أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني















المزيد.....



فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 18:44
المحور: الادب والفن
    


الطبقة السياسية والتوظيف الكارثي للقومية

في المجتمعات العربية المعاصرة، هناك ظاهرة خطيرة تستحق التوقف عندها: الطبقة السياسية غير الشعبية توظف القومية - والعروبة بشكل خاص - بطريقة كارثية.

هذه الطبقة لا تعيش هموم الجماهير. هي تعيش في أبراج عاجية، وتتحدث بلغة فارغة، وتستخدم القومية كلما شعرت أن كرسيها يهتز. ترفع شعار "الوحدة العربية" وهي من تفرق العرب. تنادي بـ"تحرير فلسطين" وهي تبيع القدس. تتغنى بـ"كرامة الأمة" وهي تركع لأمريكا وإسرائيل.

لماذا تفعل هذا؟ لأن القومية، حين تُفهم بشكل سطحي، يمكن أن تكون غطاء مثاليًا للفشل. بدلاً من أن تسأل الجماهير: لماذا أنتم فقراء؟ يمكن توجيههم إلى سؤال آخر: من هو العدو الخارجي؟ العدو الخارجي موجود، بلا شك. لكن التركيز عليه فقط، وتجميد النقد الداخلي، هو وصفة للكارثة.

توظف هذه الطبقة القومية كأفيون جديد، كبديل عن الإصلاح الحقيقي، كوسيلة لصرف الأنظار عن فسادها وعن تبعيتها وعن خيانتها.



القومية التحررية - بديل ممكن

لكن لا يجب أن نرمي الطفل مع ماء الاستحمام. وجود توظيف كارثي للقومية لا يعني أن القومية بحد ذاتها شريرة. هناك قومية تحررية، وهناك قومية تقدمية، وهناك قومية تضع نصب عينيها تحرير الإنسان وليس فقط تحرير الأرض.

القومية التحررية هي تلك التي تعترف بالتنوع داخل الوحدة. هي التي تحترم حقوق الأقليات، وتقر بالاختلافات الجهوية، وتؤمن بأن الكرامة الفردية هي أساس الكرامة الجماعية.

القومية التحررية هي تلك التي لا تخاف من النقد، ولا تخاف من الآخر، ولا تخاف من الاعتراف بالأخطاء. هي قومية متواضعة، تعرف حدودها، وتعرف أنها مجرد مرحلة في تاريخ طويل، وليست نهاية التاريخ.

القومية التحررية هي تلك التي تضع الاقتصاد قبل الشعارات، وكرامة العامل قبل خطب الخطباء، والمدرسة والمصنع قبل المواكب والاحتفالات. هي قومية تريد أن تبني إنسانًا جديدًا، لا أن تعيد إنتاج إنسان قديم بقناع جديد.



نحو قومية ما بعد الاستعمار

في النهاية، ما نحتاج إليه في المجتمعات العربية هو قومية ما بعد استعمار. قومية تدرك أن الاستعمار لم ينتهِ بخروج آخر جندي فرنسي أو بريطاني، بل استمر بأشكال جديدة، بأشكال اقتصادية وثقافية وسياسية.

هذه القومية الجديدة لا يمكنها أن تكون عنصرية، لأن العنصرية تقلد أسوأ ما في المستعمر. لا يمكنها أن تكون دينية بالمعنى الأصولي، لأن الأصولية الدينية غالبًا ما تكون وكيلاً للمستعمر. لا يمكنها أن تكون تابعة، لأن التبعية هي جوهر الاستعمار نفسه.

القومية التي نحتاج إليها هي قومية التحرر الاقتصادي قبل كل شيء. قومية ترى أن النفط يجب أن يسعر بشكل عادل، وأن التكنولوجيا يجب أن تنقل وليس احتكارها، وأن العامل العربي يستحق أن يعيش بكرامة في وطنه.

هذه القومية لن ترفع شعارات كبرى فقط. ستبني مصانع، وتديرها بالتسيير الذاتي. ستنشئ جامعات، وتحررها من التبعية الأكاديمية. ستنشئ بنوكًا تنموية، لا بنوكًا لنهب الثروات وإيداعها في تل أبيب.

هذه القومية ممكنة. لكنها تحتاج إلى وعي، وإلى جيل جديد لا يخاف، وإلى شجاعة نادرة في زمن الجبناء.




الباب السابع - آليات المقاومة وإمكانيات الخلاص

بعد أن طوينا صفحات من التشخيص الموجع، بعد أن فتحنا الجراح على مصراعيها ورأينا كيف يعمل الاستغلال في عقر دارنا، يحين الآن سؤال لا مفر منه: هل من خلاص؟ هل ثمة مخرج من هذه المتاهة؟ أم أننا محكوم علينا إلى الأبد بأن نكون محيطًا يستنزف، وشعوبًا تخدم مراكز لا ترانا إلا مادة أولية وأسواقًا استهلاكية؟

الجواب، وهو ما قد يريح القلوب أو يوجعها، هو أن الخلاص ممكن. لكنه ليس قريبًا، وليس سهلاً، وليس ثمناً رخيصًا. الخلاص يحتاج إلى وعي مختلف، وإلى أدوات جديدة، وإلى تحالفات غير تقليدية، وإلى جرأة على مواجهة ليس فقط العدو الخارجي، بل العدو الداخلي الأكثر خطورة في كثير من الأحيان.

إنها معركة تحرر جديدة. ليست معركة استقلال سياسي فقط، فذلك منجز في معظم البلدان العربية بشكل أو بآخر. إنها معركة تحرر اقتصادي، وتحرر ثقافي، وتحرر معرفي. إنها معركة لاستعادة القدرة على تحديد المصير، ليس فقط على الخرائط السياسية، بل في المصانع والحقول والمختبرات والمدارس.


الوعي كسلاح أول

لا يمكن لأي مقاومة أن تبدأ دون وعي. الوعي هو بذرة كل تغيير. الوعي بأن ما يحدث ليس قدرًا محتومًا، وأن الفقر ليس إرادة إلهية، وأن التخلف ليس سمة عرقية أو جغرافية. الوعي بأن هناك نظامًا عالميًا يعمل، بآليات معقدة ومتشابكة، على إعادة إنتاج هذا الفقر وهذا التخلف.

