|
|
الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 08:53
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
لحظة فاصلة على حافة الانفجار التكنولوجي
خلف أبواب لا تفتح إلا لأعين الخواص من حراس الدولة والحزب، في صمت المختبرات الصينية،يتحرك شيء من شأنه أن يعيد تشكيل خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين. ليس صاروخاً، ولا قنبلة، بل آلة. آلة بحجم حافلة صغيرة، تعمل في عزلة تامة عن اهتزازات الأرض، وتحت حرارة وضغط يشبهان ظروف ولادة النجوم. إنها آلة الطباعة الحجرية فائقة الدقة Extreme Ultraviolet Lithography – تلك الأعجوبة الهندسية التي لا تستطيع صنعها غير شركة واحدة في العالم: ASML الهولندية.
لعقود، ظلت هولندا تحتكر هذه التقنية، ليس بفطنة تجارها وحدهم، بل بإرادة الغرب التي قررت أن مفاتيح تصنيع رقائق السيليكون – عصب العصر الرقمي – يجب ألا تخرج عن نطاق حلفاء موثوقين. وكانت الصين، حتى وقت قريب، تكتفي بشراء ما تنتجه هذه الآلات من شرائح متطورة، كمن يشترون الخبز الجاهز دون أن يمتلكوا فرناً واحداً.
لكن التاريخ، كما نعرف، لا يحب الاحتكارات التي تطول. وها هي الصين اليوم، التي كانت في مطلع الألفية مجرد "ورشة العالم" للألعاب البلاستيكية والمنسوجات الرخيصة، تقف على عتبة إنجاز يُرعب صناع القرار في لاهاي وواشنطن وبروكسل: آلة lithography صينية خالصة، قد ترى النور خلال عامين، لا سبعة أعوام كما تعلن التقديرات الرسمية بحذر.
فكيف تُقرأ هذه المعادلة الجديدة؟ ولماذا تختزل الصين الزمن بهذه الطريقة المذهلة؟ وأي مستقبل ينتظر عالماً فقد احتكاره لأهم أداة في حضارة الرقائق؟
هذا التحقيق الصحفي يحاول الإجابة، ليس بالإنشاء السياسي المعتاد، بل بالغوص في أعماق الهندسة، والاقتصاد، والإرادة، وروح شعب لم يعد يقبل أن يكون تابعاً لأحد.
الصين التي لم تعد الصين القديمة
من ورشة ألعاب إلى معمَل العصر
في عام 2000، كانت صورة الصين الذهنية في الغرب مرسومة بألوان باهتة: مصانع ضخمة تئن تحت وطأة الإنتاج، وعمال يصنعون أحذية رياضية وألعاباً بلاستيكية بثلاثة دولارات في اليوم، وسيارات ألمانية فاخرة تُعرض في صالات بكين وشنغهاي كرموز للحداثة التي لا تزال الصين تتلمس طريقها إليها. لم يكن أحد – لا في لندن ولا في طوكيو ولا حتى في بكين نفسها – يتخيل أن هذا العملاق النائم سيستيقظ بعد عقدين فقط ليجلس على كرسي القيادة الصناعية للعالم بأسره.
أرقام لا تقبل الجدل:
· في 2005، كانت الصين تنتج 11% فقط من القيمة المضافة للصناعة العالمية. اليوم، تنتج 35% – أي أكثر من أمريكا واليابان وألمانيا مجتمعة. · في 2010، كانت سيارة "بريوس" الهجينة من تويوتا هي حلم المدمنين على البيئة. أما اليوم، فسيارات BYD الصينية الكهربائية تغزو أوروبا وتقلق فولكسفاغن وستيلانتس حد القلق الوجودي. · في 2015، كان الغرب يمنع الصين حتى من شراء رقائق 28 نانومتر. وفي 2022، وبالحصار ذاته، أنتجت شركة SMIC الصينية رقائق 7 نانومتر لهواتف "ميت 60" من هواوي.
هذه القفزة لم تأت من فراغ. إنها ثمرة خطة استراتيجية بدأت قبل ربع قرن، عندما أدرك القادة الصينيون أن "التنمية السلمية" لا تعني الاستسلام التكنولوجي. ففي عام 2006، أُطلق "برنامج العلوم والتكنولوجيا الكبرى" الخاص بتصنيع أشباه الموصلات، بميزانية أولية تجاوزت 3 مليارات دولار، تضاعفت خمس مرات منذ ذلك الحين. واليوم، أصبحت الصين تمتلك:
· مليون مهندس يعملون في قطاع أشباه الموصلات وحده – أكثر من عدد المهندسين في الولايات المتحدة وأوروبا معاً. · أكبر منظومة بحث علمي في العالم من حيث عدد الأبحاث المنشورة في مجلة Nature وScience، متجاوزة أمريكا منذ عام 2022. · 40% من أبحاث المواد المتقدمة العالمية، و60% من براءات اختراع تقنيات الليزر المستخدمة في الـ lithography. · أكبر سوق شرائح على كوكب الأرض، حيث تستهلك الصين 70% من إنتاج العالم من الرقائق، معظمها مستورد حالياً – وهو ما يمثل نقطة ضعف، لكنه أيضاً يمثل سلاحاً اقتصادياً: من يملك السوق يملك حق فرض شروطه لاحقاً.
الإرادة السياسية: المحرك الخفي
لكن الأهم من كل هذه الأرقام هو شيء غير ملموس: الإرادة. ففي الصين، عندما يقرر الحزب هدفاً استراتيجياً، يصبح أشبه بقوانين الجاذبية – لا مفر منه. لقد رأينا ذلك في سباق القطارات فائقة السرعة: قالوا إنهم يحتاجون 15 سنة للحاق بأوروبا واليابان، ففعلوها في 7 وأصبحوا اليوم الأولى عالمياً. ورأيناه في الطيران المدني: قالوا إنهم سيصنعون منافساً لبوينغ وإيرباص بحلول 2030، واليوم طائرة C919 تنقل الركاب تجارياً. ورأيناه في الذكاء الاصطناعي: في عام 2017، أعلنت خطة "الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي" تهدف إلى الريادة بحلول 2030، وبحلول 2023 كانت الصين تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد أمريكا مباشرة.
إذاً، ليست الصين اليوم مجرد دولة "تلحق". إنها دولة "تتجاوز" وفق منهجية واضحة: إعلان أهداف محافظة علناً، والعمل بشراسة على أهداف طموحة سراً، ثم الإعلان عن الإنجاز عندما لا يعود بالإمكان إنكاره.
وهذا يقودنا إلى اللغز المركزي: لماذا تقول الصين "سبع سنوات" وهي تعرف أنها قد تحتاج إلى سنتين فقط؟
سبع سنوات على الورق، سنتان في الواقع
سر الأرقام الصينية
لطالما اتبع صناع القرار في بكين قاعدة ثابتة، أشبه بتكتيك عسكري قديم: لا تكشف عن كل أوراقك، بل أظهر أقل مما تملك، واترك الخصم يفاجأ بحجم قوتك الحقيقية في ساحة المعركة. هذه القاعدة تنطبق على كل شيء: من احتياطات النقد الأجنبي، إلى القدرات الصاروخية، إلى التطورات التكنولوجية الأكثر حساسية.
خذ مثالاً واحداً: في عام 2018، عندما فرضت إدارة ترامب الحصار التكنولوجي على شركة ZTE ثم هواوي، صرح مسؤولون صينيون علناً أن صناعة الرقائق المحلية قد تحتاج إلى عقد كامل للوصول إلى مستوى 7 نانومتر. وبعد أربع سنوات فقط – في 2022 – ظهرت رقاقة Kirin 9000s المصنعة بتقنية 7 نانومتر داخل هاتف Mate 60، فجأة، دون مقدمات، ودون تصريحات مسبقة. كان العالم يتحدث عن توقعات "2030"، والصين كانت قد أنجزت المهمة في 2022.
إذن، حين تعلن الصين اليوم أنها تحتاج إلى سبع سنوات لتطوير آلة EUV محلية، فماذا يعني ذلك حقاً؟ يعني غالباً أن المختبرات الصينية تمتلك بالفعل نموذجاً أولياً، وأن السنوات السبع هي مهلة للإنتاج الضخم والتجاري، وليس للتطوير الأساسي. ويعني أن "سنة أو سنتين" هو الإطار الزمني الحقيقي لظهور أول آلة تشغيلية تجريبية، كما تسرب مصادر استخباراتية غربية من حين لآخر.
لماذا تختصر الصين الزمن؟
هناك ثلاثة عوامل تفسر هذه القدرة المدهشة على ضغط الجداول الزمنية:
أولاً: التراكم الصامت للمكونات. الصين اليوم تمتلك كل القطع اللازمة لصنع آلة EUV، باستثناء فن دمجها في نظام واحد متكامل. لقد طوّرت:
· مصادر ضوء EUV تعمل بتقنية الليزر-البلازما LPP، بتردد 50 كيلوهرتز، مقاربة للمواصفات الهولندية. · مرايا Mo/Si فائقة النقاء بنسبة انعكاس تصل إلى 70%، بعد أن كانت هذه المرايا واحدة من أكبر الأسرار التجارية لشركة Zeiss الألمانية (الموردة الحصرية لـ ASML). · مواد فوتورزست مقاومة للأشعة فوق البنفسجية القصوى، طورتها شركة Nata Opto-Electronic الصينية. · أنظمة تحكم بالاهتزاز دقيقة، تعزل الآلة عن حركة الأرض حتى بمقدار نانومتر واحد. · روبوتات محاذاة الرقاقة بدقة تصل إلى 0.1 نانومتر، باستخدام تقنيات ليزرية صينية خالصة.
ما ينقص الصين حقاً هو "التكامل النهائي" – وهو أكبر تحدٍ. لكن من الخطأ الاعتقاد أن التكامل يستغرق وقتاً طويلاً بالضرورة. فغالباً ما تنفجر هذه اللحظة فجأة، بعد سنوات من الصمت، كما حدث مع القنبلة الذرية (بعد اختبار أول نموذج صيني في 1964، كانت المفاجأة أنهم فعلوها بأقل من 10 سنوات من البداية، بينما توقع الغرب 20 سنة).
ثانياً: المسارات المتعددة. الصين لا تضع كل بيضها في سلة واحدة. فهي تعمل على ثلاثة مسارات متوازية لتطوير الـ lithography:
· المسار الأول: نسخة مقلدة مطورة من آلة EUV الهولندية، بنفس الطول الموجي 13.5 نانومتر. هذا هو المسار الأكثر وضوحاً والأقل خطورة. · المسار الثاني: قفزة جريئة إلى طول موجي 6.7 نانومتر، مما يسمح بدقة أعلى ويتجاوز بعض براءات الاختراع الهولندية. يعمل على هذا المسار فريق في معهد تشانغتشون للبصريات الدقيقة. · المسار الثالث: طباعة حجرية بلا قناع (Maskless Lithography) باستخدام حزم إلكترونية متعددة، والتي قد تلغي الحاجة إلى آلة EUV التقليدية تماماً، كما تعمل عليها شركات صينية ناشئة مثل Shanghai Micro Electronics.
عندما تعمل على ثلاثة مسارات، فإن الاحتمالات تتضاعف، وزمن النجاح ينضغط. لا تحتاج إلا أن ينجح مسار واحد.
ثالثاً: حجم السوق المحلي. الصين ليست بحاجة لبيع آلة EUV واحدة إلى الخارج. سوقها المحلي يستهلك 70% من رقائق العالم – أي أنها إذا صنعت آلة تعمل بكفاءة 80% من كفاءة ASML، فإنها ستستخدمها لتغذية مصانعها المحلية التي تنتج رقائق للهواتف والسيارات والحواسيب الصينية فقط. وهذا الحجم من الطلب يضمن التمويل غير المحدود، والتكرار المستمر، والتعلم السريع من الأخطاء. في عالم التكنولوجيا، لا شيء يعجل بالتطور أكثر من المستخدم النهائي الذي يحتاج إلى المنتج الآن.
ماذا لو نجحت الصين خلال عامين؟
سيناريو الهزيمة الاحتكارية
دعونا نتخيل معاً صباح يوم ما في عام 2026. تستيقظ الأسواق المالية على خبر مذهل: شركة صينية غير معروفة – ربما SMIC أو شركة جديدة تأسست تحت مظلة الأكاديمية الصينية للعلوم – تعلن عن أول آلة EUV تجارية صينية بالكامل، بكفاءة تصل إلى 90% من كفاءة ASML، وبسعر أقل بنسبة 40%.
ما الذي سيحدث؟
أولاً: ستنخفض أسهم ASML بنسبة 30% في يوم واحد. وستفقد الشركة الهولندية السيطرة على احتكارها الذي دام ربع قرن. لكن الأسوأ لم يأت بعد: فخلال عامين، ستكون الصين قد طورت الجيل الثاني من آلاتها بكفاءة تضاهي أو تتجاوز الهولندية، وستبدأ في تصديرها إلى دول "الجنوب العالمي" – روسيا، إيران، البرازيل، جنوب أفريقيا، وحتى بعض حلفاء الغرب المترددين مثل الهند .
ثانياً: ستنهار الحواجز التي فرضتها أمريكا على الصين في مجال الرقائق. فحين تمتلك الصين آلة EUV محلية، فإن عقوبات "عدم بيع آلات هولندية للصين" تصبح بلا معنى. بل سينعكس السحر على الساحر: ستفرض الصين قيوداً على تصدير المواد الخام النادرة التي تحتاجها ASML لصنع آلاتها، مثل معادن المجموعة البلاتينية والجرمانيوم عالي النقاء، وهذا سيصعّد لعبة الضغط الاقتصادي بشكل لم يسبق له مثيل.
ثالثاً: ستتحول خريطة صناعة الرقائق العالمية بأكملها. اليوم، صناعة الرقائق مركزة في تايوان (TSMC)، كوريا الجنوبية (سامسونغ)، وأمريكا (إنتل). لكن إذا امتلكت الصين آلة EUV محلية، فإنها لن تحتاج فقط إلى رقائق للمصانع الموجودة – بل ستبني مصانع جديدة في كل منطقة من الصين، وربما في دول حليفة تحت مبادرة "الحزام والطريق". خلال عقد، قد نرى الصين تنتج 50% من رقائق العالم، ليس من خلال TSMC في تايوان، بل من خلال مصانع صينية في البر الرئيسي.
ردود الفعل الغربية: بين الصدمة والهستيريا
بطبيعة الحال، لن يقف الغرب مكتوف الأيدي. هناك سيناريوهات مضادة محتملة:
· حظر تقني أكثر شدة: قد تحاول أمريكا وحلفاؤها منع حتى بيع المواد الخام والقطع البسيطة للصين. لكن الصين أصبحت تعتمد على نفسها في 80% من مكونات سلسلة التوريد لصناعة الرقائق، وهذه النسبة ترتفع بسرعة. الحظر قد يبطئ التقدم الصيني، لكنه لن يوقفه. · حرب تجارية شاملة: فرض رسوم جمركية عقابية على أي منتج صيني يحتوي على رقائق صينية الصنع. لكن هذا سيؤذي المستهلك الغربي أولاً، لأن السلع الصينية سترتفع أسعارها، وسينتقل التضخم إلى الاقتصادات الغربية الضعيفة أصلاً. · تسريع التطوير الغربي: قد تعلن أمريكا وأوروبا عن "مشروع مانهاتن للرقائق" لتطوير جيل جديد من آلات الـ lithography يتجاوز ما صنعته الصين. لكن هذا يحتاج إلى وقت ومال وخبرات، وليس واضحاً أن الغرب يمتلك القدرة على مضاعفة سرعته، بينما الصين تركض أصلاً بأقصى سرعة.
لكن الخطر الاستراتيجي الأعمق ليس اقتصادياً فقط، بل جيوسياسي وجودي. فمن يملك آلة EUV، يملك القدرة على صناعة رقائق الجيل القادم التي ستستخدم في:
· الأسلحة الفائقة: صواريخ موجهة بدقة نانوية، وطائرات مسيرة ذكية، وأنظمة دفاع صاروخية تعتمد على معالجة فورية لكميات هائلة من البيانات. · الذكاء الاصطناعي: الرقائق المتقدمة هي التي تمكن نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة مثل GPT-5 وما بعده. من يتحكم في صناعتها، يتحكم في مستقبل الذكاء الاصطناعي نفسه. · الأمن السيبراني: الرقائق التي تصنعها الصين يمكن أن تتضمن "أبواباً خلفية" لا تظهر إلا في زمن الحرب، مما يعطي الصين قدرة على تعطيل شبكات الخصوم.
لهذا، نحن لا نتحدث عن سباق تكنولوجي عادي. نحن نتحدث عن العصب الذي سيتحكم في القرن الحادي والعشرين بأكمله.
صوت من المختبر: ماذا يقول الخبراء؟
في مقابلة سرية (حسب طلب المصدر، نظراً لحساسية الموضوع)، يقول أحد كبار المهندسين الصينيين العاملين في مشروع تطوير EUV في معهد شنغهاي للتقنيات الدقيقة:
"لقد مررنا بمرحلة إحباط بين 2018 و2021. كنا نحاول فهم سبب فشل مرايا الانعكاس لدينا باستمرار. كنا نذوب سبائكنا، ثم نعيد الصهر، ونخسر أشهراً. لكن بعد 2022، حدث شيء ما. اكتشفنا خطأً بسيطاً في توزيع الطبقات العازلة داخل المرآة. منذ ذلك الحين، ونحن نحرز تقدماً بمعدل يدهش حتى نحن أنفسنا. الـ EUV الهولندية هي ثمرة 30 سنة من التطور التدريجي. نحن نستطيع فعلها في 5-7 سنوات فقط، لأننا نقف على أكتاف عمالقة، ونملك موارد لم يحلم بها حتى هولندا."
ويضيف المهندس – الذي طلب عدم كشف اسمه – مبتسماً: "القول بأننا نحتاج سبع سنوات هو تقدير محافظ للحفاظ على سرية النماذج الأولية. إذا رأيت ما أراه في المختبر الآن، لربما راهنت على سنتين فقط."
الدروس المستفادة – لماذا تنجح الصين حيث يفشل الآخرون؟
درس أول: التوازن بين المركزية واللامركزية
الصين ليست دولة اشتراكية جامدة، ولا رأسمالية فوضوية. إنها نموذج فريد يجمع بين التخطيط المركزي الاستراتيجي (من أعلى: الحزب يحدد الأهداف الكبرى ويمولها) والمنافسة اللامركزية (من الأسفل: مئات الشركات والمعاهد تتنافس على حلول مبتكرة دون خوف من الفشل). في حالة EUV، كل شركة صينية كبرى في مجال البصريات أو الميكانيكا الدقيقة أو الليزر تعمل على قطعة من اللغز، ومن ينجح أولاً يحصل على عقود حكومية ضخمة. هذا المزيج يخلق ديناميكية لا تتوفر في الغرب، حيث الشركات الخاصة تنتظر أرباحاً قصيرة المدى، ولا في الاتحاد السوفيتي السابق، حيث المركزية المفرطة قتلت الابتكار.
درس ثان: الصبر الاستراتيجي مقابل السرعة التكتيكية
الصين لا تستعجل الإعلان عن إنجازاتها، لكنها لا تنتظر أيضاً حتى تكتمل بنسبة 100%. إنها تتبنى فلسفة "التحسين المستمر في الميدان": بمجرد أن يصبح المنتج مقبولاً (80% من الكفاءة المستهدفة)، يتم طرحه في السوق المحلي، وتستخدم عيوبه لتطوير الجيل التالي. هذا ما فعلته مع السيارات الكهربائية: منتجات BYD الأولى في 2010 كانت سيئة مقارنة بتيسلا، لكن بعد 5 سنوات من الاستخدام في السوق الضخم الصيني، أصبحت تتفوق عليها في نواحٍ عديدة. نفس الشيء سيحدث مع آلة EUV: النسخة الأولى ربما تكون أقل كفاءة، لكنها ستتحسن بسرعة مذهلة.
درس ثالث: التكامل بين الدولة ورأس المال
في الغرب، هناك انفصام بين مصالح الدولة (الأمن القومي) ومصالح الشركات (الربح). شركة ASML لا تريد بيع آلاتها للصين ليس لأنها فكرة سيئة تجارياً – بل على العكس، الصين أكبر سوق – لكنها مضطرة بفعل القوانين الأمريكية. هذا التناقض يضعف الغرب. أما في الصين، فالدولة والشركات وجهان لعملة واحدة. الدولة تمول البحث الأساسي طويل الأمد (الذي لا يمولها القطاع الخاص)، والشركات تجاري النتائج. ولأن الدولة هي أيضاً "الزبون الأول"، فلا خوف من عدم وجود مشترٍ.
الخاتمة: سبع سنوات في الإعلان، سنتان في المختبر، والغرب نائم؟
يقف العالم اليوم على مفترق طرق لا يشبه أي مفترق سابق. ليس لأن التكنولوجيا صعبة، بل لأن القوة التي كانت متمركزة في أيدٍ قليلة لقرون بدأت تنتشر. الصين التي كانت بالأمس "ورشة العالم" أصبحت اليوم "مختبر العالم". والآلة الهولندية التي ظننا أنها حصن منيع، قد تتحول إلى ذكرى في متاحف التقنية.
السؤال ليس "هل تستطيع الصين صنع آلة EUV؟" فالإجابة باتت شبه مؤكدة: نعم، تستطيع، وربما خلال عامين، وليس سبعة. السؤال الأعمق والأكثر إزعاجاً هو: "هل يستطيع الغرب تقبل واقع التعددية التكنولوجية؟" وهل سيتصالح مع فكرة أن احتكار القرن الحادي والعشرين لم يعد مضموناً، ولا مشروعاً، ولا ممكناً؟
الوقت ليس في صالح الغرب. كل يوم يمر، تتقدم الصين خطوتين إلى الأمام، بينما تتقدم هولندا خطوة واحدة. وحين تصنع الصين آلة EUV خاصة بها، فالأمر لن يكون مجرد خبر تقني يمر مرور الكرام. سيكون إعلان ميلاد نظام عالمي جديد: نظام لم تعد فيه مفاتيح التقدم حكراً على نادٍ أوروبي-أمريكي مغلق، بل مفتوحة لكل من يملك الإرادة، والعلم، والصبر، والحلم.
لعل أعظم دروس التاريخ أنه لا احتكار يدوم إلى الأبد، وأن الأمم التي تظن أنها بلغت ذروة القوة تكون غالباً على حافة الهاوية. هولندا اليوم تحتكر آلة صنع الرقائق. لكن الغد، كما تلوح به التجارب الصينية، قد يكون مختلفاً تماماً. فمن كان يظن قبل عشرين عاماً أن سيارات صينية ستزاحم مرسيدس؟ ومن كان يظن أن صاروخاً صينياً سيهبط على الجانب البعيد من القمر؟ ومن كان يظن أن صيناً محاصرة تقنياً ستنتج رقاقة 7 نانومتر؟
ليس ذكاءً أن نقرأ المستقبل. لكنه ليس غباءً أيضاً أن نرى ما هو آتٍ. وآتٍ لا محالة: صباح يوم ما في 2026، ستشرق شمس بكين على خبر يغير العالم. والسؤال الوحيد المتبقي: هل نحن مستعدون؟
………. قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
-
قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
-
بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
-
فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا
...
-
رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد
...
-
تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
-
-قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
-
انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
-
فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
-
عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
-
كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
-
دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
-
دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
-
تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
-
سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
-
دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع
...
-
مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
-
قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل
...
-
دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و
...
-
مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة
...
المزيد.....
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية- آفاق تجديد و
...
-
محكمة تركية تلغي نتائج انتخابات حزب الشعب الجمهوري وتعيد كما
...
-
زلزال قضائي يهز المعارضة التركية: إبطال شرعية رئاسة أوزال لح
...
-
وصفها بـ-الدولة المارقة-.. هل ينهي ترمب الإرث الماركسي في كو
...
-
ملادينوف: نزع سلاح الفصائل الفلسطينية يجب أن يكون متدرجا.. و
...
-
روزا لوكسمبورج وأصول عيد العمال
-
عمال التوصيل في المغرب ليسوا مستقلين
-
الخارجية الروسية: ضغوط غير مسبوقة تُمارس على القيادة الكوبية
...
-
عبد الناصر عيسى يروي تفاصيل محاولتين للهروب من سجن عسقلان
-
The Fight Against Data Centers
المزيد.....
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|