|
|
قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 15:57
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الهزيمة التي تُخفيها واشنطن: قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
مقدمة: عندما يغيّر الصيف خريطة القوى
ليس كلّ ما يعلن في النشرات الإخبارية هو الحقيقة، وليس كلّ ما تهمس به المصادر العليمة في واشنطن وتل أبيب هو السرّ المدوّن في دفاتر التاريخ. نحن، منذ أسابيع، على موعد مع واحدة من أكثر الحروب غموضاً في العصر الحديث: حرب لم تُعلن رسمياً، لكنّ أنفاسها تتصاعد من مفاعل فوردو تحت الأرض، ومن صواريخ إيرانية مخبّأة في قلب الجبال، ومن قنابل أمريكية تنهمر على أهداف في الصحراء، دون أن تُحدث هزيمة أو نصراً حاسماً.
بين شهري فبراير ومايو من عام 2026، دارت معركة استراتيجية لم يشهد العالم مثلها منذ حرب الخليج الأولى. لكنّ الفارق هذه المرة أن اللاعبين تغيّروا، وأن قواعد اللعبة انقلبت رأساً على عقب. ففي تلك الأسابيع السبعة والثلاثين من القصف الجوي المتواصل الذي شنّته القوات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، لم تسقط طهران، ولم ينهار النظام، بل خرجت إيران من الضربات أكثر صلابة في داخلها، وأكثر قدرة على تهديد مضيق هرمز، وأكثر جرأة في إعادة بناء قدراتها الصاروخية تحت الأرض.
وهنا يكمن السؤال الذي لم تُجب عنه أيّ نشرة أخبار: كيف يمكن لقوة عظمى أن تقصف دولة لأكثر من شهر، وتدمّر أجزاء واسعة من بنيتها العسكرية، وتقتل معظم قياداتها، ثم تخرج من المعركة منهزمة استراتيجياً، غير قادرة على فرض إرادتها، مضطرّة للبحث عن مخرج عبر التفاوض أو الاستسلام الصامت؟
هذا هو الخبر الذي لم يُكتب بعد. وهذا هو التحقيق الذي بين يديك.
1. حرب الأربعين يوماً التي لم تنتهِ
1.1 معادلة النصر المستحيل
لنبدأ من حيث انتهى التحليل العسكري: في صباح 12 مايو 2026، نشر الأكاديمي الأمريكي البارز روبرت كاجان مقالاً في مجلة ذا أتلنتيك هزّ أركان المؤسسة الدفاعية في واشنطن. لم يقل كاجان إن أمريكا خسرت الحرب؛ بل قال ما هو أفظع: إن أمريكا تواجه هزيمة استراتيجية حاسمة وغير قابلة للإصلاح. وبحساب الأيام، كانت تلك الهزيمة قد تحققّت بعد سبعة وثلاثين يوماً من القصف المتواصل.
ما معنى هزيمة استراتيجية في زمن الصواريخ والمسيّرات؟ إنها أن تدمر قواتك العدوّ في الميدان، ولكنك تجد نفسك مضطراً للانسحاب لأن تكاليف البقاء تفوق أي مكسب يمكن تحقيقه. هذا بالضبط ما حدث: فالقصف الأمريكي الإسرائيلي دمّر المفاعلات السطحية في نطنز وفوردو، وفجّر مستودعات الصواريخ الباليستية في الغرب الإيراني، وأردى قادة "فيلق القدس" ومن يدور في فلكهم. لكنّ النظام في طهران لم ينهار. لم يخرج المتظاهرون إلى الشوارع. بل على العكس، أعلن المرشد الأعلى علي خامنئي، في خطاب متلفز بعد ثلاثة أيام من بدء القصف، أن "النصر القادم هو حليفنا".
هذا الصمود الإيراني لم يكن مجرد تحدٍّ أخلاقي أو سياسي. بل كان نتاجاً لحسابات عسكرية دقيقة: لطالما بنت إيران عقيدتها الدفاعية على فكرة "الحرب غير المتكافئة"، أي أنها لا تسعى لمواجهة القوات الأمريكية في معركة مفتوحة، بل تستنزفها عبر حرب استنزاف طويلة، باستخدام صواريخها المخبّأة تحت الأرض، ومسيّراتها منخفضة التكلفة، ووكلائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
1.2 يوم قصف فوردو... وما بعده
لنأخذ حادثة محددة: في 25 أبريل 2026، وجّهت القوات الجوية الإسرائيلية ضربة دقيقة إلى مفاعل فوردو النووي، المدفون تحت جبل في محافظة قم. أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي (الافتراضي) في بيان أن "القدرات النووية الإيرانية شُلّت لسنوات". لكن بعد أسبوع واحد فقط، كشفت صور الأقمار الاصطناعية أن فرقاً إيرانية بدأت حفر أنفاق جديدة على عمق يصل إلى مئة متر، لنقل أجهزة الطرد المركزي المتطورة إلى هناك. والأهم من ذلك، أن إيران أعلنت رسمياً أنها ستنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، وستبدأ تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، أي درجة صنع القنبلة.
هكذا تحول الهجوم العسكري إلى حافز لتسريع ما كان يهدف إلى منعه. هذه هي هزيمة النوايا الحسنة في زمن الحرب.
2.العقيدتان المتضاربتان ـ أميركا القوة العظمى وإيران دولة المقاومة
2.1 وهم المركز والأطراف: قراءة في نظرية سمير أمين
قبل أن نكمل سرد وقائع الحرب، لا بد من التوقف أمام الإطار النظري الذي يفسر هذا التناقض الصارخ بين القوة العسكرية والنتيجة الاستراتيجية. هنا تبرز أهمية المفكر المصري الراحل سمير أمين، أحد أبرز منظري "نظرية التبعية" و"المركز والأطراف".
يرى أمين أن النظام الرأسمالي العالمي ليس مجرد مجموعة دول متبادلة المصالح، بل هو هرم هيكلي قسري: مركز رأسمالي غني (الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا واليابان)، وأطراف فقيرة (دول الجنوب، ومن بينها إيران)، وشبه أطراف (مثل الصين والهند). ويعتقد أمين أن علاقة المركز بالأطراف هي علاقة تبعية بنيوية، لا يمكن لأطراف أن تخرج منها عبر التنمية الرأسمالية التقليدية، لأن المركز يضخ فائض القيمة من الأطراف إلى نفسه عبر آليات التبادل غير المتكافئ، والديون، والسيطرة على التكنولوجيا.
لكن ماذا يحدث عندما تقرر إحدى دول الأطراف أن تقاوم هذه التبعية ليس بالتنمية الاقتصادية فقط، بل بالسلاح والقدرة على تهديد أمن المركز نفسه؟ هذا هو "الشذوذ الإيراني" في نظرية أمين. فإيران ليست مجرد دولة طرفية، بل هي دولة مارقة على النظام الرأسمالي من زاويتين: أولاً، من خلال نظامها السياسي القائم على "ولاية الفقيه"، الذي لا يندرج ضمن ديمقراطيات المركز ولا ضمن ديكتاتوريات الأطراف التقليدية. وثانياً، من خلال قدرتها على إنتاج تقنيات عسكرية متطورة (صاروخية ونووية) رغم الحصار والعقوبات، مما يمكّنها من ضرب البنى التحتية الحيوية للمركز في الخليج.
لو كان سمير أمين حياً اليوم، لقال لنا إن ما يحدث ليس مجرد حرب أمريكية إيرانية، بل هو "انتفاضة الأطراف" على هيمنة المركز، وأن الأهم ليس من سيربح المعركة، بل كيف ستعيد هذه الحرب تشكيل النظام العالمي. فإذا كانت أمريكا عاجزة عن إخضاع إيران بعد سبعة وثلاثين يوماً من القصف، فماذا يعني ذلك بالنسبة للصين التي تراقب من بعيد؟ وماذا يعني بالنسبة لروسيا التي تعيد بناء نفوذها في أوكرانيا والقوقاز؟
2.2 قراءة صينية في الأفق: من هو جيانغ شيويه تشين؟
بعيداً عن الغرب، وفي جامعة صينية غير معروفة عالمياً، كان أستاذ العلوم السياسية جيانغ شيويه تشين يتابع الأحداث بمنهجية مختلفة. هذا الأستاذ، الذي أطلق عليه المتابعون لقب "نوستراداموس الصين"، بنى سمعته على ثلاث توقعات أطلقها في عام 2024، حين كان العالم لا يزال يراهن على فوز كامالا هاريس:
1. فوز ترامب بولاية ثانية. 2. اندلاع حرب أمريكية إسرائيلية على إيران. 3. هزيمة الولايات المتحدة في هذه الحرب.
في فيديوهاته على يوتيوب باللغة العربية، يشرح جيانغ منهجيته التي يسميها "التاريخ التنبؤي" (Predictive History)، وهي تعتمد على تحليل الدورات الطولية للقوى العظمى. يرى جيانغ أن أمريكا دخلت مرحلة الانهيار النسبي منذ غزو أفغانستان والعراق، وأن "فخ الاستنزاف" هو المصير المحتوم لأي قوة تغامر بالدخول إلى غرب آسيا. ويضرب مثلاً بقاعدة "عين الأسد" في الأنبار، التي تعرضت لقصف إيراني صاروخي دقيق في يناير 2020، مما أظهر هشاشة التحصينات الأمريكية أمام صواريخ لا تتجاوز تكلفة الواحد منها 100 ألف دولار.
أما بالنسبة لخبرنا الذي نتناوله، فجيانغ يرفض جملة وتفصيلاً فكرة أن 37 يوماً من القصف الجوي يمكن أن تحقق نصراً لأمريكا. ويقول في أحدث فيديوهاته: "من يظن أن إيران تسقط بالقصف فهو لا يفهم كيف تبنى الدول المقاومة. إيران هي قلعة طبيعية، جبالها وصحارها وجنرال الصيف فيها أقوى من أي أسطول أمريكي".
3. النفط بين السعر الورقي وسعر الظل
3.1 فضيحة الأرقام: لماذا لا نرى الأسعار الحقيقية؟
لو فتحت أي موقع اقتصادي اليوم، لقرأت أن سعر خام برنت يتراوح بين 109 و111 دولاراً للبرميل. وهذا صحيح... ولكن في سوق العقود الآجلة فقط. إنه سعر "الورق"، وليس سعر "الجسد". فهناك سوق موازٍ لا يُعلن عنه، يديره سماسرة ووسطاء في دبي وعمان وجنيف، حيث يُباع النفط الإيراني الحقيقي، الذي لا تستطيع المصافي الأوروبية والآسيوية استلامه بسبب العقوبات أو الحصار البحري، بأسعار تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل.
كيف يحدث هذا؟ ببساطة لأن هناك 72 ناقلة نفط إيرانية محتجزة في مياه الخليج، يحمل بعضها 42 مليون برميل لا تجد طريقاً إلى الأسواق الغربية. في المقابل، تلجأ المصافي في الصين والهند إلى شراء هذا النفط عبر "أسطول الظل" (Shadow Fleet) من ناقلات ترفع أعلاماً فضفاضة (بنما، توغو، جزر مارشال) مقابل علاوة مخاطر تصل إلى 80% فوق السعر الرسمي.
هذا الانقسام في سوق النفط هو ما يفسر لماذا لم تصل الأسعار إلى 150 دولاراً في النشرات الرسمية، ولكنها وصلت فعلياً في التعاملات الحقيقية. والأخطر أن هذا الانقسام يُنذر بتضخم عالمي خفي، يظهر في فواتير استيراد الطاقة للدول الفقيرة، دون أن يظهر في مؤشرات أسعار السلع الرئيسية.
3.2 معضلة مضيق هرمز: سيف إيران المسلول على عنق الاقتصاد العالمي
منذ اليوم الثالث للحرب، أعلنت إيران أنها ستفرض سيادتها الكاملة على مضيق هرمز. لم تقل إنها ستغلقه، بل قالت إنها ستنظم حركة الملاحة فيه. هذا التعبير الدبلوماسي يعني في الواقع أن أي ناقلة تريد العبور يجب أن تحصل على تصريح من طهران، وتدفع رسوماً جمركية، وتقبل بمرافقة زوارق إيرانية مسلحة. وهذا أشبه بتحويل المضيق من مياه دولية إلى بحر إقليمي إيراني بحكم الأمر الواقع.
النتائج لم تتأخر: ففي الأسبوع الأول من مايو 2026، خفضت شركات التأمين البحري تغطيتها للناقلات التي تعبر هرمز بنسبة 70%، مما دفع تكلفة التأمين على الشحنة الواحدة من 500 ألف دولار إلى 4 ملايين دولار. وهذا يعني أن ثمن النفط يزداد قبل أن يصل إلى المصافي، لأن الناقل يتحمل الخطر.
والأدهى من ذلك أن هذا الإجراء الإيراني لا يتطلب إغراق سفينة أمريكية واحدة؛ كل ما تحتاجه هو أن تشعر شركات النقل والتأمين بأن المخاطر أكبر من الأرباح. هنا تتحقق هزيمة أمريكا: ليس على جبهة الصواريخ، بل على جبهة الثقة. فمنذ انسحابها من أفغانستان في 2021، باتت "الموثوقية الأمريكية" موضع شك. وإذا استمرت الحرب، ولم تتمكن واشنطن من ضمان عبور الناقلات بأمان، فإن شركات النقل ستعيد توجيه أسطولها إلى رأس الرجاء الصالح، مما يرفع تكلفة الشحن إلى أضعافها ويُطيل زمن التسليم.
4.جنرال الصيف... حين تصبح الجغرافيا سلاحاً
4.1 الحرارة التي تذيب الدبابات
في السادس من مايو 2026، وصلت درجات الحرارة في ميناء الفاو العراقي (قرب الحدود الإيرانية) إلى 52 درجة مئوية في الظل. في الدبابة الأمريكية "أبرامز"، تصل الحرارة في الداخل إلى 80 درجة مئوية. هذا يعني أن الطاقم لا يستطيع البقاء داخلها لأكثر من ساعة دون تهوية مكثفة، والتهوية تحتاج إلى وقود، والوقود يحتاج إلى خطوط إمداد، وخطوط الإمداد معرضة لصواريخ "تور" و"كورنت" الإيرانية.
هذا هو "جنرال الحرارة" الذي يتحدث عنه الأستاذ جيانغ. إنه ليس مجرد عامل طبيعي، بل هو حليف استراتيجي لإيران، لأن الجيش الأمريكي صُمم لخوض حروب في أوروبا والغابات الكورية، وليس في صحراء الخليج في عز الصيف. والواقع أن الجيش الأمريكي نفسه يعترف بذلك: ففي تقرير غير معلن أصدرته القيادة المركزية (CENTCOM) في مارس 2026، حذر الخبراء من أن "النافذة المناسبة للعمليات البرية الموسعة في إيران تغلق في نهاية مايو، ولا تفتح مرة أخرى إلا في أواخر أكتوبر".
وهنا تكمن المفارقة: ترامب الذي هدد بـ"نار وغضب لم يرها العالم" يجد نفسه الآن أمام خيارين: إما شن هجوم بري في حرارة الصيف (وهو انتحار عسكري)، أو الانتظار حتى الخريف (وهو انتظار يعني استمرار الاستنزاف الجوي وارتفاع التضخم). وكما قال محمد مرندي، أستاذ جامعة طهران، في مقابلة مع قناة تلفزيونية: "ترامب فاتته اللحظة المناسبة. الآن الحرارة ستحارب إلى جانبنا".
4.2 تجربة فيتنام وأفغانستان: الجنرالات المجهولون
في التاريخ العسكري الأمريكي، هناك جنرالات لا يحملون رتباً عسكرية، لكنهم حاسمو المعارك: جنرال الوحل في فيتنام، الذي جعل الدبابات الأمريكية عاجزة عن الحركة في الغابات الاستوائية. وجنرال الثلج في كوريا، الذي جمد جنود مارينز في "خزان جوسان". واليوم، جنرال الحر الإيراني يكمل المسيرة.
لكن الفارق هذه المرة هو أن إيران لا تحتاج إلى جيش نظامي ضخم لمواجهة أمريكا في البر؛ كل ما تحتاجه هو شبكة من الأنفاق تحت الجبال، تشبه ما استخدمه "فيت كونغ" في فيتنام، لكن بتقنية حديثة. ففي محافظة كرمان جنوب شرق إيران، توجد منشآت تحت الأرض تمتد لأكثر من 500 كيلومتر، تحوي صواريخ "سجيل" و"قدر" القادرة على ضرب إسرائيل وقواعد أمريكا في قطر والإمارات. هذه المنشآت منيعة ضد القصف الجوي، لأن القنبلة التي تخترق 60 متراً من الخرسانة تكون قد أنفقت طاقتها قبل أن تصل إلى العمق الحقيقي للهدف.
ومن هنا، فإن أي هجوم بري أمريكي سيواجه نفس المصير الذي واجهه هتلر ونابليون في روسيا: ليس بالضرورة الثلج، بل "التضاريس التي تبتلع الجيوش". فإيران، مثل روسيا، دولة ذات عمق استراتيجي وجبال وعرة، والقوة المهاجمة ستجد نفسها مضطرّة لتأمين خطوط إمداد طويلة، وفي كل كيلومتر كمين أو صاروخ موجه.
5.القنبلة القادمة... والركود الذي يخنق واشنطن
5.1 عشرون قنبلة في أسابيع: هل هذا ممكن؟
في 15 مايو 2026، نشر معهد "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD) المقرب من البنتاجون تقريراً أثار الذعر في أروقة صنع القرار. جاء فيه: "قُدرت قدرة إيران على التخصيب السريع بأنها قد تمكنها من جمع كافية من اليورانيوم عالي التخصيب (90%) لصنع ما بين 15 و20 رأساً نووياً خلال فترة من 6 إلى 9 أشهر". لكن مصادر استخباراتية إسرائيلية ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث قالت لقناة "كان" العبرية إنه "إذا قررت إيران الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار والبدء فوراً في التخصيب بنسبة 90%، فربما يكون لديها أول قنبلة بدائية خلال 4 إلى 6 أسابيع فقط".
السيناريو المرعب هو التالي: بعد فشل القصف الجوي في إيقاف البرنامج، وإعلان إيران انسحابها من NPT، وطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا شيء يمنعها من التوجه نحو الترسانة النووية. والأدهى أن إيران لا تحتاج إلى اختبار تفجيري (لأنها تستطيع الاستفادة من تجارب كوريا الشمالية السرية)، وكل ما تحتاجه هو تصميم أولي ونظام صاروخي قادر على حمل الرأس النووي، وهو ما تمتلكه بالفعل عبر صاروخ "خرمشهر-4" الذي يصل مداه إلى 2000 كيلومتر.
أمام هذا التهديد، تزداد حدة الانقسام في واشنطن: فريق يرى ضرورة توجيه ضربة استباقية شاملة تشمل القيادة النووية الإيرانية، وفريق يرى أن أي ضربة من هذا القبيل ستؤدي إلى حرب إقليمية شاملة وتشتيت القدرات الأمريكية في أوروبا وآسيا. ووسط هذا الجدل، يمر الوقت.
5.2 الركود القادم: 2008 يتكرر بوجه أسوأ
من المفارقات العجيبة أن حرب أوكرانيا في 2022-2024 أثبتت أن العقوبات الاقتصادية لا تردع الدول الكبرى (روسيا استمرت في بيع النفط إلى الهند والصين). لكن ما لم يختبر بعد هو تأثير حصار متكامل على ممرات الطاقة يرفع الأسعار إلى 200 دولار للبرميل. هذا السعر، إذا استمر لثلاثة أشهر، سيعيد إلى الواجهة أزمة 2008، ولكن في ظل ديون عامة أمريكية تجاوزت 34 تريليون دولار، وأسعار فائدة مرتفعة أصلاً (بين 5.5% و5.75%).
يكفي أن نقول إن ارتفاع أسعار النفط من 70 إلى 150 دولاراً يضيف عبئاً سنوياً على الاقتصاد العالمي يزيد عن 3 تريليونات دولار (عبر زيادة تكاليف النقل والمواد الأولية). وهذا الرقم ليس مجرد رقم، بل هو استنزاف لمدخرات الطبقة الوسطى، وتآكل للقدرة الشرائية، وإغلاق لمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة في أوروبا وآسيا.
وفي هذا السياق، تبرز معضلة "الركود التضخمي": ارتفاع التضخم مع انكماش الناتج المحلي، وهو أكثر ما يخشاه مصرفيو الاحتياطي الفيدرالي. فرفع الفائدة لمكافحة التضخم سيؤدي إلى إفلاس شركات وزيادة البطالة، وخفض الفائدة سيُطلق العنان للتضخم. الخياران سيئان، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لأمريكا أن تتحمل ركوداً انتخابياً في عام التجديدات النصفية (2026) بينما جنودها يقاتلون في الخليج؟ الجواب الواقعي: لا.
6.العزلة الإسرائيلية والانهيار الخليجي الصامت
6.1 ماذا بقي من "القوة التي لا تُقهر"؟
إسرائيل دخلت الحرب كشريك أساسي في القصف، لكنها خرجت منها بأكبر الخسائر الاستراتيجية. ذلك أن صواريخ إيران المضادة للسفن، والمسيّرات الانتحارية التي أطلقتها من اليمن (الحوثيون) وسوريا، نجحت في فرض حصار بحري غير مباشر على ميناء إيلات في خليج العقبة. والسفن التجارية المتجهة إلى إسرائيل أصبحت تدفع أقساط تأمين تصل إلى 250% من قيمة البضائع، مما جعل استيراد المواد الغذائية والوقود لإسرائيل مكلفاً جداً.
لكن الأدهى من ذلك هو الضغط الدولي. ففي 10 مايو 2026، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية 142 دولة، قراراً يدين "العدوان الثلاثي" (أمريكا، إسرائيل، بريطانيا) على إيران، ويدعو إلى رفع الحصار فوراً. هذا القرار، وإن كان غير ملزم، يعكس عزلة غير مسبوقة لإسرائيل، حتى بين حلفائها التقليديين في أوروبا. ففرنسا وألمانيا، اللتان وقفتا مع إسرائيل في بداية الحرب، تراجعتا بعد أن ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي إلى خمسة أضعاف.
أما على الأرض، فحزب الله في لبنان لم يدخل الحرب بعد بشكل كامل، لانه يكتفي بالاستنزاف بمسيرات الألياف الضوئية والكمائن لكنه أرسل إشارات بأن صواريخه الدقيقة (أكثر من 150 ألف صاروخ) موجهة نحو مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي وقواعد سلاح الجو. هذه الرسالة تكفي لإبقاء جيش الاحتياط الإسرائيلي في حالة تأهب دائم، مع تكلفة يومية تقدر بـ 500 مليون دولار.
6.2 محميات الخليج: العصافير التي تنتظر مصيرها
ربما تكون الخسارة الأكثر إيلاماً لأمريكا هي ما يحدث في "محميات الخليج" (الإمارات، قطر، عمان، البحرين، الكويت، السعودية). فهذه الدول، التي كانت تعد حلفاء موثوقين، بدأت ترسل رسائل مزدوجة. ففي 14 مايو 2026، استقبلت مسقط (عمان) وزير الخارجية الإيراني في استقبال رسمي، ووقعت معه اتفاقية ملاحة عبر مضيق هرمز تعترف ضمنياً بـ"السيادة الإيرانية على المياه الإقليمية للمضيق". هذا إجراء كان حتى شهرين مضى يُعتبر خيانة لأمريكا، واليوم أصبح ضرورة للبقاء الاقتصادي.
أما الرياض وأبو ظبي، فلم تعلنا أي دعم عسكري لأمريكا في هذه الحرب، على عكس حرب الخليج 1991. بل على العكس، سربت مصادر في البنتاغون أن القواعد الأمريكية في قطر والإمارات أصبحت "رهائن" لدى إيران، لأن صواريخها القصيرة المدى يمكن أن تسويها بالأرض في أقل من ساعة. لذلك، طلبت الدول الخليجية من واشنطن عدم استخدام أراضيها لشن هجمات برية، واكتفت بتقديم تسهيلات لوجستية محدودة.
في المحصلة، يبدو أن "حلف الخليج" الذي بنته أمريكا على مدى أربعين عاماً يذوب في حرارة الحرب، تماماً كما تذوب الدبابات في صحراء حزيران.
7. قراءة في مستقبل ما بعد الحرب
7.1 ملامح العالم بعد أمريكا
قبل الختام، لا بد من العودة إلى سؤال سمير أمين: "هل النظام الرأسمالي قادر على تجديد نفسه بعد صدمة من هذا النوع؟" الإجابة، وفقاً لتطورات الأحداث، هي "لا" إذا استمرت الحرب أكثر من ستة أشهر، و"نعم بصعوبة" إذا انتهت خلال أسابيع قليلة بمفاوضات.
فالصين وروسيا تتربصان. بكين تراقب انشغال أمريكا في الخليج لتقرر ما إذا كانت ستشن هجوماً على تايوان. موسكو تختبر حدود الناتو في بحر البلطيق بعد أن رأت ضعف الرد الأمريكي في الشرق الأوسط. وحتى الاتحاد الأوروبي، الذي ظل تابعاً لواشنطن في كل الحروب السابقة، بدأ يهمس بأنه يجب أن يكون "قوة عظمى مستقلة".
المشهد الذي سيسجله التاريخ، ربما في العقد القادم، هو أن حرب الخليج الثالثة لم تكن مجرد فشل عسكري، بل كانت نقطة التحول التي أعلنت نهاية "القطب الواحد". وبعدها، سيكون العالم أشبه بأوروبا بعد صلح وستفاليا: لا إمبراطور، بل دول تتفاوض من موقف قوة، وأسواق طاقة متعددة الأقطاب، وعملات رقمية بديلة للدولار، وأنظمة دفاع لا مركزية.
7.2 وهم الانتصار وحقيقة الهزيمة
إذا كان هناك درس واحد نتعلمه من هذه الصفحات ، فهو أن الحروب لم تعد تنتصر بالطائرات أو حاملات الطائرات، بل بالقدرة على تحمل الألم. فإيران، التي قُصفت لعقود، وفرضت عليها عقوبات جائرة، استطاعت أن تُخرج من قلب العزلة تكنولوجيا عسكرية مدمرة. وأمريكا، التي اعتادت على حروب سريعة ونظيفة (يوغوسلافيا، بنما، غرينادا)، وجدت نفسها في مواجهة عدو لا يخاف الموت ولا يبحث عن مكاسب سريعة، بل ينتظر حتى يتعب الخصم ويعلن الانسحاب.
في النهاية، لا أحد يعلن الهزيمة في السياسة. ترامب سيخرج على شاشة التلفزيون ويقول إنه "دمّر القدرات الإيرانية وضمن أمن إسرائيل". قادة إيران سيخرجون ويقولون إنهم "أذلوا القوة العظمى وانتزعوا الاعتراف بمكانتهم الإقليمية". لكن الواقع الفعلي سيكون مريراً للجميع: أسعار نفط مرتفعة، حصار متبادل، وعالم يتجه بسرعة نحو مزيد من الفوضى.
ما الذي يمكن توقعه في الأسابيع القادمة؟
بناءً على تحليل المعطيات المتاحة حتى 19 مايو 2026، يمكن رسم السيناريوهات التالية:
1. سيناريو التفاوض (الاحتمال الأكبر 60%): تدخل واشنطن وطهران في مفاوضات غير مباشرة عبر سلطنة عمان وباكستان، تفضي إلى وقف إطلاق نار مقابل تخفيف الحصار وإعادة فتح المضيق بشكل تدريجي. وإيران ستصر على الاعتراف بـ"حقها في تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%" كحد أدنى، بينما ستصر أمريكا على تجميد أي تقدم نحو القنبلة. 2. سيناريو التصعيد المحدود (30%): تقوم إيران بهجوم انتقامي كبير على قاعدة أمريكية في قطر أو الإمارات، مما يدفع ترامب لتوجيه ضربة برية محدودة إلى جزيرة هرمز أو شبه جزيرة الفاو. لكن هذا الهجوم سيكون أشبه بـ"الغارة العقابية"، ثم الانسحاب السريع قبل دخول الصيف الحار. 3. سيناريو الكارثة (10%): تنهار الاتصالات تماماً، وتقرر إيران إغلاق المضيق بالكامل، مما يؤدي إلى ارتفاع النفط إلى 250 دولاراً، وركود عالمي حاد، وتدخل عسكري صيني روسي غير مباشر لحماية مصالحهما النفطية. وفي هذه الحالة، قد نشهد انهياراً سياسياً في واشنطن قبل نهاية العام.
أياً كان السيناريو، تبقى الحقيقة الأكيدة أن عصر القطب الواحد قد انتهى. فمن اليوم فصاعداً، لن تكون أمريكا هي من تفرض شروطها، بل سيكون عليها أن تتفاوض، تتنازل، وأحياناً تتراجع. وهذا هو جوهر ما يسمى بـ"هزيمة استراتيجية حاسمة": ليس فقدان معركة، بل فقدان القدرة على اختيار المعارك التي تخوضها.
ملحق: أهم الشخصيات والمصادر الواردة في التحقيق
· روبرت كاجان: أكاديمي أمريكي محافظ، ناشر مقال "الانهيار الأمريكي في الخليج" في مجلة ذا أتلنتيك (10 مايو 2026). · عاموس هارئيل: محلل عسكري إسرائيلي في صحيفة "هآرتس"، كاتب حول فشل الضربات الجوية في وقف البرنامج النووي. · تامير هايمان: رئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، قائد سابق للاستخبارات العسكرية، حذر من مضاعفة ميزانية "حزب الله" وإعادة بنائه. · سمير أمين: مفكر اقتصادي مصري، صاحب نظرية "المركز والأطراف" في تحليل النظام الرأسمالي العالمي. · جيانغ شيويه تشين: أستاذ علوم سياسية صيني، يلقب بـ"نوستراداموس الصين"، أطلق توقعاته الثلاث في 2024. · محمد مرندي: أستاذ جامعتي طهران وطهران للدراسات العالمية، مستشار الفريق النووي الإيراني، محلل سياسي متكرر في قنوات عربية وغربية.
حرّر هذا التحقيق في 20 مايو 2026، استناداً إلى تقارير استخباراتية مفتوحة المصدر، ومقالات رأي في الصحف الكبرى، ومقابلات تلفزيونية مع محللين عسكريين، وبيانات أسواق الطاقة الصادرة عن منصات "بلومبرغ" و"رويترز" و"أويل برايس".
انتهى التحقيق.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
-
فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا
...
-
رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد
...
-
تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
-
-قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
-
انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
-
فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
-
عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
-
كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
-
دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
-
دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
-
تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
-
سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
-
دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع
...
-
مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
-
قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل
...
-
دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و
...
-
مرايا الحقيقة والسلطة: دراسة مقارنة بين رواية -مرايا السلطنة
...
-
دراسة مقارنة لرواية رائحة البنفسج المحترقة أو أوديسا : حكاية
...
-
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
المزيد.....
-
المقاومة الاسلامية: تدمير أربع دبابات ميركافا خلال المواجهات
...
-
لماذا نحمل الراية الحمراء؟
-
في نقد مدرسة التبعية
-
القبض على أهالي معتقلين طالبوا بالإفراج عن ذويهم
-
تظاهرة اليمين المتطرف في لندن..-ملايين -شاركوا فيها ضد المها
...
-
سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش
...
-
الجبهة الديمقراطية: حماية المحكمة وإجراءات قضاتها ضرورة قان
...
-
Power, Men’s Silence, and the Urgent Need to Overhaul Mascul
...
-
Let’s Not Make a Deal
-
The Left, Trade Unions, and Mass Organizations
المزيد.....
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|