لكن الوعي الحقيقي ليس مجرد معرفة نظرية. الوعي الحقيقي هو أن تشعر في جسدك، في قوتك الشرائية، في مستقبل أولادك، كيف يعمل هذا النظام. الوعي هو أن تربط بين سعر برميل النفط وسعر الحاسوب. الوعي هو أن تعرف لماذا بنوك الاحتياط الفيدرالي في واشنطن تتحكم بقوتك اليومية. الوعي هو أن تدرك أن من يسرقك قد لا يكون جارك الغني، بل نظام عالمي أنت جزء منه وضدّه في آن.

الوعي سلاح بطيء المفعول لكنه دائم. يمكن للرصاص أن يسقط جسدًا، لكن الوعي يسقط أنظمة. يمكن للسجن أن يكتم صوتًا، لكن الوعي يجد ألف صوت غيره. من أجل هذا، يخاف المركز الاستعماري من المثقفين الحقيقيين، من المعلمين في القرى النائية، من الصحفيين المستقلين، من كل من يزرع بذور الوعي في ترب لا تنبت فيها إلا أشجار التبعية.


استعادة التسيير الذاتي كبرنامج عملي

لقد تحدثنا في بداية هذا الكتيب عن التسيير الذاتي، عن التجربة اليوغوسلافية التي جعلت العمال يملكون ويديرون. الآن، وقد قطعنا شوطًا في التحليل، نحتاج أن نعود إلى هذه التجربة، ليس كذكرى حنين، بل كبرنامج عملي قابل للتحقيق.

التسيير الذاتي ليس طوبى. إنه نموذج إداري محدد، له آلياته وأدواته وشروطه. يمكن تطبيقه في مصنع، في حقل نفط، في ميناء، في شركة طيران. يمكن أن يبدأ صغيرًا ثم يتوسع. يمكن أن يكون مشروعًا تجريبيًا في قطاع معين قبل أن يعمم.

ما يحتاجه التسيير الذاتي هو إطار قانوني يحمي ملكية العمال لوسائل الإنتاج. وإطار سياسي يسمح بانتخاب مجالس الإدارة من العمال أنفسهم. وإطار ثقافي يشجع على روح المبادرة الجماعية، لا على الانتظار والتواكل.

في يوغوسلافيا، كان هذا النظام قائمًا على فكرة "الملكية الاجتماعية"، أي ملكية لا تملكها الدولة ولا الأفراد، بل المجتمع بأكمله. وهذا قريب جدًا من مفاهيم "الوقف" في تراثنا الإسلامي، أو "المشاع" في تراثنا القروي. لسنا بحاجة لاستيراد النماذج من الخارج، بل يمكننا أن نجد جذورًا محلية للتسيير الذاتي في ثقافاتنا وتاريخنا.



مقاطعة علاقات المركز والمحيط

على المستوى الاقتصادي الكلي، لا يمكن لمحيط منفرد أن يواجه مركزًا مهيمنًا. العلاقة غير متكافئة، والميزان ليس في صالح المحيط. لكن هذا لا يعني الاستسلام. هناك إمكانية لمقاطعة هذه العلاقة تدريجيًا، عبر بناء تكتلات اقتصادية إقليمية، وعبر تعزيز التبادل التجاري بين دول المحيط أنفسها.

تخيلوا معي: دول أمريكا اللاتينية تمتلك النحاس والفضة والليثيوم والغذاء. أفريقيا تمتلك الذهب والماس والكوبالت والنفط. جنوب آسيا تمتلك المنسوجات والمواهب البشرية. العالم العربي يمتلك النفط والغاز والموقع الاستراتيجي. ماذا لو بدأت هذه المناطق تتاجر مع بعضها مباشرة، دون المرور عبر البنوك والأسواق الغربية؟

ماذا لو تم إنشاء بنك تنموي للجنوب العالمي، يقدم قروضًا بشروط ميسرة، ويستثمر في البنية التحتية والتكنولوجيا؟ ماذا لو تم إنشاء عملة موحدة للتجارة بين دول المحيط، تحميهم من تقلبات الدولار واليورو؟

هذه الأفكار ليست خيالًا علميًا. بعضها جرى تطبيقه جزئيًا في تجارب سابقة. حلم جمال عبد الناصر بـ"التضامن الأفروآسيوي" لم يكن حلمًا فارغًا. تجربة "حركة عدم الانحياز" كانت خطوة في هذا الاتجاه. لكن الأحلام تحتاج إلى إرادة، وتحتاج إلى قيادات صادقة، وتحتاج إلى شعوب واعية لا تبيع مستقبلها بثمن بخس.



تحدي احتكار التكنولوجيا

ربما تكون التكنولوجيا هي أخطر أسلحة المركز في مواجهة المحيط. احتكار التكنولوجيا يسمح للمركز بفرض شروط التجارة غير المتكافئة، ويسمح له ببيع السلع الصناعية بأسعار خيالية، ويسمح له بالسيطرة على مستقبل البشرية جمعاء.

لذلك، لا يمكن للمحيط أن يتحرر دون أن يمتلك قدراته التكنولوجية الخاصة. لا يمكن أن يظل مستوردًا للحاسوب ومصدرًا للنفط إلى الأبد. يجب أن يتعلم المحيط كيف يصنع حاسوبه الخاص، بل كيف يصنع التكنولوجيا التي يصنع بها الحاسوب.

هذا يتطلب استثمارًا هائلاً في التعليم والبحث العلمي. يتطلب مدارس وجامعات ومعامل ومختبرات. يتطلب عقولًا لا تخاف من التفكير، ولا تخاف من الابتكار، ولا تخاف من ارتكاب الأخطاء في سبيل الوصول إلى الصواب.

