محمد رياض اسماعيل
باحث
(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)
الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 11:58
المحور:
الصحافة والاعلام
استكمالا للجزء الأول من المقال موضوع البحث، غالبا ما يتبادر الى الذهن السؤال التالي: هل أن وسائل التواصل الاجتماعي قللت من هيمنة الدول العظمى على الخبر، أم أنها زادت من تعقيد المشهد؟ أعتقد أن الإجابة تكمن في الاتجاهين معاً؛ فقد كسرت وسائل التواصل الاجتماعي "الاحتكار" لكنها عمّقت "الفوضى" وكما يأتي:
1. كسر الهيمنة (تعدد المصادر):
لم يعد الخبر حكراً على وكالات الأنباء العالمية الكبرى أو القنوات الرسمية للدول العظمى. "صحافة المواطن" سمحت بنقل الأحداث من قلب الميدان لحظة وقوعها، مما جعل من الصعب على الدول السيطرة على الرواية الواحدة أو حجب الحقيقة بالكامل. هذا أعطى صوتاً للشعوب والقضايا التي كانت تُهمّش سابقاً.
2. زيادة التعقيد (تزييف الوعي):
في المقابل، استغلت الدول العظمى والمؤسسات القوية هذه الوسائل كأدوات "حرب ناعمة". المشهد أصبح معقداً بسبب:
- الجيوش الإلكترونية (الذباب الإلكتروني): التي تُغرق المنصات بمعلومات مضللة لتوجيه الرأي العام.
- الخوارزميات: التي تحصر المستخدم في "فقاعات فكرية" تعزز انحيازاته بدلاً من تنويره.
- التزييف العميق: الذي جعل من الصعب التمييز بين الخبر الحقيقي والمصطنع.
نخلص في القول الى ان الهيمنة لم تنتهِ، بل تغير شكلها. انتقلنا من مرحلة "ندرة المعلومات" (حيث تسيطر الدولة بما تملكه) إلى مرحلة "تخمة المعلومات" (حيث تسيطر الدولة عبر تشتيت الانتباه وإرباك المتلقي). وهنا يبرز السؤال التالي "هل أن الوعي الفردي حالياً كافٍ للتمييز بين الخبر الحقيقي والموجه، أم أننا بحاجة لآليات ضبط قانونية؟". ان تفعيل آليات الضبط هو التحدي الأكبر حالياً، وهي تنقسم عادةً إلى ثلاثة مستويات تعمل معاً:
1. الضبط التقني (مسؤولية المنصات):
- خوارزميات كشف الزيف: تطوير أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على رصد "التزييف العميق" والحسابات الوهمية (الذباب الإلكتروني) وحظرها تلقائياً.
- توسيم المحتوى: وضع إشارات تحذيرية على الأخبار المشكوك بصحتها أو المصادر التابعة للحكومات لتنبيه القارئ.
2. الضبط التشريعي (مسؤولية الدول):
- قوانين مكافحة التضليل: سَن تشريعات تُحمل المنصات مسؤولية قانونية وغرامات مالية ضخمة إذا لم تحذف المحتوى التحريضي أو الزائف بشكل متعمد.
- حماية البيانات: منع استغلال البيانات الشخصية في "الهندسة الاجتماعية" أو توجيه الناخبين سياسياً.
3. الضبط التربوي (محو الأمية الرقمية):
- إدراج التفكير النقدي: تدريس كيفية التحقق من المصادر في المناهج التعليمية، بحيث لا يتعامل الفرد مع ما يراه كحقيقة مطلقة.
- المشكلة الكبرى: هناك خيط رفيع جداً بين الضبط وبين القمع؛ فالدول العظمى قد تستخدم حجة "مكافحة الأخبار الزائفة" لإسكات المعارضين أو تقييد حرية التعبير. هنا يرى البعض أن تغليظ العقوبات القانونية على مروجي الشائعات هو الحل، ولكنهم يخشون أن يُستخدم ذلك كأداة لتكميم الأفواه؟ هذا هو الجانب المظلم من "آليات الضبط"؛ فالسلطة التي تملك حق تحديد ما هو "خبر زائف" تملك بالتبعية حق إسكات أي صوت لا يعجبها.
- تحول القوانين إلى أداة لتكميم الأفواه يظهر بوضوح في عدة صور:
. المصطلحات المطاطة: استخدام عبارات مثل "نشر أخبار كاذبة"، "نيل من هيبة الدولة"، أو "زعزعة الاستقرار" دون تعريف قانوني دقيق، مما يتيح ملاحقة أي منتقد.
. مركزية الرواية: عندما تصبح الحكومة هي المصدر الوحيد والنهائي للحقيقة، يُعتبر أي خبر ميداني يخالف الرواية الرسمية "شائعة" تستوجب العقاب.
. الرقابة الخوارزمية: ممارسة ضغوط على شركات التقنية لحذف وسوم (هاشتاك) معينة أو حجب حسابات نشطاء بحجة مخالفة معايير المجتمع، وهو ما يُعرف بـ "حظر الظل". المفارقة هنا: أن وسائل التواصل التي بدأت كوسيلة لتحرير الخبر من هيمنة الدول العظمى، أصبحت الآن تُستخدم من قِبل تلك الدول (وبعض الأنظمة) لمحاصرة الفرد رقمياً عبر ترسانة من القوانين والتقنيات. فهل يمكن لـ الذكاء الاصطناعي المستقل (بعيداً عن سيطرة الحكومات) أن يكون حكماً عادلاً في كشف التضليل، أم أن الانحياز البشري سيظل موجوداً في برمجته؟ ان استخدام الذكاء الاصطناعي "المستقل" كحكم رقمي هو فكرة واعدة جداً، لكنها تفتح باباً لصراع من نوع جديد. فإذا تمكنا من بناء نماذج تعتمد على البيانات المفتوحة، وتعمل بعيداً عن خوادم الشركات الكبرى أو رقابة الدول، فقد نصل إلى "ميزان رقمي" للحقيقة. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذا الحل يواجه تحديين رئيسيين:
- صراع السيادة: الدول العظمى لن تسمح بسهولة بوجود "حكم تقني" لا تسيطر عليه؛ بل قد تحاول حجب هذه الأدوات أو اعتبارها هي نفسها أدوات "تضليل" إذا خالفت مصالحها.
- تسمم البيانات: الذكاء الاصطناعي يتعلم مما يقرأه، وإذا أغرقت الجيوش الإلكترونية الإنترنت بمعلومات خاطئة، فقد "يقتنع" الذكاء الاصطناعي نفسه بهذه الأكاذيب ويعتبرها حقائق (وهو ما يُعرف تقنياً بـ "هلوسة النماذج"). لكن على الجانب الإيجابي:
الذكاء الاصطناعي المستقل يمكنه فحص سلاسل التوثيق (مثل تقنية البلوكشين) للتأكد من أن الصور والفيديوهات لم تُعدل، وهذا يقلل الاعتماد على "ثقتنا" في الدولة أو المنصة. فلو أصبح هذا "المحكم الذكي" متاحاً للجميع، هل سيقبل الناس نتائجه حتى لو خالفت قناعاتهم الشخصية، أم أننا سنظل نصدق ما يوافق أهواءنا فقط؟ يبدو باننا سنوافق بحسب اهوائنا، ففي نهاية المطاف، التكنولوجيا (مهما بلغت قوتها) هي "أداة" تقع في يد الإنسان. وهنا نصل إلى جوهر المشكلة الا وهو "الانحياز التأكيدي"، فالمتلقي غالباً ما يميل لتصديق ما يغذي قناعاته المسبقة، حتى لو أثبت له الذكاء الاصطناعي أو الأدلة التقنية عكس ذلك. وهنا تبرز أهمية "الوعي النقدي" كخط دفاع أخير، وتأتي خلال:
- القدرة على التشكيك: ألا يسلم المتلقي برواية واحدة، بل يبحث عن "لماذا يُنشر هذا الخبر الآن؟"
- فهم السياق: إدراك أن الخبر قد يكون صحيحاً كمحتوى، لكنه مضلل في توقيته أو طريقة عرضه.
- مقاومة العاطفة: الأخبار الموجهة تعتمد غالباً على إثارة الغضب أو الخوف لتعطيل منطق التحليل لدى الإنسان.
إذن، المعركة انتقلت من "من يملك الخبر" إلى "من يملك عقل القارئ". الدول العظمى لم تعد تسعى لمنعك من القراءة، بل تسعى لبرمجة طريقة تحليلك لما تقرأ. وبناءً على هذه الرؤية، نحن امام تساؤلين، هل أن المنظومة التعليمية الحالية مؤهلة لبناء هذا الجيل من "المحللين الرقميين"، أم أنها لا تزال تعمل بعقلية التلقين التي تسهل عملية السيطرة؟ وهنا "مربط الفَرس". التلقين، التكييف (Conditioning ) هو الذي يحول المتلقي من باحث عن الحقيقة إلى مجرد صدى لرواية معينة، حيث يتم صياغة ردود أفعاله مسبقاً عبر ضخ مستمر للمعلومات الموجهة. الملاحظة واليقظة يجب أن تبدأ من "الذات" أولاً، من خلال:
- مراقبة رد الفعل العاطفي: إذا أثار الخبر فيك غضباً فورياً أو انتصاراً ساحقاً، فهذه أول علامة على أن الخبر قد يكون "مُكيفاً" للتلاعب بمشاعرك.
- تعدد الزوايا: الملاحظة لا تكتمل إلا برؤية كيف صاغ "الطرف الآخر" نفس الخبر؛ فالحقيقة غالباً تقع في المساحة الرمادية بين الروايتين.
