|
|
رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد..دراسة أدبية نقدية معمقة
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 09:55
المحور:
الادب والفن
1. تمهيد نقدي: موقع الرواية في المشهد الأدبي العالمي
قبل أن نخوض في تفكيك بنية هذه الرواية الفريدة، لا بد من وضعها في سياقها الأدبي العالمي. فـ"ريح الخامس عشر من أيار" ليست رواية تقليدية تروي حكاية شخصية واحدة في خط زمني متسلسل. إنها – بحكم بنيتها وموضوعها ولغتها – تنتمي إلى جنس أدبي خاص يمكن تسميته "الرواية الوثائقية الشهادية"، أو "الرواية الحقيقية". إنها تقف على تخوم الأدب والتاريخ والصحافة الاستقصائية، مازجة بين دقة الموثق وحرية الروائي.
في هذا، تشبه رواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم، التي مزجت بين الوثائق التاريخية والسرد التخييلي لفضح آليات التعذيب في مصر. وتشبه "خارج المكان" لإدوارد سعيد، الذي مزج بين السيرة الذاتية والنقد الثقافي لتفكيك خطاب الاستشراق. لكنها تذهب إلى أبعد من ذلك: فهي لا تكتفي بفضح الماضي، بل تتوقع المستقبل، وتتخيل كيف يمكن للحقيقة أن تنتصر في عالم لا يريدها.
الأسلوب الأدبي الذي تعتمده هو مزيج من الواقعية السحرية لأمريكا اللاتينية (التي تجعل الواقعي يبدو خيالياً والخيالي واقعياً)، وتيار الوعي عند فولكنر (الذي يكسر التسلسل الزمني ويعبر عن اللحظات الذهنية المتشظية)، والبلاغة الثورية لغسان كنفاني (التي تجعل من الكلمة قنبلة)، والملحمية التاريخية لعبد الرحمن منيف (التي تتتبع انهيار المجتمعات تحت وطأة الاستعمار). هذا المزيج الخطير يجعل الرواية صعبة القراءة أحياناً، لكنه يجعلها أيضاً لا تُنسى.
2. تفكيك العنوان: "ريح الخامس عشر من أيار"
العنوان هو أول ما يواجه القارئ، وهو يعمل كعتبة نصية تحدد توقعاته. في هذه الرواية، العنوان يحمل عدة طبقات من الدلالة:
· "الريح": في التراث العربي، الريح تأتي بالخير (ريح الرحمة، ريح النصر) وبالشر (ريح السموم، ريح العذاب). هنا، الريح هي ريح المؤامرة التي هبت من أوروبا وأمريكا فاجتاحت الشرق الأوسط. الريح لا ترى لكن آثارها ترى. هكذا المؤامرة: خفية لكن مدمرة. · "الخامس عشر من أيار": هو يوم النكبة الفلسطينية (15 مايو 1948)، وهو أيضاً يوم نشر الخبر الذي كشف المؤامرة (15 مايو 2026). الربط بين التاريخين يوحّد الضحيتين: الفلسطينيين ويهود العالم العربي. فكلاهما ضحية لمؤامرة بدأت في 1948 واستمرت حتى 2026. · "ريح الخامس عشر من أيار" كمركب إضافي: يوحي بأن المؤامرة لم تنتهِ يوم 15 مايو 1948، بل ما زالت رياحها تهب حتى يوم 15 مايو 2026، وستمتد إلى المستقبل. العنوان إذن ليس اسماً جامداً، بل هو جملة فعلية مضمرة: "ريح تهب في هذا التاريخ". وهذا يخلق إحساساً بالاستمرارية واللانهاية.
بهذا المعنى، العنوان يشبه عناوين ماركيس ("مئة عام من العزلة") وكنفاني ("عائد إلى حيفا")، حيث يجمع بين الزمن والمكان والفعل في عبارة واحدة قابلة للتأويل المتعدد.
3. تحليل البنية السردية: الأزمنة المتشظية والأصوات المتعددة
الرواية لا تتبع خطاً زمنياً واحداً. تقفز بين:
· الماضي (1961) : غرق السفينة وتفجير كنائس بغداد وعمليات الموساد في اليمن ومصر. · الحاضر (2026) : نشر الخبر، ردود الفعل العالمية، كلمة عزرا في الأمم المتحدة. · المستقبل (2030-2050) : أحكام المحكمة الدولية، انهيار البنوك، عودة الأحفاد إلى المغرب.
هذا القفز الزمني ليس تعقيداً عبثياً، بل هو تقنية أدبية تخدم رؤية الرواية: أن الماضي لا يموت، بل يعيش في الحاضر ويؤثر في المستقبل. الضحايا لا يموتون حقاً، بل يواصلون صراخهم عبر الأجيال. والسفينة لم تغرق فقط في 1961، بل تغرق كل يوم في غزة.
الأصوات السردية متعددة أيضاً:
· صوت الراوي العليم (الضمير الغائب) : الذي يصف الأحداث ويعلي على الشخصيات. · صوت عزرا الصباغ (الضمير المتكلم في أجزاء من الحوار الداخلي والمذكرات). · صوت زهير أندراوس (الراوي-الشاهد الذي يكتب الرواية نيابة عن عزرا). · صوت الوثائق (المحاضر والرسائل التي تُقحم في النص كعنصر سردي بحد ذاتها).
تداخل الأصوات هذا يشبه تقنية "تعدد الأصوات" (polyphony) عند باختين، حيث لا صوت واحد يهيمن على السرد، بل تتجاور أصوات متعددة أحياناً متضاربة. هذا يعكس تعقيد الحقيقة التاريخية نفسها: ليست حقيقة واحدة، بل عدة حقائق تتصارع، وعمل الروائي هو تقديمها كلها للقارئ ليحكم.
4. تقنية الواقعية السحرية: كيف يصبح الغرق حياً والموت سرداً
الواقعية السحرية، كما طورها ماركيس وكورتاثر وفوينتيس، تقوم على مزج العناصر الواقعية بعناصر خيالية أو أسطورية بحيث يصبح من المستحيل تمييز الحد الفاصل بينهما. في هذه الرواية، تستخدم الواقعية السحرية بشكل بليغ، خاصة في مشاهد البحر:
"السفينة لم تكن سفينة. كانت تابوتاً مؤقتاً. والبحر لم يكن بحراً. كان سجلاً مفتوحاً ينتظر توقيعاً بدم مختوم."
هنا، تتحول السفينة إلى تابوت، والبحر إلى سجل عدلي. الواقعي (سفينة) يتحول إلى مجازي (تابوت)، والمجازي (توقيع بدم) يتحول إلى واقعي (الدم الذي سال فعلاً). هذا المزج بين المستويين يخلق جواً من الكابوس الواعي، حيث لا يستطيع القارئ التمييز بين ما حدث فعلاً وما يعنيه ما حدث.
أيضاً، في وصف نجات عزرا:
"كان معلقاً على لوح خشبي مدة ثماني ساعات، يرى بعينيه طفلين يتلاشيان في الموج، وأنه سينطق للمرة الأولى باسم الله الذي لا يعرفه: يا الله الذي ليس لي، أنقذني لأخبر. "
هذا الدعاء "لله الذي ليس لي" هو قمة الواقعية السحرية: شخص يهودي يخاطب إلهاً لا يعرفه (لأنه خارج دينه)، وهذا الإله يستجيب له (لأنه ينجو). هل الله موجود؟ غير مؤكد. لكن الأهم أن عزرا آمن به في لحظة الخطر، وهذا الإيمان أنقذه. الواقعية السحرية هنا تعبر عن حالة نفسية أكثر مما تعبر عن حقيقة ميتافيزيقية.
الواقعية السحرية في هذه الرواية ليست زخرفاً أدبياً، بل هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن رعب لا يمكن التعبير عنه بواقعية جامدة. كيف تصف غرق أطفال دون أن تصبح مبتذلاً؟ تحوله إلى أسطورة. كيف تصف مؤامرة عالمية دون أن تصبح نظرياً؟ تحولها إلى حلم يقظة. الواقعية السحرية هي لغة الصدمة. وهذه الرواية صادمة.
5. الشخصيات: بين النموذج والفرد
الشخصيات في هذه الرواية تتأرجح بين كونها نماذج (تمثل قوى سياسية واجتماعية) وكونها أفراداً (بواقعهم النفسي الفريد).