المركز يعرف هذا جيدًا. لهذا يسعى دائمًا إلى تجريد المحيط من علمائه، من خلال هجرة الأدمغة الممنهجة. يفتح أبوابه لعقول المحيط، يقدم لهم الإقامات والمرتبات، ليحرم المحيط من طاقاته الأفضل. هذه هجرة عكسية للثروة، حيث ينهب المركز أغلى ما يملكه المحيط: عقوله النيرة.

مقاومة هذه الهجرة تحتاج إلى توفير بيئة جاذبة للعلماء في أوطانهم، وتحتاج إلى مشاريع طموحة تجعل البقاء أكثر إغراءً من الرحيل.



الباب الثامن - نقد الذات كضرورة وطنية

أقسى ما يمكن أن يواجهه أي مشروع تحرري هو التعصب للذات، هو الاعتقاد بأن كل عيوبنا تأتي من الخارج، وأننا نحن الملائكة وكل الشرور من عند غيرنا. هذا التفكير، رغم أنه مريح نفسيًا، إلا أنه كارثة عملية.

لا يمكننا أن نحرر أنفسنا من المركز والمحيط دون أن ننظر في مرآة نقد الذات بجرأة وإخلاص. هناك عيوب بنيوية في مجتمعاتنا تجعلنا فريسة سهلة للاستغلال. هناك أنظمة تعليمية تخدر العقول بدلاً من أن توقظها. هناك ثقافات سائدة تمجد التواكل والانتظار وتشجع على الخنوع للسلطة أياً كانت.

هناك فساد مستشري في كثير من بلداننا، ليس فقط فسادًا ماليًا، بل فسادًا أخلاقيًا ومعرفيًا. هناك نزعة للاستهلاكية العمياء، حيث أصبح شراء سيارة فارهة أو هاتف آخر صيحة علامة على النجاح، بغض النظر عن كيفية الحصول على المال.

نقد الذات ليس انتحارًا وطنيًا، بل هو شرط بقاء. الأمم التي لا تنقد نفسها تصبح كالجسد الذي لا يشعر بالألم، والجسد الذي لا يشعر بالألم هو جسد مريض ربما يحتضر دون أن يدري. نحن بحاجة إلى ثقافة نقدية حية، إلى صحافة حرة، إلى برلمانات حقيقية، إلى مجتمع مدني نابض. بدون هذه الأدوات، سيبقى أي حديث عن التحرر مجرد خطب حماسية تتبخر مع أول ريح.



دور المثقف في زمن التبعية

في معارك التحرر الكبرى، كان للمثقف دور لا يقل عن دور المقاتل. المثقف هو الذي يشخص الداء، ويصف الدواء، ويكشف الأقنعة، ويهدم الأساطير. المثقف هو ذاكرة الأمة وضميرها وبصيرتها.

لكن كثيرًا من المثقفين العرب اليوم، للأسف، تخلى عن هذا الدور. تحولوا إما إلى متعاقدين مع السلطة، يكتبون ما تريد وبما تريد، أو إلى منعزلين في أبراجهم العاجية، يتحدثون بلغة لا يفهمها عامة الناس، أو إلى مقلدين للنظريات الغربية دون تمحيص أو نقد، أو إلى يائسين فقدوا الأمل في إمكانية أي تغيير.

النوع الأول خائن، والثاني نافع، والثالث غبي، والرابع مريض. المثقف الذي نحتاجه هو المثقف العضوي، كما كان يسميه أنطونيو غرامشي، المثقف الذي لا ينفصل عن جماهير شعبه، الذي يكتب بلغة يفهمونها، الذي يعيش آلامهم وآمالهم، الذي يكون جزءًا من حركتهم لا مراقبًا من الخارج.

نحتاج إلى مثقفين يكتبون كتيبات مثل هذا الكتيب، بل أفضل منه بكثير، ويتنقلون بها في القرى والأحياء الفقيرة، ويناقشونها مع العمال والفلاحين والصيادين. نحتاج إلى مثقفين يترجمون المفاهيم الاقتصادية المعقدة إلى قصص وحكايات وأمثال، تجعلها قريبة من القلب قبل العقل.

بدون هذا النوع من المثقفين، ستبقى أفكار التحرر حبيسة الصالونات والندوات الأكاديمية، ولن تتحول إلى قوة مادية تغير العالم. وماركس نفسه قال: "الفكرة المادية تصبح قوة مادية عندما تستولي على الجماهير".



التحالفات الممكنة والمستحيلة

طريق التحرر ليس طريقًا فرديًا. لا يمكن لدولة واحدة ولا لشعب واحد أن يواجه هيمنة المركز بمفرده. نحتاج إلى تحالفات، إلى شبكات تضامن، إلى جبهات عريضة توحد كل القوى الراغبة في التغيير.

لكن التحالفات يجب أن تكون حكيمة. هناك تحالفات ممكنة، وهناك تحالفات مستحيلة، بل وخادعة. التحالف مع الأنظمة الخليجية العميلة، مثلاً، ليس تحالفًا حقيقيًا، بل هو دفع للثمن مرتين. هذه الأنظمة جزء من آلية الاستغلال، وليست جزءًا من الحل.

التحالفات الممكنة هي مع بقية شعوب المحيط: في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. مع حركات المقاومة الحقيقية، وليس مع أنظمتها العميلة. مع العمال والفلاحين والمهمشين في كل مكان. مع كل من يدفع ثمن هذا النظام غير العادل، بغض النظر عن دينه أو قوميته أو لونه.

كما أن التحالف مع قوى داخل المركز نفسه ممكن وضروري. ليس كل من يعيش في واشنطن أو لندن أو باريس هو عدو. هناك أصوات ناقدة في الغرب، هناك ماركسيون غربيون، هناك حركات مناهضة للعولمة، هناك شباب يرفضون نظام الاستغلال العالمي. هؤلاء حلفاء محتملون، وعلينا أن نمد أيدينا إليهم دون تعصب أو عداء مسبق.

التحالفات تُبنى على المصالح المشتركة، وعلى القيم المشتركة، وعلى رؤية مشتركة للمستقبل. ليس على الشعارات الجامدة ولا على الأحقاد القديمة.



