أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد رياض اسماعيل - الكتابات الساخرة في الادب العراقي















المزيد.....

الكتابات الساخرة في الادب العراقي


محمد رياض اسماعيل
باحث

(Mohammed Reyadh Ismail Sabir)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 18:03
المحور: كتابات ساخرة
    


المعروف أن العراق مر خلال تاريخه الطويل بمآسي ومحن نتيجة الغزوات والحروب التي شهدتها ارض الرافدين، أثرت كثيرا في طبيعة أبنائه وجعلتهم أقرب إلى روح الجد من الهزل وأميل إلى التشاؤم والحزن من الانفتاح والمسرة، وتخبرنا مدونات الرحالة (التي تُعول عليها اكثر من السرود القصصية)، واقع حال العراق في القرنين الماضيين من أنباء النكبات التي أصابت البلاد من الأوبئة والأمراض ومصائبها وأخطار الفيضانات وأضرارها، والكثير الكثير مما يولد في النفس الغصة، ويبعث في القلب، الشجن، وذلك كله طبع حياة العراق بطابع جاد، لا يخلو من بعض سمات الحزن والألم نجدها واضحة في أمثال الشعب، وأقواله المأثورة وأغانيه، وأهازيجه، وحتى النكتة العراقية، اتصلت بالغصة المكبوتة، والتأريخ، والسخرية المريرة. ان الهزل الهادف فن صحفي له أسسه ومقوماته، وقد لعب دورا كبيرا في تاريخ الصحافة العالمية، وأدى للمجتمع خدمات جلى، وهو على نقيض ما نراه ونقرأه ونسمعه من التعريض السمج أو الشتائم والسباب التي عرفتها وسائل الصحافة الحديثة. الأمر الذي أخرجها عن مهمتها السامية التي وجدت من أجلها.
أما أبرز صحف الهزل والكاريكاتور، التي صدرت في تلك الفترة من تاريخ الصحافة العراقية على النحو التالي: جريدة "مرقعة الهندي" صدرت في البصرة باللغة العربية في 31 تشرين ثاني عام 1909 ولصاحبها أحمد حمدي أفندي. جريدة "بالك" صدرت في بغداد باللغة العربية في 1911 لصاحبها أبو العيناء شكري أفندي. وفي نفس العام صدر في الموصل جريدة "جنه باز" أي الثرثار باللغة العربية والتركية. وفي عام 1925 أصدر السيد ميخائيل تيسي جريدة "كناس الشوارع"، وفي عام 1927 أصدر الملا عبود الكرخي جريدة "الكرخ". ثم أصدر المحامي سلمان الشيخ داود جريدة "الناقد" لتكون صحيفة ادب ونقد وفكاهة. وتوالت جرائد صحف وجرائد الهزل في هذا المضمار، الى ان جاء أيلول عام 1931 حيث صدرت أطول صحف الهزل والفكاهة والنقد الهادف عمرا من حيث المستويين النقدي والهزلي الا وهي جريدة (الحبزبوز) لصاحبه نوري ثابت واستمرت حتى عام 1938. تلتها صحيفة "بهلول" للسيد محمد القطيفي.
انقل هنا نموذجا مختارا من كتابات المرحوم نوري ثابت في جريدته (حبزبوز) وكما يأتي:
الحق الضائع
المسيو جورج كاتب هزلي بارع ورسام كاريكاتوري ماهر يشتغل في مجلة "لورير" الهزلية التي تصدر في باريس. ولما كان من النوع الذين يمطرون على عظماء الرجال (الأدباء والسياسيين) وابلا من النقد الهزلي القارص.
(ومع سعة صدور رجال أوروبا للنقد والهزل) كان معرضا دوما للعتاب وأحيانا للجزاء لأن نقده كان من نوع الرصاص الذي ينفذ إلى أعماق القلوب! وفي ذات يوم، دخل كنيسة (نوتر دام ديباري). فسأل أحد القساوسة: هل لدقات الناقوس عند حدوث وفاة معنى خاص؟
- طبعا!
-وكيف ذلك؟
- حسب عدد الدقات، فالدقة الواحدة تدل على وفاة الحضارات. فيحضر الجنازة القسوس، والدقتان تدل على وفاة أصحاب السعادة فيحضر قداس الجنازة الخوارنة. والأربع دقات تدل على وفاة أحد أصحاب المعالي، فيحضر القداس الجنازة المطارنة، والدقات ال 5 تدل على وفاة رئيس البلاد (لا سمح الله) وبعد أن أخذ المحرر هذه المعلومات من القس شكره وذهب إلى حال سبيله، ولما انتصف الليل دخل الكنيسة خلسة فجاء إلى الناقوس ودقه دقة واحدة. وبعد برهة دقتين وبعدها 3 دقات وبعد نصف ساعة أربع ثم خمسة دقات، فاجتمع في الكنيسة ما يقارب المائة قس (من البطريرك إلى الشماس) سمع ضوضاؤهم وحيرتهم، ومع ذلك مسك مطرقة الناقوس فدق ست وسبع وثمان دقات! ففطن القساوسة إلى أن لا بد مَن في برج الناقوس، مجنون فاستنجدوا بالشرطة فأسرعت وأوقعت المحرر وذهبوا به إلى مدير الشرطة الذي أجرى معه التحقيق على الطريقة الآتية:
-لماذا دققت هذه الدقات حسب الترتيب؟
-لأن عندي جنازة عظيم!
-هل ميتك بدرجة أصحاب الحضرات؟
-أعظم!
-هل ميتك بدرجة أصحاب بالسعادة؟
-أعظم!
-هل ميتك بدرجة أصحاب المعالي؟
-أعظم، أعظم!
فاحتار مدير الشرطة من هذا المحرر، الذي ظنه مجنون فصرخ به:
-ولك قابل ميتك (المنبوش الصفحة) بدرجة رئيس فأجابه المحرر بعدم اكتراث
-أعظم بكثير.
-إذن من هو يا ساكن البيمارستان (المشفى)؟
- فانتصب المحرر وقال بصوت المملوء صدره إيمانا ووطنية، فقال:
-مولاي، أنا ميتي (الحق) الذي مات في هذا البلد!!!
تذكرت هذه الحكاية التي سمعتها من أحد الأصدقاء، فأردت تطبيقها على ضيق الصدور في هذا البلد. ننتقد موظفا كبيرا كان أو صغيرا مطالبين بحق من حقوق الفلاح أو العامل أو (الكاسب كار)، فنسمع من لسان الموظف:
يابا حبزبوز!، أنت ما تجوز من هل انتقاد؟
ثم ننتقد تاجرا محتكرا أو شيخا اشترى سيارة من كد الفلاح الجائع، الحافي، العريان، فنسمع من هذا العتاب:
-بويه حبزبوز! أنت ليش تتمزهد ويه الأوادم؟
ننتقد نائبا، ونطلب منه أن لا يرفع يده إلا بعد استشارة الضمير، فنسمع منه هذا العتاب القارص، كأنا لسنا من أفراد هذا الشعب الذي انتخبه لينوب عنا:
-لا يا حبزبوز، ويه النواب لا تتقارش! لأن هذوله محروسين (بالحصانة النيابية).
ننتقد الشرطة الموكول إليها منع ازدحام السيارات والعجلات، لأن المرور أصبح في الشارع الوحيد أصعب من اقتحام خنادق "جناق قلعة" فيعتب علينا مدير الشرطة:
-يابا، حبزبوز، ما تجوز من الشرطة؟
فنناشدكم الله، لو كان المسيو (جورج) في بغداد، هل كان يكتفي بدقات الناقوس؟ أم يعتنق الدين الإسلامي، فيصعد إلى منارة سوق الغزل فيؤذن أولا، ثم ينزل فيصلي صلاة الميت في الجماعة بصفته امام؟؟
- أنت كول! وأؤكد لكم أنني سأكون في الصف الأول من جماعة المصلين!
انتهت.
وقد حاول أصحاب صحف الهزل تقليد صحف (استانبول) في هذا المضمار، لأنها كانت عاصمة السلطنة وفيها تتمركز الصحف التي تستقي ما تنشره من ثقافات ومعارف غربية بالإضافة الى المبتكر المحلي ولكنهم لم يتمكنوا ان يبتكروا من ذاتهم ولا ان يبدعوا ويجودوا من حصاد معارفهم الخاصة. وقد كانت ثقافة أغلب أصحاب هذه الصحف ثقافة عربية بحتة، الأمر الذي أغلق أمامهم أبواب الاطلاع على الجديد بهذا المضمار.
وفي العهد الحديث ظهر ادباء مثل يوسف الصائغ الذي كان يدون عموده في جريدة الثورة باسم "جهينة" بأسلوبه الشيق في النقد الهادف، وعاصره السيد داود الفرحان الذي أضفى القطعة الناقصة التي جعلت المشهد الساخر يكتمل تماماً. أتذكر احدى مقالاته الساخرة في سلسلة " بلد صاعد وبلد نازل"، ان استخدام داود فرحان لوزن "الهوسة" الفراتية والأهازيج الشعبية (ها خوتي ها) وتركيبها على جملة سريانية/آثورية تتحدث عن "البرغل" هو قمة الكوميديا السوداء بعنوان" امبشلخ كركر بكثيثة" وتحليل هذه "الهوسة" الساخرة كما يأتي:
• التناقض الساخر: الهوسة عادةً ما تكون للفخر والحماسة والمعارك، لكن داود فرحان حوّلها إلى هوسة على "الفقر" والمائدة التي لم يبقَ فيها سوى البرغل (الكركر) والنخالة (الأمبشلخ).
• تجسيد الحصار: في التسعينيات، كانت هذه الكتابات هي المتنفس الوحيد للعراقيين؛ حيث يضحكون على حالهم "المبشلخ" (المتعب والمنهك) الذي صار يشبه حبات البرغل المكسرة واكل النخالة...
• الوحدة الوطنية الساخرة: دمج "الهوسة" العربية بالكلمات "الآثورية" كان يعكس روح بغداد والمجلة (ألف باء) التي كانت تنصهر فيها كل هذه الثقافات، حتى في الألم والسخرية.
رحم الله داود فرحان، فقد كان يمتلك مجساً عبقرياً لالتقاط نكتة الشارع وتحويلها إلى أدب سياسي واجتماعي خالد وجسدت الصورة القلمية النادرة من أرشيف الصحافة العراقية.