· عزرا الصباغ: هو النموذج الأكثر تعقيداً. هو يهودي مغربي، طفل غريق، ناجٍ، مهاجر، بائع كتب، شيخ عجوز، بطل عالمي. لكنه أيضاً إنسان خائف، يبكي، يشك، يندم. هذا التوتر بين النموذج والفرد هو ما يجعله شخصية حقيقية، لا مجرد بيدق في خطاب سياسي. في مشهد بكائه على قبر الحسين، يظهر عزلته الإنسانية: "بكى عزرا بكى طويلاً. وبكى معه كثيرون." البطل يبكي. والنموذج لا يبكي. لذلك هو إنسان حقيقي. · الحسين أيت منصور: هو النموذج الأبسط. هو "الصياد النبيل" الذي ينقذ الطفل دون مقابل. لكن بساطته ليست عيباً، بل هي قوته. في عالم معقد ومتآمر، البساطة الإنسانية هي الثورة الحقيقية. الحسين لا يفكر كثيراً، لا يحلل، لا يخطط. يرى طفلاً يغرق فيمد يده. هذا هو الأخلاق في أبسط صوره: الفعل قبل النظر. والشخصيات البسيطة كهذه ضرورية في الروايات المعقدة لتكون بوصلة أخلاقية للقارئ. · زاهر أندرو: هو الراوي-الشاهد-الوريث. هو "عزرا الثاني" لكن باختلاف: زاهر صحفي فلسطيني مسيحي، بينما عزرا يهودي مغربي. هذا الاختلاف يبرز وحدة الضحايا عبر الحدود الدينية. زاهر أكثر تعليماً، أكثر وعياً سياسياً من عزرا، لكنه أقل خبرة بالمعاناة المباشرة. علاقتهما هي علاقة الأستاذ والتلميذ، ثم الأب والابن، ثم الصديقين. وفاته ودفنه بجانب عزرا والحسين هو الخاتمة الرمزية لوحدة الأديان الثلاثة في مواجهة المؤامرة الواحدة. · الشخصيات الثانوية: غولدا مائير، موشيه ديان، بن غوريون، ألكسندر هيك، ميريت غحمون، الحاخام يعقوب بن شوشان، يوسف ميمون، أم خالد... كل هذه الشخصيات حقيقية (باستثناء بعض الأسماء المستعارة). إدخال شخصيات حقيقية في رواية هو مخاطرة، لأن القارئ قد يكون لديه معلومات مسبقة عنهم. لكن الرواية تنجح في تحويلهم إلى شخصيات روائية عبر التركيز على لحظات ضعفهم الإنساني: ديان يعترف لكاتب شاب بأن اسم "راحيل" عالق في رأسه، غولدا مائير تصدر قرار إغراق السفينة ببرود، ميريت غحمون تطلب السماح من عزرا بعد عقود. هذه اللحظات هي التي تحول التاريخ إلى أدب.
6. اللغة والأسلوب: بين الشعرية والتقريرية
اللغة في هذه الرواية هي بطلة خفية. فهي ليست لغة تقريرية جافة (مع أن الرواية تعتمد على وثائق حقيقية)، ولا هي لغة شاعرية منفصلة عن الواقع. إنها في المنتصف: شاعرية بما يكفي لتكون جميلة، وتقريرية بما يكفي لتكون موثوقة.
خذ هذا المقطع كمثال:
"كانت الليلة الرابعة عشرة شبيهة بالليالي التي سبقتها. نفس البحر الأطلسي الممتد كجلد أسود مدهون بالزيت العتيق. نفس الرائحة – ملح، قطران، وخوف بشري لا يتبخر حتى في عز الصيف."
الجملة الأولى بسيطة تقريرية. الثانية فيها تشبيه شعري (البحر كجلد أسود). الثالثة قائمة على التكرار (نفس الرائحة) ثم التفصيل الحسي (ملح، قطران) ثم المفاجأة (خوف بشري لا يتبخر). هذا الانتقال من البسيط إلى الشعري إلى الحسي هو أسلوب الرواية في مجملها.
أيضاً، استخدام التكرار كأداة بلاغية بارزة:
"السفينة لم تكن سفينة. كانت تابوتاً مؤقتاً. والبحر لم يكن بحراً. كان سجلاً مفتوحاً."
التكرار هنا (لم تكن سفينة، لم يكن بحراً) يؤكد النفي ثم يقلبه إلى إثبات من نوع آخر. هذه التقنية مستعارة من الخطاب الديني (مناجاة النفس) ومن الشعر الحديث (قصيدة النثر).
لكن اللغة تتحول إلى تقريرية جافة في المقاطع الوثائقية:
"في وثيقة مؤرخة في 2 أبريل 1951، كتب مسؤول رفيع في الوكالة اليهودية – كان اسمه زئيف شيند – رسالة سرية إلى دافيد بن غوريون: الوضع في العراق صعب... "
هنا لا زخرفة. اللغة خادمة للوثيقة، ولها سلطانها الخاص: سلطان الحقيقة الموثقة. هذا التناوب بين الشعرية والتقريرية هو ما يعطي الرواية طابعها الفريد: أنها تستطيع أن تكون جميلة ومقنعة في آن.