رفض اليأس - التاريخ لم ينتهِ بعد

هناك من يحاول إقناعنا بأن التاريخ انتهى. أن الرأسمالية هي النموذج الوحيد الممكن. أن أي محاولة للخروج عن النص محكوم عليها بالفشل. أن علينا أن نرضى بواقعنا، وأن نكيف أحلامنا مع إمكانياتنا المتواضعة.

هذا الكلام ليس تحليلاً واقعيًا، بل هو أيديولوجيا تريد أن تشل إرادتنا. التاريخ لم ينتهِ، ولن ينتهي أبدًا. البشرية ما زالت في بداية رحلتها، وما زالت أمامها آلاف السنين من التطور والتجربة والخطأ. الأنظمة التي تبدو اليوم أبدية، كانت قبل قرن غير موجودة، وستكون بعد قرن من الزمن مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

سقط الاتحاد السوفييتي، لكن أحلام العدالة الاجتماعية لم تسقط معه. انهارت النماذج الاشتراكية البيروقراطية، لكن فكرة أن الإنسان يستحق حياة كريمة، وأن وسائل الإنتاج يجب أن تكون ملكًا للجميع، هذه الفكرة لم تمت ولن تموت.

اليأس هو أخطر أسلحة المركز. اليأس هو الذي يجعلك تستسلم قبل أن تبدأ. اليأس هو الذي يجعلك تعتقد أن لا فائدة من المحاولة. مقاومة اليأس إذن هي أول معارك التحرر. الإيمان بأن مستقبلًا آخر ممكن هو شرط أساسي لبناء هذا المستقبل.

في أحلك لحظات الحرب العالمية الثانية، عندما كانت أوروبا تحت حكم النازية، قال أنطونيو غرامشي وهو في سجن الفاشيين: "تشاؤم العقل، تفاؤل الإرادة". هذا هو الموقف الذي نحتاجه اليوم. أن نرى الواقع بكل قسوته دون تزييف، لكن أن نمتلك الإرادة لتغييره دون استسلام.


دعوة للبدء من جديد

والآن، ونحن في نهاية هذه المرحلة الرابعة، وقبل أن نتوجه إلى المرحلة الختامية، أريد أن أتركك مع دعوة بسيطة: ابدأ من حيث أنت.

لا تنتظر الثورة الكبرى، ولا القائد المخلص، ولا الظروف المثالية. هذه كلها أوهام تؤجل الفعل إلى ما لا نهاية. التغيير الحقيقي يبدأ صغيرًا، ثم يكبر، ثم يتضخم، ثم يصبح سيلاً جارفًا لا يوقفه شيء.

هل أنت عامل في مصنع؟ حاول أن تناقش زملاءك في فكرة التسيير الذاتي. هل أنت مهندس أو تقني؟ حاول أن تفكر في تكنولوجيا يمكن أن تنافس احتكار المركز. هل أنت مدرس أو أستاذ؟ حاول أن تزرع في طلابك الوعي النقدي، وشكك في كل ما هو مسلم به. هل أنت أم أو أب؟ حاول أن تعلم أولادك أن الكرامة أهم من المال، وأن الحرية أهم من الأمان الزائف.

كل واحد منا لديه موقعه في هذه المعركة. كل واحد منا يمكنه أن يفعل شيئًا، ولو صغيرًا. المهم أن نفعل، وألا ننتظر، وألا نبرر تقاعسنا بظروف قاهرة.

التاريخ لا يصنعه الأبطال الخارقون. التاريخ يصنعه أناس عاديون قرروا أن يقوموا بواجبهم، وأن يفعلوا ما في وسعهم، وأن يتركوا بصمة قبل أن يرحلوا.

فلنبدأ الآن. فلنبدأ من حيث نحن. فلنبدأ بما نملك. الغد يبدأ اليوم.


الباب التاسع - نماذج من المقاومة المنسية

قبل أن نطوي صفحات هذا الكتيب، لا بد أن نستحضر أرواحًا وأمكنة وأزمنة، قاومت فيها شعوب المحيط بوعي أو بغير وعي، بخطط مرسومة أو بغريزة البقاء، آليات المركز ومشاريع التبعية. هذه النماذج ليست مثالية، لكنها منارات في ليل طويل.

في أمريكا اللاتينية، كان نموذج "الكوميونات" في السلفادور، و"المجالس العمالية" في الأرجنتين بعد انهيار 2001، محاولات صادقة لتجاوز كل من الرأسمالية البرية والدولة البيروقراطية. العمال هناك استولوا على المصانع المغلقة وأداروها بأنفسهم، بدون صاحب عمل وبدون وزير. نجحت بعض هذه التجارب لسنوات، ودرّست العالم درسًا في الكرامة والمبادرة.

في كيرلا، جنوب الهند، جرب الحزب الشيوعي الهندي نموذجًا مختلفًا: لامركزية السلطة، ومجالس شعبية في كل قرية، وموازنات تشاركية يقرر فيها الناس أولوياتهم. لم تكن كيرلا جنة اشتراكية، لكنها حققت مؤشرات تنمية بشرية تضاهي الدول الغنية، بإمكانيات محدودة، وبإرادة سياسية مختلفة.

في شمال شرق سوريا، في تجربة عُرفت باسم "الإدارة الذاتية الديمقراطية"، حاولت شعوب كردية وعربية وسريانية أن تبني نموذجًا قائمًا على اللامركزية، والمساواة بين الجنسين، والاقتصاد التعاوني، وحماية البيئة. قُصفت هذه التجربة من عدة أطراف، وتآمر عليها الجميع، لكنها تركت بصمة في تاريخ أفكار التحرر.

هذه النماذج، رغم قصورها، تثبت شيئًا واحدًا: البديل ممكن. البشر، إذا تركوا وشأنهم، وإذا تحرروا من الخوف والجوع، يمكنهم أن يبتكروا أشكالاً من التنظيم والعمل المشترك تتفوق على أي نموذج جاهز يأتي من فوق.



دروس من هذه التجارب

ماذا تعلمنا هذه التجارب المتناثرة على أطراف المحيط؟ أولاً، تعلمنا أن المركز لا يغفر لأحد أن يخرج عن طاعته. كل هذه التجارب قوبلت بعداء شرس من الداخل والخارج. قوبلت بحصار اقتصادي، وتضليل إعلامي، وتدخل عسكري مباشر أو غير مباشر. المركز لا يريد نماذج بديلة، لأن النموذج البديل يثبت أن طريق آخر ممكن، وهذا وحده يشكل خطرًا وجوديًا.

ثانيًا، تعلمنا أن النماذج البديلة لا تصمد دون حماية عسكرية كافية. قد يكون هذا مؤلمًا لمن يرفض العنف من حيث المبدأ، لكنه واقع. الثورة المسلحة وحدها، أو على الأقل القدرة على الردع العسكري، هي التي تخلق مساحة آمنة للتجريب الاقتصادي والاجتماعي. بدون هذه المساحة، ستسحق التجارب السلمية كما سحقت يوغوسلافيا.

ثالثًا، تعلمنا أن التحالفات الداخلية الواسعة ضرورية. لا يمكن لطبقة واحدة، ولا لحزب واحد، ولا لجهة واحدة، أن تقود عملية التحرر بمفردها. النجاح يتطلب جبهة عريضة تجمع العمال والفلاحين والمهنيين والنساء والشباب والأقليات. كلما كانت الجبهة أوسع، كانت أكثر قدرة على الصمود.

رابعًا، تعلمنا أن القيادة الجماعية أفضل من القيادة الفردية. الأنظمة التي اعتمدت على زعيم واحد، مهما كان عبقريًا، انهارت بموته أو بسقوطه. أما النماذج التي بنيت على مؤسسات ديمقراطية قوية، وعلى تداول للسلطة، فقد أثبتت قدرة أكبر على الاستمرار.



الباب العاشر - فلسفة التحرر

وراء كل مشروع تحرري، فلسفة أو رؤية للوجود والإنسان والمجتمع. لا يمكن أن نبني عالمًا جديدًا بأدوات العالم القديم، ولا بذهنية العالم القديم. التحرر الحقيقي يتطلب تحررًا فلسفيًا قبل أن يكون تحررًا اقتصاديًا أو سياسيًا.

في صميم هذه الفلسفة، فكرة أن الإنسان ليس أداة. في الرأسمالية، الإنسان عامل، أي أداة لإنتاج فائض القيمة. في البيروقراطية السوفييتية، الإنسان ترس في آلة الدولة. في كلتا الحالتين، الإنسان مفعول به، وليس فاعلاً مختارًا.

فلسفة التحرر التي ننشدها تضع الإنسان في المركز. ليس الإنسان المجرد، الإنسان الشبح، بل الإنسان الملموس، العامل، الفلاح، الأم، الطفل، المسن، المريض. كل إنسان له كرامة أصلية، لا تُكتسب بالإنتاج ولا بالانتماء، بل لمجرد أنه إنسان.

من هذه الكرامة تنبع حقوق: الحق في العمل اللائق، والحق في السكن والغذاء والدواء والتعليم، والحق في المشاركة في القرارات التي تخصه، والحق في الاختلاف والاعتراض، والحق في أن يكون له صوت مسموع.

هذه الفلسفة ترفض التضحية بالإنسان لأجل أي غاية، مهما كانت نبيلة. لا يمكن أن نبني الاشتراكية على أشلاء البشر، لأن الاشتراكية التي تُبنى على القهر والتضحية ليست اشتراكية، بل هي رأسمالية أخرى بثوب أحمر.



الإنسان غاية لا وسيلة

كان عمانوئيل كانط قد صاغ مبدأه الأخلاقي الشهير: "تصرف بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان آخر دائمًا كغاية، ولا تعاملها أبدًا كوسيلة فقط". هذا المبدأ، الذي ينتمي إلى التنوير الأوروبي، يتطابق بشكل مدهش مع روح الاشتراكية الحقيقية.

في النظام الرأسمالي، الإنسان وسيلة لتحقيق الربح. في النظام البيروقراطي السوفييتي، الإنسان وسيلة لتحقيق أهداف الدولة. في كليهما، يُنتهك مبدأ كانط. في كليهما، يُستخدم الإنسان كأداة.

التسيير الذاتي اليوغوسلافي كان مقاربًا لهذا المبدأ. فحين يكون العامل هو المالك والمدير، فإنه لم يعد وسيلة، بل غاية. لا يعمل لصالح آخر، بل يعمل لصالح نفسه ورفاقه. لا ينتج من أجل جيب بعيد، بل ينتج من أجل مجتمعه الصغير الذي ينتمي إليه.

هذا البعد الأخلاقي للاشتراكية لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي. بل هو ربما الأهم. لأن أي نظام اقتصادي يمكن سرقته وتشويهه، لكن النظام المبني على احترام الكرامة الإنسانية يصعب اختراقه، لأنه يحمل في داخله قوة دفع أخلاقية لا تقهر.



الجمال كمقاومة

في خضم الحديث عن الاقتصاد والاستغلال والمركز والمحيط، قد يبدو الكلام عن الجمال ترفًا لا مكان له. لكن هذا وهم كبير. الجمال ليس ترفًا، بل هو حاجة إنسانية أساسية، وهو أيضًا شكل من أشكال المقاومة.

عندما يرسم فنان لوحة تعبر عن آلام شعبه، فهو يقاوم. عندما يكتب شاعر قصيدة تخلخل يقين المستبد، فهو يقاوم. عندما يغني مطرب أغنية توقظ الوعي، فهو يقاوم. عندما يبني معماري مسجدًا أو كنيسة أو معبدًا أو بيتًا جميلاً للفقراء، فهو يقاوم.

المركز الاستعماري لا يريد للمحيط أن يكون جميلاً. يريد له أن يكون قبيحًا، بائسًا، مستهلكًا للموضة الرخيصة والأبنية المقلدة. لأن الجمال يحتاج إلى وقت وتفكير وإبداع، وهذه كلها أشياء يريد المركز أن يحتكرها لنفسه.

