|
|
رحلة في اغوار تاريخ الحضارات
محمد رياض اسماعيل
باحث
(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)
الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 14:04
المحور:
قضايا ثقافية
تطرقت في مقالات سابقة على التاريخ البشري الحافل بالحروب والصراعات، لماذا يزداد الانسان وحشية و قساوة وعنفاً و بربرية بعد ملايين السنوات على تواجده على هذه الارض وتطوره عبر احقاب الزمن من الحياة البسيطة القائمة على المجادلة للبقاء احياء، كسائر الحيوانات في ارض لا حدود سياسية فيها ولا لغة ولا دين ولا مذهب ولا قومية ، من مشاعة تامة الى ما نحن عليه اليوم من رفاه وحضارة متقدمة في كل المجالات وحدود سياسية واقوام و الوان وعقائد واديان ومذاهب ، وفي كل مرحلة من مراحل الحضارات كان الانسان يعظم دور عقله فيجد ويكتشف ويخترع وينظم ، وفي الوقت نفسه يخفض من قيمة الايادي فيستخدم الالة الصناعية . اتفق مؤرخو التاريخ على ان الأنماط المتكررة التي تحكم سلوك البشر والمجتمعات تقع ضمن ما استنبطوه كالاتي: 1. الأرض والجغرافيا أن الجغرافيا هي القالب الذي يُصب فيه التاريخ، الطبيعة لا ترحم، فالمناخ، والموارد، والبحار تحدد مسار الإمبراطوريات لذا فان التاريخ مجرد "جزء من الجغرافيا". بيد ان التكنولوجيا غيرت المعادلة، يلاحظ أن التطور التكنولوجي (مثل الطيران) قد قلل من أهمية الحواجز الجغرافية، لكنه لا يلغي تأثيرها الجذري على الاقتصاد والسياسة. 2. هناك قوى أساسية تعمل في الفكر الموجه للجسد البشري كغرائز، وهذه القوى مستمدة من تاريخ البشر منذ تواجده وارتقاءه على هذا الكوكب، بدءا من غريزة البقاء، الى الغرائز التي تدافع عن مكنون النفس او الذات البشرية، او بمعنى اخر الوعي العام السائد التي تتطور وتحدث نفسها وترتقي عصرا بعد الاخر.. ان الانسان مستهدف بهذا التطور، حين أقول الانسان فاعني المرأة والرجل معا، وما الفروقات البيولوجية بينهما الا صفة لديمومة النوع البشري على كوكبنا. فقد يكون لدى الرجل عواطف أكثر من النساء وقد تكون لدى المرأة رجولة وصلابة أقوى من الرجال، فهي صفة نسبية ونوعية. والاهم هو ان تصبح انساناً! المرأة والرجل يجب عليهما التحرر من هذه القيود والمحددات الداخلية من صفات اجسادنا الداخلية، وهذا ما نعنيه بالوعي الانساني، فالذكاء الذي خلق هذا الجسم، يعمل في دواخلنا ذكرا كنا او انثى.. أن قوانين البيولوجيا هي ذاتها قوانين التاريخ، فالحياة هي المنافسة، الصراع هو الوضع الطبيعي، سواء كان سلمياً (اقتصادياً) أو عنيفاً (حرباً). الحياة هي الانتقاء، الطبيعة لا تؤمن بالمساواة؛ فالأفراد يولدون بقدرات متفاوتة، والتاريخ يميل لمكافأة الأكثر تكيُّفاً، وهناك التكاثر، فالحياة يجب أن تتكاثر، الطبيعة تهتم بالنوع أكثر من الفرد، والنمو السكاني هو المحرك الخفي للصراعات الكبرى. 3. الأخلاق والمعتقدات • الأخلاق متغيرة: ما كان فضيلة في "عصر الصيد" (مثل الشراسة) أصبح رذيلة في "العصر الزراعي"، ثم تغير مرة أخرى في "العصر الصناعي". الأخلاق تتكيف مع الحاجة الاقتصادية. والدين ضرورة اجتماعية، يرى الكثيرون أن الدين هو الأداة التي تمنح الأخلاق هيبة وسلطة، ويساعد الفقراء على تحمل عدم المساواة الاجتماعية، مما يحافظ على استقرار المجتمع. الاخلاق من الأمور النسبية التي يختلف الناس في تقديرها، يقول د. علي الوردي ((قد يصح القول بأنّ كل ثقافة بشرية تتخذ لنفسها نظاماً في الأخلاق خاصاً بها، وهي تنظر إلى اخلاق الأخرين بشيء من الريبة والاحتقار. لذا وجب علينا قبل البحث في الضائع من الأخلاق العربية أن نعرف ما هو الأساس الذي تبني عليه البحث. إنّها بعبارة أخرى يجب أن نعرف ما هي الأخلاق قبل أن نعرف ما هو الضائع منها. وفي سبيل اتخاذ ركزيه استند عليها في طرق هذا الموضوع سأحاول المقارنة بين أخلاق البداوة والحضارة. ولي سبب يدعوني إلى ذلك، حيث وجدت أنّ المجتمع العربي قد اختص من بين كثير من المجتمعات الأخرى بكونه شديد الصلة بالبداوة من ناحية، وكونه موطن أعرق الحضارات في التاريخ من الناحية الأخرى)). ان كل شيء (عقائد او اديان) انت مستعد ان تموت من اجله هو نفس الشيء الذي انت مستعد ان تقتل من اجله.. إذا كان ادراكك ينمو وينضج خلال هذه المفاهيم المتدحرجة عبر الزمن من التراث القبلي البائد، وليس بتعريف الانسان ككائن كوني، ستستمر في جلب التعاسة للبشر عصرا اخراً ولكنها حتما ستتغير في سلسلة تطور وارتقاء الانسان الوجودي على الأرض، بسبب اللبس والتناقض بين مفاهيم العصر البائد ومتطلبات العصر الراهن، فلا يمكن ان تلبس لباس العصر وتعود القهقري لفكر القرون الوسطى! وهذا التناقض هو فتيل التطور أساسا. 4. الاقتصاد وتوزيع الثروة ان الثروة تتركز في أيدي الأقلية دائماً بسبب تفاوت القدرات البشرية. عندما يصل التركز إلى نقطة حرجة لا يطيقها المجتمع، يتدخل التاريخ عبر وسيلتين، الاولى الإصلاح السلمي (إعادة توزيع الثروة من خلال الضرائب) والثانية الثورة العنيفة (الانهيار وإعادة التوزيع بالقوة). 5. السياسة (الديمقراطية والاستبداد) الانسان ذلك المخلوق الذي يختزل كل مشاعر الاحياء على كوكب الأرض، وهذه المشاعر تتفاوت فاعليتها عند الانسان بحسب سلسلة التطور والارتقاء التي اقترنت بوجوده على الأرض، لنبدأ من كونه صياد عنيف يجول في البراري للبحث عن ضالته بكل شراسة ووحشية، مختزلا كل وجوده في تدبير قوته اليومي واشباع نزعته الجنسية، ثم تعاقبت العصور عبر الزمن، وحين وصل الى العصر الراهن، ترك وراءه ارثا من القوانين والمفاهيم الفلسفية والإدارية ينظم حياة التسلط والانانية والاحتكار وفي الوقت عينه نظم الإجراءات لتسهيل حياة البشر ورفع قدرة القضاء. اقترن كل ذلك بالوعي العام واكتسب الانسان معظم اخلاقه وسلوكه من ذلك الوعي السائد، وأصبح أكثر شغفا للإقليمية ودائرة الانتماءات العرقية، السلطة على الأرض والثروات، فالإنسان وحده في هذه الارض يقترف الجرائم، ومعظمها تأتي من إقليمية ومحدودية التعريف، تلك التي تخلق الانقسامات ثم الخصومة فالصراع (هذه عائلتي، او هذا وطني، هذا ديني، هذا مذهبي، هذه ثروتي، هذا اقتصادي، ملكيتي.. وهكذا) كل جرائم الحروب والعنف جاءت من هذه التعريفات. يلاحظ أن الحكم ينتقل غالباً من الملكية إلى الأرستقراطية في الدورة السياسية، ثم إلى الديمقراطية، ثم ينتهي غالباً بدكتاتورية نتيجة الفوضى أو غياب النظام. اما الديمقراطية، هي أصعب أنواع الحكم لأنها تتطلب شعباً متعلماً ومسؤولاً، لكنها الأفضل، لأنها تمنح الفرد فرصة للتطور والنمو. 6. هل يتقدم التاريخ حقاً؟ نختم القول بطرح سؤال فلسفي" هل البشر يتطورون أم يكررون أخطاءهم فقط"؟ ونجيب على ذلك باقتضاب: • الإنسان لا يتغير: الغرائز البشرية (الجوع، الجنس، الطمع، العدوان) لم تتغير منذ آلاف السنين. • التقدم هو التراث: التقدم الحقيقي ليس في تغيير طبيعة الإنسان، بل في "تراكم المعرفة" ونقلها للأجيال القادمة. نحن نتقدم لأننا ننهل من المعين التراكمي المعرفي من السلف والتي تفتح افاقا للوعي وتوسع مداركنا واُفُقَنا نحو المستقبل. نخلص الى القول بان التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكن الطبيعة البشرية تفعل ذلك. ويفترض ان نفهم بأن صراعاتنا المعاصرة ليست سوى فصول جديدة في قصة قديمة جداً. في الاشتراكية والرأسمالية أو دور العرق في التاريخ: ان العلاقة بين الاشتراكية والرأسمالية باختصار شديد هما وجهين لعملة تاريخية واحدة: • الصراع الأزلي: أن الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية ليس وليد العصر الحديث، بل هو تكرار لنمط اقتصادي قديم ظهر في سومر، بابل، مصر القديمة، وحتى روما. • الرأسمالية هي "طبيعة البشر": أن الرأسمالية تنجح لأنها تستند إلى الدوافع الفطرية للإنسان (حب التملك، المنافسة، والرغبة في التفوق). هي محرك اقتصادي جبار لأنها تكافئ المهارة والابتكار، لكن عيبها القاتل هو أنها تؤدي حتماً إلى تمركز الثروة في يد قلة موهوبة أو محظوظة. • الاشتراكية هي "رد فعل الطبيعة": عندما يصبح الفارق بين الأغنياء والفقراء شاسعاً لدرجة تهدد الاستقرار، تظهر الاشتراكية كحركة تصحيحية. هي ليست مجرد فكرة سياسية، بل هي "صرخة المجتمع" لإعادة التوازن. • التاريخ هو "بندول" يتأرجح: أن التاريخ يتحرك في دورات. تبدأ المجتمعات بحرية اقتصادية (رأسمالية)، ثم تتركز الثروة، فتحدث اضطرابات، ثم تتدخل الدولة لفرض قيود أو إعادة توزيع الثروة (اشتراكية)، وهذا يؤدي لاحقاً إلى خنق الابتكار، فتعود المطالبة بالحرية الاقتصادية مرة أخرى. هل هما متناقضان حقاً؟ الرأسمالية والاشتراكية يقتربان من بعضهما البعض مع مرور الوقت. واشرت في احدى مقالاتي الى ان أمريكا تتحول الى الاشتراكية خلال منح سياسة الأولويات التي تفرضها الدولة من التامين الصحي ونظم التعليم والضرائب. • الخوف من الثورة: يدفع الرأسمالية لتبني سياسات اشتراكية (تأمين صحي، ضرائب تصاعدية، حد أدنى للأجور) للحفاظ على النظام. • الحاجة للكفاءة: تدفع الأنظمة الاشتراكية لتبني سياسات رأسمالية (حوافز مادية، ملكية جزئية، سوق حر) لإنقاذ الاقتصاد من الركود. "إن الخوف من الرأسمالية قد أجبر الاشتراكية على منح الناس مزيداً من الحرية، وإن الخوف من الاشتراكية قد أجبر الرأسمالية على منح الناس مزيداً من العدالة". دروس من الماضي (مثال تاريخي): أقرب مثال تاريخي مشابه لهذه التجربة من حيث السياق والنتائج هو "الصفقة الجديدة" التي قادها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن العشرين ابان الكساد الكبير والبطالة الجماعية وانهيار البنوك. روزفلت منع وصول التطرف (الشيوعي أو النازي) إلى أمريكا. واتبع حلا وسطا فلم يلغي الملكية الخاصة بالكامل، بل وضع قوانين تنظمها لضمان بقاء النظام واستقراره. حاول الموازنة بين حقوق الفقراء وامتيازات الأثرياء لامتصاص الغضب الشعبي، اعتمد على صياغة تشريعات قانونية شاملة أصبحت مرجعاً لعقود طويلة بعد رحيله. عندما انقسمت امريكا بين فقراء مدينين وأغنياء يملكون كل شيء، لم يختر روزفلت تدمير الأغنياء أو إبادة الفقراء، بل قام بـ: • الاصلاح المصرفي والاجتماعي وتسهيل سداد الديون. • حماية الودائع. • تقديم اعانات بطالة • وضع حد أدنى للأجور • فرض ضرائب تصاعدية. • تعزيز دور الدولة في الاقتصاد وحماية حقوق العمال والنقابات وكانت نتيجة هذه الاجراءات أنقذت امريكا من حرب أهلية محققة، وهذا ما يسمى ب "الإصلاح السلمي" الذي يقي من "الثورة الدموية". ويبقى السؤال الأهم "لماذا تسقط الحضارات وكيف تنتهي الأمم العظيمة؟" أن سقوط الأمم ليس مجرد صدفة تاريخية أو هزيمة عسكرية مفاجئة، بل هو "عملية بيولوجية ونفسية" معقدة نوجز منها الأسباب الجوهرية حسب اراء المؤرخين: 1. الاستنزاف البيولوجي والسكاني أن الأمة تبدأ في الانهيار عندما يفقد شعبها "إرادة الحياة" • العقم السكاني: لوحظ أن الحضارات في أوج ترفها تميل إلى تقليل الإنجاب، مما يؤدي إلى "شيخوخة المجتمع" ونقص في القوة البشرية اللازمة لحماية الحدود أو الإنتاج. • استبدال الشعوب: عندما يقل عدد السكان الأصليين، تضطر الدولة لاستقدام "غرباء" (مهاجرين أو عبيد) للقيام بالأعمال الشاقة، ومع الوقت يتغير النسيج الثقافي والولاء للدولة. 2. التصلب الفكري والجمود الحضارة الشابة تكون مرنة ومستعدة للتعلم، لكن الحضارة العجوز تصاب بما يسمى "التصلب"، تصبح القوانين والأنظمة معقدة جداً وغير قابلة للتغيير. وتسيطر "البيروقراطية" على مفاصل الدولة، مما يقتل روح المبادرة والإبداع لدى الأفراد. 3. الفجوة الاقتصادية الحادة التاريخ هو صراع دائم حول توزيع الثروة. السقوط يحدث عندما: • تتركز الثروة في يد أقلية ضئيلة جداً، بينما تعيش الأغلبية في فقر مدقع. • عندما تفشل الدولة في إعادة توزيع الثروة (عبر الضرائب العادلة أو الإصلاح)، تلجأ الجماهير إلى الثورة العنيفة التي تدمر البنية التحتية للحضارة بدلاً من إصلاحها. 4. ضرورة وجود منظومة أخلاقية للأمة، بغياب "الرابط الأخلاقي"، يتفكك المجتمع إلى أفراد أنانيين لا يجمعهم هدف مشترك، مما يجعلهم لقمة سائغة لأي غزو خارجي بسيط. "إن الحضارة العظيمة لا تُهزم من الخارج إلا إذا كانت قد دمرت نفسها من الداخل." هل الحضارة تموت تماماً؟ رغم تشاؤم التحليل؛ فهناك تفاؤلا في النهاية، لأن "التراث الحضاري" (العلم، الفن، الفلسفة) لا يموت بسقوط الدولة، بل ينتقل كالشعلة إلى أمة أخرى لتبدأ به دورة حضارية جديدة. لو أردنا أن نطبق هذه القواعد على حضارة معينة (مثل الحضارة الرومانية أو الإسلامية) لنرى كيف سقطت؟ فعلى سبيل المثال نتناول الإمبراطورية الرومانية، لأنها النموذج المفضل لشرح "فلسفة السقوط"، فهي الحضارة التي لخصت كل أخطاء البشرية. أن روما لم تسقط بسبب "البرابرة" كما يظن الكثيرون، بل إن البرابرة دخلوا روما لأنها كانت قد ماتت بالفعل من الداخل للأسباب التالية: 1. الاستنزاف البيولوجي (نقص الرجال) إن الطبقات العليا والمتعلمة في روما توقفت عن الإنجاب بسبب الانغماس في الترف، بينما كان الفقراء يزدادون عدداً لكن دون تعليم أو ولاء حقيقي للدولة. هذا أدى إلى "خلل نوعي" في السكان، واضطرت روما للاعتماد على المرتزقة لحماية حدودها، وهؤلاء المرتزقة هم من انقلبوا عليها لاحقاً. 2. التضخم والضرائب الخانقة في مراحلها المتأخرة، تضخمت البيروقراطية الرومانية بشكل مرعب. لكي تطعم الدولة جيوشها وموظفيها، رفعت الضرائب على المزارعين والتجار الصغار حتى أفلسوا. ترك المزارعون أراضيهم لأن الضرائب كانت أكثر من إنتاج الأرض. تحولت روما من دولة "منتجة" إلى دولة "مستهلكة" تعتمد على القمح المستورد. 3. الصراع بين "القديم" و"الجديد" (أزمة الإيمان) أن الرواقية والديانات الوثنية القديمة التي بنيت عليها عظمة روما بدأت تتآكل أمام التشكيك الفلسفي. وعندما ظهرت المسيحية، كانت تمثل "روحاً جديدة" لم تستطع الدولة الرومانية العجوز استيعابها في البداية، مما خلق انقساماً داخلياً حاداً بين تراث الأجداد وبين العقيدة الجديدة التي تبناها الشعب. 4. انغماس النخبة في الملذات تحول القادة من "رجال دولة" يخدمون روما إلى "مستهلكين" يبحثون عن المتعة الشخصية. فمثلا المسارح الرومانية وحلبات المصارعة كانت "مخدرات" تهدف لإلهاء الشعب عن الكوارث الاقتصادية والسياسية التي تحيط بهم. أن "التاريخ يكرر نفسه". أن أي أمة تصل لمرحلة من الترف المفرط، وإهمال الأسرة، وتمركز الثروة، والاعتماد على الاستهلاك بدلاً من الإنتاج، فهي تسير حتماً في طريق الهاوية. تطرقنا في أعلاه الى "تشريح" لسقوط الحضارات، ننتقل لموضوع أكثر إشراقاً يتناول نوعية تعليم الأجيال القادمة او تعليمهم "معنى الحياة". تناولت مشاكل التعليم في العديد من مقالاتي السابقة، وذكرت بان الدولة تتحكم في التعليم، وتتدخل في الكيان الإنساني وشروطه لتحقيق أغراضها الخاصة سواء ان كانت اقتصادية تنموية او خدمية او سياسية وإدارية.. المدارس بشكل عام تتبع أسلوب التلقين والفهم بالتحفيظ والتكييف للمناهج الموضوعة ومنها علمية تطبيقية تم التوصل اليها بالتجارب الواقعية ومنها سردية تقبل الاجتهاد ولا تنطوي على اية برهان بل مجرد توجيه وفق السياسة الراهنة للدولة، تلك التي تجعل على سبيل المثال الحقبة العثمانية من الحقب الزمنية الذهبية! وعندما يتغير الزمن وتأتي الى السلطة معارضي الحكومة السابقة تجعل منهاج الحقبة العثمانية من الحقب المظلمة في التاريخ البشري، وهكذا نرى ان المتلقي للدراسة في هكذا بيئة تتكون لديه أفكارا متكيفة ومتحكمة على سلوكه في الجوانب النفسية ولن يمكنه من إطلاق العنان للتفكير الحر اللامنتمي ليجعله نبراسا يشق فيه طريق التنوير والوعي. غالبا يكون لبيئة الطالب خارج المدرسة دوراً في امداد التكيف بحسب درجة تعلم الوالدين وحرصهم على تعليم أبنائهم، او يكون الطالب من اسرة متفككة جاهلة متخلفة تعمق التكيف الفكري لأتفه الأسباب. لذلك لا تعطي المناهج مجالا للتمرد او التوافق، فهم اللذين يضعون القواعد (افعل هذا ولا تفعل ذلك). العقل الذي يتعلم هو عقل حر، والحرية هي ان تشعر بالمسؤولية دون وصاية أحد. جوهر التعلم هو الحركة المستمرة دون التثبت بنقطة جامدة. إذا كان الهدف هو تحيزك وآرائك واستنتاجاتك، وانطلقت من هذا العائق، فإنك تتوقف عن التعلم. التعلم لانهائي، العقل الذي يتعلم باستمرار هو لا نهائي وهو أبعد من كل المعرفة. لذلك يفترض ان تتعلم وتتواصل. عندما يكون المرء صغيراً تكون لديه رغبة في التوافق، وعدم الشعور بالغربة عن الأشياء. إن معرفة طبيعة المطابقة وآثارها يجلب نظاماً خاصاً بها، واضعا في الاعتبار دائمًا عندما نستخدم كلمة الانضباط أن كلا من الطالب والمعلم في علاقة تعلم، وليس تأكيداً وقبولاً. عندما يتم فهم ذلك بوضوح، تصبح القواعد غير ضرورية. عندما لا يكون هذا واضحا، فلا بد من وضع القواعد. قد تثور ضد القواعد، أو ضد أن يقال لك ما يجب أن تفعله أو لا تفعله، ولكن عندما تفهم بسرعة طبيعة التعلم، فإن القواعد سوف تختفي تمامًا. فقط العنيدون، الحازمون ذاتياً، هم الذين يضعون القواعد (افعل كذا ولا تفعل ذلك). التعلم ليس متعة مثل الجنس او شرب الكحول، انه علاقتك مع المحيط والعالم، تعلم الهندسة او الطب يجعلك مهندسا او طبيبا وتؤمن على حياتك خلال مصدر ارتزاق اقتصادي وتساهم المجتمع في خططها التنموية، ولكن جودة التعليم يستهدف العقل. ولكي تبقى حيا فلابد ان يعمل العقل والقلب معا.. أن التعليم ليس مجرد حشو معلومات، بل هو "نقل التراث الحضاري من جيل إلى جيل" لضمان استمرار الإنسانية. تدور فلسفة كيفية بناء عقل الطفل وروحه بالمحاور التالية: 1. التعليم بالقدوة وليس بالتلقين أن الأطفال يقلدون ما "نفعله" لا ما "نقوله". الأخلاق بالنسبة له لا تُدرّس كحصص جامدة، بل تُكتسب من خلال مشاهدة الوالدين والمعلمين وهم يمارسون الصدق، الكرم، والعمل الجاد. 2. تدريس "تاريخ الحضارة" بدلاً من "تاريخ الحروب والفتوحات"، وعدم التركيز على أسماء القادة واسماء المعارك في المدارس. بل استعاضة ذلك بتعليم الأطفال كيف اكتشف الإنسان النار، كيف اخترع المحراث، وكيف بنى الفلاسفة الأفكار، والتركيز على تاريخ الفن والعلم؛ لأن هذا هو ما يبني النفس، بينما تاريخ الحروب قد يزرع بذور الكراهية والانقسامات. 3. الفضول هو المحرك الأساسي أن دور المعلم هو "إثارة التساؤل" وليس "تقديم الإجابات الجاهزة". الطفل الذي يسأل هو طفل يفكر، والمجتمع الذي يقمع الأسئلة يحكم على نفسه بالجمود الفكري. 4. الربط بين العقل والجسد أي (الرياضة والعمل اليدوي)، فالرياضة تقوي الإرادة والانضباط، والعمل اليدوي يُشعِر بقيمة الإنتاج ويحترم العمال والحرفيين، فلا ينشأ "متعالياً" بعلمه النظري، ان معنى الحياة ليس شيئاً نجده جاهزاً، بل هو شيء نحن من نقوم بصنعه. ويتحقق من خلال ثلاثة مسارات: العمل المبدع: أن تترك أثراً، ولو بسيطاً، خلفك. الحب والأسرة: يرى أن الأسرة هي "النواة التي تحمي الإنسان من عبثية الوجود". المشاركة في التراث الإنساني: أن تقرأ، تتعلم، وتستمتع بجمال ما صنعه العظماء قبلك. أن "الحياة قصيرة، لكن الحضارة طويلة"، وبقدر ما ننهل من جمال الحضارة، تصبح حياتنا أكثر قيمة وعمقاً.
#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)
Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فرحة الاعياد بين الامس واليوم
-
الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر
-
ثلاثة سبل لنجاعة الحكم
-
اجعل العقل خزانا للوعي
-
متى يتحرر الكورد؟
-
خواطر وتساؤلات من الحياة
-
الانتخابات ووضع الكورد المصيري
-
تطوير حقل كركوك بين إمكانات وزارة النفط والعقد مع شركة BP
-
اليك.. بَعضٌ من هذياني (محاورة روحية)
-
الانسان هو الغاية والامل
-
ازمة المرور في مدن العراق الى اين؟
-
ذاكرة العقل تعطل فهمنا للواقع
-
الحب في العلاقات الإنسانية (وجهة نظر)
-
الزمن ذلك اللغز المحير
-
في الاقتصاد النفطي العراقي وبناء الدولة الموحدة
-
تداعيات الحكومات العراقية الحديثة
-
السلام يصنعه الانسان
-
الحرائق الراهنة في الابنية والمتاجر ومرافق الدولة
-
الطبيعة هي القيمة المثالية العليا في الوجود والحياة
-
العدالة في ميزان الزمن
المزيد.....
-
لماذا تُعد جزيرة خرج الإيرانية ذات أهمية بالغة للرئيس ترامب؟
...
-
شتات عابر للحدود، كيف فرّقت حرب السودان بين 42 ألف طفل وذويه
...
-
دون إحداث أي تغيير في توزع القوى السياسية.. استطلاع يظهر انق
...
-
تقديرات استخباراتية: انهيار الأنفاق وتدمير المنصات يعيقان إط
...
-
معلومات عن تحالف دولي لإعادة فتح مضيق هرمز.. هل تشارك الدول
...
-
-قانون التجنيد- يشتعل في إسرائيل: عجز بـ15 ألف جندي والمعارض
...
-
مقابلة نويليا كاستيو قبل القتل الرحيم تؤدي إلى انتشار شائعات
...
-
-فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط-.. تقارير تكشف دور السعودية
...
-
تحركات غير عادية للعملات المشفرة في إيران.. فمن يقف وراءها؟
...
-
حرب في الشرق الأوسط.. اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع قرب ب
...
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|