أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطيني















المزيد.....


قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطيني


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 23:07
المحور: الادب والفن
    


وتتهم المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي بأنه لو قطع علاقاته مع الكيان النادي الصهيوني ، لانتهى هذا الكيان الذي يقترف هولوكوست لم تعرفه البشرية ضد الشعب الفلسطيني ..و تطالب بضرورة اعتقال أعضاء ايباك وماريام اديلسون و كل من يمول الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة وغرب آسيا ويدعمه..



الغرفة ذات الضوء الأزرق

لم تكن سامية تعرف أن اليوم الذي ستبدأ فيه حكايتها سيكون يوم خروجها إلى الظل. خرجت من المستشفى ممسكة بيد ابنها الصغير، تلملم شتات جسدها الذي لم يعد يعرف كيف يتنفس دون ألم. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، حين توقفت سيارة جيب عسكرية على بعد خطوات منها. لم تتفاجأ. لقد تعلم الفلسطينيون ألا يفاجأوا بشيء.

أخرجها الجنديان من الصف الخلفي، عصبوا عينيها بقطعة قماش سوداء، ثم دفعوها داخل مبنى لم ترَ واجهته. لكنها سمعت صرير بوابته الحديدية. شمّت رائحة البارود والكلور. كان هناك ممر طويل، ثم درج، ثم ممر آخر. وهي تعد خطواتها، حفظت الرقم: سبعة وأربعون خطوة إلى اليمين، ثم اثنتان وعشرون درجة إلى الأسفل.

في نهاية الممر، فتح باب ثقيل. دخلوها غرفة مكيفة بدرجة تجعل الأسنان تتصادم. خلعوا العصابة عن عينيها فجأة، ليواجهها ضوء أزرق بارد يتدفق من السقف. رأت طاولة معدنية في الوسط، وأسلاكاً معلقة، وكاميرات في الزوايا الأربع.

وقف أمامها ضابط يرتدي زياً كاكياً، لم تعرف اسمه ولا رتبته. تحدث بالعبرية، لكن مترجماً جالساً في الزاوية ترجم له: "أنتِ متهمة بإيواء مطلوبين. ستبقين هنا حتى تتعاونين."

نظرت إليه قائلة: "ليس لدي ما أقوله."

ابتسم الضابط. لم يكن ابتسامه ودوداً. كان ابتسام من يعرف أن الليل طويل، وأن الجسد يقصر أمامه.



ليل لا يشبه الأيالي

في تلك الليلة، بدأ ما لم تجد له الكلمات بعد. كلما حاولت سامية لاحقاً أن ترويه لأحد المحامين، كانت تتوقف. ليس لأنها نسيت، بل لأن اللغة لا تستطيع حمل مثل هذا الثقل. تقول الحكايات القديمة أن أيوب حين ابتلي، صمت أربعين يوماً. صمت سامية لم يكن اختيارياً. كان صمت الجرح الذي لم يجد بعد اسماً.

جاؤوا بها عند منتصف الليل. أربعة جنود بأقنعة سوداء. جردوها من ملابسها بسرعة مخيفة، كما لو كانوا يفعلون ذلك ألف مرة. ربطوها إلى الطاولة المعدنية، ويديها مفرودتان كالمصلوب. كانت باردة جداً لدرجة أنها شعرت بجلدها يلتصق بالمعدن.

سمعت نقرات الكاميرات. ثم ضحكات. كانت الضحكات مكتومة خلف الأقنعة، لكنها كانت حادة مثل شفرات الحلاقة.

قال أحدهم بالعبرية، والمترجم ينقل ببرود: "سنرسل هذه الصور لأهلك. لأولادك. للجيران. للعالم كله. إذا تكلمتِ، ستنشر. إذا سكتِ، ستنشر. المهم أن نرى وجهك حين تُنشر."