استعادة الجمال هي إذن جزء من استعادة السيادة. أن نصنع خطوطنا المعمارية الخاصة، وألواننا الخاصة، وموسيقانا الخاصة، وقصصنا الخاصة. ألا نكتفي بتقليد ما يأتي من المركز، بل نبتكر من تراثنا ومن حاضرنا ومن أحلامنا.

كل أمة أحبت الجمال، وانتصرت. وكل أمة تخلت عن الجمال لصالح الاستهلاك والمظهر، تلاشت واندثرت. الجمال ليس زينة، الجمال هو روح الحضارة.



خاتمة عامة - حلم بعد خمسين صفحة

نحن الآن في الصفحة السادسة والأربعين، بعد أن قطعنا شوطًا طويلاً معًا. بدأنا بفائض القيمة، ومررنا بالتسيير الذاتي ونظرية المركز والمحيط، وتوقفنا عند القومية والدين ونقد الذات، وانتهينا بفلسفة التحرر والجمال.

لكن الحقيقة أن هذا الكتيب، رغم صفحاته الخمسين، لم يقل شيئًا نهائيًا. لم يقدم حلولاً سحرية، ولم يرسم طوبى جاهزة، ولم يدعِ امتلاك الحقيقة المطلقة. ما حاولت هذه الصفحات فعله هو شيء أبسط وأكثر تواضعًا: فتح نوافذ، وهز يقينيات، ودفع القارئ إلى مزيد من التساؤل.

فائض القيمة ليس مجرد نظرية اقتصادية، بل هو جرح نازف في جسد المحيط. التسيير الذاتي ليس مجرد أسلوب إداري، بل هو حلم العامل في أن يكون سيد نفسه. المركز والمحيط ليسا مجرد مصطلحين أكاديميين، بل هما وصف لواقع مرير نعيشه كل يوم. القومية ليست مجرد شعار، بل هي سؤال مفتوح عن الهوية والمستقبل.

إذا استطاع هذا الكتيب أن يزرع بذرة شك في قلب قارئه، أو أن يضيء زاوية مظلمة في عقله، أو أن يدفعه إلى قراءة كتاب آخر، أو إلى نقاش مع صديق، أو إلى تأمل صامت، فإنه يكون قد حقق هدفه.



وصايا للقارئ

قبل أن نودع بعضنا، دعني أترك لك خمس وصايا، خمس نجوم تضيء طريقك بعد إغلاق هذا الكتاب:

الأولى: لا تثق بأي حقيقة لم تمتحنها بنفسك. اقرأ، اختلف، جادل، ابحث. لا تأخذ كلامي أنا ولا كلام أي أحد كإنجيل. العقل النقدي هو سلاحك الوحيد في زمن الضجيج والدعاية.

الثانية: لا تفصل بين النظرية والتطبيق. المفاهيم التي تعلمتها هنا لا قيمة لها إذا لم تترجم إلى أفعال. ابحث عن مساحتك للعمل، مهما كانت صغيرة. في العمل تختبر الأفكار، وفي العمل تنمو وتتطور.

الثالثة: لا تيأس من الواقع، ولا تحلم بأحلام وردية. التشاؤم الذكي أفضل من التفاؤل الساذج. لكن اليأس قاتل. اجمع بين عينين: عين ترى الواقع بكل قسوته، وعين ترى المستقبل بكل إمكانياته.

الرابعة: لا تنسَ الآخر. التحرر عمل جماعي. لا يمكنك أن تتحرر وحدك. ابحث عن رفاق، ابنِ علاقات، شكّل مجموعات. في الوحدة قوة، وفي العزلة ضعف وموت.

الخامسة: لا تنسَ نفسك. التحرر ليس تضحية دائمة. احتفظ بمساحة للفرح والحب والجمال واللعب. الثوار الذين لا يعرفون كيف يفرحون يحترقون بسرعة. الفرح ليس رفاهية، الفرح هو وقود الطريق الطويل.



كلمة أخيرة عن يوغوسلافيا

لنعد في النهاية إلى يوغوسلافيا، تلك البقعة من الأرض التي دفعنا ثمن حلمها كثيرًا في هذا الكتيب. يوغوسلافيا ليست جنة مفقودة، ولا هي مثال يحتذى بكل تفاصيلها. كانت بها عيوب، كانت بها تناقضات، كانت بها أخطاء.

لكن ما يميز يوغوسلافيا أنها جرحت. جرحت كبرياء المركز الاستعماري، وجرحت نموذج الدولة البيروقراطية، وجرحت الأساطير الرأسمالية عن طبيعة البشر. أثبتت أن العمال يمكنهم إدارة مصانعهم، وأن الشعوب المختلفة يمكنها العيش معًا، وأن طريقًا ثالثًا ممكن بين واشنطن وموسكو.

لهذا قتلت. قتلت بصواريخ الناتو، وبخيانة عملائها الداخليين، وبغباء قادتها في لحظات الحسم. ماتت يوغوسلافيا، لكن روحها لم تمت. روح التسيير الذاتي لا تزال حية في ملايين القلوب، في كل مكان يبحث فيه عامل عن كرامته، وفي كل مكان يرفض فيه إنسان أن يكون أداة.

ستعود يوغوسلافيا يومًا ما. ليس يوغوسلافيا الاسم، بل يوغوسلافيا الفكرة. فكرة أن الإنسان يمكنه أن يتحرر من ربقة الاستغلال، وأن يدير حياته بنفسه، وأن يبني عالمًا على مقاس كرامته. هذه الفكرة لا تقتل. هذه الفكرة خالدة.



فهرس المحتويات

· المقدمة:
· الباب الأول: فائض القيمة - جوهر المفهوم
· الباب الثاني: نماذج الإدارة الاشتراكية
· الدولنة السوفييتية
· التسيير الذاتي اليوغوسلافي
· الديمقراطية كشرط
· الباب الثالث: نظرية المركز والمحيط
· النشأة والرواد
· الحاسوب وبرميل النفط
· إسرائيل كمركز استعماري
· الباب الرابع: وكلاء المركز
· الباب الخامس: القومية بين التحرر والتوظيف
· عند سمير أمين
· إيران نموذجًا
· محميات الخليج
· القومية والعنصرية
· الباب السادس: آليات المقاومة
· الوعي سلاحًا
· استعادة التسيير الذاتي
· مقاطعة علاقات المركز والمحيط
· تحدي التكنولوجيا
· نقد الذات
· الباب السابع: فلسفة التحرر
· الإنسان غاية لا وسيلة
· الجمال مقاومة
· الخاتمة والوصايا

الصفحة الأخيرة

وهنا، عند نهاية الصفحات، لا نهاية للفكر ولا نهاية للأمل.