7. التناص (Intertextuality): حوار مع الأدب العالمي
الرواية غنية بالتناص، أي بالإشارات إلى نصوص سابقة. هذا ليس عيباً بل فضيلة، لأنه يضع الرواية في حوار مع التقليد الأدبي العالمي.
· مع ماركيس: مئة عام من العزلة تنتهي بنبوءة أن العائلة لن تنجب مرة أخرى. "ريح الخامس عشر من أيار" تنتهي برسالة أن القصة ستستمر عبر الأجيال. التشابه في البنية الدائرية للزمن. · مع كنفاني: "عائد إلى حيفا" ينتهي بأن البطل لا يعود حقاً إلى بيته. "ريح..." ينتهي بأن عزرا يعود رمزياً عبر حفيده. كنفاني ساخر، وهذه الرواية مأمولة. · مع منيف: "مدن الملح" تروي انهيار مجتمع تحت وطأة اكتشاف النفط والاستعمار. "ريح..." تروي انهيار مجتمعات يهودية تحت وطأة المؤامرة الصهيونية. · مع فولكنر: "الصخب والعنف" تروى من أربع زوايا مختلفة. "ريح..." تروى من عدة أزمنة وأصوات. · مع أورويل: "1984" تحذر من المستقبل الشمولي. "ريح..." تحذر من المستقبل الذي يتحكم فيه الأوليغارشية المالية.
لكن التناص الأهم هو مع النصوص الدينية: التوراة والإنجيل والقرآن. الرواية تقتبس من هذه النصوص وتعليق عليها بحرية، كاشفة كيف استخدمت النصوص لتبرير العنف. مثلاً:
"في عام 1512، صدرت متطلبات برغش ، وهي وثيقة قانونية إسبانية تخبر الهنود الحمر أن البابا قد أعطى إسبانيا هذه الأرض، وإن قبلوا بالمسيحية سيُتركون، وإلا فالحرب."
هنا، النص الديني (مرسوم بابوي) يُستخدم لتبرير الإبادة. الرواية تظهر كيف يمكن للنصوص المقدسة أن تكون أدوات قتل إذا فُسرت بشكل خاطئ.
8. الإيديولوجيا والنقد السياسي: بين الالتزام والفن
كل رواية تحمل إيديولوجيا، سواء اعترفت بذلك أم لا. "ريح الخامس عشر من أيار" تعترف بذلك بصراحة: هدفها فضح المؤامرة الدولية ضد الشعب الفلسطيني ويهود العالم العربي. هذا الالتزام السياسي قد يزعج بعض القراء الذين يرون أن الأدب يجب أن يكون "فناً خالصاً" لا يخدم قضية.
لكن هذا الرفض للأدب الملتَزم هو في حد ذاته إيديولوجيا (إيديولوجيا البراءة المزعومة). الأدب العظيم غالباً ما كان ملتزماً: "الطاعون" لكامو التزم ضد الفاشية، "مئة عام من العزلة" التزمت ضد الاستعمار، " خارج المكان " لإدوارد سعيد التزم ضد الاستعمار الثقافي.
ما يميز هذه الرواية هو أنها لا تكتفي بالفضح، بل تقدم بديلاً: التسامح، الحقيقة، العدالة. إنها ليست هدامة فقط، بل بناءة. إنها تبكي على الموتى، لكنها تحلم بالأحياء. هذا التوازن بين النقد البناء والرثاء هو ما يحميها من الوقوع في الخطابية الجوفاء.
الرواية تنتقد:
· الصهيونية كأيديولوجيا استعمارية. · البنوك الاحتكارية كداعم مالي للصهيونية. · الإعلام الغربي كداعم دعائي للصهيونية. · الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية كداعم ديني للصهيونية. · الحكومات العربية التي تخلت عن يهودها. · القيادة الفلسطينية التي فشلت في توحيد الشعب.
هذا النقد الشامل قد يُعتبر تبسيطياً، لكن الرواية تبرره بالأدلة الوثائقية. النقد ليس نزقاً أيديولوجياً، بل هو استنتاج من حقائق تاريخية.
9. الشخصيات الإنجيلية والكنيسة: البعد الأعمق للمؤامرة
ما يميز هذه الرواية عن غيرها من روايات فضح الصهيونية هو كشفها للدور الإنجيلي. هذا البعد نادراً ما يُناقش في الأدب العربي، لكنه جوهري لفهم التحالف الغربي-الإسرائيلي.