كانت الساعة الثالثة فجراً حين دخل الكلب. لم تره في البداية. سمعت فقط قفزات مخالبه على الأرضية الإسمنتية، ثم لهاثاً ثقيلاً. كلب راعٍ ألماني، ضخم، عيناه صفراوان. كان هناك جندي يقوده بسلسلة قصيرة. والكلب يتقدم، ليس كحيوان، بل كجندي مدرب. تدرب على ألا ينبح، تدرب على ألا يتردد. تدرب أن يفعل ما لا تستطيع الكلاب أن تفعله بفطرتها.

لم تكن تعرف سامية أنها ستصبح إحدى الشهادات التي ستقرأها نيويورك تايمز بعد عام. لم تكن تعرف أن اسمها سيذكر في تقرير نيكولاس كريستوف. كانت تعرف شيئاً واحداً فقط: أن الحديد يبرد، وأن الجسد يصرخ، وأن الله قد يغيب أحياناً في الليل.



تقرير لا يموت

في مكتب نيويورك تايمز، كان الضوء مختلفاً. ضوء أبيض هادئ يتسلل من نوافذ الطابق الثامن والعشرين. نيكولاس كريستوف لم ينام منذ ثلاثة أيام. كان أمامه مئات الصفحات من الشهادات، وتسجيلات المحاكمات، وتقارير منظمات حقوق الإنسان. لكن أكثر ما أرقه كان تسجيلاً صوتياً ورد إليه عبر قناة آمنة.

صوت امرأة فلسطينية تروي اغتصابها على مدى يومين كاملين، وصوت جنود إسرائيليين يضحكون في الخلفية. طلب من فريق التدقيق في الصحيفة أن يستمعوا له. بعد ساعة، خرج المسؤول الأول من غرفة الاستماع ووجهه شاحب. قال: "يا إلهي، هم يصورون كل شيء."

كان التقرير الذي كتبه كريستوف أشبه بجثة طازجة لا يمكن إنكارها. تحدث فيه عن سياسة منظمة للتعذيب الجنسي، عن كلاب دربتها مخابرات الاحتلال النازي الجديد الصهيوني لاغتصاب المعتقلين، عن عصا مطاطية وجزر يدخلونها في أجساد الرجال. عن امرأة اغتصبها الجنود طوال يومين وهددوها بنشر الفيديو. عن سامي الساعي، الصحفي المستقل ذو الـ46 عاماً، الذي قال: "تمنيت الموت."

لم يكن كريستوف رجلاً يكتب بسرعة. كان يعرف أن قلمه هذه المرة لا يكتب خبراً، بل يكتب شاهدة قبر جماعية للضمير العالمي. أجرى مقابلات مع أربعة عشر فلسطينياً وفلسطينية، ومع ثلاثة محامين، وطبيبين، وخمسة من أفراد العائلات. قارن الشهادات مع تقارير "هآرتس" التي كانت قد نشرت في آذار الماضي عن اغتصاب مستوطنين في الضفة المحتلة لرجل فلسطيني أمام عائلته. قارنها مع شهادة قدّمت إلى الأمم المتحدة.

وخرج بنتيجة واحدة: هذه ليست تجاوزات فردية. هذا نظام.



ردود الأفاعي

عندما نُشر التقرير، كان العالم يتنفس صباح يوم أربعاء بارد. لكن في تل أبيب، كان الجو حاراً جداً. وزير الخارجية الإسرائيلي لم ينتظر حتى ينهي قراءة المقال. كان على هاتفه يغرد على منصة "إكس" قبل أن يصل إلى نهاية الفقرة الثالثة.

كتب: "هذا أحد أخطر افتراءات الدم في تاريخ الإعلام الحديث."

ثم تابع: "نيويورك تايمز تتعمد نشر هذا الافتراء في توقيت محدد لتقويض تقريرنا عن جرائم حماس الجنسية في 7 أكتوبر."

اللوبيات الصهيونية في واشنطن تحركت كخلية نحل مزعجة. سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني، سلسلة من الاتصالات مع رؤساء تحرير الصحف الأخرى، سلسلة من التغريدات المنسقة. اتهموا كريستوف بأنه "معادٍ للسامية"، وأنه "يصدق دعاية حماس"، وأنه "يخترع شهوداً".

لكن كريستوف كان يملك شيئاً لم يكن يملكه الوزير: الأدلة. قال في رده: "فكرت ملياً قبل إدراج شهادة الكلب المدرب. لكن الرجل الذي قابلته أدلى بها سابقاً، وأبلغ سجناء فلسطينيون آخرون عن نفس الشيء، وخبراء حقوق الإنسان أكدوا ذلك."

أما نيويورك تايمز، فلم تصمت. أصدرت بياناً رسمياً: "تم تأكيد روايات الرجال والنساء الأربعة عشر الذين تمت مقابلتهم من قبل شهود آخرين قدر الإمكان. التفاصيل خضعت لمراجعة شاملة ومقارنتها بتقارير إخبارية ودراسات أجرتها منظمات حقوق الإنسان."

كان البيان كالصاعقة. صحيفة أمريكية عظيمة تقف في وجه الضغوط الإسرائيلية. لأول مرة منذ زمن طويل، شعر الفلسطينيون أن هناك صوتاً لا يُشترى.



كلاب لا تعرف الخطيئة

تعود بنا القصة إلى شارع جانبي في غزة، قبل الحرب. كان إبراهيم الصحفي الشاب يلتقط صوراً لتظاهرة سلمية، حين قبض عليه جنود الاحتلال عند الحاجز. قالوا له إنه "صحفي غير مرخص". لم يكن يعرف أن هذه التهمة ستكون بوابته إلى الجحيم.

نقلوه إلى معسكر في النقب. هناك رأى لأول مرة كلاباً تختلف عن كلاب الحراسة العادية. كانت مدربة على الهجوم، نعم، لكن على شيء آخر أيضاً. كان الحراس يمررون على أجسادها مواد ذات روائح معينة. كانوا يربونها على أن تنظر إلى المعتقلين العراة ليس كأعداء، بل كأشياء.

في اليوم الثالث، جاؤوا بإبراهيم إلى غرفة خرسانية. كان هناك كلبان. قال المترجم: "إما أن تتعاون، أو نتركهما يلعبان معك."

سأل إبراهيم: "أتعاون في ماذا؟"

قال الضابط: "ستكون عيناً لنا في غزة. تخبرنا بتحركات المقاومة، ونحن نتركك وشأنك."

رفض إبراهيم. كان يعرف أن الموافقة تعني أن يبيع دماء جيرانه. لكنه لم يكن يعرف ما يعنيه الرفض هنا. الكلبان تقدما ببطء. كانا يلعقان شفتيهما. وكان الجنود يضحكون.

لم يستطع إبراهيم أن يكمل. حتى حين روى قصته لاحقاً لأمم المتحدة، توقف عند هذه النقطة. قال للمحققة الدولية: "لا أريد أن أصف ما حدث. فقط أريد أن تعرف أن الكلاب كانت تبتسم. نعم، الكلاب كانت تبتسم."

لم يصدقه البعض. لكن بعد شهادة سامية وسامي وغيرهما، صار الأمر واضحاً. هذه الكلاب لم تكن كلابات عادية. كانت أداة تعذيب مصممة خصيصاً لإذلال الفلسطيني إلى درجة أن يصبح أقل من حيوان. لأن الحيوان لا يغتصب إلا بدافع غريزي. أما الإنسان الذي يدرب كلباً على الاغتصاب، فهو أسوأ من الشيطان. لأن الشيطان يعرف أنه يخطئ. أما هؤلاء، فقد أقنعوا أنفسهم أنهم يدافعون عن ديمقراطية.




الجزر والعصا المطاطية

سامي الساعي لم يكن يظن أن اليوم الذي اعتقل فيه سيكون مختلفاً عن أي يوم آخر في حياته كصحفي مستقل. كان يبلغ من العمر 46 عاماً، وقد اعتُقل أكثر من مرة، واعتاد على الصفعات والأسئلة. لكن ما حدث في تلك الليلة لم يكن في قاموس توقعاته.

يقول سامي: "جردوني من ملابسي أمام الجميع. كنت عارياً وأنا الذي لم أتعود أن أخلع قميصي حتى أمام زوجتي. ثم جاء أحد الحراس بعصا مطاطية. حاول إدخالها في... في شرجي. كانت مؤلمة جداً. صرخت. فضحكوا. ثم أحضر أحدهم جزرة كبيرة، وقال: هذا أصح للصحة. وأدخلها أيضاً."

لم يكن سامي يبكي حين روى ذلك. كانت عيناه جافتين كالصحراء. ربما لأنه استنفد كل الدموع في تلك الغرفة. ربما لأن الرجال لا يبكون في ثقافتنا، حتى حين تغتصبهم الجزر.

أضاف: "كانت عيناي معصوبتين، لكن سمعت أحدهم يقول بالعبرية: لا تلتقطوا صوراً. ثم ضحك آخر وقال: بل التقطوا، لنرى كيف يصرخ. ثم أمسك أحدهم بقضيبي وخصيتي، وقال مازحاً: هذه ملكي. وضغط حتى صرخت من الألم."

هذه الشهادة، التي وثقتها نيويورك تايمز، لم تكن الأولى من نوعها. فقد كانت "هآرتس" قد نشرت تقريراً عن مستوطنين اغتصبوا رجلاً فلسطينياً أمام عائلته في شمال غور الأردن. كانت منظمة بتسيلم قد وثقت العشرات من الحالات المشابهة. وكانت الأمم المتحدة قد تلقت شهادات متطابقة من معتقلين فلسطينيين.

لكن الجديد هذه المرة أن الصحيفة الأمريكية الأكثر نفوذاً في العالم قالتها بصوت عال: "هذا نظام، وليس أفراداً شاردين."




امرأة من نابلس

تعالوا نعد إلى سامية، لأن قصتها لم تنتهِ بعد. بعد ثلاثة أيام من التعذيب، أُطلقت سراحها فجأة. لم تكن تعرف لماذا. لم تكن قد وقعت على أي تعاون. ربما شعر الخبراء الإسرائيليون أن جسدها قد وصل إلى حدوده القصوى، وأن استمرار التعذيب قد يفضي إلى موتها، والموت ليس مشهداً جيداً في الكاميرات.

لكنهم لم يطلقوا سراحها قبل أن يعرضوا عليها الفيديو. كانوا قد صوروا كل شيء: اغتصابها، صراخها، بكاءها، توسلاتها. جلست مع ضابط مخابرات في غرفة صغيرة، وضع أمامها شاشة كمبيوتر، وضغط زر "تشغيل".

كانت ترى نفسها على الشاشة، وكأنها تموت للمرة الثانية. نظرت إلى الضابط. كان يشرب قهوته بهدوء. قال لها: "لن تنشري هذا أبداً. أنتِ تعرفين ماذا سيحدث لو نشرتِ. سيكون فخر عائلتك؟ سيكون زوجك سيظل معك؟ سيكون أولادك ينظرون إليك كما كانوا؟"

كانت تعرف أنه على حق. في مجتمع محافظ مثل مجتمعها، الضحية تصبح هي المذنبة. الجريمة ليست في الاغتصاب، الجريمة في أن يُعرف أنك اغتُصبتِ.

ثم قال: "إذا تعاونتِ معنا، سنحذف الفيديو. سنعطيكِ المال. سنعطيكِ تصريح عمل. سنعطيكِ جواز سفر. إذا لم تتعاوني، سينتشر الفيديو في كل مكان. سنرسله إلى واتساب عائلتك. إلى صفحة مدرسة أولادك. إلى خطيب بنتك. إلى جيرانك."

صمتت سامية. كانت تعرف أنها لا تستطيع التعاون. كانت تعرف أن التعاون يعني أن تخون شعبها. لكنها كانت أيضاً تعرف أنها لا تستطيع أن تحتمل أن يرى ابنها المراهق أمه على تلك الشاشة.

اختيار بلا اختيار. هذه هي خلاصة فلسطين.

انتحرت سامية بعد ستة أشهر. تركَت رسالة قصيرة: "سامحوني، لم أعد أملك جسداً أعيش فيه."




الحقيقة لا تُدفن

عندما وثق كريستوف شهادة سامية، كانت قد ماتت. لكن أختها كانت لا تزال على قيد الحياة. قابلها في رام الله، في مكتب متواضع لمنظمة حقوقية. كانت الأخت تبكي وهي تقول: "هم قتلوها. لم يطلقوا الرصاص، لكنهم قتلوها."

سألها كريستوف: "هل لديك دليل على أنهم هددوها بالفيديو؟"

قالت: "لقد سمعت المكالمة. اتصلوا بها من رقم إسرائيلي. سمعت صوت الضابط. كان واضحاً."

طلب كريستوف من فريق التحقيق في الصحيفة أن يتأكد. اتصلوا بخبير في الصوتيات حلل التسجيل. قال الخبير: "لا يوجد تلاعب. الصوت حقيقي. والرقم الإسرائيلي حقيقي."

أما شهادة الكلب المدرب، فكانت الأكثر إثارة للجدل. اتصل كريستوف بطبيب بيطري خبير في سلوك الكلاب. قال الطبيب: "الكلب لا يغتصب بدافع جنسي تجاه الإنسان، إلا إذا تم تدريبه على ربط الإثارة الجنسية برائحة الإنسان أو بحركات معينة. هذا ممكن. لكنه يتطلب برنامجاً تدريبياً طويلاً وقاسياً. لا يمكن أن يحدث بدون علم أعلى المستويات."

وهكذا، شكّل التقرير سلسلة متصلة من الأدلة: شهادات حية، تقارير منظمة حقوق الإنسان، تسجيلات صوتية، تقارير طبية، وشهادة الأمم المتحدة. كل حلقة تؤدي إلى الأخرى. كل دليل يعضد الآخر.

لهذا، عندما ضغطت إسرائيل ولوبياتها، وقفت نيويورك تايمز ثابتة. لم تتراجع. لم تعتذر. بل أصدرت بياناً قال: "نؤكد صحة تقريرنا. لا توجد أخطاء. التفاصيل خضعت لمراجعة شاملة."

كان ذلك نادراً. بل كان فريداً. صحيفة غربية كبرى تقف في وجه أعتى لوبي في العالم. ليس لأنها شجاعة، بل لأن الحقيقة كانت شديدة الوضوح لدرجة أن إنكارها كان سيكشف عن التواطؤ.




أبو عبيدة يقرأ في غزة

في غزة، تحت القصف، وصل خبر تقرير نيويورك تايمز كقطرة ماء في الصحراء. كان الناس لا يصدقون. قال أحد النازحين: "يعني العالم الآن يعرف؟ يعرف أن كلابهم تغتصبنا؟"

لم يكن سؤالاً بقدر ما كان صرخة. العالم كان يعرف من قبل. منظمة العفو الدولية كانت نشرت تقارير. هيومن رايتس ووتش كانت نشرت. بتسيلم كانت نشرت. لكن الصحف الكبرى كانت تتجاهل، أو تنشر في زوايا معتمة، أو تذيل بفقرة تقول "إسرائيل تنفي".

هذه المرة، كان العنوان عريضاً. وكانت الصحيفة تقف خلفه.

في خيمة للصحفيين في دير البلح، قرأ أحدهم التقرير بصوت عال. كان الجو بارداً، والخيمة ترتجف من الريح. قال أحدهم: "يكفي أن العالم يعرف. لا نطلب أكثر. فقط أن يعرفوا أننا لسنا أرقاماً. لسنا إرهابيين. لسنا حيوانات. نحن بشر يُعذبون."

بكى رجال. بكى شباب لم يبكوا منذ طفولتهم. لم تكن دموع ضعف، بل دموع أن الحقيقة خرجت أخيراً من بئر الصمت.

لكن في اليوم التالي، لم تتغير السياسة الأمريكية. لم يتوقف القصف. لم يُحاكم أحد. ظل العالم يدور كما يدور، بينما الفلسطينيون يواصلون موتهم البطيء.

التقرير كان كشاهد قبر جماعي عليه اسماء كثيرة. لكن الشاهد لا يحيي الموتى. ربما وظيفته الوحيدة هي أن يقول للذي يأتي بعد: "لقد عذبوا هنا. اغتصبوا هنا. ماتوا هنا. لا تقل أنك لم تعرف."




ما لم تقله نيويورك تايمز

لنكن صادقين: التقرير لم يقل كل شيء. لم يقل أن المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال يزيد عددهم عن خمسة آلاف، بينهم مئات الأطفال والنساء. لم يقل أن التعذيب الجنسي يحدث منذ عقود، بل منذ تاسس هذا الكيان الصهيوني النازي على يد اسياده الإمبرياليين الإنكليز وبنوكهم الروتشيلدية ، وليس منذ حرب غزة فقط. لم يقل أن الولايات المتحدة تمول هذه المؤسسة العسكرية التي تدرب الكلاب على الاغتصاب.

لكن التقرير قال ما يكفي ليكشف القناع. قال إن إسرائيل تمارس عنفاً جنسياً منهجياً واسع النطاق. قال إنه ليس مجرد تجاوزات فردية. قال إنه سياسة منظمة.

وهذا هو الفرق: عندما تكون الجريمة فردية، يمكن معاقبة الفرد وتبرئة النظام. أما عندما تكون الجريمة منهجية، فهي تعني أن النظام بأسره فاسد. تعني أن من أعلى الهرم إلى أسفله يتحمل المسؤولية. تعني أن رئيس الوزراء يعرف، وأن وزير الدفاع يعرف، وأن قائد المخابرات يعرف، وأن الرئيس الأمريكي يعرف.

كلهم يعرفون. والسؤال ليس "هل يعرفون؟" السؤال هو "لماذا لا يفعلون شيئاً؟"

اللوبيات الصهيونية ليست مجرد جماعات ضغط. إنها نظام كامل من التمويه والتبرير. تنشر الأكاذيب، وتشوه الحقائق، وتشوه سمعة من يتكلم. وتجد دائماً آذاناً صاغية في الكونغرس، وفي البيت الأبيض، وفي الصحف الأخرى.

لكن هذه المرة، فشلت. هذه المرة، وقفت صحيفة بطول خمسة عشر مليون قارئ وقالت: "كفى. الحقيقة أقوى."

ليس لأن الصحيفة بطلة، بل لأن الأدلة كانت شديدة الوضوح. شهادات متطابقة. وثائق رسمية. تقارير أممية. تسجيلات صوتية. كلها تقول الشيء نفسه: إسرائيل تغتصب الفلسطينيين كسياسة، وليس كحادث.



جثى على ركام الحقيقة

بعد عام من نشر التقرير، جلست سارة، أخت سامية، في غرفتها في نابلس. كانت تقلب أوراق أختها. وجدت مذكراتها الصغيرة. في الصفحة الأخيرة، كتبت سامية بخطها الذي لم يكن يهتز أبداً:

"ربما يقرأ أحدهم هذا بعد موتي. أريد أن يعرف أنني لم أستسلم. نعم، انتحرت. لكن هذا ليس استسلاماً. هذا هو أقصى ما يمكن أن أفعله لأقول: لن أكون أداة في أيديكم. لن أتعاون. لن أخون. سأموت حرّة، ولو مات جسدي ملوثاً بأيديكم.

سامحوني. وسامحوا فلسطين. فهي لم تخطئ إلا بأنها جميلة، وأنها عربية، وأنها تقف في طريق إمبراطوريتكم.

وداعاً."

أغلقت سارة المذكرة. نظرت من النافذة. رأت جندياً إسرائيلياً على بعد أمتار، عند الحاجز العسكري. أرادت أن تصرخ في وجهه. أرادت أن تقول: "هل تعرف ماذا فعلتم بأختي؟"

لكنها لم تصرخ. فقط أغلقت الستار، وأكملت حياتها. لأن هذه هي المقاومة الحقيقية: أن تستمر. أن تعيش. أن تروي. أن تشهد. أن لا تنسى.

وفي نيويورك، في الطابق الثامن والعشرين، كان نيكولاس كريستوف يكتب مقاله التالي. لم يكن يعرف إن كان سيغير شيئاً. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً: أنه لا يستطيع أن يصمت. ليس بعد أن سمع صوت سامية. ليس بعد أن رأى عيون إبراهيم. ليس بعد أن عرف أن الحقيقة هي السلاح الوحيد الذي لا يصدأ.

أطفأ ضوء مكتبه. نظر إلى نافذة تطل على مانهاتن. تذكر سطراً من قصيدة محمود درويش:

"نحنُ نحبُ الحياةَ إذا ما استطعنا إليها سبيلا"

ابتسم ابتسامة مريرة. ربما الفلسطينيون وحدهم يعرفون ثمن هذه الجملة. ربما هم وحدهم يعرفون أن حب الحياة يكلف أحياناً كل شيء.

حتى الروح.

انتهت احدى القصص فقط، لكن الألم لم ينتهِ.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
- كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
- قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
- بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
- فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا ...
- رواية -ريح الخامس عشر من أيار- – تفكيك الخطاب والبناء والسرد ...
- تمهيد - رواية : ريح الخامس عشرة من أيار - التي تصدر قريبا
- -قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-
- انتصارات المحور: قراءة في تحولات الهيمنة من الغرب إلى الشرق
- فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الثاني
- عندما يزور -الطاغية- عرين التنين طالباً لا آمراً
- كتيب : فائض القيمة والمركز والمحيط..الجزء الاول
- دراسة مقارنة -ضفائر تحت الركام- وأدب الإبادة العالمي
- دراسة نقدية معمقة لرواية( ضفائر تحت الركام )
- تمهيد لرواية قصيرة (ضفائر تحت الركام)
- سيمياء الضباب في رواية -خريطة الضباب-..تشريح استعمار العقل
- دراسة مقارنة : -الجسد الذي كان يحلم- في سياق أدب الإبادة الع ...
- مقدمة نقدية أدبية لرواية - الجسد الذي كان يحلم -
- قراءة في أنطولوجيا السلطة الفارغة من خلال رواية (ميزان الأبل ...
- دراسة مقارنة بين رواية - ميزان الابله- وأعمال غوغول وكافكا و ...


المزيد.....




- باحثون يفككون أزمة قراءة التراث بمعرض الدوحة للكتاب
- هل يقرأ الذكاء الاصطناعي ما عجز عنه القراء؟ المخطوط العربي ف ...
- الشغف وحده لا يكفي.. جلسة في معرض الدوحة تراهن على التخطيط
- معرض الدوحة للكتاب.. شاعران يدافعان عن القصيدة في وجه -الاست ...
- في معرض الدوحة.. صحيفة المدينة تُستدعى للرد على عالم بلا موا ...
- مخرج فيلم -أطباء تحت القصف-.. يوم في مستشفى بغزة يكفي لصناعة ...
- حضره نخبة من نجوم الفن في مصر.. عرض خاص لفيلم 7Dogs بالقاهرة ...
- مهرجان كان: -البارح العين ما نامت- فيلم يحكي قصة المجتمع الع ...
- -الرداء والإزار-.. هيئة سعودية تكشف تفاصيل عن الاشتراطات الف ...
- مباشر: اختتام فعاليات الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان كان ال ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطيني