحت الركام" تنتمي إلى ما يمكن تسميته "أدب إبادة ما بعد الاستعمار". أي كتابات ضحايا الإمبريالية الغربية المعاصرة، الذين يكتبون ليس بعد الإبادة بل أثناءها. هذا زمن مختلف عن زمن بريمو ليفي أو إيلي فيزيل، الذين كتبوا بعد الهولوكوست بعقود. شذى تكتب وهم يقتلونها. هذا يخلق إلحاحاً، وألمَ عدم الاكتمال، وشهادة غير مكتملة أبداً.
في هذه الدراسة المقارنة، سأقارن "ضفائر تحت الركام" بأربعة أعمال رئيسية من أدب الإبادة العالمي، ممثلة لأنماط مختلفة:
1. "إذا كان هذا إنساناً" لبريمو ليفي (الهولوكوست) - الشهادة الباردة 2. "نحن أحرار" للكاتبة الفلسطينية عائدة شرف (إبادة غزة) - المقاومة الحية 3. "الجرس الزجاجي" لسيلفيا بلاث (العنف ضد الذات) - الاستبطان الأنثوي 4. "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز (العنف اللاتيني) - الأسطرة والذاكرة
لكل من هذه الأعمال، تشابه واختلاف مع "ضفائر تحت الركام". الهدف ليس إثبات أفضليتها أو تفوقها، بل فهمها في سياقها العالمي.
………
بريمو ليفي و"إذا كان هذا إنساناً" - شهادة باردة مقابل غضب ساخن
بريمو ليفي، الكيميائي الإيطالي الشيوعي الذي نجى من أوشفيتز، كتب أحد أهم كتب الإبادة في القرن العشرين: "إذا كان هذا إنساناً". الكتاب هو شهادة باردة، شبه علمية، عن الآلية التي حول بها النازيون البشر إلى أرقام، إلى ظلال، إلى "موسلمين" (كما كان السجناء يسمون من فقدوا إرادة الحياة).
ما يميز ليفي هو برودته العاطفية. يكاد لا يبكي أبداً. يكاد لا يغضب أبداً. يصف الجوع، التعذيب، الانتقاء، الغاز، الأفران. يصفها كما يصف تفاعلاً كيميائياً. هذه البرودة هي سلاحه ودفاعه: لا يمكن للنازيين أن يسرقوا منه عقله التحليلي.
مقابل ذلك، "ضفائر تحت الركام" عاطفية، ساخنة، غاضبة. شذى تبكي (قليلاً)، وأمها تبكي (كثيراً). حتى الراوي يبكي بين السطور. هذا الغضب هو سلاح الكتابة ضد إباحة الإبادة، ضد تحويل الفتيات إلى مجرد أرقام.
لكن هل هذا الاختلاف يعكس اختلافاً في جودة العملين، أم اختلافاً في طبيعة الإبادة ذاتها؟
يمكن القول إن الهولوكوست كانت إبادة احتكارية مالية ، بيروقراطية، صناعية، باردة. تمت في معسكرات مع كفاءة خط تجميع. كانت تهدف إلى قتل الشيوعيين من أصول معتقدات يهودية بأقل تكلفة وأعلى فعالية. أوشفيتز لم يكن غاضباً. كان فعالاً. لذلك، ربما يحتاج أدب الهولوكوست إلى برودة ليفي، بارودة العقل التحليلي التي تستطيع مواجهة البيروقراطية النازية بسلاحها الخاص: المنطق.
أما إبادة ميناب، فهي إبادة إمبريالية همجية مكشوفة. لم تعد مهتمة بالفعالية بقدر ما هي مهتمة بالرسالة. قصف مدرسة في وقت الذروة ليس فعالاً من الناحية العسكرية (لا توجد أهداف عسكرية هناك). إنه فعال من الناحية الرمزية: يرسل رسالة رعب. لذلك، يحتاج أدبها إلى غضب، إلى صرخة، إلى دموع. لا يمكن مواجهة الهمجية المكشوفة بالبرودة. يجب مواجهتها بالصراخ.
هذا لا يعني أن "ضفائر تحت الركام" تستفيد من غضبها فقط. هناك فصول كاملة (فصول واشنطن خصوصاً) حيث تتبنى الرواية برودة ليفي، حيث تصبح تقريرية، تحليلية، باردة. لكن هذه البرودة لا تستمر طويلاً. الحرارة تعود بسرعة، وكأن الرواية تريد أن تقول: لا يمكنني أن أبقى باردة وأنا أكتب عن طفلة تبحث عن يدي صديقتها.
……..
"إذا كان هذا إنساناً" - الاختلافات في الضحية والجلاد
فرق آخر بين ليفي وشذى: الضحية. ليفي كان رجلاً بالغاً حين دخل أوشفيتز. كان كيميائياً، متعلماً، قادراً على فهم ما يحدث حوله، وربما التنبؤ به. شذى طفلة. لا تفهم كثيراً مما يحدث. لا تعرف لماذا أمريكا تكره إيران. لا تعرف لماذا مات والدها. لا تعرف حتى معنى كلمة "إمبريالية". هذا الجهل، هذه البراءة، تجعل معاناتها مختلفة. ليست أقل ألماً، لكنها مختلفة.
الرواية تستفيد من جهل شذى. من خلال عينيها، نرى العبثية الكاملة للإبادة. ليس هناك سبب منطقي لقصف مدرسة. لا توجد حجة عقلانية يمكن أن تبرر موت طفلة. شذى لا تفهم، لأنه لا يوجد ما يُفهم. الإبادة غير قابلة للفهم.
في ليفي، هناك محاولة دائمة للفهم. يحلل، يشرح، يفسر. يحاول أن يجعل الإبادة قابلة للعقل، وكأنه يقول: إذا استطعت فهمها، فقد أهزمها جزئياً. في "ضفائر تحت الركام"، لا توجد محاولة كهذه. الإبادة لا تُفهم. تُروى وتُبكى وتُقاوم، لكن لا تُفهم.
الفرق الثالث: الجلاد. في أدب الهولوكوست الكلاسيكي، الجلاد غائب تقريباً. نادراً ما نرى النازيين كشخصيات. هم مجرد ظل، مجرد فزاعة، مجرد "شر مطلق". في رواية ليفي، الجلاد هو النظام، وليس الأشخاص. ليفي يصف الجنود النازيين أحياناً، لكنهم سطحيون، غير مكتملين.
