أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا الواحدة















المزيد.....

سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا الواحدة


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 04:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن الباحث السوسيولوجي الحقيقي هو مَن يسعى لإيقاظ علم الاجتماع في ليبيا من غيبوبته، ليُحوّله إلى أداة للتغيير الفعال بدلاً من بقائه وعاءً راكداً. وفي هذا السياق، نستحضر وادي وامس بالجبل الغربي؛ ذاك المكان الذي قضينا فيه يوماً برفقة الأصدقاء، لنكتشف أنه ليس مجرد مجرى مائي أو محطة عابرة، بل هو شريان حياة نابض. وكما حدثني الصديق الأستاذ كامل الحمروني من قبيلة الغنائمة، الذي غمرنا بكرمه، فإن هذا الوادي يمثل الذاكرة الجمعية للمنطقة. لذا، لم تكن زيارتنا ترويحاً فحسب، بل كانت استعادة واعية للماضي؛ فهذا الوادي يختزل تاريخاً طويلاً من صراع الإنسان مع الحياة ومن أجلها. ففي قصصهم عبرةٌ لمن اعتبر، وذكرى لمن سَبَرَ أغوار حياتهم وأمعن النظر.
لقد رأيتُ في هذه الرحلة فرصةً سانحة لاستنطاق الذاكرة الجمعية، وتحويل تضاريس الوادي من مجرد معالم جغرافية صامتة إلى مختبرٍ اجتماعيٍ يؤكد وحدة هذا التراب؛ فكما تربط الوديان جغرافيا الوطن، فإنها تتجلى كأداةٍ لترابط أبنائه في مواجهة التشرذم والفرقة. وفي هذا الصدد، أكد حديث الأستاذ كامل الحمروني أن وادي وامس يشكل في عمقه أرشيفاً حياً، يخزن قصص الصراع الوجودي مع الطبيعة؛ من كفاح ضد الجفاف إلى طقوس الزراعة والرعي. وهو فوق ذلك خزانٌ للهوية، حيث تبلورت حول موارده الروابط الاجتماعية والأعراف التي نظمت شؤون الناس وضبطت حياتهم. كما تجسد هذا الوادي كرمزٍ للوحدة الوطنية؛ فالوديان في جوهرها لا تعترف بالحدود الضيقة، بل هي عروقٌ ممتدة تغذي جسد الوطن الواحد. وكما أوضح الصديق الحمروني، فإن وادي وامس يمثل نقطة تلاقٍ تاريخية للقبائل الليبية التي يمر عبر أراضيها، حيث كانت تتوافد في مجموعات متآزرة لمجابهة قسوة الحياة، فتهون أمام نداء البقاء كل الخلافات المشحونة، وتذوب الخصومات والضغائن مع أول جريان للمياه.
وحتى نقرّب المعنى أكثر، يمكننا الإشارة إلى أن الوديان، وفقاً لسياقها التاريخي القديم، لم تكن مجرد مجارٍ للزراعة، بل كانت المختبر الذي تُنسج فيه علاقات اجتماعية جديدة. فعندما تجود السماء بالأمطار الوفيرة، تتحول ضفاف الوادي إلى ساحة تعلن توحدها مع مجيء الماء؛ حيث تتلاحم بيوت الشعر السوداء ممتدةً على طول المجرى في مشهدٍ مهيب يجسد وحدة المصير.
وهنا تبرز عبقرية النظام الاجتماعي التقليدي؛ إذ يتحول الوادي من ساحة نزاع محتملة إلى بيئة للتصالح، وفضاءٍ حيوي لإعادة إنتاج النخب والقيادات الوطنية التي تشكل صمام أمان للمجتمع. فكم من نزاعات عاتية أُخمدت، وكم من فتنٍ دُفنت على تلك الضفاف بفضل عقولٍ وطنية بحثت دوماً عما يجمع الشتات. إن هذه القيادات هي الأقرب لتمثيل ضمير المجتمع؛ فهي تمتلك بصيرةً ترى ما لا يراه الآخرون، وشجاعةً لقول ما يخشاه الكثيرون، محولةً الوادي من مجرى للمياه إلى ساحة لترسيخ السلم الأهلي وتعزيز قيم المواطنة. إن هذا الطرح يدفعنا للقول بأن ضفاف الوادي تتحول من مجرد تضاريس جغرافية إلى برلمان طبيعي يُمارس فيه الضبط الاجتماعي وتُصان فيه وحدة الوطن.
