أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح الفكري














المزيد.....

الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح الفكري


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بادئ ذي بدء، يعكس واقع الفلسفة اليوم وجعًا حقيقيًا في ليبيا. فعلم الفلسفة التي كان يُنتظر أن تكون في صلب معالجة إشكالات المجتمع باتت عند بعض الأوساط أشبه بـحوزة فكرية مغلقة؛ معزولة عن أفراد المجتمع، تتحدث بلغة يفهمها قلة، وتناقش قضايا نادرًا ما تمسّ الواقع أو تُحدث أثرًا ملموسًا.
يُطرح هنا سؤال جوهري: لماذا لا تزال الفلسفة تعيش أزمة عزلة أكاديمية عن هموم المجتمع؟ على الرغم من دورها الأصيل في بناء الوعي وإضاءة المسارات المعقدة في التاريخ والسياسة والمجتمع، إلا أن المشهد في ليبيا يشير بانكفاء الفلسفة على ذاتها؛ فقد تحولت إلى نشاط أكاديمي مقفَل يعيد إنتاج نفسه داخل أُطر جامعية جامدة، دون أن يمتدّ بأدواته الفكرية إلى قضايا الناس واهتماماتهم
إنَّ أبرز ما يُلاحَظ في هذا السياق أن بعض أساتذة الفلسفة في الجامعات الليبية لا يزالون يتعاملون مع التخصص كحوزة شريفة نخبوية لا يجوز اختلاطها ببقية العلوم، وكأنها أعلى مرتبة من سائر المعارف. هذا الانفصال لم يعزل الفلسفة عن باقي العلوم فحسب، بل فصلها بالأهمية عن الواقع اليومي والسياسة والمجتمع، في وقتٍ تزداد فيه الحاجة إليها إلحاحًا أكثر من أي زمن مضى.
ومن جهة أخرى، تظل الكتابات التي تربط الفلسفة بالقضايا المجتمعية استثناءً نادرًا؛ من ذلك أعمال الدكتور نجيب الحصادي التي تتميز بروح فلسفية تلامس نبض الواقع وتطرح أسئلة جوهرية حول الهوية والمجتمع والدولة. لكنها تظل ومضات وسط ظلام عزلة فكرية أوسع، إذ إن الغالبية من الأكاديميين ما زالوا منفصلين عن الواقع ولا يقدمون مساهمات فلسفية فاعلة لبناء مشروع وطني شامل. وهذه الجزئية الأخيرة ذات أهمية كبرى، وتستدعي تدبُّرًا ونقاشًا معمَّقين وإجراءات عملية للخروج من حالة الانعزال.
إنَّ السؤال الجوهري الذي يطفو إلى السطح هنا هو: أينَ أساتذة الفلسفة من مشروع الدولة الجامع؟ فقد أصبحنا، في الواقع، بلا نموذجٍ واضحٍ نطمح إليه. وأدعو القارئ أن يمعن النظر في عمق هذا السؤال وطبيعته اللافتة. يدعمه ما يُرى من غيابٍ واضح لدور أساتذة الفلسفة عن بناء وصياغة مشروعٍ وطني شامل أو عن المساهمة الفعلية في النقاش العام حول الدولة والمصالحة والهوية. والمثير للسخرية أنَّك قد تسمع مهندسًا أو طبيبًا يقدّم رؤى عن مستقبل الوطن والدولة من دون امتلاك أدواتٍ فلسفية منهجية، بينما الفلسفة — التي يُفترض أن تزود المجتمع بأدوات التفكير النقدي، وطرح الأسئلة العميقة، وكشف التناقضات، وربط الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل — غائبة عن هذه الساحة.
بالتالي، أينَ هي الفلسفة اليوم من المعارك والاشتباكات الفكرية الدائرة في الوطن؟ أين أساتذتها من المشهد الإعلامي والمحتوى الرقمي رديء النوعية؟ أين هم من الحوار الوطني؟ وأين هم من رسم خرائط فكرية للمصالحة والعدالة والهوية؟
تلك أسئلةٌ تتطلب إجاباتٍ مسؤولةً وعملًا جادًا لإعادة الفلسفة إلى مكانها كقوةٍ نقديةٍ ومنهجيةٍ قادرةٍ على الإسهام في بناء مشروعٍ وطنيٍّ واعٍ وشامل.
نحن اليوم لا نحتاج إلى محاورين فحسب، بل إلى مفكرين قادرين على إعادة بناء المحتوى الثقافي والفكري للمجتمع. نحتاج من يقوم بقراءة تفكيكية تُنير الرؤى وتوضح الأشياء بمراعاة القيم والسياق والتاريخ والتطلعات. هذا هو موقع الفلسفة، إلا أنها بحاجة ماسة إلى مراجعة ذاتها، وكسر عزلتها، والانفتاح على العلوم الأخرى والمجتمع وهمومه.
كما تتضح هنا مفارقة مهمة وهي : إن مؤسسات الدولة نفسها لم تدرك أن دعم الفلسفة يعد دعماً للأمن الفكري، ولتماسك الهوية الوطنية، ولتحقيق التحول الحضاري. ففي زمن الذكاء الاصطناعي والاضطرابات السياسية، نحتاج إلى فلاسفة يشتبكون مع الأسئلة التي لا تزال تطفو على سطح المجتمع، مثل: من نحن؟ إلى أين نتجه؟ ما الذي يمكن أن يجمع الليبيين؟ وكيف نعيد بناء الدولة دون إعادة بناء الفكر أولاً؟
بالتالي سواء قبلَ البعض هذا الطرح أم لم يقبله، فالغالبية من المؤشرات تبيّن غياب هذا الدور الفلسفي الحيوي. لذلك، بات لزاماً إعادة النظر في موقع الفلسفة داخل الفضاء العام وفي مهام أساتذتها؛ فدورهم لا يجب أن يقتصر على تدريس أفكار أفلاطون وأرسطو فحسب، بل يمتد إلى تكوين العقول، وطرح الأسئلة الصعبة، والمساهمة الفعلية في بناء مشروع وطني جامع يقيم توازناً بين الواقع وقبول الآخر، ويبحث عن المشتركات التي تجمع ولا تفرّق، ويستشرف المستقبل. فالفكرة حين يؤمن بها أفراد المجتمع تتحول إلى قوة دافعة نحو الهدف المنشود، وهذا هو التحدي الحقيقي.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذاكرة الجمعية والتاريخ في ليبيا (1951– حتى الآن): سلطة الس ...
- التأملات والمشاهدات لأستاذ زائر في ثقافة التعليم والبحث العل ...
- تحول الدراسات الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الليبية من ا ...
- مجلس السلام بين توجهات ترامب ومقاربات ابن خلدون
- اليوم العالمي للتعليم: تحديات التعليم في ليبيا بين الواقع وآ ...
- منطق القوة الفجة: إعادة تشكيل النظام الدولي في عصر ترامب
- الصنم الخلدوني والدولة الحديثة: استشراف مستقبل الحكم في العا ...
- أزمة الحوكمة في معايير الاعتماد الليبية: إشكالية الدمج بين ص ...
- تحليل الفساد الليبرالية: كيف يفهم الجنوب التحول القيمي والاس ...
- لماذا لا تزال الجامعات العربية نصف جامعات
- إعادة التفكير في شكل ومضمون الإنتاج السوسيولوجي في ظل التحول ...
- لماذا نستمر في الكتابة في علم الاجتماع؟
- المقال السوسيولوجي كجرعة وعي: نحو علم اجتماع شعبي رقمي
- تعطيل النظام الاخلاقي الغربي في حرب غزة
- بين الجبال والمواقف: رحلة حياة جدتي البطولية
- الدكتورة ناديا حياصات……كما عرفتها
- جيل زد في المغرب: من إسقاط الأنظمة إلى تحسين حوكمة الأداء ال ...
- الكتابة العلمية : ممارسة فكرية حيوية تنبض بالحياة
- ثمن العلم... إلى أين؟
- الأخلاقيات في البحث العلمي والحياة الاجتماعية : ممارسة فعلية ...


المزيد.....




- وفاة روبرت مولر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق عن عمر ...
- في ظل استمرار الحرب مع إيران، من الرابح ومن الخاسر؟ - مقال ف ...
- السودان ـ حصيلة دامية بعد استهداف مستشفى في دارفور
- تعيين المغربي السكتيوي مدربا للمنتخب العماني
- DW تتحقق: ما حقيقة فيديو الجنود الروبوتات الصينيين؟
- مقتل شخص في شمال إسرائيل بصاروخ أُطلق من لبنان وكاتس يتوعّد ...
- دمار كبير في ديمونا وعراد في جنوب إسرائيل جراء سقوط صاروخين ...
- قاليباف يتقدم سياسيا، والحرس يمسك بثقل الحرب.. من يحكم إيران ...
- تصعيد في الضفة الغربية.. حرق منازل وممتلكات فلسطينيين
- لإنهاء الحرب على إيران.. فريق ترامب يدرس صفقة بـ 6 التزامات ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - الفلسفة في المجتمع الليبي: بين إعادة الإنتاج وضرورة الانفتاح الفكري