حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 04:52
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
سأحاول في هذه المقالة رصد الملاحظات والمشاهدات قدر الإمكان؛ لتشخيص سوسيولوجيا التدين اليومي في ليبيا، لا سيما في المناسبات الدينية وعلى رأسها شهر رمضان. وما يلفت الانتباه في هذا السياق هو ازدواجية السلوك الاجتماعي؛ فبينما يقدس البعض الشعائر الدينية، تظهر في المقابل ممارسات يومية متباينة لدى فئات أخرى. ولتقريب المعنى أكثر، نجد أن كثيرين يسعون للتقرب إلى الله عبر أعمال البر، ومساعدة الغير، والتحلي بالصبر، والإقبال على المساجد. ومع ذلك، تطفو على سطح المجتمع سلوكيات متناقضة تتسم أحياناً بالتوتر والعنف لأتفه الأسباب؛ وكأن الصيام أضحى ذريعة للانفعال، بدل أن يكون وسيلة لتهذيب النفس وتأديبها.
وفي المساجد — لا سيما خلال صلاة العشاء والتراويح — يتشكل أحياناً فضاء أشبه بـنادٍ اجتماعي مغلق؛ إذ يحرص بعض المصلين على التبكير طلباً للأجر والظفر بالأماكن المفضلة، فيرسم هؤلاء الرواد ملامح ذلك الفضاء، ويمارسون هيمنتهم على تفاصيله وإمكاناته. ويتجلى ذلك في فرض سلطتهم على توقيت تشغيل التكييف، أو التحكم في مستوى الإضاءة، بل ويمتد نفوذهم إلى حجز الصفوف الأولى لأنفسهم ولأصدقائهم المقربين، في ممارسات تعكس نوعاً من الاستحقاق الاجتماعي داخل بيت العبادة. وبناءً عليه، تبرز مناوشات تعكس غياب ثقافة المصلحة العامة لصالح الراحة الفردية؛ فقد ينشب نزاع حاد حول فتح النوافذ أو إغلاقها، حيث يصر كل طرف على صوابية رأيه، وقد يتطور الخلاف أحياناً ليصل إلى هجرة المصلين نحو مساجد أخرى، كنوع من الاحتجاج الصامت أو رد الفعل الاجتماعي.
وفي سياق متصل، تتباين أنماط التفاعل الاجتماعي عند دخول المسجد؛ فبينما يحرص مصلون على إلقاء السلام جهراً وبصوت مسموع، يكتفي آخرون بـإيماءة صامتة باليد، في حين يدخل صنف ثالث في صمت مطبق وكأنهم في عوالمهم الخاصة. وفي زوايا المسجد، تدور معركة صامتة مع أوجاع الجسد؛ إذ يتسابق كبار السن للظفر بالأعمدة والجدران كمساند لظهورهم المتعبة، فتتحول الجدران هنا من حدود للمكان إلى مساحات تنافسية لا تقل أهمية عن الصفوف الأولى؛ فمن يسبق إليها يمتلك رفاهية الاستناد والراحة.
ويتجلّى هنا تناقض صارخ؛ فالتنافس على الصفوف الأولى — بدوافع تعبدية لنيل أجر أعظم — قد يفضي أحياناً إلى ممارسات إقصائية فظة، مثل طرد الأطفال من الصفوف الأمامية بحجة أنها حكرٌ على كبار السن أو الحفاظ. وبهذه السلوكيات، يمارس بعض الكبار نوعاً من الوصاية المكانية التي تخلق فجوة شعورية بين الأجيال وتنفّر الصغار من رحاب المسجد. وأستذكر هنا واقعة شخصية، حين طرد أحد كبار السن طفلاً كان يرافقني أثناء صلاة العشاء، ولم أعلم بالأمر إلا بعد التسليم. وحين حاورتُ ذلك الرجل في اليوم التالي حول مبرراته، أجاب بأنه لا يحتمل أن يُنظَر إليه أثناء الصلاة؛ مبرراً فعلته بضيق صدره الشخصي، دون إدراكٍ لخطورة هذا السلوك في بناء أسوار من الاغتراب بين الصغار وفضاءات العبادة.
ومن مظاهر الصراع أيضاً، حجز الأمكنة بوضع المصاحف أو الهواتف المحمولة؛ فبمجرد إزاحة هذه الأشياء، قد ينشب شجار لفظي أو اشتباك عنيف يخرق القواعد الدينية المفترض تحليها داخل المساجد. هذه الدينامية تكشف عن عقلية الاستحواذ التي تسود فضاء المسجد، حيث يُنظر لـ كِبَر السن بوصفه حقاً مقدساً في امتلاك موقع معين، وبذلك يتحول الصف الأول من مساحة للخشوع إلى ساحة لإثبات الأحقية. وهنا نلمس جلياً التباين بين التدين القيمي والتدين الشكلي (المعتاد)؛ حيث تتماهى العبادة مع العادة، فنجد الشخص ذاته الذي يستميت للظفر بالصف الأول، هو نفسه من يفقد وقاره واتزانه النفسي لمجرد شعوره بفقدان موقعه الاعتباري في ذلك الصف.
واللافت للنظر أن هذه المشاحنات، التي قد تصل إلى حد الصراخ، تتوقف فجأة بمجرد دخول الإمام وتكبيره للصلاة، وكأن شيئاً لم يكن! هذه المفارقة تضعنا أمام تساؤل عميق؛ إذ ينتهي كل نزاع أو ضجيج بمجرد سماع الله أكبر، مما يشير إلى أن الدين لدى البعض ليس إلا طقساً محكوماً بلحظة، لا نمطاً سلوكياً مستمراً . وهذا يعني، ببساطة شديدة، أن البعض بمجرد تسليمهم من الصلاة، يعودون إلى طباعهم الحادة؛ وكأن الصلاة كانت مجرد فاصل زمني معزول عن الواقع، وليست مدرسة لتهذيب النفس وتقويم السلوك.
كما تتجلى داخل فضاء المساجد تناقضات اجتماعية لافتة؛ فبينما يمثل المسجد ملاذاً روحياً للكبار، يتحول بالنسبة للصغار إلى مساحة لتفريغ الطاقة، حيث يشهد فناء المسجد مشاجرات صبيانية وألعاباً صاخبة، تزداد حدتها مع انشغال المصلين. ومن الظواهر المثيرة للانتباه، ذلك الإقبال المحموم من الأطفال على اقتناص زجاجات المياه البلاستيكية بمجرد دخولهم، وكأنها غنيمة باردة يتسابقون للفوز بها؛ وهو سلوك يمتد أحياناً ليشمل بعض الكبار أيضاً، في مشهد يعكس سوسيولوجيا المجاني وعقلية الاستحواذ. وفي خضم هذا الضجيج، وبروزاً في زوايا المسجد، ينطلق نوع آخر من التنافس؛ السباق مع الزمن لختم القرآن؛ حيث ينخرط المصلون في حالة استغراق تام لإنهاء الختمات عبر المصاحف أو الهواتف، وتتفاوت طموحاتهم في مضاعفة عدد الختمات أسبوعياً، وكأن الكمّ القرائي أضحى المعيار الوحيد للإنجاز الروحي.
ومع انقضاء الصلاة، أو في الأيام التالية، قد يسود نوع من الندم وطلب الصفح بعد تلك المشاحنات؛ وفي المقابل، قد يتطور الأمر لدى البعض الآخر إلى قطيعة تامة وهجرة للمسجد بحثاً عن آخر، نتيجة خلافات حول تفاصيل ثانوية كدرجة التبريد أو الإضاءة. وهنا تتجلى مفارقة كبرى؛ فالوازع الديني — وإن كان حاضراً — فإنه يأتي لاحقاً للفعل لا سابقاً له، ومصححاً للخطأ لا مانعاً لحدوثه. وهذا يؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقامة الشعائر فحسب، بل في استحضار مقاصدها لتكون ناظماً للسلوك في لحظات الانفعال، قبل أن تتحول إلى مجرد وقائع للندم أو أسباب للفرقة.
ورغم كل تلك التناقضات، تظل المساجد في ليبيا الحاضنة الاجتماعية الأكثر دفئاً، وهنا تبرز قيمة التفقد الاجتماعي بوصفها الملمح الأجمل؛ فغياب أي من الوجوه المعتادة ليوم أو أكثر يثير موجة تلقائية من التساؤل والاهتمام. وبمجرد عودة الغائب، ينهال عليه المصلون بالسلام والسؤال عن أحواله بحفاوة بالغة. والمفارقة المدهشة هنا، أن هذا الاهتمام لا يشترط معرفة الاسم أو وجود صلة قرابة سابقة؛ بل تكفي مجاورة السجود لتكون سبباً في هذا التكافل التلقائي، الذي يجسد أسمى صور الترابط الإنساني داخل فضاء المسجد.
أما خارج أسوار المساجد، فيفرض شهر رمضان في ليبيا إيقاعاً زمنياً فريداً يقلب موازين الحياة اليومية؛ إذ يسود في النهار خمول مؤسسي حاد، تبدو معه المرافق الحكومية وكأنها فقدت نبضها، مع تراجع ملحوظ في أعداد الموظفين والمراجعين، وهدوء لافت في حركة السير. ولا تبدأ المحلات التجارية في فتح أبوابها إلا مع اقتراب العاشرة صباحاً، لتبقى في حالة من الركود النسبي حتى الظهيرة. ورغم التحديد الرسمي لساعات العمل، إلا أن ظاهرة السهر الجماعي حتى الفجر تجعل الالتحاق بالأعمال في موعدها تحدياً عسيراً؛ حيث يطغى الفتور وتقل الرقابة الإدارية، وتتحول المكاتب الحكومية إلى ساحات للتأجيل، في مشهد يجسد غلبة النمط الاستهلاكي والسهر على الانضباط المهني.
وفي هذه الأجواء، تبرز مقولة شهيرة أضحت بمثابة قانون غير مكتوب في الدوائر الحكومية، وهي: تعال بعد رمضان. هذه العبارة المقتضبة تحمل في طياتها مسكوتات اجتماعية عميقة؛ إذ يتعامل الموظف والمراجع على حد سواء مع الشهر كـهدنة من المسؤوليات، أو فصلٍ معلن لتأجيل المعاملات وتجميد المصالح. وكأن القدسية الدينية للشهر تحولت — بمرور الزمن — إلى مبرر اجتماعي للتنصل من الواجبات المهنية، مما يخلق تضارباً صارخاً بين روح الدين التي تحث على إتقان العمل، وبين الواقع الذي يكرس التعطيل. وهكذا، ينزاح شهر رمضان في الوعي الجمعي من كونه مدرسة للإتقان والجهاد النفسي، ليصبح موسماً لتجميد حياة الناس؛ مما يكشف عن هوة واسعة بين مقاصد التشريف وبين واقع الممارسة.
ومع اقتراب الثانية ظهراً، ينقلب المشهد فجأة؛ إذ تستعر حركة السير وتزدحم الأسواق بشكل خانق، وتبرز معها مشادات حادة ومشاجرات لأسباب واهية، يُعزيها البعض لـ ضغوط الصيام. وفي خضم هذا الصخب، تبرز ظاهرة اقتصادية عفوية يقودها الشباب والأطفال، الذين ينصبون طاولاتهم لبيع العصائر الطبيعية الطازجة؛ في مشهد يعكس حيوية الشارع الليبي رغم الإرهاق. غير أن هذا الصخب لا يخلو من تناقض حاد؛ حيث تزداد حوادث السير والمشاجرات بالأيدي تحت ذريعة تعب الصيام. وهنا يتحول الصيام من منسكٍ للتهذيب إلى عذرٍ للعنف؛ فحتى عبارة اللهم إني صائم، التي يُفترض أن تكون تذكرة لسكينة النفس، بات البعض يستخدمها كـ تحذيرٍ هجومي ينذر بنفاد الصبر، في مفارقة تعكس خللاً في فهم جوهر العبادة وتحويلها إلى غطاء للسلوك العصبي.
وإذا أضفنا إلى كل ما سبق ظاهرة الاستهلاك المفرط والتبذير المبالغ فيه في شراء الطعام والشراب، تتكشف لنا هوة واسعة بين مقاصد الدين الداعية للتهذيب والزهد، وبين الممارسات الاجتماعية الواقعية التي يطغى عليها الترف والتبذير. إذ يتحول الشهر الفضيل في المنظور الجمعي إلى موسم استهلاكي بامتياز؛ حيث تتكدس السيارات بالسلع وتفيض الموائد بما يفيض عن الحاجة، في تناقض صارخ مع جوهر الصيام الذي يُفترض أن يكسر حدة الشهوات، لا أن يغذيها بالتهافت على المظاهر الاستهلاكية.
وإذا أمعنا النظر في ملامح الحياة الاجتماعية خلال شهر رمضان، تتكشف لنا سريعاً تلك الظلال القاتمة التي تكتمل بها دورة اليوم الرمضاني في المجتمع الليبي؛ حيث تُرسم سلسلة من التناقضات السلوكية الفجة. فبينما يسيطر الخمول نهاراً، والتوتر ظهراً، يتحول الليل إلى فضاء للروحانية والسهر الممتد حتى الخيوط الأولى من الفجر. وبين هذه المحطات، يبرز تذبذب أخلاقي لافت؛ ففي الوقت الذي تسمو فيه قيم كالتصدق والمعاملة الحسنة، تظهر في المقابل ألفاظ نابية ومشاحنات عنيفة. ومع اقتراب المغرب، يبدأ السباق المحموم نحو ما يُعرف بـ ساعة الشربة، حيث يهرع الجميع لكسر صيامهم بـالشربة الليبية، في لحظة تمزج بين اللهفة للاحتياج والسكينة بعد عناء طويل. ليبقى رمضان في ليبيا — في محصلته النهائية — مزيجاً حياً من العبادة، والعادة، وتحديات السلوك البشري، وصراعاً مستمراً بين نبل المقاصد وهشاشة الممارسة.
إن الاسترسال في تشخيص أثر المناسبات الدينية في تشكيل الحياة الاجتماعية في ليبيا، وقدرتها على كشف دينامية المجتمع، هو موضوع بحثي ذو شجون، فضلا عن كونها مهمة بحثية قد تكون شاقة؛ لهذا آثرت الاكتفاء بهذا القدر، إدراكاً بأن الظاهرة لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتقصي. وعموماً، يمكن القول إن القيم الدينية تظل هي اللحمة التي تشد عضد المجتمع في مواسمه الكبرى، وبدونها قد تتصدع البنية الاجتماعية وتتفكك؛ لكن التحدي الجوهري يكمن في ممارسات وسلوكيات قد تُفرغ الدين — أحياناً — من محتواه الأخلاقي، لتُحيله إلى طقوس اجتماعية يشوبها التوتر ويسكنها التبذير، في غياب واضح لروح الجوهر القيمي.
##حسين_مرجين (هاشتاغ)
Hussein_Salem__Mrgin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