أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار حسن محمد عودة














المزيد.....

الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار حسن محمد عودة


سامي ابراهيم فودة

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 09:28
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليس كلُّ من يرحل يُكتب عنه…
فهناك رجالٌ يمرّون في الحياة كالأسماء العابرة، لا يتركون خلفهم سوى تاريخ ميلادٍ وتاريخ وفاة، ثم يبتلعهم النسيان سريعًا.
وهناك رجالٌ آخرون… إذا غابوا شعر الناس أن جزءًا من الطيبة قد غادر هذا العالم، وأن زمنًا كاملًا من الشهامة والوفاء قد انكسر بصمت.
كان الشهيد عبد الغفار حسن محمد عودة “أبو الوليد” واحدًا من هؤلاء الرجال النادرين.
رجلٌ لم يعش لنفسه يومًا، ولم يكن باحثًا عن منصب أو شهرة أو ضوء، بل عاش بسيطًا كما يحب الناس أن يكون الرجال الحقيقيون: قريبًا من القلوب، حاضرًا في الشدائد، وصادقًا إلى الحد الذي يجعل الجميع يشعرون أن هذا الرجل يشبههم ويشبه الخير القديم.
وُلد أبو الوليد في الثامن من كانون الثاني عام 1960، وفي قلبه شيءٌ من فلسطين لا يهدأ.
كبر في زمنٍ كانت فيه البلاد تُربّي أبناءها على الكرامة، وكانت المخيمات تصنع الرجال من وجعها وحصارها وفقرها وأحلامها المؤجلة.
ومنذ شبابه المبكر، حمل همّ الوطن كما يحمل المؤمن صلاته، فالتحق بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خلال سنوات الانتفاضة الأولى، حين كانت الحجارة أبلغ من الخطب، وكان الرجال يُعرفون بمواقفهم لا بألقابهم.
وحين اشتعلت انتفاضة الحجارة عام 1987، كان أبو الوليد واحدًا من أولئك الذين قرروا أن يدفعوا أعمارهم ثمنًا لفلسطين.
اعتقلته قوات الاحتلال وزجّت به في سجن النقب ستة أشهر إداريًا، ثم أعادت اعتقاله عام 1988 لمدة عامٍ كامل، لكنه خرج من السجن أكثر صلابةً وإيمانًا بأن الأوطان لا يحرسها إلا الرجال الذين لا يساومون على كرامتهم.
لكن ما جعل أبا الوليد مختلفًا حقًا، لم يكن فقط تاريخه النضالي…
بل أخلاقه التي سبقت كل شيء.
خمسة عشر عامًا كاملة قضاها رجلَ إصلاح بين الناس، يطوف بين البيوت كما يطوف الضوء في العتمة، يطفئ نار الخلافات، ويجمع القلوب المتباعدة، ويزرع المحبة في الأماكن التي حاولت الخصومات أن تخربها.
كان يؤمن أن الإصلاح ليس وجاهة اجتماعية، بل رسالة أخلاقية تحتاج قلبًا نقيًا وصبرًا كبيرًا.
دخل بيوت الناس دون تكلف، فصار واحدًا من أهلها.
واستمع إلى وجع الجميع دون أن يملّ، حتى صار اسمه مرادفًا للخير والستر والكلمة الطيبة.
لم يكن متكبرًا رغم احترام الجميع له،
ولا متصنعًا رغم مكانته في المجتمع،
ولا يومًا ممن يردّون محتاجًا أو يكسرون خاطر إنسان.
كان إذا صافحك منحك شعور الطمأنينة،
وإذا تحدّث إليك شعرت أن بينك وبينه عِشرة عمرٍ كامل،
وإذا ناداك بقوله البسيط الصادق:
“يسعد مساك يا ابن خالي…”
شعرت أن الدنيا لا تزال بخير.
وفي عام 2018، حين تم تعيينه مختارًا لأهالي قرية زرنوقة المحتلة قضاء الرملة من قبل وزارة الحكم المحلي، لم يكن ذلك تكريمًا إداريًا فحسب، بل اعترافًا طبيعيًا بمكانة رجلٍ عاش عمره بين الناس ولأجل الناس.
فالمختار الحقيقي ليس من يحمل ختمًا رسميًا…
بل من يحمل ثقة الناس ومحبتهم ودعاءهم الصادق.
ثم جاءت الحرب…
وجاءت الأيام التي تحوّلت فيها غزة إلى وجعٍ مفتوح على السماء، وصار الموت يطرق الأبواب بلا استئذان.
وفي معارك جباليا الثالثة، خلال ما عُرف بخطة الجنرالات، ارتقى أبو الوليد شهيدًا بتاريخ 28/10/2024 إثر قصفٍ صاروخي استهدف مشروع بيت لاهيا، واستشهد معه ابنه في مشهدٍ تختصر قسوته حكاية فلسطين كلها.
رحل الأب والابن معًا…
وكأن القدر أراد أن يكتبهما في الصفحة ذاتها من صفحات الخلود.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الغياب مجرد فكرة…
بل صار وجعًا حقيقيًا يسكن القلوب.
فبعض الرجال حين يرحلون، لا تفتقدهم عائلاتهم فقط، بل تفتقدهم الشوارع، والمجالس، والوجوه التي اعتادت حضورهم، وحتى الكلمات التي كانت تبدو أجمل بوجودهم.
يا أبا الوليد…
كيف للمراثي أن تختصر رجلاً يشبه النقاء؟
وكيف للحروف أن تحمل كل هذا الفقد؟
لقد تركتَ خلفك سيرةً أنظف من الضجيج،
وأكبر من المناصب،
وأبقى من العمر نفسه.
ستبقى حيًا في ذاكرة الناس لأنك كنت إنسانًا حقيقيًا، وفي هذا الزمن… الرجال الحقيقيون نادرون جدًا.
نم قرير العين يا ابن عمّتي…
فأمثالك لا يُدفنون في التراب،
بل يُزرعون في القلوب،
ويكبرون هناك دعاءً وحنينًا ووجعًا لا ينتهي.
رحمك الله يا أبا الوليد،
ورحم ابنك الشهيد،
وجعل مقامكما في عليين،
وترك لنا بعدكما هذا الحزن الثقيل الذي لا يُقال بالكلمات…
بل يُقرأ بين السطور.



#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين لا يشفع التاريخ.... كيف خسر عباس زكي معركة المركزية؟
- فتح لا تُهزم من الخارج… بل حين يتحول بعض أبنائها إلى سكاكين ...
- “فتح الأم” في مواجهة “فتح الرِّدة”… معركة الهوية داخل الحركة
- زلزالٌ تنظيمي يهزّ المركزية… وفتح تدخل مرحلةً جديدة
- المؤتمر الثامن بين رهبة المرحلة… وامتحان استعادة الروح التنظ ...
- قصيدة “ليس المؤتمرُ مقاعد… بل اختبارُ رجال
- دقّت طبولُ الانتخابات… فكونوا على قلبِ رجلٍ واحد
- حذارِ من غضب غزة… هنا تُصنع الثورة ويُمتحن الرجال
- كلُّنا ديوك… فمن أين جاءت كرتونة البيض؟! قراءة ساخرة في “جنو ...
- المؤتمر الحركي… ليس ساحة برامج شخصية بل ورشة بناءٍ تنظيمي شا ...
- السقوط كإنجاز… حين تختل بوصلة الوعي التنظيمي في حركة فتح
- فتح – المؤتمر العام الثامن كتلة غزة: 600 صوت… أم 600 مشروع ف ...
- في المؤتمر الحركي الثامن… أصواتٌ تُحتسب وأخرى تُهدر… والفارق ...
- بين العدالة التنظيمية واستحقاقات المؤتمر الثامن: هل أنصفت فت ...
- اللجنة المصرية في غزة… حين يلتقي الفعل بالضمير، وتكتب المياد ...
- اللجنة المركزية لفتح أمام غزة… الامتحان بين الحضور والغياب
- وداعًا صديقي بشير المقادمة… كأنّ شيئًا في داخلي رحل
- أبناء فتح… بين الوفاء والانتهازية
- السجائر الخضر… اشحن راسك بشيقل: جريمة تُرتكب وصمتُ حكومة الأ ...
- المكاتب الحركية في فتح… استحقاق التمثيل بين عدالة التنظيم وض ...


المزيد.....




- شاهد.. تفاصيل جديدة تكشف مخططًا أوسع لهجوم مسجد سان دييغو
- كبير جواسيس أوروبا يعلق على وضع ساحات المعارك بأوكرانيا وموق ...
- مصر.. فيديو رجل ضخم وما فعله بشارع يلاقي رواجا والأمن يعلق
- ساعات حاسمة بالشرق الأوسط: جهود دبلوماسية مكثفة في طهران لمن ...
- خمس دقائق من التمارين يومياً قد تساعد ملايين الأشخاص على الع ...
- قائد الجيش الباكستاني يزور إيران ويجتمع مع عراقجي
- استعدادا لإرسال بعثات مأهولة إلى القمر... الصين تطلق مهمة -ش ...
- إيران تتهم أمريكا بوضع -مطالب مفرطة- تعطل مفاوضات إنهاء الحر ...
- الساحل الأفريقي..حين تفشل الدولة وتقوى المليشيات
- غرين: ترمب قد يستغل حرب إيران لإلغاء الانتخابات الرئاسية


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سامي ابراهيم فودة - الشهيد أبو الوليد… حين يرحل الرجال وتبقى المواقف عبد الغفار حسن محمد عودة