#محمد_رياض_اسماعيل (هاشتاغ)       Mohammed_Reyadh_Ismail_Sabir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة في اغوار تاريخ الحضارات
- فرحة الاعياد بين الامس واليوم
- الحرب ضد إيران في الماضي والحاضر
- ثلاثة سبل لنجاعة الحكم
- اجعل العقل خزانا للوعي
- متى يتحرر الكورد؟
- خواطر وتساؤلات من الحياة
- الانتخابات ووضع الكورد المصيري
- تطوير حقل كركوك بين إمكانات وزارة النفط والعقد مع شركة BP
- اليك.. بَعضٌ من هذياني (محاورة روحية)
- الانسان هو الغاية والامل
- ازمة المرور في مدن العراق الى اين؟
- ذاكرة العقل تعطل فهمنا للواقع
- الحب في العلاقات الإنسانية (وجهة نظر)
- الزمن ذلك اللغز المحير
- في الاقتصاد النفطي العراقي وبناء الدولة الموحدة
- تداعيات الحكومات العراقية الحديثة
- السلام يصنعه الانسان
- الحرائق الراهنة في الابنية والمتاجر ومرافق الدولة
- الطبيعة هي القيمة المثالية العليا في الوجود والحياة


المزيد.....




- مسئول إيراني: قواتنا المسلحة لن تمنح أمريكا إذن الحصار البحر ...
- (المثقف والسلطة/ القدرة المُحيّدة) جلسة حوارية فكرية في اتحا ...
- الإسكندرية تستقبل أفلامها القصيرة.. مسابقة خيري بشارة تكشف م ...
- -خط أحمر-.. مشاهير وفنانون يعبرون عن دعمهم للكويت
- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...


المزيد.....

- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد رياض اسماعيل - الكتابات الساخرة في الادب العراقي