أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - محمد رياض اسماعيل - تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الأول-















المزيد.....


تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الأول-


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 12:01
المحور: الصحافة والاعلام
    


اليوم 18 نيسان 2026، تتهاطل الامطار بكثرة على غير عادتها في العشرة سنوات الاخيرة، اجلس في البلكونة على كرسي وفير الوسائد وانظر الى الحديقة التي تغتسل فيها المزروعات تحت زخات المطر وترتجف اغصان الورود وتهوي بعض الوريقات على الأرض بعد ان عجزت عن احتضان أمها في شدة المطر، ويشق صوت الرعد بين الفينة والأخرى صمت المكان، ثم استمتع بصوت المطر المتساقط كموسيقى جميلة، توحي بحياة جديدة خضراء، تُكسي عتمة الليل في شعوري، وتبعث في نفسي فرحاً مؤقتاً، رغم أنى امضي بلا هدف نحو المستقبل! وعلى المنضدة امامي كوب الشاي الحار مع سيجارتي.. انظر الى السماء المتلبدة بالغيوم السوداء واتذكر المطر في طفولتي، كان يستمر لأيام طويلة، فكم فصلا تكرر في حياتي وكم فصلا سيأتي على الأولاد والاحفاد لتتوارث هذا الشعور بعد رحيلي. ثم اعود واحتفل بالمطر قبل ان يباع لي.. لقد ذكرت في احدى مقالاتي باننا لا نختلف عن الحيوانات، سوى اننا نتكلم. ولعل اغلبنا مخدوع بهذا الكلام! وسائل الاعلام هي التي تجيد الفذلكة وفن الكلام، تأتي الينا بالأخبار والتحاليل الإخبارية وغالبا نرى ان هذه الوسائل أصبحت تتشارك في بث الاخبار نفسها في كل بقاع العالم. تطرقت أيضا في مقال سابق الى ان الاعلام يعتم تماما عن الحقائق الساخنة الجارية في (دهاليز الاسياد)، لتحول الأنظار عنها جانبا، وقد تجحفل معه الذكاء الصناعي حديثا، فليتنا ندرك ان الاعلام عبيد الاسياد، وأدواته المتطورة سيحرق الأرض تحتنا، حتى تمنينا لو لم يكن الانسان حيوانا ناطقا! الإعلام الحاضر هو سلاح ذو حدين، هو "مُسير" عندما يخضع للتمويل السياسي الضيق والاحتكار، ولكنه "مُحرر" عندما يلتزم بالمهنية والموضوعية والتقييم الكمي للمادة المتداولة.
لطالما فكرت في ان بلداننا تشكلت في احداث عشوائية، وتجمعت في تشكيلها نزوات تاريخية متعاقبة، ولازالت تعيش في احداث عشوائية. عاد الرعد المتدحرج وضربة البرق ليوقظ فكري الشارد، وعاد صوت مطر السلام، في زخم الفكر عن صناع الخراب. وعدت الى من لايزال يجرفنا عن الحقيقة.. ثم استمتع بصوت المطر المتساقط كموسيقى جميلة، توحي بحياة جديدة خضراء، تُكسي عتمة الليل في شعوري، وتبعث فرحاً مؤقتاً في وجودي.. وهنا اسال كل الذين طبلوا للطغاة، حيث يرقدون في المقابر بسلام، ما الذي جنينا من كل صخبكم وكلماتكم ذات الثمن الباهظ؟ ونحن مع نسلكم اليوم، نحصد الدمار والخراب.. انها الكلمة المجانية، التي تصنعها الأفكار النيرة، وهي التي تربي وتفرش لمستقبل زاهر. اظن ان قيمة المطر كانت غائبة في رسائل الطغاة واعلامها في كل عصر، فبدلاً عن تأمل نزول المطر من السماء، تأملوا الصواريخ والقنابل والقذائف المحرقة، عند نزولها من السماء! فاحرقوا ارضنا، وأصبحنا من العالم ما بعد الثالث! انهم يطبلون اليوم للسلم والسلام العالمي خلال اعلامهم المُضلِل!