في "ضفائر تحت الركام"، الجلاد حاضر جداً. ماكدونالد يأخذ فصولاً كاملة. نعرف تاريخه العائلي، دوافعه، ندمه، تقيؤه في الليل. هذا الحضور المكثف للجلاد، كما أشرت سابقاً، قد يكون إشكالياً. لكنه يعكس واقع إبادة ميناب: ليست إبادة بيروقراطية مجهولة، بل إبادة بأسماء وأوجه: ترامب، نتنياهو، الكيان الصهيوني المارق ، قادة محميات الخليج، شبكة إبستين. الجلاد هنا ليس نظاماً مجرداً، بل شبكة أشخاص يمكن تسميتهم ومحاكمتهم.
ربما لهذا السبب اختارت "ضفائر تحت الركام" أن تجعل ماكدونالد شخصية رئيسية. ليس لتبريره، بل لتفكيك أسطورة "الشر المجرد". الجلادون ليسوا شياطين. هم بشر عاديون يذهبون إلى العمل ويشربون القهوة ويحبون بناتهم. لكنهم يفعلون أشياء شيطانية. هذه الحقيقة مزعجة أكثر من فكرة الشر المجرد. لأنه إذا كان الجلادون بشراً عاديين، فأي منا يمكن أن يصبح جلاداً؟
"نحن أحرار" - المقاومة الفلسطينية في زمن الإبادة
الانتقال من أدب الهولوكوست (إبادة انتهت، على الأقل في أوروبا) إلى أدب إبادة غزة وفلسطين (إبادة لا تزال مستمرة) يحمل قفزة نوعية. "نحن أحرار" لعائدة شرف (عمل تخيلي، لكنه يمثل جنساً أدبياً معاصراً مهماً) تتعامل مع واقع مختلف: إبادة تُمارس أمام العالم، وعلى الهواء مباشرة، دون خجل أو تبرير.
ما يميز أدب إبادة غزة هو أنه ليس أدب "ما بعد" بل أدب "أثناء". الكُتاب يكتبون وهم تحت القصف. يكتبون وهم يعرفون أن الصفحة التي يكتبونها قد تكون آخر صفحة. يكتبون وهم لا يعرفون إن كانوا سيبقون أحياء ليروا منشوراتهم.
"ضفائر تحت الركام" تشترك في هذه الخاصية. فهي تُكتب في زمن الإبادة، ليس بعدها. الشهادة هنا ليست تذكاراً، بل صرخة في وجه العالم. الرهان هو أن هذه الصرخة قد تصل قبل فوات الأوان. هذا الزمن المضغوط، هذا الإلحاح، يخلق شعرية مختلفة: جمل قصيرة، إيقاع سريع، تركيز على التفاصيل الحية (الضفائر، قارورة الماء، الحذاء الأحمر) لأن الموت قادم وقد لا يتسع الوقت للزخرفة.
الاختلاف الأساسي بين أدب غزة وأدب ميناب هو في علاقة الكاتب بسلطته العميلة. في فلسطين، المقاومة فلسطينية، والسلطة الفلسطينية ضعيفة أو متواطئة، والكاتب يعبر عن شعب بلا دولة. في إيران، الوضع مختلف. الدولة الإيرانية موجودة، قوية، ولها مشروعها السياسي. حكومة إيران هي من تقاتل أمريكا وإسرائيل، وهي من تدعم المقاومة في فلسطين ولبنان.
هذا يخلق توتراً في "ضفائر تحت الركام". الرواية تُعجب بالمقاومة الإيرانية (حرب الفسيفساء، صمود الحرس الثوري)، لكنها لا تخلو من إشارات نقدية ضمنية (والد شذى الذي قتلته زوارق الحرس الثوري، التصدي لرسالة ماكدونالد من قبل المخابرات الإيرانية). هذا التوتر يجعل الرواية أكثر تعقيداً من الأدب الفلسطيني الذي غالباً ما تكون علاقة كاتبه بسلطته العميلة (أو غيابها) واضحة.
……..
"نحن أحرار" - الاختلافات في تمثيل الطفل
"نحن أحرار" لعائدة شرف تركز أيضاً على طفل، لكن الطفل هناك (ليث، في العاشرة) مختلف عن شذى. ليث مقاتل. يشارك في الانتفاضة، يرشق الجنود بالحجارة، يواجه الموت بوعي وشجاعة. شذى ليست مقاتلة. لا ترمي الحجارة. لا تحمل سلاحاً. لا تخطط لمقاومة مسلحة. مقاومتها مختلفة: مقاومة بالبقاء، بالكتابة، بالحلم.
أي تمثيل للطفل في أدب الإبادة هو الأكثر واقعية؟ الطفل كمقاتل أم الطفل كضحية بريئة؟
الحقيقة أن كليهما موجود. هناك أطفال فلسطينيون يرشقون الحجارة. وهناك أطفال فلسطينيون وإيرانيون يموتون تحت الركام دون أن يفعلوا شيئاً. كلا التمثيلين حقيقي، وكلا التمثيلين ضروري. لكن لهما تأثيرات مختلفة على القارئ.
الطفل المقاتل يلهم. يظهر أن المقاومة ممكنة حتى في أصغر السن. يظهر أن الكرامة أقوى من الخوف. لكنه أيضاً قد يخيف القارئ الغربي، أو يجعله يبرر قتل الطفل بـ"إنه مقاتل" (كما فعلت الدعاية الإسرائيلية مرات لا تحصى).
الطفل الضحية البريء لا يلهم بنفس الطريقة. إنه يحزن. يثير الشفقة. يجعل القارئ يغضب على من قتله. لكنه أيضاً قد يخلق شعوراً بالعجز: "هؤلاء الأطفال يموتون، وماذا يمكنني أن أفعل؟"
"ضفائر تحت الركام" تحاول أن تخرج من هذا المأزق بجعل شذى ضحية ومقاومة في آن. هي ضحية لأنها تُقتل دون سبب. وهي مقاومة لأنها تختار ألا تصمت، لأنها تختار الكتابة، لأنها تختار أن تصبح فكرة حتى بعد موتها. هذا المزيج هو سر نجاح الشخصية. شذى تثير الحزن والإلهام معاً. لا تبكي عليها فقط، بل تريد أن تكون مثلها.