وبالقرب من جنبات الوادي، كانت القبائل تتلاحم في ملحمة عيشٍ مشترك؛ حيث يقضي الأهالي أسابيع في حرث الأرض ثم حصاد محاصيلها، في مشهدٍ يجسد وحدة المصير والقضية. ومن خلال نظامٍ اجتماعيٍ عادل، تمنح كل عائلة في القبيلة حصةً محددة من مجرى الوادي، ليكون لكل منها شريانها الخاص الذي يمنحها الأمل، بعيداً عن كدّ الحياة ونصبها؛ فالحياة هنا لا تُصنع بالانفراد، بل بالوحدة التي يفرضها الوادي كقدرٍ جميل. وهذا يعني، ببساطة شديدة، تحول الوادي من مجرد تضاريس إلى عقدٍ اجتماعي، ومساحةٍ للمصالحة وبناء الحياة.
وعلى الضفة الأخرى، يختزن الوادي قصصاً مريرة عن الصراع مع الطبيعة؛ من جفافٍ وضنك عيش، وكفاحٍ مرير من أجل البقاء. وهنا تبرز الحكمة السوسيولوجية في أن استحضار الجروح التاريخية في غير سياقها التصالحي يحوّل الذاكرة الجمعية من وسيلة للتعلم إلى عبءٍ على المستقبل، بل وقد يجعلها وقوداً للانتقام بدلاً من أن تكون جسراً للعبور.
ولعل هذا الوادي، الذي شهد ملاحم وحدة العائلة الواحدة داخل كل قبيلة، يعلمنا اليوم أن تجاوز الصمت العلمي يعني القدرة على قراءة الماضي بوعيٍ تصالحي؛ فنحن نستعيد ذاكرة الوادي لا لننكأ ندوبها، بل لنستلهم منها كيف تلاشت الخصومات أمام حتمية العيش المشترك. وهذا الأمر يقودنا إلى أهمية التدبر في كيفية كون المكان نفسه مصدراً للوحدة ومخزناً للجروح في آنٍ واحد؛ فالوادي في حقيقته - كما رأيته- هو مسرحٌ لصراع الإنسان من أجل الحياة. وبقدر ما يجمع الوادي القلوب، فقد شهد أيضاً منازعات وصلت أحياناً إلى مرحلة صراع الجميع ضد الجميع، حيث كان يُعاد رسم ملامح هذا الفضاء وتوزيع حصصه بناءً على موازين قوى القبائل، وصياغة سياسات تعاملٍ جديدة تفرضها الضرورة.
وفي سياقٍ متصل، تشكل الوديان محفزاً سوسيولوجياً لزيادة الخصوبة السكانية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية؛ فبحبوحة العيش واستقرار الموارد يدفعان الأفراد نحو التوسع الأسري، اتساقاً مع الموروث القبلي الذي يرى في الكثرة العددية عزوةً ونصرة. وهنا يتجلى بعمق مقتضى المثل الشعبي القائل: عِدّ رجالك ورِدّ الميّه، كدلالة على الارتباط الوثيق بين القوة البشرية والقدرة على حماية الموارد وضمان البقاء، كما تتجسد في أرجاء هذا الفضاء أسمى قيم الضيافة والكرم التي يفرضها هذا المجال العام.
ومن جانبٍ تقني وتنظيمي، يمثل الوادي فرصة استراتيجية لحصاد المياه، حيث تُشيّد أو تُرمم الخزانات على حواشيه. ولا يقتصر هذا التنظيم على تدبير المياه وحده، بل يمتد ليشمل بناء مخازن محكمة وهي المطامير تستعمل لحفظ محاصيل القمح والشعير، والتي تُدار وتُحمى بشكل منظم من قِبل أفراد ذوي خبرة في تأمين هذه الموارد الحيوية. وعلى صعيدٍ آخر، يمثل فضاء الوديان وحدة إنتاجية متكاملة؛ فإلى جانب الزراعة، تُعد ضفافها مرعىً خصباً، حيث لا يأتي الفرد إلى هذا المجال وحيداً، بل بمعية بمعية حيواناته من إبل وأغنام ودواب. وفي هذا الفضاء الحيوي، تُمارس الصناعات التقليدية لمشتقات الألبان؛ مما يجعل من الوادي دورة اقتصادية واجتماعية متكاملة، تتداخل فيها حياة الإنسان مع بيئته في سبيل تأمين البقاء.
كما يتوجب التنويه، ببالغ التقدير، إلى دور المرأة في هذا الفضاء؛ فهي الشريك الفاعل للرجل في عمليات الحصاد المضنية، وهي المعمل النابض الذي يُمخض الحليب لإنتاج الألبان. فالمرأة هنا ليست مجرد قوة عمل، بل هي المحرك الوجداني الذي يدفع نحو الذود عن الوديان عبر نَظم الشعر الشعبي الذي يحث على المدافعة وترسيخ قيم الأنفة. وهي التي تسهر الليالي على رحى الشعير والقمح، لتكون بجهدها الضامن الحقيقي لاستمرار الحياة في تلك الربوع.
أن الحديث عن وادي وامس يطول بتفاصيله، إلا أنني أفضّلُ الاكتفاء بهذا القدر لتسليط الضوء على أهمية الذاكرة الجمعية ككل؛ فالمؤلم اليوم هو رؤية هذه الوديان وقد فقدت بريقها التنظيمي والسيادي، لتتحول إلى مجرد فضاءات عابرة للترفيه، بعد أن كانت يوماً مهداً لصناعة القرار وصياغة وحدة المصير.
