أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد رياض اسماعيل - هل الاخلاق نتاج سفر تاريخي ام لوعي فكري؟














المزيد.....

هل الاخلاق نتاج سفر تاريخي ام لوعي فكري؟


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 18:17
المحور: قضايا ثقافية
    


نتساءل في هذا المقال "هل الاخلاق نتاج سفر تاريخي ام هي نتاج ليقظة ووعي فكري؟"، حيث خلصت في مقالتي السابقة (ظاهرة العنف في المدارس) الى ان التاريخ يبني "الأعراف"، والوعي هو الذي يبني "القيم". بالعودة الى موضوع البحث، تُعد هذه القضية من أقدم المعارك الفكرية في الفلسفة، والحقيقة أنها ليست صراعاً بين "تاريخ" و"وعي" بقدر ما هي رحلة تكاملية. يمكن تقسيم الإجابة إلى مدرستين أساسيتين:
1. الأخلاق كنتاج "سفر تاريخي" (المدرسة التطورية والاجتماعية):
يرى أصحاب هذا التوجه، مثل نيتشه في كتابه "جينيالوجيا الأخلاق" أو علماء الاجتماع مثل دوركايم، أن الأخلاق ليست قيماً ثابتة سقطت من السماء، بل هي تراكمات لخبرات بشرية:
• البقاء والمنفعة: بدأت الأخلاق كحيل ذكية للبقاء. فالصدق والتعاون لم يكونا "فضائل" في البداية، بل كانت سلوكيات تضمن قوة القبيلة واستمرارها.
• تراكم التقاليد: مع الزمن، تتحول العادات النفعية إلى "مقدسات" اجتماعية. ما كان بالأمس وسيلة لتجنب الصراع، يصبح اليوم "واجباً أخلاقياً".
• النسبية التاريخية: يجادل هذا الطرف بأن ما نعتبره اليوم "أخلاقياً" (مثل المساواة) كان يُنظر إليه في عصور سابقة كخلل اجتماعي، مما يثبت أن التاريخ هو الذي يصوغ ضميرنا.
2. الأخلاق كنتاج "يقظة ووعي" (المدرسة العقلانية والمثالية):
يرى فلاسفة مثل إيمانويل كانط أن الأخلاق لا تستمد شرعيتها من العادة أو التاريخ، بل من العقل الخالص والوعي الذاتي:
• القانون الأخلاقي الداخلي: الوعي هو الذي يكتشف الحقيقة الأخلاقية. فالإنسان، بفضل وعيه، يدرك أن "العدل" قيمة مطلقة لا ترتبط بزمان أو مكان.
• الاستقلال عن التجربة: الوعي الأخلاقي هو "يقظة" تجعل الإنسان يتجاوز غرائزه وتاريخه. فالمصلحون عبر التاريخ (مثل سقراط) وقفوا "ضد" الموروث التاريخي لمجتمعاتهم بناءً على وعي فكري متجدد، وكذا الأنبياء..
• الإرادة الحرة: لولا الوعي، لكان الإنسان مجرد آلة تكرر ما تعلمته من الماضي. الوعي هو الذي يمنحنا القدرة على نقد التاريخ وتغيير مساره الأخلاقي.
يمكن ان نخلص في هذه الجدلية الى إن الأخلاق هي تراكم تاريخي يحرره الوعي الفكري:
• التاريخ يوفر "المادة الخام" (التجارب، العادات، القوانين).
• الوعي يعمل كـ "مصفاة" أو ناقد؛ فهو الذي يستيقظ ليرفض العبودية (رغم أنها كانت مقبولة تاريخياً) أو ليؤصل لحقوق الإنسان.
نظرة د. علي الوردي في الاخلاق:
يعتبر كتاب "الأخلاق" للدكتور علي الوردي من المؤلفات المثيرة للجدل، حيث ينظر للأخلاق ليس كقواعد سماوية أو قيم ثابتة، بل كظاهرة اجتماعية تخضع لظروف البيئة والمجتمع. نلخص فكرة الوردي في الاخلاق بما يأتي:
1. الأخلاق ليست ثابتة
يرى الوردي أن الأخلاق نسبية وليست مطلقة. فما يعتبره مجتمع ما "فضيلة"، قد يراه مجتمع آخر "رذيلة" بناءً على الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
2. نقد "الوعظ التقليدي"
يهاجم الوردي بشدة أسلوب الوعاظ الذين يكتفون بالنصح والإرشاد لتغيير أخلاق الناس. هو يعتقد أن الوعظ لا يغير السلوك إذا كانت الظروف المحيطة بالإنسان (مثل الفقر أو الجهل) تدفعه لغير ذلك، متأثرا بفلسفة ابن خلدون.
3. الصراع بين البداوة والحضارة
كعادته، يربط الوردي الأخلاق في المجتمع العربي بالتصادم بين:
قيم البداوة: مثل الشجاعة، العصبية، والاعتداد بالنفس.
قيم الحضارة: مثل الالتزام بالقانون، الاستقرار، والمصالح المتبادلة.
هذا التناقض يؤدي إلى ما يسميه الوردي بـ "ازدواج الشخصية".
4. الأخلاق والمصلحة
يؤكد الكتاب أن الإنسان غالباً ما يغلف مصالحه الشخصية والطبقية بإطار أخلاقي. فالقوي يضع قوانين أخلاقية تخدم سيطرته، والضعيف قد يلتزم بها خوفاً أو طمعاً. ويمكن اختصار القول في ان الأخلاق عند علي الوردي هي "نتاج اجتماعي" يتغير بتغير البيئة، ولا يمكن إصلاحها بالخطب الرنانة، بل بإصلاح واقع المجتمع وظروفه المعيشية.
تقع أفكار الدكتور علي الوردي في منطقة وسطية فريدة بين المدرستين المثالية والتطورية، لكنها تنحاز بشكل حاسم إلى الجانب الاجتماعي والواقعي على حساب الجانب العقلاني أو المثالي، وكما يأتي:
1. موقفه من المدرسة العقلانية والمثالية (الرفض)
يقف الوردي في تضاد تام مع هذه المدرسة. هو يرى أن "العقل" ليس حَكماً مستقلاً كما يزعم الفلاسفة المثاليون، بل هو "خادم للعواطف والمصالح". أي ان وظيفة العقل تأتي في خدمة حامله "الانسان"، بالنسبة له:
الأفكار والمبادئ ليست فطرية أو سماوية ثابتة، بل هي انعكاس للواقع الاجتماعي.
ينقد بشدة "المنطق الأرسطي" الصوري الذي يعتمد على القياس العقلي البعيد عن التجربة والملاحظة.
2. موقفه من المدرسة التطورية الاجتماعية (التبني)
ينتمي الوردي بوضوح إلى هذه المدرسة، متأثراً بشكل كبير بـ ابن خلدون وعلم الاجتماع الحديث (مثل أفكار ويليام أوغبرن وفيبلين). تظهر نزعته التطورية والاجتماعية في:
- البيئة قبل الفكر: يرى أن الإنسان ابن بيئته؛ فالبدوي يفكر بعقلية بدوية لأن ظروف الصحراء فرضت عليه ذلك، وليس لأنه اختار ذلك بعقله المجرد.
- التغير الاجتماعي: يؤمن بأن القيم والأخلاق تتطور وتتغير بتغير أنماط الإنتاج والمعيشة (مثلاً، الانتقال من الرعي إلى الزراعة أو المدينة).
- النسبية: لا يؤمن بالحقيقة المطلقة، بل يرى أن الحقائق نسبية وتتطور بتطور المجتمعات.
الوردي هو سوسيولوجي واقعي بامتياز، يرى أن "المجتمع" هو الذي يصنع "العقل" وليس العكس. لذا فهو أقرب ما يكون للمدرسة الاجتماعية المادية (بمعنى ارتباط الفكر بالواقع المادي والبيئي) وأبعد ما يكون عن المثالية التي تعتقد أن الأفكار تقود العالم من تلقاء نفسها.
خلاصة القول من مجمل ما تم ذكره في اعلاه هو ان الأخلاق تبدأ كسلوك جماعي (تاريخ)، لكنها لا تصبح "أخلاقاً" بالمعنى الإنساني الرفيع إلا عندما تمر عبر بوابة اليقظة الفكرية التي تمنحها المعنى والغاية. التاريخ يبني "الأعراف"، والوعي هو الذي يبني "القيم".