بدءا يظهر لنا السؤال التالي (هل الذكاء الصناعي اصبح وسيلة للتضليل الإعلامي؟)، قد يكون هذا التخوف في محله تماماً، وهو يلامس واحدة من أكبر معضلات العصر الحديث. ففي نهاية المطاف، الذكاء الاصطناعي ليس كياناً مستقلاً نزل من السماء، بل هو "مرآة رقمية" لمصنعيه ومن يملك القدرة على تدريبه.
هناك ثلاثة أسباب تجعل الذكاء الاصطناعي عرضة لأن يكون "أداة تضليل فائقة" في يد مراكز القوة:
1. تحيز البيانات (المدخلات)
الذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات الموجودة على الإنترنت. وبما أن مراكز القوة (الدول العظمى والشركات الكبرى) هي التي تسيطر على المحتوى الرقمي والمنصات الإعلامية، فإن الآلة ستتشرب وجهات نظرهم بالضرورة. إذا كانت البيانات منحازة، فستكون المخرجات "انحيازاً مؤتمتاً" يبدو وكأنه حقيقة علمية.
2. "الصندوق الأسود" والبرمجة الخفية
من يضع "القيود الأخلاقية" أو "فلاتر الحقيقة" داخل هذه النماذج؟ هم المطورون والشركات التي تمولهم. يمكن برمجة الذكاء الاصطناعي ليتحاشى مواضيع معينة أو ليقدم وجهة نظر محددة تحت مسمى "الموضوعية"، وهو ما يجعل التلاعب بالوعي أكثر خطورة لأنه يتم خلف ستار من "الحياد التقني" المزعوم.
3. سلاح التزييف العميق
بدلاً من مجرد توجيه الخبر، أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على صناعة الخبر من العدم بصور وفيديوهات وأصوات لا يمكن تمييزها عن الواقع. هذا يعني أن مراكز القوة يمكنها "تصنيع حقائق" كاملة لتوجيه سياسات الدول، مما يجعل "الشك" هو القاعدة الوحيدة المتبقية للإنسان الواعي.
لقد انتقلنا من صراع على "من يملك القناة" إلى صراع على "من يملك الخوارزمية". والخوف هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد "ناطق رسمي" بلسان صانعه، ولكن بلغة أكثر ذكاءً وإقناعاً.
في ظل هذا المشهد الذي يبدو "محاصراً" من كل الجهات:
• الإعلام التقليدي مسيّر.
• الصحفي المستقل يقع في الفخ.
• والذكاء الاصطناعي تحت سيطرة مصنعيه.
ألا يعيدنا هذا إلى نقطة البداية؟ أن الحقيقة الوحيدة التي يمكن الركون إليها هي "العقل النقدي الفردي" الذي يرفض التسليم بأي معلومة دون تفكيكها، مهما كان مصدرها متطوراً؟ ان المستقل ليس كائناً يعيش في فراغ؛ هو في النهاية بشر يتأثر ببيئته، وبحثه عن "الاستمرارية" قد يدفعه للاصطدام بنفس الجدران التي اصطدمت بها المؤسسات الكبرى.
ثمة ثلاث فخاخ رئيسية ينتظر أي "صحفي مستقل" أو صانع محتوى يحاول التحرر:
1. فخ "خوارزميات المنصات"
المستقل يعتمد على يوتيوب، إكس (تويتر سابقاً)، أو فيسبوك للوصول للناس. هذه المنصات ليست جمعيات خيرية، بل هي مراكز قوة بحد ذاتها. إذا لم يلتزم المستقل بـ "سياسات النشر" أو إذا قدم محتوى لا يحقق "تفاعلاً"، فإن الخوارزمية ستقوم بإخفائه. هذا يدفعه اضطراراً لتبني لغة عاطفية أو الانحياز لآراء "التريند" لضمان البقاء.
2. فخ "التمويل المبطن"
لكي يستمر المستقل في إنتاج محتوى عالي الجودة، يحتاج إلى دخل، هنا تظهر "الإعلانات" أو "الدعايات" عندما تبدأ شركة كبرى أو جهة معينة بتمويل حلقاته، يصبح من الصعب عليه انتقاد تلك الجهة أو انتقاد حلفائها، فيتحول تدريجياً إلى "واجهة ناعمة" لمراكز القوة بدلاً من كونه صوتاً حراً.
3. فخ "الاستقطاب الجماهيري"
الجمهور نفسه قد يمارس دور "الديكتاتور". المستقل يبني قاعدته من متابعين يشاركونه الرأي، فإذا حاول يوماً قول الحقيقة التي تخالف أهواءهم، قد يتعرض لـ "الإلغاء" أو الهجوم العنيف، وهذا يدفعه للبقاء داخل "فقاعة" جمهوره، فيتحول من صحفي يبحث عن الحقيقة إلى "مؤثر" يبحث عن إرضاء المتابعين.
هل وصلنا إلى "طريق مسدود"؟
إذا كان الإعلام المؤسساتي مسيراً، والمستقل يقع حتماً في فخ الميول، فالحل ليس في البحث عن "مصدر معصوم"، بل في تغيير طريقة تعاملنا مع الخبر وكما يأتي:
• مبدأ التثليث: لا نصدق خبراً إلا إذا تقاطع في ثلاث مصادر (مصدر رسمي، مصدر معارض، ومصدر محايد أو خارجي). الحقيقة غالباً هي المساحة المشتركة بينهم.
• قراءة "بين السطور": الوعي اليوم يتطلب فهم "لماذا قيل هذا الخبر الآن؟" بدلاً من "ماذا يقول الخبر؟".
بناءً على هذه الرؤية، يبدو أننا في صراع أبدي بين الحقيقة والمصلحة. ونتساءل هنا هل أن الذكاء الاصطناعي اليوم، بقدرته على تحليل البيانات الضخمة، قد يكون حكماً محايداً في المستقبل، أم أنه سيكون مجرد "أداة جديدة" في يد مراكز القوة الكبرى؟ يرى الكثير من المثقفين ان الذكاء الصناعي أداة بيد المراكز، وهذا الطرح يلامس جوهر الواقعية السياسية؛ فالمثالية في "الحياد المطلق" تصطدم دائماً بصخرة المصالح والتمويل. الإعلام في نهاية المطاف يحتاج إلى "أرضية" يقف عليها، وهذه الأرضية غالباً ما توفرها مراكز القوى، سواء كانت حكومات، أحزاباً، أو كارتيلات اقتصادية ضخمة.
هناك عدة أسباب تجعل الإعلام يميل "اضطراراً" أو "طوعاً" نحو مراكز القوة:
1. "قوة التمويل" (من يملك المحطة يملك الخبر)
الصحافة مهنة مكلفة جداً، من شبكات المراسلين إلى التقنيات والبث. عندما تعجز المؤسسة عن تمويل نفسها ذاتياً، تصبح مرغمة على تبني أجندة الممول. حتى في الدول التي تدعي الديمقراطية، نجد أن كبرى الوسائل الإعلامية مملوكة لرجال أعمال لهم مصالح سياسية واقتصادية تتقاطع مع مراكز القوة.
2. "الوصول إلى المعلومات"
مراكز القوى (الدول والوزارات والمؤسسات السيادية) هي المصدر الرئيسي للمعلومات. لكي تضمن وسيلة إعلامية "السبق الصحفي" والوصول إلى المسؤولين، قد تضطر أحياناً لتقديم تنازلات في طريقة عرض الخبر أو نقده، خشية فقدان قنوات الاتصال هذه.
3. "الجاذبية الأيديولوجية"
في كثير من الأحيان، لا يكون الميل بسبب ضغط مادي فقط، بل لأن القائمين على الوسيلة الإعلامية يؤمنون فعلاً بمشروع سياسي معين. هنا يتحول الإعلامي من "ناقل للخبر" إلى "مبشر للفكرة"، مما يجعل "الحياد" مجرد قشرة خارجية.
4. "الضغط الشعبي (التريند)"
أحياناً تكون "السلطة" هي الجماهير نفسها. في المجتمعات المستقطبة، يميل الإعلام إلى مراكز القوى التي تملك قاعدة شعبية عريضة لضمان المشاهدات والتفاعل، مما يجعله يغذي العاطفة بدلاً من العقل. فهل يعني ذلك انعدام الأمل؟
رغم هذا الميل الواقعي، تظل هناك مساحة للمناورة. فالإنسان الواعي اليوم لم يعد يبحث عن "وسيلة محايدة بنسبة 100%" (لأنها قد لا توجد)، بل أصبح يبحث عن "تعددية الانحيازيات":
• بدلاً من قراءة خبر من مصدر واحد يميل لمركز قوة "أ"، يقرأه من مصدر آخر يميل لمركز قوة "ب".
• من خلال المقارنة بين الانحيازات المختلفة، يستطيع القارئ الذكي استنتاج "الخيط الرفيع للحقيقة" الذي يقع في المنتصف. الواقع يقول إن الإعلام هو "مرآة للقوة"، ولكن الوعي يقول إن بإمكاننا النظر في أكثر من مرآة لنرى الصورة الكاملة. في ظل هذا الميل الذي ذكرناه، هل اصبح "الصحفي المستقل" الذي يعمل بمفرده عبر الإنترنت (مثل المدونين أو صناع المحتوى الاستقصائي) هو البديل الحقيقي، أم أنه هو الآخر سيقع في فخ التمويل والميول الشخصية؟
ان تحرير الصحافة من قبضة التوجيه السياسي ليس مجرد "أمنية"، بل هو عملية تتطلب بناء نظام متكامل يحمي الحقيقة من المصالح الضيقة. لكي تتحول الصحافة من "أداة دولية" إلى "منصة شعوب"، يجب توفر عدة ركائز أساسية:
1. الاستقلال المالي (كسر قيد التمويل)، فالتحرر من ان الجهة التي تدفع هي التي تملي الاجندة يبدأ من:
• نماذج التمويل الجماعي: أن يكون الجمهور هو الممول للصحافة عبر الاشتراكات، مما يجعل ولاء الصحفي للقارئ وليس للممول السياسي.
• الأوقاف الإعلامية: إنشاء مؤسسات غير ربحية تعتمد على ريع ثابت يضمن لها الاستقلال عن الميزانيات الحكومية أو ضغوط الشركات الكبرى.
2. الحماية القانونية والنقابية: لكي يتحرر الصحفي الأعزل الذي يسهل تدجينه يتطلب:
• قوانين حماية المصادر، لكي يجرؤ الصحفي على كشف المستور دون خوف من الملاحقة.
• نقابات مستقلة قوية بما يكفي للدفاع عن أخلاقيات المهنة ومنع السلطة من معاقبة الأصوات الحرة.
3. ابراز دور الانسان في التكنولوجيا والخوارزميات: بما أننا في عصر رقمي، لا بد من مواجهة خوارزميات الدول العظمى من خلال:
• برمجيات مفتوحة المصدر: تتيح تداول الخبر دون مراقبة أو توجيه من الشركات التقنية الكبرى.
• منصات بديلة: لا تعتمد على مبدأ "الأكثر إثارة" بل على "الأكثر دقة"، لكسر هيمنة "التريند" الذي يسهل التلاعب به سياسياً.