………
"نحن أحرار" - الأمومة والمقاومة
في "نحن أحرار"، الأمهات شخصيات ثانوية. البطل هو الطفل، والأب الغائب، والعم الشهيد. في "ضفائر تحت الركام"، الأمهات شخصيات مركزية. لجين هي البطلة الثانية بعد شذى، بل قد تكون البطلة الأولى في جزء كبير من الرواية.
لماذا هذا التركيز على الأمومة في رواية ميناب دون رواية غزة؟ ربما لأن المجتمع الإيراني (ولو في صورة الرواية) يعطي الأم دوراً محورياً في التنشئة والحماية. ربما لأن الكاتب (أو الراوي) متعاطف مع المرأة ويكتب من منظور غير مطروق. ربما لأن إبادة ميناب هي إبادة بنات بشكل خاص (المدرسة المستهدفة كانت للبنات)، وهذا يجعل الأمومة محور الوجع.
مهما كان السبب، تقدم "ضفائر تحت الركام" نموذجاً للأم المقاومة النادر في أدب الإبادة. لجين ليست أماً تبكي فقط. هي أماً تتبنى أيتاماً بعد موت ابنتها. هي أماً تواجه العالم بقبضتيها. هي أماً ترفض أن تكون مجرد ضحية.
هذا النموذج من الأمومة المقاومة يوازي نموذج "الأم الثكلى" في الميثولوجيا الفلسطينية والعربية (أم البطل، أم الشهيد، التي تفتخر باستشهاد ابنها بدلاً من أن تنحني حزناً). لكن لجين مختلفة: هي ليست أماً تستقبل الموت بفخر، بل أماً تقاوم الموت بالحياة. لا تريد ابنتها أن تموت بطلة، تريدها أن تعيش إنسانة عادية. هذه إنسانية أكثر تعقيداً.
سيلفيا بلاث و"الجرس الزجاجي" - العنف ضد الذات مقابل العنف من الخارج
قد يبدو الانتقال من أدب الإبادة الجماعية إلى "الجرس الزجاجي" لـ سيلفيا بلاث غريباً. هذه الرواية لا تتحدث عن إبادة جماعية، بل عن امرأة شابة تعاني من الاكتئاب وتحاول الانتحار. ما العلاقة؟
العلاقة هي في كيفية معالجة العنف. شذى تواجه عنفاً من الخارج: قنبلة أمريكية تقصف مدرستها. بطلة بلاث تواجه عنفاً من الداخل: رغبة في إنهاء حياتها ليس لسبب واضح. كلتاهما تواجهان الموت. لكن بين النوعين من العنف فجوة واسعة.
ومع ذلك، هناك تشابه مدهش في اللغة. بلاث تكتب شعراً ونثراً عن الألم الداخلي بلغة تستعير من العنف الخارجي: "الموت / فن / مثل أي شيء. / أفعله بشكل استثنائي." (من قصيدة "سيدة لازاروس"). "ضفائر تحت الركام" تفعل العكس: تصف العنف الخارجي بلغة تستعير من الألم الداخلي: "كانت شذى تشعر بموتها يتحرك في صدرها كسمكة صغيرة تحاول الخروج إلى البحر."
الفرق الجوهري هو في إمكانية المقاومة. بطلة بلاث تعاني من مرض لا يمكنها مقاومته بالإرادة وحدها. تحتاج إلى دواء، علاج نفسي، تغيير في الظروف الاجتماعية. شذى يمكنها مقاومة موتها بالإرادة، عبر الكتابة، عبر التحول إلى فكرة. هذا الفرق يعكس اختلافاً في طبيعة العنف، لكنه أيضاً يعكس اختلافاً في فلسفة الحياة بين العملين: بلاث ترى الموت كحل (ولو حزيناً)، بينما "ضفائر تحت الركام" ترى الموت كهزيمة لا يمكن قبولها إلا إذا تحولت إلى حياة في شكل آخر.
……..
بلاث - الجسد الأنثوي كساحة حرب
في "الجرس الزجاجي"، جسد البطلة هو ساحة المعركة. تعذبه، تجوعه، تجرحه، تحاول قتله. في "ضفائر تحت الركام"، جسد شذى أيضاً ساحة معركة، لكن من جهة أخرى: تمزقه القنابل، تبعثره في الركام، تفصل يدي رقية عن جسدها.
هذا التشابه في جعل الجسد الأنثوي هدفاً للعنف يثير سؤالاً عميقاً: هل هناك عنف خاص بالإناث في الحروب والإبادات؟ أم أن كل العنف واحد، بغض النظر عن جنس الضحية؟
الإشارات في "ضفائر تحت الركام" توحي بنعم. المدرسة المستهدفة كانت للبنات فقط. الفتيات هن من قُتلن. الضفائر التي تزين شعر الفتيات أصبحت أشلاء. هذا التحديد الجندري للعنف ليس صدفة. الإبادة الإمبريالية تستهدف البنات لأن قتلهن يرسل رسالة أعمق: نحن نقتل مستقبلكم. نحن نقتل أجيالكم القادمة. نحن نقتل قدرة مجتمعكم على التجدد.
في هذا السياق، تصبح ضفائر شذى رمزاً مزدوجاً: من جهة، هي رمز الأنوثة والبراءة والجمال. من جهة أخرى، هي رمز للجرح الممزق، للطفولة المشوهة، للأنوثة المقتولة. تكرار كلمة "ضفائر" في العنوان وفي النص ليس مجرد اختيار جمالي، بل هو تأكيد على أن هذه الجريمة موجهة ضد البنات تحديداً.
……..
غابرييل غارسيا ماركيز و"مئة عام من العزلة" - أسطرة العنف
"مئة عام من العزلة" هي واحدة من أعظم روايات القرن العشرين. تروي تاريخ عائلة بوينديا في بلدة ماكوندو الخيالية، عبر مئة عام من العزلة، والحروب، والمجازر، والحب، والموت.
ما يهمنا هنا هو كيف تعالج الرواية العنف الجماعي، خصوصاً مجزرة عمال شركة الموز (التي استوحيت من مجزرة حقيقية ارتكبتها القوات الكولومبية ضد عمال مضربين بدعم من شركة يونايتد فروت الأمريكية). هذه المجزرة تشبه مجزرة ميناب في جانب أساسي: كلاهما عنف إمبريالي يستهدف مدنيين عزل.
غارسيا ماركيز يصف المجزرة بطريقة سريالية، شبه أسطورية. القطار الذي يحمل الجثث إلى البحر يستمر ليل نهار. المطر لا يتوقف. الشخصيات الرئيسية تموت وتعود كأشباح. هذا الأسلوب (الواقعية العجائبية) يعكس، بحسب ماركيز، واقع أمريكا اللاتينية حيث الخيال أحياناً أقوى من الواقع.
في "ضفائر تحت الركام"، لا وجود للواقعية العجائبية. الكاتبة تختار الواقعية القاسية. لا قطار يحمل الجثث، بل أم تحمل حذاء ابنتها. لا أشباح تعود، بل ذكريات لا تموت. لماذا هذا الاختلاف في الأسلوب؟
الجواب قد يكون في اختلاف التقاليد الأدبية. أمريكا اللاتينية لديها تقليد قوي في الواقعية العجائبية كاستجابة للعنف الاستعماري. العالم العربي والإيراني، مع تقليد قوي في الواقعية النقدية والشعر، يفضل أسلوباً أكثر مباشرة.
لكن الجواب الأعمق هو في طبيعة العنف نفسه. عنف شركة الموز في كولومبيا كان عنفاً استعمارياً من القرن العشرين، حيث كان الاستعمار لا يزال يحاول إخفاء نفسه وراء "التحديث" و"التنمية". عنف ميناب هو عنف إمبريالي من القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد هناك إخفاء. الهمجية مكشوفة، لذلك لا حاجة إلى الأسطرة. الواقع نفسه أصبح أسطورياً في قسوته. لم تعد هناك حاجة إلى قطار يحمل الجثث. أم تحمل حذاء ابنتها هي أقوى من أي أسطورة.
………
ماركيز - الموت كحياة موازية
في "مئة عام من العزلة"، الموت ليس نهاية. الشخصيات تموت لكنها تبقى حاضرة كذكريات، كأشباح، كقصة تُروى. ميلغيادس، الغجري العجوز، يموت ويعود ويكتب النبوءات. خوسيه أركاديو بوينديا يموت مربوطاً بشجرة، لكن شبحه يبقى يتجول في البيت.
هذا التشابه مع "ضفائر تحت الركام" واضح: شذى تموت لكنها تتحول إلى فكرة، والأفكار لا تموت. كلتا الروايتين ترفضان الموت كنهاية مطلقة. لكن هناك فرق كبير.
في ماركيز، الخلود هو خلود أسطوري. الشخصيات تخلد كأشباح وكذكريات جماعية، لكن هذه الأشباح لا تغير الواقع. ماكوندو تبقى معزولة وعاجزة حتى نهايتها. في "ضفائر تحت الركام"، خلود شذى ليس سلبياً. إنه خلود فعال. هي تتحول إلى فكرة تغير السلوك: تجعل المعلمة نادية تأتي من القاهرة، تجعل ماكدونالد يستقيل، تجعل آلاف الأشخاص حول العالم يشاهدون فيديوها ويتأثرون به.
فرق آخر: شذى تتحول إلى فكرة بوعي. هي التي تختار الكتابة. هي التي تقول للعالم إنها ستصبح فكرة. ماركيز شخصياته لا تختار خلودها. الخلود يأتي من القصة التي تُروى عنهم، وليس من فعلهم. "ضفائر تحت الركام" أكثر تفاؤلاً (أو أكثر طموحاً): الفرد يمكنه أن يقرر أن يصبح خالداً، باختيار أن يكون فكرة.
هذا التفاؤل قد يكون ساذجاً، لكنه ضروري لرواية تكتب في زمن الإبادة. لا يمكنك أن تكتب عن أطفال يموتون دون أن تمنحهم أمل الخلود. الخلود هنا ليس عقيدة دينية، بل حاجة نفسية وأدبية. لا يمكن للكاتب أن يقتل شذى مرتين: مرة بالصاروخ، ومرة بنسيانها بعد الصفحة الأخيرة.
نماذج إضافية - برتولت بريشت و"الأم"
بريشت، المسرحي والكاتب الألماني الكبير، كتب مسرحيته "الأم" (مقتبسة عن رواية غوركي) عن امرأة بروليتارية تتحول من أم قلقة على أولادها إلى ناشطة ثورية. هذه الشخصية تشبه لجين في "ضفائر تحت الركام" بشكل مذهل.
بريشت يعتقد أن الأمومة ليست عائقاً أمام السياسة، بل هي مدخل إليها. حب الأم لابنها يدفعها إلى فهم الظلم، ثم مقاومته، ثم الانخراط في النضال الثوري. هذا هو بالضبط مسار لجين: من خياطة تهتم ببيتها وابنتها، إلى امرأة تتبنى أيتاماً وتواجه العالم، إلى بطلة شعبية في ميناب بعد موت شذى.
الفرق أن بريشت يتعامل مع التحول السياسي للأم بشكل صارم، تعليمي، أيديولوجي. الأم في مسرحيته تتعلم الماركسية كما تتعلم تفصيل الثياب. لجين في "ضفائر تحت الركام" تتحول بشكل عضوي أكثر، دون خطب سياسية ودروس. هي تتعلم من الألم، وليس من الكتب.
هذا الفرق يعكس اختلافاً في المناخ الفكري بين ألمانيا الثلاثينيات (حيث كانت الماركسية التيار الثوري المهيمن) وإيران العشرينات من القرن الحالي (حيث الأيديولوجيات الكبرى في أزمة، والنضال أكثر سيولة وهجيناً). لجين لا تحتاج إلى أيديولوجيا لتفهم أن قتل ابنتها خطأ. هذا يكفي.
لكن هذا أيضاً نقطة ضعف في "ضفائر تحت الركام" بالمقارنة مع بريشت. غياب الأيديولوجيا الواضحة قد يجعل الرواية أقل حدة تحليلاً، وأكثر اعتماداً على العاطفة. هذا يخدمها كعمل أدبي (القارئ يبكي ويتأثر)، لكنه قد يضعفها كعمل سياسي (القارئ لا يفهم لماذا يحدث هذا، فقط أنه يحدث).
………
كارلوس فوينتس Fuentes و"الموت الأبيض"
روايات كارلوس فوينتس المكسيكي عن اللاجئين والمهاجرين، خصوصاً "الموت الأبيض"، تتعامل مع شكل آخر من الإبادة: إبادة الفقراء الذين يحاولون عبور الحدود. هذا التشابه مع "ضفائر تحت الركام" قد يبدو بعيداً، لكنه قريب في جوهره.
فوينتس يصور المهاجرين وهم يموتون في الصحراء، تحرقهم الشمس، أو يغرقون في النهر، أو تقتلهم عصابات التهريب. لا أحد يهتم. لا إعلام يغطي. لا محاكم دولية تحقق. هم "أضرار جانبية" للنظام الاقتصادي العالمي، كما أن فتيات ميناب "أضرار جانبية" للصراع على النفوذ في الخليج.
في هذا، يشترك أدب الإبادة المعاصر: كل أشكال الإبادة اللامرئية، حيث الضحية ليس عدواً يُقتل، بل عائقاً يُزال. الفتاة المينابية ليست عدوة لأمريكا، لكنها عائق: وجودها في مدرسة قرب قاعدة بحرية يجعل الطيارين يتوترون، أو يجعل إيران تبدو وكأنها "دولة طبيعية" (وليس مجرد هدف)، أو أي سبب آخر لا يصمد أمام المنطق.
الفرق أن فوينتس يكتب من داخل أمريكا اللاتينية، حيث الضحية والجلاد من نفس الثقافة تقريباً (الكولومبي الذي يهاجر لا يختلف كثيراً عن حارسه الأمريكي من أصل مكسيكي). في "ضفائر تحت الركام"، الفجوة أكبر: إيران وأمريكا، الإسلام المقاوم مقابل العلمانية، الشرق مقابل الغرب. هذا الاختلاف الثقافي يجعل الإبادة أسهل نفسياً للجلاد. ليس من السهل قتل من يشبهك. من السهل جداً قتل من لا تشبهه.
هذه هي وظيفة العنصرية في الإبادة: تجريد الضحية من إنسانيتها، وتحويلها إلى "آخر" يمكن قتله دون شعور بالذنب. "ضفائر تحت الركام" تقاوم هذا التجريد بإعادة إضفاء الطابع الإنساني على الضحية: شذى ليست "إيرانية" أو "مسلمة" أو "شرقية". هي طفلة تحب الرياضيات وتخاف من الامتحانات، مثل أي طفلة في أي مكان. جعلها عادية هو سلاح ضد التجريد.
………
التشابهات الجوهرية - لماذا كل هذه الأعمال معاً؟
بعد هذه الجولة المقارنة، يمكننا استخلاص التشابهات الجوهرية بين "ضفائر تحت الركام" وأدب الإبادة العالمي:
أولاً: الشهادة كالتزام أخلاقي. في كل هذه الأعمال، الكاتب لا يكتب من أجل المتعة الأدبية فقط. يكتب لأنه يشعر بأنه يجب أن يشهد. يجب أن يقول للعالم: هذا ما حدث. هذه مسؤولية تجاه الموتى الذين لا يستطيعون الكلام.
ثانياً: محاولة فهم اللاإنساني. الإبادة هي ذروة اللاإنسانية. الكتابة عنها محاولة لفهم كيف يمكن للبشر أن يفعلوا ذلك ببعضهم البعض. حتى لو فشلت المحاولة (وهي تفشل غالباً)، فمحاولة الفهم في حد ذاتها هي فعل إنساني يعيد إنسانيتنا.
ثالثاً: البحث عن بصيص أمل. لا يمكن كتابة رواية عن الإبادة دون بصيص أمل. ليفي يجد أمله في البقيا الذين يعيشون ليرووا. شذى تجد أملها في التحول إلى فكرة. ماركيز يجده في الأسطرة التي تعطي معنى للمعاناة. بلاث تجده (في لحظات نادرة) في الكتابة نفسها. الأمل ليس خروجاً سعيداً، بل هو ما يجعل الاستمرار ممكناً.
رابعاً: العناية بالتفاصيل الصغيرة. أدب الإبادة يعرف أن الجلادين يريدون تحويل الضحايا إلى أرقام. لذلك، يحتفلون بالتفاصيل الصغيرة: اسم الضحية، لون شعرها، حذاؤها، لعبتها، كلماتها الأخيرة. كل تفصيل هو انتصار على النسيان، على التجريد، على الإبادة التي تريد محو الفردية.
خامساً: اللغة كسلاح. في زمن القنابل والصواريخ، الكلمات تبدو ضعيفة. لكن أدب الإبادة يعرف أن الكلمات هي ما يبقى بعد القنابل. القنابل تدمر الجسد، لكن الكلمات تبني الذاكرة. والمعركة النهائية ليست على الأرض فقط، بل على الذاكرة والنسيان.
……..
الاختلافات الجوهرية - ماذا يجعل "ضفائر تحت الركام" فريدة؟
لكل عمل أدبي ميزته. "ضفائر تحت الركام" تتميز بما يلي:
أولاً: زمن الكتابة أثناء الإبادة. معظم أعمال أدب الإبادة التي ناقشناها كُتبت بعد انتهاء الإبادة (أو بعد انتهاء المرحلة الأكثر دموية منها). حتى روايات غزة التي نُشرت مؤخراً، نُشرت بعد فترات هدنة أو بعد انسحاب إسرائيلي جزئي. "ضفائر تحت الركام" تُكتب والإبادة مستمرة. هذا يخلق شعوراً بالإلحاح، وخطراً حقيقياً على الكاتب (قد يُقتل قبل أن ينهي)، وصعوبة في الرؤية الكلية (لا يعرف كيف ستنتهي القصة). هذه الخاصية تجعل الرواية وثيقة حية، وليس تأريخاً بعد فوات الأوان.
ثانياً: التركيز على الفتيات تحديداً. الكثير من أدب الإبادة يتعامل مع ضحايا ذكور وإناث بالتساوي (أو بتركيز على الذكور، لأنهم عادة المقاومين المسلحين). "ضفائر تحت الركام" تركز على الفتيات كضحايا وكفاعلات. شذى، رقية، لجين، المعلمة فاطمة، الفتيات الأخريات - كلهم إناث. هذا التركيز الجندري نادر وجريء.
ثالثاً: المزج بين الشهادة والتحليل. الرواية لا تكتفي برواية معاناة شذى وأمها. تتوقف بين الحين والآخر لتحلل: لماذا تفعل الإمبراطورية هذا؟ كيف تعمل شبكات النفوذ؟ ما هي عقلية ترامب؟ ما هو الريع الإمبريالي؟ هذا المزج بين العاطفي والتحليلي هو ما يميزها عن معظم أدب الإبادة الذي يترك التحليل للصحفيين والأكاديميين.
رابعاً: النهاية المفتوحة على الأمل (بدون سذاجة). شذى تموت. هذا ليس أمل. لكنها تتحول إلى فكرة، وهذا أمل. لجين تواصل الحياة وتتبنى أيتاماً، وهذا أمل. ماكدونالد يستقيل ويعترف، وهذا أمل (ولو محدوداً). النهاية لا تعد بنصر قريب، ولكنها لا تيأس. هذا التوازن بين الواقعية القاسية والإنسانية المتفائلة هو سر قوة الرواية.
……….
"ضفائر تحت الركام" والسياق الإيراني
لا يمكن فهم "ضفائر تحت الركام" دون وضعها في سياقها الإيراني. إيران اليوم تمر بتحولات عميقة: عقوبات اقتصادية خانقة، احتجاجات شعبية متكررة، توتر مع الغرب، حرب بالوكالة مع إسرائيل، ونظام سياسي يتراوح بين الجمود والإصلاح.
في هذا السياق، اختيار ميناب كموقع للرواية ليس عشوائياً. ميناب مدينة صغيرة نسبياً في محافظة هرمزغان، جنوب إيران، ليست طهران ولا قم ولا مشهد. إنها مدينة هامشية، بعيدة عن مراكز القرار والثقافة. باختيارها، تقول الرواية: الإبادة لا تستهدف المراكز فقط، بل تستهدف الهامش أيضاً. بل الهامش أولاً، لأنه أسهل وأقل تكلفة إعلامية.
أيضاً، ميناب مدينة ساحلية ذات أغلبية سنية في دولة شيعية. هذا البعد المذهبي مهم، وإن لم تبرزه الرواية بشكل كبير. هوية ضحايا ميناب تجعلهم أقل أولوية في الدفاع عنهم من قبل نظام ديني شيعي. الرواية تلمح إلى هذا دون تفصيل، ربما احتراماً لحساسية المشهد الإيراني، أو ربما لأنها تعتبر أن دماء الأطفال لا فرق بين سني وشيعي.
مقارنة بالروايات الإيرانية الأخرى عن الحرب (مثل روايات الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات)، "ضفائر تحت الركام" مختلفة. روايات حرب الخليج الأولى كانت غالباً تمجيدية، بطولية، محتفية بالتضحيات باسم الدفاع عن الثورة والوطن. "ضفائر تحت الركام" ليست كذلك. إنها غير تمجيدية، غير بطولية بالمعنى التقليدي، حزينة أكثر منها فخورة. هذا يعكس تحولاً في الذاكرة الجماعية الإيرانية من بطولة الحرب إلى حزن الخسارة.
التقاطعات مع أدب المقاومة الفلسطيني
لن أعود إلى المقارنة مع "نحن أحرار" فحسب، بل سأوسع لمقارنة مع أدب المقاومة الفلسطيني عموماً، من غسان كنفاني إلى محمود درويش إلى إميل حبيبي إلى يحيى السنوار (الذي كتب رواية "الأشواك" في السجن).
ما يجمع أدب المقاومة الفلسطيني هو قناعة أن الكتابة مقاومة. أن القلم لا يقل أهمية عن البندقية. أن المعركة على السرد قد تكون أطول من المعركة على الأرض، لكنها لا تقل أهمية. "ضفائر تحت الركام" تتبنى هذه القناعة بوضوح. شذى تكتب "رسالة من تحت الركام" قبل أن تموت. كلماتها تنتقل حول العالم. هي تكسب معركة لم يكسبها جيش.
لكن الفرق بين التجربتين كبير: فلسطين تحت احتلال استيطاني يريد أرضها وشعبها. ميناب لا تحت احتلال، بل تحت قصف من بعيد. الفرق بين العدو الذي يحتل أرضك ويعيش بينك وبين العدو الذي يقصفك من طائرات بدون طيار. الأول يحتاج إلى أدب عن الصمود اليومي، عن الحياة تحت الاحتلال، عن التفاصيل الصغيرة. الثاني يحتاج إلى أدب عن الصدمة، عن الموت المفاجئ، عن العبث.
هذا الاختلاف يظهر في لغتهما. أدب المقاومة الفلسطيني لغة يومية غالباً، رغم شاعريتها. حديث عن الحواجز، عن البطاقة، عن التفتيش، عن السجن. لغة "ضفائر تحت الركام" أكثر مأساوية، أكثر تكثفاً، لأن الحدث الذي تصفه (القصف) ليس يومياً، بل هو لحظة واحدة تغير كل شيء.
كما يظهر في الشخصيات. أدب فلسطين يزخر بشخصيات "صامدة"، تختار البقاء في أرضها رغم القصف والتهجير. "ضفائر تحت الركام" لا تعطي أبطالها نفس القدر من الاختيار. شذى لا تخترع البقاء، بل تفرض عليها الظروف. لجين تبقى لأن ليس لديها مكان تذهب إليه. المقاومة هنا أقل "بطولية" وأكثر "إنسانية"، وهذا يجعلها أقرب للقارئ العادي.
………
"ضفائر تحت الركام" في سياق أدب الإبادة النسوي
الموجة الرابعة من الحركة النسوية جلبت معها اهتماماً متجدداً بكتابات النساء عن الحرب والعنف. سوزان سونتاغ، في "نحن نتألم"، كتبت عن كيفية رؤية النساء للحرب بشكل مختلف. في "ضفائر تحت الركام"، نرى هذا "المنظور المختلف" بوضوح.
النساء في الرواية لا يهتممن بالاستراتيجيات العسكرية ولا بالنصر والهزيمة. يهتممن بالتفاصيل الحياتية: الضفائر، الحذاء الأحمر، قارورة الماء، الكراسة، غداء المدرسة. يهتممن بالعلاقات: صداقة شذى ورقية، حب لجين لابنتها، تضحية المعلمة فاطمة. يهتممن بالعواطف: الخوف، الحزن، الأمل، اليأس.
هل هذا المنظور "أدنى" من المنظور الذكوري التقليدي في أدب الحرب (الذي يركز على المعارك، والقادة، والخطط، والنصر)؟ بالتأكيد لا. بل يمكن القول إنه أكثر صدقاً، لأن الحرب ليست مجرد معارك بين جنرالات، بل هي تفاصيل صغيرة تموت.
أدب الإبادة النسوي أيضاً يهتم أكثر بالضحايا من الجلادين. في الرواية، ماكدونالد (الرجل) موجود، لكنه ليس المركز. المركز شذى وأمها. هذا تحول مهم، لأن أدب الحرب التقليدي غالباً ما يركز على الجلاد (كشخصية مأساوية معذبة) أو على البطل المقاوم (الرجل الذي يقاتل). المركزة على الضحية الأنثى "غير المقاومة" بالمعنى العسكري، تعيد تعريف البطولة.
………
مستويات القراءة - كيف تُقرأ "ضفائر تحت الركام" في سياقات مختلفة؟
"ضفائر تحت الركام" عمل متعدد المستويات، ويُقرأ بشكل مختلف حسب سياق القارئ. هذه الدراسة المقارنة ستكون ناقصة دون مناقشة هذه المستويات:
القراءة في إيران: ستُقرأ الرواية كشهادة وطنية على جريمة أمريكية. كتأكيد على رواية النظام عن "الغطرسة العالمية". لكن أيضاً كعمل أدبي قد يزعج النظام بتطرقه لقضايا حساسة (موت والد شذى على يد الحرس الثوري وهذه حبكة لمنع التقديس رغم ما يقدمه الحرس الثوري من إنجازات تقدمية في الصراع ضد الإمبريالية الأمريكية و كيانها الصهيوني ومحمياتها الخليجية ومن لف لفهم ، التضييق على مراسلات ماكدونالد). قد يكون مصيرها الرقابة أو التعديل أو المديح الانتقائي.
القراءة في العالم العربي: ستُقرأ كتعبير عن التضامن مع إيران ضد العدو المشترك (أمريكا وإسرائيل). لكن بتوجس من الدور الإيراني في المنطقة. وبتعاطف مع الأطفال العرب الذين يعانون مشابهة. قد يراها البعض محاولة إيرانية لكسب التعاطف العربي في وقت تتصاعد فيه التوترات.
القراءة في الغرب: ستثير ردود فعل متباينة. اليسار المتضامن سيرى فيها نقداً مهماً للإمبريالية، وإنسانية عميقة، وفناً رفيعاً. اليمين والوسط سيرون فيها دعاية إيرانية مناهضة لأمريكا، ومبالغة في تصوير الجيش الأمريكي. قد تُمنع في بعض البلدان، أو تُدرّس في بعض الجامعات، أو تُقرأ في دوائر ضيقة من النشطاء.
القراءة العالمية الإنسانية: خارج السياقات السياسية، سُتقرأ كعمل عن الفقدان، عن موت الأطفال في الحرب، عن إمكانية الأمل في أصعب الظروف. بهذه القراءة، قد تتجاوز الرواية حدودها الإيرانية لتصبح عملاً عالمياً، مثلما تجاوزت "مئة عام من العزلة" كولومبيا أو "الجرس الزجاجي" أمريكا.
هذه المستويات الأربعة للقراءة تعكس تعقيد تلقي أي عمل أدبي في زمن العولمة والتوترات الجيوسياسية.
……..
"ضفائر تحت الركام" وأفق التلقي المستقبلي
ما الذي ينتظر "ضفائر تحت الركام" في المستقبل؟ هل ستصبح عملاً كلاسيكياً يُدرّس في الجامعات، أم ستُنسى كغيرها من آلاف الروايات عن الحروب؟
الإجابة تعتمد على عدة عوامل:
أولاً: استمرار الصراع. طالما استمرت التوترات بين إيران والغرب، سيبقى موضوع الرواية حياً وملحاً. إذا حدثت مصالحة تاريخية، قد تتحول الرواية إلى وثيقة تاريخية عن "الأيام العصيبة"، وقد تفقد بعض حيويتها.
ثانياً: جودتها الأدبية. "ضفائر تحت الركام" عمل جيد، لكنه ليس تحفة خالدة بلا منازع. لديها نقاط ضعف (كشخصية ماكدونالد الجدلية، والنهاية السريالية بعض الشيء). مع مرور الزمن، سيُحكم عليها من خلال أقوى ما فيها (لغة، شخصية شذى، بنية الدوائر) وليس من خلال نقاط ضعفها. إذا صمدت اللغة وصمدت شذى، ستبقى الرواية.
ثالثاً: ترجماتها. الرواية مكتوبة بالعربية (أو ستُكتب، كونها طلباً لكاتب عربي). مستقبلها في العالم يتوقف على جودة ترجمتها إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والماندرين وغيرها. كثير من الأعمال العظيمة ظلت محصورة في لغاتها الأصلية بسبب ضعف الترجمة. إذا تُرجمت "ضفائر تحت الركام" بشكل جيد، قد تجد جمهوراً عالمياً واسعاً.
رابعاً: سياقات الاستقبال الأكاديمي. هل سيدرسها النقاد في الجامعات الغربية؟ هذا يتوقف على اتجاهات الموضة الأكاديمية. حالياً، أدب ما بعد الاستعمار وأدب المقاومة وأدب الإبادة كلها تيارات رائجة. إذا استمرت، قد تُدرَّس الرواية في مقررات عن أدب الشرق الأوسط المعاصر. إذا تراجعت هذه التيارات، قد تهمش.
خامساً: السينما والتلفزيون. إذا تم تحويل الرواية إلى فيلم أو مسلسل، فإن جمهورها سيتسع بشكل هائل. قصة شذى ولجين وماكدونالد لديها إمكانات درامية كبيرة، مع مشاهد قوية (القصف، المستشفى، خطاب شذى أمام الكاميرا، استقالة ماكدونالد). إنتاج سينمائي جيد قد يجعل "ضفائر تحت الركام" اسماً مألوفاً في كل بيت.
……..
الخلاصة النهائية - "ضفائر تحت الركام" في خريطة أدب الإبادة العالمي
بعد كل هذه المقارنات، أين تقع "ضفائر تحت الركام" في خريطة أدب الإبادة العالمي؟
لا يمكن وضعها في قمة الخريطة، بجانب ليفي وبلاث وماركيز، فهؤلاء كُتاب أسطوريون غيرت أعمالهم مفهوم الأدب نفسه. لكنها تقع في مكان جيد، في الصف الثاني المباشر، مع أفضل كُتاب جيلها.
قوتها الفريدة هي الجمع بين الشهادة الحية (وهي تُكتب تحت القصف) مع التحليل البارد لآليات الإمبريالية (فصول واشنطن، شبكة إبستين، الريع الإمبريالي). معظم كتاب الإبادة إما شهداء (يركزون على التجربة الشخصية) أو محللين (يركزون على النظام). "ضفائر تحت الركام" تجمع بينهما دون أن تفقد فعالية أي منهما.
قوتها الثانية هي شخصية شذى، الطفلة التي تموت وتتحول إلى فكرة. هذه الشخصية قد تخلد في الذاكرة الأدبية، مثل آن فرانك أو ماتيو (من "الحياة جميلة"). شذى ليست مجرد ضحية، وليست مجرد مقاومة، هي مزيج نادر من الاثنين مع إضافة الحلم والكتابة.
قوتها الثالثة هي لغتها الشعرية المكثفة، التي تجعل القارئ يشعر بالألم دون أن يغرق في الميلودراما. الجمل القصيرة، الاستعارات المتجددة (البحر، الضفائر، الركام، الأفكار)، الإيقاع المتغير - كلها تشكل أسلوباً فريداً يميز الرواية عن غيرها.
لكن لها نقاط ضعف: شخصية ماكدونارد قد تكون مثيرة للجدل، بعض الفصول التحليلية (خصوصا في النصف الثاني) قد تبدو طويلة مقارنة بالفصول السردية، والنهاية برمزيتها العالية قد لا ترضي كل القراء.
الخلاصة: "ضفائر تحت الركام" عمل مهم، يستحق القراءة والدراسة والترجمة. قد لا يغير خريطة أدب الإبادة العالمي، لكنه يضيف رقعة جميلة ومؤثرة إليها. وفي زمن الإبادة المستمرة، كل عمل يوثق المعاناة ويخلد الأسماء ويحول الضحايا إلى أفكار، هو عمل ضروري، بل عمل مقاوم.
شذى لم تمت. أصبحت فكرة. وهذه الدراسة كلها دليل على أن فكرتها حية، تجوب العالم، تؤثر في القراء، وتخلق مزيداً من الأفكار. الأفكار لا تُقتل. الأدب لا يُقتل. المقاومة لا تُقتل.
"ضفائر تحت الركام" تثبت ذلك.
………
المراجع
1. شرف، عائدة. "نحن أحرار". بيروت: دار الآداب، 2024. 2. ليفي، بريمو. "إذا كان هذا إنساناً". ترجمة خالد الجبيلي. القاهرة: دار التنوير، 2018. 3. بلاث، سيلفيا. "الجرس الزجاجي". ترجمة غادة هاني. بيروت: دار الأداب، 2005. 4. غارسيا ماركيز، غابرييل. "مئة عام من العزلة". ترجمة صالح علماني. بيروت: دار الآداب، 1985. 5. بريشت، برتولت. "الأم". ترجمة وجدي المصري. القاهرة: دار المسرح، 1990. 6. كنفاني، غسان. "رجال في الشمس". بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1963.
……..
خاتمة الدراسة
قبل أن أختم هذه الدراسة المطولة، أود العودة إلى لحظة البداية: إلى صباح الثامن والعشرين من فبراير 2026، إلى مدرسة "شجرة طيبة" في ميناب، إلى شذى التي كانت تفتح كتاب العلوم وإلى رقية التي كانت تغطي قارورة الماء بملصقاتها الكرتونية.
في تلك اللحظة، قبل أن يغير الصاروخ كل شيء، كانت هاتان الفتاتان تخططان للمستقبل. كانتا تحلمان بشيء عادي جداً: الغد. لم تكن تعرفان أن الغد لن يأتي، على الأقل ليس بنفس الشكل. لم تكن تعرفان أنهما ستصبحان أفكاراً قبل أن تصبحا نساء.
"ضفائر تحت الركام" تمنحنا بعضاً من هذا الغد المسروق. تقول لنا: هكذا كانت شذى. هكذا كانت تحب. هكذا كانت تعاني. هكذا كانت تقاوم. موتها ليس نهاية، لأننا نحن نقرأ عنها الآن. ونحن، بقراءتنا، نعيدها إلى الحياة مؤقتاً.
الأدب لا يعيد الموتى. لكنه يجعلنا نشعر أنهم لم يموتوا تماماً. أنهم ما زالوا هنا، في الكلمات، في الصور، في الأحاسيس. وهذا الشعور، هذا الوهم النبيل، قد يكون كافياً. ليس لإحياء الموتى، بل لإحياء الأحياء. لجعلنا نشعر أن الحياة تستحق العيش، وأن المقاومة تستحق العناء، وأن الأفكار أقوى من الصواريخ.
شذى الآن فكرة. وأنت، قارئ، وأنت تقرأ هذه الكلمات، تصبح جزءاً من فكرتها. تستمر بها. تحملها معك. ربما تهمس بها لطفلك قبل النوم. ربما تكتب عنها في مقال. ربما تقف ضد الإبادة في مكانك. أي فعل، أي استمرار، أي مقاومة، مهما صغرت، هي انتصار لشذى ورفيقاتها.
الأفكار لا تُقتل. لأن الأفكار تعيش فينا. ونحن لا نزال أحياء. وسنبقى أحياء، ونقاتل، ونكتب، ونحلم، ونزرع ضفائر جديدة تحت ركام جديد.
وهكذا تستمر الحياة. وهكذا ينتصر الأدب.
النهاية. والمقاومة باقية.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
-
تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
-
سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
-
دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع
...
-
مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
-
قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل
...
-
دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و
...
-
مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة
...
-
دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية
...
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
-
رواية قصيرة : المقام الأبدي
-
كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي
...
-
تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة
...
-
سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف
...
-
قصة قصيرة : العراف والملكان
-
رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
-
من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق
...
-
نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
-
القارة التي لا تُقصف: لماذا فشل التهديد النووي في ثني إيران؟
المزيد.....
-
عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال
...
-
-أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما
...
-
أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
-
مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني-
...
-
انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
-
أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
-
أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف
...
-
مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا
...
-
-عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى
...
-
دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|