هذا الكتيب هو مجرد بداية. البداية الأولى لحوار طويل، لرحلة ممتدة، لالتزام متجدد. ما كتبته بين هذه الصفحات ليس كلمة أخيرة، بل هو نقطة انطلاق.

فائض القيمة سيظل يُنهب ما لم نقف. المركز سيظل يشفط المحيط ما لم نتحالف. القومية ستظل أداة للقمع ما لم ننقدها. والتسيير الذاتي سيظل حلمًا ما لم نبدأ في تحقيقه.

المسافة بين الحلم والواقع ليست مسافة سنوات ضوئية. إنها مسافة قرار. قرار بأن نكون، قرارًا بأن نقاوم، قرارًا بأن نحلم ثم نحول الحلم إلى خطة، والخطة إلى فعل، والفعل إلى حياة.

الطريق طويل، والجراح غائرة، والقوى المهيمنة هائلة. لكن التاريخ ليس في صالح الأقوياء دائمًا. التاريخ في صالح الذين يملكون حلمًا أكبر من خوفهم، وإرادة أقوى من يأسهم، وحبًا أعمق من كراهيتهم.

فلنبدأ. ولنواصل. ولنثبت للعالم أن شمس العدالة لا تغيب، وأن روح التسيير الذاتي لا تموت، وأن المحيط يمكنه أن يصبح مركزًا، ليس مركزًا يستغل، بل مركزًا يتعاون ويتضامن.

تم هذا الكتيب في عشرات الصفحات ،
في زمن يحتاج إلى كتيبات ألف،
وإلى قلوب لا تعرف اليأس،
وإلى أيادٍ لا تكل عن البناء.



توثيق المراجع

ملاحظة منهجية

لكون هذا الكتيب عملاً فكرياً يجمع بين النظرية والتطبيق، وبين التاريخ والتحليل المعاصر، فإن توثيق المراجع يأتي على مستويين: الأول، المراجع النظرية الأساسية التي بنى عليها الكتيب مفاهيمه؛ والثاني، الإشارات التاريخية والسياقية التي وردت في المتن.


أولاً: المراجع النظرية الأساسية

1. كارل ماركس (Karl Marx)

· كتاب "رأس المال" (Das Kapital) - المجلد الأول، الصادر عام 1867
· نظرية فائض القيمة - التي تشكل العمود الفقري للتحليل الاقتصادي في هذا الكتيب
· مفهوم الاغتراب (Entfremdung) - في مخطوطات ماركس المبكرة (1844)

حول ماركس فائض القيمة إلى مفهوم مركزي في نقد الاقتصاد السياسي، ميزّ فيه بين "فائض القيمة المطلق" (بمد يوم العمل) و"فائض القيمة النسبي" (بزيادة الإنتاجية). وقد أشار الكتيب إلى أن ماركس لم يعرف نظرية المركز والمحيط، وهي مقاربة صحيحة تاريخياً لأن العالم الذي عاش فيه ماركس كان أقل تشابكاً من حيث العلاقات الاقتصادية الدولية .

2. سمير أمين (Samir Amin) - 1931-2018

· "التراكم على المستوى العالمي" (L accumulation à l échelle mondiale) - 1970 (أطروحة دكتوراه عام 1957)
· "تطور الرأسمالية والتبادل غير المتكافئ"
· "الفيروس الليبرالي، الحرب الدائمة وأمركة العالم" - 2003
· "المركزية الأوروبية" (L eurocentrisme) - 1988

سمير أمين، المفكر والاقتصادي المصري، هو الركيزة الأساسية لهذا الكتيب. وُلد في القاهرة عام 1931 لأب مصري وأم فرنسية، ودرس في باريس حيث حصل على الدكتوراه في الاقتصاد. يُعتبر من أهم مؤسسي نظرية التبعية ومن أوائل من صاغ مصطلح "المركزية الأوروبية". كان أمين ماركسياً متمرداً على الماركسية السوفييتية، ودعا دول "المحيط" إلى "فك الارتباط" بالاقتصاد العالمي الرأسمالي .

في هذا الكتيب، اعتمدنا بشكل خاص على مفهوم أمين للقومية كتعبير عن الإرادة الجماعية لا عن الشعارات الدينية، وتحليله لإيران كحالة قومية بامتياز، ونقده للأنظمة الخليجية ككيانات تابعة تفتقر إلى الأساس المجتمعي .

3. أندريه غوندر فرانك (André Gunder Frank) - 1929-2005

· "الرأسمالية والتخلف في أمريكا اللاتينية" - 1968
· "التراكم العالمي 1500-1800" - 1977
· "نمو التخلف: أمريكا اللاتينية" - 1970

فرانك، المؤرخ وعالم الاقتصاد والاجتماع الأمريكي من أصل ألماني، أحد مؤسسي نظرية التبعية. كان تلميذاً لميلتون فريدمان في جامعة شيكاغو قبل أن ينقلب على أفكار أستاذه. اشتهر بمقولة إن "تخلف المحيط ليس مرحلة سابقة على التطور، بل هو نتاج التطور نفسه" .

4. راؤول بربيش (Raúl Prebisch) - 1901-1986

· "المشكلة الفنية للتضخم في أمريكا اللاتينية" - 1951
· تقارير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية (ECLAC)

الاقتصادي الأرجنتيني الذي كان أول من صك مصطلح "شروط التجارة غير المتكافئة" (deterioration of terms of trade)، محذراً من أن الدول المنتجة للمواد الأولية تخسر باستمرار أمام الدول المنتجة للسلع المصنعة. عمله كان الأساس الذي بنى عليه فرانك وأمين نظرية التبعية .

5. روي ماورو ماريني (Ruy Mauro Marini) - 1932-1997

· "ديالكتيك التبعية" (Dialéctica de la Dependencia) - 1973

منظر برازيلي رائد في نظرية التبعية، طبق قانون القيمة الماركسي على العلاقات الدولية، وطور مفهوم "الاستغلال الفائق" (super-exploitation) كآلية يعوض بها رأسماليو المحيط خسائرهم الناجمة عن التبادل غير المتكافئ .

6. إيمانويل والرشتاين (Immanuel Wallerstein) - 1930-2019

· "النظام العالمي الحديث" (The Modern World-System) - 1974-2011

عالم الاجتماع الأمريكي الذي طوّر نظرية المنظومات العالمية، ميز فيها بين ثلاثة أقطاب: المركز، وشبه الهامش، والهامش. تأثر بشكل كبير بسمير أمين وأندريه غوندر فرانك .



ثانياً: المراجع التاريخية والسياقية

1. التجربة اليوغوسلافية في التسيير الذاتي

· قانون "إدارة المصانع من قبل العمال" (Workers Self-Management) - 1950
· دستور يوغوسلافيا الاشتراكية - 1974 (الذي كرس مفهوم "الملكية الاجتماعية")
· إدوارد كاردليج - "تطور النظام الاشتراكي في يوغوسلافيا"

2. الناتو وحرب كوسوفو - 1999

· قرار الناتو رقم 78 حول التدخل في يوغوسلافيا
· نعوم تشومسكي - "الحقوق الجديدة ضد الديمقراطية" (تحليله لأسباب استهداف يوغوسلافيا)

3. الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية الخادمة للإمبريالية

· تحليلات تاريخية لحركة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا والأردن
· كتابات حول تحول بعض التيارات الإسلامية إلى أدوات إقليمية

4. الصراع العربي - الإسرائيلي من منظور اقتصادي

· بنك ليئومي (Bank Leumi) - تأسس عام 1902، أحد أكبر البنوك الإسرائيلية
· تحليلات اقتصادية لعلاقات التبادل بين إسرائيل والدول العربية (مصادر غير منشورة)



ثالثاً: مصطلحات نظرية تم توثيقها في الكتيب

المصطلح المرجع النظري افي الكتيب
فائض القيمة كارل ماركس الباب الأول
التسيير الذاتي التجربة اليوغوسلافية الباب الثاني
نظرية المركز والمحيط سمير أمين، فرانك، بربيش الباب الثالث
الاغتراب ماركس (مخطوطات 1844) الصفحات 6-7
نظرية التبعية سمير أمين، ماريني الصفحات 11-13
التبادل غير المتكافئ بربيش، إيمانويل الصفحة 14
الاستغلال الفائق روي ماورو ماريني الصفحة 19
القومية كتعبير تاريخي سمير أمين الباب الخامس
فك الارتباط (Delinking) سمير أمين الصفحة 35



رابعاً: مراجع إضافية مقترحة للقراءة المتعمقة

لمن أراد التعمق في المفاهيم التي تناولها هذا الكتيب، نوصي بالآتي:

1. سمير أمين - "سيرة ذاتية فكرية" (Itinéraire intellectuel, 1990)
2. سمير أمين - "الأمة العربية" (1978)
3. أندريه غوندر فرانك - "الرأسمالية والتخلف في أمريكا اللاتينية" (1968)
4. كارل ماركس - "رأس المال" - ترجمة راشد البراوي
5. روي ماورو ماريني - "ديالكتيك التبعية" (الترجمة الإنكليزية 2022)
6. إيمانويل والرشتاين - "فهم العالم" (Understanding the World)



خامساً: تنبيه منهجي

الكتيبات التي تنتمي إلى هذا النوع من الأدب السياسي التحليلي غالباً ما تعتمد على مزيج من:

· المصادر الأكاديمية الموثقة (الكتب والمقالات المحكّمة)
· المصادر الصحفية والتقارير الدولية (لتوثيق الأحداث المعاصرة)
· التحليل الشخصي القائم على المعرفة التاريخية (وهو ما يشكل الجزء الأكبر من النص)

بعض الإشارات في هذا الكتيب - مثل تحويل الأموال إلى بنوك إسرائيلية، والآليات المعقدة لإعادة شفط الثروات - تستند إلى تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية تنتشر في الأدبيات النقدية ولكنها قد لا تكون موثقة في مصادر أكاديمية تقليدية. أُدرجت هذه الإشارات في إطار التحليل السياسي النقدي، لا بوصفها حقائق مثبتة في المراجع الأكاديمية التقليدية.


تم التوثيق في ختام الكتيب

"العلم نور، والتوثيق أمانة، والمراجع جسور بين العقول"



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
- كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
- دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
- دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
- تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
- سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
- دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع ...
- مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
- قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل ...
- دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و ...
- مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة ...
- دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية ...
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
- رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
- رواية قصيرة : المقام الأبدي
- كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي ...
- تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة ...
- سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف ...
- قصة قصيرة : العراف والملكان
- رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس


المزيد.....




- مهرجان كان: مركز السينما العربية يسلط الضوء على التحديات الت ...
- مهرجان كان: المخرج أصغر فرهادي يندد بقتل المدنيين في الحرب ع ...
- مهرجان كان السينمائي: جون ترافولتا يعود إلى الكروازيت مع فيل ...
- الجامعة العربية: الحفاظ على الثقافة العربية والإسلامية إحدى ...
- مهرجان كان السينمائي: ما هي التحديات التي تواجه صناعة السينم ...
- معرض الدوحة الدولي للكتاب يستقبل زواره بحضور أكثر من 520 دار ...
- بيان قائد الثورة الإسلامية بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بال ...
- ياسمين صبري تسرق الأضواء بـ3 إطلالات متميزة في مهرجان كان ال ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: تدمير المواقع التراثية يكشف نزعة ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: نتابع الإجراءات القانونية من أجل ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني