أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماعية - استنطاق السوسيولوجيا الشعبية














المزيد.....

جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماعية - استنطاق السوسيولوجيا الشعبية


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 14:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في جلسة نقاش عفوية مع شاب من جيل ما بعد 2011 — ذلك الجيل الذي نبت في شقوق الحروب ولم يتذوّق طعم الدولة الراعية أو يستظلّ بكيانها — لاحظت هوّة سحيقة تفصل بين منظومتين قيميتين. نحن أمام صدام بين جيل الشرنقة الذي تربى على مفهوم الدولة الأبوية الراعية، حيث الوظيفة مضمونة والولاء للدولة حتى لو كان شكلياً، وجيل الحرب الذي وُلد في ظل غياب الدولة ككيان حامي، فرأى القوة هي المصدر الوحيد للحق. بالنسبة له، مؤسسات الدولة ساحة غنيمة أو صراف آلي مؤقت، وليست عقداً اجتماعياً طويل الأمد.
هذا التباين دعاني إلى استنطاق ما أسميه السوسيولوجيا الشعبية — سوسيولوجيا تنزل من الأبراج العاجية لتلامس هموم الفضاء العام، وتفكك المسكوت عنه بلغة يقرأها عامة الناس في تواصلهم اليومي، نحن اليوم أمام حربٍ قيميةٍ غير مرئية؛ بطلها جيل ترعرع على ثقافات الألعاب والفضاءات الرقمية حيث ساد منطق البقاء للأقوى، فلا موضع للضعفاء ولا لطقوس الحقوق النظرية. في هذا المشهد استُبدل منطق القانون بمنطق الغلبة، وحلّ السلاح محلّ القلم كوسيلة لانتزاع الهوية؛ فتصبح حياة الشباب وقوداً لمعارك لا يدركون أصولها ولا غاياتها، محاربين بلا قضية ومنتصرين بلا أفق.
خلال حواري مع ذلك الشاب داهمتني غُرْبَة موحشة؛ لم تكن الهوة في المواقف فقط، بل في اللغة نفسها — لغة مشفّرة، ومصطلحات مختزلة تعبّر عن تجارب ومواقف معقدة بكلمة واحدة. لم أستطع فهم كنهها إلا بعد ترجمةٍ وتفكيكٍ منهجي.
خلال حواري مع ذلك الشاب داهمتني غُرْبَة موحِشة؛ لم تكن الهوّة في المواقف فحسب، بل في اللغة نفسها لغةٌ مشفّرة بمصطلحاتٍ مختزلة تعبّر بكلمةٍ واحدة عن تجارب ومواقف معقّدة. لم أعْرِف مغزى هذه اللغة إلا بعد ترجمةٍ وتفكيكٍ متأنّين.
هذا التوقف دفعني للتأمّل في حال جيلٍ قُذف بعيدًا عن مقاعد التعليم التلقيني المتهالكة. وجد هذا الجيل في السلاح وسيلةً لانتزاع الهوية، وفي الهاتف نافذةً لترميم الوعي. تجاوزه بعنف براغماتي ما عجزت المؤسسات الرسمية عن استيعابه؛ استبدل المدرج الجامعي بـ اليوتيوب والمنصات التعليمية الرقمية، وبحث عن المهارة قبل الشهادة، وعن فرصة العمل قبل التخرج. شاهد انهيار الطبقة الوسطى فاستنتج أن التعليم التقليدي لا يغني من جوع؛ فاتجه إلى قيم الاستهلاك السريع، وإلى التجارة الموازية والعمل الرقمي باحثًا عن ثراء يؤمِّنه من تقلبات الحرب. لم تعد عصبيته القبلية تقليدية مرتبطة بالدم والأرض، بل تحوّلت إلى عصبيةٍ مصلحية؛ قد ينتمي إلى كتيبة مسلحة أو إلى مجموعة ضغط رقمية توفر له الحماية والمال — عصبية أكثر عنفًا وأقل انضباطًا بالحكمة المشايخية التقليدية.
نحن أمام ظاهرة نمت وتوحشت بعيدًا عن رادار الدولة ومؤسساتها التقليدية. أليس من واجبنا، سوسيولوجيًا، أن نتقصى هذا التحول الارتدادي؟ كيف تشكّلت شخصيةٌ ترفض الانتظار، تؤمن بالسرعة، وتنسِج مساراتها بعيدًا عن شرنقة الجيل الأبوي الذي لا يزال يعلق أمله على دولة غائبة في وعي هذا الشاب؟
هذا الواقع الصادم دفعني إلى دراسة خصائص هذا الجيل؛ أولئك الذين أراهم ضحايا لا جناة. هم الثمرة المرة لغياب جيل الشرنقة الذي غرق في صالونات توصيف الأزمة والحروب الأهلية، وتقاسم مغانم السياسة، متناسيًا جيلاً كاملاً نبت في العراء.
لقد تركناهم نهبًا للشارع، فتبدّلوا إلى وقود في صراع إرادات لا ناقة لهم فيه ولا جمل. منحتهم هذه الصراعات الدور والأهمية الزائفة التي عجزت المدرسة والأسرة عن منحها. نشأ هذا الجيل في فضاء لا يعترف إلا بـالمنتصر، بعدما شاهَد بأمِّ عينيه إهانة الرؤوس الكبيرة ونهب المؤسسات؛ فانمحى من حساباته معنى المصلحة العامة.
لذلك، بالنسبة إليه، الصالح هو ما يفيده في لحظته الراهنة؛ والقيمة العليا هي السرعة في الكسب والاختراق، لا التراكم والصبر على البناء. إنه جيل لا ينتظر غدًا — فهو لا يثق في مجيئه — بل ينتزع يومه بمخالب الغلبة التي تعلّمها في ساحات الحرب المادية والرقمية.
