أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد رياض اسماعيل - فرحة الاعياد بين الامس واليوم















المزيد.....

فرحة الاعياد بين الامس واليوم


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 12:04
المحور: كتابات ساخرة
    


العيد فرح ومسرة وسعادة، يأتي في تقاليدنا الدينية على الناس بعد كل عسر، فبعد صوم رمضان ٣٠ يوما من كل عام، نحتفل بعيد الفطر كما ونحتفل بذكرى عتق رقبة اسماعيل من الذبح بيد ابيه إبراهيم في عيد الأضحى الذي يأتي كل عام ايضا، حيث يذبح المسلمون الاضاحي من الانعام تقربا الى الله في هذا اليوم على وصية الله لنبيه! اي هو يوم فرح للذابح الباحث عن اللحم، وحزن للمذبوح الباحث عن الحياة! وهكذا نتوارث الفرح مبرمجا بهذه الآلية منذ 14 قرنٍ مضى! قد تكون الجوائز والعطايا والهدايا امرا محركا للسعادة في النفوس وخصوصا الاطفال، بدءا من شراء الملابس استعدادا ليوم العيد المرتقب.. وهنا اود الاشارة الى ان الاعياد تتأثر بدالة البلاد السياسية وحنكة الرجال القائمين عليها، لذلك تضاءلت كمية السعادة مع تأزم هذه الدالة. في طفولتنا قبل سبعة عقود، كانت للأعياد نكهة مميزة بسبب نعمة الاستقرار السياسي في بلداننا، اختلفت في أيام أولادنا واحفادنا، فجففت الاحداث السياسية الهائلة والمتتالية كل منابع السعادة وعصفت بالحياة وكأننا ولدنا لكي نموت احياءا.. حين كنا اطفال كانت العطايا في اول يوم العيد تأتي الينا بدءا من رب العائلة ثم الاقرباء، حيث يدين شعبنا، كما هو معروف، بالولاء المطلق لأسرته، وبضمنهم أبناء العم والعمة والخال والخالة. هذه هي حدود ولائه الأصيل والمقدس، قد تكون بسبب رابطة الدم وانحدار النسل، وما الى ذلك، ثم يتوسع الولاء الى المحلة ومن ثم المدينة فالبلد. وكانت العطايا (العيدية) بمثابة التجربة الأولى لنا في إدارة المال وتُشعِرنا بالمسؤولية، فنقوم بتحديد ابواب الصرف، نخصص للسينما (مشاهدة ثلاثة او أربعة افلام) كذا مبلغ، وللألعاب المسلية كالمراجيح بكذا مبلغ ثم اكل السندويشات الجاهزة والجلوس على مقاعد المطاعم، ثم الذهاب الى محال بيع الملاعيب لشراء مسدس وشريط اطلاقات صوتية، او الة موسيقية كالطبل، نأتي بها للبيت عند الظهيرة فرحين فرحا لا نظير له، كان اغلبنا يمتلك رغبة اقتناء هذه الأشياء وغيرها ويخالج فكرهم زمناً، ولكن لم يكن يسعفنا المال في اقتناءها، ليبقى املا ورغبة في الذاكرة، يسعى البعض منا لادخار ما يحصله من الاعمال الحرة (كباعة متجولين او ما شاكله) لاقتناء رغباته مستقبلا، وتبقى الفترة التي يسعى بها لجمع المال وتحقيق رغبته اسعد فترات حياته التي تُحفَر وتُكتنز في الذاكرة.. ويسعى البعض الاخر منا في تمويل مدخراته من العطايا التي تأتيه من الاهل والاقرباء، تماما كموازنة العراق التي تُمول من عطية النفط! نعود لنكمل احداث اليوم الأول من العيد، بعد تناول طعام الظهيرة الدسم في البيت كنا نعود لإكمال منهاجنا الحافل مع لعبة اليانصيب تلك اللعبة التي قد تحقق الآمال المرجوة في غضون ثوان لتختزل زمن تحقيقها، ثم أخيرا الذهاب الى السينما المسائية ثم نعود ادراجنا الى البيت خائري القوى تماما، ونلقي بأجسادنا في الفراش لنحلم بمنهاج اليوم التالي متأسفين على انقضاء ذلك اليوم البهيج واقترابنا من نهاية العيد.. ويكون حلم الليلة الاخيرة من العيد حزينا، لا نود فيه وداع العيد الذي يزاوج الآمال مع الواقع السعيد، ونعلل النفس بيوم خاتمة العيد او ذيل العيد الذي يعقب أيام العيد الرسمي.. ونسلي النفس بأمل استمرار هذه السعادة.. وكلما كبرنا تلاشت افراحنا، واصبحت افراح الاطفال هي وحدها التي تفرحنا في العيد، ونسدي لهم كل يوم من أيام العيد سيلا من النصائح لتجنب المخاطر في وضع البلاد الراهن، تلك النصائح لم نكن نتلقاها نحن في ايام الطفولة، وأصبح الاطفال لا يبالون للعيدية اهمية كما كنا نفعل، فاختفى السينما وصالاته الفارهة المزينة أطرافها بلقطات الأفلام و محال بيع المشروبات الغازية وكل ما حلى وطاب، ومتعة وقدسية صالة العرض التي يخيمها الصمت بعد إطفاء الاضاءة، وما ان تخرج من السينما الا ويقابلك أبو اللبلبي (بائع الحمص) على قدر ساخن ويعلو قبة اللبلبي فخذ عصفور اكتوى من التسخين حتى غدا عظماً يستغيث، وبجانبه أبو الداطلي (بائع الحلاوة) سكنت في صينيته كل ذباب الشارع ليضفي عليها نكهة مميزة! وتكسبنا مناعة طوال العمر. كما اختفت الالعاب التقليدية المتنوعة التي كانت تفترشها كل احياء المدينة من مراجيح خشبية وقطار خشبي وزورخانة (صالة عرض القوى) تعرض فيها الألعاب السحرية، والعاب مربحة كإمرار حلقة معدنية من سلك دون تماس، ولعبة تسجيل الهدف بضربات الجزاء، ولعبة رمي الزهر (اللكاو).. ثم اختفينا في غفلة من الزمن، ومرت صفحات طفولتنا وصبانا مرور البرق بين طيات السحاب، وسقطت الذكريات على رؤوسنا بعكس قانون جاذبية الأرض. اليوم تضاءل متعة الشعور بالاستقلالية المادية لدى الأطفال والسعادة التي كانت ترافقها، وأصبحوا يتكلون على الكبار لتتولى مرافقتهم وبرمجة مصاريفهم بحسب دخولها. وكانت قائمة الأولويات تأتي بتسلسل أهمية الشيء الذي نبتاعه ضمن العديد من المحاور المهمة في القائمة، ولم يكن يرتقي طموحنا لشيء خارج إمكانات المبلغ المرصود لنا او رصيدنا المتراكم، اما شرب البيبسي ولفة اللبلبي في استراحة السينما ما بين شوطي العرض كانت تدخل في باب النثريات اليومية.
اليوم أصبح العيد يقتصر على زيارة مدن الألعاب وشراء الملاعيب، واختلفت ملابس الأطفال لتصبح أكثر عملية، بلوز او قميص ومعطف مع بنطال وحذاء بمقاييس لا تتناسب وحجم الصبي! ويبدوا بان فرحة الاعياد فقدت بريقها، والغت الحياة المعاصرة من رونقها، وادخلت السياسات الخاطئة لحكام البلاد شعوبها في اتون الحروب والانقلابات والحصار الاقتصادي ووهم الثورات من اجل الاستقلال، وتآكلت قيم المجتمع وعادات الفرح والتزاور، وأصبح الانسان رهين المحبسين على حد تشبيه أبو المعري، تجري بنا الأيام ونحن نبحث عن أنفسنا، نمتلك اجنحة اللقالق ولا نقوى على الطيران وسط جوٍ معتم مسموم.. من المسؤول عن حال الضياع هذا؟ نحن ام الزمن ام أبو العيون الجريئة التي ضلت تردد شعار (حقنا نريد وحق ما ننطي (نعطي))! وراحت تسلخ إرادة الشعوب وتختزلها في شخص القائد الملهم (إذا قال الرئيس قال الشعب)، فباتت الشعوب ضحايا هكذا سفسطة فارغة اغتالت افراح ومسرات اعيادنا..
اختم هذه الخاطرة بقول المتنبي:
عيدٌ بأيةِ حالٍ عُدت يا عيدُ
بما مَضى ام بأمرٍ فيك تجديدُ



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر
- ثلاثة سبل لنجاعة الحكم
- اجعل العقل خزانا للوعي
- متى يتحرر الكورد؟
- خواطر وتساؤلات من الحياة
- الانتخابات ووضع الكورد المصيري
- تطوير حقل كركوك بين إمكانات وزارة النفط والعقد مع شركة BP
- اليك.. بَعضٌ من هذياني (محاورة روحية)
- الانسان هو الغاية والامل
- ازمة المرور في مدن العراق الى اين؟
- ذاكرة العقل تعطل فهمنا للواقع
- الحب في العلاقات الإنسانية (وجهة نظر)
- الزمن ذلك اللغز المحير
- في الاقتصاد النفطي العراقي وبناء الدولة الموحدة
- تداعيات الحكومات العراقية الحديثة
- السلام يصنعه الانسان
- الحرائق الراهنة في الابنية والمتاجر ومرافق الدولة
- الطبيعة هي القيمة المثالية العليا في الوجود والحياة
- العدالة في ميزان الزمن
- تاريخنا يمجد سفك الدماء (وجهة نظر شخصية)


المزيد.....




- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
- اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل ...
- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة
- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت
- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...


المزيد.....

- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد رياض اسماعيل - فرحة الاعياد بين الامس واليوم