4. التربية الإعلامية (الحصن الأخير)
الصحافة لا تتحرر إلا إذا تحرر "وعي المتلقي". ان الشعوب التي لا تفرق بين الخبر والرأي هي التي تغري الأنظمة باستغلال الإعلام. عندما يمتلك الفرد القدرة على نقد المحتوى، تصبح أدوات التضليل السياسي بلا قيمة. ان تحرير الصحافة هو صراع مستمر وليس محطة وصول، هو انتقال من "الإعلام السلطوي" الذي يلقن الناس ما يجب أن يفعلوه، إلى "الإعلام الحواري" الذي يمنحهم الأدوات ليفكروا بأنفسهم. ان وجود "إعلام مستقل" تماماً هو أمر غير ممكن واقعياً، لردم هذه الفجوة، نحتاج إلى تحويل المدرسة من مكان لـ "تلقي الإجابات" إلى مختبر لـ "طرح التساؤلات". فالعقل الذي يعتاد السؤال هو عقل يصعب تضليله، سواء من قبل دول عظمى أو منصات تواصل. وان الدور الحكومي لا بديل عنه، لان المبادرات الفردية والتعلم الذاتي عبر الانترنت لن يعوضا هذا التقصير المؤسساتي، الدور الحكومي يسد هذه الفجوة بين المناهج والواقع الرقمي وهو الثغرة التي تنفذ منها عمليات التوجيه السياسي والفكري. المناهج التعليمية في الكثير من دولنا لا تزال تتعامل مع المعلومة كـ "مادة للحفظ"، بينما التحدي الحقيقي اليوم هو "كيفية تصفية" سيل المعلومات المتدفق.
الفجوة تكمن في عدة نقاط أساسية:
• جمود الأدوات: بينما يتطور الذكاء الاصطناعي والخوارزميات كل ساعة، لا تزال المناهج تحتاج لسنوات لتتغير، مما يجعل الخريج مسلحاً بأدوات "العصر الماضي" لمواجهة تحديات "العصر القادم".
• غياب "التربية الإعلامية": هذا المصطلح يجب أن يكون مادة أساسية منذ الصغر، لتعليم الطلاب كيف يكتشفون الأخبار الزائفة، وكيف يفهمون لغة الصورة والرسائل المبطنة في الأفلام والإعلانات.
• التركيز على النتيجة لا الطريقة: المؤسسات التعليمية تهتم بالعلامات، بينما الواقع يتطلب مهارات التفكير النقدي والتحليلي التي تجعل الفرد قادراً على تفكيك الخطابات السياسية التي تحاول تسير الشعوب. القوانين والرقابة، رغم أهميتها، غالباً ما تأتي متأخرة أو تُستغل لتكميم الأفواه وتوجيه الرأي العام من جديد. أما الوعي النقدي فهو الحصن الوحيد الذي يحمله الإنسان معه أينما ذهب. وان تنمية الوعي في عصر "السيولة المعلوماتية" لا تعني فقط القراءة، بل تعني امتلاك مهارات محددة تشبه "جهاز المناعة الفكري":
• ثقافة "التحقق من المصدر": أن يتعلم الفرد التمييز بين الخبر الحقيقي وبين الرأي الشخصي أو الدعاية المبطنة، والبحث دائماً عن "من المستفيد؟" من وراء هذا الخبر.
• فهم الخوارزميات: إدراك أن ما يظهر لنا على هواتفنا ليس "الحقيقة المطلقة"، بل هو انعكاس لما تظن الخوارزمية أننا نريد رؤيته. الوعي بهذه النقطة يدفع الإنسان للبحث عن الرأي المخالف عمداً لكسر القوقعة.
• التعليم المنفتح: بدلاً من التلقين، يجب أن تركز المناهج على "كيف نفكر" لا "بماذا نفكر". القدرة على تحليل الخطاب السياسي والتاريخي تجعل الشعوب عصية على الانقياد العاطفي.
• التأمل قبل التفاعل: في عصر السرعة، الوعي يعني التمهل لثواني قبل ضغط زر "المشاركة"، لأن سرعة الانتشار هي الوقود الذي تتغذى عليه الفوضى المعلوماتية. الرهان على الإنسان هو الأبطأ ولكنه الأكثر ديمومة. الشعوب الواعية هي التي تحول الإعلام من أداة لـ "التسيير" إلى نافذة حقيقية لـ "التنوير".
أن مؤسساتنا التعليمية اليوم في المنطقة بعيدة في مواكبة هذا النوع من التحديات الرقمية، فالمشهد أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً مما كان عليه في عصر "الإعلام التقليدي". فبينما كنا نظن أن منصات التواصل الاجتماعي ستمنح الصوت لمن لا صوت له، برزت تحديات جديدة جعلت الحقيقة أصعب منالاً، للأسباب التالية:
• فقاعات التصفية والترشيح: الخوارزميات الآن هي من يقرر ما تراه. إذا كنت مهتماً بوجهة نظر معينة، ستستمر المنصات في عرض ما يؤيد فكرك فقط، مما يعزز الاستقطاب ويجعل الشعوب تعيش في "جزر معزولة" فكرياً، بدلاً من الانفتاح على الآخر.
• سلاح "المعلومات المضللة": لم تعد الدول العظمى بحاجة لمنع الخبر، بل يكفي "إغراق" الفضاء الرقمي بآلاف الأخبار الزائفة، حتى يفقد القارئ القدرة على التمييز بين الحقيقة والتزييف.
• خوارزميات موجهة: القوى العظمى والشركات الكبرى لم تترك الساحة، بل انتقلت من السيطرة على "شاشات التلفاز" إلى السيطرة على "الخوارزميات"، وهو نوع من التوجيه الخفي والأكثر ذكاءً.
• صحافة المواطن مقابل الاحترافية: رغم إيجابية أن الجميع أصبح "ناقلاً للخبر"، إلا أن غياب الفلترة المهنية والمواثيق الأخلاقية جعل الشائعة تنتشر كالنار في الهشيم قبل أن يتمكن أحد من نفيها. لقد انتقلنا من عصر "ندرة المعلومة" إلى عصر "التخمة المعلوماتية"، حيث المعركة اليوم ليست في الوصول إلى الخبر، بل في القدرة على النجاة من التوجيه الخفي.
اين اذن يكمن الحل؟ هل في فرض رقابة قانونية على هذه المنصات، أم أن التعليم وتنمية "الوعي النقدي" لدى الأفراد هو المخرج الوحيد؟ تعد الصحافة والإعلام من أكثر الأدوات تعقيداً في العصر الحديث، حيث تلعب دوراً مزدوجاً يجعل من الصعب حصرها في حيز واحد. فالإجابة على هذا التساؤل تكمن في فهم الصراع الدائم بين السيطرة والتنوير، لنحلل هذه الجدلية من زوايا مختلفة:
أولاً: الإعلام كأداة لتوجيه السياسات (القوة الناعمة)
في كثير من الأحيان، يُستخدم الإعلام من قبل القوى العظمى كأحد أدوات "القوة الناعمة" لتحقيق مكاسب سياسية دون اللجوء للقوة العسكرية:
• صناعة الرأي العام: تمتلك الدول الكبرى مؤسسات إعلامية ضخمة عابرة للحدود، تستطيع من خلالها تسليط الضوء على قضايا معينة وتجاهل أخرى، مما يخدم أجنداتها الخارجية.
• الدعاية الموجهة (البروباغندا): تاريخياً وحاضراً، استُخدم الإعلام لترويج أيديولوجيات معينة أو لشيطنة الخصوم، مما يجعل الشعوب أحياناً تتبنى مواقف سياسية تخدم مصالح دولية دون وعي كامل.
• التمويل والتبعية: تسيطر شركات عملاقة أو حكومات على كبرى وكالات الأنباء، مما يضع قيوداً غير مرئية على نوعية الخبر وكيفية صياغته.
ثانياً: الإعلام كأداة لفتح آفاق الشعوب (السلطة الرابعة)
في المقابل، لا يمكن إنكار الدور التحرري للصحافة، خاصة في العصر الرقمي:
• كسر الاحتكار المعلوماتي: بفضل الإنترنت ومنصات التواصل، لم يعد الخبر حكراً على المؤسسات الرسمية، مما أتاح للشعوب الوصول إلى وجهات نظر بديلة ومستقلة.
• كشف الفساد والمحاسبة: قامت الصحافة الاستقصائية تاريخياً بإسقاط حكومات وكشف ملفات فساد كبرى، مما عزز من وعي الشعوب بحقوقها وقدرتها على التغيير.
• التبادل الثقافي والمعرفي: ساهم الإعلام في تقريب المسافات بين الثقافات، ونشر العلوم والفنون، وفتح آفاق فكرية كانت منغلقة لسنوات طويلة.
الخلاصة: من يُسير الآخر؟
الإعلام هو سلاح ذو حدين. هو "مُسير" عندما يخضع للتمويل السياسي الضيق والاحتكار، ولكنه "مُحرر" عندما يلتزم بالمهنية والموضوعية.
اليوم، أصبح العبء الأكبر يقع على المتلقي؛ فقدرة الفرد على "الترشيح الذهني" والمقارنة بين المصادر هي الضمان الوحيد لعدم الوقوع في فخ التوجيه السياسي، والاستفادة من الإعلام كوسيلة لفتح آفاق المعرفة. فهل أن وسائل التواصل الاجتماعي قللت من هيمنة الدول العظمى على الخبر، أم أنها زادت من تعقيد المشهد؟ وهنا يشق صوت الرعد بين الفينة والأخرى صمت المكان ثم استمتع بصوت المطر المتساقط كموسيقى جميلة، توحي بحياة جديدة خضراء، الان احتفل بالمطر قبل ان يباع لي! وللمقال بقية..



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظاهرة العنف في المدارس
- العراق بين الماضي والحاضر
- الكتابات الساخرة في الادب العراقي
- رحلة في اغوار تاريخ الحضارات
- فرحة الاعياد بين الامس واليوم
- الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر
- ثلاثة سبل لنجاعة الحكم
- اجعل العقل خزانا للوعي
- متى يتحرر الكورد؟
- خواطر وتساؤلات من الحياة
- الانتخابات ووضع الكورد المصيري
- تطوير حقل كركوك بين إمكانات وزارة النفط والعقد مع شركة BP
- اليك.. بَعضٌ من هذياني (محاورة روحية)
- الانسان هو الغاية والامل
- ازمة المرور في مدن العراق الى اين؟
- ذاكرة العقل تعطل فهمنا للواقع
- الحب في العلاقات الإنسانية (وجهة نظر)
- الزمن ذلك اللغز المحير
- في الاقتصاد النفطي العراقي وبناء الدولة الموحدة
- تداعيات الحكومات العراقية الحديثة


المزيد.....




- وسط ضجة -الأرملة-.. ترامب يمازح ميلانيا بمدة زواج والديه
- ترشيح الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية يفاجئ الأوساط السياسية ...
- -تدوير الأنقاض- شريان حياة طارئ لترميم طرق غزة
- آفاق الرؤية الرقمية.. هل تنهي -بولستار 4- عصر الزجاج الخلفي؟ ...
- وهم أم حقيقة؟ تقنية -الهمس الشبحي- التي أنقذت الطيار الأمريك ...
- كذب أم مناورة؟.. هل طلبت طهران من واشنطن فتح مضيق هرمز؟
- أين الأحزاب العربية من تحالف بينيت-لابيد؟
- روسيا تُنهي لعبة العزلة الدبلوماسية لإيران
- الأول من مايو.. ساعة الحقيقة بين ترمب والكونغرس بشأن حرب إير ...
- إسرائيل تقتل 12 بهجمات على جنوب لبنان وترمب يدعو نتنياهو للت ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - محمد رياض اسماعيل - تطور وسائل التضليل الاعلامي؟ -الجزء الأول-