وعموماً، فإن ما نبتغي الإشارة إليه هو أن وادي وامس كان بالنسبة لي فضاءً عاماً يحكمه إطار تنظيمي صارم لا مجال فيه للتهاون؛ لذا، نحن نبتغي من هذه القراءة استحضار الذاكرة الجمعية لتعزيز وإبراز ما يجمعنا كوطنٍ واحد تحت مظلة الهوية الجامعة. إن تجاهل هذه المشتركات الوطنية هو الثقب الأسود الذي يتسرب منه شبح الصراع المستمر، لا سيما في مرحلة ما بعد 2011؛ حيث تحولت الهويات الفرعية إلى جبهات للصدام بدلاً من أن تكون روافد للوحدة، وهو أمرٌ في غاية الأهمية؛ إذ يضعنا أمام استحقاق إعادة تعريف الروابط التي تجمعنا.
وهكذا يتضح لنا من التحليل السابق إن إيقاظ علم الاجتماع اليوم يعني ردم هذا الثقب، وتحويل ذاكرة الوديان من حدودٍ عازلة إلى جسورٍ ممتدة تقاوم التفتت. وبناءً على ذلك، فإننا نخلص إلى القول بأن الباحث السوسيولوجي الحقيقي هو من يرى في وادي وامس وجهاً لليبيا التي تقاوم التلاشي، فيستعيد الذاكرة لا من أجل البكاء على الأطلال، بل لفهم كيف صمد هذا المجتمع، وكيف يمكنه أن يصنع التغيير اليوم.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التنمية البشرية بين الرقمنة والتحول الرقمي: قراءة نقدية في ع ...
- خذلان علم الاجتماع للواقع الليبي
- سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم ال ...
- دروس الحرب الأميركية ـ الإيرانية للحالة الليبية
- الجامعات الليبية ومعضلة المقاس الواحد
- سوسيولوجيا التدين اليومي في ليبيا: شهر رمضان ومفارقات الحياة ...
- جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماع ...
- علم الاجتماع من ابن خلدون إلى شرنقة الغرب — أين تاهت المخيّل ...
- الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح ...
- الذاكرة الجمعية والتاريخ في ليبيا (1951– حتى الآن): سلطة الس ...
- التأملات والمشاهدات لأستاذ زائر في ثقافة التعليم والبحث العل ...
- تحول الدراسات الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الليبية من ا ...
- مجلس السلام بين توجهات ترامب ومقاربات ابن خلدون
- اليوم العالمي للتعليم: تحديات التعليم في ليبيا بين الواقع وآ ...
- منطق القوة الفجة: إعادة تشكيل النظام الدولي في عصر ترامب
- الصنم الخلدوني والدولة الحديثة: استشراف مستقبل الحكم في العا ...
- أزمة الحوكمة في معايير الاعتماد الليبية: إشكالية الدمج بين ص ...
- تحليل الفساد الليبرالية: كيف يفهم الجنوب التحول القيمي والاس ...
- لماذا لا تزال الجامعات العربية نصف جامعات
- إعادة التفكير في شكل ومضمون الإنتاج السوسيولوجي في ظل التحول ...


المزيد.....




- منطاد هواء ساخن يهبط اضطرارياً في فناء خلفي لمنزل.. شاهد ما ...
- منذ مطلع أبريل: أمن الدولة العليا تُخلي سبيل أكثر من 90 محبو ...
- كيف وضعت الصين آلاف الرموز من لغتها على -الكيبورد-؟
- معرض هانوفر يُذكر ميرتس بضرورة إصلاحات -حقيقية-
- الحرب في الشرق الأوسط: المفاوضات الشاقة.. بين معضلتي مضيق هر ...
- ستارمر أمام البرلمان لتهدئة الغضب بشأن تعيين مندلسون من جديد ...
- الصين: -أباريق الشاي-.. مصافي نفط صغيرة تهددها الحرب في الشر ...
- إسرائيل تقسّم جغرافيا لبنان: نحو نموذجٍ شبيه بغزّة؟
- هل رسائلك آمنة حقا؟ ما تحتاج معرفته عن -الأبواب الخلفية- في ...
- وصفت -بالقرصنة البحرية-.. كيف سيطرت أمريكا على -توسكا- وكيف ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا وادي وامس: استعادة الذاكرة الجمعية وجهاً لليبيا الواحدة