- تتبع المسار: ملاحظة "من المستفيد؟" فالدول العظمى لا تضخ الأخبار عبثاً، بل دائماً هناك هدف استراتيجي خلف كل موجة معلوماتية. نحن نعيش في عصر "حرب الوعي"، حيث الاختراق لا يستهدف الأجهزة، بل يستهدف القناعات. هنا نعود لمسألة الوعي والتنوير والتأمل. الوعي والتنوير والتأمل هو "الدرع الواقي" الذي يحمي الفرد من الوقوع في فخ التكييف (Conditioning). هذا الثالوث يعمل كمنظومة دفاعية متكاملة:
- التأمل: هو الذي يمنحك "المسافة" الضرورية قبل إصدار الحكم. بدلاً من رد الفعل السريع والمبرمج، يمنحك التأمل هدوءاً لملاحظة كيف تحاول المعلومة التلاعب بمشاعرك.
- التنوير: هو السلاح المعرفي؛ فالعقل المستنير يملك "خارطة طريق" تاريخية وفلسفية تمنعه من تصديق أن الأحداث تقع بالصدفة، وتساعده على رؤية الأنماط المتكررة لهيمنة القوى الكبرى.
- الوعي: هو اليقظة الآنية؛ أن تكون حاضراً ومدركاً لكل ما يتدفق عبر حواسك، فتميز بين "الواقع الصلب" وبين "الصورة الذهنية" التي يحاول الإعلام رسمها لك.
بذلك، يتحول الفرد من "مستهلك مبرمج" إلى "مراقب ناقد". الهيمنة الإعلامية تنجح فقط عندما تجد عقولاً "شاغرة" أو مهيأة للتلقي بلا فحص، لكنها تنكسر أمام عقل يمارس التأمل كفعل يومي. فهل أن العودة للفلسفة والعلوم الإنسانية في هذا الزمن الرقمي أصبحت ضرورة ملحة لاستعادة هذا الوعي المفقود؟ ان العودة القهقري للفلسفة والعلوم الإنسانية هي غير مؤهلة، لأن أغلب المنظومات التعليمية الحالية صُممت في عصر الثورة الصناعية، حيث كان الهدف هو خلق "تروس" في آلة الإنتاج؛ أشخاص يمتثلون للأوامر ويكررون المعلومات، لا أفراداً يشككون ويحللون. هذا العجز في التعليم يجعل الفرد لقمة سائغة لعمليات التكييف (Conditioning) التي تحدثنا عنها، لأن:
- التعليم يقدس الإجابة الواحدة: بينما يتطلب الوعي الرقمي القدرة على رؤية احتمالات متعددة.
- غياب منهجية نقد المصادر: يتم التعامل مع الكتاب المدرسي أو الأستاذ كـ "سلطة مطلقة"، وهو ما ينعكس لاحقاً في التعامل مع "الخبر" كحقيقة بمجرد صدوره عن منصة كبرى.
- إهمال "الذكاء العاطفي": المنظومة لا تُعلم الطالب كيف يراقب مشاعره، مما يسهل على الدول العظمى استثارة الجماهير عاطفياً لتمرير أجنداتها.
لذلك، يصبح التنوير الذاتي مجهوداً فردياً شاقاً وليس نتاجاً مؤسسياً. الفرد اليوم مضطر لأن يكون هو "المعلم" لنفسه، يبحث عن الحقيقة خارج الأطر الرسمية التي تحاول قولبته. فهل هذا "العجز المؤسسي" متعمد لإبقاء الشعوب تحت السيطرة، أم أنه مجرد بطء في مواكبة التطور التكنولوجي السريع؟ فالتكنولوجيا ليست مجرد أدوات للترفيه، بل هي لغة العصر التي من خلالها تُدار موازين القوى. ان فهمنا العميق لهذه اللغة هو ما يمنحنا "الحكم العادل" والمستقل. عندما نفهم كيف تُبنى الخوارزميات، وكيف تُوجه البيانات، وكيف يعمل الذكاء الاصطناعي، ننتقل من خانة "المفعول به" (الذي يتم تكييفه) إلى خانة "الفاعل" الذي يمتلك الأدوات لفك شفرات التضليل. هذا السبيل الذي ذكرته يرتكز على ركيزتين:
- امتلاك التكنولوجيا: لكي لا نظل مستهلكين لما تصنعه الدول العظمى من منصات تفرض علينا شروطها.
- الفهم الكوني: بربط التطور التقني بالوعي الإنساني الشامل، لنصل إلى الحقيقة المجردة بعيداً عن "البروباغندا".
بناءً على هذه الرؤية، فأن التحول نحو المصادر المفتوحة (Open Source) واللامركزية هو الخطوة العملية الأهم لكسر هيمنة تلك الدول على عقولنا.
#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)
Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