الرواية تظهر أن الإنجيليين ليسوا مجرد حلفاء ساذجين لإسرائيل، بل هم متآمرون حقيقيون يريدون:
· تجميع اليهود في فلسطين لتحقيق نبوءة "نهاية الأيام". · بناء الهيكل الثالث على حساب المسجد الأقصى. · تحويل اليهود إلى المسيحية أو قتلهم في حرب "هرمجدون".
هذه الأفكار تبدو خرافية للقارئ العربي، لكنها حقيقية ومعتقدة من قبل 80 مليون أمريكي. والرواية لا تسخر منهم، بل تحللهم كقوة سياسية واقتصادية.
واحدة من أقوى شخصيات الرواية هي ميريام أديلسون (الحقيقية) التي تمثل هذا التحالف المقدس-المدنس. هي يهودية صهيونية تمول سياسياً إنجيليين صهاينة. التناقض الظاهري (يهودية تمول من يريد تحويلها إلى المسيحية) هو في الحقيقة عدم تناقض: كلاهما يستخدم الآخر لخدمة أهدافه، والمستفيد الأكبر هم الأوليغارشية المالية.
في المشهد الذي تصفه الرواية عن ميريام (المستند إلى وقائع حقيقية)، تقوم بدفع ملايين الدولارات لحملة ترامب مقابل نقل السفارة إلى القدس. الرواية تعلق:
"ميريام لم تكن وحدها. هناك شبكة كاملة من المليارديرات الإنجيليين والصهاينة يمولون السياسة الأمريكية منذ عقود. هؤلاء هم الأوليغارشية الحقيقية التي تحكم أمريكا."
هذا الكشف هو جوهر الرواية: المؤامرة ليست مجرد مؤامرة سياسية، بل مؤامرة مالية-دينية. والمال هو الرب الحقيقي.
10. خاتمة نقدية: هل تنجح الرواية في ما تريد؟
بعد هذا التحليل، نصل إلى السؤال النهائي: هل تنجح "ريح الخامس عشر من أيار" في تحقيق أهدافها؟
الجواب: نعم جزئياً، ولا جزئياً.
نعم، لأنها:
· تقدم أدلة وثائقية قوية تدعم روايتها. · تبني شخصيات إنسانية معقدة تلامس قلب القارئ. · تستخدم لغة أدبية راقية دون أن تضحي بالوضوح. · تكشف أبعاداً غير مألوفة للمؤامرة (الدور الإنجيلي، البنوك الاحتكارية). · تقدم رؤية أمل للمستقبل (عودة الأحفاد، متحف الذاكرة المشتركة).
لا، لأنها:
· أحياناً تطول في التفاصيل الوثائقية على حساب السرد الأدبي. · تكرر بعض النقاط (خاصة في الفصل الثالث) بشكل قد يمل القارئ. · تسقط في فخ "نظرية المؤامرة" عندما تربط كل شيء ببعضه بإحكام شديد (الواقع أن التاريخ أقل تنظيماً مما تصوره الرواية). · تغفل بعض الأصوات المعارضة (مثلاً، يهود عرب يؤيدون الصهيونية بحق، وإنجيليون يختلفون مع "نهاية الأيام").
لكن هذه العيوب لا تقلل من قيمة الرواية. فكل عمل أدبي كبير له عيوبه. الأهم أنها تطرح أسئلة ضرورية، وتفضح أكاذيب مريحة، وتقدم نموذجاً إنسانياً يستحق الاحترام (عزرا الصباغ).
في النهاية، "ريح الخامس عشر من أيار" هي رواية ضرورية في زمن الأكاذيب. إنها تذكرنا بأن الأدب ليس مجرد ترف، بل هو سلاح. وأن الكلمة، إذا كانت صادقة، يمكن أن تغير العالم. ليس سريعاً، وليس كلياً، لكنها يمكن أن تزرع بذوراً تنبت بعد أجيال.
وهذا هو ما فعلته الرواية: زرعت بذوراً. الباقي على القارئ.
........ الرواية قيد التحرير وسينشر رابطها على موقع بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا بلغات عديدة من خلال التعليقات
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
-
-قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
-
انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
-
فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
-
عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
-
كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
-
دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
-
دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
-
تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
-
سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
-
دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع
...
-
مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
-
قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل
...
-
دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و
...
-
مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة
...
-
دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية
...
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
-
رواية قصيرة : المقام الأبدي
-
كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي
...
المزيد.....
-
إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا
...
-
اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان
...
-
معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
-
محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
-
-المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
-
من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في
...
-
آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة
...
-
محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد-
...
-
تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
-
هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|