نحن أمام جيل لم يتعلّم الخسارة كقيمة أخلاقية أو كركنٍ للروح الرياضية؛ بل تشرب فلسفة إعادة المحاولة بعد القتل في عوالمه الافتراضية والواقعية. في عالمه، السلاح أداة تمنحه الهوية والسيادة، بينما تبدو الشهادة الجامعية مجرد ورقة باهتة لا تُسمن ولا تغني من جوع.
بالنسبة إليه، الحرب ليست حدثًا طارئًا بل هي البيئة الطبيعية؛ لذا تُترجم عنده مفاهيم مثل الحوار أو التنازل إلى لافتة ضعف، لأن فضاءه الاجتماعي لا يقدّر إلا المنتصر. هنا يطرح سؤالان بحثيان محوريان: هل ولّدت هذه الحروب جيلاً صلبًا قادرًا على التأقلم مع أقسى الظروف، أم ولّدت جيلاً مهشّمًا نفسيًا يعاني من صدمات غير معالجة قد تنفجر لاحقًا في سلوكيات عدوانية؟
وهنا أسرع إلى القول إن هذا الجيل يعيش انفصامًا قيميًا؛ جسده في واقع ليبي محطّم، وعقله في تيك توك وفيسبوك حيث تُعرض صور الرفاهية الغربية. هذا التناقض يولّد حالة من العدمية أو رغبة جامحة في الهجرة، فتتكثّف لدى هذا الجيل نزعةٌ إلى الفرار من الواقع بدل مواجهة إعادة بنائه. هنا ينبثق مفهوم سوسيولوجيا اليأس لوصف حالةٍ اجتماعيةٍ مركبة تجمع بين فقدان الأفق المؤسسي، وانهيار القيم المجتمعية، وتنامي ثقافة الفعل الفوري كبديل عن المسارات الصبورة للبناء والتمكين.
أفرزت هذه التحولات شخصيةً اجتماعيةً جديدةً تقوم على براغماتية قاسية وسعيٍ فوريٍّ للمنفعة، تغذيها الوسائط الرقمية وأُطر غير مؤسساتية. لذا فهي دعوة موجهة إلى الباحثين في السوسيولوجيا للخروج من شرنقة العزلة الأكاديمية التي استكنَّ إليها جيلنا، والعمل على تطوير أدوات تحليلية ومنهجيات جديدة لمساءلة هذا الجيل واحتوائه قبل أن يتحوّل نهائيًا إلى قوةٍ تُفكِّك المجتمع ومؤسساته. كما هي دعوة لمؤسسات الدولة لبلورة سياساتٍ فعّالة ودفعها للقيام بواجبها الوجودي والوظيفي تجاه شباب الحرب — لاستعادة هويتهم المدنية قبل أن يبتلعهم الفراغ.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علم الاجتماع من ابن خلدون إلى شرنقة الغرب — أين تاهت المخيّل ...
- الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح ...
- الذاكرة الجمعية والتاريخ في ليبيا (1951– حتى الآن): سلطة الس ...
- التأملات والمشاهدات لأستاذ زائر في ثقافة التعليم والبحث العل ...
- تحول الدراسات الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الليبية من ا ...
- مجلس السلام بين توجهات ترامب ومقاربات ابن خلدون
- اليوم العالمي للتعليم: تحديات التعليم في ليبيا بين الواقع وآ ...
- منطق القوة الفجة: إعادة تشكيل النظام الدولي في عصر ترامب
- الصنم الخلدوني والدولة الحديثة: استشراف مستقبل الحكم في العا ...
- أزمة الحوكمة في معايير الاعتماد الليبية: إشكالية الدمج بين ص ...
- تحليل الفساد الليبرالية: كيف يفهم الجنوب التحول القيمي والاس ...
- لماذا لا تزال الجامعات العربية نصف جامعات
- إعادة التفكير في شكل ومضمون الإنتاج السوسيولوجي في ظل التحول ...
- لماذا نستمر في الكتابة في علم الاجتماع؟
- المقال السوسيولوجي كجرعة وعي: نحو علم اجتماع شعبي رقمي
- تعطيل النظام الاخلاقي الغربي في حرب غزة
- بين الجبال والمواقف: رحلة حياة جدتي البطولية
- الدكتورة ناديا حياصات……كما عرفتها
- جيل زد في المغرب: من إسقاط الأنظمة إلى تحسين حوكمة الأداء ال ...
- الكتابة العلمية : ممارسة فكرية حيوية تنبض بالحياة


المزيد.....




- -أمريكا تستعد لإرسال المزيد من الجنود إلى الشرق الأوسط-.. مص ...
- ترامب يؤكد المفاوضات مع إيران ويتحدث عن -هدية كبيرة جدًا-.. ...
- -تحظى باحترام ترامب-.. من هي الشخصية الإيرانية التي تفاوض ال ...
- الرئيس الألماني: الحرب على إيران -كارثة سياسية- وتشكل -انتها ...
- ترامب يغيّر لهجته تجاه إيران: ما خلفيات الانتقال من التصعيد ...
- ملك الأردن: أي اتفاق لوقف الحرب يجب أن يراعي أمن الدول العرب ...
- العراق يمنح الحشد الشعبي -حقّ الرد-.. واستدعاء مرتقب للقائم ...
- بعد 9 أعوام.. محمد صلاح يعلن أخيرا الرحيل عن ليفربول.. لكن إ ...
- ابعاد السفير الايراني بين تأكيد السيادة ومخاطر التصعيد
- سماء تمطر نارا.. كيف اخترقت صواريخ إيران العنقودية الدفاعات ...


المزيد.....

- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماعية - استنطاق السوسيولوجيا الشعبية