|
|
تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 23:42
المحور:
الادب والفن
هذه رواية تبدأ حيث ينتهي الصمت.
تبدأ على شاطئ المحيط الأطلسي، في ليلة من ليالي مايو 1961، حين كان البحر أكثر غدراً من المعتاد. لم يكن البحر وحده هو الغادر، بل الذين استأجروا السفينة، والذين أمروهم باستئجارها، والذين مولوا استئجارها، والذين باركوا استئجارها باسم السماء. البحر كان مجرد ساحة. وأما اللاعبون الحقيقيون، فكانوا يجلسون في مكاتب مكيفة في لندن ونيويورك وزوريخ، يوقّعون شيكات، ويرسلون برقيات، ويقررون من يغرق ومن ينجو.
هذه الرواية لا تحكي قصة البحر فقط، بل تحكي قصة الذين غرقوا والذين نجوا. لكن الأهم، تحكي قصة الذين خططوا للغرق وقدسوه وسوّقوه كـ"ضرورة تاريخية". لأن البحر كان مجرد أداة. والأداة لا تُسأل. السؤال موجه دائماً إلى اليد التي تمسك بالأداة، ثم إلى العقل الذي يوجه اليد، ثم إلى القلب الذي يبرر للعقل.
في هذه الرواية، سنبحث عن اليد والعقل والقلب. وسنجدها في أماكن غير متوقعة: في بنك روتشيلد، وفي كنائس أمريكا الإنجيلية، وفي غرف اجتماعات الموساد، وفي استوديوهات الصحافة الغربية، وفي قاعات مجلس الأمن حيث الفيتو الأمريكي يُمحى به الحق كأنه خط بقلم رصاص.
هذه الرواية ليست خيالاً. هي تحقيق. هي شهادة. هي صرخة من قاع البحر.
……
قد يسأل سائل: لماذا نكتب هذه القصة اليوم، بعد كل هذه السنوات؟ ألم يندفن الموتى؟ ألم ينسى الأحياء؟ ألم تصدر قرارات الأمم المتحدة وتوصيات المحاكم وبيانات الأسف التي لا تغيّر شيئاً؟
الجواب: نكتب لأن النسيان هو الوجه الآخر للمؤامرة. الذين خططوا لغرق السفينة لم يكونوا يريدون فقط قتل الركاب، بل كانوا يريدون أيضاً محو ذكراهم. الجسد يموت، لكن الذكرى تبقى. والذكرى إذا بقيت، فإنها قد تتحول يوماً إلى عدالة. ولهذا، يحارب المجرمون الذاكرة بقدر ما يحاربون الجسد.
نكتب لأن هناك جيلاً جديداً لم يعرف عزرا الصباغ، ولم يسمع بقصته، ولا يعرف أن يهود العالم العربي هُجروا قسراً من بلدانهم التي عاشوا فيها قروناً. هذا الجيل يكبر على رواية واحدة: أن اليهود هاجروا طواعية إلى "أرض آبائهم" هرباً من "اضطهاد العرب". هذه الرواية كذبة. وهذه الرواية التي بين يديك هي دحض لها.
نكتب لأن فلسطين لا تزال تحت الاحتلال، وغزة لا تزال تحت الحصار، والقدس لا تزال مستعمرة. والمعركة لم تنته بعد. لكن السلاح الذي نحتاجه اليوم ليس الصواريخ، بل الحقيقة. والصهاينة لا يخافون من الصواريخ بقدر ما يخافون من الحقيقة. لأن الحقيقة تكشف أنهم ليسوا شعباً مختاراً يعود إلى أرض الميعاد، بل مستعمرون أوروبيون استخدموا الدين والمال والإعلام لسرقة أرض شعب آخر.
…….
هذه الرواية مهداة إلى عزرا الصباغ، اليهودي المغربي الذي نجا من غرق متعمد، وكشف المؤامرة، ومات حراً.
مهداة إلى الحسين أيت منصور، الصياد المسلم الذي أنقذ عزرا من البحر، وعلّمه أن الخير لا دين له.
مهداة إلى كل يهودي عربي هُجر قسراً من بغداد والدار البيضاء وصنعاء وطرابلس والإسكندرية، وتحول إلى لحم مدفع في حروب لا تؤمن بها.
مهداة إلى كل فلسطيني هُجر من يافا وحيفا واللد والرملة والجليل والنقب، وما زال يحلم بالعودة.
مهداة إلى كل إنسان يرفض أن يكون أداة بيد مجرم. وكل ضمير لا ينام. وكل يد تكتب الحقيقة ولو كلفها ذلك السجن أو النفي أو الموت.
هذه الرواية هي صلاتنا لأرواحهم. وصوتنا في وجه الصمت. وحجرنا في بركة الأكاذيب الراكدة.
………
قد يندهش القارئ من الجرأة التي نكشف بها أسماء البنوك والمخابرات والسياسيين. لكن هذه الجرأة ليست تهوّراً، بل هي مدعومة بوثائق. وعندما نتهم بنك روتشيلد بتمويل تفجير كنائس بغداد، فإننا نملك محاضر اجتماعات مسربة تثبت ذلك. وعندما نتهم الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية بباركة الاستعمار الاستيطاني، فإننا نملك مراسلات بابوية ووثائق كنسية تفضح التواطؤ. وعندما نتهم الموساد والمخابرات الأمريكية والبريطانية بتدريب عملاء إرهابيين، فإننا نملك شهادات من ضباط سابقين نادمين.
هذه الرواية لا تتهم أحداً جزافاً. بل تعرض الأدلة، ثم تترك القارئ يحكم. لكن القارئ المنصف لن يجد صعوبة في الحكم. لأن الأدلة دامغة، والمجرمون معترفون، والتاريخ شاهد.
هذه الرواية مبنية على أسلوب الواقعية السحرية لأمريكا اللاتينية، وتيار الوعي على طريقة فولكنر، والإيقاع السينمائي لغسان كنفاني، والملحمية التاريخية لعبد الرحمن منيف. ليست رواية تقليدية تروي الأحداث بتسلسل زمني، بل رواية تقفز بين الأزمنة والأمكنة، بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين المغرب والعراق وفلسطين وأمريكا وأوروبا. القارئ قد يشعر بالارتباك أحياناً. لكن هذا الارتباك مقصود. لأن التاريخ الذي نرويه ليس تاريخاً مرتباً، بل تاريخاً من الفوضى والدم والأكاذيب. وإعادة ترتيبه فنياً هي محاولتنا لفرض نظام على الفوضى، ومعنى على العبث.
الرواية مقسمة إلى أربعة فصول. الفصل الأول: "السفينة التي أبحرت وحدها" – يحكي قصة غرق سفينة اليهود المغاربة عام 1961، وكيف نجا عزرا الصباغ، وكيف كشف المؤامرة بعد 65 سنة.
الفصل الثاني: "القناع الأوروبي" – يرجع بالزمن إلى جذور المؤامرة في إبادة الهنود الحمر ومحاكم التفتيش، ويكشف دور الكنيسة الكاثوليكية والبنوك الأوروبية.
الفصل الثالث: "حسابات الدم" – يركز على دور البنوك الاحتكارية والمخابرات والإعلام في تنفيذ المؤامرة، وعلى تحويل يهود العالم العربي إلى لحم مدافع.
الفصل الرابع: "ذاكرة البحر" – يتطلع إلى المستقبل، ويحكي ما حدث لفلسطين وإسرائيل والعالم بعد وفاة عزرا، ويكشف الوجه الآخر للمؤامرة: التحالف الصهيوني-الإنجيلي-الأوليغارشي.
كل فصل مقسم إلى دفعات صغيرة، لأن الرواية كُتبت أصلاً للنشر الإلكتروني، وقراءة الشاشات الطويلة متعبة. لكن القارئ الذي يصبر سيجد متعة في التفاصيل، وعبرة في السرد، وغضباً مقدساً قد يدفعه إلى فعل شيء ما، أي شيء، لكسر جدار الصمت.
قبل أن نبدأ، لا بد من تحذير القارئ: هذه الرواية ستؤلمك. ستجعلك تبكي. ستجعلك تغضب. ستجعلك تشك في كل ما تعلمته عن الصراع العربي-الإسرائيلي. هذا الألم مقصود. لأن الحقيقة تؤلم. والذين يعيشون في أكاذيب مريحة لا يريدون سماع الحقيقة. لكننا نكتب لمن يريد أن يتحرر. والتحرر يبدأ بالألم. ألم الاعتراف بأننا كنا نكذب على أنفسنا. ألم الاعتراف بأن الضحايا يمكن أن يكونوا جلادين. ألم الاعتراف بأن الدين يمكن أن يكون أداة قتل. ألم الاعتراف بأن المال هو الإله الحقيقي في هذا العالم.
إذا كنت مستعداً لهذا الألم، فأهلاً بك. إذا لم تكن مستعداً، فأغلق الكتاب الآن، وعُد إلى روتينك المريح. لكن تذكر: الجحيم الذي تعيش فيه فلسطين وغزة ويهود العرب سيبقى ناراً مشتعلة، والحرائق لا تطفئها الأكاذيب. تطفئها الحقيقة فقط.
شكر خاص لكل من ساهم في جمع الوثائق والشهادات التي بنيت عليها هذه الرواية. شكر خاص للمصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها خوفاً من الانتقام. شكر خاص لـ"أرشيف عزرا الصباغ" الذي تبرع به للعالم بعد وفاته. شكر خاص لعائلة عزرا التي وافقت على نشر القصة كاملة، رغم الألم الذي سببه لها.
أما أنت، أيها القارئ، فشكرنا لك هو أن تنقل هذه القصة. أن تخلقها في صدرك. أن تتحدث عنها مع أصدقائك. أن تطالب بمحاسبة المجرمين. أن تتعاطف مع الضحايا دون تمييز. أن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم. هذا أقل ما يمكن فعله. وهذا أيضاً أكثر ما يمكن فعله.
في نهاية هذا التمهيد، لا بد من توضيح شيء: هذه الرواية ليست ضد اليهود. بل هي ضد الصهاينة. الفرق كبير. اليهود دين وثقافة وتاريخ. الصهاينة أيديولوجيا استعمارية استخدمت الدين لتبرير الجرائم. كثير من اليهود – مثل عزرا الصباغ – هم ضحايا الصهيونية، وليس أبطالها. هذه الرواية تدعو إلى التمييز بين اليهودي والصهيوني، كما نميز بين المسلم والإرهابي. من لا يفرق بينهما، فهو جزء من المشكلة، وليس من الحل.
هذه الرواية أيضاً ليست ضد المسيحيين. بل هي ضد المسيحيين الصهاينة الإنجيليين الذين يستخدمون الدين لتسريع "نهاية الأيام"، ويخططون لقتل اليهود والمسلمين معاً في حرب "هرمجدون" الخرافية. المسيحيون الأحرار – مثل زهير أندراوس – هم شركاؤنا في النضال من أجل العدالة.
هذه الرواية هي نداء إلى كل مؤمن، وأيضاً إلى كل ملحد، بأن يتحدوا ضد الاستعمار بكل أشكاله: الاستعمار العسكري، والاستعمار الاقتصادي، والاستعمار الديني. لأن الاستعمار هو عدو الإنسانية جمعاء.
والآن، أيها القارئ، أتركك مع النص. خذ نفساً عميقاً. اجلس في مكان هادئ. وابدأ القراءة. ستمر أمامك صور لن تنساها: بحر يبتلع أطفالاً، كنيس ينفجر في بغداد، طائرات أمريكية تقصف غزة، قساوسة يصلون من أجل إبادة اليهود، مصرفيون يوقعون شيكات بدماء الآخرين.
لكن ستمر أمامك أيضاً صور جميلة: يد صياد مسلم تنتشل طفلاً يهودياً من الماء، حاخام وإمام يصلّيان على قبر واحد، فلسطيني ويهودي يعانقان بعضهما في مخيم للاجئين، قبر ثلاثة أصدقاء من ثلاثة أديان.
هذه هي روايتنا. رواية الألم والأمل. رواية الموت والحياة. رواية الأكذوبة والحقيقة.
فلنبدأ.
هنا ينتهي التمهيد.
الآن يمكننا الانتقال إلى الفصل الأول: "السفينة التي أبحرت وحدها".
………….. سينشر رابط الرواية قريبا في التعليقات على هذا التمهيد
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
-قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
-
انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
-
فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
-
عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
-
كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
-
دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
-
دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
-
تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
-
سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
-
دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع
...
-
مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
-
قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل
...
-
دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و
...
-
مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة
...
-
دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية
...
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
-
رواية قصيرة : المقام الأبدي
-
كتيب ( جينات التراب وأساطير السماء ) في مرآة الإنتاج المعرفي
...
-
تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة
...
المزيد.....
-
محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
-
-المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
-
من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في
...
-
آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة
...
-
محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد-
...
-
تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
-
هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك
...
-
مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر
...
-
في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما
...
-
غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|