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الثاني-
- تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الأول-
- ظاهرة العنف في المدارس
- العراق بين الماضي والحاضر
- الكتابات الساخرة في الادب العراقي
- رحلة في اغوار تاريخ الحضارات
- فرحة الاعياد بين الامس واليوم
- الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر
- ثلاثة سبل لنجاعة الحكم
- اجعل العقل خزانا للوعي
- متى يتحرر الكورد؟
- خواطر وتساؤلات من الحياة
- الانتخابات ووضع الكورد المصيري
- تطوير حقل كركوك بين إمكانات وزارة النفط والعقد مع شركة BP
- اليك.. بَعضٌ من هذياني (محاورة روحية)
- الانسان هو الغاية والامل
- ازمة المرور في مدن العراق الى اين؟
- ذاكرة العقل تعطل فهمنا للواقع
- الحب في العلاقات الإنسانية (وجهة نظر)
- الزمن ذلك اللغز المحير


المزيد.....




- مع زيارة ترمب هكذا أصبحت الصين ترى الجيش الأمريكي
- إسرائيل تتجه لانتخابات مبكرة.. الائتلاف الحاكم والمعارضة يتس ...
- من المواكب إلى الطعام.. ماذا نعرف عن تأمين زيارة ترمب إلى ال ...
- ائتلاف نتانياهو يبادر بمقترح لحل الكنيست ويدفع إسرائيل نحو ا ...
- -فيرون- لديه الإجابة عن سبب فشل المفاوضات بين أمريكا وإيران ...
- بعد فقدان أميركيين.. المغرب يعلن العثور على -الجثة الثانية- ...
- روبيو يكشف أهداف ترامب من رحلة بكين.. وإيران في صدارتها
- -نحتفظ بحق الرد-.. طهران تطالب الكويت بالإفراج عن 4 إيرانيين ...
- إيران: الحصار يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطنين
- غيرت موقفها للمرة الأولى.. موركوفسكي تقود منعطفا جمهوريا بال ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد رياض اسماعيل - هل الاخلاق نتاج سفر تاريخي ام لوعي فكري؟