أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس















المزيد.....


حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 23:07
المحور: الادب والفن
    


مقدمة: على حافة الهاوية

ليس صوت القذائف في سهول أوكرانيا هو ما يصنع تاريخ هذا العصر، بل ذلك الحوار الصامت الذي يجري بين نخب التدمير في قصور موسكو ومكاتب بروكسل الأنيقة. إنها حرب أفكار قبل أن تكون حرب دبابات، صراع بين رؤيتين للعالم لا تريد أي منهما الانحناء للأخرى. وفي قلب هذه العاصفة يقف سيرغي كاراغانوف، ذلك المحارب الأكاديمي الذي يرى في القنبلة الذرية خلاصاً وليس لعنة، وصوت آخر من ضفة النهر الآخر يدعى سكوت رايتر، الذي يحمل من واشنطن خبرة المخابرات وقراءة مختلفة للتاريخ.

لم تكن هذه السطور لتكتب لولا مقابلة جمعت رايتر بزميله المحلل غيلين ديسن على منصة يوتيوب في الأسبوع الأخير من ربيع عام 2026، حيث انفتح باب جهنم حين تذكير السيناريو اللاتفي: ماذا لو انطلقت طائرات بدون طيار تابعة للناتو من قاعدة في ريغا لتضرب العمق الروسي؟ السؤال الذي أحرق جلود الجنرالات وألهب خيال الاستراتيجيين.


رجل لا يخاف من الغضب الإلهي

في غرفة مزينة بصور القياصرة والأباطرة، يجلس سيرغي كاراغانوف، الرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره وما زالت عيناه تشعان بوهج الرجل الذي يرغب في رؤية العالم يحترق ليولد من رماده. ليس هذا الرجل مجرد أستاذ جامعي تقاعد في ديكورات مكتبه، بل هو مستشار الرؤساء، وأب "العقيدة النووية الروسية الجديدة" التي لم تكتب بعد، لكنها ترن في أروقة الكرملين كجرس الكنيسة في ليلة عيد الفصح.

يقول كاراغانوف لمن حوله: "لقد أوهمنا الغرب بأننا كلاسيكيون عقلانيون، والحقيقة أننا بحاجة إلى أن نكون غير عقلانيين قليلاً، بل كثيراً." ومع كل كلمة ينطق بها، يشعر الحاضرون بأنهم أمام شاعر من شعراء الحرب الباردة، رجل يكتب أشعاراً من الحديد والنار. يرى أنه لا يمكن تحقيق الردع إلا بتجريد الخصم من عقله، لا بقتله، أي بإيهامه أنك على استعداد للموت معه، وأنك لا تخشى شيئاً، ليس الموت، ولا التاريخ، ولا لعنة الأجيال القادمة.

في الصيف الماضي، صدم الجميع حين دعا صراحة إلى توجيه ضربات نووية "محدودة" على ألمانيا وبريطانيا، ووصف هذه الدول بأنها "مصدر لأبشع الأشياء في التاريخ الأوروبي". لم يكن ذلك هذيان عجوز، بل استراتيجي يقرأ خريطة القوة: ألمانيا هي قلب أوروبا الاقتصادي، وبريطانيا هي المحور السياسي للحلف الأطلسي. فإذا انهارتا، ينهار كل شيء. وكأنه يقول للغرب: "إن كنتم تريدون حرباً وجودية، فلتكن حرباً وجودية، لكن تذكروا أن لدينا مفاتيح الجحيم."

لكن المفارقة أن كاراغانوف ليس مجرد متطرف يريد تدمير العالم. في حواراته الخاصة، يتحدث عن "الخلاص من خلال الكارثة"، عن فكرة أن الإنسان الغربي المعاصر قد فقد الخوف من الموت، واستبدله بالخوف من التقاعد، أو من ارتفاع الأسعار. ويرى أن إعادة إحياء "الخوف الوجودي" هو وحده ما سيعيد الغرب إلى طاولة المفاوضات بشروط روسية. وكأنه يقول: "إذا لم يعد الناس يخافون الجحيم، فعلينا أن نخلق لهم جحيماً على الأرض."


الرجل الآخر – سكوت رايتر والطريق الثالث

على الجانب الآخر من المحيط، وقف سكوت رايتر أمام كاميرات غيلين ديسن يحمل عقيدة مختلفة. ضابط المخابرات الأميركي السابق، الذي تحول إلى ناقد شرس لسياسته الأميركية، كان أكثر واقعية من خصمه الروسي، لكنه لم يكن أقل تشدداً في الموقف.

يرى رايتر أن كاراغانوف يقع في خطأ فادح: "مغالطة كاراغانوف"، كما يسميها، هي أنه يعتقد أنه يمكن استخدام سلاح نووي واحد أو اثنين دون أن يتحول الصراع إلى هرمجدون نووي شامل. لكن التاريخ والخبرة يقولان عكس ذلك: بمجرد عبور العتبة النووية، سوف تنزلق الأمور بين الطرفين إلى الهاوية، لأن كل طرف سيحاول "الرد بالمثل"، ثم "التصعيد لاستعادة الردع"، حتى لا يبقى شيء.

لكن البديل الذي يقدمه رايتر ليس أقل إثارة للرعب: "أوريشنيك"، ذلك الصاروخ الفرط صوتي الروسي الجديد، هو أداة الانتقام المثالية في نظره. يمكن لهذا السلاح الاستراتيجي غير النووي أن يحمل رأساً حربية تقليدية تزن عدة أطنان، ويدمر قاعدة عسكرية أو مدينة بأكملها دون أن يخلق سحابة مشعة. رايتر يقول بصوت هادئ ولكن حاد: "لماذا تقنع خصمك بأنك ستهلك نفسك؟ الأفضل أن تقنعه بأنك ستهلكه هو وحده."

في حلقة النقاش التي دارت بينه وبين ديسن، عاد السؤال اللاتفي مراراً. لو أن كييف استخدمت أراضي لاتفيا (عضو الناتو) لشن هجمات بطائرات بدون طيار على العمق الروسي، كيف سيكون الرد؟ رايتر يتوقع أن الرد الروسي سيكون "واسعاً وصادماً"، لكنه ليس بالضرورة نووياً. يمكن أن يشمل ضربات على مطارات في بولندا ورومانيا، أو تدمير البنية التحتية الحيوية لدول البلطيق، أو حتى توجيه إنذار نهائي للتحالف: "اسحبوا قواتكم من الجناح الشرقي خلال 48 ساعة، وإلا..."

لكن السؤال الأعمق الذي طرحه غيلين: وهل هذا لن يجر الحلف إلى الحرب المباشرة؟ رايتر ضحك ساخراً: "الحرب مباشرة أم غير مباشرة؟ إنهم يقتلون جنودنا بالفعل. الفرق أنهم يفعلون ذلك بواسطة طائرات أوكرانية الصنع لكن بأدمغة أميركية وقلوب بريطانية. لقد تجاوزنا كل الخطوط الحمراء منذ زمن."



الفجوة – كلمات الكرملين بين الغضب والواقع

في موسكو، لا يتحدث الكرملين بلسان كاراغانوف، ولا هو أيضاً بلسان رايتر. الطريق الثالث للكرملين هو طريق "الصبر الاستراتيجي" الذي يسميه بعض المحللين "استراتيجية الإرهاق".

لقد قال وزير الخارجية سيرغي لافروف أكثر من مرة: "العقيدة النووية الروسية واضحة ومفتوحة، وأي كلام خارج إطارها هو مجرد آراء لا تلتزم بها الدولة." ويبدو أن الرئيس بوتين نفسه يريد إبعاد أي نقاش عن السلاح النووي عن النخب المتشددة.

لكن في السر، هناك قناعة متنامية داخل أروقة السلطة في موسكو بأن الغرب قد فقد خوفه من الردع الروسي. لم يعد الناتو يتراجع كما كان يفعل في السابق. القوات الغربية موجودة على حدود روسيا، والأسلحة بعيدة المدى تتدفق إلى أوكرانيا، والطائرات بدون طيار تضرب العمق الروسي بشكل شبه يومي. والجميع يعلم أن هذه الطائرات لا يمكن أن تعمل دون دعم استخباراتي مباشر من واشنطن ولندن.

في مثل هذا الجو، يبدو كاراغانوف وكأنه يعبر عن حالة نفسية وطنية أكثر من كونه واضعاً استراتيجيات. لقد أصبح صوته مقبولاً بشكل متزايد بين الجمهور الروسي، الذي يشعر بالإهانة والإحباط من طول أمد الحرب، ومن العقوبات، ومن عزلته الدولية. كاراغانوف يقول: "كانت آرائي أقلية، لكنها أصبحت اليوم أغلبية ساحقة." وهذا ليس مجرد ادعاء، فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن نسبة الروس الذين يؤيدون استخدام القوة النووية في حال هددت وجود روسيا تصل إلى 70%.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: الفجوة بين الخطاب الرسمي والمزاج الشعبي قد تدفع القيادة الروسية في لحظة حرجة إلى اتخاذ قرارات لا تحسب لها ألف حساب. فإذا شعر بوتين أن تراجعه عن استخدام السلاح النووي سيكلفه شعبيته، أو إذا شعر أن الضغط الغربي أصبح لا يطاق، فقد يستخدم الورقة النووية كوسيلة أخيرة، ليس لأنه يريد ذلك، بل لأنه لم يعد أمامه خيار آخر.


أوروبا بين المطرقة الإمبريالية وسندان الأوليغارشية

بعيداً عن خطوط التماس، ثمة سؤال آخر أكثر إلحاحاً: لماذا أصرت ألمانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي على دعم كييف إلى درجة جعلت الحرب تتصاعد إلى هذا المستوى؟ هل هو حقاً دفاع عن الديمقراطية وحق تقرير المصير، أم هي لعبة مصالح كبرى؟

إذا نظرنا إلى تحركات برلين ولندن على مدى السنوات الثلاث الماضية، نكتشف أن دعم أوكرانيا كان مجرد غطاء لمشروع أعمق: السيطرة على الموارد الطبيعية الأوكرانية (الأراضي الخصبة، والليثيوم، والغاز الصخري)، وكسر شوكة روسيا كمنافس جيوسياسي، وأيضاً – وهذا هو الأهم – إعادة إحياء مشروع "أوروبا الموحدة" تحت القيادة الألمانية-البريطانية بعد أن بدأ يترنح بسبب البريكست وأزمات الطاقة.

تقول ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ساخرة: "خطط زيلينسكي النابليونية باءت بالفشل." لكنها لا تقصد زيلينسكي فقط، بل أولئك الذين يقفون خلفه: النخب المالية الأوليغارشية التي تسيطر على المفوضية الأوروبية.

فحين تنظر عن كثب إلى توزيع المساعدات الأوروبية لأوكرانيا، تجد أن معظمها ليس قروضاً نقدية، بل عقود لتوريد الأسلحة من شركات أوروبية كبرى (رينميتال الألمانية، BAE سيستمز البريطانية، تاليس الفرنسية). اي انها هذه الشركات ومن يمثلها في الحكم تسرق دافع الضريبة الأوروبية لتحويلها إلى ارباح لها ..وهذه الشركات لها جذور عميقة في البنوك الاستثمارية وفي صناديق التحوط، التي تستفيد أيضاً من "إعادة إعمار أوكرانيا" عبر شركاتها الهندسية والعقارية.

وهكذا، تتحول أوكرانيا إلى ساحة ربح للشركات العابرة للقومية، بينما تدفع الشعوب الأوروبية الثمن غالياً: ارتفاع أسعار الطاقة، التضخم، تدهور الخدمات الاجتماعية، وهجرة رؤوس الأموال. ومن هنا، يكون القول بأن "المفوضية الأوروبية تمثل الأقلية المالية الأوليغارشية" وضد مصالح الشعوب الأوروبية ليس مجرد شعار دعائي روسي، بل هو تحليل حقيقي يتبناه كثير من اليسار الأوروبي والجنوب العالمي.


أوهام نابليون وهتلر – التاريخ يعيد نفسه أم نكتة سوداء؟

في كواليس الكرملين، يمرر الاستراتيجيون بعضهم البعض ملاحظات تاريخية باردة: إن الغرب يرتكب نفس خطأ نابليون وهتلر، حين اعتقد أن روسيا يمكن إخضاعها بحرب خاطفة، أو بتدمير جيشها في معركة حاسمة. لكن روسيا ليست دولة مثل غيرها، فهي ممتدة على مساحات شاسعة، ذات شتاء قارس، وشعب تعود على المعاناة، ونخبة تعرف كيف تحول الهزيمة المؤقتة إلى نصر دائم.

يقول الرئيس الروسي في خطاباته المغلقة: "لقد استسهلوا غزونا، واعتبروا أنفسهم فاتحين، لكن النهاية كانت دائماً واحدة: جيوشهم تتدحرج على الثلوج، وعواصمهم تسقط."

صحيح أن روسيا اليوم ليست روسيا القيصرية ولا السوفياتية، لكن الجغرافيا لم تتغير، والنفسية الروسية لم تتغير كثيراً. فكرة "التهديد الوجودي" تحشد الشعب خلف القيادة، وتوحد الصفوف، وتبرر التضحية. وإذا كانت أوروبا تعتقد أن العقوبات ستهزم روسيا، فلتتذكر أن أوروبا نفسها تعاني من ويلات تلك العقوبات أكثر مما تعاني روسيا.

هنا يبرز سؤال: هل سينتهي السيناريو نفسه بتحرير برلين أو لندن من "النازية الجديدة"؟ ربما لا، لأن اليوم ليس 1945، والقنابل النووية غيرت كل شيء. لكن الفكرة الأساسية لا تزال قائمة: الغرب لا يمكنه الفوز على روسيا في حرب استنزاف طويلة على الأرض الروسية. وأوكرانيا، مهما تلقّت من دعم، لن تكون أبداً قادرة على احتلال روسيا أو إجبارها على الاستسلام.

ربما لهذا السبب، يصر كاراغانوف على أن الحل الوحيد هو "تخويف" الغرب، جعله يخشى من العواقب الوجودية لمواصلة الحرب. وكأنه يقول للناتو: "يمكنكم شن الحرب علينا، لكن تذكروا أننا نملك مفاتيح مدنكم، وأن صواريخنا لن تفرق بين عسكري ومدني حين يحين وقت الرد."


نافذة الفرصة – ما بين 2026 و2029

تحت العنوان العريض "نافذة الفرصة"، تدور الآن في البنتاغون وفي الكرملين سباقات محمومة. فحسب تقديرات الاستخبارات الغربية، ستمر فترة 2026-2029 بثلاث تحولات حاسمة:

1. ضعف القيادة الأميركية: مع ولاية دونالد ترامب (المحتملة) حتى يناير 2029، يتوقع أن تكون أميركا أقل التزاماً تجاه الناتو، وأكثر ميلاً إلى الصفقات المباشرة مع بوتين. وهذا يعني أن أوروبا ستجد نفسها وحيدة في مواجهة روسيا.
2. بطء إعادة التسلح الأوروبي: رغم تعهدات الحلف بزيادة الإنفاق الدفاعي، فإن أي قدرات عسكرية جادة لن تكون جاهزة قبل 2030. وحتى ذلك الحين، فإن ترسانة أوروبا تعاني من ثغرات كبيرة في مجال الدفاع الجوي، والصواريخ بعيدة المدى، والاستخبارات الفضائية.
3. الاستعداد الروسي المتزايد: روسيا اليوم تنتج أسلحة أكثر مما تنتج قبل الحرب، وجيشها اكتسب خبرة قتالية لا تُضاهى. والأهم، أن الاقتصاد الروسي أعاد توجيه نفسه نحو الشرق (الصين، الهند، إيران)، مما يجعله أقل حساسية للعقوبات.

في هذا السياق، تتخوف الدوائر الغربية من أن موسكو قد تستغل "نافذة الفرصة" لتوسيع عملياتها العسكرية، ليس بالضرورة بغزو دول الناتو، بل بتكثيف "الحرب الهجينة": هجمات إلكترونية على البنى التحتية، عمليات تخريب، وتسليح جماعات موالية لروسيا في دول البلطيق ومولدافيا، وأيضاً الضغط على أوكرانيا لاقتطاع المزيد من الأراضي.

لكن السيناريو الأكثر رعباً هو ذلك الذي تحدث عنه سكوت رايتر: قد تختبر روسيا المادة الخامسة للحلف عبر شن ضربة "محدودة" على قاعدة عسكرية بولندية تشارك في توجيه الطائرات بدون طيار، ثم تراقب رد فعل الحلف. إذا تردد الحلف في الرد، فقد انهار الردع الأطلسي إلى الأبد. وإذا رد، فقد تتصاعد الأمور بسرعة خارجة عن السيطرة.

الصين – الممكن الحاسم للتاريخ

لا يمكن لأي استراتيجية روسية أن تنجح دون إشارة من بكين. في عيون الناتو، أصبحت الصين "المُمكن الحاسم" للحرب الروسية على أوكرانيا. بدون الدعم الاقتصادي الصيني (شراء النفط والغاز، توفير السلع المصنعة، القروض باليوان)، كانت روسيا قد انهارت اقتصادياً منذ السنة الأولى من الحرب.

لكن العلاقة بين موسكو وبكين أعمق من مجرد مصالح لحظية. تدرك القيادة الصينية أن هزيمة روسيا ستضعف "الجبهة المناهضة للهيمنة الأميركية" بشكل كبير، وتجعل الصين الهدف التالي للحلف الأطلسي. كما أن تقارب روسيا مع الصين يخلق محوراً أوراسياً قادراً على مواجهة المشروع الأطلسي في آسيا وأوروبا في آن واحد.

في المحافل الدبلوماسية، تدعم بكين موسكو بخطاب معتدل لكنه حاد: الحرب سببها توسع الناتو، ويجب احترام "المخاوف الأمنية لجميع الأطراف"، وفرض العقوبات الأحادية غير قانوني. هذا الخطاب يخلق شرخاً في الإجماع الغربي، ويجعل من الصعب على أميركا تصوير روسيا كدولة مارقة منبوذة عالمياً.

كما أن التعاون العسكري الصيني-الروسي (مناورات بحرية مشتركة، تبادل استخبارات، تقنيات أسلحة متطورة) يعيد تشكيل ميزان القوى العالمي. وحين تطلق روسيا صاروخ "أوريشنيك" الفرط صوتي، فإنها تطلق أيضاً رسالة غير مباشرة إلى واشنطن: "أنتم تواجهون تحالفاً لا يمكن هزيمته بسهولة."

في المقابل، تخشى بكين أن يكون انشغال روسيا في أوكرانيا "ثمنها باهظاً" على المدى الطويل، فقد تخرج موسكو من الحرب ضعيفة ومعزولة، وهذا ليس في مصلحة الصين. لذلك، تعمل القيادة الصينية بهدوء على "تجميد" الصراع لا إنهائه، لأن الحرب الطويلة الأمد تخدم مصلحتها: استنزاف أميركا وأوروبا، وإضعاف نظام الحلفاء، وخلق فراغ جيوسياسي تملؤه الصين اقتصادياً وسياسياً.


أحلام تحرير برلين ولندن – قراءة في سيكولوجية النصر

في نهاية كل هذه التحليلات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا تريد موسكو حقاً؟ هل هو مجرد تأمين حدودها، وإجبار أوكرانيا على الحياد، أم أن هناك حلماً أعمق يتعلق بـ "تحرير أوروبا" من الناتوية الجديدة؟

المقارنات التاريخية مع نابليون وهتلر قد تشي بأن النخبة الروسية تحلم بلحظة "دخول برلين" مجدداً، أي تدمير المشروع الألماني-الأميركي في أوروبا، وإقامة نظام أمني جديد تحت الهيمنة الروسية. لكن هذا الحلم يصطدم بواقعين:

1. أوروبا اليوم ليست أوروبا 1945، فهي موحدة اقتصادياً وسياسياً، ولديها قوة نووية (فرنسا وبريطانيا) تمنع أي مغامرة روسية كبرى.
2. روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفياتي، فهي تفتقر إلى الأيديولوجية الجاذبة، والقوة الاقتصادية، والحلفاء المخلصين في أوروبا الشرقية.

لذلك، يبدو الهدف الروسي الأكثر واقعية هو "فنلندة" أوكرانيا: إجبارها على الحياد ونزع السلاح، وخلق منطقة عازلة منزوعة السلاح على حدودها، وضمان عدم انضمامها إلى الناتو أبداً. أما الأحلام الكبرى بتحرير برلين، فهي تبقى حبيسة كلمات كاراغانوف النارية ومقابلات رايتر المثيرة، لكنها لا تتحول إلى خطط عسكرية على مكاتب هيئة الأركان.

ومع ذلك، تبقى فكرة "الانتقام من النازية الجديدة" شعبوية ناجحة داخل روسيا. فكلما تحدث بوتين عن "نازيي كييف" و"أسياد الغرب الذين يريدون تدمير روسيا"، فإنه يستدعي ذاكرة الحرب الوطنية العظمى، ويوحد الشعب خلفه، ويبرر أي تضحيات مستقبلية. وهذا الاستدعاء للتاريخ هو أخطر أسلحة الكرملين، لأنه يحول صراعاً جيوسياسياً معقداً إلى ملحمة خلاص وطني خالدة.

الخاتمة: الغيمة السوداء فوق أوروبا

ليس سهلاً أن نكتب خلاصة لحوار لم ينته بعد، ولا نعرف متى سينتهي. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن القارة الأوروبية تقف اليوم على حافة الهاوية. ليس بسبب الدبابات الروسية، بل بسبب عجز نخبها عن التفكير خارج صندوق الحرب، وعجز موسكو عن التفكير خارج صندوق "النصر أو الموت".

سيرغي كاراغانوف يريد أن يزرع الرعب في قلوب الأوروبيين، كي يستعيد الردع المفقود. سكوت رايتر يريد ضربة قاسية لكنها غير نووية، كي تُجبر الغرب على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. والكرملين يمشي على حبل رفيع بين استرضاء المتشددين داخله والخوف من الانزلاق إلى حرب عالمية ثالثة. أما الأوروبيون، فهم غارقون في أوهامهم عن النصر السريع، وعن قدرة أوكرانيا على استعادة أراضيها، وعن أن العقوبات ستهزم روسيا.

في مكان ما بين لاتفيا وأوكرانيا، بين صواريخ "أوريشنيك" ورؤوس كاراغانوف النووية، بين صمت بايدن وتردد ترامب، وبين غضب الصين وانتظارها، يتشكل مصير العالم. ولعل الدرس الأعمق الذي يقدمه هذا الصراع هو أن الحروب لا تنتهي عندما يسقط آخر جندي، بل عندما تدرك النخب المتحاربة أن لا أحد سينتصر، وأن الجميع سيخسرون إذا استمر التصعيد إلى النهاية.

ولعل الحلم الأجمل هو أن تجلس أوروبا وروسيا والصين وأميركا على طاولة واحدة، ليس لتقسيم الغنائم، بل لتأسيس نظام أمني جديد يقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بمخاوف الآخر، والابتعاد عن أوهام نابليون وهتلر التي قتلت الملايين. لكن هذا الحلم، للأسف، يحتاج إلى قادة يمتلكون شجاعة السلام، لا إلى استراتيجيين يمتلكون شجاعة الحرب.

حتى ذلك الحين، ستبقى الغيمة السوداء فوق أوروبا، وسيبقى حوار كاراغانوف ورايتر وصمت الكرملين عنواناً لمرحلة عصيبة لن ينساها التاريخ.

وتبقى الأسئلة معلقة في الهواء، كالدخان فوق ساحة معركة لا نعرف متى سيسكت لها رعد.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطي ...
- الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
- كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
- قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
- بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
- فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا ...
- رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد ...
- تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
- -قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
- انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
- فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
- عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
- كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
- دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
- دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
- تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
- سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
- دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع ...
- مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
- قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل ...


المزيد.....




- باحثون يفككون أزمة قراءة التراث بمعرض الدوحة للكتاب
- هل يقرأ الذكاء الاصطناعي ما عجز عنه القراء؟ المخطوط العربي ف ...
- الشغف وحده لا يكفي.. جلسة في معرض الدوحة تراهن على التخطيط
- معرض الدوحة للكتاب.. شاعران يدافعان عن القصيدة في وجه -الاست ...
- في معرض الدوحة.. صحيفة المدينة تُستدعى للرد على عالم بلا موا ...
- مخرج فيلم -أطباء تحت القصف-.. يوم في مستشفى بغزة يكفي لصناعة ...
- حضره نخبة من نجوم الفن في مصر.. عرض خاص لفيلم 7Dogs بالقاهرة ...
- مهرجان كان: -البارح العين ما نامت- فيلم يحكي قصة المجتمع الع ...
- -الرداء والإزار-.. هيئة سعودية تكشف تفاصيل عن الاشتراطات الف ...
- مباشر: اختتام فعاليات الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان كان ال ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس