أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم الجمعة كنموذج















المزيد.....

سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم الجمعة كنموذج


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 22:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بالإشارة إلى سياق دراستنا حول سوسيولوجيا التدين في المجتمع الليبي، وبعد اتخاذ شهر رمضان كنموذج سابق، ننتقل هنا لتحليل نموذج تدين دوري (أسبوعي) متمثّل في صلاة الجمعة. ويأتي هذا الاختيار نظرًا لما تحمله هذه الصلاة من دلالات عميقة في الوجدان الليبي؛ إذ يكتسب هذا النموذج أهميته من الحضور الطاغي ليوم الجمعة في المخيال الجمعي، بوصفه فضاءً زمنياً يمزج بين القداسة الدينية والعطلة الرسمية. لذلك، يُعدّ يوم الجمعة مؤشّرًا حيويًا لقياس أنماط التدين لدى الغالبية العظمى.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة الاشتباك المعرفي مع أطروحة الدكتور المنصف وناس في مؤلفه ( الشخصية الليبية: ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة) الذي صدر سنة 2014م؛ فقد أرجع وناس ظاهرة توجه أفراد الأسرة الواحدة إلى المساجد عبر سيارات منفصلة إلى نزعة المباهاة الاجتماعية وإثبات الذات. غير أن القراءة الميدانية المتعمقة تدفعنا إلى تبني فرضية مغايرة تنسجم مع سوسيولوجيا الاختيار الديني؛ إذ نرى أن تعدد الوسائل والوجهات قد يعكس بحثاً واعياً عن الإمام الحصيف والخطاب المقنع.
فالتباين الفكري والأيديولوجي داخل الأسرة الواحدة بات يدفع أفرادها إلى تجاوز المسجد بوصفه حيزاً جغرافياً مفروضاً بحكم الجوار، لصالح المسجد الذي يلامس مرجعياتهم الروحية؛ وبذلك يتحول الذهاب للصلاة من مجرد طقس اجتماعي عائلي إلى اختيار فردي يرتكز على القناعة والمعنى، بعيداً عن دوافع التفاخر أو منطق المباهاة.
بناءً على ذلك، يصبح المسجد المختار مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بشخص الكاريزما (الإمام). وبمجرد غيابه أو تغيره، يبدأ الفرد رحلة بحث جديدة عن فضاء آمن للعبادة. وفي المقابل، تبرز أنماط أخرى من التدين العملي البراغماتي؛ فهناك من يضطر للصلاة في أقرب مسجد بدافع القرب الجغرافي، رغم عدم الاقتناع بالخطاب، بينما يفضّل آخرون مساجد تُعتمد فيها الخطبة القصيرة معيارًا أساسيًا للاختيار، بغضّ النظر عن مضمونها. وتكشف هذه الصورة مجتمعة عن تشظّي دوافع الممارسة الدينية وتعدد مستوياتها في الواقع الليبي المعاصر.
علاوة على ذلك، يظهر سلوك التبكير في الذهاب إلى المساجد باعتباره متغيرًا أساسيًا لقياس مستوى الالتزام؛ إذ يسعى قطاع واسع من الأفراد إلى الوصول قبل وقت كافٍ، مدفوعًا بتمثلات دينية تربط الأسبقية بمضاعفة الأجر والثواب. وفي المقابل، نرصد أنماطًا متفاوتة من الامتثال الزمني، تتراوح بين الحضور قبيل صعود الإمام للمنبر وبين الالتحاق المتأخر الذي قد يتجاوز الخطبة إلى الصلاة ذاتها.
وهنا تبرز مفارقة سوسيولوجية مهمة؛ إذ يتحول التأخر المستمر إلى وصمة اجتماعية تُعرّض صاحبها لنمط من الضبط الاجتماعي غير الرسمي. فغالبًا ما يُنظر إليه بريبة، ويُصنَّف تدينه بأنه ناقص أو شكلي، بصرف النظر عن استقامة سلوكياته العامة في الحياة اليومية. ويمتد هذا الدور الرقابي إلى داخل النسق الأسري؛ إذ تمارس الأسرة ضغطًا توجيهيًا يحث الفرد على التبكير، ليس بوصفه مجرد قيمة دينية، بل كآلية للإصلاح السلوكي والاجتماعي.
وفي المحصلة، يواجه تارك صلاة الجمعة في المخيال الجمعي الليبي نظرة دونية مشوبة بالنقد الحاد؛ إذ يُنظر إليه كخارجٍ عن النسق القيمي للجماعة. وهنا تبرز مفارقة سوسيولوجية لافتة، وهي أن بعض الأفراد يحرصون على أداء صلاة الجمعة بوصفها شكلاً من أشكال الامتثال الاجتماعي الضروري للحفاظ على المكانة والوجاهة، بالرغم من عدم التزامهم بباقي الصلوات المفروضة. وبذلك، تتحول صلاة الجمعة لدى هذه الفئة من فعلٍ تعبديٍ محض إلى ضرورة اجتماعية تمنح الفرد صك الغفران المجتمعي وتُجنبه الوصم بالتقصير أو الاغتراب عن محيطه الأسري أو المجتمعي.
ويمتدّ تحليل السلوك الاجتماعي داخل فضاء المسجد ليشمل التفاعل مع التنظيم المكاني، ولا سيما في منطقة الانتقال بين فضاءات الخارج والداخل. وفي هذا السياق يمكن التطرق إلى مواضع وضع الأحذية بوصفها جزءًا من الفضاء الخارجي للمسجد. ورغم توفر صناديق مخصّصة لتنظيم الأحذية خارج المساجد، يُلاحظ لدى بعض المصلين سلوكٌ يتسم بـالفردانية البراغماتية؛ إذ يتم وضع الأحذية بشكل عشوائي خارج هذه الصناديق بهدف تسهيل عملية الخروج السريع بعد الصلاة وتجنب الازدحام. وينتج عن ذلك مشهد بصري تتسم فيه الساحة بالعشوائية، وهو ما يُشير— في نظر الملاحِظ— إلى الاستعجال الطقوسي؛ حيث يطغى هاجس اللحاق بالصلاة أو الرغبة في المغادرة السريعة على الاعتبارات المرتبطة بـالذوق العام أو بالنظام المؤسسي للمكان.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد البنيوي في هذه الظاهرة؛ إذ تعاني بعض المساجد من قصور في البنية التحتية التنظيمية، حيث لا تستوعب الصناديق المتاحة الأعداد المتزايدة للمصلين في يوم الجمعة. وهذا العجز المادي يخلق— بحكم الواقع — حوافز لتنظيم عشوائي للأحذية، بما يعزز من صورة الفوضى البصرية. وبذلك تتداخل في الظاهرة عوامل سلوكية فردية، تتمثل في الرغبة في تجاوز النظام لتوفير الوقت، مع عوامل موضوعية تتمثل في ضيق الإمكانيات المكانية؛ لتكشف في النهاية عن جانب من تحديات الانضباط الاجتماعي داخل الفضاءات العامة.
كما يتخذ سلوك الدخول إلى المسجد أنماطاً تفاعلية متباينة تعكس طبيعة الروابط بين الفرد والجماعة؛ إذ تتراوح التحية فيه بين الإلقاء العام للسلام، والتحية الصامتة التي تكتفي بالامتثال لسكينة المكان. وتخضع كثافة هذا التفاعل لما يُمكن تسميته بـرأس المال الاجتماعي للفرد؛ فكلما توطدت علاقاته بالمصلين، تحوّل السلام إلى طقس تواصلي حركي يتجاوز اللفظ إلى المصافحة الممتدة يميناً ويساراً، مما يعيد إنتاج شبكة العلاقات داخل الفضاء الديني.
تلي ذلك مرحلة البحث عن الحيز المكاني، والتي تبرز فيها ظاهرة سوسيولوجية لافتة هي الاستحواذ الرمزي على الفضاء؛ حيث يلجأ البعض لحجز أماكن في الصفوف الأولى عبر وضع متعلقات شخصية كالمصاحف أو الهواتف، في سلوك يعكس نزعة نحو تملُّك الفضاء العام ومنحه صبغة خصوصية مؤقتة، سعيًا لضمان القرب من الإمام كشكل من أشكال التميز الديني.
وفي المقابل، يبرز نمطٌ آخر للاختيار المكاني يخضع لـإكراهات بيولوجية؛ إذ يتسابق المصلّون، ولا سيما كبار السن، نحو الحوائط والأعمدة طلبًا للأسناد وتخفيف الإجهاد البدني. وبذلك، يتحول توزيع المصلّين من حالة عشوائية إلى هندسة اجتماعية تحكمها ثلاثة محددات:
1. قوة الروابط الاجتماعية في سياق التحية،
2. الرغبة في الاستحواذ على الصفوف الأولى،
3. الحاجة الفسيولوجية إلى البحث عن السند
داخل هذا الفضاء، يتحول المسجد أحياناً إلى منتدى للتداول العام؛ إذ تنشأ أحاديث جانبية تتناول الشأن العام والمواقف اليومية، مما يخلق تداخلاً بين الوظيفتين الدينية والاجتماعية للمسجد. ومع تصاعد حدة هذه النقاشات، يبرز نوع من الضبط الاجتماعي المتبادل؛ إذ يتدخل بعض المصلين لاستعادة سكينة المكان عبر التذكير بآداب المساجد، وهو ما يعكس صراعاً دورياً بين نزعة التفاعل الاجتماعي ومقتضيات الطقس الديني التي تفرض الصمت.
وفي هذا الصدد، يُلاحظ اختفاء ظاهرة التسبيح بالسبحة (المسابيح) من جُلِّ المساجد، بعد أن كانت ركناً أساسياً في فضاء المسجد الليبي قبل عام 2011م؛ مما يشير إلى أثر التيار السلفي في إعادة تنظيم فضاءات المساجد وتحديد مكوناتها المادية وفق رؤيته العقائدية. وفي السياق ذاته، تم تقليص عدد درجات المنابر لتقتصر على ثلاث درجات فقط، وهو توجه معماري وتنظيمي فرضه التيار السلفي في أغلب المساجد، بدعوى الالتزام بالسنة النبوية، واعتبار زيادة عدد درجات المنبر مخالفةً للمنهج النبوي.
كما تبرز وقائع تجسد حدة الصراع بين الممارسة المالكية التقليدية والتوجه السلفي الوافد، لا سيما في مسألة التسبيح بالسبحة. ويُنقل في هذا السياق حادثة ذات دلالة؛ حيث قام أحد المنتمين للتيار السلفي بقطع مسبحة رجل مسن بشكل مفاجئ ودون سابق نصح، مما دفع المسن لرد الفعل بالضرب، وانتهى الأمر بإخراج المصلين للمسن خشية تصاعد الموقف واستدعاء الشاب جماعته للمعونة. إن مثل هذه الاحتكاكات المباشرة، التي بلغت ذروتها في الفترة ما بعد عام 2014م، قد انحسرت في الآونة الأخيرة، ربما نتيجة هيمنة هذا التيار على الفضاءات المساجد وفرض رؤيته بقوة الواقع؛ مما أدى في نهاية المطاف إلى انعدام وجود المسابيح وتراجع الممارسات الصوفية أو المالكية التقليدية التي كانت تشكل هوية المسجد الليبي لقرون.
ومن جانب آخر، تتجلّى ملامح هيمنة مكانية يمارسها المصلّون في الصفوف الأولى؛ إذ يتحوّل القرب من المحراب إلى سلطة رمزية وإجرائية. فهؤلاء يسيطرون— بشكل شبه كامل— على إدارة فضاء المسجد المادية، من خلال التحكم في مكيفات الهواء، أو فتح النوافذ وإغلاقها. وتمتد هذه الهيمنة كذلك إلى الجانب الشعائري، عبر الاستئثار بالقيام بالأذان الأول والثاني. وبذلك، يصبح الصف الأول أشبه بنخبة متدينة تمتلك حق الإدارة والقرار داخل الفضاء العام للمسجد، مما يؤدي إلى تراتبية غير معلنة بين المصلّين تقوم على الأسبقية المكانية.
علاوة على ذلك، يبرز حضور الكراسي المخصّصة للصلاة كأداة مادية تعكس قيم التضامن والتكافل الاجتماعي داخل الفضاء الديني. فبمجرد أن يدخل أحد كبار السن أو ذوو الاحتياجات بمفردِه، تنطلق استجابةٌ فورية من جيل الشباب تتمثل في المبادرة التطوعية لجلب الكراسي. ويترجم هذا السلوك تحويل المبادئ الدينية إلى ممارسات اجتماعية ملموسة. أما في الحالات التي يدخل فيها كبار السن مصحوبين بأفراد من عائلاتهم، فإن فعل جلب الكرسي يتحول إلى طقسٍ من طقوس البرّ والالتزام الأسري، بما يعكس عمق الروابط الاجتماعية في المجتمع الليبي، الذي يَمنح كبار السن مكانة اعتبارية مرموقة.
وفي هذا السياق، تبرز سلطة التقدير الاجتماعي في منح كبار السن حق اختيار مكانهم المفضّل؛ إذ يُسمح بوضع كراسي الصلاة وفق رغبتهم الشخصية، بوصف ذلك نوعًا من التوقير والمكانة الرمزية. ومن جهة أخرى، وفي انتظار ارتقاء الإمام للمنبر، يتحول الفضاء المكاني إلى حالة من السكينة الجماعية؛ حيث تنخرط الأغلبية في تلاوة صامتة لسورة الكهف، مابين استعارة المصاحف الموقوفة أو الاستعانة بتطبيقات الهواتف الذكية. وبذلك، يتجلى تقاطعٌ بين التقليد والرقمية في ممارسة الشعيرة. كما يعزز هذا السلوك الجماعي المنسّق مفهوم التجانس الروحي؛ إذ تشكّل التلاوة نمطًا من التدين الثقافي الذي يصهر المصلين في وعيٍ زماني وروحي موحّد، مما يسهم في وحدةٍ وهيبةٍ اللحظة.
كما ينتج عن التفضيلات المكانية السابقة مشهد بصري يتسم بـالازدحام الهامشي؛ إذ يمتلئ فضاء المسجد من الأطراف الواقعة عند الحوائط والأعمدة، بينما تظل المساحات الوسطى أقل كثافة، مما يؤكد أهمية الاستناد الجسدي بوصفه عنصرًا محددًا لاختيار المكان. وبمجرد صعود الإمام إلى المنبر، ينتقل الفضاء من التفاعل الاجتماعي إلى حالة من الانضباط والصمت المطبق، بوصف ذلك إيذانًا ببدء الخطبة التي تمثل المحور المركزي لهذا التجمع الدوري. وتتسم خطبة الجمعة في العادة بـالنمطية التقليدية؛ إذ تُبنى غالبًا على السرد القصصي النبوي، وسير الخلفاء الراشدين، وحكايات الصالحين، مع محاولات لإسقاط هذه القصص على الواقع المعاش. ورغم الإمكانات الهائلة لخطبة الجمعة كأداة للتنشئة الاجتماعية والتوعية بالقضايا المعاصرة، فإنها تظل غالبًا أسيرة قوالب جاهزة ومتكررة
وفي هذا الإطار، لا تخلو خطب الجمعة من محاولات التوظيف المؤسسي من قبل السلطة؛ إذ تسعى الحكومة عبر القنوات الرسمية - وخاصة من خلال هيئة الأوقاف - إلى توجيه رسائل محددة تعكس توجهات السلطة، كالحث على الالتزام بالقوانين أو النهي عن سلوكيات مجتمعية بعينها. وبذلك تتأرجح خطبة الجمعة بين كونها طقساً روحياً ثابتاً، وبين كونها وسيلة اتصال جماهيري تُوظَّف لتوجيه الرأي العام وصياغة السلوك الاجتماعي وفق رؤية السلطة
أما في أداء صلاة الجمعة، فيُلاحظ أن معظم المصلين باتوا يضعون أيديهم فوق بعضها (القبض)، بينما تضاءلت نسبة من يلتزمون بوضع اليدين جانبًا (السدل). ويشير ذلك إلى تأثر المصلين بمذاهب وتوجهات وافدة، وعدم الاقتصار على المذهب المالكي الذي كان سائداً في هذا الصدد. كما اندثرت المنصة التي كانت توجد في أقصى المسجد، ويشغلها عادةً مجموعة من المرددين؛ إذ كانوا يضطلعون بأدوار محددة مثل الأذان الأول والثاني، وترديد التكبيرات والتسليم خلف الإمام لإيصال الصوت إلى المصلين. وقد انعدمت هذه الوظيفة اليوم في أغلب المساجد الليبية نتيجة الاعتماد على مكبرات الصوت وتغيّر الأنماط التنظيمية.
علاوةً على ذلك، توارت ظواهر دينية كانت تميّز المسجد الليبي، مثل الدعاء الجماعي، والتكبير والتسبيح المتواتر بعد الصلاة. وتعكس هذه التحولات مجتمعةً تأثيرًا واضحًا للتيار السلفي (الوهابي) على الفضاءات المساجد في ليبيا، مما أدى إلى تغيير ملامح الممارسة الدينية التقليدية.
وبمجرد الفراغ من أداء الصلاة، يتبدّل مشهد السكينة إلى حالة من الاندفاع الحركي نحو المخارج؛ حيث يتشكل ازدحام كثيف عند الأبواب وفي فناء المسجد. وتبرز هنا مرحلة البحث عن الممتلكات الشخصية، أي الأحذية، حيث يختلط الازدحام بعشوائية التوزيع المكاني للأحذية، في مشهد يعكس استعجال المغادرة. وفي طريق الخروج، تظهر قيمة التكافل العفوي من خلال صناديق الصدقات؛ إذ يحرص قطاع من المصلين على ممارسة فعل العطاء بوصفه فعلًا متممًا للطقس الديني.
أما على صعيد الهوية البصرية، فإن فضاء المسجد يعكس تنوعًا جليًا في أنماط اللباس؛ إذ تطغى البدلة العربية الليبية بمكوّناتها التقليدية كالـفرملة بوصفها رمزًا للهوية الوطنية، مع حضور وقور للجرد الليبي الذي يرتديه كبار السن بوصفه إرثًا ثقافيًا يعبر عن الوجاهة. وفي المقابل، يلاحظ تغلغل أنماط لباس وافدة مثل الجلباب الخليجي أو الجلباب المغربي، وهو ما يعكس تعددية في المرجعيات البصرية للتدين المعاصر؛ حيث لم يعد الزي الوطني هو المعبر الوحيد عن هوية اللباس الديني، بل زاحمته أنماط عابرة للحدود ترتبط أحيانًا بتمثلات أيديولوجية أو مذهبية بعينها.
وتبدأ بعد الصلاة رحلة العودة إلى المجال الخاص، أي البيت، لتناول الوجبات الشعبية التقليدية مثل البازين أو الكسكسي. وتعمل هذه الوجبة كرابط اجتماعي يجمع أفراد الأسرة الممتدة أو الأصدقاء؛ مما يجعل من يوم الجمعة مساحة لتعزيز التماسك الأسري وإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية عبر بوابة التراث الغذائي واللقاء الاجتماعي. وفي الختام، يتجلى يوم الجمعة في المخيال الجمعي الليبي بوصفه بناءً سوسيولوجيًا مركّبًا؛ تتداخل فيه الأبعاد الدينية مع الالتزامات الاجتماعية لتتشكل منه صورة يومٍ شمولية بامتياز. فهو لا يمثل مجرد زمن لأداء شعيرة تعبدية، بل فضاءٌ زمني مقدّس تُستعاد فيه الروابط الأسرية، وتتجدد فيه قيم التكافل والتواصل. كما أن الإصرار الجماعي على حضور صلاة الجمعة يتجاوز كونه امتثالًا لعقيدة دينية غير قابلة للنقاش؛ إذ يصبح فعلاً يكرس الهوية والانتماء الاجتماعي، حيث تتداخل الدعوات المباركة مع اللقاءات الاجتماعية، ليغدو هذا اليوم ركيزةً أساسية يستمد منها النسيج الاجتماعي الليبي توازنه واستمراريته.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دروس الحرب الأميركية ـ الإيرانية للحالة الليبية
- الجامعات الليبية ومعضلة المقاس الواحد
- سوسيولوجيا التدين اليومي في ليبيا: شهر رمضان ومفارقات الحياة ...
- جيل Z الليبي بعد 2011: ديناميات الهوية والبراغماتية الاجتماع ...
- علم الاجتماع من ابن خلدون إلى شرنقة الغرب — أين تاهت المخيّل ...
- الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح ...
- الذاكرة الجمعية والتاريخ في ليبيا (1951– حتى الآن): سلطة الس ...
- التأملات والمشاهدات لأستاذ زائر في ثقافة التعليم والبحث العل ...
- تحول الدراسات الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الليبية من ا ...
- مجلس السلام بين توجهات ترامب ومقاربات ابن خلدون
- اليوم العالمي للتعليم: تحديات التعليم في ليبيا بين الواقع وآ ...
- منطق القوة الفجة: إعادة تشكيل النظام الدولي في عصر ترامب
- الصنم الخلدوني والدولة الحديثة: استشراف مستقبل الحكم في العا ...
- أزمة الحوكمة في معايير الاعتماد الليبية: إشكالية الدمج بين ص ...
- تحليل الفساد الليبرالية: كيف يفهم الجنوب التحول القيمي والاس ...
- لماذا لا تزال الجامعات العربية نصف جامعات
- إعادة التفكير في شكل ومضمون الإنتاج السوسيولوجي في ظل التحول ...
- لماذا نستمر في الكتابة في علم الاجتماع؟
- المقال السوسيولوجي كجرعة وعي: نحو علم اجتماع شعبي رقمي
- تعطيل النظام الاخلاقي الغربي في حرب غزة


المزيد.....




- فيديو منسوب لـ-وصول غواصة نووية أمريكية إلى الشرق الأوسط-.. ...
- ما هو الحصار البحري؟
- مباشر: طهران تقول إنها كانت على -بعد خطوات قليلة- من التوصل ...
- كيف سيعمل الحصار البحري الذي يفرضه ترمب على مضيق هرمز؟
- الحرب في أكرانيا وإيران تنذر بعصر جديد من الحروب العالمية
- أوروبا تحتفي بـ-عودة المجر- إليها بعد هزيمة أوربان في الانتخ ...
- فشل المحادثات الأميركية الإيرانية يثير مخاوف من أزمة طاقة طو ...
- من سكرتير عسكري إلى رئيس للموساد.. غوفمان يتسلم مهامه يونيو ...
- -لم نتعلم شيئًا-.. وزير خارجية إيران يعلق على انهيار المحادث ...
- الولايات المتحدة تلغي بطاقات الإقامة الدائمة لثلاثة إيرانيين ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - سوسيولوجيا الفضاء والممارسة: التدين في المجتمع الليبي يوم الجمعة كنموذج